وفي قول الشافعي: إن وصل إلى سلعة من السلع، فله أن يبيعها ويقتضي من ثمنها ماله.
وليس له إمساك ذلك، في قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح، استدلالاً:
(ح ١٣٣٧) بخبر عائشة ﵂ أن النبي- ﷺ قال لهند: "خذي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف" (١).
١٣ - باب المودَع ينفق على الوديعة بغير إذن ربها
قال أبو بكر:
م ٤٠٧٦ - كان الشافعي، وأصحاب الرأي يقولون: إذا أنفق عليها بغير إذن الحاكم، فهو متطوع، ولا يرجع عليه بشيء [٢/ ١٨٦/ب].
م ٤٠٧٧ - وإن اجتمع من ألبان الماشية شيء، فباعه بغير إذن الحاكم، فالبيع فاسد في قول الشافعي، والكوفي.
وقال قائل: البيع جائز، لأن ذلك حال ضرورة، والواجب عليه أن يمنع مال أخيه من التلف.
وفي قول مالك: يبيع السلطان ذلك، ويعطي المنفق نفقته.
стр. 2032
١٤ - باب المستودع يخالف ما أمر به
قال أبو بكر:
م ٤٠٧٨ - واختلفوا في الرجل، يودع الرجل الوديعة، ويأمره أن يجعلها في بيت بعينه، أو دار بعينها، أو نهاه أن يجعلها في دار له أخرى، أو في بيت له آخر: فجعلها المودَع في الدار التي نهاه أن يجعلها فيها، ففي هذا قولان:
أحدهما: أن لا شيء عليه، لأنه قصد الحرز، وهذا قول قاله بعض أهل النظر.
والقول الثاني: أنه يضمن إن جعلها في دار أخرى غير الدار التي أذن له أن يحرزها فيها، ولا يضمن في البيت، إن خالف فجعلها في بيت آخر.
هذا قول النعمان، ومحمد (١).
قال أبو بكر: لا فرق بينهما (٢).
م ٤٠٧٩ - وإذا دفع إليه وديعة، وقال: لا تخرجها من البلد، وضعها في بيتك، فأخرجها من البلد فضاعت.
ففي قول الشافعي، وأصحاب الرأي: يضمن إلا أن يكون ضرورة، فإن أخرجها لضرورة من خوف لم يضمن في قول الشافعي، وكذلك لو انتقل للسيل أو النار.
стр. 2033
م ٤٠٨٠ - ولو اختلفا في السيل والنار، فإن كان لذلك عين ترى، أو أثر يدل فالقول قول المستودع، وإن لم يكن ذلك فالقول قول المودع مع يمينه.
هذا قول الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: إن انتقل من البصرة إلى الكوفة لشيء لم يكن له بُد، فهلكت فلا ضمان عليه؛ لأن هذا حال عذر.
م ٤٠٨١ - واختلفوا في الحريق تقع في البيت، ويمكن المودع إخراج الوديعة من مكانها فلم يفعل.
فقال قائل: يضمن، لأنه كأنه أتلفه؛ لأنه أمر بحفظه، وهذا مضيع، وهذا يشبه مذهب الشافعي، لأنه قال: من استودع دوابا، فلم يعلفها حتى تلفت: ضمن.
وقال آخر: لا ضمان عليه، لأن النار أتلفتها، وهذا كالرجل المسلم تحيط به النار، ورجل مسلم قادر على إخراجه، فلم يفعل: فهو عاص، ولا عقل عليه ولا [٢/ ١٨٧/ألف] قود.
م ٤٠٨٢ - وإذا أمر رب الوديعة المودَع أن يلقيها في البحر أو النار، ففعل ففيها قولان:
أحدهما: أنه لا شيء عليه، لأن فعله بأمره، هكذا قال الشافعي في الرجل يأمر الرجل أن يقطع رأس مملوكه، فقطعه فعلى القاطع عتق رقبة، ولا قود عليه.
وقال آخر: هو ضامن، لأنه ممنوع من إتلاف المال في غير حال الضرورة، لأن ذلك محرم، وفاعله عاص يجب أن يحجر عليه.
стр. 2034
(ح ١٣٣٨) لنهي النبي- ﷺ عن إضاعة المال (١).
فإذا أمره بما ليس له، فأمره وسكوته سيان.
ولو كان هذا لا شيء عليه، لكان المسلم إذا قال لأخيه المسلم: اضرب عنقي، فقطعه، أن لا شيء عليه، لأنه فعل ما أمره به، وقد أجمع أهل العلم على أن هذا: قاتل ظالم، وقد منعها الله تعالى من مال
المسلم ومن ودمه.
(ح ١٣٣٩) وقد جمع النبي- ﷺ بين تحريمهما.
١٥ - مسائل من كتاب الوديعة
قال أبو بكر:
م ٤٠٨٣ - وإذا استودع رجلان رجلاً مالا دنانير، أو دراهم، أو ثياباً، فجاء أحدهما- وشريكه غائب- فقال: أعطني حصتي.
فقال النعمان: لا يدفع إلى أحد شيئاً حتى يأتي صاحبه.
وقال يعقوب، ومحمد بن الحسن: يقسم ذلك، ويدفع إليه حصته، ولا يكون ذلك جائزاً على الغائب.
стр. 2035
م ٤٠٨٤ - واختلفوا في رجل أودع عبداً محجوراً عليه، أو صبياً وديعة، فأكلها.
فقال النعمان، ومحمد: لا ضمان على الصبي، ولا على الملوك حتى يعتق.
وقال يعقوب: الصبي والعبد ضامنان جميعاً الساعة.
وقال ابن القاسم في الصبي يودع: لا يضمن.
م ٤٠٨٥ - واختلفوا في الرجل تكون عنده الوديعة، فيجعلها رب المال مضاربة مع الودّع.
فكان أحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يجيزون ذلك.
وقال الحسن البصري: الوديعة مثل القرض، لا يدفع مضاربة حتى يقبض.
م ٤٠٨٦ - وإذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم وديعة، وعلى المودَع ألف درهم قرضا لرب الوديعة، فدفع إليه ألفاً، فقال المودَع: هذه الألف التي قضيتك هي القرض، وتلفت الوديعة، وقال الذي دفع الوديعة: [٢/ ١٨٧/ب] إنما قبضت الوديعة، والقرض على حاله.
فالقول قول القاضي المودّع مع يمينه، وهو برئ من المالين جميعاً.
وهذا يشبه مذهب الشافعي، وبه قال أصحاب الرأي.
م ٤٠٨٧ - وإذا أودع رجل رجلاً مالاً، فقال المودع: أمرتني أن أنفقه على أهلك أو أتصدق به، أو أهبه لفلان، وأنكر المودع ذلك.
стр. 2036
فالقول قوله مع يمينه، وهذا على مذهب الشافعي، وبه قال أصحاب الرأي.
م ٤٠٨٨ - وإذا شرط المودع على المودَع أنه ضامن للوديعة (١).
فلا ضمان عليه، كذلك قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ويشبه ذلك مذهب مالك.
وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه قال: هو ضامن.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
م ٤٥٨٩ - وإذا أودعه ألف درهم، فجاء رجل فقال: إن (٢) رب الوديعة بعثني إليك لتبعث إليه بالوديعة، فصدقه ودفعها إليه، فهلكت عنده، وأنكر رب الوديعة أن يكون بعثه.
فقال أصحاب الرأي: المودَع ضامن، ولا يرجع على الرسول بشيء.
فإن كان حين جاءه بالرسالة كذبه، ودفعها إليه على ذلك، فهلكت، ثم جاءه رب الوديعة، فأنكر ذلك: فالمودَع ضامن، ويرجع بذلك على الرسول.
وكذلك إن دفعها إليه، ولم يصدقه ولم يكذبه.
قال أبو بكر: وإن علم المودَع صدق ما قال الرسول: لم يرجع عليه بشيء لأنه يعلم أن رب الوديعة ظالم له.
م ٤٠٩٠ - واختلفوا في الرجل يبعث مع رسوله بالمال إلى رجل، وأمره
стр. 2037
أن يدفعه إليه، فقال الرسول: قد دفعته إليه، وقال المرسل إليه: لم يدفع إلى شيئاً.
فقال مالك: لا يقبل قول الرسول إلا ببينة، وإلا غرم.
وقال أصحاب الرأي: القول قول المستودع مع يمينه، لأنه أمين، لأنه لو قال: قد رددتها إليك، كان القول قوله.
قال أبو بكر: وقد قال قائل: إن قال له: اقض عني الدين الذي علي فقال: قد دفعته، ولم يشهد عليه- لم يبرأ الرسول، وإن كانت أمانة فالقول قوله.
стр. 2038
٧٥ - كتاب العارية
قال أبو بكر:
قال الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ الآية.
م ٤٠٩١ - واختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿الْمَاعُونَ﴾.
فكان ابن مسعود يقول: العواري، الدلو، والقدر، والميزان.
وقال ابن عباس: العارية.
وقال عكرمة: إذا جمع ثلاثتها فله الويل، إذا سها عن الصلاة، وراءى، ومنع [٢/ ١٨٨/ألف] الماعون، فله الويل.
وقالت فرقة: إنها الزكاة، روي هذا القول عن علي، وابن عمر ﵃، والحسن البصري، وزيد بن أسلم.
قال أبو بكر: واحتمل أن يكون أريد بقوله (١) الماعون: العارية واحتمل أن يكون أراد الزكاة.
стр. 2039
فدلت الأخبار عن النبي- ﷺ أن الفرض في مال السلم: الزكاة.
وأجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في مال المسلم، واختلفوا في العواري فالذي أجمع عليه يجب لإجماعهم، والمختلف فيه من العواري غير واجب.
(ح ١٣٤٠) وقد روينا عن النبي- ﷺ أنه قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ماعليك".
١ - باب تضمين العارية
قال أبو بكر:
م ٤٠٩٢ - أجمع أهل العلم على أن المستعر لا يملك بالعارية الشيء المستعار.
م ٤٠٩٣ - وأجمعوا كذلك على أن له أن يستعمل الشيء المستعار، فيما أذن له أن يستعمله فيه.
م ٤٠٩٤ - وأجمعوا على أن المستعير إذا تلف الشيء المستعار أن عليه ضمانه.
م ٤٠٩٥ - واختلفوا في وجوب الضمان عليه إن تلفت العارية من غير جنايته.
فقالت طائفة: لا يضمن، روينا عن علي ﵁، وابن مسعود أنهما قالا: ليس على مؤتمن ضمان، وممن كان لا يرى
стр. 2040
العارية مضمونة، الحسن البصري، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الثوري، وإسحاق، والنعمان وأصحابه (١).
وقالت طائفة: العارية مضمونة، روينا هذا القول عن ابن عباس، وأبي هريرة، وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد.
وفيه قول ثالث: وهو أن العارية إذا كانت مما يظهر تلفها، مثل الرقيق، والحيوان، والدور، وما أشبه ذلك، فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى- وما كان من ثياب، أو حلي، أو عروض: فهو ضامن إلا
أن يصيبه أمر من الله يعذر به وتقوم عليه بينة، فلا يضمن، هذا قول مالك.
وفيه قول رابع: وهو أن المعير إن شرط الضمان في العارية، فهي مضمونة، وإن لم يشترط فليس بشيء، هذا قول قتادة.
قال أبو بكر: احتج الشافعي، وأحمد:
(ح ١٣٤١) بأخبار صفوان في تضمين العارية.
وقد اختلف الرواة [٢/ ١٨٨/ب] في أسانيد هذا الحديث ومتونها.
стр. 2041
(ح ١٣٤٢) وفي بعض الأخبار: أن النبي ﷺ قال لصفوان: "إن شئت غرمناها لك".
وفي هذا دليل على أنها ليست بمضمونة.
ولا أعلم من رأى تضمينها حجة توجب ذلك.
٢ - باب الأرض تستعار على أن يبني فيها المستعير ثم يبدو لرب الأرض في إخراجه
قال أبو بكر:
م ٤٠٩٦ - واختلفوا في الأرض، يستعرها الرجل على أن يبني فيها المستعير (١)، أو يغرس، ولم يوقت في ذلك وقتاً، أو وقت وقتاً، ثم إن رب الأرض أراد إخراجه من أرضه.
فقالت طائفة: إذا أخرجه ضمن له قيمة بنيانه وغرسه، وقت له وقت دفعها عليه، أو لم يوقت، هذا قول الشافعي.
قال: فإن كان قال له: فإن انقفضت العشر سنين كان عليك أن تنقض بناءك، كان ذلك عليه، لأنه لم يغره وإنما غر نفسه.
وقال ابن أبي ليلى: الذي أعاره ضامن لقيمة البناء، والبناء للمعير.
وقالت طائفة: له إخراجه: وينقض هذا بناءه، ويقلع غرسه، ولا يضمن المعير شيئاً إذا لم يكن وقت له وقتاً، فإن وقت له وقتاً فأخرجه
стр. 2042
قبل الوقت: أدى قيمة ذلك هذا قول أصحاب الرأي وإن شاء صاحب البناء والغراس أخذ بناءه وغرسه.
٢ - باب عارية الدواب
قال أبو بكر:
م ٤٠٩٧ - وإذا استعار الرجل من الرجل دابة، وردّها فلم يلق صاحبها، فربطها في معلف صاحبها.
فكان الشافعي يقول: يضمن.
وقال ابن الحسن: القياس أن يضمن، وأستحسن أن لا أضمنه.
قال أبو بكر: كما قال الشافعي أقول.
م ٤٠٩٨ - وإذا استعار رجل من رجل دابة ليركبها إلى مكة، فتعدى بها إلى الطائف، فعطبت بالطائف أو بعدما ردها إلى مكة، فهو ضامن لها، وعليه الكراء من حيث تعدى مع الضمان، هذا قول الشافعي.
[[ووافق]] أصحاب الرأي [[الشافعي]] في الضمان، وخالفوه في الكراء (٢)، فقالوا: ليس عليه كراء من حيث تعدى.
م ٤٠٩٩ - وإذا استعار دابة على أن يحمل عليها عشرة أمداد قمح، فحمل عليها أحد [٢/ ١٨٩/ألف] عشر مُداً، فهلكت، ففيها أقاويل:
أحدهما: أنه ضامن لجزء من أحد عشر جزءاً من قيمة الدابة.
стр. 2043
هذا قول أصحاب الرأى، ثم قالوا: إذا أمر رجل أن يضرب عبده عشرة أسواط، فضربه أحد عشر سوطاً، فمات: أن عليه ما نقصه ذلك السوط الآخر ونصف قيمته مضروباً (١).
وفي قول ابن أبي ليلى، والشافعي: عليه قيمتها، وقال الشافعي: وعليه الكراء.
وقال مالك فيما حمل على الدابة من الزيادة: إن كان رطلين أو ثلاثة أو ما أشبه ذلك مما لا تعطب الدابة مثله، كان له كراء تلك الزيادة، إن أحب، وليس عليه ضمان، وإن كان في مثل ما زاد عليه ما يُعطب في مثله، كان صاحب البعير مخيراً: فإن أحب فله قيمة بعيره يوم تعدى عليه، وإن أحب فله كراء ما زاد على بعيره مع الكراء الأول، ولا شي له من القيمة.
٤ - باب مسائل من كتاب العارية
قال أبو بكر:
م ٤١٠٠ - وإذا أعار الرجل الرجل الشيء، إلى أجل معلوم، فقبضه، ثم أراد المعير أن يرجع فيأخذ ما أعاره قبل مضي الوقت.
ففي قول مالك: ليس ذلك له، والعارية إلى الوقت الذي أعطيها، هذا قول مالك.
стр. 2044
وفي قول الشافعي: يرجع متى أحب.
م ٤١٠١ - واختلفوا في الرجل يعير الرجل الدابة، فاختلفا: فقال: أعرتنيها إلى بلد كذا، وقال المعير: أعرتك إلى بلد كذا.
فقال مالك: إن كان شيئاً يشبه ما قال المستعير فعليه اليمين.
وفي قول الشافعي، وأصحاب الرأي: القول قول المعير مع يمينه.
واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل الثوب، فيعره غيره.
فقالت طائفة: إذا استعاره ليلبسه هو، فأعطاه غيره، فلبسه، فهو ضامن، وإن لم يسم من يلبسه، فلا ضمان عليه، هذا قول أصحاب الرأي.
وقال بعض أهل النظر: إنه ضامن، لأن المتعارف من أخلاق الناس ألا يعير غيره.
وقال مالك: إذا استعار دابة، فأعارها، فإن لم يفعل بها إلا ما كان يفعل بها الذي أعيرها: فلا شيء عليه.
م ٤١٠٢ - واختلفوا في الرجل يستعير من الرجل الدنانير.
فكان مالك يقول: هو ضامن، ولم يجعله من وجه العارية.
و [٢/ ١٨٩/ب] أصحاب الرأي: هو والقرض سواء.
