← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وكلُّهم يقولونَ يَحْضُرُ بالضمِّ، لا خلافَ بينهم في مضارِعِه (١) . وحُكيَ عن الليثِ أنّهم يقولونَ: حَضَرَتِ الصلاةُ، وأهلُ المدينةِ يقولونَ حَضِرَتْ، وكلُّهم يقولون تَحْضُرُ (٢) . ويقالُ: حَضِرَتِ القاضيَ اليومَ امرأةٌ، ثم يقولونَ: تَحْضُرُ (٣) . وممّا وردَ على هذهِ اللغةِ قولُ جريرٍ: مَا مَن جَفَانا إذَا حاجاتُنا حَضِرَتْ كمَن لنا عندَه التكريمُ واللَّطَفُ (٤) فتحصّلَ من ذلكَ في حَضَرَ لغتانِ: - حَضَرَ يَحْضُرُ، وهيَ المشهورةُ. - حَضِرَ يَحْضُرُ، لغةٌ فيها. وقد حكى ابنُ يعيشَ هذهِ اللغةَ حَضِرَ يَحْضُرُ عن سيبويهِ (٥) ، في حينَ أنّه حكاها في كتابٍ آخرَ عن غيره (٦) ، وكذا حكاها ابنُ سيده عن غيره (٧) ، والصوابُ - إن شاءَ اللهُ - الثاني؛ لأنّ سيبويهِ بنصِّه في كتابِه لم يذكرْ ممّا وردَ على فَعِلَ يَفْعُلُ سوى فَضِلَ يَفْضُلُ في السالمِ (٨) . وقالَ جماعةٌ منَ اللغويينَ بشذوذِ الثانيةِ، كابنِ عصفورٍ (٩) ، وابنِ منظورٍ (١٠) ، والسيوطيِّ (١١) .

стр. 737

وحملَها ابنُ يعيشَ على تداخلِ اللغاتِ (١) ، وقالَ الفيوميُّ: ((لكن استُعمِلَ الضمُّ معَ كسرِ الماضي شذوذاً، ويُسمَّى تداخلَ اللغتينِ)) (٢) . والقولُ بوقوعِ التداخلِ أرَاهُ مُتَعذِّراً؛ لأنَّ حَضَرَ لم يثبتْ في ماضيها ومضارِعها لغتانِ، فتكونَ بعدَ هذا حَضِرَ يَحْضُرُ ثالثةً مركبةً منهما، وهذا يستقيمُ لو كانَ فيها لغتانِ: - حَضَرَ يَحْضُرُ. - حَضِرَ يَحْضَرُ. فيَأْخذُ الماضي من إحداهما والمضارعُ من الثانيةِ مكوِّنَةً لغةً ثالثةً هيَ حَضِرَ يَحْضُرُ. قالَ البطليوسيُّ ((وحكى يعقوبُ حَضِرَ يَحْضَرُ)) (٣) كذا ضَبَطَ المحقّقُ، وليسَ في إصلاحِ المنطقِ ولا تهذيبِ الألفاظِ وتقدّمَ النقلُ عنه: حَضِرَ يَحْضُرُ (٤) . وقالَ الفيروزا باديُّ ((حَضَرَ وعلِم)) (٥) ، وظاهرُ لفظِه يُوهِمُ أنّ في حَضَرَ لغتينِ: - حَضِرَ يَحْضُرُ كنصَرَ ينصُر. - حَضِرَ يَحْضَرُ كعلِمَ يعلَمُ. قالَ الزبيديُّ: ((واللغةُ الأولى هيَ الفصيحةُ المشهورةُ، ذكرَها ثعلبٌ في الفصيحِ وغيرُه، وأوردَها أئمةُ اللغةِ قاطبةً وأمّا الثانيةُ فأنكرَها جماعةٌ وأثبتَها آخرونَ، ولا نزاعَ في ذلكَ، إنّما الكلامُ في كلامِ المصنِّفِ أو صريحِه، فإنَّه يقتضي أنَّ حَضِرَ كعلِمَ مضارعُه على قياسِ ماضيه، فيكونُ مفتوحاً كيعلَمُ، ولا قائلَ به، بل كلُّ من حكى الكسرَ صرَّحَ بأنّ المضارعَ لا يكونُ على قياسِه)) (٦) . قلتُ: وإنّما أَدْخَلْتُ حَضِرَ يَحْضُرُ في بحثِ التداخلِ هذا، وإن لم يكن منه - حسبما أرى -: لأنَّ هذا الفعلَ يردُ معَ أفعالِ التداخلِ، ولقولِ بعضِ العلماءِ بأنّه من قبيلِه، فآثرتُ عرضَ هذه الأقوالِ، وبيانَ مسلكِ الصوابِ فيها.

стр. 738

دِراسَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: جاءَ الفعلُ الماضي غيرَ متّصلٍ بشيءٍ في خمسِ آياتٍ: ١ - ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوتُ﴾ ١٣٣ / البقرة. ٢ - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ﴾ ١٨٠/ البقرة. ٣ - ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمةَ أُولُوا القُرْبَى واليَتَامَى والمَسَاكينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنهُ﴾ ٨ / النساء. ٤ - ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ١٨ / النساء. ٥ - ﴿شَهَادَة بَيْنكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١٠٦ / المائدة. وجاءَ مسنداً إلى واوِ الجماعةِ في آيةٍ واحدةٍ: ١ - ﴿فَلَمَّا حَضَرُوه قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ ٢٩ / الأحقاف. ومضارعاً في آيةٍ واحدةٍ: ١ - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٩٨ / المؤمنون. فالفعلُ في القرآنِ لم يردْ إلاّ على فَعَلَ يَفْعُلُ وهوَ القياسُ، ولم نقفْ على غيرِ ذلكَ في قراءاتٍ آُخَرَ. شَمِلَ يَشْمُلُ: الشَّملُ: الاجتماعُ، يقالُ: جمعَ اللهُ شملَهم، وشَمِلَهُمُ الأمرُ بمعنى عمَّهم وغشيَهم (١) . وردَ فيها لغتانِ: - شَمِلَ يَشْمَلُ كعلِم (٢) . - شَمَلُ يَشْمُلُ كنصَر (٣) ، ويَشْمِلُ كضرَب (٤) .

стр. 739

قالَ اللحيانيُّ: شَمَلَهم بالفتحِ لغةٌ قليلةٌ (١) ، وقالَ الجوهريُّ: شَمَلَهم لغةٌ لم يعرفْها الأصمعيُّ (٢) . وسُمِع لغةٌ ثالثةٌ: - شَمِلَ يَشْمُلُ، حكاها ابنُ درستويهِ (٣) ، والأزهريُّ (٤) . وتوجيهُها على تداخلِ اللغتينِ، إذ شَمِلَ في الأصلِ ماضي يَشْمَلُ، ويَشْمُلُ في الأصلِ مضارعُ شَمَلَ، فتداخلتِ اللغتانِ فيهما، فاستضافَ من يقولُ شَمِلَ لغةَ من يقولُ يَشْمُلُ، فحدثَتْ هنالِكَ لغةٌ ثالثةَ، مركَّبَةٌ منهما (٥) . قالَ السيوطيُّ: ((وليسَ ذلك بقياسٍ، واللغتانِ الأوليانِ أجودُ)) (٦) . نَكِلَ يَنْكُلُ: النَّكْلُ الجبنُ، نكلَ عنِ الأمرِ: جَبُن عن لقائِه ونكَصَ (٧) ، أتَتْ على لغتينِ: - نَكَلَ يَنْكِلُ ويَنْكُلُ كضرَبَ ونصَرَ (٨) . - نَكِلَ يَنْكَلُ كعلِمَ (٩) . والأولى أجودُ (١٠) . قالَ الخليلُ: الأولى حجازيّةٌ، والثانيةُ تميميّةٌ (١١) .

стр. 740

وفي المحيطِ: نَكِلَ يَنْكَلُ حجازيةٌ (١) . ولعلَّ الضبطَ خلطٌ من المحقِّقِ، وفي التاجِ ما يؤيدُ الأولَ: ((نَكِلَ عنه كضرَبَ ونصَرَ وعلِمَ، الأخيرةُ أنكرَها الأصمعيُّ، وأثبتَها غيرُه، وقيلَ: هيَ لغةُ بني تميمٍ)) (٢) . وحكى ابنُ درستويهِ فيه لغةً ثالثةً هيَ: نَكِلَ يَنْكُلُ (٣) . وتخريجُ هذهِ على تداخلِ اللغتينِ، إذ أُخِذَ الماضي منَ اللغةِ التميميةِ والمضارعُ من الحجازيةِ فتركبت منهما هذهِ اللغةُ على فَعِلَ يَفْعُلُ. - فَعِل يفعُل من المعتل مِتْ تَمُوتُ: الموت معروفٌ، وفعلُه جاءَ على لغتينِ (٤) : - مُتّ تموتُ كقُلت منَ المعتلِ ونصَرَ منَ السالمِ، وهيَ لغةُ سُفْلَى مُضَرَ (٥) . - مِتّ تماتُ كخِفت منَ المعتلِ وعَلِم منَ السالمِ، وهذهِ طائيّةٌ (٦) ، قالَ ابنُ دريدٍ: أكثرُ من يتكلمُ به طيّءٌ، وقد تكلمَ بها سائرُ العربِ (٧) . وقيلَ: وهيَ لغةُ الحجازِ (٨) . وعليها قالَ الراجزُ: بُنَيَّتي سَيِّدَةَ البَنَاتِ

стр. 741

عِيْشِي ولا نَأْمَنُ أن تَمَاتِي (١) قالَ الأزهريُّ: ((اللغةُ الفصيحةُ: مُتّ ومُتنا)) (٢) . وقالَ ابنُ خالويهِ: ((والضمُّ أفصحُ وأشهرُ)) (٣) . وقالَ أبو حيّانَ: ((والضمُّ أقيسُ وأشهرُ والكسرُ مستعملٌ كثيراً، وهوَ شاذٌ في القياسِ)) (٤) . وحكى الفيروزاباديُّ فيها لغةً ثالثةً؛ هيَ: مات يميتُ (٥) . وقالَ الزبيديُّ: ((وظاهرُه أنّ التثليثَ في مضارعِ مات مطلقاً، وليسَ كذلكَ، فإنّ الضمَّ إنّما هوَ في الواويِّ كيقولُ من قالَ قولاً، والكسرُ إنّما هوَ في اليائيِّ كيبيعُ من باعَ، وهيَ لغةٌ مرجوحةٌ أنكرَها جماعةٌ)) (٦) . وماتَ يموتُ أصلُها مَوَتَ يَمْوُتُ على فَعَلَ يَفْعُلُ، فلمّا تحركَتِ الواوُ في الماضي وفُتِحَ ما قبلَها قُلِبَتْ ألفاً، وفي المضارعِ نُقِلت حركةُ المعتلِّ إلى الساكنِ الصحيحِ قبلَه، فلمّا أُسنِدَ الفعلُ إلى ضميرِ الرفعِ حُذِفَ حرفُ العلةِ منعاً من التقاءِ الساكنينِ. وماتَ يماتُ أصلها مَوِتَ يَمْوَتُ على فَعِلَ يَفْعَلُ، ثم حدثَ لها من الاعتلالِ ما حدثَ لسابقتِها، معَ قلبِ الواوِ ألفاً في مضارعِه مناسبةً لحركةِ ما قبلَها.

стр. 742

وقد حكى سيبويهِ: مِتَّ تموتُ على فَعِلَ يَفْعُلُ (١) ، وحكاها ابنُ السكيتِ عن بعضِهم (٢) ، وحكاها غيرُهما (٣) . وتوجيهُ هذه اللغةِ على تركّبِ اللغتينِ بأن جيءَ بالماضي من اللغةِ الثانيةِ معَ مضارعِ الأولى (٤) . قالَ سيبويهِ: ((وأمّا مِتَّ تَمُوتُ فإنما اعتُلَّتْ من فَعِلَ يَفْعُلُ، ولم تُحَوَّلْ كما يُحَوَّلُ قُلتُ وزِدْتُ، ونظيرُها من الصّحيحِ فَضِلَ يَفْضُلُ، وكذلكَ كُدتَ تَكَادُ اعتلَّتْ من فَعُلَ يَفْعَلُ، وهيَ نظيرةُ مِتَّ في أنّها شاذةٌ، ولم يجيئا على ما كَثُرَ واطَّردَ من فَعُلَ وفَعِلَ)) (٥) . وقد خرّج هذه اللغةَ قومٌ على الشذوذِ (٦) ، وقالَ أبو حيّانَ: ((وهوَ شاذٌ في القياسِ جعلَه المازنيُّ من فَعِلَ يَفْعُلُ نظيرُ دِمتَ تدومُ وفَضِلت تَفْضُلُ، وكذا أبو عليٍّ، فحكما عليه بالشذوذِ)) (٧) ، وعدّها كراعٌ من قبيلِ النادرِ (٨) .

стр. 743

وقد اختُلِفَ فيما وردَ على فَعِلَ يَفْعُلُ من المعتلِ، فأثبتَ سيبويهِ مِتّ تموتُ وحدَها؛ قالَ: ((وقد جاءَ في الكلامِ فَعِلَ يَفْعُلُ في حرفينِ، بنوه على ذلكَ كما بنوا فَعِلَ يَفْعِلُ؛ لأنّهم قالوا: يَفْعِلُ في فَعِلَ كما قالوا في فَعَلَ، فأدخلوا الضمّةَ كما تدخلُ في فَعَلَ، وذلكَ في فَضِلَ يَفْضُلُ ومِتَّ تَمُوتُ، وفَضَلَ يَفْضُلُ ومُتّ تموتُ أقيسُ)) (١) ، وزادَ كراع (٢) دِمت تدومُ، وكذا ابنُ خالويهِ (٣) ، والجواليقيُّ (٤) ، وحُكِي عنِ الفرّاءِ (٥) . دِرَاسَةٌ قُرْآنِيّةٌ: ماضي الفعلِ المسندِ إلى ضميرِ رفعٍ جاءَ في أحدَ عشرَ موضعاً، مسنداً إلى ضميرِ المتكلمِ المفردِ في آيتين هما: ١ - ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي متُّ قَبلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِياً﴾ ٢٣ / مريم. ٢ - ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ٦٦ / مريم. ومسنداً إلى ضمير المخاطب المفرد في آية واحدة هي: - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِن مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ﴾ ٣٤ / الأنبياء. ومُسْنداً إلى جماعةِ المخاطبينَ في ثلاثٍ أخرى؛ هيَ: ١ - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أو مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١٥٧ / آل عمران. ٢ - ﴿وَلَئِنْ مِتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١٥٨ / آل عمران. ٣ - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ ٣٥/ المؤمنون. ومسنداً إلى ضميرِ المتكلمينَ في خمسِ آياتٍ هيَ:

стр. 744

١ - ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُمَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ٨٢ / المؤمنون. ٢ - ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ١٦ / الصافات. ٣ - ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِيْنُونَ﴾ ٥٣ / الصافات. ٤ - ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ٣ / ق. ٥ - ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ٤٧ / الواقعة. ولم يأتِ مضارعُه بغيرِ الواوِ، وبغيرِ زنةِ يَفْعُلُ بالضمِّ. فجاءَ مجردّاً مرفوعاً في عشرِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ١٤٥ / آل عمران. ﴿وَأَقْسَمُوا باللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِم لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ٣٨ / النحل. ٣ - ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾ ١٥ / مريم. ٤ - ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَياً﴾ ٣٣ / مريم. ٥ - ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى﴾ ٧٤ / طه. ٦ - ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٣٧ / المؤمنون. ٧ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِيْ لاَ يَمُوتُ﴾ ٥٨ / الفرقان. ٨ - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ٣٤ / لقمان. ٩ - ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنا الدُّنيَا نَمُوتُ ونَحْيَا﴾ ٢٤ / الجاثية. ١٠ - ﴿ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى﴾ ١٣ / الأعلى. ومجرداً مجزوماً في موضعينِ هما: ١ - ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٤٢ / الزمر.

стр. 745

٢ - ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِيْنِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ٢١٧ / البقرة. ومُسنداً إلى واوِ الجماعةِ في أربعِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١٣٢ / البقرة. ٢ - ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١٠٢ / آل عمران. ٣ - ﴿وَلاَ الَّذِيْنَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ١٨ / النساء. ٤ - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ ٢٥ / الأعراف. ومنصوباً في موضعٍ هوَ: ١ - ﴿لاَ يُقْضَى عَلَيْهِم فَيَمُوتُوا﴾ ٣٦ / فاطر. القِرَاءَاتُ الوَارِدَةُ: ((متّ)) ((متُّم)) ((متْنَا)) قرأَ نافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ الفعلَ الماضيَ المسندَ إلى ضمائرِ الرفعِ بالكسرِ في جميعِ القرآنِ، وقرأَ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ بالضمِّ في جميعِ القرآنِ، وروى أبو بكرٍ عن عاصمٍ الضمَّ في كلِّ المواضعِ، وخفض الضمَّ في موضعينِ فقط هما: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ ... ﴾ ١٥٧ / آل عمران. ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَو قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١٥٨ / آل عمران. وما عدا ذلكَ بالكسرِ حيثما وقعت في جميعِ القرآنِ (١) . قالَ ابنُ خالويهِ: ((والضمُّ أفصحُ وأشهرُ)) (٢) . وقالَ الأزهريُّ: ((القراءةُ العاليةُ واللغةُ الفصيحةُ: ((مُتّ)) و ((مُتنا)) ... والقراءةُ بكسرِ الميمِ من ((مِتّ)) فاشيةٌ وإن كانَ الضمُّ أفشى)) (٣) .

стр. 746

وقالَ ابنُ عطيّةُ: ((قالَ أبو عليٍّ: ضمُّ الميمِ هوَ الأشهرُ والأقيسُ، مُتَ تموتُ مثلُ قُلتَ تَقُولُ وطُفتَ تطُوفُ، والكسرُ شاذٌّ في القياسِ وإن كانَ قد استُعمِلَ كثيراً، وليسَ كما شذَّ قياساً واستعمالاً كشذوذِ اليُجَدَّع ونحوِه)) (١) . وقالَ أبو حيّانَ: ((والضمُّ أقيسُ وأشهرُ، والكسرُ مستعملٌ كثيراً، وهوَ شاذٌّ في القياسِ)) (٢) . تَوْجِيْهُ القِرَاءَاتِ: من قرأَ بضمِّ ميمِ الماضي ففي قراءتِه وجهانِ: أحدُهما: أن يكونَ الأصلُ فيه مَوَتَ كقُلتَ: أصلُه قَوَلتَ، فتحرّكتِ الواوُ وانفتحَ ما قبلَها فقُلِبت ألفاً، ثمّ حُذِفت لسكونِها وسكونِ آخرِ الفعلِ عندَ اتّصالِه بالضميرِ، وضُمّتِ الميمُ للدلالةِ على أنّ الفعلَ من ذواتِ الواوِ، ووزنُه: فَعَلَ يَفْعُلُ؛ أتى على الأصلِ في الواويِّ (٣) . والثاني: أن يكونَ أصلُه مَوَتَ / فنُقِلَ من فَعَلت - بفتحِ العينِ - إلى فعُلت - بضمِّ العينِ - فنُقِلَتِ الضمّةُ من الواوِ إلى الميمِ، فبقيتِ الواوُ ساكنةً، والتاءُ ساكنةٌ؛ فحذفتِ الواوُ، فصارَ مُتّ، ووزنُه: فَعُلَ يَفْعُلُ (٤) . ووزنُه في الوجهينِ ((فُلْت)) . ومن قالَ ((مِت)) بالكسرِ؛ فالأصلُ فيه: مَوِت بزنةِ فَعِلَ، فَعِلت كخِفت، أصلُه خَوِفت، ثمّ نُقِلَتِ الكسرةُ منَ الواوِ إلى الميمِ للدلالةِ على بِنْيَةِ الكلمةِ في الأصلِ، فالتقى ساكنانِ؛ الواوُ والتاءُ، فحُذِفَتِ الواوُ، فصارَ مِتُّ بزنةِ ((فِلْت)) (٥) . ثم اختلفوا في تخريجِه:

