وقال الحارث، وحماد بن [٢/ ٢١٥/ألف] أبي سليمان، في رجل أهدى إلى رجل هدية، وهو غائب، فمات المهدي إليه- فقالا: الهدية لورثته، لأنه شيء (١) قد كان أمضاه.
وفيه قول ثالث: وهو أن الهدية إن كان بعث بها المهدي مع رسوله فمات الذي أهدي إليه فإنها ترجع إليه، وإن كان أرسل بها مع رسول الذي أهدي إليه، فمات المهدي إليه: فهي لورثته.
هذا قول الحكم، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول رابع: وهو أن الهبة (٢) لا تتم إلا بالقبض من الموهوب له (٣)، أو وكيله، هذا مذهب الشافعي.
فعلى هذا القول، أيهما مات فهي راجعة إلى الواهب، أو إلى ورثته.
١١ - باب مسائل من كتاب الهبات
قال أبو بكر:
م ٤٣٣٩ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن حكم الهبات في المرض الذي يموت فيه الواهب: حكم الوصايا، ويكون من الثلث إذا كانت مقبوضة، هذا على مذهب المدني (٤)، والشافعي، والكوفي.
стр. 2172
م ٤٣٤٠ - وإذا وهب المسلم للذمي، أو وهب الذمي للمسلم ما يجوز أن يملكه المسلم، وقبض ذلك الموهوب له (١)، وكان الشيء مفروزاً معلوماً: فالهبة جائزة، في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، والكوفي.
م ٤٣٤١ - وإذا وهب رجل لرجلين دارا، قبضاها، فالهبة جائزة.
وكذلك لو وهب رجلان لرجل دارا، فقبضها: جاز، وهذا على مذهب مالك، والشافعي.
وقال النعمان لي الرجل يهب الدار للرجلين، ويدفعها إليهما من غير قسم: إن الهبة غير جائزة.
وقال يعقوب، ومحمد: ذلك جائز.
م ٤٣٤٢ - وإذا وهب الرجل لرجلين مائة درهم، أو مائة دينار، أو مائة شاة، ودفع ذلك إليها، وقبضاها، لم يجز، في قول النعمان.
وهو جائز، في قول مالك (٢)، والشافعي، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد.
م ٤٣٤٣ - ولا يجوز أن يهب المكاتب هبة بغير إذن مولاه، في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
وكذلك العبد وأم الولد.
م ٤٣٤٤ - وإذا وهب الرجل ما على ظهور غنمه من الصوف، أو ما في ضروعها من اللبن: لم يجز ذلك في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
стр. 2173
م ٤٣٤٥ - فإن أمره بجزّ الصوف، أو حلب اللبن، وقبض ذلك: فهو جائز، في قول أصحاب الرأي [٢/ ٢١٥/ب] قالوا: يستحسن ذلك.
م ٤٣٤٦ - وإذا وهب العبد المأذون له في التجارة هبة، لم يجز في قول الشافعي، وأبي ثور، وإن أجاز ذلك السيد: لم يجز.
وقال أصحاب الرأي: إذا أجاز ذلك السيد: جاز إن لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين: لم يجز.
م ٤٣٤٧ - وإذا وهب الرجل ما لم يُخلق، مثل أن يهبه ثمرة نخلة، أو شجرة، أو ما في بطن أمته، أو ما تنتج ماشيته، أو ما أشبه ذلك، مما لم يكن ذلك موجوداً (١)، فهو غير جائز، في قول الشافعي، وأبي ثور والكوفي.
قال أبو بكر (٢): وبه نقول.
م ٤٣٤٨ - واختلفوا في الرجل يهب للرجل الجارية، ويستثنى ما في بطنها ويُقبضه الجارية.
ففي قول أبي ثور: ذلك جائز.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها.
وبه قال النخعي، وأحمد، وإسحاق في البيع والعتق، وبه قال أبو ثور.
стр. 2174
وقال أصحاب الرأي في الهبة: إنها جائزة، وما في بطنها للموهوبة له والاستثناء باطل.
م ٤٣٤٩ - وإذا وهب الرجل عبداً مأذوناً له في التجارة، وعليه دين من رجل: فالهبة جائزة في قول الشافعي، وأبي ثور.
ولا تجوز الهبة في قول أصحاب الرأي، والدين عندهم في رقبة العبد، فلذلك قالوا: لا يجوز أن يوهب العبد.
