م ٣٩٣٠ - وإذا اكترى أرضاً كراء صحيحاً، ثم جاء المكتري وقال: لا أجد بذراً، لم يكن ذلك عذراً يجب به الفسخ، والكراء له لازم، في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور.
وإذا اكترى رجل مراعي أرض فمن رجل سنة معلومة ليرعى فيها المكتري دواباً له.
ففي قول مالك بن أنس: لا بأس به إذا طابت مراعيها وبلغ أن يرعى.
ولا يجوز ذلك في قول الشافعي؛ لأنه مجهول لا يوقف على حده.
قال أبو بكر: وهذا أحب القولين إليّ.
قال أبو بكر:
(ح ١٣٢٠) ثبت أن رسول الله قال: "لا يغرس رجلٌ مسلم غرساً ولا زرعاً، فيأكل منه سبع، أو طائر، أو شيء إلا كان له فيه أجراً".
(ح ١٣٢١) وثبت عنه أنه قال: إن قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيل، فاستطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها".
стр. 1962
٧٢ - كتاب المساقاة
قال أبو بكر:
(ح ١٣٢٢) ثبت أن رسول الله- ﷺ وسط "عامل أهل خيبر على شطر ما تخرجُ من ثمرٍ أو زرع".
م ٣٩٣١ - واختلفوا في الرجل يدفع نخله مساقاة على النصف، أو الثلث، أو الربع.
فأجاز ذلك فريق، وممن أجاز ذلك سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد.
وقال مالك: "والمساقاة في كل أصل من كرم، وزيتون، أو تين، أو رمان، أو فرسك، أو ما أشبه ذلك من الأصول، جائزة".
وبه قال أبو ثور.
وأنكر النعمان المعاملة على شيء من الفرس ببعض ما يخرج منها، وهذا خلاف ما سنه (١) رسول الله- ﷺ ، وخلاف فعل أبي بكر،
стр. 1963
وعمر ﵄؛ لأن النبي- ﷺ "عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع".
وأقرهم أبو بكر ﵁ بعد [٢/ ١٧٠/ب] رسول الله- ﷺ ، وأقرهم عمر ﵁ صدراً من إماراته.
ولا معنى لقول خالف فيه قائله النبي- ﷺ ، والحليفتين بعده، الصديق والفاروق.
ثم هو بعد ذلك قول شاذ.
وأهل الحرمين على ما ذكرناه، قديماً وحديثاً، إلى زماننا هذا.
١ - باب المساقاة في غير النخل والكروم
قال أبو بكر:
م ٣٩٣٢ - كان مالك يقول: والمساقاة في كل نخل، وكرم، وتين، وزيتون، أو فرسك، أو ما أشبه ذلك من الأصول، جائزة.
وبه قال أبو ثور.
وقال مالك: لا بأس بمساقاة القثاء، والبطيخ، ما لم يبد صلاحه، ويحل بيعه، إذا عجز عنه صاحبه وفيه قول ثان: وهو أن المساقاة لا تجوز إلا في النخل والكرم، هذا قول الشافعي (٢).
стр. 1964
٢ - باب المساقاة في البعل من النخل وغير ذلك
قال أبو بكر:
م ٣٩٣٣ - واختلفوا في المساقاة في البعل من النخل.
فكان مالك يجيز المساقاة منه.
وقال الليث بن سعد: لا أرى ذلك.
م ٣٩٣٤ - واختلفوا في المساقاة في شجر لم يطعم.
ففي قول مالك: لا تجوز، وبه قال يعقوب، ومحمد، غير أنهما قالا: فإن عمل عليه فأطعم كان ذلك لرب الأرض، وللعامل أجر مثله.
وقال أبو ثور: هي معاملة جائزة إذا كانت على سنين معلومة.
قال أبو بكر:
م ٣٩٣٥ - وإن دفع إليه نخلاً أو شجراً معاملة على النصف، ولم يذكر وقتاً معلوماً.
فهذا عند أبي ثور على سنة واحدة.
وأجاز بعض أهل الكوفة ذلك استحساناً.
وقال بعض أهل الحديث: ذلك جائز، واحتج:
(ح ١٣٢٣) بقول النبي ﷺ لأهل خيبر: "نُقركم على ذلك ما شئنا".
стр. 1965
٣ - باب المساقاة في ثمرة قد حل بيعها
قال أبو بكر:
م ٣٩٣٦ - واختلفوا في المساقاة في نخل فيه طلع أو بسر قد اخضر أو احمرّ، وقد انتهى وعظم، لم يطعم بعد ولم يرطب، وهو محتاج إلى السقى، والتعاهد حتى يرطب.
فأجاز أبو ثور المعاملة فيه إذا احتاج إلى القيام عليه، وأبطل المعاملة فيه إذا لم يحتج إلى القيام عليه.
وقال يعقوب، ومحمد: لا تجوز المعاملة فيه، وإن كان يزداد [٢/ ١٧١/ألف] فالمعاملة فيه جائزة.
فكان عامله وقد انتهى، في قول يعقوب، ومحمد: للعامل أجر مثله، والثمر لصاحب النخل.
وقال مالك: لا تجوز المعاملة في ثمر قد بدا صلاحه وحل بيعه.
وأجاز مالك المساقاة في الزرع، إذا خرج واستقل وعجز صاحبه عن سقيه.
وقال الليث بن سعد: ما أحب ذلك، ولكن صاحبه يستأجر له من يسقيه.
[وبقول مالك أقول] (١).
٤ - باب الشروط التي يشترطها رب النخل، والعامل
قال أبو بكر:
стр. 1966
م - قال مالك بن أنس: "لا بأس أن يشترط صاحب الأرض على المساقي سد الحيطان (١)، وخثم العين، وسرْو الشرَب، وإبار النخل، وقطع الجريد، وجذاذ الثمر، ولا ينبغي أن يشترط عليه بئراً يحفرها، أو عيناً يرفع في رأسها، أو غراساً يغرسه فيها يأتي به من عنده، أو ضفيرة، يبنيها (٢)، تعظم نفقته فيها".
وقال الشافعي: "كل ما كان يستزاد في الثمر من إصلاح الماء، وتصريف الجريد، وإبار النخل، وقطع الحشيش الذي يضر بالنخل وينشف عنه الماء، جاز شرطه على المساقي.
وأما سد الحظار، فلا يصلح شرطه على [[المساقي]] ".
وقال يعقوب، ومحمد: إن اشترط عليه أن يقوم عليه، ويكسحه ويلقحه ويسقيه، فذلك جائز.
стр. 1967
وإن اشترط عليه صرام الثمر أو لقاط الرطب، أو جذاذ الثمر، أو لقاط ما يلقط مثل الباذنجان، وثمر الشجر، فذلك باطل، والمعاملة على هذه الشروط فاسدة، فكان عمل كان له كراء مثله، وما أخرج
النخل من شيء فهو لصاحبه.
وقال أبو ثور في قيام العامل عليه وكسحه، وسقيه، وتلقيحه، كما قال يعقوب، ومحمد.
فإن اشترط رب الأرض على العامل في ذلك صرام النخل، أو لقاط الرطب، أو جذاذ الثمرة، أو لقاط مثل الباذنجان، وثمر الشجر ففيه قولان:
أحدهما: أنه جائز.
والآخر: أن هذا ليس مما يكون في المعاملة، وذلك أن الثمرة إذا أدركت فقد انقضت المعاملة، وصارت بينهما على ما اشترطا عليه.
٥ - باب اشتراط الرقيق يشترطه كل واحد منهما على صاحبه [٢/ ١٧١/ب]
قال أبو بكر:
م ٣٩٣٨ - قال مالك: في الرقيق يشترطهم المساقي على صاحب الأصل، أنه لا بأس به.
وكذلك قال الشافعي.
قال أبو بكر:
стр. 1968
م ٣٩٣٩ - ولا يجوز أن يستعمل الرقيق الذي يشترطهم عليه في غير ذلك الحائط، في قول مالك، والشافعي.
م ٣٩٤٠ - وقال مالك في نفقة الرقيق: هو على المساقي، لا ينبغي أن يشترط نفقتهم على رب المال.
وكان الشافعي يقول (١): "ونفقة الرقيق على ما اشترطا عليه، وليس نفقة الرقيق بأكثر من أجرتهم، فإذا جاز أن يعملوا للمساقي بغير أجرة، جاز (٢) أن يعملوا له بغير نفقة".
م ٣٩٤١ - وقال مالك: "وليس للمساقي أن يعمل بعمال العين في غيرها، ولا يشترط ذلك على الذي ساقاه.
ولا يجوز للمساقي أن يشترط على رب المال رقيقاً يعمل بهم في الحائط (٣) ليسوا فيه حين ساقاه إياه".
٦ - باب مسائل
م ٣٩٤٢ - وكان مالك يقول: في الجريد والليف والسعف: بمنزلة الثمر
стр. 1969
م ٣٩٤٣ - واختلفوا في الرجل، يدفع إليه الرجل النخل مساقاة، فيعامل العامل غيره في النخل.
فقال مالك: إن جاء برجل أمين فذلك له، ولا يجوز ذلك في القراض.
وفيه قول ثان: وهو أنه لا يجوز أن يدفع ذلك إلى غيره معاملة إذا لم يقل له: اعمل فيها برأيك، فإن عمل فما خرج فلصاحب النخل وللعامل الأخير على العامل الأول كراء مثله، وليس للعامل الأول
شيء، وذلك أنه لم يعمل شيئاً مما يستوجب به أجراً.
هذا قول أبي ثور.
وقال يعقوب، ومحمد كما قال أبو ثور.
م ٣٩٤٤ - واختلفوا في الرجل يساقي رجلاً على نخل له (١)، في مواضع متفرقة منها على النصف، ومنها على الثلث، ومنها على الربع.
فقال مالك: إن عقدا ذلك في صفقة واحدة، فليس ذلك بحسن، وإن كان ذلك في صفقات متفرقة، فلا بأس.
وفي قول الشافعي: ذلك جائز.
م ٣٩٤٥ - وإذا ساقى رجل رجلاً على نخل له على النصف، وجب إخراج الزكاة من جملة الثمر، ثم يقتسمان ما فضل على ما اتفقا عليه.
وهذا [٢/ ١٧٢/ألف] على مذهب مالك، والشافعي.
وبه قال الليث بن سعد إذا ساقى المسلم النصراني، أعلمه أن الزكاة مؤداة في الحائط، ثم يقاسمه بعد الزكاة ما بقي.
стр. 1970
م ٣٩٤٦ - واختلفوا في الرجل يدفع إلى الرجل أرضه، على أن يغرس فيها شجراً، على أن يكون الشجر بينهما نصفين، وعلى أن الأرض والشجر بينهما.
فكان مالك، وأبو ثور يقولان: لا يجوز، ويشبه ذلك مذهب الشافعي.
وكان أبو ثور يقول: فكان أخذها على هذا وعمل، فما أخرجت الأرض من ثمرة، فلماحب الغيرس، ويقطع غيرسه، ويكون له على رب الأرض ما بين غرسه قائماً ومقطوعاً، وذلك أنه غيرّه، ويكون لصاحب الأرض على صاحب الغرس كراء مل أرضه، وما نقص أرضه، وذلك أنه غرّه.
وقال يعقوب، ومحمد في إفساد المعاملة كما قالوا، وقالا: فكان أخذها على هذا، فعمل فيها، فما أخرجت الأرض من شيء، فلصاحب الأرض، ولصاحب الغرس قيمة غرسه، وأجر مثله؛ لأن حين اشترط شيئاً من الأرض يغرسه ن ما غرس لصاحب الأرض (١).
٧ - باب عقد المساقاة بين الرجلين سنين معلومة (٢) ثم يريد أحدهما الرجوع عن ذلك
قال أبو بكر:
م ٣٩٤٧ - وإذا دفع الرجل نخله إلى رجل سنين معلومة، على النصف
стр. 1971
أو الثلث، ثم أراد أحدهما الرجوع قبل انقضاء المدة فليس ذلك له، أيهما أراد إبطال ذلك.
وهذا قول مالك بن أنس، قال: إلا أن يمرض فيضعف، أو يفلس فيقال له: ساق إن شئت عد لا رضا وإلا (١) كان صاحب المال أولى به من غيره.
وبه قال يعقوب، ومحمد إلا أن يكون عذر، ومن العذر أن يكون العامل رجل سوء يخاف على فساد النخل، وقطع السعف، فلصاحب الأرض إخراجه.
والعذر للعامل أن يمرض مرضاً لا يستطيع أن يعمل، أو يضعف عنه.
وقال أبو ثور: ليس لواحد منهما أن يرجع، حتى تنقضى المدة.
قال أبو بكر: هذا أصح، ولا أعلم عذراً يجب به فسخ العاملة، إلا أن تقوم [٢/ ١٧٢/ب] بينة أن العامل خائن، فيقال له: أقم مكمك (٢) عاملاً يقوم بما يجب عليك أن تقوم به، فإذا جاءت الغلة، أخذ كل واحد من رب المال والعامل حصته، وكانت أجرة القائم في مال العامل.
стр. 1972
٨ - باب موت العامل أو رب النخل (١)
قال أبو بكر:
م ٣٩٤٨ - وإذا دفع رجل إلى رجل نخلاً معاملة، فما أحدهما فإن مات صاحب النخل، قام ورثته مقامه، وإن مات العامل فكذلك تقوم ورثته مقامه إن شاؤوا.
م ٣٩٤٩ - وكان أبو ثور يقول: إن مات صاحب الأرض والعامل جميعاً، فإن أحب ورثة العامل أن يقوموا فيه، كان ذلك لهم، وإن كرهوه، كان على ورثة صاحب الأرض أن يقاسموهم، أو يرضوهم في حقوقهم.
م ٣٩٥٠ - وإذا دفع الرجل إلى الرجل نخلاً معاملة على النصف، وعلى أن لرب الأرض دنانير معلومة، أو دراهم، أو وسقا من الثمر، يختص بها، أو شرط العامل ذلك لنفسه، والعاملة على هذا فاسدة لا تجوز.
وهذا على مذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
م ٣٩٥١ - وإذا ساقى الرجل على نخل، ولم يذكر البياض، فليس للعامل أن يزرع في بياض الأرض، إلا بإذن صاحبه، فإن زرع في ذلك بغير إذن صاحبه، فهو متعدي، وعليه كراء الله، والزرع له فإن أدرك ذلك وقد زرع، أمر بقلعه وهذا قول يعقوب.
وقال مالك: "ما ازدرع الداخل في البياض فهو له، وإن اشترط صاحب النخل أن يكون ذلك بينهما، فهو جائز إذا كان تبعاً للنخل.
стр. 1973
وقال مالك: فإن اشترط صاحب الأرض أن يزرع في البياض، فذلك لا يصلح؛ لأن الرجل الداخل يسقي لرب الأرض، فذلك زيادة ازدادها عليه".
[وبه أقول] (١).
стр. 1974
٧٣ - كتاب الاجارات
قال أبو بكر:
قال الله جل ذكره: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ...﴾ الآية.
وقال جل وعز: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية.
(ح ١٣٢٤) وروينا عن النبي ﷺ [٢/ ١٧٣/ألف] أنه قال: "سألت جبريل ﵇: أي الأجلين قضى موسى ﷺ ؟ قال: أتمهما وأكملهما".
(ح ١٣٢٥) وثبت أن رسول الله- ﷺ ، وأبا بكر ﵁ " استأجرا رجلاً من بني الديل هادياً خريتا"، والخرِّيت: الماهر بالهداية.
(ح ١٣٢٦) وجاء الحديث عن النبي أنه قال: "أعطوا الأجير أجره
стр. 1975
قبل أن يجف عرقُه".
(ح ١٣٢٧) وجاءت الأخبار عن رسول الله- ﷺ من غير وجه أنه أباح الإجارة، وأجازها.
قال أبو بكر: فالاجارة ثابتة بكتاب الله ، وبالأخبار الثابتة عن رسول الله- ﷺ .
م ٣٩٥٢ - واتفق على إجازتها كل من نحفظ عنه قوله من علماء الأمة.
م ٣٩٥٣ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إجازة أن يكتري الرجل من الرجل داراً معلومة قد عرفها، وقتاً معلوماً، بأجر معلوم (٤).
١ - باب إجارة الدواب
قال أبو بكر:
م ٣٩٥٤ - اختلف أهل العلم في الرجل يكتري الدابة بأجر معلوم إلى موضع مسمى، فيتعدى فيجاوز ذلك المكان، ثم يرجع إلى المكان المأذون له في المسير إليه.
فقالت طائفة: إذا جاز ذلك المكان ضمن، وليس عليه في التعدي كراء، هذا قول سفيان الثوري.
стр. 1976
وقال النعمان: الأجرة له فيما سمى، ولا أجرة فيما لم يسم لأنه خالف، فهو ضامن، وبه قال يعقوب.
وقالت طائفة: هو ضامن، وعليه الكراء، كذلك قال الحكم، وابن شبرمة.
وعليه عند الشافعي: الكراء الذي سمى، وكراء المثل فيما جاوز ذلك المكان، ولو عطبت: لزمه قيمتها.
وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور: عليه الكراء، والضمان.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وفيه قول ثالث، وهو: أن له الأجر فيما سمى وفيما خالف إن سلم، وإن لم يسلم ذلك: ضمنه، ولا يجعل عليه أجراً في الخلاف إذا ضمنه، هذا قول ابن أبي ليلى.
م ٣٩٥٥ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح، فحمل عليها [٢/ ١٧٣/ب] ما اشترط، فتلفت: أن لا شيء عليه، وهكذا إن حمل عليها عشرة أقفزة شعير.
واختلفوا فيمن اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح، فحمل عليها أحد عشر قفيزاً.
فكان الشافعي، وأبو ثور يقولان: هو ضامن لقيمة الدابة، وعليه الكراء.
وقال ابن أبي ليلى: عليه قيمتها، ولا أجر عليه.
стр. 1977
وفيه قول ثالث، وهو: أن عليه الكراء، وعليه جزء من أحد عشر جزءاً من قيمة الدابة بقدر ما زاد عن الحمل، هذا قول النعمان، ويعقوب، ومحمد.
وقال ابن القاسم: لا ضمان عليه في قول مالك، وإذا كان القفيز الزائد لا يفدح (١) الدابة، ويعلم أن مثله لا تعطب منه الدابة، ولرب الدابة أجر القفيز الزائد.
م ٣٩٥٧ - واختلفوا في الدابة يكتريها الرجل ليركبها بِسَرْج، فركبها بإكاف.
فإن كان ذلك أثقل أو أضر عليه، كان ضامناً للدابة وعليه الأجرة، وإن كان أخف مما عليه، فليس عليه شيء غير الكراء الأول. هذا قول أبي ثور.
وقال النعمان: إذا تكاراها ليركبها بسرج، فيجعل عليها إكافاً فهو ضامن بقدر ما زاد، وقال: إن كان مسرجاً بسرج حمار، فأسرجه بسرج برذون لا تسرح بمثله الحمر، فهو مثل الإكاف، وبه قال يعقوب، ومحمد.
وقال النعمان، ويعقوب: إن استأجر حماراً بإكاف، فأسرجه، فلا ضمان عليه؛ لأن السرج أخف.
م ٣٩٥٨ - وإذا اكترى حماراً من المكاريين، ليبلغ عليه إلى موضع، ذاهباً وراجعاً، فقال أبو ثور: عليه أن ينزل في المكاريين في الموضع الذي اكتراه، وكذلك الحمال.
стр. 1978
م ٣٩٥٩ - واختلفوا في الرجل تكون عنده الدابة وديعة، فيركبها بغير إذن صاحبها، ثم يردها إلى مكانها.
فقال أبو ثور: إذا ردها إلى مكانها: سقط عنه الضمان.
وقال النعمان: لا ضمان عليه، ثم قال بعد: هو ضامن، ولا يبرئه من الضمان إلا دفعها إلى صاحبها.
وبه قال يعقوب، ومحمد، وهو قول الشافعي.
م ٣٩٦٠ - وإذا أكرى دابته وعبده، ثم أراد بيعه، فليس له بيعه، فإن باع، فالمكتري أحق به، حتى ينقضي وقت الكراء.
هذا قول أبي ثور، وهو مذهب مالك [٢/ ١٧٤/ألف] بن أنس.
وقال النعمان: ليس هذا بعذر.
م ٣٩٦١ - وإذا اكترى دابة بعينها، فوجدها جموحاً، أو عضوضاً، أو نفوراً، أو بها عيب، أو غير ذلك مما يفسد ركوبها: فالمكتري بالخيار، إن شاء أخذها، وإن شاء ردها، ونقض الإجارة.
هذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
٢ - باب إباحة ضرب الدواب
قال أبو بكر:
(ح ١٣٢٨) ثبت أن رسول الله- ﷺ -ضرب الجمل الذي كان عليه جابر بن عبد الله".
стр. 1979
م ٣٩٦٢ - واختلفوا في المكتري يضرب الدابة، فتموت.
فقالت طائفة: إذا ضربها ضرباً يضرب صاحبها مثله، إذا لم يتعد فلا شيء عليه، كذلك قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال الثوري: هو ضامن، إلا أن يكون أمره أن يضرب، وبه قال النعمان.
وقال يعقوب، ومحمد: يستحسن ألا يضمنه إلا إذا لم يتعد في الضرب كما يضرب الناس.
وقال مالك إذا ضرب ما لا يضرب مثله أو حيث لايضرب: ضمن.
٣ - باب مسائل
م ٣٩٦٣ - واختلفوا فيمن اكترى دابة إلى مكان، على أنه إن سار في يومين فله عشرة دراهم، وإن سار به أكثر من ذلك فله درهما.
فكان أبو ثور يقول: هذا كراء فاسد، فإن سار عليه فله كراء المثل.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وقال غيره. إن سار في يومين، فله عشرة دراهم، وإن أبطأ فله أجر مثله، لا ينقصه عن درهمين، ولا يتجاوز به عشرة دراهم، وفي قياس قول أبي حنيفة (١).
وفي قياس قول يعقوب، ومحمد: هو على الشرط.
стр. 1980
م ٣٩٦٤ - وإذا اكترى دابة إلى العشي، إذا زالت الشمس فذلك وقت العشي، في قول أبي ثور، والنعمان، ويعقوب (١)، ومحمد.
م ٣٩٦٥ - وإذا اكترى دابة يوماً بدرهم، فله أن يركبها عند طلوع الشمس، ويردها عند غروبها، في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
م ٣٩٦٦ - وإذا اكترى دابة ليلة: ركبها عند غروب الشمس، ويردها عند طلوع الفجر (٢)، في قول أبي ثور، والنعمان، وصاجه.
٤ - باب اكتراء الدواب للمحامل والزوامل
قال أبو بكر:
م ٣٩٦٧ - واختلفوا في اكتراء الدواب للمحامل والزوامل.
فقالت طائفة: لا يجوز ذلك حتى يرى الراكبين وظرف المحمل، والوطأ، والظل [٢/ ١٧٤/ب] إن شرطه، لأن ذلك يختلف، والحُمولة بوزن، أو عين تُرى.
فإن اكترى محملاً، وقال معه معاليق، أو ما يصلحه، فالقياس أنه فاسد، هذا قول الشافعي، وأبي ثور.
стр. 1981
وقال أصحاب الرأي: إذا قال في المحمل فيه رجلان وما يصلحهما من الوطاء، والدثر، وقد رأى الرجلين ولم ير الوطاء، والدثر، فكان القياس أن الكراء فاسد، وقال النعمان: نستحسن فنجيزه.
وقالوا جميعاً النعمان وصاحباه: يسمى وزن المعاليق، ووزن الهدايا، أحب إلينا.
قال أبو بكر: لا يجوز ذلك حتى يكون معلوماً، إما بنظر، وإما بوزن معلوم.
م ٣٩٦٨ - وقال مالك: إذا اكترى دابة، ومكن منها، ولم يركبها وعطلها: فالكراء له لازم، وبه قال الشافعي، وأبو ثور.
٥ - باب أجر الكيال والوزان (١)
قال أبو بكر:
م ٣٩٦٩ - اختلف أهل العلم في أجر الكيال والوزان.
فأجاز ذلك فريق، وممن أجاز ذلك: مالك بن أنس، والثوري، وأبو ثور.
وأجاز (٢) أصحاب الرأي استئجار القاضي القاسم شهراً بأجر مسمى، ليقسم بين الناس.
وكل ما كان معلوماً فهو جائز على مذهب الشافعي.
قال أبو بكر: وبه أقول.