وقال آخر: لا يجوز، والدراهم والدنانير لا تكون عارية، وليس له أن يشتري بها شيئاً.
م ٤١٠٣ - كان الثوري يقول: إذا استعار شيئاً فعلى الذي أعاره أن يأخذه من عنده.
стр. 2045
وقال أحمد وإسحاق: عليه أن يرده من حيث أخذه.
م ٤١٠٤ - وكان الشافعي لا يرى للعبد أن يعير شيئاً بما بيده من المال.
وقال أصحاب الرأي: لا بأس أن يعير إذا كان يشتري ويبيع.
م ٤١٠٥ - وإذا استعار رجل من رجل ثوباً فلبسه، ثم جحده إياه، وأقام رب الثوب البينة على ذلك، وقد هلك الثوب.
فهو ضامن للقيمة (١) في قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
فأما تضمين الشافعي إياه فلأنه كان يرى العارية مضمونة، وأوجب أصحاب الرأي ذلك لجحوده.
م ٤١٠٦ - وإذا استعار رجل شيئاً ليقاتل به، فضرب به فانكسر، فلا ضمان عليه، وكذلك قال أصحاب الرأي.
م ٤١٠٧ - وإذا قال: أعرتني دابتك فركبتها إلى مكان كذا وكذا بإذنك، وقال رب الدابة: بل أكريتكها إلى ذلك المكان.
فالقول قول الراكب مع يمينه، في أحد قولي الشافعي، وبه قال أصحاب الرأي، والأوزاعي.
وأصح من ذلك- على مذهب الشافعي- أن عليه كراء المثل بعد اليمين.
م ٤١٠٨ - وإذا أقام رجل بينة على أرض ونخل، أنها له، وقد أصاب الذي هي في يديه من غلة النخل والأرض.
فإن النعمان، ويعقوب، ومحمد كانوا يقولون: الذي كانت في يديه ضامن لما أخذ من الثمر، وبه قال الشافعي.
стр. 2046
وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه.
م ٤١٠٩ - وإذا أخذ رجل أرض رجل (١) سنة، اجارة، فأقام فيها سنتين.
فكان النعمان: يقول: يعطى أجر السنة الأولى، وهو ضامن لما نقصت الأرض السنة الثانية، ويتصدق بالفضل، وبه قال يعقوب، ومحمد.
وقال ابن أبي ليلى، والشافعي: عليه أجر المثل في السنة الثانية.
م ٤١١٠ - وإذا وجد الرجل كنزاً قديماً، في أرض رجل، أو داره.
فكان الشافعي، والنعمان يقولان: هو لرب الدار، ويخمس، وبه قال محمد.
وقال ابن أبي ليلى، ويعقوب، وأبو ثور: هو للذي وجده [٢/ ١٩٠/ألف] ويخمّس.
стр. 2047
٧٦ - كتاب اللقيط (١)
قال أبو بكر:
م ٤١١١ - أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر، وروينا هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والشعبى، والنخعي، والحكم، وحماد، ومالك، والثوري،
والشافعي، وإسحاق، ومن تبعهم من أهل العلم.
م ٤١١٢ - وأجمعوا كذلك على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين، في أي مكان وجد ميتاً، أن غسله ودفنه يجب في مقابر المسلمين.
م ٤١١٣ - ومنعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين.
م ٤١١٤ - وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال للذي التقطه: "هو حرّ وولاؤُه لك"، وبه قال شريح.
وقال مالك بن أنس: ولاؤه للمسلمين.
وقال الشافعي: لا ولاء له، وإنما يرثه المسلمون بأنهم خُوِلوا كل مال لا مالك له.
стр. 2048
١ - باب النفقة على اللقيط
قال أبو بكر:
أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة ولد إن كان له.
م ٤١١٥ - وكان شريح، والشعبي، وكثير من أهل العلم يقولون: إن أنفق عليه بغير أمر حاكم، وهو متطوع، لا يرجع به عليه، وهذا قول مالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان (١)،
وابن الحسن.
قال أبو بكر: وبه نقول.
وإنما تجب نفقته من بيت مال المسلمين، من مال الفيء.
وقد روينا عن شريح، والنخعي أنهما قالا: يرجع (٢) بالنفقة عليه إذا أشهد.
وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: يحلف ما أنفق عليه احتساباً، فإن حلف استسعي.
وقد روينا عن علي ﵁ قولاً رابعاً: وهو أن اللقيط إن كان موسراً رد عليه، وإن لم يكن كذلك كان ما أنفق عليه صدقة.
стр. 2049
وفيه قول خامس: قاله أحد بن حنبل قال: نفقته إذا أنفق تؤدى من بيت المال.
وفيه قول سادس: قاله إسحاق بن راهويه قال: إن كان حين أنفق عليه نوى أخذه، عوض من بيت المال، وإن تورع فلا شيء عليه.
قال أبو بكر: وهذا كله إذا أنفق بغير أمر الحاكم.
م ٤١١٦ - فإن رفع أمره إلى الحاكم، فأمره بالنفقة عليه.
ففي قول الثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي: يلزم ذلك اللقيط [٢/ ١٩٠/ب] إذا بلغ، إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف.
قال أبو بكر:
م ٤١١٧ - وإذا كان اللقيط في مكان ليس فيه إمام، وجب على الملتقط وعلى سائر المسلمين ألا يضيعوه، ويحيوه، ولا يرجعون عليه بما أنفقوا.
م ٤١١٨ - فإذا أمره الإمام بالنفقة، فانفق، واختلف هر واللقيط في ذلك، فقال اللقيط: أنفقت علي خمسين ديناراً، وقال الملتقط: أنفقت عليك مائة دينار.
ففي قول الشافعي: القول قول اللقيط في ذلك مع يمينه.
م ٤١١٩ - وقال أصحاب الرأي: إذا أمره القاضي أن ينفق عليه، على أن يكون دينار عليه، فهو جائز وهو دين عليه.
م ٤١٢٠ - فإذا أدرك اللقيط، وكان عدلا، جازت شهادته، في قول مالك، والشافعي، والكوفي، وغيرهم.
стр. 2050
٢ - باب دعوى اللقيط
قال أبو بكر:
م ٤١٢١ - وإذا ادعى الذي التقط اللقيط، وهو حر- أنه ابنه: قبل قوله، ولحق به نسبه (١)، في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
وقال قائل: لا يقبل قوله:
(ح ١٣٤٣) لقول النبي- ﷺ : "البينة على المدعي".
وقل من يقول هذا.
م ٤١٢٢ - واختلفوا في اللقيط، يوجد في مصر من أمصار المسلمين، فادعاه ذمي: فقال الشافعي: نجعله مسلماً، لأنا لا نعلمه كما قال، وبه قال المزني (٢).
وقد قال الشافعي غير ذلك.
وقال أبو ثور: لا يقبل قول الذمي أنه ابنه، لأنه يحكمون له بحكم الإسلام، وغير جائز أن يكون ابنه ويكون مسلما.
وقال ابن الحسن: أجعله ابنه، وأجعله مسلما.
م ٤١٢٣ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن امرأة: لو ادعت اللقيط، أنه ابنها: أن قولها لا يقبل.
هذا قول الثوري، والشافعي، ويحيى بن آدم، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
стр. 2051
م ٤١٢٤ - ولو وجدته امراة، فقالت: هو ابني من زوجي هذا، وصدقها الزوج: كان ابنهما، في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
م ٤١٢٥ - واختلفوا فيه إذا ادعاه رجلان، وأقام كل واحد منهما البينة على أنه ابنه.
ففي قول الشافعي: تراه القافة، فبأيهما ألحقوه لحق، وإذا قالت: هو ابنهما: انتسب إذا بلغ إلى أيهما شاء.
وقال أصحاب الرأي: [٢/ ١٩١/ألف] يكون ابنهما.
م ٤١٢٦ - وإذا ادعاه مسلم وذمي: كان ابن المسلم في قول أبي ثور.
م ٤١٢٧ - وإذا ادعاه الذي وجده أنه عبده: لم يقبل قوله، في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، لأن اللقيط حر.
م ٤١٢٨ - وإذا ادعى اللقيط رجلان، فأقام واحدهما البينة أنه ابنه، وأقام الآخر بينة أنها ابنته، فإذا هو خنثى.
ففي قول أبي ثور: إن بال من الذكر فهو رجل يحكم به للذي قال هو ابني، وإن بال من قبل الفرج فهو جارية يحكم به لصاحب الجارية، وإن كان مشكلا: أرى القافة.
стр. 2052
٣ - باب اللقيط يدعيه مسلم ونصراني
قال أبو بكر:
م ٤١٢٩ - وإذا التقط اللقيط رجلان، فتنازعا فيه.
فكان الشافعي يقول: يقرع بينهما، فأيهما خرج سهمه، سلم إليه.
وفيه قول ثان: وهو أنهما جميعاً يقومان بأمره.
قال أبو بكر:
م ٤١٣٠ - فإن كان أحدهما مقيماً، والآخر ظاعنا: كان المقيم أولى به، في قول الشافعي.
والقروي أولى به من البدوي، والحر أولى به من العبد، والمسلم أولى به من النصراني، في قول الشافعي.
وقال ابن الحسن: المسلم أولاهما به.
م ٤١٣١ - وإذا وجد اللقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك، فهو ذمي، على ظاهر ما حكموا به: إذا وجد في مصر من أمصار المسلمين: أنه مسلم، وهذا على قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: وبه نقول.
٤ - باب اللقيط يقتل، أويُقتل، أويُقذف
قال أبو بكر:
стр. 2053
م ٤١٣٢ - وإذا قتل اللقيط عمداً، فأمره إلى الإمام (١): إن شاء أخذ العقل، وإن شاء قتل، هذا قول الشافعي.
وبه نقول.
(ح ١٣٤٤) لقول النبي- ﷺ "السلطانُ وليّ من لا وليّ له".
وقال النعمان، ومحمد: إن شاء السلطان قتله، وإن شاء صالحه على الدية.
وقال يعقوب: الدية عليه في ماله، ولا أقتله.
قال أبو بكر: قول الشافعي صحيح.
قال أبو بكر:
م ٤١٣٣ - وإذا قُتل اللقيط خطأ، فديته: دية حر، على عاقلة القاتل، فتؤخذ، وتوضع في بيت المال، في قول الشافعي، والكوفي.
م ٤١٣٤ - وإذا قذفه قاذف.
فإن الشافعي قال: لا أحد له حتى أسأله، فإن قال: أنا حر حددت [٢/ ١٩١/ب] قاذفه، وإن قذف حُد.
قال أبو بكر: وللشافعي- فيها- قول آخر: أنه لا يحد له حتى تثبت البينة أنه حر قاله (٢) المزني عنه.
стр. 2054
وقال أصحاب الرأي: يحد قاذفه في نفسه، ولا يحد قاذفه في أمه.
قال أبو بكر: إذا كانوا يقولون: إن اللقيط حر، لزمهم أن يحكموا له بأحم الأحرار.
ولو قال لرجل حر (١): يا منبوذ، فإنه يضرب الحد.
٥ - باب ميراث اللقيط
قال أبو بكر:
م ٤١٣٥ - وإذا مات اللقيط قبل أن يبلغ، فميراثه في بيت مال المسلمين، في قول مالك، والثوري، والشافعي، والكوفي.