стр. 747

فقيلَ: القراءةُ بالكسرِ على لغةِ من يقولُ: مات يماتُ، كخاف يخافُ على فَعِلَ يَفْعَلُ (١) ، وحُكِيَ عنِ الفرّاءِ (٢) . قالَ الرازيُّ: ((والأوّلونَ أخذوه من ماتَ يماتُ مِتّ، مثل: هابَ يهابُ هِبت، وخافَ يخافُ خِفت، وروى المبردُ هذه اللغة، فإن صحَّ فقد صحَّت هذه القراءةُ)) (٣) . قلتُ: القراءةُ ثابتةٌ، ولا مجالَ لردِّها، قرأَ بها القرّاءُ السبعةُ، وهيَ سنّةٌ متبعةٌ نتلقَّاها بالقبولِ، سواءٌ نَقلَها المبردُ أم لم ينقلْها، هذا إلى أنّ قولَ المبردِ محكيّ في لغةِ مِتّ تماتُ فَعِلَ يَفْعَلُ والقراءةُ في القرآنِ على مِتّ تموتُ فَعِلَ يَفْعُلُ. وقالَ السمينُ: ((فالصحيحُ من قولِ أهلِ العربيةِ أنَّه من لغةِ من يقولُ: ماتَ يماتُ كخافَ يخافُ ... وهذا أولى من قولِ من يقولُ: إنّ “ مِت ” بالكسرِ مأخوذٌ من لغةِ من يقولُ يموتُ بالضمِّ في المضارعِ ... وإذا ثبتَ ذلك لغةً فلا معنى إلى ادِّعاءِ الشذوذِ فيه)) (٤) . قلت: ويردُّه اجتماعُهم على يموتُ في المضارعِ، والأظهرُ فيه أنَّه من بابِ التداخلِ. ونُقِلَ عن المازنيِّ وأبي عليٍّ أنّ الكسرَ مأخوذٌ من لغةِ من يقولُ يموتُ بالضمِّ في المضارعِ، وهو شاذٌّ في القياسِ كثيرٌ في الاستعمالِ، نظيرُ دِمت تدومُ وفَضِلَ تَفْضُلُ (٥) .

стр. 748

دِمْتَ تَدُومُ: دامَ الشيءُ: طالَ زمنُه، أو: سكنَ، والمستديمُ: المتأني في أمرِه، والمداومةُ على الأمرِ: المواظبةُ عليه (١) ، وفيه لغتانِ مشهورتانِ قياسيتانِ (٢) : - دُمت تدومُ كقُلت ونصَرَ، وهيَ اللغةُ العاليةُ (٣) ، لغةُ أهلِ الحجازِ (٤) . - دِمت تدامُ كخِفت وعلِمَ، وهي لغةُ أُزْدِ السَّرَاةِ ومن جاورَهم (٥) ، وقيلَ: لغةُ بني تميمٍ (٦) . وشاهدُ اللغةِ الأخيرةِ قولُ الراجزِ: يا مَيّ لا غَرْوَ ولا مَلامَا يا مَيّ لا غَرْوَ ولا مَلامَا (٧)

стр. 749

((وقال السمين: قالَ الفرّاءُ: ويجتمعونَ في المضارعِ فيقولونَ: يدومُ؛ يعني أنّ الحجازيينَ والتميميينَ اتفقوا على أنَّ المضارعَ مضمومُ العينِ، وكانَ قياسُ تميمٍ أن تقولَ: يدامُ كخافَ يخافُ وماتَ يماتُ، فيكونُ وزنُها عندَ الحجازِيين “ فَعَل ”، بفتحِ العينِ، وعندَ التميميينَ “ فَعِلَ ” بكسرِها، هذا نقلُ الفرّاءِ، وأمّا غيرُه فنقلَ عن تميمٍ أنّهم يقولونَ: دِمت أدامُ، كخِفت أخافُ، نقلَ ذلكَ أبو إسحاقَ وغيرُه كالرّاغبِ الأصفهانيِّ وأبي القاسمِ الزمخشريِّ)) (١) . وأصلُ فعلِها دَوَمَ يَدْوُمُ، ودَوِمَ يَدْوَمُ، ثم قُلِبَت واوُ ماضيها ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلَها، ونُقِلَت حركةُ الواوِ في مضارعِه إلى الساكنِ الصحيحِ قبلَه، معَ قلبِها ألفاً في الثانيةِ منهما لمجانسةِ حركةِ ما قبلَها. وقد حكى ابنُ السكيتِ عن بعضِ العربِ أنه يقولُ: دِمت بالكسرِ، ثم يقولُ: تدومُ، كفَضِلَ يَفْضُلُ (٢) . وتوجيهُ هذهِ اللغةِ على التداخلِ بأن أخذَ قومٌ لغةَ الذينَ كسروا الماضيَ فتكلموا بها، وأخذوا لغةَ الذينَ ضمُّوا المستقبلَ فتكلموا بها، فخرجَتْ عنِ القياسِ. وعدَّها ابنُ قتيبةَ في الشواذِ (٣) ، وكذلكَ قومٌ (٤) ، وحملَها كراعٌ على النّدرةِ (٥) ، والأخفشُ على القلةِ (٦) .

стр. 750

قالَ ابنُ منظورٍ: ((قالَ أبو الحسنِ: في هذهِ الكلمةِ نَظَرٌ، ذهبَ أهلُ اللغةِ في قولِهم دِمت تدومُ إلى أنها نادرةٌ كمِتّ تموتُ وفَضِلَ يَفْضُلُ وحَضِرَ يَحْضُرُ، وذهبَ أبو بكرٍ إلى أنها متركبةٌ، فقالَ: دُمت تدومُ كقُلت تقولُ، ودِمت تدام كخِفت تخافُ ثم تركبتِ اللغتانِ، فظنَّ قومٌ أنّ تدومُ على دِمت وتدامُ على دُمت، ذهاباً إلى الشذوذ وإيثاراً له، والوجهُ ما تقدَّمَ من أنّ تدامُ على دِمت، وتدومُ على دُمت، وما ذهبوا إليه من تشذيذِ دِمت تدومُ أخفُّ ممّا ذهبوا إليه من تسوّغِ دُمت تدامُ، إذ الأولى ذاتُ نظائرَ، ولم يُعْرَفْ من هذهِ الأخيرةِ إلآّ كُدت تكادُ، وتركيبُ اللغتينِ بابٌ واسعٌ، كقَنَطَ يقنَطُ وركَنَ يركَنُ، فيحملُه جهّالُ أهلِ اللغةِ على الشذوذِ)) (١) . ولم يذكرْ سيبويهِ هذه اللغةَ، بل أفردَ مِتّ تموتُ بالذّكرِ في بابِ المعتلِ (٢) ، وذكرَها كراعٌ؛ قالَ: ((فأمّا المعتلُّ فمِت تموتُ ودِمت تدومُ)) (٣) ، وكذلك الجواليقيُّ (٤) ، وحُكِيَت عنِ الفراءِ (٥) . دِرَاسَةٌ قُرْآنِيّةٌ: وردَ الفعلُ الماضي مسنداً إلى ضميرِ الرفعِ في أربعةِ مواضعَ، مفرداً في ثلاثِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِيْنَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إٍلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ ٧٥ / آل عمران. ٢ - ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيْداً مَا دُمْتُ فِيْهِمْ﴾ ١١٧ / المائدة. ٣ - ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً﴾ ٣١ / مريم. ومجموعاً في آيةٍ واحدةٍ هيَ:

стр. 751

١ - ﴿وَحرّمَ عَلَيكُم صَيد البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ ٩٦ / المائدة. ولم يجيءَ المضارعُ منه في موضعٍ قط. القِرَاءَاتُ الوَارِدَةُ: في قولِه تعالى: ﴿إلاَّ مَا دُمْتَ عَليهِ قَائِماً﴾ ٧٥ / آل عمرانِ قراءتانِ؛ ضمُّ الدّالِ من “ دُمْتَ ” للجمهورِ، وقراَ يحيى بنُ وثّابٍ والأعمشُ وأبو عبدِ الرّحمنِ السّلميُّ وابنُ أبي ليلى والفياضُ بنُ غزوانَ وطلحةُ بنُ مصرّفٍ وغيرُهم بالكسرِ (١) . وكذلكَ في قولِه تعالى: ﴿وَحرّمَ عَلَيكُمْ صَيد البَّرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ ٩٦٠ / المائدة قراءتانِ؛ الجمهورُ بالضمِّ، ويحيى بنُ وثابٍ وغيرُه بالكسرِ (٢) . قولُه تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً﴾ ٣١ / مريم. قالَ الزجاجُ: ((ما دمت حياً - دُمت ودِمت جَمِيعاً)) (٣) . وقالَ ابنُ عطيّةَ: ((وقرأَ “ دُمت ” - بضمِّ الدالِ - عاصمٌ وجماعةٌ، وقرأَ “ دِمت ” - بكسرِها - أهلُ المدينةِ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وجماعةٌ)) (٤) . قالَ أبو حيانَ: ((والذي في كتبِ القراءاتِ أنّ القراءَ السبعةَ قرءوا ((دُمت حياً)) - بضمِّ الدالِ -، وقد طالَعْنا جُمْلَةً منَ الشواذِ فلم نجدْها لا في شواذِّ السبعةِ ولا في شواذِّ غيرِهم)) (٥) . قالَ السمينُ: ((وهذا لم نَرَه لغيرِه، وليسَ موجوداً في كتبِ القراءاتِ المتواترةِ والشاذةِ التي بينَ أيدينا، فيجوزُ أن يكونَ اطَّلعَ عليه في مصحفٍ غريبٍ)) (٦) .

стр. 752

قالَ أبو جعفرٍ النّحاس: ((والضمُّ أفصحُ)) (١) . وقالَ العكبريُّ: ((وهوَ الأصلُ)) (٢) . تَوْجِيْهُ القِرَاءَاتِ: من ضمَّ الميمَ جعلَه على فَعَلَ يَفْعُلُ كقُلت أقولُ وقُمت أقومُ، وأصلُه: دَوَمَ؛ قُلِبَتِ الواوُ ألفاً لتحركِها وانفتاحِ ما قبلَها، ثم حُذِفت منعاً منِ التقاءِ الساكنينِ، وضُمَّتِ الميمُ دلالةً على الواوِ المحذوفةِ، ومضارعُه يدومُ على يَفْعُلُ (٣) . ومن كسرَ جعلَه على فَعِلَ دَوِمَ، وحدثَ له من الاعتلالِ ما حدثَ للسابقِ (٤) ، واختُلِفَ في مضارعِه: - فقيلَ: هو على فَعِلَ يَفْعُلُ كفَضِلَ يَفْضُلُ، وحُمِلَ على الشذوذِ؛ قالَه الأخفشُ (٥) . قالَ: ((ولغةٌ للعربِ: دمت، وهيَ قراءةٌ، مثلُ: مِتّ تموتُ، جعلَه على فَعِلَ يَفْعُلُ، فهذا قليلٌ)) (٣٩٠) . قالَ الهمدانيُّ: ((وهوَ عزيزٌ في القلّةِ)) (٦) . - وقيلَ: هو على لغةِ من قالَ: دِمت تدامُ كمِت تماتُ وخِفت تخافُ (٧) . - فَعِل يفعِل: (من المعتلّ) : وَرِيَ يِرِي: وريَ الزَّنْدُ: قدحَ ناراً واتّقدَ (٨) ، والمسموعُ فيه:

стр. 753

- ورَى يَرِي كوعى (١) ، حكاه أبو الهيثمِ (٢) . وذكر ابنُ سيده: - وَرِي يَوْرَى كَوَجِلَ يَوْجَل (٣) . وسُمِعَ: وَرِيَ يرِي بالكسرِ فيهما (٤) ، حكاه ثعلبٌ عنِ ابنِ الأعرابيِّ (٥) . وتوجيهُه على تداخلِ اللغتينِ والاكتفاءِ بمضارعِ من قالَ ورَى الزّنْدُ بفتحِ الرّاءِ عمّن قالَ وَرِيَ بكسرِها (٦) . - فعُل يفعَل: (من المعتلِّ) : كُدت تَكاد: كِدتُ أفعلُ: هَمَمْتُ وقارَبتُ (٧) ، وأكثرُ أهلِ اللغةِ على أنَّ الماضيَ منه كادَ، وفي إسنادِه إلى ضميرِ الرفعِ لغتانِ: كِدت وكُدت، ومستقبلُه تكادُ فحسب، وأكثرُ العربِ على الكسرِ (٨) ، والضمُّ لغةُ بني عَدِيٍّ (٩) . وقد حكى الأزهريُّ عنِ الليثِ: كادَ يكودُ (١٠) . فعلى هذا تكونُ ثلاثَ لغاتٍ: - كِدت أكادُ. - كُدت أكادُ. - كُدت أكودُ.

стр. 754

((وقالَ الفراءُ: أمّا الذينَ ضمّوا كُدنا فإنّهم أرادوا أن يفرِّقوا بينَ فِعْلِ الكيدِ من المكيدةِ في فَعَلَ وبين فِعْلِ الكيدِ في القربِ فقالوا: كُدنا نفعلُ ذلكَ، وقالوا: كِدنا القومَ من المكيدةِ، كما فرّقوا بينَهما في يَفْعلُ، فقالوا في الأولِ: تكادُ، وفي الثاني: تكيدُ)) (١) . وحكى الجوهريُّ كِدت أكودُ، وقالَ ابنُ بريٍّ: والمعروفُ كِدت أكادُ (٢) . ونقلَ الفيوميُّ عن ابنِ القطاعِ مثلَه (٣) ، والذي في أفعالِه كُدت تكادُ، بخلافِه (٤) . قلتُ: ولعلَّ كافَ الماضي بالضمِّ كاللغةِ التي حكاها الليثُ، وكسرُها سهوٌ من المحققِ، وإن ثبتَتْ فعلى التداخلِ. وحكى سيبويهِ عن بعضِ العربِ لغةً أخرى هيَ: - كُدت أكادُ، بضمِّ الماضي وفتحِ المضارعِ (٥) . وفي تخريجِ هذهِ اللغةِ أقوال: - أنّها قياسيةٌ، على لغةِ من يقولُ في الماضي كُدت وكِدت جميعاً ومضارعُها أكادُ. - أن يوافقَ في المضارعِ من يقولُ في الماضي كِدت. وهذانِ لابنِ جنّيٍّ (٦) . - أنّها من بابِ تركّبِ اللغتينِ، فأُخِذَ الماضي من لغةِ من يقولُ كُدت أكودُ - على القولِ بثبوتِها كما حكاه الليثُ - والمضارعُ من كِدت أكادُ (٧) ، فاستغنوا بمضارعِ كِدت عن مضارعِ كُدت.

стр. 755

قالَ ابنُ مالكٍ: ((ورُوِيَ عن بعضِ العربِ: كُدت تكادُ، فجاءَ بماضيه على فَعُلَ وبمضارعِه على يَفْعَلُ، وهيَ عندي من تداخلِ اللغتينِ، فاستُغنِيَ بمضارعِ أحدِ المثالينِ عن مضارعِ الآخرِ، فكانَ حقُّ كُدت بالضمِّ أن يقالَ في مضارعِه تكودُ لكنِ استُغنِيَ عنه بمضارعِ المكسورِ الكافِ فإنّه على فَعِلَ، فاستحقَّ أن يكونَ مضارعُه على يَفْعَلُ بمضارعِ المكسورِ الكافِ فإنّه على فَعِلَ، فاستحقَّ أن يكونَ مضارعُه على يَفْعَلُ، فأغناهم يكادُ عن يكودُ، كما أغناهم تَرَكَ عن ماضي يذرُ ويدعُ في غير ندورٍ، معَ عدمِ اتحادِ المادةِ، بل إغناءُ يكادُ عن تكودُ معَ كونِ المادةِ واحدةً أولى بالجوازِ)) (١) . ومنعَ ذلكَ الميدانيُّ مستبعداً إيّاه؛ لعدمِ ورودِ تكودُ في مستقبلِه (٢) . وقد عللَ سيبويهِ ورودَ ذلكَ بقولِه: ((وقد قالَ بعضُ العربِ: كُدت تكادُ، فقالَ فَعُلت تَفْعَلُ، كما قالَ فَعِلت أَفْعَلُ، وكما تركَ الكسرةَ كذلكَ تركَ الضمّةَ، وهذا قولُ الخليلِ، وهو شاذٌ من بابِه، كما أنّ فَضِلَ يَفْضُلُ شاذٌ من بابِه، فكما شرِكَتْ يَفْعِلُ يَفْعَلُ؛ كذلكَ شرِكَتْ يَفْعَلُ يَفْعُلُ، وهذهِ الحروفُ من فَعِلَ يَفْعِلُ إلى منتهى الفصلِ شواذٌ)) (٣) . وقالَ في موضعٍ آخرَ: ((وكذلكَ كُدت تكادُ اعتَلَّت من فَعُلَ يَفْعَلُ، وهيَ نظيرةُ مِتّ في أنها شاذّةٌ، ولم يجيئا على ما كثرَ واطّردَ من فَعُلَ وفَعِلَ)) (٤) . وقد وجّهَها كثيرٌ من اللغويينِ على الشذوذِ، منهم سيبويهِ في نَصَّيْهِ المتقدمينِ (٥) ، وغيرُه (٦) .

стр. 756

وعللَ ابنُ جنّيٍّ شذوذَه بأحدِ أمرينِ؛ فإمّا أن يكونَ اجتُرِئَ عليه فأُخرِجَ من بابِه لضَعْفِهِ باعتلالِ عينِه، أو عُوِّضَ منِ اعتلالِ عينِه فقُوِّيَ بضربٍ من التصرّفِ ليسَ لنظيرِه (١) . وضمُّ عينِ مضارعِ “ فَعُل ” قياسٌ لا ينكسرُ، إلاّ في حرفٍ واحدٍ لم يرد سواه (٢) ، وهو هذا الحرفُ الذي ذكرَه سيبويهِ؛ قالَ: ((وقد قالَ بعضُ العربِ: كُدت أكادُ، فقالَ فعُلت تَفْعَل)) (٣) ، وزادَ غيرُه: دُمت تدامُ، ومُت تمات وجُدت تجادُ (٤) . دِرَاسَةُ قُرْآنِيّةٌ: جاءَ الماضي منه مسنداً إلى تاءِ المخاطبِ في آيتينِ، هما: ١ - ﴿وَلَولاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيهِم شَيئاً قَلِيلاً﴾ ٧٤ / الإسراء. ٢ - ﴿قَالَ تاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرِدِيْنِ﴾ ٥٦ / الصافات. وهَوَ فيهما مكسورُ الكافِ على “ فَعِلَ ”، ولم تردْ قراءةٌ بالضمِّ - حسبما نعلمُ -. وجاءَ المضارعُ مجرّداً في عشرِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ٢٠ / البقرة. ٢ - ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ١٧ / إبراهيم. ٣ - ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ٩٠ / مريم. ٤ - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ ١٥ / طه. ٥ - ﴿يُكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَو لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ٣٥ / النور. ٦ - ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ ٤٣ / النور. ٧ - ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ ٥ / الشورى. ٨ - ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِيْنُ﴾ ٥٢ / الزخرف. ٩ - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ٨ / الملك.

стр. 757

١٠ - ﴿وَإِنْ يَكَادُ الّذِيْنَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِم﴾ ٥١ / القلم. ومسنداً إلى واوِ الجماعةِ في ثلاثِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿فَمَا لِهَؤُلاَءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ٧٨ / النساء. ٢ - ﴿لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ ٩٣ / الكهف. ٣ - ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِيْنَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ٧٢ / الحج. وجاءَ مجزوماً مجرداً في آيةٍ واحدةٍ هيَ: ١ - ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَم يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ٤٠ / النور. والفعلُ المضارعُ في كلِّ آيةٍ سبقت جاءَ بالألفِ “ يكاد ”، وهوَ على: فَعِلَ يَفْعَلُ لا غيرَ. - فعَل يفعِل: (من الأجوف الواوي) : طاح يَطِيحُ: تاه يَتِيهُ: طاحَ يطوحُ ويطيحُ: هلكَ، أو أشرفَ على الهلاكِ، أو سقطَ، وكلُّ شيءٍ ذهبَ وفَنِيَ فقط طاحَ، وكذلكَ إذا تاهَ في الأرضِ (١) . وتاهَ: هلكَ، وقيلَ: التوه: الذهابُ في الأرضِ (٢) ، والثابتُ المتّفقُ عليهِ في فِعْلَيهما: طاحَ يطيحُ وتاهَ يتيهُ، واويٌّ يائيّ (٣) وحكى الخليلُ (٤) ، وابنُ سيدهَ (٥) ، وابنُ منظورٍ (٦) ، والزبيديُّ (٧) : تاهَ يتوهُ.

стр. 758

وحكى الجوهريُّ (١) ، والزبيديُّ (٢) : طاحَ يطوحُ (٣) . قالَ البطليوسيُّ: ((واتفقوا على طاحَ يطيحُ، ولم يَحكِ أحدٌ منهم: طاحَ يطوحُ)) (٤) . وقالَ الرضيُّ: ((طُحت - بضمِّ الطاءِ - ويطوحُ، ولم يُسمعا، وكذَا لم يُسمعْ تُهت ويتوهُ ... والذي ذكرَه الجوهريُّ من يطوحُ ليسَ بمسموعٍ)) (٥) . وقد سُمِعَ: - طَوّحتُ؛ أي أذهبتُ وحيَّرتُ، وطيَّحت بمعناه. - تَوّهت، وتيّهت بمعناها. - وهوَ أطوحُ منكَ وأطيحُ. - وهوَ أتوهُ منكَ وأتيهُ (٦) . فمن قالَ: طيّحَ وتيّهَ، وأطيحُ وأتيهُ؛ فطاحَ يطيحُ وتاهَ يتيهُ عندَه قياسٌ كباعَ يبيعُ (٧) . قالَ سيبويهِ: ((ومن قالَ: طيّحتُ وتيّهتُ فقد جاءَ بها على باعَ يبيعُ مستقيمةً)) (٨) . ولكنَّ الإشكالَ فيمن قالَ: طوَّحَ وأطوحُ وتوَّهَ وأتوه وللعلماءِ أقوالٌ وتأويلاتٌ؛ منها:

стр. 759

- أنّهما على فَعِلَ يَفْعِلُ كحسِب يحسِب، وهما واويانِ، والأصلُ فيهما: طَوِحَ وتَوِهَ يطوِحُ ويَتْوِهُ، فقُلبت واوُ الماضي ألفاً لتحركِها وانفتاحِ ما قبلَها، ونُقلت حركةُ الواوِ في المضارعِ للساكنِ الصحيحِ قبلَها، ثم قُلِب ياءً لانكسارِ ما قبلَه فأصبحَ: يطيحُ ويتيهُ (١) . وهذا رأيُ الخليلِ، نقلَه عنه سيبويهِ، قالَ: ((وأمّا طاحَ يطيحُ وتاهَ يتيهُ؛ فزعمَ الخليلُ أنهما فَعِلَ يَفْعِلُ، بمنزلةِ حسِبَ يحسِبُ، وهيَ منَ الواوِ، ويدلُّكَ على ذلكَ: طَوّحت وتوّهت، وهوَ أطوحُ منه وأتوهُ منه، فإنّما هيَ فَعِلَ يَفْعِلُ منَ الواوِ، كما كانت منه فَعِلَ يَفْعَلُ، ومِن فَعِلَ يَفْعِلُ اعتَلَّتَا.. وإنّما دعاهم إلى هذا الاعتلالِ ما ذكرتُ لكَ من كَثْرَةِ هذينِ الحرفينِ، فلو لم يفعلواَ ذلكَ وجاءَ على الأصلِ أُدْخِلَتِ الضمَةُ على الياءِ والواوِ، والكسرةُ عليهما في فَعُلت وفَعِلت ويَفْعُلُ ويَفْعِلُ، ففرّوا من أن يكثرَ هذا في كلامِهم معَ كثرةِ الياءِ والواوِ، فكانَ الحذفُ والإسكانُ أخفَّ عليهم، ومِنَ العربِ من يقولُ: ما أتيهه وتيّهت وطيّحت، وقالَ: أنَ يئينُ، فهوَ فَعِلَ يَفْعِلُ منَ الأوانِ وهوَ الحينُ)) (٢) ، وصحَّحَه الرضيُّ (٣) . قال البطليوسيُّ: ((فكانَ حملُه على ما يقتضيه البابُ أولى من حملِه على الشذوذِ)) . وقالَ: ويجوزُ أن يُقَال: إذا كانَ قولُهم طيّحَ يقتضي أن يكونَ طاحَ يطيحُ كباعَ يبيعُ، فيجبُ أن يكونَ قولُهم طوّحَ يقتضي أن يكونَ طاحَ يطيحُ كآنَ يئينُ؛ لأنهم قالوا طوّحَ وطيّحَ، واتفقوا على طاحَ يطيحُ (٤) .

стр. 760

- حملُها على الشذوذِ، وبه قالَ ابنُ الحاجبِ (١) ، وغيرُه (٢) بناءً على أنّ الماضيَ فَعَلَ بفتحِ العينِ، ووجهُه أنَّ الأجوفَ الواويَّ من بابِ فَعَلَ لا يكونُ مضارعُه إلاّ مضموماً. وردّه الرضيُّ؛ قالَ: ((وليسَ ما قالَ المصنّفَ منَ الشذوذِ بشيءٍ، إذ لو كانَ طاحَ كقالَ لقيلَ طُحت كقُلت بضمِّ الفاءِ، ولم يُسمعْ، والأولى ألاّ تُحْمَلَ الكلمةُ على الشذوذِ ما أمكنَ)) (٣) - حملُها على التداخلِ، فيكونُ ثَمَّةَ لغتانِ: اللغةُ المتفقُ عليها: طاحَ يطيحُ وتاهَ يتيهُ من اليائيِّ بزنةِ فَعَلَ يَفْعِلُ. اللغةُ المختلفُ فيها: طاحَ يطوحُ وتاهَ يتوهُ منَ الواويِّ، بزنةِ فَعَلَ يَفْعُلُ. فيكونُ أخْذُهُ مِن طاحَ يطوحُ الواويِّ الماضي، ومن طاحَ يطيحُ اليائيِّ المضارعِ، فصارَ: طاحَ يطيحُ (٤) . قالَ ابنُ جماعةَ: وسُمِعَ الماضي اليائيِّ طِحت كبِعت معَ المضارعِ الواويِّ أَطُوحُ كأقولُ، أو طُحت الماضي الواويُّ كقُلت معَ المضارعِ اليائيِّ أطيحُ كأبيعُ، وهو تداخلٌ لثبوتِ اللغتينِ فيها (٥) . وردّه الرضيُّ؛ قالَ: ((ولو ثبتَ طاحَ يطوحُ لم يكن طاحَ يطيحُ مركّباً، بل كانَ طاحَ يطيحُ كقالَ يقولُ، وطاحَ يطيحُ كباعَ يبيعُ)) (٦) . وضعّفَه الجاربرديُّ أيضاً؛ فقالَ إن ثبتَ بالياءِ فالماضي والمضارعُ منه، وإلاّ فلا يثبتُ التداخلُ (٤٤٤) . باب اسم الفاعل من “ فَعُلَ ”

стр. 761

لابُدَّ من التقديمِ - بينَ يديِ الحديثِ عن التداخلِ في هذا البابِ - بذكرِ صياغةِ اسمِ الفاعلِ من ثلاثيِّه؛ فنقولُ بأنّ القياسَ في بناءِ اسمِ الفاعلِ من “ فَعَلَ ” المفتوحِ العينِ والمتعدي من “ فَعِلَ ” المكسورِ العينِ؛ أن يكونَ بزنتِه، وأمّا “ فَعِلَ ” اللازمُ فيُصَاغُ على “ فَعِلٍ ” في الأعراضِ، و “ أَفْعَلَ ” في الألوانِ، و“ فَعْلاَنَ ” في الامتلاءِ وضدِّه ... أمّا “ فَعُلَ ” وبابُه اللزومُ فلا يأتي على “ فَاعِلٍ ” إلاّ في كلماتٍ معدودةٍ سنأتي عليها في حديثِ التداخلِ ثَمَّ، وإنّما هو على “ فَعِيلٍ ”؛ فيقالُ: شَرُف فهوَ شَريفٌ، وظَرُف فهوَ ظَرِيفٌ.. و “ فَعْلٍ ”، نحوُ: ضَخُمَ فهوَ ضَخْمٌ، وغيرِه (١) . عَقُرَ فَهُو عَاقِرٌ: عقرتِ المرأةُ لم تحملْ أو انقطعَ حملُها (٢) ، وسُمِعَ فِعْلُ العَقْر بالضمِّ، فقيلَ: عَقُرَ على “ فَعُلَ ” وسُمِع معَه اسمُ الفاعلِ بزنتِه، فقيلَ: عَاقِرٌ، واختُلفَ في تخريجِه: - فحمَلَه ابنُ جنّيٍّ على تداخل اللغاتِ (٣) إذ سُمِعَ في فعلِه ثلاثةُ أوجهٍ (٤) : - عَقَرَ بالفتحِ من حدِّ ضَرَبَ. - عقُر بالضمِّ من حدِّ ضَرَبَ. - عَقِرَ بالكسرِ من حدِّ عَلِمَ.

стр. 762

قال الزَّبيديُّ: جاءَ في القاموسِ ((وقد عُقِرَت المرأةُ كُعِنى ... هذهِ العبارةُ هكذا في سائرِ النسخِ ... وضبطُه كعُنِي مخالفٌ لنصوصِهم)) (١) . قالَ الخليلُ: ((وقد عقَرت تعقِرُ، وعُقِرت تُعْقَرُ أحسنُ؛ لأنّ ذلكَ شيءٌ ينزلُ بها وليسَ من فعلِها بنفسِها)) (٢) . وسُمِعَ في اسمِ الفاعلِ وجهانِ (٣) : - عاقرٌ بزنتِه. - وعَقِيرٌ على فَعِيلٍ. فيكونُ وجهُ اللغاتِ: - عَقَرَ فهوَ عاقرٌ. - عقُر فهوَ عَقِيرٌ. والمُستَعمِلُ: عَقُر - بالضمِّ - معَ عاقرٍ، يكونُ قد وقعَ في كلامِه تداخلٌ بينَ اللغتينِ، إذ أخَذ اسمَ الفاعلِ منَ اللغةِ الأولى معَ الفعلِ منَ اللغةِ الثانيةِ. - وقالَ بعضُهم: عَقُر فهوَ عاقرٌ شاذٌ، والقياسُ عَقِيرٌ (٤) . قالَ ابنُ خالويهِ: ((ليسَ في كلامِ العربِ فَعُلَ وهوُ فاعلٌ إلا حرفانِ: فَرُهَ فهوَ فارهٌ، وعقُرتِ المرأةُ فهيَ عاقرٌ)) (٥) وعدّ ما سواهما تداخلاً. قالَ ابنُ جنّيٍّ: ((وممّا عدُّوه شاذاً ما ذكروه من فَعُلَ فهوَ فاعِلٌ، نحوُ: طَهُرَ فهو طَاهِرٌ، وشَعُرَ فهوَ شَاعِرٌ وحَمُضَ فَهوَ حَامِضٌ، وعَقُرَتِ المرأةُ فهيَ عَاقِرٌ، ولذلكَ نظائرُ كثيرةٌ، واعلم أنّ أكثرَ ذلكَ وعامّتَه إنّما هوَ لغاتٌ تداخلت فتركبت ... هكذا ينبغي أن يُعتَقَدَ، وهوَ أشبهُ بحكمةِ العربِ)) (٦) .

стр. 763

وقالَ: ((فأمّا قولُهم: عَقْرَت فَهيَ عَاقِرٌ؛ فليسَ عَاقِرٌ عندَنا بجارٍ على الفعلِ جريانَ قائمٍ وقاعدٍ عليه، وإنّما هو اسمٌ بمعنى النسبِ، بمنزلةِ: امرأةٌ طاهرٌ وحائضٌ وطالقٌ، وكذلكَ قولُهم: طَلُقَت فهيَ طَالِقٌ، فليسَ عاقرٌ من عَقُرَت بمنزلةِ: حامضٍ من حَمَضَ، ولا خاثرٌ من خَثُرَ، ولا طاهرٌ من طَهُرَ، ولا شَاعِرٌ من شَعُرَ؛ لأنّ كلَّ واحدٍ من هذهِ هو اسمُ الفاعلِ وهوَ جارٍ على “ فَعَلَ ”، فاستُغنِيَ به عمّا يجري على “ فَعُلَ ” وهوَ “ فَعِيلٌ ”)) (١) . درَاسَة قُرْآنيَّة: لم يردِ الفعلُ الماضي منَ العقرِ على أيِّ بناءٍ من أبنيتِه، وجاءَ اسمُ الفاعلِ بزنتِه “ عَاقِرٌ ” مراداَ به انعدامُ الحملِ في ثلاثِ آياتٍ هيَ: ١ - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ ٤٠ / آل عمران. ٢ - ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ ٥ / مريم. ٣ - ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ ٨ / مريم. حَمُضَ فهو حَامِضٌ: الحموضةُ: ما حذا اللسانَ كطعمِ الخلِّ واللبنِ الحازرِ (٢) ، وسُمِع أيضاً في كلامِ العربِ فَعُلَ فَاعِلٌ: حَمُضَ حَامِضٌ، وتوجيهُه على تداخلِ لغتينِ، هما: - حَمَضَ على “ فَعَلَ ” من حدِّ نصَرَ. - حَمُضَ على “ فَعُلَ ” من حدِّ كرُمَ، حكاه اللحيانيُّ (٣) . وزادَ الزبيديُّ: - حُمِضَ “ فَعِلَ ” كفرِحَ (٤) .

стр. 764

والذي جاءَ كلامُه: حَمُضَ فهوَ حامضٌ؛ إنّما أخذَ اسمَ الفاعلِ من لغةِ من قالَ “ حَمَضَ ” - بالفتحِ - معَ اللغةِ الثانيةِ - بالضمِّ (١) . قالَ ابنُ خالويهِ: ((فأمّا طهُرَ فهو طاهرٌ وحمُضَ فهو حامضٌ ومَثُلَ فهو ماثلٌ فبخلافِ ذلكَ؛ يقالُ: حمَضَ أيضاً وطهَرَ ومثَلَ)) (٢) . وقالَ ابنُ جنِّيٍّ: وكذلكَ القولُ فيمن قالَ حَمُضَ فهو حامضٌ، وذلكَ أنّه يقالُ: حَمُضَ وحَمَضَ، فجاءَ حامضٌ على حَمَضَ، ثم استُغنِيَ ب“ فاعلٍ ” عن “ فعيلٍ ”، وهوَ في أنفسِهم وعلى بالٍ من تصوّرهم (٣) . وقالَ بعضُهم بشذوذِه، وردّه ابنُ جنّي؛ قالَ: ((وممّا عدّوه شاذاً ما ذكروه من فَعُلَ فهو فاعلٌ، نحوِ: ... وحمُضَ فهو حامضٌ ... واعلم أنّ أكثرَ ذلكَ وعامَّتَه إنّما هو لغاتٌ تداخَلَت فتركبَت ... هكذا ينبغي أن يُعتقدَ، وهو أشبهُ بحكمةِ العربِ)) (٤) . ولم يجئِ اسمُ الفاعلِ ولا فعلُه على أيِّ بناءٍ في القرآنِ الكريمِ. شَعُرَ فهُوَ شَاعِرٌ: الشِّعْرُ معروفٌ؛ شَعَرَ وشَعُرَ: قالَه، وقيلَ: شعَرَ - بالفتحِ - قالَه، و - بالضمِّ - أجادَه؛ لُمِحَ فيه دلالةُ “ فَعُل ” على السجايا (٥) ، وفي فعلِه لغتانِ (٦) : - شَعَرَ على “ فَعَلَ ” ككرُمَ. وأثبتَ ابنُ عبّادٍ لغتينِ؛ قالَ: ((وشَعَرَ: قالَ الشعرَ، وشَعِرَ - بالكسرِ - صارَ شاعرًا ...... ... وشَعُرَ الشعيرُ صارَ شعيرًا)) (٧) .

стр. 765

واسمُ الفاعلِ جاءَ بزنتِه “ شاعرٌ ” واستُعملَ معَ “ شعُر ”، وهو ممّا تداخلت فيه اللغتانِ، إذ أُخِذَ اسمُ الفاعلِ من “ شَعَرَ ” وجيءَ بهِ معَ “ شَعُرَ ” من اللغةِ الأخرى (١) . قالَ ابنُ جنّيٍّ: ((وكذلكَ القولُ فيمن قالَ: شَعُرَ فهو شاعرٌ، وحَمُضَ فهو حامضٌ، وخَثُرَ فهو خاثرٌ؛ إنّما هي على نحوٍ من هذا. وذلكَ أنّه يُقالُ: خثُرَ وخثَرَ، وحمُضَ وحمَضَ، وشعُرَ وشعَرَ، وطهُرَ وطهَرَ، فجاءَ شاعرٌ وحامضٌ وخاثرٌ وطاهرٌ على حمَضَ وشعَرَ وخثَرَ وطهَرَ، ثم استُغنِيَ ب“ فاعلٍ ” عن “ فعيلٍ ”، وهو في أنفسِهم وعلى بالٍ من تصوّرِهم. يدلُّ على ذلكَ تكسيرُهم لشاعرٍ شُعَرَاء، لمّا كانَ “ فاعلٌ ” هنا واقعاً موقعَ “ فعيلٍ ” كُسِّرَ تكسيرَه؛ ليكونَ ذلكَ أمارةً ودليلاً على إرادتِه، وأنّه مغنٍ عنه، وبدلٌ منه ... )) (٢) . قالَ سيبويهِ: ((وقد يُكَسَّرُ على “ فُعَلاَءَ ” شُبِّهَ ب“ فعيلٍ ” منَ الصفاتِ، كما شُبِّهَ في “ فُعُل ” ب“ فَعُولٍ ” وذلكَ شاعرٌ وشعراءُ)) (٣) . وقالَ ابنُ خالويهِ: ((ليسَ في كلامِ العربِ “ فاعلٌ ” وجمعُه “ فُعَلاءُ ” إلاّ شاعرٌ وشعراءُ، قالَ: وإنّما جازَ أن يُجمعَ شاعرٌ على شعراءَ، و “ فُعَلاءُ ” جمعُ “ فعيلٍ ” لا “ فاعلِ ”؛ لأنَّ منَ العربِ من يقولُ: شَعُرَ الرجلُ إذا قالَ شِعْرًا كما يقالُ شَعَرَ. ومن قالَ: شَعُرَ؛ فالقياسُ أن يجيءَ الوصفُ على “ فعيلٍ ”، فتجنّبوا ذلكَ لئلا يلتبسَ ب“ شعيرٍ ”، ثمّ أتوا بالجمعِ على ذلكَ الأصلِ، وهذا دقيقٌ جدًا فاعرفْه؛ لأنّي ما أعلمُ استخرَجَه أحدٌ)) (٤) .

стр. 766

وقد عدَّه بعضُهم في الشواذِ؛ أعني الجمعَ بينَ شَعُرَ وشاعرٍ، فردّه ابنُ جنّيٍّ؛ قالَ: ((وممّا عدُّوه شاذًا ما ذكروه من فَعُل فهو فاعلٌ؛ نحوِ: طَهُرَ فهو طاهرٌ، وشعُرَ فهو شاعرٌ، وحمُضَ فهو حامضٌ وعقُرتِ المرأةُ فهي عاقرٌ، ولذلكَ نظائرُ كثيرةٌ، واعلم أنّ أكثرَ ذلكَ وعامّتَه إنّما هو لغاتٌ تداخلت فتركبت ... هكذا ينبغي أن يُعتقدَ وهو أشبهُ بحكمةِ العربِ)) (١) . درَاسَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: لم يأتِ فِعلُ الشِّعرِ في القرآنِ قط، وجاءَ اسمُ الفاعلِ بزنتِه، مفردًا في أربعةِ مواضعَ، ومجموعاً في موضعٍ واحدٍ؛ هيَ: ١ - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ْ ٥ / الأنبياء. ٢ - ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٣٦ / الصافات. ٣ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ٣٠ / الطور. ٤ - ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيْلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ٤١ / الحاقة. ٥ - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتبعُهُمُ الغَاوُونَ﴾ ٢٢٤ / الشعراء. صَلُحَ فَهُوَ صَالِحٌ: الصّلاحُ ضدُّ الفسادِ معروفٌ (٢) ، وفي فعلِه لغتانِ: - صَلَحَ “ فَعَلَ ” من بابِ قَعَدَ (٣) . - صَلُحَ “ فَعُلَ ” من بابِ كَرُم (٤) ، حكاه الفرّاءُ عن أصحابِه (٥) .

стр. 767

وحُكِيَ عنِ ابنِ دريدٍ أنّه قالَ: ليسَ صَلُحَ بثَبَتٍ (١) . وقالَ السمينُ: ((وهيَ لغةٌ مرجوحةٌ)) (٢) . وقالَ الهمدانيُّ: ((وهما لغتانِ غيرَ أن الفتحَ أفصحُ)) (٣) . وقال الزبيديُّ: ((وقد صَلَحَ كمنَعَ، وهيَ أفصحُ؛ لأنّها على القياس)) (٤) . وجاءَ اسمُ الفاعلِ بزنتِه: صالحٌ، وبزنةِ “ فعيلٍ ”: صليحٌ، عنِ ابنِ الأعرابيِّ (٥) . فعلى هذا يُخَرّجُ ما وردَ من صَلُحَ - بالضمِّ - فهو صالحٌ على تداخلِ اللغتينِ: - صَلَحَ فهو صالحٌ. - صَلُحَ فهو صليحٌ. فأُخِذَ اسمُ الفاعلِ منَ الأولى معَ الفعلِ منَ اللغةِ الثانيةِ. دِرَاسَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: جاءَ الفعلُ “ صلَحَ ” في آيتينِ فقط هما: ١ - ﴿جَنَّات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِم﴾ ٢٣ / الرعد. ٢ - ﴿وَأَدْخِلهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَح مِنْ آبَائِهِمْ﴾ ٨ / غافر. وجاءَ اسمُ الفاعلِ مفرداً (غَيْرَ عَلَمٍ) (٦) بزنتِه في خمسٍ وثلاثينَ آيةً هيَ:

стр. 768

١٢٠ / التوبة، ٤٦ / هود، ١٠ / فاطر، ٤ / التحريم، ٦٢ / البقرة، ٦٩ / المائدة، ١٨٩ / الأعراف، ١٩٠ / الأعراف، ١٠٢ / التوبة، ٩٧ / النّحل، ٨٢ / الكهف، ٨٨ / الكهف، ١١٠ / الكهف، ٦٠ / مريم، ٨٢ / طه، ٥١ / المؤمنون، ١٠٠ / المؤمنون، ٧٠ / الفرقان، ٧١ / الفرقان، ١٩ / النمل، ٦٧ / القصص، ٨٠ / القصص، ٤٤ / الروم، ١٢ / السجدة، ٣١ / الأحزاب، ١١ / سبأ، ٣٧ / سبأ، ٣٧ / فاطر، ٤٠ / غافر، ٣٣ / فصلت، ٤٦ / فصلت، ١٥ / الجاثية، ١٥ / الأحقاف، ٩ / التغابن، ١١ / الطلاق. وجاءَ جمعَ مذكرٍ سالِمًا في تسعٍ وعشرينَ آيةً، وجمَع مؤنثٍ سالِمًا في ثنتينِ وستينَ آيةً، ومثنًّى في آيةِ واحدةٍ هيَ: ١ - ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ﴾ ١٠ / التحريم. القِرَاءَاتُ الوَارِدَةُ: قُرِئَ الفعلُ الماضي “ صَلحَ ” بوجهينِ: - قراءةُ الجمهورِ بفتحِ اللامِ “ صَلَحَ ” على “ فَعَلَ ”. - وقرأَ ابنُ أبي عبلةَ “ صَلُحَ ” بضمِّ اللامِ على “ فَعُلَ ” (١) . قالَ السمينُ: ((وهيَ لغةٌ مرجوحةٌ)) (٢) . وقالَ غيرُه: الفتحُ أفصحُ (٣) . وقراءةُ الجمهورِ: صَلَحَ فهو صالحٌ على القياسِ، أمّا قراءةُ ابنِ أبي عبلةَ صلُح فهو صالِحٌ فعلى تداخلِ اللغتينِ. طَهُرَ فَهُوَ طَاهِرٌ: الطهارةُ ضدُّ النجاسةِ، معروفةٌ، وسُمِعَ في فعلِها لغتانِ ثنتانِ هما (٤) : - طَهَرَ كنَصَرَ على “ فَعَلَ ”. - طَهُرَ ككرُمَ على “ فَعُلَ ”.

стр. 769

قالَ الأزهريُّ: ((وقالَ ابنُ الأعرابيِّ: طهَرتِ المرأةُ هوَ الكلامُ، ويجوزُ: طَهُرَت)) (١) . وفعلاه عندَ ابنِ القوطيةِ بزنةِ: “ فَعِلَ ” و “ فَعُلَ ” (٢) . قالَ ابنُ سيده: ((وطهُرتِ المرأةُ وطهَرت، وطهِرت: اغتسلت منَ الحيضِ وغيرِه، والفتحُ أكثرُ عندَ ثعلبٍ)) (٣) . وقالَ الزبيديُّ: ((ونقلَ البدرُ القرافيُّ أيضاً تثليثَ الهاءِ عنِ الأسنويِّ)) (٤) . ويبدو أنّ التثليثَ مُستعملٌ في معنًى خاصٍّ بطهارةِ المرأةِ، وما سوله ممّا استُعمِلَ عامًا ففيه لغتانِ فحسب؛ كما ذكرناه آنفًا. وسُمِعَ اسمُ الفاعلِ بزنتِه: طاهرٌ، وطَهِرٌ على “ فَعِلٍ ” ككَتِفٍ، الأخيرُ عنِ ابنِ الأعرابيِّ (٥) ، وعليه أنشدَ: أَضَعْتُ المالَ للأَحْسَابِ حَتَّى خَرَجْتُ مُبَرَّأً طَهِرَ الثيابِ (٦) وعلى هذا يكونُ المُستعمِلُ ل: طَهُرَ فهوَ طاهرٌ مُدْخِلاً في كلامِه لغتين اثنتينِ مزاوجًا بينَهما، وهما: - طهَرَ فهو طاهرٌ. - طهُرَ فهو طَهِرٌ. فأخَذَ اسمَ الفاعلِ منَ الأولى معَ فعلِ الثانيةِ (٧) . قالَ ابنُ خالويهِ: ((فأمّا طَهُرَ فهوَ طاهرٌ وحَمُضَ فهو حامضٌ ومَثُلَ فهوَ ماثلٌ فبخلافِ ذلكَ؛ يقالُ حَمَضَ أيضًا وطَهَرَ ومَثَلَ)) (٨) .

стр. 770

وقالَ ابنُ جنّيٍّ: وكذلكَ القولُ فيمن قالَ: طهُرَ فهو طاهرٌ، وذلكَ أنّه يُقالُ: طهُرَ وطهَرَ، فجاءَ طاهرٌ على طهَرَ، ثم استُغنِيَ ب“ فاعلٍ ” عن “ فعيلٍ ” وهوَ في أنفسِهم وعلى بالٍ من تصوّرِهم (١) . قالَ ابنُ سيده: ((قالَ أبو الحسنِ: ليسَ كما ذكرَ؛ لأنّ طهيراً قد جاءَ في شعرِ أبي ذؤيبٍ، قالَ: فإنّ بني لِحيانَ مَا إِن ذَكَرْتهُمْ نَثَاهُمْ إذَا أَخْنَى الِّلئَامُ طهيرُ كذَا رواه الأصمعيُّ بالطاءِ، ويُروى ظهيرٌ بالظاءِ)) (٢) . وذهبَ بعضُهم إلى القولِ بشذوذِه، وردَّه ابنُ جنّيٍّ؛ قالَ: ((وممّا عدّوه شاذًا ما ذكروه من فعُلَ فهو فاعلٌ؛ نحوِ: طهُر فهو طاهر ... واعلم أنّ أكثرَ ذلكَ وعامّتَه إنّما هو لغاتٌ تداخلت فتركبت، ... هكذا ينبغي أن يُعتقدَ، وهو أشبهُ بحكمةِ العربِ)) (٣) . ولم يردْ فعلُه الماضي المجردُ ولا اسمُ الفاعلِ منه في القرآنِ الكريمِ. خَثُرَ فَهُوَ خَاثِرٌ: الخثورةُ: نقيضُ الرّقَّةِ، وخَثارةُ الشيءِ: عكارتُه ووسَخُه، يقالُ خثرَ اللبنُ والعسلُ إذا غلظَ وذهبَ صفوُه (٤) . سُمِعَ التثليثُ في ماضيه بمعنًى واحدٍ (٥) ، يقالُ: - خَثَرَ - بالفتحِ - على “ فَعَلَ ”. - خَثِرَ - بالكسرِ - على “ فَعِلَ ”. - خثُرَ - بالضمِ - على “ فعُلَ ”.

стр. 771

وعنِ الفرَاءِ: خثُرَ - بالضمِّ - لغةٌ قليلةٌ في كلامِهم (١) . وسَمِعَ الكسائيُّ: خثِرَ - بالكسرِ (٢) -. وسُمِعَ اسمُ الفاعلِ منه بزنتِه، فإذا قالَ: خثُرَ فهو خاثِرٌ فإنّما هو على تداخلِ اللغتينِ؛ إذا أُخِذَ الماضي من “ فَعُلَ ” وأُخِذَ اسمُ الفاعلِ مِن لغةِ مَن قالَ “ فَعَلَ ” خَثَرَ. قالَ ابنُ جنّيٍّ: وكذلكَ القولُ فيمن قالَ: خثُرَ فهو خاثرٌ، إنّما هوَ على نحوٍ من هذا، وذلكَ أنّه يقالُ: خثُرَ وخثَرَ فجاءَ خاثِرٌ على خثَرَ، ثم استُغنِيَ ب“ فاعلٍ ” عن “ فعيلٍ ”، وهوَ في أنفسِهم وعلى بالٍ من تصورِهم (٣) . من صُوَرِ التَّداخُلِ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مرَّ سلفًا نماذجُ للتداخلِ بينَ لغتينِ في كلمتينِ منفصلتينِ؛ بأن تُؤخذَ إحداهما من لغةٍ والأخرى من اللغةِ الثانيةِ وسوفَ نقفُ في هذا المبحثِ على تداخلٍ من نوعٍ آحرَ، إذ يُؤخَذُ حرفٌ من حروفِ الكلمةِ الواحدةِ من لغةٍ وحرفٌ آخرُ من حروفِ الكلمةِ ذاتِها من لغةٍ أخرى، بحيثُ تجتمعُ في الكلمةِ المفردةِ لغتانِ. والقولُ بتركبِ لغتينِ واجتماعِهما في كلمةٍ واحدةٍ أثبتَه قومٌ وأنكرَه آخرونَ، فممّن أثبتَه ابنُ جنّيٍّ وغيرُه، وممّن أنكرَه أبو عليٍّ الفارسيُّ. وعلى القولِ بوجودِه؛ فله صورٌ، منها: الجمعُ بينَ بناءينِ في كلمةٍ واحدةٍ، مثلُ: = (الحِبُك) جمعٌ بينَ (فِعِلٍ وفُعُلٍ) الجمعُ بينَ الهمزِ والتسهيلِ، مثلُ: = (سِألتم) جمعَ بينَ كسرِ فاءِ المعتلِ (المُسَهَّلِ) وهمزِ عين المهموزِ. = (سآيلتهم) جمعٌ بينَ الهمزةِ والياءِ التي هيَ تسهيلُها.

стр. 772

١ - “ الحِبُك ”: الحُبُكُ: جمعُ حِبَاكٍ كمثالٍ ومُثُلٍ، وهو تكسُّرُ كلِّ شيءٍ، كالرملِ إذا مرت به الريحُ الساكنةُ، والماءُ القائمُ إذا مرت به الريحُ (١) . وممّا حُمِلَ على التداخلِ قراءةُ أبي مالكٍ الغفاريِّ والحسنِ وغيرِهما: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحِبُكِ﴾ (٢) - بكسرِ الحاءِ وضمِّ الباءِ - ومعلومٌ أنَّ “ فِعُلاً ” بناءٌ لم يردْ في العربيةِ؛ لأنّ أبنيةَ الاسمِ الثلاثيِّ المجردّ المتفق عليها عشرةٌ فحسب، وهيَ: فَعْلٌ فَعَلٌ فَعِلٌ فَعُلٌ فِعْلٌ فِعَلٌ فِعِلٌ فُعْلٌ فُعَلٌ فُعُلٌ (٣) . وإن كانتِ القسمةُ العقليةُ تقتضي اثني عشرَ بناءً، لكن أُهْمِلَ اثنانِ منها؛ وهيَ:

стр. 773

“ فِعُلَ ” و “ فُعِلَ ”؛ لاستثقالِ الجمعِ بينَ حركتينِ ثقيلتينِ متتاليتينِ، والثقلُ في “ فِعُلَ ” أشدُّ؛ لأنّ فيه انتقالاً من ثقيلٍ إلى أثقل (١) . وحسبما نعلمُ لم يردْ من الكلماتِ على هذا البناءِ إلاّ ما جاءَ في هذهِ القراءةِ المعدودةِ في الشواذِّ. وقد اختُلِفَ في توجيهِها على قولينِ اثنينِ: - فمن قائلٍ بأنّها من بابِ تداخلِ اللغاتِ، إذ وردَ فيها لغتانِ: - فصيحةٌ، وهيَ بضمّتينِ، كقراءةِ الجمهورِ. - وأخرى بكسرتينِ. والقارئُ بالكسرِ فالضمِّ تداخلَت عليه اللغتانِ، فكسرَ الحاءَ مريدًا القراءةَ ب“ الحِبِكِ ”، ثم تداركَ الضمَّ للقراءةِ ب“ الحُبُكِ ” كما تستوجبُه اللغةُ الفصيحةُ والقراءةُ الصحيحةُ، فجمعَ بينَ أوّلِ اللفظِ على لغةٍ وآخرِه على لغةٍ أخرى، وهذا ما ارتآهُ ابنُ جنّيٍّ بعدَ أن حملَه على السهوِ (٢) ، وتبعَه في ذلكَ ابنُ عطيّةَ بعدَ أن قالَ بأنّها ((لغةٌ شاذةٌ غيرُ متوجهةٍ)) (٣) والقرطبيُّ بعدَ حملِها على الشذوذِ (٤) ، وغيرُهم (٥) ، وذكرَ أبو حيانَ والألوسيُّ بأنّ مخرجَها عندَ النّحاةِ على تداخلِ اللغتينِ (٦) .

стр. 774

- ومِن قائلٍ بأنّه ممّا أُتْبِعَ فيه حركةُ الحاءِ لحركةِ التاءِ في “ ذاتِ ” وهيَ الكسرةُ، ولم يعتدَّ باللامِ الساكنةِ؛ لأنّ الساكنَ حاجزٌ غيرُ حصينٍ، وهوَ رأيُ أبي حيانَ (١) ، وتبعَه الرُّعينيُّ، قالَ: ((وما استحسَنَه الشيخُ حسنٌ، فما زالَ يوضِّحُ المشكلاتِ ويفكُّ المعضلاتِ)) (٢) . - ومنهم منِ اكتفى بحملِ هذهِ القراءةِ على الشذوذِ فحسب (٣) . قالَ ابنُ جماعةَ: ((فالأحسنُ الجوابُ بأنَّ كسرَ الحاءِ معَ ضمِّ الباءِ شاذٌّ)) (٤) . واعتُرضَ على قولِ ابنِ جنّيٍّ في التداخلِ بوجوهٍ: - قالَ الرضيُّ: ((وفي تركيبِ “ حِبُك ” منَ اللغتينِ - إن ثبتَ - نظرٌ؛ لأنَّ “ الحُبُك ” جمعُ الحباكِ، وهوَ الطريقةُ في الرملِ ونحوِه، و “ الحِبِك ” بكسرتينِ - إن ثبتَ - فهوَ مفردٌ، معَ بعدِه؛ لأنّ فِعِلاً قليلٌ، حتى إنّ سيبويهِ قالَ: لم يجئْ منه إلاّ إبِلٌ (٥) ، ويبعدُ تركيبُ اسمٍ من مفردٍ وجمعٍ)) (٦) . - أنّ التركيبَ إنّما يكونُ في كلمتينِ، وادّعاءُ التداخلِ هاهنا في كلمةٍ واحدةٍ، وهو مستبعدٌ؛ قالَه الفارسيُّ (٧) .

стр. 775

- قالَ ابنُ مالكٍ: ((وهذا التوجيهُ لو اعترفَ به من عُزِيَتِ القراءةُ إليه لدلَّ على عدمِ الضبطِ ورداءةِ التلاوةِ، ومَن هذا شأنُه لم يُعْتَمَدْ على ما يُسمَعُ منه؛ لإمكانِ عروضِ أمثالِ ذلكَ منه)) (١) . - وقالَ ابنُ جماعةَ في الردِّ على قولِ أبي حيّانَ: ((وفيه عندي نظرٌ؛ لأنّ أداةَ التعريفِ كلمةٌ منفصلةٌ، ومن ثمّ امتنعَ القراءُ من ضمِّ أولِ الساكنينِ إتباعاً لضمِّ ثالثِه في نحوِ ﴿إِنِ الحُكْمُ﴾ (٢) و ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾ (٣) و ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٤) ولم يلحقوها ب ﴿قُلِ انظُرُوا﴾ (٥) و ﴿إن الحُكْمُ﴾ (٦) ونحوِهما، فالساكنُ المذكورُ حاجزٌ حصينٌ لما ذُكِرَ، على أنّه لا تجري في غير الآيةِ ونحوِها)) (٧) . ٢ - سِأَلْتُمْ: في قولِه تعالى: ﴿فإنّ لَكُمْ مَا سَألْتُمْ﴾ (٨) قراءتانِ؛ قراءةُ الجمهورِ بتحقيقِ الهمزةِ وفتحِ السينِ من ﴿سأَلْتُم﴾ ، وقرأ إبراهيمُ النخعيُّ ويحيى بنُ وثابٍ مثلَه بكسرِ السينِ: ﴿سِأَلتم﴾ (٩) .
следующие страницы →