الذي يجن أحياناً، والسفيه تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون ما يوصون".
٦١ - باب وصية الذمي
م ٢٥١٢ - أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم على أن وصية الذمي للمسلم (١) بما يجوز ملكه جائزة.
م ٢٥١٣ - واختلفوا في غير ذلك من وصاياهم، فقال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا أوصى النصراني بأكثر من ثلث ماله، فجاءنا ورثته، أبطلنا ما جاوز الثلث منهما.
م ٢٥١٤ - واختلفوا في وصية النصراني بثلث ماله، فيما لا يجوز من بناء كنيسة، أو العمارة لها فكان الشافعي، وأبو ثور يقولان: لا يجوز ذلك.
وقال أصحاب الرأي: نجيزه.
م ٢٥١٥ - وإن أوصى بأرض له أن تبنى كنيسة، أو بيعه، جاز ذلك في قول النعمان.
ولا يجوز في قول الشافعي، ويعقوب، ومحمد.
م ٢٥١٦ - ولو أوصى أن يشترى بها خنازيراً، أو خمراً يتصدق بها، أو أوصى بخنازير أبطلنا الوصية، وهذا قول أبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: يجوز أن يوصي بذلك لأهل الذمة.
стр. 1262
م ٢٥١٧ - ووصية المسلم للذمي جائزة في قول مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقد روينا إجازة ذلك عن جماعة منهم شريح، والشعبي، وعطاء، وابن سيرين.
وقال ابن الحنفية، وعطاء، وقتادة في قوله: ﴿ِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ الآية قالوا: في جواز وصية المسلم لليهودي، والنصراني.
م ٢٥١٨ - فإذا دخل رجل من أهل الحرب، فأوصى بماله كله لرجل من المسلمين كان الثلث جائزاً، ويكون الباقي في بيت المال على مذهب الشافعي.
وبه نقول.
وقال أصحاب الرأي: ذلك جائز من قبل أن حكمنا لا يجزي على ورثته.
قال أبو بكر:
م ٢٥١٩ - وليس للمكاتبين [١/ ٢٦٣/ألف] وأمهات الأولاد أن يوصوا في شيء مما بأيديهم، إلا بإذن ساداتهم، هذا قول الشافعي في المكاتب والعبد، وبه قال أصحاب الرأي، وقال أبو ثور ويعقوب ومحمد مثله.
م ٢٥٢٠ - وقال أبو ثور: إذا أوصى العبد فقال: إذا أعتقت، ثم مت فثلثي لفلان، كان ذلك جائزاً، وكذلك المكاتب، والمدبر.
وقال النعمان في العبد، والمكاتب: إذا مات بعد أن قال: إذا من فلفلان ثلثي، ثم عتق، ثم أصاب مالا تجوز وصيته.
стр. 1263
٦٢ - باب ما يكون رجوعاً في الوصية ولا يكون
م ٢٥٢١ - أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا أوصى لرجل بطعام فأكله، أو بجارية فباعها، أو نسي ما كان فأبلغه، أو وهبه، أو تصدق به، أن ذلك كله رجوع، وكذلك لو كانت جارية فأحبلها، وأولدها، إن ذلك رجوع.
م ٢٥٢٢ - واختلفوا في الرجل يوصي للرجل بثوب فتقطعه، أو بقطن فيأمر بغزله أو بفضة فصاغها، ففي قول أبي ثور: لا يكون ذلك رجوعاً.
وقال أصحاب الرأي: ذلك كله رجوع.
م ٢٥٢٣ - وقال أصحاب الرأي: إذا أوصى بثوب فغسله، أو بدار فحصصها، أو بدار فهدمها فليس هذا رجوعاً في الوصية.
م ٢٥٢٤ - واختلفوا في الرجل يوصي للرجل بالثوب، أو عبد، ثم باعه، ثم اشتراه، فقال أبو ثور: خروجهما من يديه إبطالاً للوصية.
وقال أصحاب الرأي: وصيته ثابتة للموصى له.
م ٢٥٢٦ - وقال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا أوصى بعبد له، ثم أوصى بذلك العبد لرجل آخر، أن العبد بينهما نصفان.
م ٢٥٢٦ - وإذا أوصى بعبد لرجل، ثم قال: العبد الذي أوصيت [[به]] لفلان هو لفلان، كان هذا رجوعاً، والعبد للآخر منهما في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
стр. 1264
٦٣ - باب الدخول في الوصايا
م ٢٥٢٧ - روينا عن أبي عبيد أنه لما عبر الفرات، أوصى إلى عمر بن الخطاب، وروينا أن عثمان، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وعبد الرحمن، ومطيع بن الأسود، أوصوا إلى الزبير بن العوام، وأوصى إلى ابن الزبير ستة.
وقد روينا عن عمر أنه كان أوصى لرجل، والأخبار عن الأوائل في هذا الباب تكثر.
٦٤ - باب الرجوع فيما يوصي به المرء
م ٢٥٢٨ - أجمع عوام أهل العلم على أن للرجل أن يرجع في جميع ما يوصي [١/ ٢٦٣/ب] به إلا العتق.
م ٢٥٢٩ - فإنهم اختلفوا فيه، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: يغير الرجل ما شاء من الوصية، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وأبو الشعثاء، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، إلا المدنيين في قول مالك.
وقالت طائفة: يغير الرجل ما شاء من وصية إلا العتاقة، كذلك قال الشعبى، وابن شبرمة، وابن سيرين، والنخعي، وكان الثوري يقول: وكل صاحب وصية له أن يرجع في وصيته، ويغرها، ويبدلها، ويرجع فيها، وينقضها ما دام حياً، إلا العتاقة قال: وإن
стр. 1265
قال: إن مت من مرضي هذا، فليس له أن يغيرها إن مات من مرضه، وإن صح فليس له أن يغيرها.
وقال النعمان: يرجع في ذلك كله إلا التدبير كما قال مالك.
قال أبو بكر: له أن يرجع في ذلك كله.
٦٥ - باب ما يفعله الأوصياء في أموال اليتامى
قال الله جل وعز: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية.
م ٢٥٣٠ - واختلف أهل العلم فيما يأخذ الوصي من مال اليتيم.
فقالت (١) طائفة: للموصي أن يأخذ من مال اليتيم بالمعروف، واحتجوا بظاهر هذه الآية، وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: يأكل الفقير من مال اليتيم بقدر قيامه على ماله " ما لم يسرف أن يبذّر، وقالت عائشة: يأكل من مال اليتيم إذا كان يقوم على ماله، وذكرت قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وروينا عن عطاء، والحسن، والنخعي، أنهم قالوا: يأكل ولا يقضي، وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق: يأكل بالمعروف إذا كان يقوم بماله كما قال ابن عباس.
وقالت طائفة: يأكل ويقضي هذا قول عطاء بن أبي رباح، وعبيدة
стр. 1266
السلماني، وسعيد بن جبير، وقال مجاهد، وأبو العالية، وسعيد بن جبير في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية هو الفرض.
وفيه قول ثان: روينا عن ابن عباس أنه قال: فليأكل بالمعروف من ماله حتى لا يفضي إلى مال الميت، وبه قال الحكم بن عتيبة، وقد ثبت أن ابن عمر كان يستسلف مال اليتيم ليحرزه من الهلاك، ويؤدّي زكاته من أموالهم، ورخص فيه مجاهد، والأوزاعي، والليث بن سعد.
وفيه قول ثالث: وهو أن يستقرض إن كان أبوهم أوصى إليه، وإن كان الحاكم [١/ ٢٦٤/ألف] جعله وصياً، لم يستقرض، هذا قول الحسن بن صالح.
٦٦ - باب التجارة بمال اليتيم ودفعه مضاربة
٢ - واختلفوا في التجارة بمال اليتيم.
فرخصت في ذلك عائشة، والنخعي، وقال مجاهد: إن تاجرت فربحت فالربح له، وإن ضاع ضمنته.
م ٢٥٣٢ - واختلفوا في أخذ الوصي مال اليتيم مضاربة لنفسه.
فرخص فيه الحسن بن صالح، وإسحاق.
وأبي ذلك أحمد بن حنبل وقال: لا، وقال: إن ربح فلليتيم الربح.
م ٢٥٣٣ - واختلفوا في دفع الوصي مال اليتيم مضاربة.
فرخص فيه ابن عمر، والنخعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، والحسن بن صالح.
وكره ذلك الحسن البصري، وهذا الباب مذكور في كتاب البيوع.
стр. 1267
٦٧ - باب بلوغ الرشد الذي يجب له دفع المال إلى اليتيم
قال الله جل ثناءه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية، فقيل في قوله ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: اختبروا، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: الحلم، وقوله: ﴿آنَسْتُم﴾ قيل: عرفتم، وقيل: أحسستم.
م ٢٥٣٤ - واختلفوا في معنى الرشد الذي يجب بوجوده في اليتيم دفع المال إليه.
فكان ابن عباس يقول: إذا أدرك بحلم، وعقل، ووقار دفع إليه ماله، وقال مجاهد في معنى الرشد: إنه العقل.
وقال الحسن البصري، والشافعي: إذا بلغ صالحاً في دينه، حافظاً لماله، وقال ابن جريج: صلاحاً وعلماً بما يصلحه.
قال أبو بكر: وقد منع الله من دفع مال اليتيم إليه حتى يونس منه الرشد، وقد اتفقوا على دفع ماله إليه إذا بلغ النكاح، وكان صالحاً في دينه، مصلحاً لماله، واختلفوا في دفع ماله إليه على غير ذلك، ولا يجوز إطلاق المال بعد المنع إلا بحجة، وكلما أبيح خصلتين، لم يجز إطلاقه إذا انفردت إحدى الخصلتين، وقال: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ الآية.
стр. 1268
(ح ١٠٤٣) وقال النبي- ﷺ : "لا حتى تذوقي العُسيلة".
ولا يجوز لها الرجوع إلى الزوج الأول إلا بالنكاح والدخول.
وبه أقول إن شاء الله تعالى.
٦٨ - باب الوصي يوصي إلى آخر
م ٢٥٣٥ - واختلفوا في الوصي [١/ ٢٦٤/ب] يحضره الوفاة، فيوصي إلى آخر.
فقالت طائفة: لا يكون الوصي وصياً للميت الأول، هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال الأوزاعي في هذا: يصير إلى القاضي فيولي عليه.
وقال الشافعي، وأحمد: وإن كان الموصي قد جعل الموصى إذا حضرته الوفاة أن يوصي بوصيته إلى من رأى، فله أن يوصي بذلك إلى من رأى.
وأجازت ذلك طائفة: وممن أجاز ذلك مالك، والثوري، والنعمان، ويعقوب.
٦٩ - باب بيع الوصي العقارعلى الورثة
م ٢٥٣٦ - اختلف أهل العلم في بيع الوصي العقار على الورثة.
فأجاز بيع الوصي ذلك على الصغار والكبار طائفة هذا قول النعمان.
وقال الثوري، وأحمد، وإسحاق: الوصي بمنزلة الأب يبيع إذا رأى الصلاح، وقال ابن أبي ليلى: يبيع العقار على الصغار والكبار، إذا باع
стр. 1269
ذلك مما لا بد منه.
وقال يعقوب، ومحمد: إذا لم يكن عليه دين، ولم يوص بوصية، فليس للموصي أن يبيع حصة الكبار من العقار، وله أن يبيع حصة الصغار في قولهما، كل شيء للوصي أن يبيع فيه العقار فله أن يبيع، ما سوى ذلك من الحيوان والعروض.
وقال الشافعي في بيع الوصي العقار على الكبار: باطل، وما باع على الصغار فيما لا صلاح لمعاشهم إلا به، وكان بيع غبطة فهو جائز، وإن كان على غير ذلك كان مردوداً.
٧٠ - باب الوصيين يختلفان عند من يكون المال
م ٢٥٣٧ - واختلفوا في الوصيين يختلفان عند من يكون المال.
فقال مالك: يكون عند أعدلهما.
وقال أصحاب الرأي: يكون عند كل واحد منهما نصفه، وإن أحبا استودعاه رجلاً، وإن أحبا كان عند أحدهما.
٧١ - باب قسم الوصي المال بين الورثة والموصي له
م ٢٥٣٨ - كان النعمان يقول: مقاسمة الوصي الموصى له بالثلث على الورثة جائزة، ومقاسمة الورثة الموصي عن الموصي له لا يجوز، ولا يجوز قسمة الوصي بين الأصاغر.
وقال أصحاب الرأي: إذا قاسم الوصي الورثة، وأهل الوصية غيب، وأعطى أهل الوصية فهلك الثلثان من يدي الوصي، لم يكن
стр. 1270
للورثة أن يرجعوا على أهل الوصية بشيء؛ لأن الوصي وصى للوارث، وليس للموصى له.
وقال أبو ثور كما قال النعمان في قسم الوصي المال بين الصغار، وقال: وإذا كان فيهم كبار [١/ ٢٦٥/ألف] جازت قسمته، وذلك أنه يقاسم الكبار والصغار.
وكان الحسن بن صالح يرى أن يقسم الوصي مال اليتامى على الصغير، ولا يقسم على الكبير الغائب.
٧٢ - باب الوصي يتغير حاله
قال أبو بكر:
م ٢٥٣٩ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصي إذا كان ثقة أميناً غير مضيع، أن نزع المال من يده غير جائز.
م ٢٥٤٠ - واختلفوا في الوصي يكون أميناً فيتهم.
فقالت طائفة: إن اتهم جعل معه غيره، كذلك قال الحسن، وابن سيرين، وأحمد.
وقالت طائفة: توزع منه الوصية إذ اتهم، كذلك قال الثوري، وإسحاق.
وقال الشافعي: إذا كان أميناً ضعيفاً ضم إليه آخر، فإن ضعف عن الأمانة أخرج بكل حال.
وقال يعقوب: إن كان ثقة وهو ضعيف أدخل معه غيره.
стр. 1271
٧٣ - باب الوصيين يبيع أحدهما دون الآخر
م ٢٥٤١ - واختلفوا في الوصيين يبيع أحدهما دون الآخر.
فقالت طائفة: لا يجوز، كذلك قال مالك، والنعمان، ومحمد وهو قياس قول الشافعي، وقال يعقوب: ذلك جائز.
م ٢٥٤٢ - وقال النعمان: إذا اشترى أحدهما طعاماً للورثة، أو كسوة، أو كفن الميت، فذلك جائز.
ولا يجوز عند الشافعي أن يفعل أحدهما شيئاً من بيع ولا شرى، إلا من صاحبه.
مسألة
م ٢٥٤٣ - وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الأب يقوم في مال ولده الطفل، وفي مصالحه، إذا كان ثقة أميناً، وليس للحاكم منعه من ذلك.
م ٢٥٤٤ - وقياس قول الشافعي، والكوفي: أن الجد أب الأب يقوم في ذلك مقام الأب.
٧٤ - باب جامع الوصايا
قال أبو بكر:
م ٢٥٤٥ - وإذا اشترى الوصي للأيتام طعاماً أو كسوة من مال نفسه، ليرجع به
стр. 1272
في مال اليتيم، فله أن يرجع في قول النعمان وأصحابه، وأبي ثور، ما لم يمنعه وارث، فإن منعه وارث، رجع مان من ذلك ببينة.
وفي مذهب الشافعي لا يرجع بشيء، وهو متطوع بما فضل.
م ٢٥٤٦ - وإذا بلغ الأيتام فقال الوصي: قد دفعت إليهم أموالهم، فإنه يقيم الوصي البينة، فإن أقام الوصي البينة، وإلا عزم في قول مالك، والشافعي.
م ٢٥٤٧ - واختلفوا في الرجل يأمر في وصيته أن يضع الوصي ماله حيث شاء.
فكان مالك بن أنس يقول: يجعل في سبيل الخير، ولا يأكله.
وقال أبو ثور: وإذا قال: يضعه فلان حيث [١/ ٢٥٦/ب] أحب كان له أن يضعه حيث أحب لنفسه، وولده، ولمن شاء وإن جعله لبعض ورثة الميت كان ذلك جائزاً، وبه قال أصحاب الرأي كما قال أبو ثور، غير أنهم قالوا: ليس له أن يجعله لأحد من ورثة الميت.
م ٢٥٤٩ - وقال الشافعي: إن جعل إليه أن يجعله حيث أراه الله فليس له أن يأخذ لنفسه منه شيئاً، ولا يعطيه وارثاً للميت، وليس له أن يضعه فيما ليس للميت فيه نظر، ويسلك فيه سبل الخير.
م ٢٥٤٩ - وقال الثوري: إذا باع الرجل بيعاً في مرضه، فأرخص فيه على صاحبه، ففصل البيع إن مات، هو وصيه، وكذلك قال الأوزاعي، والحسن بن صالح، وهو يشبه مذهب الشافعي.
٧٥ - باب صدقة التطوع والعتق عن الموتى
م ٢٥٥٠ - ثبت أن عائشة أم المؤمنين أعتقت عن أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر
стр. 1273
عبداً، وروينا عنها أنها أعتقت عنه بعدما مات، وكان طاؤوس يعجبه صدقة الحي عن الميت.
وقال الشافعي: يلحق الميت عن فعل غيره وعمله ثلاث: حج يؤد عنه، ومال يتصدق به عنه، أو يقضي، أو دعاء.
قال أبو بكر: الأخبار دالة عن رسول الله- ﷺ على إجازة الصدقة عن الموتى.
(ح ١٠٤٤) ثبت أن امرأة قالت: يا رسول الله- ﷺ ! إن أمي اقتتلت نفسها، وأظنها لو تكلمت لصدقت، هل لي من أجر إن تصدقت عنها؟
قال: نعم.
(ح ١٠٤٥) روينا عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله- ﷺ ! إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء.
(ح ١٠٤٦) وروينا عنه أنه قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
م ٢٥٥١ - وممن كان يجيز الحج التطوع عن الميت الأوزاعي، وأحمد.
وللشافعي فيها قولان: أحدهما أنه جائز، والآخر المنع منه.
стр. 1274
٧٦ - باب إعطاء من يحضر قسم الميراث من تركة الميت
م ٢٥٥٢ - اختلف أهل العلم في القوم يحضرون قسم الميراث.
فقالت طائفة: يستعمل ظاهر قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ الآية، كما فعل أبو موسى الأشعري وقضى بها، وفعل ذلك عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فذكر ذلك لعائشة فقالت: عمل بالكتاب [١/ ٢٦٦/ألف]. . . . . . (١)
стр. 1275
انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله كتاب النكاح
стр. 1276
الإشراف
على مذاهب العلماء
لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر
النيسابوري ٣١٨هـ
المجلد الخامس
حققه وقدم له وخرج أحاديثه
د. أبو حامد صغير أحمد الأنصاري
стр. 1277
الإشراف
على مذاهب العلماء
стр. 1278
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م
الناشر
مكتبة مكة الثقافية
هاتف: ٢٣٦١٨٣٥ - ٧ - ٠٠٩٧١
فاكس: ٢٣٦٢٨٣٦ - ٧ - ٠٠٩٧١
ص. ب. ٢٣٢٦
رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة
стр. 1279
ـ[الرموز والمصطلحات التي استعملت في الدراسة والتحقيق:]ـ
لقد استعملت خلال ترجمة ابن المنذر، ودراسة الكتاب، وفي تحقيق الكتاب رموزاً ومصطلحات للاختصار والتسهيل، وهي ليست بجديدة إلا البعض، وقد يتبادر الذهن إلى الأصول في أول نظرة، لأن معظمها قد تستعمل في كثير من الكتب المحققة، وهي كالتالي:
١ - حرف "ح" قبل الرقم إشارة إلى الحديث النبوي.
٢ - حرف "م" قبل الرقم إشارة إلى المسألة الفقهية، سواء كانت مجمعا عليها أو مختلفا فيها.
٣ - "الأصل" إشارة إلى النسخة الخطية من كتاب الإشراف.
٤ - "ألف" إشارة إلى اللوحة الأولى من الورقة من المخطوطة المصورة.
٥ - "ب" إشارة إلى اللوحة الثانية من الورقة من المخطوطة المصورة.
٦ - وكذلك اختصرت أسماء الكتب ومؤلفيها عند ذكرها في الدراسة والتحقيق، وهي كالتالي:
بق: البيهقي في السنن الكبرى.
طف: ابن جرير الطبري في تفسيره.
ت: الترمذي في جامعه.
عب: عبد الرزاق في المصنف.
جه: ابن ماجه في سننه.
قط: الدارقطنى في السنن.
حم: أحمد بن حنبل في مسنده.
م: مسلم بن الحجاج في الصحيح.
خ: البخاري في الصحيح.
مط: مالك بن أنس في الموطأ.
د: أبو داود في السنن.
مي: الدارمي في السنن.
شب: ابن أبي شيبة في المصنف.
ن: النسائي في السنن.
ط: طبقات.
стр. 1280
٥١ - كتاب النكاح
١ - باب التحذير من فتنة النساء والحث على النكاح والترغيب فيه لمن قدرعليه
أخبرنا أبو بكر محمد بن ابراهيم بن المنذر قال:
(ح ١٠٤٧) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "ما تركت بعدي في الناس فتنة
أضر على الرجال من النساء.
(ح ١٠٤٨) وثبت عنه ﷺ أنه قال: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".
٢ - باب مناكحة الأكفاء وما عليه أمر الناس
ثبت عن عائشة أنها قالت إن أبا حذيفة بن عتبة تبنى سالماً
стр. 1281
وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار.
(ح ١٠٤٩) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال لفاطمة بنت قيس: "أنكحي أسامة، قالت: فنكحت فجعل الله فيه خيراً واغتبطت به".
قال أبو بكر:
م ٢٥٥٧ - واختلفوا في باب الكفاءة.
فقالت طائفة: الكفاءة في الدين، وأهل الإسلام بعضهم أكفاء ببعض كذلك قال مالك، وسئل مالك عن نكاح المولى من العرب، فقال: لا بأس، ألا ترى إلى ما في كتاب الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية.
وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: ما بقي شيء من أمر الجاهلية، غير أني لست أبالي أي المسلمين نكحت، وأيهم أنكحت.
وعن ابن مسعود أنه قال لأخته: أنشدك الله أن تزوجين إلا مسلماً ولو كان أحمراً رومياً، أو أسود حبشياً، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، وحمّاد بن أبي سليمان، وبه قال عبيد الله بن عمير، وابن سيرين، وابن عون.
وحكى البوطي عن الشافعي أنه قال: الكفؤ هو في الدين.
стр. 1282
(ح ١٠٥٠) وقد ثبت أن نبي الله قال: "تنكح المرأة لأربع، لمالها ولجمالها، ولحسبها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".
وفيه قول ثان: وهو أن العربية لا تزوج من المولى، وكان الثوري يرى التفريق إذا نكح [٢/ ٢/ب] المولى عربية ويشدد فيه، وبه قال أحمد، وقال: يفرق بينهما وقال أصحاب الرأي: قريش بعضها أكفاء لبعض، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، فإذا [[زوجت]] المرأة نفسها من غير كفء فللأولياء أن يفرقوا بينهما، ولا يكون ذلك إلا عند القاضي، ولا يكون أحد من العرب بكفؤ لقريش، ولا يكون أحد من الموالي بكفؤ للعرب.
٣ - باب اباحة النظر إلى المرأة قبل الخطبة إذا أراد خطبتها
قال أبو بكر:
(ح ١٠٥١) روينا عن النبي- ﷺ أنه رخص في النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل نكاحها.
стр. 1283
م ٢٥٥٨ - ورخص في ذلك الأوزاعي قال: ينظر إليها، ويجتهد، وينظر إلى مواضع اللحم، وقال الثوري: لا بأس أن ينظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها إلى وجهها وهي مستترة بثيابها.
وقال الشافعي، ينظر إلى وجهها وكفيها، وقال أحمد: لا بأس به ما لم [[يرى منها]] محرماً، وبه قال إسحاق.
٤ - باب إباحة التعريض بالخطبة للمرأة في العدة
قال الله جل ذكره: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية.
(ح ١٠٥٢) وروينا عن النبي- ﷺ أنه قال لفاطمة بنت قيس: "انتقلي إلى أم شريك ولا [[تسبقيني]] بنفسك".
م ٢٥٥٩ - وكان ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية، قال: يقول: بأني فيك لراغب، ولوددت أني تزوجتك.
وممن رخص في مثل قوله: إنك لجميلة، وإنك لحسناء، إنك لنافقة، إنك إلى خير مجاهد، وبمعناه قال الثوري، والأوزاعي: وألفاظهم ومعانيهم في ذلك قريبة بعضها من بعض.
стр. 1284
م ٢٥٦٠ - واختلفوا في الرجل يخطب المرأة في العدة، جاهل بذلك ويسمى الصداق ويواعدها فكان مالك يقول: فراقها أحب إلي، دخل بها أم لا يدخل ويكون تطليقة واحدة، ثم يدعها حتى تحل ويخطبها.
قال الشافعي: وإن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة، ولم يعقد النكاح في الحالين، [٢/ ٣/ألف] حتى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت، والتصريح لهما مكروه.
٥ - باب اختطاب النساء وعقد نكاحهن
(ح ١٠٥٣) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
(ح ١٠٥٤) وفي بعض الأخبار عن النبي ﷺ أنه نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك.
م ٢٥٦١ - وقد اختلف في هذا فكان مالك يقول: تفسير قول النبي ﷺ يخطب أحدكم على خطبة أخيه" أن يخطب الرجل المرأة، فتركن إليه ويتفقان على صداق معلوم، فتراضيا عليه، وهي تشترط لنفسها، فتلك الحال التي نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، وبنحو قول مالك قال يحيى الأنصاري، والشافعي، وأبو عبيد.
стр. 1285
واحتج الشافعي، وأبو عبيد:
(ح ١٠٥٥) بحديث فاطمة بنت قيس، أن زوجها طلقها فقال لها النبي- ﷺ : إذا حللت فأذنيني، فلما حلت أخبرته أن معاوية، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله- ﷺ : أما معاوية فصعلوك لا ماله له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه أنكحي أسامة، قالت: فكرهته وقال: أنكحي أسامة، فنكحته فجعل الله فيه خيراً، فاغتطبت به".
وقال الشافعي: كان بيناً أن الحال التي يخطب فيها رسول الله ﷺ فاطمة على أسامة، غير الحال التي نهى عن الخطبة فيها.
م ٢٥٦٢ - وقد اختلفوا في عقد نكاح من خطب على خطبة أخيه في الحال المنهي عنه، فكان مالك يقول: إن لم يكن دخل عليها، فرق بينهما، وإن كان دخل مضى النكاح وبئس ما صنع.
وقال الشافعي: هي معصية يستغفر الله منها، فإن تزوجت بتلك الحال فالنكاح ثابت بعد الخطبة.
قال أبو بكر: هكذا أقول، لأن النكاح لا يخلو من أحد معنيين، إما أن يكون انعقد فلا معنى للتفريق بين زوجين قد انعقد فلا بغير حجة، أو لا يكون انعقد، فغير جائز أن تصير امرأة ليست بزوجة بالوطئ زوجة [٢/ ٣/ب].
стр. 1286
٦ - باب الخطب عند النكاح
(ح ١٠٥٦) روينا عن النبي- ﷺ أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع".
(ح ١٠٥٧) وروينا عنه ﷺ أنه قال: "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء".
(ح ١٠٥٨) وثبت عن ابن مسعود أنه قال: علمنا رسول الله- ﷺ خطبة الحاجة، الحمد لله، نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ هذه الآيات (١) الثلاث: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ الآية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ
стр. 1287
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الآية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الآية.
قال أبو بكر:
م ٢٥٦٣ - ما أحب ترك هذه الخطبة عند النكاح، فإن اختصر على بعضها أو زاد عليها، أو تركها وعقد النكاح، فالنكاح جائز وقد روينا عن ابن عمر أنه عقد نكاحاً فما زاد على أن قال: قد أنكحتك على أن تمسك بمعروف أو تسرح بإحسان.
وروينا عنه أنه قال: نحمد الله تعالى، ونصلي على النبي، وقد أنكحتك على ما أمر الله ﵎، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقد روينا عن الحسين بن علي أنه زوج بعض بنات الحسن وهو يتعرق العرق.
ولا أعلم أحداً من أهل العلم أفسد نكاحاً، ترك المعاقد الخطبة عنه.
стр. 1288
٧ - باب النشر والنهاب في النكاح وغيره
م ٢٥٦٤ - واختلفوا في القوم ينشرون السكر، واللوز، وما أشبه ذلك وقت النكاح، فكره ذلك قوم، وممن روي عنه أنه كره أبو مسعود البدري، وعكرمة، وابن سيرين، وعطاء، وعبد الله بن يزيد الخطمي.
ورخص فيه الحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وأبو عبيد.
قال أبو بكر: [٢/ ٤/ألف] وبه نقول.
(ح ١٠٥٩) لأن النبي ﷺ لما نحر البدن فإنه قال: "من شاء اقتطع".
وأباح الأخذ من لحومهن، وكذلك إذا أباح لهم مالك اللوز، والسكر فلهم أخذ ذلك.
جماع أبواب نكاح الأولياء
٨ - باب إبطال النكاح بغير ولي
قال أبو بكر:
(ح ١٠٦٠) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال:
"لا نكاح إلا بولي".
стр. 1289
م ٢٥٦٥ - واختلف أهل العلم في النكاح بغير ولي.
فقال كثير من أهل العلم: لا نكاح إلا بولي، روي هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، والشافعي، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.
وفيه قول ثان: وهو أن الولي والسلطان إذا أجازه جاز، وإن عقد بغير ولي، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وابن سيرين، والقاسم بن محمد، والحسن بن صالح، وإسحاق، وأبي يوسف.
وفيه قول ثالث: وهو أنها إذا تزوجت بغير إذن وليها كفواً لها، جائز، كذلك قال الشعبي، والزهري.
وفيه قول رابع: وهو قول من فرق بين المسكينة، والمعتقة، ومن كل امرأة لها قدر وغنى، وكان مالك يقول: إذا لم يكن لها خطب فلا بأس أن تستخلف على نفسها من يزوجها، فأما كل امرأة لها قدر وغنى، فلا ينبغي لها أن يزوجها إلا الأولياء أو السلطان.
وفيه قول خامس: وهو أن البكر أو الثيب إذا زوجت نفسها بشاهدين وهو كفء فهو جائز، هذا قول النعمان.
وقال محمد: إن زوجت بغير إذن ولي، فالنكاح موقوف حتى يجيزه القاضي أو الولي.
стр. 1290
قال أبو بكر: أما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر وغنى، فغير جائز؛ لأن النبي- ﷺ قد ساوى بين أحكامهن في الدماء فقال:
(ح ١٠٦١) "المسلمون تكافؤ دماؤهم".
وإذا كانوا في الدماء سواء، فهم في غير ذلك شيء واحد.
وأما ما قال النعمان، فمخالف للسنة، خارج [٢/ ٤/ب] عن قول أكثر أهل العلم، وبالخبر عن رسول الله- ﷺ نقول: ويدل قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الآية، على أن للولي منع المرأة من نفسها.
(ح ١٠٦٢) لأن النبي- ﷺ ، لما أنزل الله تعالى هذه الآية دعا معقلاً حتى زوج
أخته من الرجل الذي خطبها.
م ٢٥٦٦ - واختلفوا في الولي، فقالت طائفة: الأولياء العصبة، هكذا قال مالك، والليث بن سعد، والثوري، والشافعي.
وخالفهم أبو ثور وقال: كل من لزمه اسم ولي، يعقد النكاح، وبه قال محمد بن الحسن.
стр. 1291
٩ - باب استئمار الأولياء النساء الثيبات، واستئذان الأبكارعند النكاح
(ح ١٠٦٣) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: وكيف إذنها يا رسول الله- ﷺ قال: الصمت".
قال أبو بكر: ودل هذا الحديث على أن البكر الذي أمرنا باستئذانها، البالغ إذ لا معنى لاستئذان من لا إذن لها من الصغار، إذ سكوتها وسخطها سواء.
م ٢٥٦٧ - واختلفوا في البكر البالغ يعقد عليها أبوها النكاح بغير إذنها.
فقالت طائفة: نكاحه إياها جائز، كذلك قال مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وأبطلت طائفة نكاحها فقالت: لا يجوز للأب أن يزوج البالغ البكر والثيب إلا بإذنها هذا قول الأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
وبه نقول.
وذلك لأن النبي- ﷺ قال قولاً عاماً: "لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر".
وكل من عقد نكاحاً على غير ما سنه الرسول ﷺ فباطل لأنه الحجة على الخلق، فليس لأحد أن يستثني من السنة إلا بسنة مثلها، فلما ثبت أن أبا بكر الصديق زوج عائشة من رسول الله- ﷺ وهي
стр. 1292
صغيرة، لا أمر لها في نفسها، كان عقد الأب على البكر الصغيرة وهي لا أمر لها في نفسها جائز، وكان ذلك مستثنى من قول رسول الله- ﷺ : لا تنكح البكر حتى تستأذن".
(ح ١٠٦٤) وقد روينا عن ابن عباس [٢/ ٥/ألف] بكراً زوّجها أبوها وهي كارهة، فأتت النبي- ﷺ ، ففرق بينهما.
م ٢٥٦٨ - واختلفوا في الولي غير الأب يزوج البكر البالغ، فتقول: زوجني بغير إذني، وقال الزوج: بل قد أذنت، ففي قول الشافعي، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد: تستخلف فإذا حلفت بطل النكاح، وفي قول النعمان: لا يمين عليها.
م ٢٥٦٩ - فإن لم تحلف ففي قول الشافعي، وأبي ثور: يحلف الزوج، ويثبت النكاح، وفي قول يعقوب ومحمد، يلزمها النكاح إذا نكلت.
١٠ - باب صفة إذن الثيب والبكر
(ح ١٠٦٥) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال في البكر: "سكوتها رضاءها".
م ٢٥٧٠ - وممن قال بأن إذنها صماتها شريح والشعبي، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، والنعمان.
стр. 1293
وقال الثوري، وأحمد، وإسحاق في الثيب إذا زوجت، فضحكت أو بكت أو سكتت فلا يجوز حتى تتكلم.
وقال أبو ثور: لا يكون إذن الثيب إلا بكلام.
قال أبو بكر: وكذلك نقول، وإذن البكر صماتها إذا عرفت قبل أن تستأذن إذنها صماتها، فإذا عرفت ذلك لزمها إذا استؤذنت فصمتت.
١١ - باب إبطال نكاح الثيب تزوج بغير رضاها
م ٢٥٧١ - أجمع عوام أهل العلم أن نكاح الأب ابنته الثيب بغير رضاها لا يجوز، هذا قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وإسحاق، وأبي ثور.
(ح ١٠٦٦) وجاء الحديث عن خنساء بنت [[خذام]] أن أباها [[زوجها]] وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي- ﷺ ، فرد نكاحها.
م ٢٥٧٢ - وقد روينا عن الحسن البصري أنه قال: نكاح الأب جائز على ابنته بكراً كانت أم ثيباً، كرهت أم لم تكره.
وقال النخعي: يزوج الرجل ابنته، إذا كانت في عياله ولا يستأمرها، فإذا كانت بائتة في بيتها مع عيالها، استأمرها.
قال أبو بكر: وبالقول (الأول) (١) أقول لحديث خنساء.
стр. 1294
(ح ١٠٦٧) وللثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر".
دخل في ذلك جميع الأولياء الآباء وغيرهم، إلا الصغيرة التي لا أمر لها في نفسها فإنها مخصوصة بالسنة.
١٢ - باب نكاح الأب بنته الصغيرة البكر
(ح ١٠٦٨) ثبت أن أبا بكر زوج عائشة [[من]] رسول الله- ﷺ ، وهي إذ ذاك بنت سبع سنين.
م ٢٥٧٣ - وأجمع أهل العلم على أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز، إذ زوجها من كفؤ، هذا قول مالك، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، [٢/ ٥/ب] وعبيد الله بن الحسن، والشافعي،
وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وحجتهم في ذلك حديث عائشة.
وبه نقول.
م ٢٥٧٤ - واختلفوا في إنكاح سائر الأولياء، اليتيمة الصغيرة، فكان مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور يقولون: ليس لغير الأب أن يزوج اليتيمة الصغيرة، فإن فعل فالنكاح باطل.
стр. 1295
وقال الثوري: لا يجوز نكاح الأخ، والعم الصغيرة إلا أن تكون قد بلغت، فيستأمرها، وبه قال ابن أبي ليلى.
وقالت طائفة: إذا زوج الصغيرين غير الأب، فلها الخيار إذا بلغا، روي هذا القول عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وابن سيرين، والأوزاعي.
وكان أحمد يقول: لا أرى للولي ولا للقاضي في أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ سبع سنين، إذا بلغت سبع سنين، فرضيت فلا خيار لها.
واختلف أصحاب الرأي في الرجل يزوج ابنة أخيه بابن أخيه، وهما صغيران، وهو وليها، ثم يكبران، والجارية لا تعلم بذلك.
فقال النعمان: لهما الخيار ما لم تعلم بالنكاح، وإذا علمت، فإن سكتت فهو رضا وهذا قول محمد.
وقال أبو يوسف: لا خيار لهما إذا كبرا، والنكاح جائز.
م ٢٥٧٥ - واختلفوا فيه إذا مات أحدهما قبل أن يبلغ فيختار.
فقالت طائفة: لا يتوارثان، كذلك قال طاووس، وإسحاق، ووقف أحمد عن الجواب فيها.
وقال النعمان: أيهما مات ورثه الآخر.
وقال قتادة في الصغيرين أنكح أحدهما أبوه، والآخر وليه، ثم ماتا، فإن مات الذي أنكحه أبوه، ورثه الآخر، فإن مات الذي أنكحه وليه، لم يرثه.
قال أبو بكر: النكاح باطل، فإذا بطل النكاح لم يتوارثا.
стр. 1296
١٣ - باب نكاح الأب ابنته الطفل
م ٢٥٧٦ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نحفظ الأب ابنته الصغيرة جائز، كذلك قال الحسن البصري، والزهري، وقتادة، ومالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق،
وأصحاب الرأي.
واحتج أحمد بحديث ابن عمر أنه زوّج ابنه وهو صغير، وأنهم اختصموا [٢/ ٦/ألف] إلى زيد فأجازاه.
١٤ - باب انكاح الأوصياء
م ٢٥٧٧ - واختلفوا في انكاح الوصي الصغير أو الصغيرة.
فقالت طائفة: ليس إلى الوصي من ذلك شيء، روي هذا القول عن الشعبي، والنخعي، والحارث العكلي، وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.
وفيه قول ثان: وهو أن إنكاح الوصي جائز، كذلك قال الحسن البصري، وحماد بن أبي سليمان.
وفيه قول ثالث: وهو أن الغلام يزوجه الأب والوصي، ولا يزوجه من الأولياء غير الوصي والأب، ووصي الوصي أيضاً، وأما الجارية لا يزوجها إلا أبوها، لا يزوّجها أحد من الأولياء، ولا الأوصياء حتى تبلغ للحيض، فزوّجها الوصي برضاها، جاز، وكذلك وصي الوصي إن زوّجها برضاها، فذلك جائز، هذا قول مالك.
стр. 1297
وفيه قول رابع: وهو أن الوصي، والولي لا يرى لواحد منهما أن يزوج، إلا بمشاورة صاحبه، فإن اختلفا، رفعا أمرهما إلى السلطان، فيرى في ذلك رأيه، روي هذا القول عن ابن شهاب.
وفيه قول خامس: وهو أن الوصي إذا زوج الصغير أو الصغيرة، وهو وليهما فهو جائز، ولهما الخيار، إذا أدركا، ولو لم يكن لهما ولي، ولم يكن الوصي بولي لم يكن النكاح بجائز، من قبل الوصي، لأنه ليس بولي، وليس يجوز على الصغير أو الصغيرة إلا نكاح الولي، هذا قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: قال الله ﵎: (والذين هص لفووجهص ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَافِظُونَ﴾ الآية.
م ٢٥٧٨ - وقد أجمع أهل العلم على أن اليتيمين الصغيرين فرجاهما محظور محرم، إلا بالمعنى الذي أباحه الله .
م ٢٥٧٩ - وقد أجمعوا على أن عقد الأب عليهما يبيح الفرج المحظور.
واختلفوا في عقد سائر الأولياء عليهم النكاح، فغير جائز أن يباح فرج قد أجمعوا على تحريمه، إلا بإجماع مثله، أو خبر عن
رسول الله- ﷺ والمعارض له، وقد دلت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ بإبطال هذا النكاح، وقد ذكرناه فيما مضى.
١٥ - باب ولاية المرأة
م ٢٥٨٠ - واختلفوا في المرأة تزوج نفسها، [٢/ ٦/ب] فقال أكثرهم: لا يجوز ذلك، وبه قال أبو هريرة، وابن عمر، وعبد الملك بن مروان،
стр. 1298
والثوري، ومالك، والشافعي.
وبه نقول، وذلك:
(ح ١٠٦٩) لقول النبي- ﷺ : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل".
وكان عطاء بن أبي رباح يجيز ذلك إذا كان بشهادة، وقال النعمان: للمرأة أن توكل من يزوج ابنتها، ونكاحها نفسها جائز، وإذا ولت رجلاً يزوج ابنتها فجائز.
١٦ - باب ولاية الكفار
م ٢٥٨١ - أجمع عامة من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر لا يكون ولياً لابنته المسلمة، لقطع الله ﵎ الولاية بين المسلمين والكافرين، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، والنعمان وأصحابه ومن تبعهم.
وليس للذمي حق في أحكام المسلمين، والنكاح من أعالي أحكامهم، وقد منعه الله تعالى على لسان نبيه الميراث، والقود، والعقل، والنكاح إلى وليها من المسلمين، فإن لم يكن فالسلطان ولي من لا ولي له.
стр. 1299
١٧ - باب ولاية العبد
م ٢٥٨٢ - واختلفوا في النكاح الذي يعقده العبد.
فقال مالك، والشافعي، وأبو عبيد: لا يجوز.
قال أبو بكر: وبه نقول، فإذا لم يكن العبد ولياً لنفسه، فهو لأن يكون ولياً لغره أبعد.
وقال النعمان: إذا كان الوالد عبداً، أو مكاتباً، أو [[مدبراً]]، أو مرتداً، أو عبداً أعتق بعضه، ليس لأحد من هؤلاء ولاية في أن يزوج صغيراً أو صغيرة.
وقال أصحاب الرأي: إذا زوج البكر البالغ أبوها، وهو عبد، أو مدير، أو مكاتب، أو ذمي، أو مرتد فرضيت به، فهو جائز إلا ترى أنها لو زوجت نفسها رجلاً كان جائزاً.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، وإنما جاء الكوفي إلى مسألة يخالف فيها، جعلها حجة أخرى يخالف فيها، ومن شاء فعل ذلك.
١٨ - باب ولاية السفيه
م ٢٥٨٣ - كان ابن عباس يقول: لا نكاح إلا بشاهدي عدل، وولي مرشد، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: لا نكاح لمولى عليه ولاء عبد، وقال الثوري: المعتقد ليس بولي، ولا الصبى، وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو ثور: غير الرشيد ليس بولي [٢/ ٧/ألف].
قال أبو بكر: وكذلك نقول.
стр. 1300
١٩ - باب المرأة تزوج بغير إذنها، فتجيز النكاح
م ٢٥٨٤ - واختلفوا في المرأة تزوج بغير إذنها، فتجيز النكاح.
فكان الشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور يقولون: النكاح باطل ولا يجوز، ويستأنف، وقال أحمد: يعجبني ذلك.
وقال أصحاب الرأي: إذا أجازته، جاز.
وفيه قول ثالث: وهو أن ذلك لا يثبت بإجازتها، إلا أن يكون قريباً، هذا قول مالك.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
٢٠ - باب الوليين يزوجان المرأة بأمرها
قال أبو بكر:
م ٢٥٨٥ - أكثر أهل العلم يقولون: إذا زوج المرأة الوليان بأمرها، فالنكاح للأول، هكذا قال الحسن، والزهري، وقتادة، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
م ٢٥٨٦ - فإن دخل بها أحدهما ففي قول عطاء بن أبي رباح، ومالك: الذي دخل بها أولى.
وقال قتادة، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان: هي زوجة الأول، وروي هذا القول عن علي.
وقال قتادة، والشافعي: لها مهرها على الواطئ، ولا يقربها الزوج حتى تنقضي عدتها.
قال أبو بكر: وهذا أقول.