стр. 1982
م ٣٩٧٠ - وقال مالك بن أنس، والثوري: أجر الكيال على البائع، وبه قال الشافعي.
وذكر أحمد: القاسم، والحاسب، والمعلم، والقاضي، قال: كان ابن عيينة يكره هذا كله.
وقال إسحاق: هذا أهون من التعليم.
وقد روينا عن سعيد بن المسيب أنه قال: رأى عليّ رجلاً يحسب بين أهل السوق حساباً، فنهاه أن يأخذ عليه أجراً.
قال أبو بكر: كل ما كان من ذلك معلوماً: فالأجر فيه جائز:
(ح ١٣٢٩) لأن في حديث سويد بن قيس قال: "أتانا رسول الله- ﷺ فاشترى
منا سراويل، وثم رجل وزان يزن بأجره".
٦ - باب أجور المعلمين
قال أبو بكر:
(ح ١٣٣٠) ثبت أن رسول الله- ﷺ : زوج رجلاً امرأة بما معه
стр. 1983
من القرآن".
م ٣٩٧١ - واختلف أهل العلم في أجور المعلمين، وكسبهم، فرخص فيه قوم، وكره آخرون.
فممن رخص فيه، عطاء بن أبي رباح، وأبو قلابة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور.
وقالت طائفة: لا بأس به ما لم يشترط، وكرهت الشرط، فممن كره الشرط: الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي.
وكرهت طائفة تعليم القرآن [٢/ ١٧٥/ألف] بالأجرة، وفيه ذلك: الزهري، وإسحاق، والنعمان، وقال النعمان: لا يحل ولا يصلح، وقال عبد الله بن شقيق: هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت.
قال أبو بكر: القول الأول أصح، لأن النبي- ﷺ لما أجاز أن يأخذ الرجل على تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح، ويقوم ذلك مقام المهر: جاز أن يأخذ المعلم على تعليم القرآن الأجر، والنعمان يجيز أن يستأجر الرجل الرجل على أن يكتب له نوْحاً، أو شعراً، أو غناء معلوماً، بأجر معلوم، فيجيز الإجارة على ما هو معصية، ويبطلها فيما هو طاعة لله، ومما قد دلت السنة على إجازته.
стр. 1984
٧ - باب الأجير يستأجر بطعام بطنه، والدابة تستأجر بعلفها
قال أبو بكر:
م ٣٩٧٢ - واختلفوا في الأجر يستأجر بطعامه:
فأجاز ذلك مالك بن أنس، وأحمد، وإسحاق، واحتج مالك بأن الرجل إذا تزوج المرأة: عليه نفقتها. واحتج أحمد بالإطعام في كفارة اليمين، والظهار.
وقد روينا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني، وعُقبة رجلي".
وروينا عن علي ﵁ أنه قال: "كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترطُ أنها جلدة".
وأبطل النعمان استئجار الرجل العبد بأجر مسمى بطعامه، وكذلك قال في الدابة تستأجر بعلفها، وبه قال يعقوب، ومحمد.
ثم ناقض النعمان فأجاز ذلك في الظئر تستأجر بطعامها وكسوتها، وقال يعقوب، ومحمد: لا يجوز.
стр. 1985
وقال أبو ثور: لا يجوز ذلك، فإن عمل فله أجر مثله يحسب عليه ما أنفق، وهذا على مذهب الشافعي.
قال أبو بكر: وبه نقول.
٨ - باب اجارة الظئر
قال أبو بكر: قال الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية.
م ٣٩٧٣ - فاستئجار الظئر جائز، لأن الله أذن فيه، ولا اختلاف في ذلك بين أهل العلم أعلمه (١).
قال أبو بكر: فللمرء أن يستأجر المرأة لترضع صبياً، وقتاً معلوماً، بأجر معلوم، إذا كانا عالمين بما عقدا عليه الإجارة، وطعامها وكسوتها ونفقتها عليها، ليس على المستأجر منه شيء.
فإن اشترطت عليه [٢/ ١٧٥/ب] كسوة ونفقة، فكان ذلك معلوماً موصوفاً، كما يوصف في أبواب السلم: فذلك جائز ولا أحفظ عن أحد فيما ذكرت خلافاً.
م ٣٩٧٤ - واختلف أصحاب الرأي: إن اشترطت كسوتها ثلاثة أثواب زطية وعند الفطام دراهم مسماة، وقطيفة،
стр. 1986
ومسحاً، وفراشاً: فاستحسن النعمان، وأجاز ذلك في الظئر، ولم يجزه في غيرها.
وقال يعقوب، ومحمد: لها أجر مثلها، فيما أرضعت.
م ٣٩٧٥ - وفي قول النعمان: إن اشترطت طعاماً عليهم، فجائز.
ولا يجوز ذلك في قول يعقوب، ومحمد، إلا أن يكون موصوفاً كما ذكرناه.
ولا يجوز في قول الشافعي، إلا أن يكون معلوماً.
م ٣٩٧٦ - وفي قول أبي ثور، وأهل الكوفة: إذا أجرت نفسها بغير إذن الزوج فله فسخ ذلك، إذا علم به زوجها.
م ٣٩٧٧ - وإذا مات الصبى، وقد مضت سنة وكان الرضاع إلى سنتين، أخذت نصف ما شرط لها، في قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال أبو ثور: إلا أن له أن يؤاجرها إلى انقضاء المدة، أو يدع ذلك.
م ٣٩٧٨ - وقال أبو ثور. ليس على المرضعة تمريخ الصبى ولا تدهينه، ولا غسل ثيابه، إلا أن يشترط ذلك عليها، لأنه غير الرضاع.
قال أبو بكر: وكذلك نقول.
وقال أصحاب الرأي: ذلك كله عليها.
م ٣٩٧٩ - ورخص أبو ثور في بيع ألبان الآدميات وشرائه، وزناً، وكيلاً، للعلاج، والشرب، والسعوط.
قال أبو بكر: وكذلك نقول، لأنه طاهر.
стр. 1987
وقال أصحاب الرأي: لا يجوز بيع ذلك بوجه، وقالوا: لا بأس أن يستعط به، ويشرب الدواء.
قال أبو بكر:
م ٣٩٨٠ - وليس لأهل الصبي مع زوج الظئر من وطئها، لأن ذلك مما أبيح له.
م ٣٩٨١ - واختلفوا في المرأة تؤاجر نفسها من قوم لترضع صبياً، ثم تؤاجر نفسها من قوم آخرين- بغير علم الأولين-.
ففي قول أبي ثور: الأجرة الثانية فاسدة، وليس لها أن تبيع من لبنها شيئاً.
وبه نقول.
وقال أصحاب الرأي: تأثم، ولها الأجر كاملاً، على هؤلاء وعلى هؤلاء، ولا تتصدق منه بشيء.
وقال أبو ثور: ما أخذث من الآخرين: للأولين.
م ٣٩٨٢ - واختلفوا فيمن استأجر ظئراً، على أن ترضع صبياً [٢/ ١٧٦/ألف] في بيتها فدفعته إلى خادم لها، فأرضعته حتى فطمته.
فقال أبو ثور: لا شيء لها، ولا للخادم.
وقال أصحاب الرأي: لها أجرها (١).
م ٣٩٨٣ - واختلفوا فيمن أراد زوجته، على أن ترضع ولدها منه، فأبت.
فقال أبو ثور: تجبر على ذلك.
وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يستكرهها على رضاعه، فإن استأجرها بأجر معلوم، وقبلت: فلا أجر لها.
стр. 1988
٣٩٨٤ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: على أن للرجل أن يستأجر أمه، أو أخته، أو ابنته، أو خالته: لرضاع ولده.
م ٣٩٨٥ - واختلفوا في الرجل يستأجر المرأة للرضاع، فتأبى أن ترضع.
فقال أبو ثور: تجبر على ذلك، عُرفت به أو لم تعرف به.
وقال أصحاب الرأي: إن كانت تُعرف به أجبرت، وإن لم تعرف به لم تجبر.
م ٣٩٨٦ - وإذا استأجرها لترضع صبياً في منزلها، فكانت توجره لبن الغنم وتطعمه، ولم ترضعه.
لم يكن لها أجره لأنها لم ترضعه، وهكذا قال أبو ثور، وأصحاب الرأي.
وفي قول أبي ثور، وأصحاب الرأي: إذا قالت: أرضعته، وأنكر الأب فالقول قولها مع يمينها.
م ٣٩٨٧ - وإذا استأجر الرجل ظئراً للقيط وجده: فهو جائز ولا يرجع على اللقيط بشيء إذا بلغ، وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي.
م ٣٩٨٨ - واختلفوا في اليتيم الذي لا أب له ولا أم.
ففي قول الشافعي: لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جداً، وروي هذا القول عن الشعبي.
وروينا عن ابن عباس أنه قال- في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ الآية، قال: لا يضار.
стр. 1989
وقالت طائفة: على أوليائه، على كل ذي رحم محرم أن يستأجروا له ظئراً، على قدر مواريثهم، وإن كان لا ولي له فمن بيت المال.
هذا قول أصحاب الرأي.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه جبر عصبة ينفقون على صبي، الرجال دون النساء".
وممن قال: إن الرضاع على الوارث إذا مات أبواه: الحسن البصري، وعبيد الله بن عتبة، والنخعي، وقتادة، والثوري.
٩ - باب الدار يستأجرها الرجل، ثم يكريها بأكثر مما اكتراها به [٢/ ١٧٦/ب]
قال أبو بكر:
م ٣٩٨٩ - واختلفوا في الدار يكتريها الرجل، ثم يكريها بأكثر مما اكتراها به.
فرخص فيه قوم، روى ذلك عن عطاء، والحسن البصري، والزهري، وبه قال الشافعي، وأبو ثور.
وكره ذلك قوم، وممن روينا عنه أنه كره ذلك: ابن المسيب، وابن سيرين، والشعبي، ومجاهد، وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، والأوزاعي.
وفيه قول ثالث: وهو إن كان المكتري أصلح فيها شيئاً، فلا بأس أن يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به، روي هذا القول عن الشعبي، وبه
стр. 1990
قال الثوري، والنعمان، وقال النعمان: إن أصلح في البيت شيئاً بتطيين أو تجصيص فلا بأسٌ بالفضل، وإن لم يصلح فيه شيئاً: فلا خير في الفضل ويتصدق به.
قال أبو بكر: القول الأول أصح.
م ٣٩٩٠ - واختلفوا في الكراء: متى يستحق المكري.
ففي قول الشافعي: يملك رب الدار الكراء بالعقد، وله قبض ذلك كله من المستأجر وبه قال أبو ثور.
وقال النعمان: إذا اكترى إلى مكة دابة، فكلما سار مسيرا له من الأجر شيء معروف: فله أن يأخذ ذلك من المستأجر، إن شاء.
قال أبو بكر: وبقول الشافعي أقول، وقد كان الشافعي أجاب بغير ذلك، في موضع آخر، والذي ذكرناه عنه أصح.
وزعم الكوفي: أن للمكري أن يصارف المكتري، فيأخذ مكان الدراهم دنانير، وفي هذا: إيجاب بأن الكراء يجب بالعقد، إذ لو لم يكن ذلك واجباً: ما كان له أن يصارفه على ما لم يستحقه.
١٠ - باب موت المكري، والمكتري
قال أبو بكر:
م ٣٩٩١ - واختلفوا في الإجارة الصحيحة، في العبد، أو الدار، يموت المكري أو المكتري.
فقالت طائفة: الإجارة بحالها، لا تنفسخ بموتها ولا بموت أحدهما بل يقوم الوارث منهما مقام الميت، هذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابي ثور.
стр. 1991
وقال طائفة: تنتقض [٢/ ١٧٧/ألف] الإجارة بموت أيهما مات.
هذا قول الثوري، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر؟ بالقول الأول أقول، إذ غير جائز أن تنتقض إجارة صحيحة بقول لا حجة مع قائله.
١١ - باب خير الأجير من عمله قبل انقضاء الوقت
قال أبو بكر:
م ٣٩٩٢ - واختلفوا في الرجل، يستأجر الدار، أو العبد، ثم يريد أحدهما نقض الإجارة، من عذر، أو غير عذر.
ففي قول مالك، وأبي ثور، وهو على مذهب الشافعي: ليس لواحد منهما نقضه، من عذر أو غير عذر، والكراء إلى مدته، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق.
وفي قول النعمان: له أن يفسخ الإجارة، إذا أراد أن ينتقل من بلد إلى بلد، وهو عذر، وإذا أفلس فهو عذر، وإذا أراد، وقد اشترى منزلاً -أن يتحول إليه، فليس ذلك بعذر، وإن اكترى إلى مكة، ثم بدا للمستأجر أن يترك الحج: فهو عذر، وإن مرض، أو لزمه غيريم له، أو خاف أمراً، فهو عذر، هذا
كله: قول النعمان.
قال أبو بكر: القول الأول أصح.
стр. 1992
١٢ - باب اجارة الدار والدابة
قال أبو بكر:
م ٣٩٩٣ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن اجارة المنازل، والدواب: جائز إذا بين الوقت، والأجر، وكانا عالمين بالذي عقدا عله الأجارة، وبينا من يسكن الدار، ويركب الدابة، وما
يحمل عليها.
م ٣٩٩٤ - واختلفوا فيمن استأجر دارا معلومة، بأجر معلوم، ولم يُبين من يسكن الدار، وما يجعل فيها.
فكان أبو ثور يقول: لا يجوز، حتى يقول: أسكنها أنا وعيالي، وليس له أن يجعل فيها ما يَضُر بها.
وقال النعمان: ذلك جائز، يسكنها، ويسكنها من شاء، ويضع فيها ما بدا له، من الثياب، والدواب، والمتاع، ما خلا الرجى أن تنصب فيها، أو القصّار، أو الحدّاد، إلا برضى من صاحب الدار، أو يشترط ذلك في الاجارة، هذا قول: أبي يوسف (١)، ومحمد، وكذلك [٢/ ١٧٧/ب] كل عمل يوهن البناء، أو يفسده.
١٣ - باب اكتراء الدار مشاهرة
قال أبو بكر:
م ٣٩٩٥ - واختلفوا في الرجل، يكتري الدار مشاهرة، كل شهر بكذا،
стр. 1993
فسكن شهراً، أو بعض شهر، ثم يريد الساكن الخروج، أو يريد رب الدار إخراج الساكن.
فقال مالك: للمكري أن يخرجه إن شاء، ويقبض منه ما سكن من الشهر الآخر، وسواء تكاراها مشاهرة، أو تكاراها أشهراً مسماة.
وكره الثوري هذا الكراء، حتى يسمى شهراً معلوماً، أو أشهراً معلومة.
م ٣٩٩٦ - وكان أبو ثور يقول: لرب الدار أن يخرج الساكن عند انقضاء الشهر، وللساكن كذلك أن يخرج عند انقضاء الشهر، وإن دخل من الشهر الثاني يوم أو يومان: فليس له أن يخرج، حتى
ينقضى الشهر.
وبه قال النعمان، ويعقوب، ومحمد، غير أن هؤلاء قالوا: ليس له أن يخرج، ولا لرب الدار أن يخرجه إذا مضى من الشهر يوم، إلا من عذر.
١٤ - باب المكتري يُغصب ما اكتراه
قال أبو بكر:
م ٣٩٩٧ - وإذا اكترى الرجل الدار، فغصبها غاصب.
فقالت طائفة: ليس للمؤاجر على المستأجر أجر فيما غصب عليه الغاصب هذا قول: أصحاب الرأي، وبه قال الشافعي.
وقال الشافعي: على الغاصب: كراء مثله.
وقال أبو ثور: يرجع المستأجر على الغاصب بكراء مثله، وليس على رب الدار شيء.
стр. 1994
١٥ - باب الكراء بالطعام وغيره مما يكال ويوزن
قال أبو بكر:
م ٣٩٩٨ - واختلفوا في الكراء بغير الذهب والفضة.
فقالت طائفة: لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم، كما يوصف في أبواب السلم، هذا قول أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وهو قياس قول الشافعي.
وقال الثوري: هو مكروه.
وقال أبو بكر: القول الأول صحيح.
١٦ - باب مسائل من كتاب الاجارات [٢/ ١٧٨/ألف]
قال أبو بكر:
م ٣٩٩٩ - واختلفوا في الذمي يكتري من المسلم دارا، فيريد أن يبيع فيها خمراً.
فكان أبو ثور، وأصحاب الرأي: يرون أن له منعه.
وقال أصحاب الرأي: إن كان هذا في دار بالسواد والجبل: كان له أن يعمل فيها ما يشاء.
قال أبو بكر: لا فرق بين شيء من ذلك، أحكام الله تعالى في جميع البلاد سواء.
م ٤٠٠٠ - واختلفوا في الدار يكتريها الرجل، فيسقط منها حائط.
ففي قول الشافعي: للساكن أن يتحول منها، وعليه أجر ماسكن.
стр. 1995
وفي قول مالك، والكوفي: إن كان ذلك يضر بالساكن: فله أن يخرج، غير أن الكوفي قال: إلى أن يبنيه رب الدار.
٤٠٠١ - واختلفوا الرجل يستأجر الدار سنة، فلما استكمل سكناها استحقت الدار.
فقال أبو ثور: على الذي سكن كراء مثل الدار، فإن كان كراء المثل أقل من الاجارة: لم يكن عليه أكثر من ذلك، ولم يكن للمؤاجر عليه شيء، وذلك أنه ليس بمالك؛ وإن كان (١) أكثر مما استأجرها
به رجع بالفضل على المؤاجر (٢) الذي أجره (٣)، لأنه غره.
وقال النعمان كان: الأجر للمؤاجر على المستأجر، ولا يكون لرب الدار لأن المؤاجر كان ضامناً غاصبا، والأجر له لضمانه.
وقال يعقوب: عليه أن يتصدق به، ولا يجبر عليه، فإن تهدمت من السكنى ضمن الساكن، ويرجع به علي المؤاجر، وهو قول محمد.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
م ٤٠٠٢ - واختلفوا في الرجل يكتري الدار بسكنى دار أخرى.
فكان أبو ثور يقول: ذلك جائز.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وقال النعمان: الكراء فاسد، وإن استأجره بخدمة عبد كان جائزا.
قال أبو بكر:
стр. 1996
م ٤٠٠٣ - ولو فرّغ الساكن الدار، وفيها تراب، وقُمام، وسرقين، وزبل: فعلى الساكن نقل ذلك، في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي، وهو قياس قول الشافعي.
وبه نقول.
قال أبو بكر:
م ٤٠٠٤ - فأما تنقية البلاليع، والكنف.
فإن أصحاب الرأي قالوا: هو مثل الأول إنه على الساكن، ولكنا ندفع القياس ولا نجعله عليه.
وفي قول أبي ثور: ذلك على [٢/ ١٧٨/ب] رب الدار.
قال أبو بكر: لا فرق بين القمام، وبين ما في الكنف، وهو على الساكن.
قال أبو بكر:
م ٤٠٠٥ - إذا اكترى منزلا، فقبضه، وعطله، فعليه كراؤه، وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وبه قال يعقوب، ومحمد.
م ٤٠٠٦ - وإن كان الساكن أنفق على المنزل في عماره نفقة، بغير أمر رب الدار: فهو متطوع في قول الشافعي، وأبي ثور، وأبي حنيفة (١)، ويعقوب، ومحمد.
م ٤٠٠٧ - وإن أمره أن ينفق، ثم اختلفا فيما أنفق، فالقول قول رب الدار مع يمينه، في قولهم جميعاً.
وبه نقول.
стр. 1997
م ٤٠٠٨ - فإن قال الساكن لرب الدار: أعرتنيها، وقال رب الدار: بل اكتريتها: فالقول قول رب الدار، وعلى الساكن كراء المثل في قول أبي ثور، وأصح قولي الشافعي.
وفي قول أصحاب الرأي: القول قول المستأجر في العارية مع يمينه، والبينة بينة المؤاجر.
م ٤٠٠٩ - واختلفوا في الرجل يكتري المنزل على أن يسكنه شهراً واحداً، فتزوج امرأة.
فكان أبو ثور يقول: ليس له أن يسكنها معه، ولصاحب المنزل متعة من ذلك.
وقال النعمان، ويعقوب، ومحمد: له أن ينزله هو ومن كان معه، حتى ينقضي الوقت.
قال أبو بكر:
م ٤٠١٠ - وإذا اكترى رجل داراً على أن يرُمّها الساكن: فالكراء فاسد، في قول الشافعي، وأبي ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وعليه كراء المثل في قولهم جميعاً، وبه نقول، وقال مالك: لا خير في ذلك.
وإن كان في الدار المكتراة حائط واه، فأشهد على الساكن فيه وتقدم إليه، وصاحب الدار غائب، فسقط الحائط، فقتل أو أفسد مال إنسان.
ففي قول أبي ثور ذلك على الساكن، لأنه يقوم مقام صاحب الدار، ولا شيء على الساكن، ولا على رب الدار، في قول الشافعي، والنعمان، ويعقوب، ومحمد.
стр. 1998
م ٤٠١١ - واختلفوا في الرجل يكتري الدار على أن يسكنها، فجعلها خان أنبار للطعام.
فقال أبو ثور: لرب الدار أن يمنعه من ذلك؛ لأنه يشين الدار.
وقالت طائفة: ليس له أن يخرجه حتى يستكمل السنة؛ لأن هذا من السكنى، في قول النعمان، وصاحبيه.
م ٤٠١٢ - وإذا [٢/ ١٧٩/ألف] اكترى داراً على أن لا يسكنها (١)، ولا ينزلها، ولا ينزل فيها أحداً كانت الإجارة فاسدة، فإن سكنها: كان عليه كراء المثل، في قول أبي ثور، وبه قال النعمان وصاحباه، غير أنه قال: إن سكنها فعليه أجر مثلها، لا ينتقص مما سمى شيئاً.
م ٤٠١٣ - واختلفوا في الدار يكتريها الرجل ولم يرها، وقد وصفت له.
فقالت طائفة: إذا كانت كما وصفت له: لزمه الكراء، وإن لم تكن كما وصفت له: فالكراء باطل، هذا قول أبي ثور.
وفي قول أصحاب الرأي: هو بالخيار إذا رآها.
م ٤٠١٤ - وإن أحدث الساكن تنوراً في الدار، كما يحدث الناس، فاحترق من الدار شيء، فلا شيء على الساكن، في قول أبي ثور، وأبي حنيفة، ويعقوب، ومحمد.
стр. 1999
١٧ - باب أجرة المشاع
قال أبو بكر:
م ٤٠١٥ - واختلفوا في الرجل يستأجر من الرجل نصف دار مشاع، أو نصف عبد، أو نصف دابة.
ففي قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد: الإجارة في ذلك كله جائزة.
ولا يجوز ذلك في قول النعمان.
قال أبو بكر: وبقول مالك أقول، لأن ذلك لما كان معلوما في البيع لزم من خالفنا أن يكون كذلك في الكراء.
١٨ - باب مسائل الصناع
قال أبو بكر:
م ٤٠١٦ - واختلفوا في الرجل يدفع الثوب إلى الخائط ينسجه بالثلث أو بالربع.
فكره ذلك الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، والثوري.
ولا يجوز ذلك في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وروينا عن عطاء: أنه رخص فيه، وبه قال الزهري، وأيوب، ويعلي بن حكيم، وقتادة، وأحمد، وإسحاق.
стр. 2000
واحتج أحمد:
(ح ١٣٣١) بحديث أن النبي- ﷺ "اعطى خيبر على الشطرِ".
وحكى أحمد عن ابن سيرين: أنه كان لا يرى بأساً بالثلث ودرهم.
م ٤٠١٧ - واختلفوا في رجل أسلم إلى طحان قفيزا من حنطة، ليطحنه له بدرهم ويربع دقيق منها.
فقال ابو ثور: ذلك جائز.
وقال النعمان: هو فاسد.
م ٤٠١٨ - واختلفوا [٢/ ١٧٩/ب] في الرجل يستصنع عند الرجل الشيء، مثل الإبريق، والطست، والخف، وما أشبه ذلك، فوصف ذلك صفة معروفة، وضرب له أجلاً معلوماً.
فقالت طائفة: هو جائز، ولا خيار له إذا أتى به على الصفة، هذا قول أبي ثور.
وقال النعمان: هو جائز، وللمستصنع الخيار، إذا رآة مفروغاً منه.
قال أبو بكر: قول أبي ثور أصح.
واختلفوا في الرجل يدفع على الرجل الثوب ليصبغه، فصبغه، قال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، وقال الصباغ: أمرتني أن أصبغه بزعفران.