قال أبو بكر: هذا كله (٢) إذا مات قبل أن يبلغ، وينكح.
فإن نكح امرأة، وتوفي عنها، فلها الربع، والباقي للمسلمين.
فإن خلف ولدا وزوجة: قسم ميراثه بينهم، على فراض الله .
فإن كانت الورثة لا يحرزون (٣) جمع المال: كان الباقي عن مواريثهم للمسلمين.
стр. 2055
٦ - باب المال يوجد مع المنبوذ
قال أبو بكر:
م ٤١٣٦ - كان الشافعي يقول: إذا وجد مع المنبوذ مال، فهو له، وبه قال أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم.
م ٤١٣٧ - وقال الشافعي: ما وجد قريباً منه، من مال وغيره: فهي ضالة ولقطة.
م ٤١٣٨ - ويأمر الحاكم الذي وجدَ المنبوذ، أن ينفق عليه، إذا كان ثقة، ويشهد بما وجد عليه، وإن كان غير ثقة، نزعه الحاكم منه.
وما أنفق عليه بغير أمر الحاكم ضمن.
قال أبو بكر: وفي الإنفاق عليه- مما وجد معه بغير إذن الحاكم- قول ثان: وهو أن لا شيء عليه، لأنه قام بما يجب عليه وعلى الحاكم وعلى جميع المسلمين.
٧ - باب إقرار اللقيط أنه عبد لفلان (١)
قال أبو بكر:
م ٤١٣٩ - كان الشافعي يقول: وإذا بلغ اللقيط، فاشترى، وباع، ونكح امرأة، ثم أقر أنه عبد لرجل: ألزمته ما لزمه قبل إقراره.
وإلزامه الرق قولان:
стр. 2056
أحدهما: أن إقراره يلزمه في نفسه، وفي الفضل من ماله عن غرمائه ولا يصدق في حق غيره.
ومن قال: أصدقه في الكل، قال: لأنه مجهول الأصل.
وقال أصحاب الرأي: إن أقر اللقيط بعد ما يدرك [٢/ ١٩٢/ألف] أنه عبد لفلان، وادعى ذلك فلان: ألزمته إقراره.
وقال ابن القاسم صاحب مالك (١): لا أقبل قوله أنه عبد.
قال أبو بكر: والذي قال ابن القاسم يحتمل النظر، لأنهم حكموا له بحكم الأحرار، لم يجز أن يتحول عبداً إلا بحجة.
стр. 2057
٧٧ - كتاب اللقطة
١ - باب أخذ اللقطة وتركها
قال أبو بكر:
م ٤١٤٠ - اختلف أهل العلم في أخذ اللقطة وتركها.
فكرهت طائفة أخذها، روينا هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وبه قال جابر بن زيد، وعطاء بن أبي رباح، والربيع بن [[خثيم]]، وأحمد بن حنبل.
ومرّ شريح بدرهم فلم يعرض له.
وممن رأى أخذها: سعيد بن المسيب، والحسن بن صالح.
وقال الشافعي بالعراق: الورع ألا يأخذها، وقال مرة: لا أحب لأحد ترك لقطة وجدها، إذا كان أميناً عليها.
وممن رأى أخذ اللقطة أبي بن كعب:
(ح ١٣٤٥) وجد صُرة فيها مائة دينار، على عهد رسول الله- ﷺ ،
стр. 2058
فأتى بها النبي- ﷺ .
وقال مالك: إذا كان شيئاً له بال: يأخذه أحب إلى، ويعرفه.
٢ - باب ما يفعل باللقطة اليسيرة
قال أبو بكر:
م ٤١٤١ - واختلفوا فيما يفعل باللقطة اليسيرة.
فرخصت فرقة في أخذها، والانتفاع بها.
فممن روينا ذلك عنه: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة ﵃، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، وجابر بن زيد، والنخعي، ويحيى بن أبي كثير.
وقال الحسن بن صالح: تعرف العشرة الدراهم السنة، وما دون العشرة يعرفها ثلاثة أيام.
وقال الثوري في الدارهم: يعرفه أربعاً.
وقال أحمد: يعرفه سنة.
وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرفه جمعة، أو نحوها.
стр. 2059
وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكثيرها.
هذا قول مالك، والشافعي.
وقال أحمد: يعرف كل شيء إلا ما لا قيمة له، وبه قال إسحاق، وهذا اختلاف من قول إسحاق.
وقال مالك في الفلس، والقُرْص، والجوزة: يتصدق به من يومه.
قال أبو بكر: يعرف قليل اللقطة وكثيرها، على ظاهر:
(ح ١٣٤٦) قول النبي ﷺ : عرّفها سنةً".
ْولا يجوز أن يستثني من أخبار رسول الله- ﷺ إلا بخبر مثله.
(ح ١٣٤٧) وقد رأى [٢/ ١٩٢/ب] رسول الله- ﷺ تمرةً، فقال: "لولا أن
تكون صدقة لأكلتُها".
فالتمرة مستثناة من [[جملة]] اللقطة، وما كان في معناها.
ونستعمل في سائر اللقطة ما سنه رسول الله- ﷺ .
م ٤١٤٢ - واختلفوا فيمن التقط ما لا يبقى سنة.
فقال مالك، وأصحاب الرأى: يتصدق به.
وقال الثوري: يبيعه، ويتصدق بثمنه.
стр. 2060
وقال الشافعي: يأكله إذا خاف فساده، ويغرمه لربه، وقال مرة: يبيعه، ويقيم على تعريفه.
٢ - باب الوقت الذي تعرف إليه اللقطة
قال أبو بكر:
(ح ١٣٤٨) ثبت أن رسول الله- ﷺ أمر بأن تعرف اللقطة سن.
م ٤١٤٣ - واختلفوا في أقصى المدة التي إليها تعرف اللقطة.
فقالت طائفة: تعرف سنة، روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبى، ومالك، والشافعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وأصحاب الرأي.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب ثلاث روايات غير هذه الرواية.
أحدها: أنه يذكرها ثلاثة أيام، ثم يعرفها سنة.
والثانية: أن يعرفها ثلاثة أعوام.
والثالثة: أن يعرفها ثلاثة أشهر.
قال أبو بكر: والذي أرى أن تعرف اللقطة سنة على ظاهر:
(ح ١٣٤٩) خبر زيد بن خالد.
стр. 2061
٤ - باب ما يفعل باللقطة بعد التعريف
قال أبو بكر:
م ٤١٤٤ - واختلفوا فيما يفعله الملتقط بعد التعريف.
فقالت طائفة: شأنه بها، روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعائشة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول ثان: وهو أن يتصدق بها، روينا هذا القول عن علي، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن (١)، وعكرمة، وطاووس.
وكان عطاء يقول كقول عكرمة، ثم قال كما روينا عن ابن مسعود.
وممن كان يعرفها حولاً، ثم يتصدق بها، ويخير صاحبها إذا جاء بين الأجر أو الغرم له: مالك بن أنس، والثوري، والحسن بن صالح، وأصحاب [٢/ ١٩٣/ألف] الرأي.
وفيه قول ثالث: وهو أن يجعلها في بيت مال المسلمين، روينا هذا القول عن عمر، وابن عمر.
стр. 2062
قال أبو بكر: والذي أرى أن يعرفها سنة، فإن جاء صاحبها دفعها إليه، وإن لم يأت فعل بها ما شاء، إن شاء انتفع بها، وإن شاء تركها فلم ينتفع بها، وإن شاء تصدق بها.
فإن جاء صاحبها، وقد انتفع بها أو تصدق بها، فهو ضامن لمثلها إن كان لها مثل، أو لقيمتها إن لم يكن لها مثل.
خبر رسول الله- ﷺ على ذلك يدل.
٥ - باب المواضع التي تعرف فيها اللقطة
قال أبو بكر:
(ح ١٣٥٠) ثبت أن رسول الله- ﷺ أمر الذي وجد اللقطة أن يعرفها.
لم يخص موضعاً دون موضع.
(ح ١٣٥١) ودل حديث أبي هريرة عن النبي- ﷺ أنه قال: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا".
على أن المساجد ممنوعة من أن ينشد فيها الضوال.
فللمرء أن ينشد الضاله حيث شاء إلا في المسجد.
م ٤١٤٥ - قد روينا عن عمر أنه قال لمن وجد لقطة" عرفها على
стр. 2063
أبواب المسجد" وبه قال مالك بن أنس، والشافعي.
قال أبو بكر: وبه نقول.
٦ - باب الإشهاد على اللقطة، والنهى عن كتمانها وتعيينها والأمر بتعريفها، وذكر اختلافهم في المُخبر بعفاص اللقطة ووكائها ووعائها، يريد أخذها
قال أبو بكر:
(ح ١٣٥٢) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال في اللقطة: تُعرف، ولا تُغيبْ، ولا
تُكتم، فإن جاء صاحبها، وإلا فهي من مال الله يؤتيه من يشاء" (٢).
م - واختلفوا فيمن يطلب اللقطة، ويخبر بعفاصها (٣)، ووكائها (٤)، ووعائها، ويذكر أنها له.
стр. 2064
فقالت طائفة: يعطيه إياها، كذلك قال أحمد قال: لا يطلب منه البينة، وكذلك قال ابن القاسم صاحب مالك.
وقال الشافعي: إذا وقع في نفسه أنه صادق (١)، دفعها إليه، ولا يجبر على ذلك إلا ببينة.
قال أبو بكر: بقول أحمد أقول.
(ح ١٣٥٣) للثابت عن رسول الله- ﷺ [٢/ ١٩٣/ب] أنه قال: "فإن جاءك
أحد يُخبركَ بعددِها، ووعائها، ووكائها، فادفعها إليه".
وقال أصحاب الرأي: إذا كانت دنانير أو دراهم، فسمي وزنها، وعددها، ووكاءها، ووعاءها، إن شاء دفعها إليه وأخذ كفيلا بذلك، فإن أبي لم يجبر على ذلك إلا ببينة.
قال أبو بكر:
م ٤١٤٧ - وفيمن دفع لقطة إلى من أتى يصفها، ثم أتى آخر، فأقام البينة أنها له، قولان:
أحدهما: أن لا غرم عليه، لأنه فعل ما أمر به، وهو أمين، والشيء ليس بضمون، هذا قول ابن القاسم صاحب
стр. 2065
مالك (١)، وأبي عبيد.
والثاني: قول أصحاب الرأي: أنه يضمن، وهو يشبه مذهب الشافعي؛ لأن قوله كقولهم.
وكان أبو عبيد يقول: "الوعاء الذي تكون فيه اللقطة، من جلد كان، أو غيره، وقوله: ووكائها، تعني: الخيط الذي تشد به".
٧ - باب اللقطة تضيع من ملتقطها قبل الحول أو بعده
قال أبو بكر:
م ٤١٤٨ - واختلفوا في اللقطة تضيع من ملتقطها قبل الحول، أو بعده.
فقال كثير من أهل العلم: لا ضمان عليه، كذلك قال الحسن البصري، والنخعي، وأبو مجلز، والحارث العُكلي، ومالك بن أنس، ويعقوب.
وقال النعمان، وابن الحسن: إن كان حين أخذها قال: إنما أخذتها لأردها على أهلها، وأشهد على ذلك شاهدين بمقالته: لم أضمنه، وإن لم يكن كذلك: ضمناه.
