إن للعبد حقا على نفسه وهو مقدم على من سواه ثم بعد ذلك يأتي الابتداء بالأقربين ثم من يليهم حتى لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الإنذار والتخويف، كما قال الرازي: "إذا تشدد على نفسه أولا ثم بالأقرب فالأقرب ثانيا، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع" (١)
وهذا كان دأب السلف في الدعوة يبدءون بأنفسهم ثم من يليهم لأن الاهتمام بشأن القربى وهدايتهم إلى الحق أجل وأولى، وتخصيصهم بالإنذار كما قال القرطبي: "لتنحسم أطماع عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك وامتثال لأمر الله: (وأنذر عشيرتك الأقربين ((الشعراء ٢١٤) (٢) .فإذا حصل قبول وإذعان من القريب كانت استجابة البعيد أسرع، وبذلك تنزاح كل عقبة قعود في سبيله لتصفو له طريق الدعوة ويفسح أمامه مجال التحدي والمنازلة لكل معاند ومخاصم، ولذا بدأ الخليل (بدعوته بأقرب قريب وهو والده، قال تعالى حكاية عنه: (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً ((مريم ٤٢- ٤٥) (٣) .
المطلب الخامس: (التحدي)
стр. 6722
لابد من إثبات الحق وإعلائه ولابد من إبطال الباطل ودحضه، فإذا توقف الرفق واللين ولم تنفع الشدة والقسوة، يأتي دور التحدي والمبارزة لمنازلة الخصم وإفحامه وإلزامه الحجة، وهو ما جرى للخليل إبراهيم (مع أبيه وقومه، حيث وقف العناد والمكابرة في وجه الأدلة والبراهين الواضحة فلا بد من تنحيته وإزالته ليأخذ الحق طريقه، فنازلهم وتوعدهم بكسر أصنامهم، ضاربا بذلك كل الاعتبارات الشخصية ووشايج القرابة واعتبارات العشيرة عرض الحائط، متحديا بذلك أقوى قوة مانعة، دفاعا عن دين الله غير مبالٍ بنفسه، وصدر كلامه (بالقسم واليمين بقوله: (وتالله (قسم ويمين، (لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ((الأنبياء ٥٧) . (١) .
المطلب السادس: (تحطيم الأصنام)
إن التطبيق العملي في الدعوة من أبرز سمات الداعية، قال صلي الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) (٢) وإن من تلك الصور التطبيقية التي نقلها القرآن الكريم للأمة الإسلامية ما ذكره عن الخليل إبراهيم (وهو يتعرض بكل قوة وبسالة لأعز شيء وأكرمه عند قومه آلهتهم، فبين زيفها وأبطلها فكسرها، فَعَلَ ذلك وهو واثق بالله مُوَطِّن نفسه على مقاساة المكاره وتحمل الشدائد في سبيل الله والذب عن دين الله غير مبالٍ بنفسه، فتحدى الطغاة الجبابرة فلم يهب بطشهم وجبروتهم في إبلاغ دين الله، فوقف أمام الأصنام قائلا: (ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين، فأقبلوا إليه يزفون ((الصافات ٩١- ٩٤) .
لقد تسامع القوم بالخبر وعرفوا الفاعل، فأقبلوا بجمعهم الغاضب الهائج إليه يسرعون قائلين: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ((الأنبياء ٥٩) .
стр. 6723
تصور إبراهيم (بهذا الحدث العظيم أنهم سيراجعون أنفسهم في أمر آلهتهم، ولكنهم لا زالوا مصرين على أنها آلهة وهي جذاذ يبحثون عمن كسرها وفتك بها هذا الفتك المؤلم قائلين: (قالوا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ((الأنبياء ٦٢) .
فواجه إبراهيم (هذا الحدث بشجاعة وبسالة وبقوة إيمانية وثبات كالجبال الرواسي التي لا تتزعزع، فلم يخف الكثرة الناقمة الغاضبة الهائجة المائجة، فرد عليهم مجيبا بالحق بكل طمأنينة وسكون ثابت الفؤاد غير مبال أو مكترث بهم وجَهّلهم وسفّه أحلامهم، قائلا: (أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون ((الصآفات ٩١- ٩٦) . متوعدا وموبخا ومؤنبا لهم ومنكرا عليهم قائلا: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ((الأنبياء ٥٧- ٥٨) . (١) .وقائلا: (بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ((الأنبياء ٦٣- ٦٥) . ولكن القوم آثروا العناد والمكابرة فاندفعوا متهورين إلى الدفاع عن الباطل فواجههم بحقيقة فساد فعلهم موبخا لهم (قال أفتعبدون من دون الله ما لا
стр. 6724
ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ((الأنبياء ٦٦، ٦٧) ..فإذا كان الحال هكذا فيجب الرحيل عن قوم لا يعقلون ولا يميزون.
المطلب السابع: (الهجرة)
قال القرطبي: "الهجرة أقسام وأنواع منها: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي (وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، فإن بقي في دار الحرب كان عاصيا.
ومنها: الخروج من أرض البدعة، قال مالك: (فلا يحل البقاء بأرض يُسب فيها السلف) .
ومنها: الخروج من أرض غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
ومنها: الفرار من الأذية في الدين والبدن والمال والأهل؛ فإنّ حرمة مال المسلم وأهله كحرمة دمه بل أشد وأوكد، وذلك فضل من الله رخص فيه ليخلصها من ذلك المحذور". (١) .
والهجرة تعني إعلانا بمقاطعة حبل الولاية والنسب والقرابة وهجران في الاعتقاد والأبدان ومفارقة الأوطان، ليتميز الصف الموحد من الصف المشرك، فيلحق من كان بين الكفار بالركب المهاجر في سبيل الله الذين تركوا الركون إلى الدنيا وتجردوا لله وللدفاع عن دينه، وهجروا في ذلك الأهل والمال والوطن.
وأول من فعل هذه الهجرة إبراهيم (وذلك بعدما نفدت الحيل مع أبيه وقومه وسدت سبل الدعوة فقال: (إني مهاجر إلى ربي ((العنكبوت ٢٦) . إذ لا خير في البقاء مع قوم عدموا الخير. وأسبابه، وقالوا تقاسموا ابالله لنبيتنه وأهله: (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (. (الأنبياء ٧١)
стр. 6725
فأمره الله بالهجرة هو وابن أخيه لوط ﵉ بعيدا عن موطن الكفر والكافرين والضلال والضالين فرارا بدينه وأهله فعوضه الله عن وطنه وقومه بذرية تحمل رسالة الله إلى الأبد، قال تعالى: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب (. (العنكبوت ٢٦، ٢٧) . فيكفيه ذكرا وفخرا حيث جعل الله تعالى من ذريته سيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين والمرسلين، والرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد ((١) .
وهكذا من ترك شيئاً لله أذاقه الله حلاوة الإيمان وعوضه بأحسن وأفضل منها كما قال الخليل (لقومه: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ((مريم ٤٨) .
المطلب الثامن: (المفاصلة والموادعة)
стр. 6726
إن لم يكن إذعان للدعوة أو استجابة لرسل الله تعالى أو وقف العناد في وجه الدعوة وبقيت المكابرة مركبا ذلولا لأهل الطغيان، أو انعدم حق الصلة والقرابة، فلا بد من إعلان المفاصلة ولا بد من تنفيذ الموادعة، لتجد الدعوة أرضا خصبة تبذر فيها بذورها، وذلك يتمثل في موقف إبراهيم (حين أعلنها صريحة: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين ((الصافات ٩٩) . (١) .بعد أن كذبه قومه وقد شاهدوا الآيات فتعصبوا للأصنام وَلاءً لها وانتقاما من أجلها، لأن قضية التوحيد فوق كل القضايا وطلب العزلة حفاظا على دين الله أمر واجب: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ((مريم ٤٨) . (٢)
وهذه المفاصلة والموادعة إنما هي إفصاح عن الحب والبغض في الله وتحقيق لمبدأ الولاء والبراء الذي أخبر الله عن خليله (بقوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ((التوبة ١١٤) . ويؤكد هذا ما جاء في قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَرَآءٌ مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ((الزخرف ٢٦- ٢٨) (٣) .
стр. 6727
وكان من نتيجة هذه المفاصلة والموادعة أن أكرم الله الخليل (فأبقى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) خالدة تالدة ثابتة واضحة لا يتلبس بها الباطل باقية دائمة قائمة في ذريته، كما قال: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ((الزخرف ٢٦- ٢٨) . ولا يزال فيهم إلى الأبد من يدعو إلى التوحيد كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويحقق وصيته التي وصا بها ذريته وبنيه: (ووصى بها إبراهيمُ بَنِيهِ ويعقوبُ... ((البقرة ١٣٢) (١) .
ومن أجلها أمر الله الخليل (بإقامة معلم بارز لها ليبقى معلماً خالدا ورمزا بارزا للحنيفية ليكون معقلا لأهل التوحيد ويبقى دويه إلى الأبد فأمره بناء بيته المطهر ويرفع هو وابنه إسماعيل ﵉ قواعده.
المطلب التاسع: (المبادرة بامتثال أمر الله بناء البيت)
بين الله للخليل (موضع بناء البيت وأرشده إليه، وأمره بأن يبنيه على اسمه وحده فهو بيت الله وحده دون سواه، ولتوحيده أقيم هذا البيت منذ اللحظة الأولى. وبأمره يعظم ويقدس ويقصد ويُحج ويُعتمر ويُطاف حوله، وبأمره يُطهر من الشرك والأصنام والأوثان والأرجاس والأنجاس قال (: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ((الحج ٢٦) . (٢) . تتعاقب الأجيال على حجه، ويتنافس المسلمون في بلوغ رحابه، في جواره الخير والبركة قال (: (إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ((آل عمران ٩٦، ٩٧) .
стр. 6728
أقيم هذا البيت ليكون مركزا يتجه إليه المسلمون كل يوم خمس مرات ليوثقوا الصلة بربّهم، وليلتقي حوله جموع المسلمين من أقاصي الدنيا، يؤمه أهل الإيمان لأداء فريضة الله وتجديد عهد الطهر والتحرر من عبودية الغير، وليمثل حلقة وصل تجذب العباد إلى الله ليبقى دَوِيّ العبادة وذكر الله في أذهانهم قائما دائما، وليتذكروا على الدوام أن جزاء التضحية والاخلاص لدين الله هو رفع درجات المحسنين المخلصين، وتخليد عمل العاملين: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ((البقرة ١٢٥) . (١) .
وليذكّرهم بأن أداء العمل محض إمتثال، ومطلق القيام بالواجب لا يستوجب الأجر، قال تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ((البقرة ١٢٥- ١٢٧) . بل لا بد في إتيان الطاعات من الابتهال والتضرع في قبولها، ولا بد من الصبر والاحتساب على
الابتلاء فإن الله تعالى لن يناله لحومها ولا دماؤها ولا يريد تعذيب العباد أو قتلهم، ولكن يناله التقوى والاستسلام التام منكم في كل أمر ونهي
المطلب العاشر: (المبادرة بامتثال أمر الله بذبح ابنه)
إن كمال الإيمان يستدعي مبادرة الامتثال وإن قوة اليقين يستلزم الصبر والثقة والثبات، وإن في سبيل الحب الصحيح يرخص كل غال وثمين، فإذا خلد الله تعالى ذكر خليله (في العالمين ببناء بيته الحرام، فكذلك رفع ذكره بمبادرته بامتثاله لأمر ربّه بذبح ابنه وفلذة فؤاده، على حين طلب الخليل (من ربّه على كبر السن وبرغبة الفطرة: (رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم ((الصافات ١٠٠، ١٠١) .
стр. 6729
فلما بلغ الغلام مبلغ القوة والسعي ليحمل عن أبيه بعض متاعب الحياة ويعينه على أمور دينه ودنياه، ويحمل عنه العلم والحكمة فإذا بالأب يقول: (يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ((الصافات ١٠٢) .
أدرك الخليل (أنها إشارة من ربّه ﵎ بالتضحية فلم يتردد أو يراجع نفسه أو يطلب التحقيق، فكيف أذبح إبني الوحيد بمجرد رؤيا رأيتها علها تكون أضغاث أحلام؟، فلم يخطر له إلا خاطر التسليم والتنفيذ حتى وإن لم تكن وحيا صريحا، إلا أنها إشارة من رب السموات والأرض!.
تكفي هذه الإشارة لأمثال الخليل (لينفذ أمر ربّه في إيمان قوي راسخ، دون أن يسأل ربّه شأن المتعللين: لماذا، وكيف، ومتى، وأين أذبح؟!، ليشعر بذلك الأجيال القادمة مِن بعده بأن أوامر الله تنفذ حالا، فهي لا تقبل التراجعات النفسية ووساوسها، ولا تحتمل التفكير والتلكؤ والتأني في تنفيذها، فتلبى كما لبى الخليل (أمر ربّه في غير إزعاج ولا تضجر وتذمر، وتنفذ حكمه في كل أمر ونهي وفي كل محبوب ومكروه طوعا وإنابة واستسلاماً بكل رضى وقبول وهدوء وطمأنينة (١) .
وفي مقابل ذلك- كما يقول سيد قطبب-: فهو (لا يندفع في عجلة وتهور ليخلص نفسه وينتهي منه فورا حتى يريح أعصابه من ثقله، ولكن خاطب ابنه على سبيل الترحم والعطف والشفقة: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ((الصافات ١٠٢) . ذبحا إراديا يتولى تنفيذ هذه المهمة الشاقة- على البشر- بيده دون أن يرسل وحيده في معركة أو يكلفه بأمر تنتهي به حياته ولكن: (أني أذبحك (.
стр. 6730
وفي الوقت نفسه فهو (ليعرف مدى كمال إيمان ابنه وقوته وصلابته، حتى يأخذه طاعة وإسلاماً فينال كامل أجر الطاعة، لا يريد تنفيذ الأمر على غِرّة دون أن يشير عليه، فيوطن نفسه ويثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن سلم، بل يعرض الأمر عليه ويطلب منه التروي والتريث، كالذي يعرض المألوف من الأمر فيقول له: (فانظر ماذا ترى (أي: انظر ماذا تريني أياه من صبرك واحتمالك، أو ما تريك نفسك من الرأي.
فإذا بالابن أعجب من أبيه!، فهو يريد أن يرتقى كالأب إلى الكمال، فيبادله هذه الشفقة الأبوية بالتوقير والتعظيم والتبجيل بكامل الود المعبر عن كمال الرضى بلفظ الأبوة قائلا: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (. (الصافات ١٠٢) .امض لما أمرك الله به في تسليم من غير قلق ولا فزع ولا فقدان وعي ورشد، فالأمر لا يقبل التردد والمشورة (١) .
стр. 6731
وإنها لفتة قرآنية عظيمة نشاهدها من خلال هذا الموقف كما يصفها الألوسي بقوله: لم يتظاهر إسماعيل (في تنفيذ المهمة الشاقة بالطَولِ والجلادة والشجاعة والإقدام، بل علق الأمر بمشيئة الله استعانة وتبركا وتواضعا وتأدبا مع الله، معترفا بضعفه مدركا حدود قدرته وطاقته في الاحتمال، ليعينه على طاعته فقال: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين ((الصافات ١٠٢) أي: من جملة الموفقين للصبر مع ما فيه إغراء للأب على الصبر لِما يعلم من شفقته عليه من عِظم البلاء، حيث أشار إلى أن لله عِبَاداً صابرين (١) .
قال (: (فلما أسلما وَتَلّهُ للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم ((الصافات ١٠٣، ١٠٤) (٢) أي قد وقع العمل موقع الرضى والقبول، ونتائجه قد ظهرت والغاية منه قد تحققت والله لا يريد تعذيب عباده ولا يريد دماءهم ولا أجسادهم في شيء، فكانت النتيجة: (قد صَدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين، إنّ هذا لهو البلاء المبين، وفَدَيناه بِذِبْح عظيم ((الصآفات ١٠١- ١٠٧) . فشرع الله الذبح والأضاحي وإراقة الدماء تخليدا لذكرهما وتعظيما لأجرهما وشريعة يعمل بها إلى يوم القيامة، امتثالا لأمر الله وإطعاما للبائس الفقير (٣) .
المطلب الحادي عشر: (الدعاء والتضرع إلى الله)
стр. 6732
الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة وسلاح المؤمن ووصله الذي يصله بجناب الله الذي لا تعجزه المسائل، قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعى إذا دعان ((البقرة ١٨٦) . والله تعالى يعلم فطر عباده فأمرهم وحثهم على الدعاء ليبثوا ما في صدروهم فيريحوا أعصابهم لتطمئن قلوبهم بأنهم وَكّلُوا وفوضوا أمرهم إلى من هو أقوى وأقدر منهم، قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخُفْيَة إنه لا يحب المعتدين ((الأعراف ٥٥) . وقال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ((غافر ٦٠) .
إن الدعوة تستجاب ولكنها بحكمة الله تتحقق في أوانها، غير أن الناس يستعجلون!، وغير المواصلين يملون ويقنطون، قال (: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) (١) .
غير أن الأنبياء والمرسلين أكثر الناس تضرعا إلى الله بالدعاء لا يقنطون ولا يملون، يواصلون ولا يقطعون، يلحون ولا يفترون، أعظم الناس طمعا في نوال الله وفي طلب العون على أمور الدين والدنيا، كما حكى الله عن زكريا (: (وزكريا إذ نادى ربّه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ((الأنبياء ٨٩) .فرزقه الله بعد (خمس وتسعين) سنة (٢) .
стр. 6733
ولقد أدرك الخليل (أهمية الدعاء ومكانته عند الله تعالى، فابتهل وتضرع إلى الله تعالى امتثالاً لأمره وتعليما للعباد، وكرر النداء في دعائه وإنّ تكرار النداء له معنى ومغزى، وقدم ما حقه التقديم في الدعاء فصدر دعواته بهذا النداء الجميل اللطيف حرصا ومبالغة منه في الضراعة والابتهال فقال: (رب اجعل هذا البلد آمنا..... ((إبراهيم ٣٥) . لأنه ترك تَرِكَتَهُ وأهله بهذا الوادي المقفر المجدب الذي لا أنيس فيه، ثم قفل منطلقا فتبعته هاجر رحمة الله عليها قائلة: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي؟، قالت له مرارا، وجعل إبراهيم (من شدة الوجد والحزن لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟، قال: نعم. قالت في يقين وإيمان كامل: (إذا لا يضيعنا) ثم رجعت، وانطلق (حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ورفع يديه يناجي ربّه بعيدا عن عيون الناس بعيدا عن أسماعهم يخلص فيها لربّه، ويكشف له عما في صدره، يبوح لحبيبه عما أصابه من اللأوى والحزن، يناجي ربّه في قرب واتصال: (رب (بلا واسطة حتى ولا بحرف نداء، وإن ربّه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء، ولكن المكروب يستريح ببيان ما في صدره (١) .
فاستهل طلبه بأمور عدة منها أن يجعل الله هذا البلد- المكان القفر الموحش - مستوطنا مؤنسا معمورا محبوبا آمنا من القحط والجدب والغارات ومن الخوف فلا يرعب أهله حتى يتمكنوا من أداء العبادات فقال: (رب اجعل هذا بلدا آمنا ((إبراهيم ٣٥) . فإذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء من أمور الدين والدنيا.
стр. 6734
ثم يسأله وذريته غاية ما يُطلب في الدعاء وهو الثبات على التوحيد واجتناب الشرك فيقول: (واجنبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ((إبرّهيم ٣٥،، ٣٦) (١) .
ثم يكرر طلبه الذي لأجله أسكن ذريته بهذا الوادي بألطف الألفاظ وأحبها إلى الله طمعا فى الاستجابة وطلبا لكفاية مؤنة الرزق وليكون ذلك عونا لهم على طاعة الله، لا سيما في مثل هذا الوادي الجدب البَلْقَع الخالي من كل مرتفق ومرتزق، لما في السعي في حصوله من الانشغال عن ذكر الله فيقول: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ((إبراهيم ٣٧) .
ولقد حقق الله دعوته (، فإن الناس لا يزالون يحنون إلى زيارة البيت يبذلون كل غال وثمين في سبيل الوصول إليه، ومن زاره مرة ازداد شوقا وحنينا إليه.
والأرزاق تجبى إلى مكة بلطف الله ورحمته، حتى إنه ليجتمع فيه من كل أقطار العالم البواكير من الفواكه المختلفة الأزمان والفصول في يوم واحد، كما قال تعالى: (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ((القصص ٥٧) .
стр. 6735
ثم يمضي الخليل (في دعائه لله تعالى كحال الضعفاء متواضعا يطرح فقره وفاقته وحاجته ووجده أمام ربّه على تَرِكَتِه وفراقه لأهله، مستسلما مسلما أمره إلى مولاه ما يغني عن البيان والكلام، ويسأله معترفا بالعبودية والإخلاص، أن يجنبه الرياء والسمعة ويمن عليه بالرضى، فيقول: (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ((إبراهيم ٣٨) . (١) .
وإن الشكر على النعم على الدوام محمود وعند الحاجة والشوق أحمد وآكد، فيلهج لسانه (بالحمد والشكر على نعم الله الواصلة إليه شأن العبد يحمد ربّه ويثني عليه بالثناء الجميل على نعمه العظيمة بما مَنّ عليه ورزقه من الذرية الصالحة بعد الكبر وما أَجَلَّ الإنعام بها عند إحساس الفرد بقرب نهايته وحاجته الفطرية إلى الإمتداد ببقاء ذِكره، فيقول: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إنّ ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ((إبراهيم ٣٩- ٤١) . (٢) .
стр. 6736
ثم يشعرنا الخليل (من خلال بنائه للبيت تصور دوام النقص والعجز عن إتقان العمل، والافتقار إلى رحمة الله في القبول، ليكون العبد بين الخوف والرجاء: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم ((البقرة ١٢٧) . (١) .فهو (في أجل الطاعات ولكنه مع ذلك يقدم في دعائه صيغة التفعيل المشعر بالتكلف في القبول والتقصير في أداء العمل وبالضمائر المؤكدة التي تفيد الحصر: (تَقبّل منا إنك أنت السميع العليم ((٢) .فغايتنا من العمل هو تنفيذ أمرك، فكلل عملنا بالنجاح والقبول، وأرنا أثر ذلك في معالم الحج، ليبقى ذكرا وذخرا لنا: (ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ((البقرة ١٢٨) (٣)
стр. 6737
وتكررت مسألة الخليل (للذرية استشعارا بالمسئولية واهتماما منه بشأنهم وصلاحهم، وهذا تعبير صادق عن التضامن الذي يدعو إليه الإسلام وهو حب الخير لكل الناس، امتثالا لقول النبي (: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (١) .وكما أخبرنا الله عن عباده المتقين في قوله: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ((الفرقان ٧٤) . وهذا القدر مرغوب فيه شرعا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له. (٢) .
ولذا حرص الخليل وابنه ﵉ على أن يبقى هذا التوحيد بقية باقية في عقبهما، فدعا الله: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ((البقرة ١٢٩) . فكانت بعثة هذا الرسول الكريم محمد (من ذريتهما بعد قرون مضت استجابة لدعوتهما كما يقول (عن نفسه: (أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى..) الحديث (٣) .
قال القرطبي: يقال إنه لم يدع نبيّ إلا لنفسه ولأمته، إلا إبراهيم (فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة. (٤) .
стр. 6738
وينتهز إبراهيم (فرصة اختلائه بربّه متوجها مبتهلا مستزيدا مستكثرا من رب لا يمل ولا يضجر، لا يطلب دنيا أو صحة في الأبدان، ولكن يسأله ما هو أعلى وأولى وأجل فيقول: (رب هب لي حُكْماً وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق فى الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم ((الشعراء ٨٣) (١) .فاستجاب الله دعاءه فقال: (وتركنا عليه في الآخرين ((الصافات ١٢٩) . إذ ليس أحد يصلي على محمد (إلا وهو يصلي على إبراهيم (. (٢) .
стр. 6739
ثم ينتقل القرآن الكريم فيصور لنا صورة نادرة من دعاء الخليل (تنبيء عن خوفه ووجله بأن يكون قد قصر في أداء العمل مع بذله قصارى جهده في تبيلغ الرسالة وأداء الأمانة، وهذا هو شأن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فهم على بذل غاية الجهد وتحمل كبير المشقة في تبليغ الرسالة يخافون التقصير، كما أخبر الله عنهم بقوله: (وكأين من نبي قاتل معه رِبيُّونَ كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفرلنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (. (آل عمران ٠١٤٦، ١٤٧) .
فيدعو الخليل (ربّه خائفا وجلا مشفقا مستحيا، بأن يجيره من جميع خزي يوم القيامة وهَوَانِه، وأن لا يفضحه على رؤوس الأشهاد بالعتاب إن هو قصر في تبيلغ الدعوة وأداء الأمانة، فيقول: (ولا تخزني يوم يبعثون ((الشعراء ٨٣) . (١) .
المطلب الثاني عشر: (دروس وعِبر عَبْرَ قصة الخليل ()
إنّ في منهج إبراهيم (في الدعوة إلى الله دروسا وتوجيهات، مشاهد وعبرا تحمل في طياتها أسرارا عميقة ومواقف ثابتة في الدعوة والطاعة والاصطبار منها:
١- إن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعِلْمِهم القليل المحدود.
٢- يجب على المؤمن أن يتوكل على الله في كل شئونه بحسن معاملته وتوثيق صلته ويصلح الذي بينه وبين ربّه من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله، فيكفيه الله ما بينه وبين الناس.
стр. 6740
٣- ما كان تحويل النار برداً وسلاماً على إبراهيم (إلا مثلا له نظائر في صور كثيرة، ولكنها قد تهز مشاعر العبد كما هزت هذه الواقعة الرائعة والكرامة الإلهية، فكم من ضائقات وكربات تحيط بالشخص من شأنها أن تكون القاصمة القاضية، وما هي إلا لحظات يسيرة فإذا هي تُحْيِي ولا تُمِيت وتنعش وتعود بالخير، قال تعالى: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ((هود ١٠) . وفي الحديث عنه (أنه قال: (تجيء فتن يرقّق بعضها بعضا فيقول المؤمن: هذه مُهْلِكَتي، ثم تنكشف ثم تجيء فتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف- وفي رواية- فيقول المؤمن: هذه هذه) (١) .
٤- ليكن في حسبان الداعية أن طريقه محفوف بالمخاطر مفروش بالأشواك، ففي كل لحظة وساعة يتوقع وقوع الخطر، وليكن أسوته الخليل إبراهيم (في ذلك، لا يثنيه تخويف المرجفين ولا يرده بطش الجبارين.
٥- إن من أسباب نجاح الداعية عدم المبالاة بتعاظم الأخطار، كحال الخليل (فإنه لم ينزعج ولم يضطرب مع أنه يعاين بعينيه ما ينظم له من الخطر وما يُنْصَبُ له من النكال.
روي أن الأسود بن قيس ذا الحمار تنبأ في اليمن فبعث إلى أبي مسلم الخولاني، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؟، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟، قال: نعم، قال فردد ذلك مرارا، فامر بِنَارٍ عظيمة فأججت ثم ألقي فيها فلم تضره، فأمره بالرحيل فأتى المدينة وقد مات النبي (واستُخْلِف أبو بكر (فقال عمر (لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم (٢)
стр. 6741
والأمثلة للمتأمل المتعظ في هذا الباب كثيرة، نسأل الله أن ينير لنا الطريق ويبصرنا بالحق أينما كان وكنا إنه جواد كريم.
هذا وقد صدق الإمام مسلم (حين قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم (١)
стр. 6742
فإنني قد بذلت جهدا كبيرا في جمع وترتيب وتنسيق مادة هذا البحث القيم المبارك، ولا أدعي العصمة والكمال، ولا عدمت أخا كريما فاضلا نصوحا ستيرا ستر الزلة وأسدى النصيحة وأبدى الصواب، وأسأل الله العفو عن الزلات والصفح عن الهفوات، كما أسأل المولى جل وعلا الإخلاص والأجر والمثوبة والنفع، وأن يجعله في ميزان حسنات والدي إنه سميع قريب مجيب الدعوات رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 6743
رد خبر الواحد بما يسمى ب (الانقطاع الباطن)
حقيقته، وحكمه وأثره في الفقه الإسلامي
د. ترحيب بن ربيعان الدوسري
الاأستاذ المساعد- بقسم أصول الفقه - كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
ملخص بحث
فكرة البحث ونتائجه:
ذكرت فيه: أن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن، به تضبط الاستنباطات، والمآخذ الفقهيات، وهو سياج عن الزلل والخطأ والخلل في التفقه في الدين، وبالتمكن فيه يسهل الترجيح بين الأقوال والمذاهب الفقهية.
عرفت في البحث الخبر لغة واصطلاحاً وذكرت أقسامه، وما يفيده كل قسم من العلم أو الظن وذكرت منزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها، وبينت ما يرد به خبر الواحد عند الحنفية بما يسمونه بالانقطاع الباطن وذكرت اقسامه الأربعة ذاكراً أدلتهم في ردهم لخبر الواحد في كل قسم مبيناً الحق فيها مع ذكر الأمثلة التطبيقية في كل قسم من المسائل الفقهية مع ذكر حجج كُلٍّ في كل مسألة فيما يتعلق بهذا المأخذ، مخرجاً أقوال الإمام أبي حنيفة في كل مسألة فقهية بما يتفق مع أصوله وأصول بقية الأئمة الثلاثة والمنقولة عنه وعنهم نقلاً لا مجال في الشك فيه من تقديم السنة على الرأي.
وقد توصلت إلى نتائج هامة جداً أهمها:
١-أن هذه المسائل دخيلة على علم أصول الفقه بل صلتها وثيقة بمباحث علم العقيدة.
٢-لا خلاف بين أحد من علماء الأمة –لا سيما الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة المعتبرين ومنهم الأئمة الأربعة – في وجوب الاحتجاج بالسنة، معتبرينها صنو القرآن الكريم في التشريع العلمي والعملي.
٣- أن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى يرون حجية خبر الواحد مطلقاً وأنه يفيد العلم والعمل معاً خلافاً لمن شذ عن طريقهم ممن نَسَبَ نفسه إليهم.
стр. 6744
٤- أن الطعن في خبر الواحد الصحيح بما يسمى بالانقطاع الباطن لدليل معارض قول مخترع اخترعه عيسى بن أبان ثم تبعه على ذلك أبو زيد الدبوسي ثم تتابع على القول به كثير من علماء الحنفية كالبزدوي والنسفي وعبد العزيز البخاري حتى أصبح هذا القول أصلاً من أصول الحنفية.
٥- لم يَثْبُتْ بناء أي مسألة من المسائل الفقهية على تلك القواعد، كما لم يثبت عن الإمام أبي حنيفة القول بها.
* * *
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الغر الميامين وعلى من اتبع أثره واستن بسنته إلى يوم الدين. وبعد:
أهمية الموضوع:
فإن علم أصول الفقه علم عظيم الشأن، به تضبط الاستنباطات، والمآخذ الفقهية. وهو سياج عظيم لمن أراد التفقه في الدين من الزلل والخطأ والخطل. وبالتمكن فيه يسهل الترجيح في المسائل الفقهية المختلف فيها بين أئمة الفقه لإحاطته بالقواعد الأصولية التي بنى الفقهاء والعلماء عليها فقههم؛ وكلما ازداد رسوخاً في علم أصول الفقه استطاع اختيار القول الراجح بسهولة ويسر مع اطمئنان إلى ما يذهب إليه. إلا أن هذا العلم دخله ما ليس منه – كما دخل غيره من فنون العلم الأخرى – فأذهب بريقه وصفاءه في كثير من مسائله مما يوجب على الباحثين فيه التحري والتحقق من صحة تلك الأصول وتلك القواعد والتأكد من عدم معارضتها لقواعد الشريعة الكلية أو الجزئية.
стр. 6745
وقد أوضح فضيلة الدكتور محمد العروسي عبد القادركثيراً من تلك المسائل التي أدخلت في مباحث أصول الفقه وليست منه، مبيناً أنها مبنيةٌ على مسائل عقدية منحرفة، فقال:- (ولما تصدى هؤلاء المتكلمون للكتابة في أصول الفقه، لم يكتفوا أن خلطوها بعلم الكلام ومقدماته، بل أدخلوا فيها أموراً افتراضية كتعارض خبرين ثابتين عن النبي (، وكتخصيص عموم الكتاب للسنة، وكجواب الرسول (للسائل بجواب أخص من سؤاله، وكتمثيلهم في مسألة تكليف ما لا يطاق بالمستحيل لغيره وزعمهم أنه واقع في الشريعة. وكل هذه المسائل لا وقوع لها في الشريعة.
ثم إن المتكلمين يرون أن علم الكلام أساس في معرفة الأصول، بل قد يفهم من ثنايا كلام القاضي أنه يرى أن التبحر في فن الكلام شرط في استجماع أوصاف المجتهدين ...
لأن كثيراً من هؤلاء الفقهاء أدخلوا فيما كتبوه عن الأصول شيئاً من أصول الأشعري وشيئاً من أصول الكلامية، فكان حكمهم في الأشياء بحسب معتقداتهم وتصوراتهم لا بحسب الواقع الذي يشهد له الكتاب والسنة ....) (١)
وقال:- أيضاً – (وقرر القاضي مسائل الأصول وبناها على مذهب أبي الحسن الأشعري – ﵀ – فإنه كان يذهب مذهبه في القدر والصفات والكلام، وينافح عنه.
ولما كان بعض مسائل أصول الفقه تشترك مع بعض مسائل أصول الدين، كمسائل الأخبار، وحجية المتواتر، وأخبار الآحاد، ووقوع النسخ، ومسائل التكليف، كالأمر بالشيء والنهي عنه هل يقتضي الأمر والنهي عن ضدهما؟ والخلاف في جواز كون الأمر مشروطاً ببقاء المأمور على صفات التكليف، وهل الأمر بالفعل يتعلق به حال حدوثه؟ ومسألة الاستطاعة، ومسألة تكليف ما لا يطاق، والمسائل المتعلقة بالإكراه وغيرها من مسائل الإجماع والقياس والاجتهاد.
стр. 6746
وأما حجية الإجماع والكلام في صحته وإثباته فمن مسائل علم الكلام، ولما كان الأمر كذلك، استطاع كثير ممن شارك في علم الكلام أو كتب فيه أن يكتب في أصول الفقه؛ لأنه الميدان الذي ظهر فيه أراء المعتزلة؛ ولأنه الفن الذي يمكن فيه تقرير مذهب أبي الحسن الأشعري أو مذهب غيره ....
ثم تتابع الأصوليون من المتكلمين أو المنتسبون إليهم كالقاضي البيضاوي وابن الحاجب والإسنوي– وفي عصر هؤلاء – وقبله بقليل ظهرت نزعة الكلام في أصول الحنفية ويتضح ذلك في كتابات شراح البزدوي والمنتخب للأخسيكثي، ناهيك عن المتأخرين منهم كالنسفي حافظ الدين وابن الهمام. وهؤلاء المتكلمون من الأصوليين منهم من كتب وألف في الأصلين، ومن له تأليف في أصول الدين وشرح لأحد كتب أصول الفقه) (١) .
ومن هذه المسائل التي حُشر بحثها في علم أصول الفقه وليست منه مقررة على خلاف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين، وعلى خلاف من ينتسب إليه مقرروها ألا وهو مذهب الإمام أبي حنيفة – ﵀ – مسألة الانقطاع الباطن في أخبار الآحاد.
سبب اختيار الموضوع:-
لقد دفعني للكتابة في هذه المسألة غير ما سبق أمورٌ أجمل أهمها فيما يأتي:-
١-توضيح هذه المسألة وبيان تعلقها بمسائل عقدية خطيرة خالف بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة الفقهية فيها أئمتهم.
٢-توضيح رأي الأئمة الأربعة ولا سيما رأي أبي حنيفة في هذه المسألة.
٣-نصرة الحق وتنقيته مما شابه من باطل.
٤-كثرة ما ترتب على القول بها من مسائل فقهية مخالفة للأدلة الشرعية.
٥-تبرئة أعلام الحنفية من القول بها وتبيين أن قائلها الأول ليس منهم، وإن كان قد تبنى القول بها فيما بعد كثير من المنتسبين إلى أبي حنيفة.
стр. 6747
٦-ترغيب طلاب العلم في تعلم أصول الفقه على طريقة أهل السنة والجماعة حقاً (أهل الحديث والأثر) وذلك بالرجوع إلى أقوال الأئمة المعتبرين أمثال الإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والبخاري ومسلم وابن قتيبة والسمعاني وابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومن سار على طريقتهم واقتفى أثرهم، وفي الوقت نفسه تحذيرهم عن سلوك طريق المتكلمين من معتزلة وأشاعرة وماتريدية وغيرهم.
٧-تشجيع طلاب العلم ممن هو متمكن في علم أصل الأصول: العقيدة، وعلم أصول الفقه للكتابة في المسائل التي اختلط فيها الحابل بالنابل، والحق بالباطل لتمييزها، وتوضيحها، وتنقيتها مما علق بها من شوائب باطل المتكلمين وبعض المنتسبين إلى مذهب أبي حنيفة ﵀ ممن أصبح فيما بعد يُعد من فقهاء الحنفية.
٨- جدة الموضوع فإني لا أعلم أن أحداً من الباحثين أفردها ببحث مستقل.
خطة البحث:-
قسمت البحث إلى مقدمة اشتملت على أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وخطة البحث، ومنهجي فيه، وإلى ستة مباحث على النحو التالي:-
المبحث الأول:- في تعريف الخبر، وذكر أقسامه.
المبحث الثاني:- في بيان منزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها وفيه مطلبان:-
المطلب الأول: في بيان منزلة السنة عند الشارع. وفيه أربع مسائل:-
المسألة الأولى:- في منزلة السنة في كتاب الله.
المسألة الثانية:- في منزلة السنة في السنة.
المسألة الثالثة:- في دلالة الإجماع على منزلة السنة.
المسألة الرابعة:- في دلالة المعقول على منزلة السنة.
المطلب الثاني: في بيان منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها.
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:- في منزلة السنة عند الصحابة.
المسألة الثانية:- في منزلة السنة عند التابعين.
المسألة الثالثة:- في منزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى:- وفيها فقرتان.
الفقرة الأولى: في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص
стр. 6748
الفقرة الثانية: في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة.
المبحث الثالث:- في إفادة خبر الواحد العلم.
المبحث الرابع: في المشهور عند الحنفية.
المبحث الخامس:- في تحرير موطن النزاع وذلك ببيان ما المراد بالانقطاع
الباطن، وذكر أقسامه وأنواع كل قسم.
المبحث السادس:- في أوجه انقطاع خبر الواحد الباطن لدليل معارض من
القسم الأول. وفيه أربعة مطالب:-
المطلب الأول:في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً لكتاب الله تعالى.وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بها ومناقشتها.
المسألة الثانية: في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها.
المطلب الثاني: في رد خبر الواحد لكونه مخالفاً للسنة المشهورة.وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بها ومناقشتها.
المسألة الثانية: في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها.
المطلب الثالث:- في رد خبر الواحد لكونه حديثا شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته.وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بها ومناقشتها.
المسألة الثانية: في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها.
المطلب الرابع:- في انقطاع خبر الواحد لكونه حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول. وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في أدلة القائلين بها ومناقشتها.
المسألة الثانية: في الآثار الفقهية المترتبة على القول بها.
منهجي في البحث
سرت في البحث على النهج الآتي:-
١-عرفت بالمصطلحات العلمية ذات العلاقة بالموضوع، والكلمات الغريبة.
٢-عزوت الآيات القرآنية إلى مواطنها من كتاب الله وذلك بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٣-خرجت الأحاديث من مظانها مبيناً حكم العلماء عليها من حيث الصحة أو عدمها.
٤-خرجت الآثار من مظانها.
٥-حررت المسألة المبحوثة معتمداً في نسبة الأقوال إلى قائليها والمذاهب إلى أصحابها على الكتب الأصلية والمصادر القديمة.
стр. 6749
٦-ذكرت في المسائل الأربع أدلة المذاهب المختلفة، واعتراضات كلٍ.
٧-أبرزت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة في تلك المسألة لكونهم القدوة.
٨-وثقت المسائل الفقهية من مصادرها المعتبرة.
وختاماً فقد اجتهدت فيما كتبت قدر استطاعتي متوخياً فيه الحق والصواب فإن كنت وفقت إليه فبفضل الله وحده أولاً وآخراً وإن كانت الأخرى فأستغفر الله وأتوب إليه.
هذا.. وقد سميت هذا البحث: ب (رد خبر الواحد بما يسمى بالانقطاع الباطن؛ حقيقته، وحكمه، وأثره في الفقه الإسلامي) .
وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المبحث الأول: في تعريف الخبر وذكر أقسامه
الخبر في اللغة (١) هو:- واحد الأخبار. والخبر ما أتاك من نبأ عمن تستخبر. وخبره بكذا، وأخبره: نبأه. واستخبره: سأله عن الخبر وطلب أن يخبره.
وفي الاصطلاح (٢) :- هو الكلام المحتمل للصدق والكذب لذاته.
والمراد بالخبر في هذا البحث: هو الخبر المنقول عن الشارع، وهو قسمان:- متواتر وآحاد.
والمتواتر لغة (٣) :- مأخوذ من التواتر وهو التتابع بين أشياء بينها مهلة.
واصطلاحاً (٤) :- خبر عددٍ يمتنع معه لكثرته تواطؤٌ على كذبٍ عن محسوسٍ أو خبرُ عددٍ عن عددٍ كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس.
стр. 6750
والمتواتر يفيد العلم الضروري اليقيني عند جمهور العلماء (١) خلافاً للكعبي وأبي الحسين البصري المعتزلي وأبي الخطاب والجويني والدقاق الشافعي وغيرهم حيث قالوا إنه يفيد العلم النظري.
وأما الآحاد فهو في اللغة (٢) : جمع أحدٍ، وهمزته مبدلة من الواو فأصل أحد: وحد.
واصطلاحاً (٣) :- هو ما لم يتواتر.
وهذا التعريف يشمل الخبر الصحيح وغيره، إلا أن المراد هنا بخبر الآحاد أو الواحد:- هو الخبر الصحيح المروي عن رسول الله (بعدد من الرواة لا يبلغ عددهم حد التواتر.
وأما الحديث عمَّا يفيده خبر الواحد فسيأتي في موطنه – إن شاء الله –.
المبحث الثاني: في منزلة السنة عند الشارع وسلف الأمة وأئمتها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في منزلة السنة عند الشارع. وفيه أربع مسائل:-
المسألة الأولى: في منزلة السنة في كتاب الله.
للسنة منزلة عظيمة عند الله وعند رسوله (فهي وحي من الله لرسوله كالقرآن إلا أن الفرق بينها وبين القرآن أن القرآن لفظه ومعناه من الله، والسنة معناها من الله ولفظها من رسول الله (.
стр. 6751
وهي مصدر للتشريع ككتاب الله. فالقرآن هو الأصل الذي حوى القواعد الكلية الأساسية من أمور العقيدة والعبادات والأخلاق والمعاملات وغيرها، والسنة هي البيان الحقيقي والشرح الدقيق لما أُحتيِجَ فيه من القرآن إلى تبيين.
فمن رام العمل بالقرآن وحده دون الرجوع إلى السنة - ولا سيما السنة الآحادية لكثرتها وقلة أو ندرة المتواتر منها - فقد كذب، بل هو - في الحقيقة - منسلخ من الإسلام ساعٍ في هدمه، مستهزئ به وبأهله.
وقد دل على حجية السنة - متواترها وآحادها، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع،وأن الواجب على من انتسب إلى الإسلام والإيمان وجوب الرجوع إليها في كل شيء - الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والعقل الصريح، والنظر الصحيح.
ولقد جاءت آيات كثيرات تدل بدلالات مختلفة ومتنوعة على أن السنة وحي من الله يجب على المكلفين اتباعها والرجوع إليها، وليس لأحد الخيرة في تركها أو الإعراض عنها.
من ذلك:-
قوله تعالى:- (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ((النجم ٣،٤) فهذه الآية عامة في جميع ما ينطق به النبي (.
قال ابن حزم (١) –﵀:- (فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله إلى رسوله (على قسمين:-
أحدهما:- وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن.
стр. 6752
والثاني:- وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله (وهذا القسم هو المبين عن الله مراده منا. قال تعالى:- (لتبين للناس ما نزل إليهم ((النحل ٤٤) ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق فقال تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ((التغابن ١٢) فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها، وهي قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ((النساء ٥٩) فهذا أصل، وهو القرآن.
ثم قال تعالى:- (وأطيعوا الرسول ((النساء ٥٩) فهذا ثانٍ وهو الخبر عن رسول الله (، ثم قال تعالى:- (وأولي الأمر منكم ((النساء ٥٩) فهذا ثالث وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله (حكمه، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع، قال تعالى:- (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ((النساء ٥٩) .
قال علي:- والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله (؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنِّة والناس كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله (، وكل من أتى بعده ﵇ وقبلنا ولا فرق، وقد علمنا علم ضرورة أنه لا سبيل لنا إلى رسول الله ( ...
والقرآن والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى، وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما لما قدمناه آنفاً في صدر هذا الباب) انتهى كلامه مختصراً.
المسألة الثانية: في منزلة السنة في السنة النبوية.
стр. 6753
كما دل الكتاب الكريم على حجية السنة ووجوب العمل بها والانقياد لها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً، وعدم رد شيء منها، فقد دلت السنة النبوية على ذلك كله. من ذلك:-
أ-قوله (:- (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا يا رسول الله: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) (١) .
ب-قوله (:- (... فمن أطاع محمداً (فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً (فقد عصى الله، ومحمد فَرَّقَ بين الناس) (٢) .
ج-قوله (:- (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) (٣) .
د-قوله (:- (أوصيكم بتقوى الله تعالى، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعةٍ ضلالة) (٤) .
هـ-قوله (:- (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعينيّ، وإني أنا النذير العُريان، فالنجاء، فأطاعة طائفة من قومه فادلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذَّب بما جئت به من الحق) (٥) .
стр. 6754
وهذه الأحاديث السابقة وغيرها تدل على ما دلت عليه الآيات الكريمات السابقات من وجوب طاعة الرسول وأن طاعته من طاعة الله وأنه لا يمكن للعبد أن يطيع ربه من غير طاعة نبيه وأن في طاعته النجاء وفي معصيته الخسران المبين في الدنيا والآخرة، وأن سنته (باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وأنها لا تفترق عن كتاب الله حتى يردا على رسول الله حوضه، وأن الضلال والانحراف والابتداع هو ترك سنته وهديه، وأن دعوى من يقول بعدم حجية السنة إنما هي من البدع والاختلافات والضلالات التي حذرنا منها رسول الله (.
وإن من أصرح الأحاديث الدالة على حجية السنة، وضرورة التمسك بها – غير ما سبق – قوله (:-
و (من رغب عن سنتي فليس مني) (١) فمن كان لديه عقل أودين كفاه هذا فضلاً عما ذكر من الآيات والأحاديث وما سَيُذكر.
ز-قوله (:- (نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرُبَّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاثُ لا يَغِلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم) (٢) .
قال الإمام الشافعي (٣) :- (فلما ندب رسول الله صلى الله عليه إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرَأً يؤديها، والامرءُ واحد: دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّي إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ، وحرام يُجتنب، وحدٌّ يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا) .
المسألة الثالثة: في دلالة الإجماع على منزلة السنة النبوية.
стр. 6755
قال الشوكاني (١) :- (اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ....والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام) .
المسألة الرابعة: في دلالة المعقول على منزلة السنة النبوية.
قال الدكتور عبد الكريم زيدان (٢) :- (ثبت بالدليل القاطع: أن محمداً (رسول الله، ومعنى الرسول: هو المبلغ من الله، ومقتضى الإيمان برسالته: لزوم طاعته، والانقياد لحكمه، وقبول ما يأتي به، وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى. ولا تتصور طاعة الله والانقياد إلى حكمه، مع المخالفة لرسوله () .
المطلب الثاني: في منزلة السنة عند سلف الأمة وأئمتها.
وفيه ثلاث مسائل:-
المسألة الأولى:- في منزلة السنة عند الصحابة ﵃.
لقد كان للسنة النبوية في صدور سلفنا الصالح وأئمتنا منزلة عظيمة جداً فقد كان لها من الحب والاحترام والتقدير ما يهون معه كل شيء، بل كانوا يرون أن الهدى في الاعتصام بها والتمسك والعمل بها في كل شيء هو دليل التقوى، وقد تنوع ذلك الحب بين عمل بها وقول يحض ويدعو إلى توقيرها، والعمل بها، وحفظها، وضبطها، ونشرها، وهجر لمن أعرض عنها، وتحذير عن هجرها وترك لها.
стр. 6756
ولم يكن أحد أكثر حباً لسنة المصطفى والعمل بها والحض عليها والتمسك بها والتحذير من مخالفتها من الصحابة ﵃ فقد أشتهر عنهم ذلك شهرةً لا تخفى على أحدٍ، وتواتر عنهم تواتراً لا يُدفع في مواقف كثيرة جداً فاقت العد والحصر.
ولكثرة ما تواتر عنهم في هذا المجال فإني سأكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي تفي بالمراد، فمن ذلك:-
١- قول أبي بكر الصديق (١) –﵁: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (يعمل به، إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ.
٢-قول عمر بن الخطاب (٢) – ﵁ – في تقبيله للحجر الأسود: إنك حجر لا تنفع ولا تضر؛ ولولا أني رأيت رسول الله (يقبلك ما قبلتك.
٣-قول علي (٣) ﵁:- إلا إني لست بنبي، ولا يوحى إلي؛ ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد (ما استطعت (٤) .
المسألة الثانية:- في منزلة السنة عند التابعين.
стр. 6757
لقد ربى الصحابة ﵃ التابعين على حب السنة والعمل بها ظاهراً وباطناً سراً وعلانيةً ونشرها بين الناس ودعوتهم للعمل بها والتحذير من مخالفتها ومجانبتها فنقل عن التابعين من الآثار الدالة على ذلك كما نقل عن أساتذتهم ﵃ أجمعين. فمن ذلك:-
١-قول قتادة بن دعامة (ت ١١٧هـ) (١) :- والله ما رغب أحد عن سنة نبيه (إلا هلك. فعليكم بالسنة وإياكم والبدعة.
٢-قول محمد بن مسلم الزهري (ت ١٢٤هـ) (٢) :- كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض سريعاً (٣) .
المسألة الثالثة:- في منزلة السنة عند أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وفيها فقرتان: -
الفقرة الأولى:- في منزلة السنة عند الأئمة الأربعة على وجه الخصوص:-
стр. 6758
لقد سار أعلام الهدى من علماء الأمة من بعد صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم بإحسان على طريق سلفهم الصالح من الاحتجاج بالسنة وتقديرها وتوقيرها والرجوع إليها في كل صغيرٍ وكبيرٍ والتحذير عن مجانبتها أو مخالفتها أو تركها أو التقدم عليها وبين يديها، وقد أُثر عنهم كما أُثر عن سلفهم من الأقوال الدالة على ذلك - وهي كثيرة جداً - إلا أني سأقتصر على بعضها مبتدئياً بذكر أقوال الأئمة الأربعة؛ لإمامتهم، وشهرتهم، ومكانتهم عند عامة الأمة، ثم أذكر أقوال بعض العلماء من عصرهم ومن غيره - من غير استقراء- للدلالة على أن هذا الموقف هو موقف أهل العلم جيلاً بعد جيل.
فمما جاء عن الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ما يأتي:-
أولاً:- أقوال الإمام أبي حنيفة (ت١٥٠هـ) ﵀ في ذلك:-
١-إذا صح الحديث فهو مذهبي (١) .
٢-دخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة، والحديث يقرأ عنده، فقال الرجل: دعونا من هذه الأحاديث. فزجره أبو حنيفة أشد الزجر، وقال له: لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن (٢) .
ثانياً:-أقوال الإمام مالك (ت ١٧٩هـ) ﵀ في ذلك: -
ما من أحدٍ إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله ((٣) .
ثالثاً:-أقوال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤هـ) رحمه الله تعالى في ذلك:-
١-ليس في سنه الرسول الله (إلا اتباعها (٤) .
стр. 6759
٢-كل حديث عن النبي (فهو قولي وإن لم تسمعوه مني (١) .
رابعاً:-أقوال الإمام أحمد (ت ٢٤١هـ) ﵀ في ذلك:-
من رد حديث رسول الله (فهو على شفا هلكة (٢) .
الفقرة الثانية:- في منزلة السنة عند سائر علماء الأمة:-
لقد سبق حكاية الإجماع على حجية السنة، وأن العلماء سلفاً وخلفاً متفقون على وجوب الاحتجاج بالسنة وتوقيرها واحترامها والذب عنها والاجتهاد في نشرها وتعليمها للعامة والخاصة، وأنها صنو القرآن في التشريع؛ لأنها وحي من عند الله ، وفي هذه الفقرة سأذكر بعض النقول عن بعض الأئمة-لعدم إمكانية الحصر، ولأن المراد التمثيل - للدلالة على منزلة السنة ومكانتها عند سائر علماء الأمة فمن ذلك:-
стр. 6760
قول الحسن بن علي البربهاري (ت ٣٢٩هـ) :- إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله (فاتهمه على الإسلام، فإنه رديء المذهب والقول .... القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن (١) .
المبحث الثالث: في إفادة خبر الواحد العلم
تبين من النقول السابقة عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين والأئمة المرضيين احتجاجهم بالسنة مطلقاً وعدم التمييز بينها، وعدم تقسيمها - كما أُحْدِث فيما بعد – إلى: متواتر وآحاد.
حيث إن الجميع عند أئمة الهدى والتقى سنةٌ واجب اتباعها وقبولها مع ضرورة الانقياد لها لكونها وحياً من الله وما كان كذلك وجب قبوله واعتقاده والعمل به سواء كان في العلميات أو العمليات.
ويكفي العاقل المنصف أن يقنع بما ذُكِر من النقول عن علماء الأمة على قبولها والعمل بها والانقياد لها، وبما نقله العلماء الربانيون من اتفاق السلف وأئمة الدنيا على العمل بالسنة متواترها وآحادها لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات.
قال الإمام الشافعي (٢) –﵀:- (وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث، يكفي بعض هذا منها. ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل. وقد حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان ....