ومن هذه الحسنات الموهوبة: شكر الخليل (نعم ربّه ابتداءً وختاما ظاهرا وباطنا سرا وعلنا، خالصا مخلصا موصولا عدلا خضوعا واستكانة تعبدا ورقا لرب العالمين مولي النعم، غير مشرك في شكره شريكا من الآلهة والأنداد كما يفعل المشركون، سائلا ربّه في أن يوفقه لذكره وشكره وحسن عبادته حتى يكون أهلا لجنته ودار كرامته التي لا لغو فيها ولا تأثيم قائلا: (واجعلني من ورثة جنة النعيم ((الشعراء ٨٥) . (١) نعمة ونعيما وحبرة وقرة عين بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
المقام مقام دعوة وإرشاد ولا يخلو من استفزازت وانفعالات وتشنجات، وإبراهيم (بشر رسول قد يثور ويغضب على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء، والحلم سيد الأخلاق ومن لوازم الدعوة الأناءة والصبر، والتحمل من أصولها.
٥- قال (: (إنّ إبراهيم لَحلِيمٌ أواه منيب (
الخليل (أقدر على حزم نفسه وضبط أعصابه، ليصفح عن جهالات الناس ويصبر على أذاهم، فهو لم يعاقب قط إلا في الله ولم ينتصر إلا لله، لأنه طبع على أحب الصفات إلى الله وهي: الحلم وكرم الأخلاق والطمأنينة والتؤدة، فأصبحت من صفاته الخِلْقية والخُلُقية (٢) ولكن قد يعجز عنها أصحاب الدعوة، فما أجدر بهم أن يقتدوا بإمام الدعوة والدعاة الخليل (.
ومن آثار حلمه: توجعه وتألمه على كفر أبيه وقومه وأذيتهم له، ولم يستعجل لهم بالعقوبة والعذاب على حين أن حالهم يستوجب إحلال العذاب بهم.
٦- قال (: (أوّاه.... (:.
стр. 6687
حين يتذكر حرمان أبيه وقومه من نعمة الإيمان ومن نعمة نعيم الجنة، يتذكر عاقبة الذين أساؤوا من قومه السوأى فتذهب نفسه عليهم حسرات، يتوجع على عاقبتهم بدخولهم النار ويتأوه على سماجة رأيهم وسفاهة عقلهم، ولكن لا ينفع الأسى على قوم كافرين، فيطلب من ربّه ﵎ الصبر والسلوان بكثرة تلاوة كتابه والإنابة والخشوع له، ويبتهل بالدعاء والتضرع إليه مقرا بالضعف والاستكانة (١) .
٧- قال (: (مُنِيب... (:
إنابة وافتقار إلى الله ﵎ من قدوة الدعاة الخليل (في طلب المدد والعون والسداد في كل الشئون، وتفويض لحال قومه إلى الله، فإنه لا غنى للعبد عن مولاه طرفة عين أو أقل من ذلك، لا سيما في أمر الدعوةِ إلى الله.
فمهما بلغ تمكن العبد وتمكينه ومهما أعطي من قوة واقدام واستكملت لديه قوام الحياة وعناصر السعادة، فلا يزال الضعف والعجز يلازمه، ومهما بلغ من العلم والفهم والذكاء فإن النقص لا يفارقه، إلا من ركب مركب الصدق وتوجه به إلى الله في مغالبة الصعاب بعزيمة صادقة ونية خالصة: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصِدّقون والشهداء عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم ((الحديد ١٩) .
قال (: (إنه كان صديقاً نبياً (:
قال الزمخشري أي: (كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء وبليغا في الصدق) (٢) وذكرت هذه الصفة هنا مقترنة مع النبوة لكونه (كما قال الراغب: (صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله ((٣)
стр. 6688
فلا عجب أن يذكر الله تعالى خليله إبراهيم (في معرض كمال الصدق ونهايته، كما يُفهم من معاني الآية الكريمة حيث عبر بصيغة المبالغة، فقال: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ((مريم ٤٤١) فإنّ الصدق ملاك أمر النبوة ومن لوازم الدعوة ومن أخص صفات الداعية، وقد جعله الله من كمال الإيمان، فقال: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون.... ((الحدديد ١٩) وجعله من مؤيدات النبوة والرسالة، فقال: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ((الحديد ٢٥) وقال: (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة ((يوسف ١٠٨) . (١) وأمر به فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ((التوبة ١١٩) لأنه مفتاح الخلة وباب الرضى ورَحبَة الثقة والمودة.
٩- قال (: (واتخذ الله إبراهيم خليلا... (:
منزلة الخُلة منزلة رفيعة عظيمة عالية، وهي والصدق توءمان كل منهما يختبيء في الآخر لينوب عنه، ولم تحصل هذه المرتبة إلا للخليلين: محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
ولنقف عند هذه الصفة العظيمة لنستشف بعض معانيها الجليلة وأسرارها اللطيفة:
стр. 6689
فهو السخي الكريم وهو الذي أحب الله حبا حتى تخلل قلبه بمحبة الله فلم يدع فيه فراغا إلا ملأه بحب الله حتى أحبه الله، فوالى في الله وعادى في الله،.روي أنه لما رمي فى النار بالمنجنيق وصار في الهواء، أتاه جبريل (فقال: ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا، فَخُلَّةُ الله لإبراهيم (: نصرته إياه (١) .
فلما تأتي النتائج مرضية والعواقب حميدة، فتجيش رحمة الله على عباده بالإنعام والتفضل والاكرام، فإبراهيم (يحوز عمله القبول وجهاده الرضى، فيفيض المولى عليه بِخِلع الرحمة والرضوان والقبول، قال تعالى: (وناديناه أن يا إيراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين ((الصافات ١٠٤، ١٠٥) فيمنح الجليل الجزيل: فيتخذ إبراهيم خليلا.
١٠- (السخاء والكرم) :
قال تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ... ((الذاريات ٢٤- ٢٧) .
стр. 6690
الضيافة من مكارم الأخلاق ومِن آداب الإسلام، ومِن خُلق النبيين والمرسلين وعباد الله الصالحين، وهي كرم وبذل حفاوة وتكريم، تستمال بها النفوس وتجتذب وتعطف بها القلوب وتؤلف، والدعوة كذلك بذل للمعروف لين في الكلام سخاء في الأخلاق، والضيف عزيز كريم.
ولذا كان إكرام بعض الناس فى العطاء سببا في إسلامهم، كما روي عن أنس (أن رجلا سأل النبي (غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا فوالله إنّ محمدا ليعطي عطاءً من لا يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها (١)
واعطى يوم حنين صفوان بن أمية (مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، فقال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله (ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يُعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ (٢) .
وقفة لا بد منها: يجب أن يعلم الداعية أن يكون عطاؤه ومنعه لله تعالى فحسب، لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد والعدو والصديق (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ((النساء ١٣٥) .
ولا بد أن يكون في حسبانه بأن المال مدعاة للمؤاثرة إن لم يراقب الله فيه، أسوة برسول الله (لا يريد من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، فلا يهمه إرضاء قريب أويزعجه غضب صديق أو يثيره شر من أحسن إليه، فلا بد من الصبر والتحمل في ذات الله تعالى ليتحقق المنع والعطاء لله وحده.
١١- (الصبر والتحمل) :
إنّ الصبر والتحمل لمن أبرز صفات الداعية وأوجبها ومن أصول منهج الدعوة وأسسها وآدابها،، فمن فقد الصبر فقد الدعوة، فلا يكمل الداعية ولا تتم الدعوة بدون صبر واصطبار.
стр. 6691
وأَمَرّ الصبر وأشده صبر عباد الله المخلصين على حقوق الله وحدوده حين يعتدى عليها.
لقد ناظر إبراهيم (قومه في بطلان أمر آلهتهم وألزمهم الحجة وعجزوا عن الجواب، ولكن نظراً لمكانة الآلهة وعظيم شأنها عندهم، ونظراً إلى كبير ما ارتكبه إبراهيم (في حق آلهتهم في نظرهم قالوا: (حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ((الأنبياء ٦٨) . شعور بالعجز والضعف أمام الحق، وتلك سمة الطغاة قديماً وحديثاً، فالذي يتعدى على الآلهة يعاقب بأفظع العقاب وأشده وهو النار.
ذكر ابن كثير عن بعض السلف أنه عرض لإبراهيم (جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا وأمَّا إلى الله فبلى، وروي أنه قال: (اللهم! أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبى الله ونعم الوكيل) ، وفي رواية قال: (لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك ((١)
وهنا تتجلى شخصية إبراهيم (المطبوعة على الحلم والصفح والصبر والتحمل، فإن القوم لم يتركوا باباً من الأذية والتعذيب إلا طرقوه، ولكنه (لم يغضب فيفقد برّه وأدبه مع أبيه، ولم يَدْعُ على قومه بالهلاك مع استحقاقهم لذلك، ولكن فوض أمرهم وأمره إلى الله تعالى.
١٢- (توكله على الله) :
لا حول ولا قوة للعبد مطلقاً لا سيما فيما لا يقدر عليه غير الله، من: الهداية والإيمان والرزق والنفع والحياة السعيدة، ويتجلى هذا الخلق النبيل في حياة إبراهيم (حينما يفوض أمر دفع ضّر المرض وجلب نفع الشفاء وأمر الرزق والمعاش وأمر الحياة والأجل والعمر إلى ربّه سبحانه بقوله: (الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين ((الشعراء ٧٨- ٨٠) .
стр. 6692
يقف سيد قطب تحت ظلال هذه الآيات فتتجلى له أسرارها فيستنبط: بما لأجله يصف الخليل (ربّه ﵎ في هذه الآيات وبما لأجله يفتقر الخلق إليه سبحانه، وبما لأجله يستحق العبادة من عباده، (الذي خلقني فهو يهدين (أنشأني من حيث يعلم ولا أعلم فهو أعلم بحقيقتي وتكويني، وحالي ومآلي، ويرشدني وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور مصالح الدين والدنيا والمعاش والمعاد، هداية متصلة من حين نفخ الروح إلى منتهى أجلي، ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ فهو الكفيل بأمر الرزق وهو الذي يطعم ويسقي اختصاصاً وملكاً ولا أحد سواه، (وإذا مرضت فهو يشفين (أدب مع الله فلا ينسب مرضه إلى ربّه وهو يعلم أنه بمشيئة ربّه يمرض ويصح، ولكنه يذكر ربّه في مقام الإنعام والإفضال، ولا يذكره في مقام الابتلاء والامتحان (والذي يميتني ثم يحيين (وكان قومه ينسبون الموت إلى الأسباب، إنه التوكل والاستسلام المطلق الشامل واليقين الكامل من قلب قوي قد امتلأ صدقاً وطمأنينة وثقة بالله (١) .
وإن من آثار توكله على ربّه المحض قوله حين عرض له جبريل قائلاً: ألك حاجة؟ إن لحظات الكَربِ والمصيبةِ لحَظَاتٌ عصيبَةٌ، ومِنْ شأنِ المكروب افتراص لحظات الفرج، لكن الخليل (لعظيم إيمانه وثقته بربّه كان جوابه من فوره دون تردد أو تفكير أو تريث: (أمّا إليك فلا) .
فكانت نتيجة هذا التوجه العظيم إلى الله في أشد حالات الكرب والشدة: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم (. (الأنبياء ٦٩) .وتَضَامَن الأب مع القوم: (وأرادوا به كيداً (. (الأنبياء ٧٠) . ومع ذلك لم يفقد برّه بأبيه وعطفه على قومه حتى في أحرج الظروف: (فجعلناهم الأخسرين ((الأنبياء ٧٠) .
١٣- (برّه بأبيه) :
стр. 6693
بر الوالدين حق ثابت واجب مطلقاً لا يسقط حتى في حال كفرهما، قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا ((النساء ٣٦) وفيه ترويض للنفس على اكتساب الأخلاق الحميدة وتطبيع النفس على تحمل المضايقات ومشاق الدعوة، ففيه ما في الدعوة من المشقة والعناء، قال تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً، قال سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا ((مريم ٤٢- ٤٥) .
يظهر لنا من خلال هذه الصورة كمال برّ إبراهيم (وحلمه، في ألفاظه وتعبيراته وفي تصرفاته في مواجهة قسوة أبيه، حين يخاطبه بألفاظ تُنبيء عن غاية الشفقة والعطف والبر والتعظيم، كما هو شأن الأبوة وحقها الواجب على الأبناء، ليهديه إلى الخير الذي هداه الله إليه، فيقول: (يا أبت ... يا أبت (.
إلا أن هذه الدعوة بأحبّ الألفاظ وأرقّها لا تجد منفذاً إلى القلب القاسي، بل تقابل بالاستنكار والتهديد بألفاظ شديدة اللهجة: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً (ابتعد عنى سالما، إنذار لك بأشد العقوبات وبالموت الشنيع الفظيع إن أنت أصررت على هذا الموقف.
فيظل الرضّي الحليم حليماً ليكون قدوة حسنة ومثالاً يحتذى به في البرّ والدعوة، مجانبا لأسباب الغضب غير جبان أو خائف فيلين جانبه للتهديدات، هكذا الداعية وهكذا تكون الدعوة مقرونة بالشجاعة (١) .