وقد قال الحسن البصري مرة: هو ضامن.
قال أبو بكر: إذا أخذ اللقطة ليحفظها على ربها، فضاعت، فلا ضمان عليه، وإذا أقر أنه أخذها ليذهب بها، فضاعت، فهو ضامن.
стр. 2066
٨ - باب الملتقط يرد اللقطة إلى مكانها
قال أبو بكر:
م ٤١٤٩ - واختلفوا في اللقطة يأخذها، ثم يردها حيث وجدها.
فقالت طائفة: هو ضامن، روينا هذا القول عن طاووس، وهو مذهب الشافعي.
وقال مالك: لا ضمان عليه.
قال أبو بكر: الأول أصح (١).
وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال لرجل وجد (٢) بعيرا: أرسله حيث وجدته، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: إن أرسله ضمن.
قال أبو بكر: من قلد الواحد من أصحاب رسول الله- ﷺ قال بقول عمر، ومن جعل الأشياء على النظر ضمنه [٢/ ١٩٤/الف].
٩ - باب لقطة مكة
قال أبو بكر:
(ح ١٣٥٤) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "ولا تحلُّ لقطتها إلا
стр. 2067
لمنُشدٍ" يريد مكة.
م ٤١٥٠ - واختلفوا في لقطة مكة.
فقالت طائفة (١): حكم لقطتها كحكم لقطة (٢) سائر البلدان، روينا هذا القول عن عمر، وابن عباس، وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل.
وفيه قول ثان: وهو أن لقطت لا تحل البتة، وليس لواجدها فيها إلا الإنشاد أبداً، هذا قول ابن مهدي، وأبي عبيد.
م ٤١٥١ - واختلفوا في معنى قوله: "إلا لمنشد".
فكان جرير بن عبد الحميد يقول: إلا لن سمع ناشداً يقول قبل ذلك أو معروفاً: من أصاب كذا وكذا، فحينئذ يجوز أن يرفعها ليردها على صاحبها.
ومال إسحاق إلى قول جرير.
وذكر أبو عبيد: "أن ابن مهدي قال: إنما معناه لا تحل لطقتها كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشد، فقال: "إلا لمنشد" وهو يريد المعنى الأول.
وقال أبو عبيد: المنشد المعرف، والطالب: الناشد".
قال أبو عبيد: "وليس يخلو قوله: "إلا لمنشد" إن كان أراد
стр. 2068
المعرف، فعلى هذا، لا تحل له اللقطة أبداً، وعليه أن يعرفها حتى يجد طالبها، أو يكون أراد به الطالب: فلا تحل لغيره".
فعلى أي المعنيين كان: فليس تحل لقطة مكة إلا لصاحبها، لأنها خصت من بين البلدان، والله أعلم.
١٠ - باب ضالة الإبل
قال أبو بكر:
(ح ١٣٥٥) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال للذي سأله عن ضالة الإبل: "مالك
ولها؟ معها حذاؤُها وسقاؤُها، تردُ الماءَ وتأكل الشجر، دعها حتى يجدها ربُها".
قال أبو عبيد: "معها (١) حذاؤها وسقاؤها، يعني بالحذاء: أخفافها وسقاؤها: يعني أنها تقوي على ورود الماء لتشرب، والغنم لا تقوى على ذلك".
م ٤١٥٢ - وقد اختلفوا في ضالة الإبل.
فكان مالك يقول في قول عمر بن الخطاب: "من أخذ ضالةً فهو ضال"، أي مخطئ، فلا يأخذها، وبه قال الأوزاعي،
стр. 2069
والشافعي، والليث بن سعد قال في ضالة الإبل: من وجدها في القرى: عرّفها، وفي الصحراء: لا يقرا.
وكان الزهري يقول: من وجد ضالة بدنة، فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها [٢/ ١٩٤/ب] فلينحرها قبل أن تنقضى الأيام الثلاث.
١١ - باب النفقة على الضالة
قال أبو بكر:
م ٤١٥٢ - واختلفوا فيمن وجد ضالة، فأنفق عليها، وجاء ربها.
فقالت طائفة: يغرم له ما أنفق، هذا قول عمر بن عبد العزيز، ومالك.
وكان الشعبي لايعجبه قضاء عمر بن عبد العزيز.
وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي.
وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه كان ينفق على الضوال من بيت المال، وبه قال سعيد بن المسيب.
م ٤١٥٣ - وقال مالك في ضوال الإبل: يأمر الإمام ببيعها، ووضع ثمنها، فإن جاء صاحبها دفع إليه الثمن.
وقال في الرقيق الذي يأبقون: يؤخذون فيحبسون، فإن لم يأت طالب، بيعوا.
فإن جاء طالبهم بعد أن يبيعوا، لم يكن له إلا الثمن، وليس ذلك لغير الإمام.
وقال الشافعي: وإذا وجد بعيراً، فأراد رده على صاحبه، فلا بأس بأخذه، ولا يأخذه ليأكله.
стр. 2070
وإن كان للسلطان حمّى: صنع كما صنع عمر بن الخطاب ﵁.
م ٤١٥٤ - وقد روينا عن ابن عمر أنه كان يُسهل في شرب لبن الضالةِ، وروي ذلك عن عائشة ﵃.
وقال مالك في اللبن: عسى أن يأكل منها، فأما نتاجها فلا يأكل منها شيئاً.
١٢ - باب ضالة البقر والغنم
قال أبو بكر:
(ح ١٣٥٦) روينا عن جرير (١) بن عبد الله أنه طرد بقرة لحقت بالبقر، حق توارت، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يأوي الضالة إلا ضال".
م ٤١٥٥ - وممن رأى أن ضالة البقر كقالة الإبل: طاووس، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد.