٢ - باب المسلم يعتق عبده النصراني والنصراني يعتق العبد المسلم
(ح ١٠١٩) ثبت أن رسول الله- ﷺ -قال: الولاء لمن أعتق.
قولاً عاما، فإذا أعتق المسلم عبدا نصرانيا، فالولاء له لقول النبي ﷺ : الولاء لمن أعتق، فإن مات المعتق النصراني لم يكن للمعتق من ميراثه شيء.
(ح ١٠٢٠) لقول النبي- ﷺ : لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
م ٢٣٥٩ - فإن أسلم المعتق، ثم مات، ورثه مولاه المعتق، وهذا قول الشافعي، وأهل العراق، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أن مولى له نصرانيا [١/ ٢٤٤/ألف] مات، فأمر بماله فأدخله بيت المال، ولم يرثه، وبه قال الأوزاعي.
وإذا اشترى النصراني عبدا مسلما، أو كان له عبد نصراني، فأسلم بيع عليه، فإن أعتقه، العتق جائز، وولاءه له لقول النبي- ﷺ : الولاء لمن أعتق، فإن مات المعتق، ومولاه على دينه، لم يرثه لقول النبي ﷺ : لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، وميراثه لجماعة المسلمين، إلا أن يكون لمولاه عصبة مسلمون، وإن أقرب الناس من عصبة مولاه يرثه، ويكون المولى ما دام على النصرانية في معنى من قد مات، فإن أسلم المولى المعتق، ثم مات المولى المعتق، ورثه بالولاء، هذا قول الشافعي، وأهل العراق.
стр. 1192
وكان مالك بن أنس يفرق بين المسلم يعتق العبد النصراني، وبين النصراني يعتق العبد المسلم، كان يقول: إذا أعتق المسلم النصراني، فإنه يرثه مولاه المسلم لأنه قد كان مولاه، ولأنه كان يصلح له بملكه، وإنما منع النصراني أن يرث المسلم إذا أعتقه؛ لأنه لا ينبغي للنصراني أن يملك مسلما، من [[فحين]] أسلم كان ينبغي أن يباع عليه، فان أعتقه جاز ما صنع ولم يملك شيئا من ولأئه، ولأن المسلم ينبغي له أن يملك النصراني، فإن أعتقه فهو مولاه، إذا أسلم ورثه.
قال أبو بكر: ولو أن رجلاً مسلما أعتق عبدا له مسلما، ثم ارتد المعتق عن الإِسلام، ولحق بدار الحرب فسبى، واشتراه رجل مسلم، فأعتقه، كان شراءه باطلا، لأن الحر المسلم لا يرجع رقيقا أبداً، وعلى الإمام قتله إن ثبت على الارتداد، فإن تاب ورجع إلى الإسلام، فهو مسلم، وولاءه للمعتق الأول.
والجواب في المسلم يعتق أمة مسلمة، ثم ترتد، وتلحق بدار الحرب، وتسبى، وتشتري، وتعتق، كالجواب في العبد لا فرق بينهما:
(ح ١٠٢١) لقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه".
دخل في عموم هذا الحديث الرجل والمرأة.
وفرق أصحاب الرأي بين الأمة والعبد فقالوا في العبد كما قلنا، وقالوا في الأمة: إنها مولاة له، وانتقض الولاء الأول للرق الذي حدث فيها.
م ٢٣٦٠ - وقال أصحاب الرأي في المرأة ترتد عن الإسلام: تحبس إذا كانت في دار الإسلام ولا تقتل، فإن لحقت بدار الحرب، ثم سبيت استرقت.
стр. 1193
قال أبو بكر: فتركوا ظاهر قول رسول ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه، وأوجبوا عليها حبسا، لا يجب إلا بحجة.
٣ - باب [١/ ٢٤٤/ب] العتق في دار الحرب
م ٢٣٦١ - وإذا عتق الرجل من أهل الحرب وهو كافر، عبداً له في دار الحرب، ثم أن عبده أسر، فاشتراه رجل من المسلمين في دار الإسلام، فأعتقه، فقد ذكر بعض أصحابنا أن هذه المسألة تحتمل ثلالة أجوبة أحدها: أن الولاء للمعتق الأول، والثاني: أن الولاء للمعتق الثاني هذا قول أصحاب الرأي، والثالث: إن كل واحد منهما معتق ثابت العتق، وقد حكم النبي ﷺ بالولاء لمن أعتق، فليس واحد منهما أحق بأن يحكم له بالولاء من الآخر، فولاءه لهما جميعاً، قال وهذا أصح الأجوبة.
وبه أقول.
م ٢٣٦٢ - ولو أن عبدا أسلم في دار الحرب، ثم خرج مسلما إلى دار الإسلام، فهو حر، وهو بمنزلة حر من أهل دار الحرب جاء مسلما، فميراثه إن مات للمسلمين، وليس هو مولا لأحد دون أحد، وليس له أن يوالي في قول مالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي.
وقال أصحاب الرأي: هو حر، وله أن يوالي من شاء، وهو بمنزلة حر من أهل دار الحرب جاء مسلما، فله أن يوالي من شاء.
قال أبو بكر:
(ح ١٠٢٢) وقد روى عن النبي ﷺ أنه أعتق يوم الفتح ويوم الطائف من خرج إليه من عبيد للمشركين.
стр. 1194
م ٢٣٦٣ - وبهذا قال الأوزاعي.
وقال الثوري: لا يرد عليه، وولاءه للمسلمين.
م ٢٣٦٤ - فإن جاء السيد فأسلم، ثم جاء العبد فأسلم رد إلى سيده، وقال الأوزاعي مثل ذلك.
قال أبو بكر:
م ٢٣٦٥ - وإذا خرج الرجل من أهل دار الحرب فاشترى عبدا وأعتقه، ثم رجع المولى المعتق إلى دار الحرب، فأسر واسترق، فإنه عبد لمن اشتراه أو صار إليه، والمعتق الذي أعتقه مولى، ولكن لا يرثه ما دام عبداً، وميراثه في بيت المال.
م ٢٣٦٦ - واختلفوا في عقله فقال أصحاب الرأي: عقله على نفسه، لا يعقل عنه بيت المال؛ لأن عقله معروف.
وقال غيرهم: عقله على بيت المال كما أن ميراثه لهم.
وقال آخر: لا يعقل عنه بيت المال، وليس عليه أن يعقل عن نفسه، لأن الدية إنما تجب على العاقلة، وإذا لم تكن عاقلة بطلت الدية.
قال أبو بكر:
م ٢٣٦٧ - ولو أن هذا المولى الذي أسر اشتراه مولاه الذي كان أعتقه صار عبدا له، والولاء على حاله، فإن هو أعتقه صار كل واحد منهما مولى صاحبه؛ لأنه كل واحد منهما معتق لصاحبه، فإن مات أحدهما ولا وراث له غيره، ورثه إذا كانا مسلمين.
قال أبو بكر:
م ٢٣٦٨ - وإذا أعتق الرجل من أهل دار [١/ ٢٤٥/ألف] الحرب عبدا، فالعتق جائز وولاءه له، فإن أسلم عبده الذي أعتقه بعد ما أعتقه وخرج إلى دار
стр. 1195
الإسلام، فهو مولى له على حاله، غير أنهما لا يتوارثان؛ لأن الكافر لا يرث المسلم.
م ٢٣٦٩ - فإن أسلم مولى وخرج إلى دار الإِسلام مسلما، ثم مات المعتق ولا وارث له غيره ورثه، وفي قول أصحاب الرأي: لا يكون مولى له، لأن العتق والولاء في دار الحرب باطل.
قال أبو بكر: فإن بطل العتق وجب أن يكون عبدا كما كان، وإن كان صار حرا، فله أن يوالي من شاء، فالولاء للمعتق لقول رسول الله ﷺ : الولاء لمن أعتق، ولا حجة مع من أبطل العتق في دار الحرب.
مسألة
قال أبو بكر:
م ٢٣٧٠ - أجمع أهل العلم على أن المسلم إذا أعتق عبداً مسلماً، ثم مات المعتق ولا وارث له، ولا ذو رحم، أن ما خلف لمولاه الذي أعتقه، فإن مات المولى المعتق، ثم مات المولى المعتق، ولا وارث له، ولا ذو رحم، فإن كان للمولى المعتق يوم يموت المولى المعتق أولاداً ذكوراً وإناثاً، فماله لذكور ولد المعتق دون إناثهم؛ لأن النساء لا يرثن من الولاء، إلا ما اعتقن أو اعتق من اعتقن، في قول عامة العلماء.
وممن حفظنا ذلك عنه الشعبي، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، وبه قال مالك، الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، ولا نعلم أحداً خالف ما قلناه، ولا قال بغيره،
стр. 1196
إلا طاووس، فإنه قال: ترث النساء من الولاء، ون يورث البنت من ولاء موالي الأب.
وقد روي عن عمر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت أنهم كانوا لا يورثون النساء من الولاء إلا ما أعتقن.
قال أبو بكر: كان ابن عمر يرث [[موالي]] عمر دون بنات عمر.
قال أبو بكر: وبقول جمل (١) الناس أقول.
٤ - باب إحراز المرأة ولاء من أعتقت
قال أبو بكر:
(ح ١٠٢٣) ثبتت الأخبار عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "الولاء لمن أعتق" وأصل ذلك قول النبي- ﷺ لعائشة في قصة بريرة: الولاء لمن أعتق.
(ح ١٠٢٤) وروينا عن النبي- ﷺ أنه قال: تحرز المرأة ثلاث مواريث، عتيقها، ولقيطها، وابنها الذي لا عنت عليه.
قال أبو بكر:
م ٢٣٧١ - ولا أعلمهم يختلفون إن ولاء من أعتقت المرأة لها، لقول النبي- ﷺ : الولاء لمن أعتق.
стр. 1197
٥ - باب ميراث [١/ ٢٤٥/ب] ولاء من اعتقت المرأة بعد وفاتها
م ٢٣٧٢ - اختلف أهل العلم في المرأة تعتق عبدا، ثم تموت المعتقة، فتخلف ذكورا وإناثا، وعصبة من قبل أبيها ثم تموت، ويموت مولاها الذي أعتقه، ولا وارث غير هؤلاء.
فقالت طائفة: ماله لعصبتها دون ولدها، لأنهم الذي يعقلون عنها وعن مواليها فكما يعقلون عنها وعن مواليها كذلك يرثون مواريثها.
واحتجوا بما روي عن علي حين خاصم الزبير في موالي صفية، فرأي أنهم أحق بولائهم من الزبير، لأنهم عصبتها والزبير ابنها.
وفيه قول ثان: وهو أن ذكور ولد المرأة المعتقة أحق بولاء الموالي ومواريثهم من عصبتها، روى هذا القول عن عمر بن الخطاب أنه قضى بالولاء للزبير وولده، حتى لعنوا، والعقل على علي، وهو قول الشافعي، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد.
وفي قول الزهري، وقتادة: يكون الولاء لأولادها، فإذا انقرضوا كان الولاء لعصبة أمهم، وبه قال الثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وفيه قول ثالث: وهو أن ولاء مواليها يكون للذين ورثوا الذكور، ولبني بنيها، إذا انقرضوا لم يرجع الولاء إلى عصبة المرأة، ولكنه يكون لعصبة ولدها الذي ورثوا ولاءها، ولأن ولدها قد أحرزوا ولاءها كما أحرزوا ميراثها، واحتجوا:
стр. 1198
(ح ١٠٢٥) بحديث روي عن النبي- ﷺ أنه قال: "ما أحرز الولد أو الوالد فهو بعصبته من كان".
وبشيء روي عن علي ﵁ أنه قال: الولاء شعبة من الرق، فمن أحرز الولاء أحرز الميراث.
وقال الثوري: إذا انقرض ولدها رجع الولاء إلى عصبة المرأة.
وفيه قول رابع: روى عن الشعبي أنه قال: إذا ماتت المرأة وتركت موالي، فالميراث لولدها، والعقل عليهم، وكان ابن أبي ليلى يقضي به.
قال أبو بكر: وقول عامة العلماء: أن ولاء الموالي لذكور ولدها، والعقل على العصبة.
م ٢٣٧٣ - وقد أجمعوا على أن الرجل يرثه إخوانه، وإن جنى جناية كان العقل على العصبة دون من ورثه.
وفي المعتقة نفسها بيان ذلك، وذلك لأن مولاها لو مات ورثته، ولو جنى المولى جناية كان على عصبتها دونها.
٦ - باب الولاء للكبر وتفسيره
قال أبو بكر:
م ٢٣٧٤ - وإذا مات الرجل وترك ابنين، وترك مولى، [١/ ٢٤٦/ألف] فإن ولاءه بينهما، فإن مات أحدهما وخلف أبنا، ثم مات المولى ففي قول من يجعل الولاء للكبر ميراث المولى لابن الميت، دون ابن أخيه، ومن قال إن
стр. 1199
الولاء للكبر عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وروي عن علي، وزيد بن ثابت، وبه قال طاووس، وعطاء، والزهري، وابن سيرين، وقتادة، وأبو الزناد، وابن نشيط، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، ويعقوب، ومحمد، وقال أحمد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود.
وهكذا نقول، وهو قول أكثر الناس، أحمد يقوله.
وفيه قول ثان: وهو أن الولاء يورث كما يورث المال، فمن أحرز الميراث أحرز الولاء، روى عن ابن الزبير أنه قال: يجوز الولاء من يجوز الميراث، وكان شريح يقول: يجري الولاء مجرى المال.
قال أبو بكر:
م ٢٣٣٧٥ - إذا مات الرجل وترك ثلالة بنين، ثم مات البنون الثلاث، وترك أحدهم ابنين، والثاني ثلاث بنين، والثالث أربع بنين، ثم مات المولى المعتق، فإن مال المولى مقسوم بينهم على تسعة أسهم، لكل واحد منهم سهم، كما لو مات الجد المعتق في هذا الوقت يورثوه على هذا امثال.
ولو ظهر للجد مالك كان للابنين الثلث، وللثلاثة الثلث، وللأربعة الثلث، وذلك حصة كل فريق منهم على ما ورثوه عن آبائهم من المال الذي كانوا استحقوه ميراثا عن الجد.
وفي القول الآخر: يكون قسم ما ورثوه عن مولاهم العتق، كما ذكرناه بما يستحقون عن الجد لو ظهر له مال.
مسألة
م ٢٣٧٦ - واختلفوا في المعتق إذا ترك أباه وابنه، ثم مات المعتق، فقال النخعي،
стр. 1200
والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، ويعقوب: لأبيه سدس الولاء، وما بقى فلابنه.
وقال عطاء، والحسن البصري، والشعبي، والحكم، وحماد، وقتادة، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، والنعمان، ومحمد: ما ترك المولى المعتق لابن مولاه، وليس لأبيه شيء، لأن الابن أقرب العصبة.
مسألة
م ٢٣٧٧ - فإن ترك جده أبنه، وابن ابنه ففي قول من قال: إن الابن أقرب العصبة، المال للابن أو لابن الابن دون الجد.
وفي القول الأول الذي بدأنا بذكره، للجد السدس، وما بقى فللابن.
م ٢٣٧٨ - وقال إياس بن معاوية في رجل مات وترك جدة، وابنة [١/ ٢٤٦/ب]، ومولى له، قال: الولاء للابن.
٢ - وقال الأوزاعي في رجل ترك ابن مولاه، وجد مولاه، قال: لجد مولى سدس ما ترك، ولابن مولاه خمسة أسداسه.
م ٢٣٨٠ - فإن مات المعتق وترك أباه، وإخوته لأبيه وأمه، أو لأبيه، ثم مات المعتق، فالمال للأب دون الأخوة، ولا أعلمهم يختلفون فيه.
م ٢٣٨١ - فإن ترك أباه، وثلاثة أخوة متفرقين، فالمال للأب خاصة، دون الأخوة.
فإن مات الأب قبل المعتق، ثم مات المعتق، فالولاء للأخ من الأب والأم.
стр. 1201
فإن مات الأخ من الأب والأم، وترك ابنا، ثم مات المعتق، فالولاء للأخ من الأب.
فإن مات الأخ من الأب، وترك ابناً، فالمال لابن الأخ من الأب والأم، الجواب في هذه ال مسألة في قول من يرى الولاء للكبر، هكذا تذكر (١) أبدا عند موت المولى المعتق، من كان يرث المعتق من عصبة لو مات في ذلك الوقت، فاجعل المال له.
مسألة
م ٢٣٨٢ - وإن ترك جده، وأخاه لأبيه وأمه، فالمال للجد في قول من جعل الجد أبا، وبه قال الزهري، وإسحاق.
وبه نقول.
وقالت طائفة: المال بين الأخ والجد نصفان، هذا قول عطاء، والليث ابن سعد، ويحيى الأنصاري، ومال إلى هذا القول الأوزاعي.
وقالت طائفة: الأخ أحق بولاء الموالي من الجد، وبنو الأخ أحق، وبنو بني الأخ أحق بولاء الموالي من الجد، هذا قول مالك بن أنس، وحكى الشافعي القولين.
م ٢٣٨٣ - وقد أجمعوا في باب المواريث، أن الجد أولى بالميراث من ابن الأخ، لأنه أقرب، وجب أن يكون كذلك في باب الولاء.
٧ - باب جر الولاء
قال أبو بكر:
стр. 1202
م ٢٣٨٤ - اختلف أهل العلم في مملوك نكح حرة مولاة لقوم، فأولدها أولادا، ثم عتق الأب فقال أكثر أهل العلم: يجر الولاء إلى مواليه، روي هذا القول عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله، وزيد بن ثابت، والزبير بن العوام، ومروان بن الحكم، وبه قال ابن المسيب، والحسن البصري، وابن سرين، وعمر بن عبد العزيز، والنخعى، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد.
وفيه قول ثان: وهو أن ولاءهم لأهل أمهم، كذلك قال عطاء، وعكرمة بن خالد، ومجاهد، والزهري.
م ٢٣٨٥ - واختلفوا في الجد هل يجر ولاء ولد ابنه أم لا؟ فقال الشافعي: يجر الولاء، وبه قال مالك، وقال: يجر الولاء، ويرثهم ما دام أبوهم عبدا، فإن أعتق أبوهم رجع الولاء إلى مواليه، وإن مات وهو عبد، كان الولاء والميراث للجد.
وقال النعمان: لا يجر الجد الولاء، وبه [١/ ٢٤٧/ألف] قال يعقوب، ومحمد، أرأيت لو أعتق أبوهم بعد ذلك كان أبوهم يجر الولاء أم لا؟ أرأيت لو أسلم جدهم، وأبوهم كافر، وهم صغار في حجر أبيهم، [[أيكونوا]] مسلمين، باسلام جدهم؟ فإن كان الأب يحجبهم من ذلك، فإن الجد من الولاء أبعد.
وفرق آخر بين الولاء وأمر الإسلام، فقال: أرأيتم لو أن جنيناً مات وله أب عبد وجد حر، هل يرثه جده أم لا؟ فإن قالوا: ميراثه لجده، قيل لهم: فإن كان جده مسلماً وأبوه كافراً، هل يكون مسلماً بإسلام جده، كما يكون مسلماً بإسلام أبيه؟ فإن قالوا لا يكون مسلماً بإسلام جده،
стр. 1203
ولا يقوم جده في الإسلام مقام أبيه، وليس الإسلام من باب المواريث في شيء، قيل لهم: وكذلك ليس الإِسلام من باب جر الولاء في شيء.
٨ - باب توريث الموالي مع ذوي الأرحام الذين ليسوا بعصبة
م ٢٣٨٦ - اختلف أهل العلم في الرجل يموت ويترك مواليه الذين أعتقوه، وأصحاب فرائض لا يستوعبون المال، وترك ذوي أرحامه وليسوا بعصبة.
فقال أكثر أهل العلم: ما فضل عن ماله عن أهل الفرائض فلمواليه إليه الذين أعتقوه، دون ذوي أرحامه الذين ليسوا بعصبة، روي هذا القول عن زيد بن ثابت، وبه قال الزهري، ومالك، وأهل الحجاز، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة، وكذلك قال الأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد.
وفيه قول ثان: وهو أن لا يعطي الولاء مع الرحم شيئاً، روي ذلك عن علي، ومسروق، والشعبي، والنخعي.
قال أبو بكر: ولا أحسب ذلك يثبت عنهم، وقد احتج بعض من يقول بالقول الأول بالأخبار التي جاءت عن النبي- ﷺ أنه جعل الولاء نسباً ثابتاً، أقام المولى مقام العصبة فقال: "الولاء لمن اعتق"، وقال: "مولى القوم من أنفسهم"، وحرم على مواليه من الصدقة ما حرمه على نفسه، وأجمعت العلماء على أن المولى المعتق يعقل عن مواليه الجنايات التي يحملها العاقلة، وأقاموا مقام العصبة، فلما جاءت الأخبار
стр. 1204
بأن حكم المولى حكم ابن العم والرجل من العشيرة، ثبت بذلك أنه أحق بالمال من ذوي الأرحام الذين ليسوا بعصبة، ولا هم أصحاب الفرائض، لأن النبي ﷺ قال: "من ترك مالاً فللعصبة".
٩ - باب الرجل يسلم على يدي الرجل [١/ ٢٤٧/ب]
قال أبو بكر:
م ٢٣٨٧ - اختلفوا في الرجل يسلم على يدي الرجل.
فقال كثير من أهل العلم: لا يكون بإسلامه على يدي الرجل مولى له، هذا قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، روي ذلك عن الحسن البصري، والشعبي.
وبه نقول، لأن النبي ﷺ قال: "الولاء لمن اعتق"، وفيه دليل على أن الولاء لا يكون إلا لمعتق.
وفيه قول ثان: روي عن النخعي أنه قال: إن الرجل إذا أسلم على يدي الرجل ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه، وله أن يتحول عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره، وهذا قول النعمان، ويعقوب، ومحمد، وقالوا: إذا لم يواليه لم يعقل عنه ولم يرثه.
وقال حماد بن أبي سليمان: له أن يتحول عنه إلى غيره إن شاء ما لم يعقل عنه، ولم يرثه، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول إلى غيره، وقد روي عن تميم الداري حديث قال به إسحاق، ورفعه الشافعي، وأحمد بن حنبل.
стр. 1205
(ح ١٠٢٦) أن النبي- ﷺ قال: "من أسلم على يدي رجل فهو مولاه".
وقد دفع هذا الحديث قوم بعلل احتجوا بها قد ذكرتها في غير هذا الموضع.
١٠ - باب ميراث اللقيط
م ٢٣٨٨ - أكثر أهل العلم يقولون: اللقيط حر هكذا قال الشعبي، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وبه نقول، وذلك لأن أصل الناس الحرية، إلا أن يسترق أهل دار الحرب، وليس يخلو اللقيط من أحد أمرين، إما أن يكون حراً ولا رق عليه، [[أو]] يكون ابن أمة قوم، فليس لمن التقطه أن يسترقه.
стр. 1206
وقال إسحاق من بين أهل العلم: ولاء اللقيط للذي التقطه، واحتج فيه بحديث لا يثبت، وبحديث أبي جميلة عن عمر أنه قال: هو حر، ولاءه ونفقته من بيت المال.
قال أبو بكر: أبو جميلة هو رجل مجهول، لا تقوم بحديثه حجة.
١١ - باب الرجل يعتق عبده ثم يموت المعتق ولا يدع وارثاً غير مولاه الذي أعتقه
قال أبو بكر:
م ٢٣٨٩ - اختلف أهل العلم في المولى المعتق يموت، ولا يدع إلا مولاه الذي أعتقه، فكان إسحاق، وسليمان بن داؤد، وأبو خيثمة يقولون: يرثه، وقد روي معنى قولهم عن عمر بن الخطاب [١/ ٢٤٨/ألف] وكان أحمد يجيز أن يقول بحديث عوسجة عن ابن عباس، وأصحاب الرأي، ولا يورثون المولى من أسفل.
وقد احتج بعض القائلين بالقول الأول:
(ح ١٠٢٧) بحديث ابن عباس أن رجلاً مات، فلم يجد له وارثا فدفع النبي ﷺ ميراثه إلى مولى أعتقه الميت.
(ح ١٠٢٨) وبأن في الحديث: أن الولاء لحمة كلحمة النسب.
فكان نسبا، كان القياس أن يكون وارثا كما كان مورثا.
стр. 1207
١٢ - باب عتق الرجل عن غيره بأمره وغير أمره
قال أبو بكر:
م ٢٣٩٠ - واختلفوا في ولاء من يعتقه المرء عن غيره بأمره وغير أمره، فروي عن الحسن أنه قال في رجل أعتق عن أبيه مملوكا قال: الولاء لجميع ورثة أبيه، وهذا على مذهب مالك، والماجشون، وبه قال أبو عبيد.
وفيه قول ثان: وهو أن الولاء للمعتق إذا كان ذلك بغير أمير المعتق عنه، هذا قول الأوزاعي، وإسحاق، والشافعي، وفي قول الشافعي: إذا أعتقه عنه بأمره، فالولاء للآمر قال: وإعتاقه عنه بأمره كقبضة ما وهب له، وبه قال أبو ثور.
وفيه قول ثالث: وهو أن الولاء للمعتق إذا أعتق عبدا عن غيره بإذنه وغير إذنه، ولا يكون الولاء للمعتق عنه، وجميع الناس في ذلك سواء هذا قول أبي حنيفة.
م ٢٣٩١ - وكان الشافعي يقول في امرأة اشترت أباها، فأعتقته، فمات الأب وخلف ابنته التي أعتقته، وأختا لها منه: أن لهما الثلثان بالنسب، والثلث للتي أعتقته بالولاء، وكذلك قال أحمد، وإسحاق.
وبه نقول.
١٣ - باب الرد ومواريث ذوي الأرحام
م ٢٣٩٢ - اختلف أهل العلم فيمن مات وترك من له سهم معلوم، غير الزوج والمرأة، ولم يدع عصبة إلا ذوي الأرحام، لا فرض لهم منصوص في كتاب الله.
стр. 1208
فقالت طائفة: المال كله لمن له سهم معلوم مسمى، وليس لمن لا سهم له بشيء، روينا عن ابن مسعود أنه قال: ذو السهم أحق ممن لا سهم له، وبه قال الثوري، وأهل العراق، وقال أحمد كما قال ابن مسعود.
روينا عن علي بن أبي طالب أنه كان يرد على كل ذي سهم إلا الزوج والمرأة.
وروينا عن عبد الله أنه كان لا يرد على المرأة، ولا على الزوج، ولا على أخ [١/ ٢٤٨/ب] لأم مع أم، ولا على أخت لأب مع أخت لأب وأم، ولا على بنت ابن مع ابنة الصلب، ولا على جدة إلا أن يكون غيرها.
وقالت طائفة: يعطى أصحاب الفرائض فرائضهم، ويجعل ما فضل من المال في بيت مال المسلمين، روينا هذا القول عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك وأهل المدينة، والأوزاعي وأهل الشام، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، لأن الذي يعقل عنه جناياته بأنه إذا لم يكن عصبة على بيت المال، فكما يعقلون عنه فكذلك يأخذون ماله.
١٤ - مسائل في باب الرد
م ٢٣٩٣ - إذا مات الرجل وترك ابنته، ولا وارث له غيرها، فالمال لها في قول علي، وعبد الله النصف، بالفرض لها، والباقي رد عليها بالرحم.
وفي قول زيد: للابنة النصف، وما بقى فلبيت المال.
م ٢٣٩٤ - وكذلك أن ترك بنت ابن، أو أما، أو جدة، أو أختا لأب، أو أختا لأم، فالمال كله لأي هؤلاء انفرد بالميراث، في قول علي، وعبد الله.
стр. 1209
وفي قول زيد لها فرضها، وما بقى لبيت المال.
م ٢٣٩٥ - فإن ترك أما، وابنتين للأم السدس، وللابنتين الثلثان، ومما بقى رد عليهم على قدر سهامهم في قول علي، وعبد الله.
وفي قول زيد: للأم السدس، وللابنتين الثلثان، وما بقى لبيت المال.
م ٢٣٩٦ - فإن ترك أما، وابنة، وابنة ابن، ففي قول علي: للأم السدس، وللابنة النصف، وللابنة الابن السدس، وما بقى رد عليهم على قدر سهامهم.
وفي قول عبد الله: للأم السدس، وللابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقى رد على البنت، والأم على قدر سهامهما؛ لأنه كان لا يرى أن يرد على بنت الابن مع البنت.
وفي قول زيد: للأم السدس، وللابنة النصف، ولبنت الابن تكملة الثلثين، وما بقى فلبيت المال.
م ٢٣٩٧ - إن ترك امرأة، وبنتا، وبنت ابن، ولا عصبة، فللمرأة الثمن، لا تزاد عليه في قولهم جمعيا، وما بقى فبين البنت وبنت الابن علي أربعة في قول علي.
وفي قول عبد الله: للمرأة الثمن، ولبنت الابن السدس، وما بقى فللبنت.
وفي قول زيد بن ثابت: للمرأة الثمن، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى فلبيت المال.
م ٢٣٩٨ - فإن ترك ثلاث أخوات متفرقات ففي قول علي: المال بينهن مقسوم على خمسة للأخت للأب والأم ثلاثة، وللأخت للأب واحد، وللأخت للأم واحد.
стр. 1210
وفي قول عبد الله: للأخت للأب السدس، [١/ ٢٤٩/ألف] لا تزاد عليه، وأقسم الباقي بين الأخت من الأب والأم، أو الأخت من الأب، وللأخت من الأم ربع ما يبقى، وثلاثة أرباع ما بعد السدس للأخت من الأب والأم.
وفي قول زيد: للأخت من الأب السدس، وللأم النصف، وللأخت من الأب السدس، وللأخت من الأم السدس، وما بقى فلبيت المال.
١٥ - باب مواريث ذوي الأرحام
م ٢٣٩٩ - اختلف أهل العلم في مواريث ذوي الأرحام فروينا عن عمر بن الخطاب أنه قسم المال بين عمة، وخالة، وروي عن ابن مسعود أنه قال: العمة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وكذلك كل ذي رحم ينزل بمنزله رحمه التي يرث بها إذا لم يكن وارث ذو قرابة.
وقال أبو عبيد: أهل العراق يرون إذا مات رجل وترك أهل فرائض ممن لا يستوعب المال كالأم، والاخوة من الأم، والبنات، والأخوات، وليس ثم عصبة، فإنهم يجعلون المال على السهام لأهل الفرائض، ثم يردون على قدر مواريثهم، وإذا لم يكن للميت أحد من أهل الفرائض السماة في التنزيل، وله ذوو أرحام، جعلوا ذوي الأرحام هم الورثة، فقسموا ماله بينهم على قدر أرحامهم وقرابتهم، ويحجون في ذلك
стр. 1211
بقول الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقالت طائفة: لا يرث ابن الأخ للأم برحمه تلك شيئا، ولا للجد أبو الأم برحمه تلك شيئا، ولا العم أخو الأب للأم لا يرث برحمة تلك شيئاً، ولا الخال برحمه تلك شيئا، ولا ترث الجدة أم أب الأم، ولا ابنة الأخ للأب والأم، ولا العمة أخت الأب للأب والأم، ولا الخالة، ولا من هو أبعد نسبا من المتوفى ممن سمى في هذا الكتاب، لا يرث أحد منهم برحمه تلك شيئا، هذا قول زيد، وبه قال مالك، والشافعي.
وقال الشافعي: ومعنى قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية، أن الناس توارثوا بالحلف والنصرة، ثم توارثوا بالإسلام والهجرة، ثم نسخ ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الآية، على معنى ما فرض الله وسن رسول الله- ﷺ ، لا مطلقاً [١/ ٢٤٩/ب].
стр. 1212
٥٠ - كتاب الوصايا
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
١ - باب الأمر بكتب الوصايا إذا أراد المرء الوصية وكان له مال يوصي فيه
(ح ١٠٢٩) ثبت أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ، له شيء يوصى فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده.
م ٢٤٠٠ - واختلفوا في الوصية هل تجب فرضا أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: الوصية غير واجبة على من لم يدع مالاً ولا شيئاً مما يملك.
م ٢٤٠١ - واختلفوا في وجوب الوصية على من خلف مالاً.
فقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر الآية، كان الزهري يقول: جعل الله الوصية حقا مما قل أو كثر، وقيل لأبي مجاز: على كل ميت وصية؟ قال: على كل من ترك خيراً.
وقالت طائفة: الوصية ليست بواجبة، موسرا كان المريض أو معسرا، هذا قول النخعي، والشعبي، والثوري، والشافعي.
стр. 1213
وفيه قول ثان: وهو أن الوصية ليست بواجبة، إلا على رجل عليه دين، أو عنده مال لقوم، فيجب عليه أن يكتب وصية، ويخبر بما عليه، فأما من لا دين عليه، ولا وديعة عنده، فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء، هذا قول أبي ثور.
قال أبو بكر: هذا حسن ما قيل في هذا الباب، وذلك لأن الله تعالى فرض أداء الأمانات إلى أهلها، ففرض أداء الأمانات إلى جميع الناس الأبرار منهم والفجار، ويدل على صحة هذا القول.
(ح ١٠٣٠) قول النبي- ﷺ : "ما حق امرئ له مال يريد أن يوصي فيه".
ولو كانت الوصية واجبة لم يجعل ذلك إلى إرادة الموصي، ولكان ذلك لازما على كل حال، ويدل على أن الوصية ليست بواجبة ترك ابن عمر أن يوصي، وقد ذكرنا فيما مضى أن رسول الله- ﷺ لم يترك مالاً فيوصي فيه، وقد أوصى بكتاب الله، وبالصلاة.
٢ - باب قول الله جل ذكره ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [٢/ ٢٥٠/ب] لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية
م ٢٤٠٢ - واختلفوا في معنى قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية.
стр. 1214
فقالت طائفة: الآية منسوخة نسختها قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية روينا هذا القول عن ابن عباس، وروينا عن ابن عمر أنه قال: نسختها آية الميراث، وبه قال عكرمة، ومجاهد، ومالك، والشافعي.
وقالت طائفة: نسخ "الوالدان" بالفرض لهما في سورة النساء، وبقى "الأقربون" ممن لا يرث، الوصية لهم جائزة، حرض الله على ذلك، هذا قول إسحاق، وبه قال طاووس، وقتادة، والحسن البصري.
٣ - باب الوصية للقرابة وترك الوصية
م ٢٤٠٣ - أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين الذين لا يرثان المرء، وللأقرباء الذين لا يرثونه جائزة.
م ٢٤٠٤ - واختلفوا في الرجل يوصي للأجنبي، ويدع أن يوصي لقرابته الذين لا يرثونه.
فقال أكثر أهل العلم: وصيته حيث جعلها، هذا قول سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان وأصحابه، وبه قال عوام أهل العلم.
стр. 1215
وفيه قول ثان: وهو أن من أوصى، وترك ذا قرابته، انتزعت منهم، وردت على قرابته، هذا قول طاووس، وبه قال الحسن البصري، وعبد الملك بن يعلى.
وفيه قول ثالث: وهو أن يجاز للذي أوصى له من ذلك بثلث الثلث، ويرد ثلثا المال على قرابة الموصى، هذا قول ابن المسيب، وجابر بن زيد، وإسحاق.
واحتج الشافعي، وأحمد في إجازة الوصية لغير الأقربين.
(ح ١٠٣١) بحديث عمران بن حصين أن رجلاً أعتق في مرضه ستة أعبد، لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ فدعاهم، فجزأهم، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة.
٤ - باب إبطال الوصية للوارث
م ٢٤٠٥ - أجمع كل من يحفظ عنه من علماء الأمصار من أهل المدينة، وأهل مكة، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، وسائر العلماء من أصحاب الحديث، وأهل الرأي [١/ ٢٥٠/ب] على أن لا وصية لوارث، إلا أن يجيز ذلك الورثة.
стр. 1216
(ح ١٠٣٢) وجاءت الأخبار عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "لا وصية لوارث".
بمثل ما اتفق عليه أهل العلم.
٥ - باب الجنف في الوصية والضرار فيها
م ٢٤٠٦ - كان ابن عباس يقول: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية، قال: الجنف في الوصية، والإضرار فيها من الكبائر، وروينا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ الآية يعني إثما، يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته، أو جاف فيها، فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب، وله قال قتادة، وأحمد، وإسحاق.
стр. 1217
وروينا عن الضحاك أنه قال: الجنف الخطأ، والإثم العمد، وكذلك قال الثوري، وقال عطاء، والكسائي في قوله: جنفاً، قالا: ميلا، وقال أبو عبيدة: جوراً عن الحق وعدولا، وكان طاووس يقول في قوله ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ الآية قال: هو الرجل يوصي لولد ابنته يريد ابنته.
قال أبو بكر: قول طاووس يحتمل معنيين أحدهما أن يقول الموصي: قد أوصيت لولد ابنتي بكذا، وأنا أريد ابنتي، فذلك مردود، لا تفاق أهل العلم له، والمعنى الثاني: أن يوصي الرجل لولد ابنته، ولا يذكر في وصيته شيئا، يدل على خلاف ظاهر قوله، والذي يوجب إنفاذ ذلك من الثلث، ولا يجوز أن يظن به غير الظاهر.
(ح ١٠٣٣) لأن النبي- ﷺ قال: إياكم والظن إنه أكذب الحديث.
بل استحب أن يوصي الرجل لقرابته.
(ح ١٠٣٤) لحديث النبي- ﷺ أنه قال: الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان، صلة وصدقة، والذي يجب أن يرد من وصايا الرجل من باب الميل والجور وصية الرجل بأكثر من ثلثه، وميل وصيته لبعض ورثته، وأن يوصي في بواب المعاصي كلها.
стр. 1218
٦ - باب وصية الرجل بأكثر من ثلثة، أو وصيته لبعض الورثة فيجيز الورثة ذلك في حياة الميت أو بعد وفاته
م ٢٤٠٧ - اختلف أهل العلم في الورثة يأذنون للرجل في حياته أن يوصي لبعض الورثة بالثلث، أو بأكثر من الثلث، ثم يبدوا لهم بعد وفاته.
فقالت طائفة: لهم أن يرجعوا لأنهم أذنوا في [١/ ٢٥١/ألف] ما لم يملكوه في ذلك الوقت، روينا عن ابن مسعود أنه قال: ذلك [[التكره]] لا يجوز، وبه قال شريح، وطاووس، والحكم، والثوري، والحسن بن صالح، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، والنعمان، وأصحابه.
وفيه قول ثان: وهو أن ذلك عليهم، هذا قول الحسن البصري، وعطاء ابن أبي رباح، وحماد بن أبي سليمان، وعبد الملك بن يعلى، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وكان مالك يقول: إن كانوا أذنوا له في صحبته فلهم أن يرجعوا، وإن كان ذلك في مرضه، وحين يحجب عن ماله، فذلك جائز عليهم.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
م ٢٤٠٨ - وكان مالك، والشافعي، والثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يقولون: إذا أجازوا ذلك بعد وفاته، لزمهم.
م ٢٤٠٩ - واختلفوا في الرجل يوصي لبعض ورثته بمال، ويقول في وصيته: إن أجازها الورثة فهو له، وإن لم يجيزوه فهو في سبيل الله، فلم يجيزوه فقال مالك: إذا لم يجيزوا الورثة في ذلك، رجع إليهم.
وفي قول الشافعي، والنعمان، ومعمر صاحب عبد الرزاق: يمضي في سبيل الله.
стр. 1219
٧ - باب الوصية يوصيها الرجل لعصبته وأهل بيته
قال أبو بكر:
م ٢٤١٠ - لا أعلمهم يختلفون في الرجل يوصي لعصبته بمال، أن العصبة من قبل الأب، ولا يكون من قبل الأم.
م ٢٤١١ - واختلفوا في الرجل يوصي بثلث ماله لأهل بيته، فقال مالك: العصبة هم الأهل، وهو أبين، ثم قرأ: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي﴾ الآية، ثم قرأ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ الآية، قال: فالعصبة عندي أبين.
وقال أحمد في الرجل يوصي لأهل بيته قال: من يلقاه إلى ثلالة آباء، وقال أحمد بن حنبل:
(ح ١٠٣٥) قال النبي ﷺ : لا تحل الصدقة لي، ولا لأهل بيتي.
فجعل سهم ذي القربى لهم عوضاً من الصدقة التي [[حرمت]] عليهم، فكان ذوي القربى الذين سماهم النبي- ﷺ أهل بيته الذين حرم الصدقة عليهم.
(ح ١٠٣٦) وذكر حديث زيد بن الأرقم الذي فيه ذكر أهل بيته، قال: أذكركم الله في أهل بيتي، قال: قلنا: من أهل بيته وعصبته،
стр. 1220
نساءه؟ قال: لأهله، وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده، [[آل علي]]، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل.
م ٢٤١٢ - وقال يعقوب ومحمد: إذا أوصى الرجل لفقراء أهل بيته، فهو [[لكل]] من ينسب إلى أقصى جد في الإسلام، يجمعهم من قبل [١/ ٢٥١/ب] الرجال.
وقال محمد، ويعقوب: القرابة كل أب يجمعهم منذ كان الإسلام، من قبل أبيه وأمه، وكل ذي رحم محرم، فالثلث بينهم سواء فإن كان بعضهم أقرب من بعض في قول يعقوب، ومحمد، وأما في قول النعمان: فهو للأقرب فالأقرب كما وصفت.
م ٢٤١٣ - وكان أبو ثور يقول: إن أوصى بثلثه في عشيرته، أو قومه، فكانوا يحصون على عدد الرؤس، وإن كانوا لا يحصون، يجزي أن يعطي منهم ثلاثة فصاعداً.
وحكى عن الكوفي أنه قال: إن لم يحصوا، فالوصية باطلة.
٨ - باب خبر دل على معنى قوله من بعد وصية يوصي بها أو دين
(ح ١٠٣٧) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال لسعد وقد قال: أوصي بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فنصف مالي، قال: لا، قال: فبثلث مالي؟ قال
стр. 1221
النبي ﷺ : الثلث، والثلث كثير، إنك يا سعد أن تدع ورثتك أغنياء خير، خير أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
قال أبو بكر: ذكر الله الوصية في كتابه ذكراً مجملاً، فكان رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد، فعرفنا أن الوصايا مقصورة على ثلث مال الميت.
م ٢٤١٤ - وأجمع أهل العلم على القول به.
م ٢٤١٥ - واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به المرء.
فروينا عن أبي بكر أنه أوصى بالخمس، قال: وروينا عن علي أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع.
وعن ابن عباس أنه قال: الربع جنف، والثلث جنف، وروينا عن الحسن البصري أنه قال: يوصي بالسدس، أو الخمس، أو الربع.
وقال الثوري: لابأس بأن يوصي بالخمس، وقال إسحاق: السنة الربع إلا أن يكون رجلاً يعرف في ماله مرية شبهات وغيرها، فله استغراق الثلث.
ورأت طائقة: أن يوصي بالثلث، ثبت أن عمر بن الخطاب قال: الثلث وسط من المال، ولا نجس ولا شطيط، وعن الزبير أنه أوصى بالثلث، وقال شريح: الثلث جهد وهر جائز.
وقال أحمد: يوصي بالثلث، وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء، لم يكن له أن يستوعب الثلث وأن لم يدعهم أغنياء، أجزت له أن لا يستوعب الثلث.
стр. 1222
قال أبو بكر: الإغنياء (١) [١/ ٢٥٢/ألف]، والأفضل أن يقصر المرء عن الثلث لقول النبي ﷺ : "الثلث كثير، وإن أوصى موصي بثلث، أنفذ ذلك".
٩ - باب الوصايا لأناس شتى لبعضهم أفضل مما لبعض
م ٢٤١٦ - واختلفوا في الرجل يوصي لرجل بنصف ماله، وللآخر بالثلث.
فقال الحسن البصري، والنخعي، ومالك، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد: يضربان الثلث بخمسه، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان.
وقال النعمان وأبو ثور: يقسم الثلث بينهما نصفين.
وقال أبو ثور: إذا كان ما جاوز الثلث باطل، وكيف يضرب للموصي له بشيء هو باطل.
قال أبو بكر: قول أبي ثور صحيح.
١٠ - باب الوصية للقرابة
قال أبو بكر:
م ٢٤١٧ - واختلفوا في الرجل يوصي لقرابته.
فقالت طائفة: إذا قال: ثلثي لقرابتي، أو لذي رحمي، أو لرحمي، أو لأرحامي، [فسواء] (٢) من قبل الأب والأم، في أقربهم، وأبعدهم، وأغناهم، وأفقرهم سواء، لأنهم أعطوا باسم القرابة، كما أعطى من
стр. 1223
شهد القتال باسم الحضور، وإن كان من قبيلة أعطى بقرابته المعروفة عند العامة، هذا قول الشافعي.
وقال أبو ثور: الرجال والنساء فيه سواء كلهم، والخال مثل العم، فكل من لزمه اسم قرابة للميت فهو داخل في الوصية.
وقال أحمد وإسحاق: الذكر والأنثى فيه سواء.
وقال أحمد: إذا وصى لقرابته فهو مثل أن يوصي بثلث ماله لأهل بيته، ولكن لا يجاوز أربعة آباء.
وفيه قول ثالث: وهو أن ذوي قرابته كل ذي رحم محرم منه، فإن كان له عمان، أم خالان، وله ولد، فالثلث لعميه، لأنهما أقرب إليه من الخالين، وأدنى ما يكون من ذوي القرابة أبوان فصاعداً، ولو كان له عم واحد وخالان، كان للعم النصف، وللخالين النصف، وهذا قول النعمان.
وقال محمد ويعقوب: القرابة كل من كان له من ولد الأب، ومن قبل الأم إلى أقصى الآباء، الذين ينتسبون في الإِسلام كل ذي رحم محرم.
وقال مالك: يقسم على الأقرب فالأقرب على الإجتهاد.
وقال قتادة: للأعمام ثلثان، وللأخوال الثلث، وبه قال الحسن البصري قال: ويزاد الأقرب [١/ ٢٥٢/ب] فالأقرب بعض الزيادة.
١١ - باب الوصية لبني فلان
م ٢٤١٨ - واختلفوا في الرجل يوصي لبني فلان.
стр. 1224
فقالت طائفة: هم فيه سواء ذكرهم وأنثاهم، هذا قول الحسن البصري، والثوري، وإسحاق وأبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: الثلث للذكور من ولده دون الإناث.
قال أبو بكر:
م ٢٤١٩ - وإذا وصى بثلثه لولد الفلان، فالذكر والأنثى فيه سواء، هذا قول الحسن البصري، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وقال الثوري: إذا أوصى بثلثه لبني فلان، فإن كن بنات الصلب ليس معهن ذكر فليس لهم شيء.
م ٢٤٢٠ - وقال إسحاق: إذا قال: ثلثي لبنى فلان، فالإثنتان فما زاد، وإذا قال: لولد فلان، فالولد واحد فما زاد.
وقال عطاء، وأحمد، وإسحاق: إذا [[أوصى]] لبني فلان فليس لمواليهم شيء.
١٢ - باب الوصية لأرامل بني فلان
م ٢٤٢١ - كان الشعبي يقول: إذا أوصى لأرامل بني حنيفة، هو للرجال والنساء من كمرة (١) حنيفة، وبه قال إسحاق، وذكر أحدهما:
هذه (٢) الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر.
стр. 1225
وإذا قال: ثلث مالي في بني فلان (١)، فإن أبا ثور حكى عن الشافعي قولين، أحدهما: أنه يعطي منهم ثلاثة فصاعداً، والآخران (٢): لا يجوز.
قال أبو ثور: ومن أعطى منهم جاز.
وبه نقول، مثل أن يجعل ثلثه للمساكين، وهم لا يحصون.
وقال أصحاب الرأي: الوصية باطلة.
١٣ - باب وصية الرجل لمواليه
م ٢٤٢٢ - واختلفوا في الرجل يوصي لمواليه بثلثه، وله موالي من فوق، وموالي من أسفل.
فحكى أبو ثور عن الشافعي فيها أربعة أقاويل، قال قائل: هو بينهما نصفان، وقال قائل: يقرع بينهما، وقال قائل: يوقفه حتى يصطلحا، وقال قائل: الوصية باطلة.
وقال أبو ثور: يقرع بينهما.
وقال أصحاب الرأي: الوصية باطلة.
وقال ابن القاسم: هو للموالي الذين من أسفل.
стр. 1226
١٤ - باب وصية الرجل لأخوة له متفرقين
م ٢٤٢٣ - وإذا أوصى الرجل لستة أخوة متفرقين، وله ابن، وابنة، فإن مات فالوصية لهم جائزة، وهي بينهم أثلاثا.
م ٢٤٢٤ - فإن مات الابن قبل الأب، ثم مات الأب [١/ ٢٥٣/ألف] بطلت الوصية للأخوين للأب والأم، [[لأنهم]] صاروا ورثة مع الابنة، وكان ثلثا الثلث بين الأخوين للأب والأخوين للأم بالسواء، وهذا على قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
وبه نقول.
١٥ - باب وصية الرجل لجيرانه
م ٢٤٢٥ - واختلفوا في وصية الرجل لجيرانه، فكان الأوزاعي يقول: أربعين جاراً من كل ناحية، وقد حكى عن الشافعي هذا القول، وقال قتادة: الجار الدار والداران، وقال سعيد بن عمرو بن جعدة: من سمع الإقامة فهو جاره.
وقد روينا عن علي أنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قيل:
من جار المسجد؟ قال: من سمع النداء.
وحكى عن يعقوب أنه قال: إذا أوصى لفقراء جيرانه فالجيران أهل المحلة الذين يجمعهم محلة واحدة، أو يجمعهم مسجد واحد، فإن جمعهم محلة، وتفرقوا في مسجدين فهي محلة واحدة، بعد أن يكون المسجدان صغرين متقاربين، فإن تباعد ما بينهما وكان كل مسجد عظيما جامعا، فكان
стр. 1227
كل أهل مسجد جيران دون الآخرين، وأما الأمصار التي فيها القبائل فالجيران على الأفخاذ، وإن كان أهلها من قبائل شتى غير الفخذ التي فيها الدور [[تـ]] جمعهم، [[فهؤلاء]] جيران في الوصية.
١٦ - باب الوصية للفقراء والمساكين
م ٢٤٢٦ - واختلفوا فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء والمساكين.
فقالت طائفة: يعطى المساكين المتعففون الذين لا يسألون، وإن أعطى السؤال، ففيه سعة، وقال الشافعي: إذا قال: ثلث مالي في المساكين، فكل من لا كسب (١) له، ولا ملك داخل في هذا المعنى، وإذا قال: ثلث مالي للفقراء والمساكين، علمنا أنه أراد التمييز بين الفقر والمسكنة، والفقير من لا كسب له، ولا مال يقع منه موقعا، والمسكين من له مال، أو كسب يقع منه موقعا ولا يفي، وأقل ما يجزي أن يعطى من كل صنف ثلاثة.
وقال أبو ثور: المساكين كل من لم يكن له غني، أو مكتسب بما يقيمه، وقال أصحاب الرأي: يعطى إذا كان مسكينا، وله أن يأخذ ما لا يجب فيه الزكاة.
وقال النعمان، ومحمد: إذا أوصى بثلثه لفلان وللمساكين، فنصفه لفلان، ونصفه للمساكين.
стр. 1228
١٧ - باب الوصية في سبيل الله
م ٢٤٢٧ - واختلفوا فيمن أوصى بشيء يجعل في سبيل الله.
فقالت طائفة: وجه ذلك في الغزو، روينا هذا [١/ ٢٥٣/ب] القول عن أبي الدرداء، وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي.
وقد روينا عن ابن عمر أنه قال في امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله، يعطها في الحج، أما إنه من سبيل الله.
وقال مجاهد: كل خير عمله، فهو سبيل الله.
قال أبو بكر: بقول مالك أقول.
١٨ - باب الوصية في ابن السبيل
م ٢٤٢٨ - كان مالك يقول في المال يجعله الرجل في ابن السبيل قال: يعرفه في كل موضع في المسافرين والمحتاجين من بني السبيل، قال قتادة: ابن السبيل هو الضيف، والمسافر إذا قطع به، وليس له شيء.
وقد روينا عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: ابن السبيل هو المجتاز من أرض إلى أرض، وقال الشافعي: من يجيز أن الصدقة للذين أبيح لهم السفر في غير معصية، فيعجزون عن بلوغ سفرهم، إلا معونة على سفرهم.
стр. 1229
١٩ - باب من مات وقد وصى بحج وزكاة وغير ذلك
م ٢٤٢٩ - اختلف أهل العلم في الرجل يوصي بحج، وزكاة، وغير ذلك.
فقالت طائفة: يكون في حجة الإسلام من رأس المال، هكذا قال عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وطاووس، والزهري، والشافعي، وأحمد، كذلك في الزكاة من رأس المال.
وقال ابن المسيب، والحسن البصري: كل يأخذ من رأس المال، وبه قال الشافعي، وقال إسحاق: أوصى به أو لم يوص، هذا مذهب الشافعي.
وبه نقول استدلالا بسنة النبى حجة الإسلام بقضاء ديون الآدميين، فدل على ما قلناه، والله أعلم.
وقالت طائفة: في الزكاة، والنذور، والحج، إن كان أوصى فيها أخرجت من ثلث ماله، وحكمه حكم الوصايا، وإن لم يوص بذلك، فليس على ورثته إخراج ذلك من ماله، هذا مذهب حماد الكوفي، وداؤد بن أبي هند، وحميد الطويل، والبتى، وبه قال ابن سيرين، والنخعي في الزكاة، والحج، وهو قول الشعبي في الحج، وكفارة رمضان، وكفارة اليمين.
وقال الثوري كذلك في الحج، والزكاة، وقال الأوزاعي في الزكاة: يكون من الثلث، وكان مالك يقول في الوصية بالزكاة، والنذر: هو في ثلثه، مقدما على الوصايا.
стр. 1230
٢٠ - باب العتق في المرض وبعد الوفاة
الخبر الدال على أن حكم [١/ ٢٥٤/ألف] عتق البنات في المرض الذي يموت فيه المعتق حكم الوصايا، وإن ذلك من ثلث ماله الميت.
قال أبو بكر:
(ح ١٥٣٨) ثبت أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له قبل موته، لم يكن له مال غيرهم، فقال له: قولا شديدا، ثم دعاهم فجزاهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، ورد أربعة في الرق.
م ٢٤٣٠ - وقد اختلف أهل العلم في الرجل يعتق جميع رقيقه في مرضه، لا مال له غيره، فقال بظاهر هذه الأخبار عمر بن عبد العزيز، وإبان بن عثمان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول ثان: وهو أن يعتق من كل واحد منهم الثلث، ويستسعى في الثلثين روينا هذا القول عن الشعبى، والنخعي، وقال الحسن مثله إذا لم يكن عليه دين، وقال النعمان: يعتق من كل واحد منهم ثلثه إذا كانوا ثلاثة، ويسعى في ثلثي قيمته للورثة، وحكمه ما دام يسعى حكم المكاتب، وقال يعقوب، ومحمد: هو حر، وثلثا قيمتهم دين عليهم، يسعون فيه، حتى يردوه إلى الورثة.
قال أبو بكر: بما ثبت عن رسول الله- ﷺ أقول.