١٤- (الشجاعه) :
стр. 6694
إن الشجاعة للرجال من أوصاف الكمال والجمال لا سيما الأنبياء والرسل منهم، وإن تغيير المنكر يحتاج إلى قوة وشجاعة وثبات ولربما لحق الداعية من الضرر والأذى إذا كان الخصم جباراً غشوماً ظلوما، فإذا ما وقف العناد والمكابرة في وجه الحِيَلِ والطرق المؤدية إلى بيان الحق فلا مفر من إثبات الحق وإعلائه ولا محيد عن إبطال الباطل ودحضه وإلزام الخصم وإفحامه.
فلما تبين آخر المطاف رفض قوم إبراهيم (قبول الحق، قارعهم وأعلن الحرب عليهم ونازلهم، فلم يهب من الطغاة الجبابرة بطشهم وجبروتهم في إبلاغ دين الله، بل أعلن بكل شجاعة وإقدام وقوة وبسالة، مُوطنا نفسه على مقاساة المكاره للذب عن دين الله، غير مبالٍ بنفسه قائلا: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ((الأنبياء ٥٧) .
هذه بعض صفات الخليل إبراهيم (التي كان لها الأثر البالغ في الدعوة إلى الله تعالى.
وكل صفة من هذه الصفات لها مغزى ومعنى عميق، يجب على الداعية تدبرّها والوقوف عندها واستنباط ما فيها من عبر وعظات ونصائح وإرشادات، حتى يعرف مكانه من الدعوة. ومكان الدعوة منه، والله أعلم.
الفصل الثاني:
أساليب إبراهيم (في الدعوة كما عرضها القرآن الكريم
المبحث الأول:
دراسة الآيات المشتملة على أساليب إبراهيم (النظرية في الدعوة
الآيات المشتملة على أساليب إبراهيم (النظرية في الدعوة:
стр. 6695
قال تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين ((البقرة ٢٥٨) . وقال تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة، إني أراك وقومك في ضلال مبين، وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين، فلما جنَّ عليه الليل رأىكوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربك حكيم عليم ((سورة الأنعام ٧٤- ٨٣) . وقال تعالى: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً، قال سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا ((سورة مريم ٤٢- ٤٥) . وقال تعالى: (فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا
стр. 6696
فتى يذكرهم يقال لله إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ (. (الأنبياء ٦٢، ٦٣) . وقال تعالى: (فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم (. (الصفات ٨٨، ٨٩) .
الفصل الثاني:
(أساليب إبراهيم (النظرية والعملية في الدعوة)
المراد بالأساليب هي الفنون والطرق المختلفة التي يسلكها الداعية حسب التيسير والنفع، والمقصود بها هنا: الفنون والطرق التي سلكها إبراهيم (فى الدعوة إلى الله تعالى (١) .
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: الأساليب النظرية:
والمقصود بالأساليب النظرية: هي الفنون أو الطرق التي تخضع للدراسة والتلقي والتعليم والبحث والتأمل المجرد عن التطبيق والتجارب العملية ووسائلها.
وتحته أربعة مطالب:
المطلب الأول: (الاستعطاف)
الاستعطاف هو العطف واستمالة القلب، قال الراغب: هو الميل والشفقة، يقال: عطف عليه وثَناهُ عاطِفَةُ رَحِمٍ (٢) .
стр. 6697
ويأتي الاستعطاف في طليعة الأساليب النظرية لأنه مطلب أساسي مهم في معاملة الناس لكي يتقبلوا ما يقال لهم وهو قرين اللين، فقد يتغافل الداعية عنه حينما يغوص في أعماق الدعوة ويأخذه شيء من الحماسة والانفعال والغضب لله ولرسوله (، فلا يقبح ولا يجهل ولا ينتقص ولا يتعالى، وليكن الخليل (قدوته حينما تأدب مع أبيه- على حين صدر من أبيه ما صدر- بقوله: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ((مريم٤٢، ٤٣) . فلم يصفه بالجهل وإن كان هو كذلك، ولم يصف نفسه بالعلم الفائق وإن كان هو كذلك.
وإن من معاني الاستعطاف تذكير العبد بفضل المنعم المتفضل حتى يصرف شكره له لا لغيره، كما نهى الخليل (أباه عما هو عليه من الضلال والغواية، وذكره بفضل الله عليه فقال: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً (. (مريم ٤٤، ٤٥) .
ولذا عُدّ الاستعطاف من صفات الداعية الناجح الذي كثيرا ما يجذب القلوب الشاردة ويؤلف القلوب النافرة ويأتي بالخير بدلا من الزجر والتأنيب والتوبيخ، فإن قانون الدعوة ليس منحصرا في شخصية معينة وإنما هو علم ومعرفة وهداية وفيض رباني، فيقول: (فاتبعني أهدك صراطا سويا (. (مريم ٤٣) فلا غضاضة في أن يتبع الوالد ولده إذا كان على نور وهداية من الله وعلى اتصال بالله.
وهذا ما يجب التنبيه به على الداعية أسوة بالخليل (الذي لم يغب عن باله مبدأ الاستعطاف فلم يفقد برّه بأبيه فيغلظ له في القول ولم يغضب فيتجاوز حدود التوقير، مع ما لقي من الاستنكار والوعيد بأشد العقوبات: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً ((مريم ٤٦) .
стр. 6698
ولا يكن الاستعطاف كافيا أو الاستنكار والوعيد مانعا من مواصلة الجهد، كما أن الخليل (مع إعراض أبيه وغلظته لم يقطع أمله ولم يقلل من وعظه ونصائحه حتى في ثنايا تخويفه بل قال: (سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا (قلبه ليهديه إلى الخير الذي هداه الله إليه، فخاطبه بألفاظ مفعمة بالتبجيل والتعظيم: (يا أبت..يا أبت (. (١) .
المطلب الثاني: (أسلوب المناظرة والمحاجة)
المناظرة والمحاجة كما يقول السيد الجرجاني: "قريبتا المعنى، وهي: النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب" (٢) .
قال القرطبي: "دلت الآيات على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، فهو كله تعليم من الله السؤال والجواب والمجادلة في الدين، لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل، وجادل النبي (أهل الكتاب وباهلهم (٣) ، وتجادل أصحاب النبي (يوم السقيفة وتدافعوا وتناظروا حتى ظهر الحق وصدر ونفذ في أهله وغير ذلك، فالاحتجاج بالعلم والأدلة مباح وشائع. قال تعالى: (فَلِمَ تُحاجّون فيما ليس لكم به عِلْم ((آل عمران ٦٦) ". (٤) .
وأمر الله تعالى نبيه (أن يجادل بما أوحى إليه، فقال: (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ((الكهف ٢٢) . يقصد به إظهار الحق والوصول إلى الصواب، فإذا ظهر الحق وتبين وجه الصواب وجب قبوله.
стр. 6699
أما اتباع الهوى ومغالبة الخصم أو حب الظهور، فمكابرة وتعنت وبطر للحق وسبب لغضب الله، كاليهود حين عرفوا الحق فأنكروه فغضب الله عليهم ولعنهم، وكقوم إبراهيم (حين ناظرهم وحاجهم ولكن لم يكن منهم إلا العناد والتعنت والمكابرة، كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين ((البقرة ٢٥٨) .
يذكر القرآن الكريم لنا مناظرتين ومحاجتين جرتا بين الخليل إبراهيم (وبين قومه:
فالأولى: دارت مع ذلك العنيد نمرود، لإثبات قدرة الله وتصرفه المطلق فى الملك والملكوت، بأسلوب يتسم بالرفق واللين والتحاور المثمر، لغرض عرضها على النبي (وعلى المسلمين في أسلوب التعجب لبيان حال هذا الكافر الذي (آتاه الله الملك (فبطر وكفر وأورثته النعم الكبر والعتو، فوضع هذه المحاجة القبيحة موضع ما يجب عليه من الشكر، وادعى لنفسه ما هو من اختصاص الرب.
وقد احتج إبراهيم (على نمرود بظاهرتين متكررتين في كل لحظة، وبألصق شيء لحس الإنسان، وهما في الوقت نفسه من الأمور التي لا يقدر عليها غير الله تعالى، ومن الأسرار التي خفيت على العقل إدراك حقيقتها، ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد، ومن ثَمّ عرّف إبراهيم ربّه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ولا يمكن أن يزعمها أحد وهو بربوبية الله تعالى، فقال: (ربي الذي يحيي ويميت (.
стр. 6700
لكن الطاغية فزع إلى وجه آخر مغالطاً نفسه ومموهاً به على قومه، فنسب ما هو من اختصاص الله لنفسه بقوله: (أنا أحيي وأميت (وعنى بذلك أنا أقتل من أردت قتله فيكون ذلك مني اتلافاً له، وأستحيي من أردت قتله فلا أقتله فيكون ذلك مني إحياءً له، على حدّ ما تعارفوا عليه، كما حكى الله بقوله: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ((المائدة ٣٢) . (١) .
فسلم له إبراهيم (تسليم الجدل، وانتقل معه إلى الاحتجاج بسنة ظاهرة مرئية ليفحمه، فقال له: (إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب (لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر له أن يخرج عنها بمخرج المكابرة والمشاغبة، (فبهت الذي كفر (فانقطع وبطلت حجته وسكت متحيراً (٢) .
стр. 6701
فألهم الله الخليل (الحجة بتوفيقه كما قال: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ((الأنعام ٨٣) . (١) أما نمروذ فلم يجد ما يتعلل به أو يعتذر وخشي الفضيحة، فأظهر لأعوانه وجلسائه أن هذا إنسان مجنون يجب أن يخرج من مجلسه، فمن جنونه أنه كسر الأصنام وأن النار لم تحرقه، فتحقق فيه قول الله: (والله لا يهدى القوم الظالمين (فلم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق؛ لأن ذوي الألباب يكذِّبونه (٢) .
أما الثانية: فقد دارت مع أبيه وقومه ليثبت لهم الألوهية والربوبية المطلقتين لله تعالى- وقد حصل شيء من الإيقان بوجود الله- فأُعْلِموا بالأدلة القاطعة ببطلان هذه الآلهة وأُخْبِروا بوجوب وجود الإله الحق.
فأخبرهم من جهة أنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهاً بغير حجة ولا برهان: (أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً (. (الأنعام ٨١) . لأنه المحيط بكل الكائنات علماً فقام الدليل على أنه الرب: (وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون (. (الأنعام ٨٠) ولأن كل ما في الكون طائع له فقام الدليل أنه الإله الحق قال تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ((لقمان ٣٠) .
стр. 6702
فاستفتح الخليل (محاجته بأسلوب يتسم بشيء من الشدة والتوبيخ والاستنكار، مشعراً بأن قضية العقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة وفوق مشاعر الحلم والسماحة والمجاملة: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين، وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين... (. (الأنعام ٧٤، ٧٥) ففي مضمون هذه الآيات إشارة إلى فضيلة صفاء الفطرة التي أخبرنا عنها (عن ربّه ﵎: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم- أي: استَخَفّوهم فذهبوا بهم في الباطل- وحَرّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهُم أن يشركوا بِى ما لم أنزل به سلطاناً) الحديث (١) .
يستدل إبراهيم (على إثبات ألوهية الله تعالى وربوبيته من خلال ثلاث صفات: (البقاء والدوام والعظمة) مستدلاً على ذلك بأقرب شيء إلى الأنظار يُشاهَد على الدوام.
وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في محاجة الخليل (: (فلما جنَّ عليه الليل رأىكوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون... (. (الأنعام ٧٦- ٧٨) (٢) فمن ذا يَرْعى أو يدبر أمر الكون إذا كان الرب يغيب؟ ومثل هذا الكواكب إذا كانت بنورها وبزوغها وضخامتها وعلوها ... فكيف بالأصنام.؟ فقام الدليل على وجوب بطلان هذه الآلهة. (٣) .
стр. 6703
فصدع الخليل (بالحق وأشعرهم بالعجز والاستعانة والافتقار إلى الله للهداية إلى سواء السبيل بقوله: (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ((الأنعام ٧٧) . وبقوله: (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين (. (الأنعام ٧٩) .
ذكر الألوسي أن السر في استدلال إبراهيم (بالنجوم أن القوم كانوا منجمين- والاحتجاج عليهم من واقع معرفتهم وإدراكهم أقوى إلزاما للحجة- وإنما كان يناظرهم على طريقتهم ليبين لهم أن النجوم تقوى وتضعف حسب وقت مطلعها وأفولها، فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، والكواكب باستحالتها إلى القوة تارة والضعف أخرى ناقصة التأثير عاجزة التدبير، مسخرة لا تملك لنفسها تصرفاً ومثل هذه لا تصلح للإلهية (١) .
стр. 6704
لكن الأمر انعكس لانتكاس عقولهم فلجئوا إلى الدفاع عن الآلهة بالتهديد والتخويف من بطشها: (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون.. ((الأنعام ٨٠، ٨١) .حيث يستحقوا أن يتوجوا بتاج العز والكرامة الإلهية، لأنهم: (الذين آمنوا ولم يَلْبِسُوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ((الأنعام ٨٢) . (١) في الدنيا بالهداية والتوفيق للحجج والبراهين، وفي الآخرة: (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ((الأنبياء ١٠٣) .
وختاماً يمتنُّ الله على الخليل (بمنّةِ العون غلى الدعوة وعلى غيرها فيقول: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربك حكيم عليم ((الأنعام ٨٣) . فعندما تصدق النية ويخلص الإخلاص يأتي التأييد الرباني والإلهام الإلهي ليفتح للعبد أنواع أبواب الدعوة وطرائقها.
المطلب الثالث: (استثارة الخصم)
стр. 6705
سدت أبواب المخارجة في وجه القوم فلجأ إبراهيم (وهو يبصرهم بطريق الحق- شأن الداعية الحكيم - إلى استثارتهم واستفزازهم ليستيقظوا لمناقشته ومناظرته مرة بعد مرة حتى تتضح القضية الملتبسة التي من أجلها ثار الجدال والنزاع، كما فعل موسى (مع فرعون عندما ذكّره بربوبية الله بقوله: (وأهديك إلى ربك فتخشى ((النازعات ١٩) . ليظهر ما يجول في الخاطر من حق أو باطل: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ((الأنعام ١٠٤) .
فأثارهم أولا عمليّاً ليراجعوا أنفسهم فحطم أصنامهم: (فجعلهم جذاذاً إلا كبيرا لهم ((الأنبياء ٥٨) خَلْقاً ومنزلة، وعلق الفأس في عنقه أو جعله في يده ليحتج به عليهم فيبكتهم كيف تقع هذه الفاجعة وكبير الآلهة حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة؟ أو كما قال ابن كثير: "ليعتقدوا أنه هو الذي غار لنفسه وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها" (١) لأن من شأن المعبود أن يُرْجَع إليه في المهمات والملمات، (لعلهم إليه يرجعون ((الأنعام ٥٨) . ولكنهم إذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبرا.
فبدلا من مراجعة أنفسهم، إذا هم يبحثون عمن كسرها وفتك بها هذا الفتك المؤلم قائلين: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ((الأنبياء ٥٩- ٦١) . فلا زالوا مصرين على أنها آلهة وهي جذاذٌ.
ثم أثارهم ثانية نظرياً، فاستفزهم بالكلام وقهرهم، فاستولى عليهم الغضب وظهرت فيهم بوادر الانتقام فقالوا: (ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ ((الأنبياء ٦٢) .
стр. 6706
فقابل إبراهيم (هذا الغضب بالتهكم والتعريض ليزيد من ثورتهم، فيقيم الدليل عليهم على أكمل وجه ويقطع كل شبهة وحجة، فرد عليهم بالججة المسكتة المفحمة: (بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ((الأنبياء ٦٣- ٦٥) . فكيف تعبدون من يعجز عن النطق؟، فازدادوا خيبة وقهراً (١) .
ثم أثارهم ثالثاً ببيان زيف مبدئهم فسفه أحلامهم وسب آلهتم، لعله في ذلك يكون واعظاً، فختم عليهم بهذه الخاتمة قائلاً: (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (. (الأنبياء ٦٦، ٦٧) .
المطلب الرابع: (المعاريض)
المعاريض: حمع معراض، من التعريض، وهو خلاف التصريح من القول، وهو التورية بالشيء عن الشيء.
قال الراغب: "هو كلام له وجهان مِن صدق وكذب، أو ظاهر وباطن، فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر، قال تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به مِن خِطْبَة النساء ((البقرة ٢٣٥) . (٢) .
لكن محل الجواز فيما يخلص من الظلم أو يحصل على الحق، أما في إبطال الحق أو عكسه فلا يجوز. (٣) .
стр. 6707
وفي المعاريض من السعة ما يستغني بها الداعية عن الاضطرار إلى الكذب، ولا ضير في ذلك، ومن هذا ما ورد في سيرة الحبيب المصطفى ((١)
وهذا من أساليب الدعوة إلى الله، ذلك لما يعايش الداعية من الموانع والمضايقات وما يواجه من الصعاب والعقبات والمواقف الحرجة، فكان لا بد له من سلاح يُقَدّر به للمواقف بما يناسبها، للخروج من المآزق إبقاء على نفسه واستمرارا للدعوة لئلا يمسها مساس أهل الفوضى والريب، وقطعا لألسنة المنافقين الذين يثيرون الشكوك والجدل والأكاذيب لتشويه صورتها، فلا بد للمسلم إن ضاقت به ضائقة أن يكون حكيما في تصرفاته فَطِنَا لَبِقاً لطيفاً يعرف المداخل والمخارج دون أن يلجأ إلى الكذب أو يحرج نفسه بإخباره خلاف الواقع.
стр. 6708
لكن الخليل إبراهيم (عندما يختار أسلوب التورية والتعريض كما حكى الله تعالى عنه بقوله: (قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ((الأنبياء ٦٣) . وبقوله تعالى: (فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم ((الصافات ٨٨، ٨٩) فليس ذلك خوفا على نفسه وإنما هو ضمان لاستمرارية الدعوة وقطع شبههم وإقامة الدليل عليهم بإلزامهم الحجة تبكيتا لهم، وتنبيها على فساد اعتقادهم بإثارتهم وإيقاظهم من غفلتهم، ليحملهم على التأمل في شأن آلهتهم، رجاء الهداية والوصول إلى الحق، إذ أن شأن الآلهة عند القوم أعلى من حال أنفسهم، فكيف تغفل النجوم عن إخبارهم عما سيحصل للآلهة من الفتك، فأوهمهم (أنه تفكر في أحوالها من حيث الاتصال والتقابل الذي يدل- بزعمهم- على الحوادث وما يترتب عليها، فأثبت لهم (بطلان تأثير النجوم في هذا الكون كلياً، بالتالي ثبت عجز الآلهة رأسا (١) .
فأخرج قوله: (إني سقيم (مخرج التعريض بما يوقعهم في الحيرة والاعتراف ببطلان ألوهية الجمادا وأن نظرتهم في أمر النجوم فاسدة، وأن من لا يملك التحكم في نفسه فهو أعجز من أن يتحكم في غيره، ليبطل بذلك مزاعمهم فأوهمهم من تلك الجهة لِيلقَمُوا حجرا. (٢)
стр. 6709
المبحث الثاني:
دراسة الآيات المشتملة على أساليب إبراهيم (العملية في الدعوة
(الآيات المشتملة على أساليب إبراهيم (العملية في الدعوة)
قال الله: (ووصى بها إبراهيمُ بَنِيهِ ويعقوبُ ... (. (البقرة ١٣٢) . وقال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدى الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ((البقرة ١٢٤- ١٢٩) . وقال (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (. (آل عمرن ٦٧) . وقال تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه (. (التوبة ١١٤) . وقال (: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا. واجنبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيئ في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إنّ ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل
стр. 6710
دعاء، ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (. (إبراهيم (٣٥- ٤١) . وقال: (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سَوِيّا، يا أبت لا تعبدِ الشيطان إن الشيطانَ كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسَكَ عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً (. (مريم ٤٢- ٤٥) . وقال تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ((مريم ٤٨) . وقال تعالى: (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (. (الأنبياء ٧١) .
стр. 6711
وقال: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ((الحج ٢٦) . وقال: (رب هب لي حُكْماً وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق فى الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون ((لشعراء ٨٣- ٨٧) . وقال تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين (. (الشعراء ٢١٤) . وقال: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ((القصص ٥٧) ..وقال: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إنّ الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا. فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له.... ((العنكبوت ١٦، ١٧) . وقال تعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريّته النبوة والكتاب ((العنكبوت ٢٦، ٢٧) وقال تعال: (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين، فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما وَتَلّهُ للجبين، ونا ديناه أن يا إبراهيم، قد صَدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين، إنّ هذا لهو البلاء المبين، وفَدَيناه بِذِبْح عظيم (. (الصآفات ٩١- ١٠٧) وقال: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَرَآءٌ مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (. (الزخرف ٢٦- ٢٨) . وقال تعالى: (وإبراهيم الذي وفى (. (
стр. 6712
النجم ٣٧) ..وقال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرَءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وَبَدَا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ((الممتحنة ٤) .
المبحث الثاني: (أساليب إبراهيم (العملية في الدعوة)
ويشتمل على توطئة واثني عشر مطلبا كالتالي:
توطئة:
ويقصد بالأساليب العملية التطبيق العملي والامتثال الشخصي الذي تتقعد به القواعد الراسخة للدعوة ليقف الداعية على أصول قوية متينة ثابتة، وإن التطبيق العملي له أثر كبير في نشر الدعوة إلى الله، كما أن العكس بالعكس، فمن نظر في تاريخ سلف الأمة وجد أن دعوتها إلى الإسلام كانت بالتطبيق الصحيح، فلم ينتشر الإسلام على هذه المعمورة بالسيف أو الرمح أو السهم قدر ما انتشر بالدعوة والقدوة الحسنة والتطبيق الصحيح الكامل له، فكانت الأمة مثالاً يقتدى بها في تطبيق تعاليم الإسلام في صغير الأمور وكبيرها، ولا يزال التطبيق العملي الصحيح للإسلام إلى يوم القيامة عاملا أساسيا من عوامل الدعوة إلى الله بين الأفراد والجماعات على مختلف طبقاتهم وثقافاتهم.
ثم خلف من بعدهم خلف شَوّهوا صورة الإسلام وتركوا تعاليمه وأوامره ونواهيه وارتكبوا المخالفات، فأصبحوا بذلك سبباً للصدّ عن الدخول فى الإسلام، وكم ضر الإسلام أهله بسبب التعديات والمخالفات.
المطلب الأول: (القدوة)
القدوة: كما قال الراغب: (هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إنْ حسناً وإنْ قبيحاً، وإنْ ساراً وإنْ ضاراً، ولهذا قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ((الأحزاب ٢١) . فَوَصَفَها بالحسنة) (١) .
стр. 6713
ولقد جعل الله تعالى الخليل إبراهيم (قدوة للسالكين وإماما للدعوة والدعاة يقتدى به ويتبع أثره فى التوحيد وفى الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ((الأنعام ٩٠) . ونوه في كتابه بذكره وشهد له بقوله: (وإبراهيم الذي وَفّى (. (النجم ٣٧) . (١) . ليكون له في أمر الدعوة قيادة دينية، فصار قدوة الناس وإمامهم في الخير، وحصل له الثناء الدائم، وذلك حين قيامه بما كلفه الله به حق قيام، قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما... (. (البقرة ١٢٤) . (٢) .
وطلب من الله تعالى استمرارية الإمامة من بعده وأن يكثر في الأمة المرشدين الذين يوجهون الناس إلى الخير، قال تعالى على لسانه: (قال ومن ذريتي ((البقرة ١٢٥) .وقال: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ... ((البقرة ١٢٩) .
стр. 6714
فكل نبي أرسله الله أو كتاب أنزله مِن بَعد إبراهيم (فهو من آثار دعوته، كما قال تعالى: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب... ((العنكبوت ٢٧) . (١) .ولكن لمن يستحقها بالصلاح والإيمان، لا كما يدعي اليهود ومن كان على شاكلتهم ممن ظلموا أنفسهم بمخالفة منهج الأنبياء والرسل.
يقول سيد قطب: إن الظلم أنواع وألوان، ظلم النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي، والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة، إمامة الرسالة وإمامة الخلافة وإمامة الصلاة، وكل ما كان يشمله معانى الإمامة والقيادة، فالعدل بكل معانيه هو أساس استحقاق الإمامة، والظلم بكل معانيه هو أساس الحرمان من الإمامة.
واليهود لا يستحقون الإمامة والقيادة. لانحرافهم عن عقيدة جدهم إبراهيم (ونبذهم شريعة الله ولظلمهم وفسقهم وانتهاكهم لحرمات الله، وكذلك من يسمون أنفسهم اليوم ب (المسلمين) بما ظلموا وبعدوا عن طريق الله، وبما نبذوا شريعة الله وراء ظهورهم، واستبدلوها بالقوانين الوضعية، ودعواهم الإسلام وَهم مجانبون عنه دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله.
إن التصور الإسلامي يقطع كل الصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل، ويسقط كل الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة، فهو يفصل بين الولد والوالد والزوج والزوجة إذا انقطع بينهما حبل العقيدة،.فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر، والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى- ﵈ شيء آخر ولا صلة بينهم جميعا ألبتة.
стр. 6715
إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفادا، إنما هي هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة، وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس واحد معين، إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم، هذا هو التصور الإيماني الصحيح الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني في كتاب الله الكريم. (١) .
فمن انطوى تحت لواء التوحيد فالخليل (قدوته في كمالات الخير لأنه القدوة في نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك، قال تعالى: (إنّ إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ((النحل ١٢٠) (٢) لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا وثنيا، بعيدا عن الهوى والمطالب النفسية مستجمعا شروط الكمال في نفسه: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (. (آل عمران ٦٧) .
لأن ملة التوحيد واحدة والدعوة إليها منهج الأنبياء والمرسلين جميعا قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ((النحل ٣٦) . (٣) .
ولذا أمر الله محمدا (- مع علو درجته وعظيم منزلته- بأن يقتدي بأبيه إبراهيم (مسلكا ومنهجا لاستقامته على الطريقة، قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ((النحل ١٢٣) .
стр. 6716
ومن أمثلة هذا الاقتداء بالخليل (مسألة الولاءوالبراء الذي هو أوثق عرى الإيمان ومن مقتضيات العقيدة ولوازمها، قال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه... ((الممتحنة ٤) . ليكون ذلك شرعة ومنهاجا للأجيال القادمة، حين تبرأ هو وقومه من الكفار قائلين: (إنا بُرَءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وَبَدَا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ((الممتحنة ٤) . (١) .وهذا من دعاء إبراهيم (وأصحابه، وتعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول.
فلا مودة ولا رابطة تربط بين المسلمين وبين الكفار مهما كانت الأسباب والظروف مع الاتكال الكامل على الله تعالى، ولا اعتداد بهم أو بآلهتهم مهما كانت قرابة أو قربى، ولا تنازل ولا تسامح في المباديء، وهذا هو الاقتداء الصحيح والأسوة الحسنة المأمور بها فى الشريعة المحمدية، فمن خالف في هذه القاعدة الأساسية فإنه لا تنفعه قرابة أو قربى (٢) .
المطلب الثاني: (اللين أولا ثم الشدة)
стр. 6717
لقد كان الرفق واللين محمودا في أكثر الأحوال، قال تعالى مُنَوّها بفضله: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكرُ أو يخشى ((طه (٤٣، ٤٤) . وقال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ((النحل ١٢٥) . وقال (: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه) وفي رواية عنه (: (من يحرم الرفق يحرم الخير) (١) ويقول (: (إنّ الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) (٢) .
إلا أن للين والرفق مواضع، وللشدة والقسوة مواضع، والداعية بمثابة طبيب يعالج الأمور بمقتضى الحال والشأن، فيعطي كل إنسان مايناسبه من الدواء.
بالنظر إلى اعتبار أن الرفق واللين له الصدارة والأسبقية، وأن الرأفة والرحمة المتضمنة لأرق الألفاظ وأعذبها والتزام الأدب والوقار هو الأساس إلى سبيل الرشاد، ليبرز ذلك كله في صورة المشفق الناصح الأمين الحريص على المصلحة، كما حكى الله عن الخليل وهو يستميل أباه وقومه بأرق الألفاظ وأعذبها: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سَوِيّا، يا أبت لا تعبدِ الشيطان إن الشيطانَ كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسَكَ عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً (. (مريم (٤٢- ٤٥) .
فإذا وصل اللين والرفق إلى طريق مسدود دون جدوى أو فائدة، فلا ما نع من مجانبة الأدب أحيانا، ليحس الإنسان بعظيم مرتكبه وكبير جرمه، كما حكى الله (عن الخليل (حين دعوته لأبيه وقومه: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ((الأنعام ٧٤) (٣) . وقال تعالى عنه: (يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ((مريم ٤٢) .
стр. 6718
قال القرطبي: إنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه حيث يرميه بالضلال المبين الذي يدل على سفهه (١) ، ويدل عليه ما حكى الله تعالى عنه في أسلوب الاحتقار: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا أباءنا لها عابدين (. (الأنبياء ٥٢- ٥٣) (٢) .فلاحرمة للقرابة ولا تسامح ولا مجاملة في أمر العقيدة، ولا يمكن أن يطغى حق الأبوة على حق الله: (لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ((الأنبياء ٥٤) .
فقد يقسو الإنسان أو يستنكر على شخص لمنفعته على أن يكون ذلك درجات حسب الضرورة، فيبدأ بالأهم والأولى والأنفع والأنجع والأنجح، كما أخبر الله بذلك عن الخليل (: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إنّ الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ... (. (العنكبوت ١٦) .
المطلب الثالث: (البداءة بالأهم)
أحكام الله تعالى كلها مهمة، وإنما كان البداءة بالأهم منها ليكون ذلك طريقا لما بعده، ولذا كان على رأسها تقوى الله تعالى الذي هو أساس الأعمال كلها والبداءة به طريق إلى ما بعده، لأن الخشية ملاك الأمر كله فمن خشي الله أتى منه كل خير، ولأهميته بدأ الخليل (به قال (عنه: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (. (العنكبوت ١٦) .
стр. 6719
ثم ثنى بالأمن والأمان لأنه به تتحقق الخشية، بل لا يقل ضرورة وحاجة عن ضرورة الغذاء والكساء، ولا يستساغ طعام أو شراب، أوتطيب وتتأتى عبادة على وجهها إذا فقد الأمن والأمان، لذا كان في طليعة طلب الخليل (: (رب اجعل هذا البلد ءامنا (. (إبراهيم ٣٥) . فإذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا، ولذا يمتن الله به على قريش مقرونا بالغذاء فيقول: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ((سورة قريش) ويقول: (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويُتخطف الناس من حولهم ((العنكبوت ٦٧) .
ولعظيم مِنّة الأمن على العبد وكبير ضرورة الصحة والعافية عليه فإن الله تعالى سيوجه سؤاله كما قال: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ((سورة التكاثر) قال الطبري: عن ابن عباس وابن مسعود (الأمن والعافية والصحة في الأبدان والأسماع والأبصار (١)
ولقد استجاب الله دعوة الخليل إبراهيم (فجعله حرما آمنا، فلا يُختلى خلاه ولا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تحل لُقَطته إلا لمعَرِّف، قال تعالى: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ((القصص ٥٧) . وقال تعالى: (إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ((آل عمران ٩٦، ٩٧) (٢) .
стр. 6720
فإذا تحقق اللازم حصل قيام الملزوم من تحقيق التوحيد والقيام بواجب الطاعة والعبادة التي من أجلها خلق الإنسان ومن أجلِّها وأفضلها إقامة الصلاة التي هي عماد الدين وصلة بين العبد وربّه، وما لأجله أسكن ذريته في هذا الوادي الأجرد المقحط وتم بناء هذا البيت، فقال: (واجنبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضلَلَن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا لِيُقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ... ((إبراهيم ٣٥- ٣٧) . ليكون ذلك عونا لهم على طاعة الله تعالى وذكره وحسن عبادته وطريقا لشكر نعم الله، فقال: (لعلهم يشكرون ((إبراهيم ٣٧) .
فاستجاب الله تعالى دعاءه فقال: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ((القصص ٥٧) . فلا يخلو بلد الله الحرام من اللحم ومن الفاكهة على مختلف فصول السنة.
وأخيرا يتضرع الخليل (إلى ربّه ﵎ بأن يجعل الله أعماله خالصة لوجهه الكريم لارياء ولا سمعة فيها، وأن يقر عينيه في خاصة ذريته وأهل بيته الأقربين بإصلاحهم فيقول: (ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نُعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (. (إبراهيم ٣٨، ٣٩) (١) والله أعلم وأحكم.
المطلب الرابع: (الابتداء بالأقربين)
стр. 6721
إن للعبد حقا على نفسه وهو مقدم على من سواه ثم بعد ذلك يأتي الابتداء بالأقربين ثم من يليهم حتى لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الإنذار والتخويف، كما قال الرازي: "إذا تشدد على نفسه أولا ثم بالأقرب فالأقرب ثانيا، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع" (١)
وهذا كان دأب السلف في الدعوة يبدءون بأنفسهم ثم من يليهم لأن الاهتمام بشأن القربى وهدايتهم إلى الحق أجل وأولى، وتخصيصهم بالإنذار كما قال القرطبي: "لتنحسم أطماع عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك وامتثال لأمر الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين ((الشعراء ٢١٤) (٢) .فإذا حصل قبول وإذعان من القريب كانت استجابة البعيد أسرع، وبذلك تنزاح كل عقبة قعود في سبيله لتصفو له طريق الدعوة ويفسح أمامه مجال التحدي والمنازلة لكل معاند ومخاصم، ولذا بدأ الخليل (بدعوته بأقرب قريب وهو والده، قال تعالى حكاية عنه: (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً ((مريم ٤٢- ٤٥) (٣) .
المطلب الخامس: (التحدي)
стр. 6722
لابد من إثبات الحق وإعلائه ولابد من إبطال الباطل ودحضه، فإذا توقف الرفق واللين ولم تنفع الشدة والقسوة، يأتي دور التحدي والمبارزة لمنازلة الخصم وإفحامه وإلزامه الحجة، وهو ما جرى للخليل إبراهيم (مع أبيه وقومه، حيث وقف العناد والمكابرة في وجه الأدلة والبراهين الواضحة فلا بد من تنحيته وإزالته ليأخذ الحق طريقه، فنازلهم وتوعدهم بكسر أصنامهم، ضاربا بذلك كل الاعتبارات الشخصية ووشايج القرابة واعتبارات العشيرة عرض الحائط، متحديا بذلك أقوى قوة مانعة، دفاعا عن دين الله غير مبالٍ بنفسه، وصدر كلامه (بالقسم واليمين بقوله: (وتالله (قسم ويمين، (لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ((الأنبياء ٥٧) . (١) .
المطلب السادس: (تحطيم الأصنام)
إن التطبيق العملي في الدعوة من أبرز سمات الداعية، قال صلي الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) (٢) وإن من تلك الصور التطبيقية التي نقلها القرآن الكريم للأمة الإسلامية ما ذكره عن الخليل إبراهيم (وهو يتعرض بكل قوة وبسالة لأعز شيء وأكرمه عند قومه آلهتهم، فبين زيفها وأبطلها فكسرها، فَعَلَ ذلك وهو واثق بالله مُوَطِّن نفسه على مقاساة المكاره وتحمل الشدائد في سبيل الله والذب عن دين الله غير مبالٍ بنفسه، فتحدى الطغاة الجبابرة فلم يهب بطشهم وجبروتهم في إبلاغ دين الله، فوقف أمام الأصنام قائلا: (ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين، فأقبلوا إليه يزفون ((الصافات ٩١- ٩٤) .
لقد تسامع القوم بالخبر وعرفوا الفاعل، فأقبلوا بجمعهم الغاضب الهائج إليه يسرعون قائلين: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ((الأنبياء ٥٩) .
стр. 6723
تصور إبراهيم (بهذا الحدث العظيم أنهم سيراجعون أنفسهم في أمر آلهتهم، ولكنهم لا زالوا مصرين على أنها آلهة وهي جذاذ يبحثون عمن كسرها وفتك بها هذا الفتك المؤلم قائلين: (قالوا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ((الأنبياء ٦٢) .
فواجه إبراهيم (هذا الحدث بشجاعة وبسالة وبقوة إيمانية وثبات كالجبال الرواسي التي لا تتزعزع، فلم يخف الكثرة الناقمة الغاضبة الهائجة المائجة، فرد عليهم مجيبا بالحق بكل طمأنينة وسكون ثابت الفؤاد غير مبال أو مكترث بهم وجَهّلهم وسفّه أحلامهم، قائلا: (أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون ((الصآفات ٩١- ٩٦) . متوعدا وموبخا ومؤنبا لهم ومنكرا عليهم قائلا: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ((الأنبياء ٥٧- ٥٨) . (١) .وقائلا: (بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ((الأنبياء ٦٣- ٦٥) . ولكن القوم آثروا العناد والمكابرة فاندفعوا متهورين إلى الدفاع عن الباطل فواجههم بحقيقة فساد فعلهم موبخا لهم (قال أفتعبدون من دون الله ما لا
стр. 6724
ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ((الأنبياء ٦٦، ٦٧) ..فإذا كان الحال هكذا فيجب الرحيل عن قوم لا يعقلون ولا يميزون.
المطلب السابع: (الهجرة)
قال القرطبي: "الهجرة أقسام وأنواع منها: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي (وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، فإن بقي في دار الحرب كان عاصيا.
ومنها: الخروج من أرض البدعة، قال مالك: (فلا يحل البقاء بأرض يُسب فيها السلف) .
ومنها: الخروج من أرض غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
ومنها: الفرار من الأذية في الدين والبدن والمال والأهل؛ فإنّ حرمة مال المسلم وأهله كحرمة دمه بل أشد وأوكد، وذلك فضل من الله رخص فيه ليخلصها من ذلك المحذور". (١) .
والهجرة تعني إعلانا بمقاطعة حبل الولاية والنسب والقرابة وهجران في الاعتقاد والأبدان ومفارقة الأوطان، ليتميز الصف الموحد من الصف المشرك، فيلحق من كان بين الكفار بالركب المهاجر في سبيل الله الذين تركوا الركون إلى الدنيا وتجردوا لله وللدفاع عن دينه، وهجروا في ذلك الأهل والمال والوطن.
وأول من فعل هذه الهجرة إبراهيم (وذلك بعدما نفدت الحيل مع أبيه وقومه وسدت سبل الدعوة فقال: (إني مهاجر إلى ربي ((العنكبوت ٢٦) . إذ لا خير في البقاء مع قوم عدموا الخير. وأسبابه، وقالوا تقاسموا ابالله لنبيتنه وأهله: (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (. (الأنبياء ٧١)
стр. 6725
فأمره الله بالهجرة هو وابن أخيه لوط ﵉ بعيدا عن موطن الكفر والكافرين والضلال والضالين فرارا بدينه وأهله فعوضه الله عن وطنه وقومه بذرية تحمل رسالة الله إلى الأبد، قال تعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب (. (العنكبوت ٢٦، ٢٧) . فيكفيه ذكرا وفخرا حيث جعل الله تعالى من ذريته سيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين والمرسلين، والرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد ((١) .
وهكذا من ترك شيئاً لله أذاقه الله حلاوة الإيمان وعوضه بأحسن وأفضل منها كما قال الخليل (لقومه: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ((مريم ٤٨) .
المطلب الثامن: (المفاصلة والموادعة)