م ٤٣٥٠ - وإذا وهب الرجل للرجل دُهنَ سمسمه هذا قبل أن يعصر، أو زيت زيتونة: لم يجز في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
وهو جائز على مذهب الشافعي.
م ٤٣٥١ - وقال سفيان الثوري: ولا رجوع في هبة، إلا عند قاض.
وقال ابن أبي ليلى: يرجع دون القاضي، وبه قال إسحاق.
وفي قول الشافعي، وأبي ثور: ليس لأحد أن يرجع فيما يهب، وصحت الهبة، إلا الولد فيما يهب لولد.
стр. 2175
٨٣ - كتاب العمرى والرُّقبى
قال أبو بكر:
(ح ١٣٧٩) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "العمرى لمن وُهبت له".
م ٤٣٥٢ - وقد اختلف أهل العلم في العُمرى.
فقالت طائفة: بظاهر أخبار جابر، إن العمرى لمن أُعمرها حياً وميتاً ولعقبه، روينا هذا القول عن جابر بن عبد الله، وابن عمر ﵄.
وقال شريح: العمرى ميراث لأهلها.
وقال طاووس: العمرى جائزة ويقضى بها.
стр. 2176
وقال مجاهد: العمرى لمن [٢/ ٢١٦/ألف]، أُعمرها، ولوارثه، والرقبى مثلها.
وقال أحمد في العمرى: إذا قال هذا الشيء لك، حياتك، فهو له حياته وموته.
وبه قال أصحاب الرأي، والحسن بن صالح.
وقال الشافعي ﵀: إذا قال: هي عمرى له ولعقبه، فهي للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها.
وقالت طائفة: إذا أُعمر الرجل عُمرى، فهي له ما عاش، ثم ترجع إلى أهلها.
وإن أُعمر رجل عمرى، هو وحده، منه له ما عاش، ثم ترجع إلى أهلها، وإذا أُعمر عُمرى له [[ولولده]]، منه لهم، فإذا انقرضوا ترجع إلى صاحبها الأول، هذا قول القاسم بن محمد، ويزيد بن
قُسيط.
وقال القاسم (١): "ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم، وفيما أعطوا".
وذكر مالك حديث القاسم، قال مالك: وعلى هذا العمل.
وقال أبو ثور: إذا قال: أعمرتك وعقبك، فهي له ولعقبه، وإن لم يقل ذلك: رجعت إذا مات المُعْمَر إلى المُعْمِر (٢)، أو إلى ورثته.
م ٤٣٥٣ - واختلفوا في الرجل يقول: هي لك حياتك، ثم هي لفلان.
стр. 2177
فقال الزهري: هو على شرطه.
وقال قتادة: هي لورثة الأول.
١ - باب الرُّقبى
قال أبو بكر:
(ح ١٣٨٠) ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "العُمرى جائزة لمن أعمرها، والرُّقبى جائزة لمن أرقبها".
م ٤٣٥٤ - وفي حديث ابن عمر ﵁ قال: الرقبى أن تقول هي للآخر مني ومنك موتاً، وبه قال طاووس، وعروة بن الزبير.
وبه قال أبو عبيد، قال: وأصله من الراقبة.
وقال قتادة: الرقبى أن يقول: كذا وكذا لفلان وإن مات فهو لفلان (١).
٤٣٥ - واختلفوا في الرقبى.
стр. 2178
فروينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الرُقبى والعمرى سواء، وبه قال الثوري.
وقال أحمد: هو أن يرقبه (١) بها، يقول: إن متُّ فهي لك، أو راجعة إليّ، فهذا مثل العمرى، لا يرجع إلى الأول أبداً، وبه قال إسحاق.
وقال ابن عباس: من أرقب شيئاً فهو له.
وقال طاووس: من أرقب شيئاً فهو سبيل الميراث.
وقال الزهري: هي وصية.
وقال ابن الحسن: إذا قال: داري لك رقبى فهو باطل.
وإذا قال رجل [٢/ ٢١٦/ب]،لرجلين، عبدي هذا لأطولكما حياة، قال: هذا باطل وهو الرقبى، وبه قال النعمان ومحمد.
٢ - باب السكنى
قال أبو بكر:
م ٤٣٥٦ - اختلف أهل العلم في الرجل يُسكِن الرجل مترلاً حياته.
فقال الشعبي، وإبراهيم النخعي: ترجع إلى أهلها.
وقال الثوري: يرجع فيها صاحبها إن شاء.
стр. 2179
وقال أحمد، وإسحاق: يرجع في السكنى، ولا يرجع في [[العُمرى]] والرُّقبى.
وهذا يشبه مذهب الشافعي في السكنى: أنها عارية، متى شاء رجع فيها، وإن مات المُسكَّن رجع إلى الُمسكِّن.
روي معنى هذا عن حفصة ﵂.
وقال مالك في الرجل يسكن الرجل الدار حياته، فريد أن يكريها، فقال: يكريها قليلاً قليلاً.
وقال عطاء، والحسن، وادة: إذا قال: هذه الدار سكنى لك ما عشت: فهي له، ولعقبه.
وقال الشعبي: إذا قال الرجل للرجل: داري هذه لك سكنى حتى تموت، فإنها له حياته وموته، وإذا قال: هذه اسكنها حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها.
وقال الثوري: إذا قال: هي لك سكنى، رجعت، وإذا قال: هي لك أسكنها، فإنها جائزة له أبداً، إنما هو كالتعليم أبدا منه.
وقال النعمان في الرجل يقول للرجل: هذه لك هبة سكنى، ودفعها إليه، قال: هذه عارية، وإن قال: هي لك هبة سكنى، فهي هبة، وإن قال: هي لك سكنى هبة، فهي سكنى.
стр. 2180
م ٤٣٦٠ - وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا قال: قد جعلت لك هذه الدار فأقبضها، أو هذا العبد فأقبضه، قالوا: هذه هبة.
م ٤٣٦١ - وقال أبو ثور: إذا قال: داري لك سكنى ولعقبك من بعدك، فهو كما قال: وهذه ترجع إذا انقضى ما قال.
وقال أصحاب الرأي: هذه عارية، فله أن يرجع متى شاء فيأخذها.
م ٤٣٦٢ - وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا وهب رجل لرجل عبدا، على أن يعتقه، فقبضه (١) الموهوب له على ذلك، فالهبة جائزة، والشرط باطل.
م ٤٣٦٣ - وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا وهب رجل لرجل عبداً مريضاً [٢/ ٢١٧/ألف] به جرح، فداواه الموهوب له حتى برأ، إنه لا يرجع فيه، وكذلك إن كان أصم فسمع، أو أعمى فأبصر.
٣ - باب هبة المريض
قال أبو بكر:
(ح ١٣٨١) ثبت "أن رجلاً أعتق ستةَ أعبُدٍ له عند موته، ولم يكن له مالٌ غيرهم، فبلغ ذلك النبي- ﷺ ، فقال لهُ قولاً شديداً، ثم دعاهم فجزّأَهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة".
стр. 2181
قال أبو بكر:
م ٤٣٦٤ - إذا وهب الرجل وهو مريض لرجل عبداً، لا مال له غيره، وقبل ذلك الموهوب له وقبضه، ثم مات الواهب من مرضه، فللموهوب له، ثلث العبد، ولورثة الواهب ثلثا العبد.
م ٤٣٦٥ - فإن كانت المسأله بحالها وعوض الموهوب له الواهب عوضاً من هبته، فللموهوب له من العبد ثلثه، في قول أبي ثور، وثُلثاه لورثة الواهب.
وقال أصحاب الرأي: إذا كان في العوض قيمة الهبة، أو أكثر، فالهبة جائزة، والعوض جائز.
وإن كان بقدر نصف القيمة، ورجع الورثة في سدس العبد، وإن كره الموهوب له ذلك، رجع في العوض وترجع الورثة في العبد إذا كنت الهبة على عوض وإن لم تكن الهبة على عوض رجع في
السدس.
م ٤٣٦٦ - وإذا وهب رجل لرجل داراً في مرضه، ولا مال له غيرها، فقبضها الموهوب له، ثم مات الواهب.
كان للموهوب له ثلث الدار، وللورثة ثلثا الدار، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر (١): وأصحاب الرأي لا يجيزون هبة المشاع، وقد أجازوها في هذا الموضع.
стр. 2182
م ٤٣٦٧ - وقال أبو ثور: وإذا وهب رجل لرجل مريض جارية (١)، وقبضها، ولا مال له غيرها، فالثلث له والثلثان للمريض بحاله.
فإن أعتق الموهوب له الجارية، وكان موسراً، ضمن ثلثي قيمتها للواهب، وإن كان معسراً كان الثلث من الجارية حرا وثلثاها رقيقاً.
وإن كاتبها كانت الكتابة جائزة في الثلث ويبطل الثلثان.
وإن دبرها كذلك، فإن مات عتق منها ثلثها، وبقي ثلثاها.
وإن وطئها وكان لا يعذر [٢/ ٢١٧/ب] بالجهالة، حُدّ ولم يلحق به الولد، وكذلك تحد الجارية إن علمت أن هذا لا يحل، ولا مهر لها.
وإن كان من يعذر بالجهالة لزمه ثلثا الصداق، وكان الولد ولده، وكنت الجارية أم ولد له، وعليه ثلثا (٢) قيمة الولد إن كان موسراً، وإن كان معسراً كان ثلثا الأمة رقيقا للواهب، وثلث للموهوب له:
حكمها حكم أم الولد، لا تباع، وتستخدم، ولا توطأ لأنه لا يملك الرقبة كلها، وثلثا ولده رقيق، وثلثه حر، وعليه من العقر (٣) ثلثاه، وثلث يسقط عنه لعلة ملكه.
وقال أصحاب الرأي: إذا باعها أو دبرها، أو كاتبها، أو وهبها، أو وطئها فجاءت بولد، ثم مات الواهب: كان عليه ثلثا قيمتها.
وقالوا: إذا أعتقها وهو معسر، فلا سبيل لهم على الجارية، وعلى الموهوب له ثلثا قيمتها ديناً عليه.
стр. 2183
م ٤٣٦٨ - وقال أبو ثور: إذا وهب رجل لرجل عبداً، وهو مريض، ولا مال له غيره والموهوب له مريض، فمات الواهب، ثم مات الموهوب له، كان ثلثا العبد لورثة الواهب، وثلثه لورثة الموهوب له.
وإن كان الموهوب له أعتق العبد في مرضه، ولا مال له غيره: كان ثلثا الثلث لورثة الموهوب له، ويعتق منه ثلث الثلث.
وإن كان على الموهوب له دين يحيط بماله في العبد: كان عتقه باطلاً، وكان ثلثه يباع في دينه، ولا يجوز عتقه وعليه دين.
قال أبو بكر: وهذا فول مالك.
وقال أصحاب الرأي: إذا أعتقه الموهوب له في مرضه، ولا مال له غيره، فعتقه جائز، وثلثا القيمة دين عليه (١)، ويسعى العبد بعد ذلك فيما بقي لورثة الموهوب.
فيكون العبد يسعى في ثمانية أتساع قيمته، وتكون وصيته تسع قيمته.
م ٤٣٦٩ - وقال أبو ثور: إذا وهب رجل لرجل عبدا في مرضه، وهو ثلث ماله، ثم عدا الموهوب له (٢) على الواهب، فقتله، كانت الهبة جائزة، وكان لورثة الواهب أن يقتلوا الموهوب [٢/ ٢١٨/ألف] له، أو يأخذوا الدية منه.
وقال أصحاب الرأي: الهبة مردودة إلى ورثة الواهب لأن الموهوب له قاتل، فلا تجوز له وصية.
قال أبو بكر: قول أبي ثور أصح.
стр. 2184
م ٤٣٧٠ - وقال أبو ثور: إذا وهب رجل لرجل عبداً، وهو ثلث ماله، فعدا العبد على الواهب، فقتله، فإن لورثة الواهب أن يقتلوه إن شاؤوا، وإن اختاروا الدية يقال للموهوب له: إما أن تسلمه،
وإما أن تفديه، فإن فداه (١) فهو له، وإن أسلمه (٢) بالدية كان ميراثاً بينهم.
стр. 2185
٨٤ - كتاب النذور والأيمان (١)
١ - باب صفات الأيمان التي لا يجوز الحلف بها من صفات الله تعالى (٢)
[أخبرنا أبو علي: الحسن بن علي بن شعبان المصري، قال] (٣).
أخبرنا أبو بكر: محمد بن إبراهيم [بن المنذر النيسابوري] (٤) قال:
(ح ١٣٨٢) ثبت أن أكثر قسم رسول الله- ﷺ : أن يقول: ومَصُرِّفِ القلوبِ.
(ح ١٣٨٣) أو مقلب القلوب.
(ح ١٣٨٤) وقال غير مرة: والذي نفسي بيده.
стр. 2186
م ٤٣٧١ - وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال: والله، أو تالله، أو بالله فحنث: أن عليه الكفارة.
م ٤٣٧٢ - وكان مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وإسحاق (١)، وأصحاب الرأي يقولون: من حلف باسم من أسماء الله تعالى، فحنث: فعليه الكفارة.
قال أبو بكر: وبه نقول، ولا أعلم في ذلك اختلافاً.
م ٤٣٧٢ - وقال الشافعي: إذا قال: وحق الله، وعظمة الله، وجلال الله، وقدرة الله، يريد بهذا كله اليمين، أو لا نيه له: فهي يمين.
وإن لم يرد به اليمين: فليس بيمين.
وقال أصحاب الرأي: إذا قال: وعظمة الله، وعزة الله، وجلال الله، وكبرياء الله، وأمانة الله، فحنث: وجبت (٢) عليه الكفارة.
(ح ١٣٨٥) وثبت أن رسول الله- ﷺ وقال: "وأيْمُ الله، إن كان لخليقاً للإمارةِ"، في قصة أسامة بن زيد وأبيه زيد.
وكان ابن عباس قول: وأيمُ الله، وكذلك قال ابن عمر.
стр. 2187
وقال إسحاق: إذا أراد بقوله (١): وأيم الله يميناً، كنت يميناً بالإرادة وعقد القلب.
٢ - باب اليمين بالعمر والحياة
قال أبو بكر:
م ٤٣٧٤ - واختلفوا في قول الرجل: لعمري.
فقال الحسن: عليه الكفارة إذا حنث.
وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد: ليست بيمين.
قال أبو بكر: وأكره أن يقول الرجل: لعمري، وبحياتي، وبحياتك [٢/ ٢١٨/ب] وإن قال ذلك، فحنث: فلا كفارة عليه.
(ح ١٣٨٦) وقد نهى رسول الله ﷺ عن الحلف بغير الله .
٣ - باب الحلف بالقران
قال أبو بكر:
م ٤٣٧٥ - واختلفوا في ما على من حلف بالقرآن، فحنث.
стр. 2188
فكان ابن مسعود يقول: عليه بكل آية يمين، وبه قال الحسن البصري.
وقال أحمد: ما أعلم شيئاً يدفعه.
وقال أبو عبيد: يكون يميناً واحدة.
وقال النعمان: لا كفارة عليه.
م ٤٣٧٦ - وقال يعقوب: من حلف بالرحمن، فحنث: إن أراد بالرحمن، الله تعالى، فعليه كفارة يمين، وإن أراد سورة الرحمن، فحنث، فلا كفارة عليه.
وكان قتادة يكره أن (١) يحلف بالمصحف.
وقال أحمد، وإسحاق: لا يكره ذلك.
٤ - باب إقسام الرجل على أخيه، في الأمر: يأمره به
قال أبو بكر:
(ح ١٣٨٧) ثبت أن رسول الله- ﷺ "أمر يإبرار المُقسم".
م ٤٣٧٧ - واختلفوا في الرجل يقسم على الرجل.
стр. 2189
فروينا عن ابن عمر أنه قال: إذا أحنثه، فالكفارة على المقسم.
وبه قال عطاء، وقتادة، والأوزاعي.
وقال قتادة: لا يكون يميناً، حتى يقول: أقسمت عليك بالله.
وحكى أبو عبيد عن أهل المدينة: أنهم قالوا كما قال قتادة.
وحكى عن أهل العراق: أنهم جعلوا عليه الكفارة.
٥ - باب القسم بالله
قال أبو بكر:
م ٤٣٧٨ - اختلف أهل العلم في الرجل يقول: أقسمت بالله، أو أقسمت ولم يقل بالله.
فروينا عن ابن عمر، وابن عباس أنهما قالا: القسم يمين، وبه قال النخعي، والثوري، وأصحاب الرأي.
وفي قول الثوري، وأصحاب الرأي: أقسمت بالله، وأقسمت: يمين.
وبه قال عبيد الله بن الحسن.
وقالت طائفة: إذا قال: أقسمت، ولم يقل: بالله، فلا يمين عليه، هذا قول الحسن البصري، والزهري، وعطاء، وقتادة، وأبي عبيد.
стр. 2190
وقالت طائفة: إن أراد الرجل بقوله: أقسمت، أي بالله، فهي يمين، وإلا فلا شيء عليه، هذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال أبو بكر: هكذا أقول.
٦ - باب اليمين بصدقة المال، أو يجعله في السبيل أو يهديه
قال أبو بكر:
م ٤٣٧٩ - واختلفوا في الرجل، يحلف بصدقة ماله [٢/ ٢١٩/ألف]، أو بأن يجعله في السبيل أن أو يهديه.
فقالت طائفة: إذا قال: كل مالٍ له في المساكين، فحنث: فلا شيء عليه.
هذا قول الشعبي، والحارث العكلي، والحكم، وحماد، وروي ذلك عن عطاء وطاووس.
وروينا عن عائشة ﵂ أنها قالت، في رجل جعل ماله (١) في رِتاجِ الكعبة: ليس بشيء.
وقالت طائفة: عليه كفارة يمين، روينا هذا القول عن عمر ابن الخطاب، وابن عباس، وعائشة ﵃.
وروينا معنى ذلك عن حفصة، وعبد الله بن عمر،
стр. 2191
وزينب بنت أم سلمة ﵃، والحسن وطاووس.
وبه قال عبيد الله بن الحسن، وشريك، وعبيد الله بن عمر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وفيه قول ثالث: وهو أن يخرج ثلث ماله فيتصدق به، هذا قول مالك بن أنس.
وفيه قول رابع: وهو أن يتصدق من ماله بقدر الزكاة.
روينا هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس.
وفيه قول خامس: وهو أن يفي بما جعله على نفسه، ويخرجه في الوجوه التي ذكرها، روي ذلك عن ابن عمر.
وقال عثمان البتي: إذا قال: مالي في المساكين إن فعلت كذا وكذا، لا كفارة له إلا الوفاء به.
وفيه قول سادس: وهو أن يهدي بدنة، هذا قول قتادة فيمن قال: أنا أهدي جاريتي.
وفيه قول سابع: وهو إن كان ماله كثيراً [فليهدِ] (١) خمسه، وإن كان وسطًا: فسبعه، وإن كان قليلاً فعشره (٢)، هذا قول جابر بن زيد.
стр. 2192
وقال قتادة، وهو الراوي خبر جابر بن زيد: فالكثير ألفان، والوسط ألف، والقليل خمسمائة.
وفيه قول ثامن قاله النعمان، قال: إذا قال: مالي في اوركين صدقة، فهذا على ما يكون فيه الزكاة.
قال أبو بكر: أصح هذه الأقاويل قول ابن عمر، وابن عباس: إن عليه كفارة يمين، لدخول ذلك في جملة الأيمان التي أمر الله فيها بالكفارة.
٧ - باب اليمين بالحج والعمرة
قال أبو بكر:
م ٤٣٨٠ - واختلفوا في الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله، فحنث.
فروينا عن (١) ابن المسيب، والقاسم بن محمد أنهما قالا: لا شيء عليه.
وفيه قول ثان: وهو أن عليه كفارة يمين.
روينا هذا القول عن الحسن البصري، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاووس، والنخعي [٢/ ٢١٩/ب]، [وقتادة] (٢).
وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور.
стр. 2193
وفيه قول ثالث: وهو أن يأتي بما أوجب على نفسه، روينا هذا القول عن الشعبي.
وبه قال المدني، والكوفي (١).
وقال ابن شبرمة: يُحْرِم من يومه.
قال أبو بكر: وعلى من حلف بهذه اليمين كفارة يمين، لدخول ذلك في جملة الإيمان التي أمر الله فيها بالكفارة.
٨ - باب مسألة (٢)
م ٤٣٨١ - واختلفوا في الرجل، يقول لرجل: أنا أهديك، ففي هذه أقاويل:
أحدها: إنه يُحجُّه، روينا هذا القول عن الشعبي، والنخعي.
وروينا عن ابن عباس أنه قال: يهدي كبشاً.
وعن علي ﵁ وليس بثابت عنه - أنه قال: يهدي وقال قتادة يهدي بدنه.
وقال الحسن البصري، والأوزاعي: يكفر عن يمينه.
وفيه قول سادس: في الرجل يقول: هو يحمل فلاناً إلى بيت الله، قال يمشي، ويهدي.
стр. 2194
وإن نوى أن يحجه راكباً يُحجه راكباً ويحج معه، حكى الوليد ابن مسلم هذا القول عن مالك.
وقال الشافعي: إذا لم تكن له نية، فلا شيء عليه.
٩ - باب اليمين بتحريم ما أحل الله، من الطعام وغيره
قال أبو بكر:
قال الله ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية.
م ٤٣٨٢ - واختلفوا في تأويل هذه الآية.
فقالت طائفة: إنما حرم رسول الله- ﷺ وعلى نفسه شراباً كان يشربه عند بعض أزواجه، كذلك قالت عائشة، وابن عباس ﵄.
وقالت طائفة: حرم رسول الله- ﷺ فتاته: مارية (١) القبطية أم إبراهيم، كذلك قال قتادة.
وقال الحسن البصري: حرم جاريته.
قال أبو بكر: وأصح ذلك أنه حرم الشربة التي ذكرناها، وحلف مع ذلك، فأمر بالكفارة لليمين التي كان حلف بها.
стр. 2195
قال أبو بكر:
م ٤٣٨٣ - وقد اختلف فمن حرم على نفسه طعاماً، أو شراباً أحله الله له.
فقالت طائفة: لا يحرم عليه الشيء الذي حرم على نفسه، وعليه كفارة يمين.
حكى أبو عبيد هذا القول عن أهل العراق، وروي معناه عن ابن مسعود.
وقالت طائفة: إذا قال كل (١) حلال عليّ حرام، فهي يمين.
هذا قول الحسن البصري [٢/ ٢٢٠/ألف] وجابر بن زيد، وقتادة، والأوزاعي.
وبه قال أحمد بن حنبل إذا لم يكن له امرأة، وكذلك قال إسحاق.
وذكر أبو عبيد عن مالك: أنه كان لا يرى عليه شيئاً فيما سوى النساء.
وقال طاووس: هو ما نوى.
١٠ - باب اليمين بالعهد
قال أبو بكر:
م ٤٣٨٤ - واختلفوا فيما يجب على من حلف بالعهد، فحنث.
فقالت طائفة: عليه كفارة يمين، روينا هذا القول عن الشعبي، والحسن، وطاووس، والحارث العكلي، وقتادة، والحكم (٢)
стр. 2196
وبه قال مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: ليست بيمين، إلا أن يريد يميناً، كذلك قال عطاء، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور.
واختلف فيه عن الثوري.
قال أبو بكر: وكما قال عطاء أقول.
١١ - باب اليمين بالميثاق والكفاله
قال أبو بكر:
م ٤٣٨٥ - كان مالك يقول: إذا قال: عليّ عهد الله، وميثاقه، وكفالته إن فعلت كذا وكذا، وحنث: عليه ثلاث كفارات، وبه قال أبو عبيد.
وقال طاووس: إذا قال علي عهد الله، وميثاقه يمين، يكفرها، وبه قال الثوري.
وقال الشافعي: ليست بيمين، إلا أن يريد يميناً.
١٢ - مسائل من كتاب الأيمان (١)
م ٤٣٨٦ - قال الشافعي، وأبو ثور: إذا قال: أعزم بالله، ليست بيمين.
стр. 2197
قال الشافعي: إلا أن يريد يميناً.
وقال أصحاب الرأي: هي يمين.
م ٤٣٨٧ - وقال الشافعي: إذا قال: أشهد الله، فإن نوى اليمين فهي يمين، وإن لم ينو يميناً فلا شيء.
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: هي يمين.
م ٤٣٨٨ - وقال أصحاب الرأي: إذا قال: إذا قال، فهي يمين.
وقال أبو عبيد: ليست بيمين.
كما قال أصحاب الرأي (١) قال ربيعة، والأوزاعي: إذا قال: اشهد أن لا أفعل كذا وكذا، ثم فعل، فهي يمين.
م ٤٣٨٩ - وإذا قال: حلفت، ولم يحلف.
فقال الحسن، والنخعي: لزمته اليمين.
وقال حماد بن أبي سليمان: إذا قال (٢): حلفت، ولم يحلف، فهي كذبة.
وقال أبو ثور: إذا قال: علي يمين، ولم يكن حلف، فهذا باطل.
وقال أصحاب الرأي: يمين.
م ٤٣٩٠ - وقال الأوزاعي، وأبو ثور: إذا قال: لعمرُ الله [٢/ ٢٢٠/ب] أفعل كذا، ثم فعل، فهي يمين، وفيها الكفارة.
وقال الشافعي، وأبو عبيد: هي يمين إذا أراد اليمين.
стр. 2198
١٣ - باب ما يجب على من حلف بعتق رقبة ثم حنث
قال أبو بكر:
م ٤٣٩١ - اختلف أهل العلم فيمن حلف بعتق رقبة، أن لا يفعل كذا، وحنث.
فقالت طائفة: عليه كفارة يمين، لدخوله في ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآية.
روينا هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة (١) ﵃، وبه قال الحسن، وأبو ثور.
وقالت طائفة: يعتق رقبة، هذا قول مالك، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
١٤ - باب مسألة (٢)
م ٤٣٩٢ - واختلفوا في الرجل يقول: علي عتق رقبة إن فعلت كذا، ففعله.
فقالت طائفة: عليه كفارة اليمين، روينا هذا القول عن الحسن، وطاووس، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
стр. 2199
وقال قتادة: إذا قال: عليّ مائة رقبة إن فعلت كذا وكذا، فحنث: يعتق رقبة واحدة.
١٥ - باب اليمين بالطلاق
قال أبو بكر:
م ٤٣٩٣ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحالف بالطلاق على زوجته في أمر ألا يفعله، ففعله، أن الطلاق يقع عليها.
وهذا قول مالك، وأهل المدينة، والليث بن سعد، وأهل مصر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وأبي عبيد.
قال أبو بكر: وبه نقول.
١٦ - باب التغليظ في اليمين الكاذبة، يقتطع بها مال المسلم
قال أبو بكر:
(ح ١٣٨٨) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "من حلفَ على يمين وهو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ، لقي الله وهو عليه غضبان"، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية.
стр. 2200
م ٤٣٩٤ - وروينا عن ابن مسعود أنه قال: كنا نعد من اليمين التي لا كفارة لها اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعه.
وقال سعيد بن المسيب: يمين الصبر من الكبائر.
وقال الحسن: إذا حلف على أمر كاذباً متعمداً، فليس فيه كفارة.
وهذا [٢/ ٢٢١/ألف] قول مالك، ومن تبعه من أهل المدينة.
وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام.
وقول الثوري وأهل العراق.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة.
قال أبو بكر:
(ح ١٣٨٩) وقول النبي- ﷺ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ، وليُكفّر عن يمينه".
(ح ١٣٩٠) وقوله ﷺ : فليكفر عن يمينه، ويأتِ الذي هو خيرٌ".
يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله فيما يستقبل فلا يفعله، أوعلى فعل ألا يفعله فيما يستقبل، فيفعله.
وفي هذه المسأله قول ثان: وهو أن يكفر، وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذباً، هذا قول الشافعي،
стр. 2201
قال أبو بكر: ولا نعلم خبراً يدل على هذا القول، والكتاب والسنة دالان على القول الأول.
قال الله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته، فجعل الله له مخرجاً في التكفير، فأمره ألا يعتلّ بالله، وليكفر عن يمينه، وليبرر.
والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالاً حراماً هي أعظم من أن يكفرها بما يكفر اليمين.
١٧ - باب النهي عن اليمين بغير الله تعالى والتغليظ في اليمين بالآباء
قال أبو بكر:
(ح ١٣٩١) ثبت أن رسول الله- ﷺ إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، وذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعني النبي- ﷺ وأنا أحلف بأبي، فقال ذلك.
стр. 2202
(ح ١٣٩٢) وقال ص: "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمّهاتكم، ولا بالأنداد، (ولا تحلفوا إلا بالله) (١) ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون".
قال أبو بكر:
م ٤٣٩٥ - فقد ثبتت الأخبار عن النبي- ﷺ ، أنه نهى أن يحلف الرجلُ بغير الله
تعالى، وبالتغليظ على من حلف بغيره.
(ح ١٣٩٣) ودل خبر سعد بن أبي وقاص- لما قال: حلفتُ باللات والعزى، فقال رسول الله- ﷺ : "قل لا إله الله، ثم انفثْ عن يسارك ثلاثاً، وتعوّذ، ولا تعُدْ".
على أن لا [٢/ ٢٢١/ب] كفارة في اليمين بغير الله تعالى.
(ح ١٣٩٤) وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من حلف فقال في حلفه: واللاتِ والعزى، فليقل: لا إله الله".
стр. 2203
١٨ - باب التغليظ في الحلف بالملل سوي الإسلام
قال أبو بكر:
(ح ١٣٩٥) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "من حلف بملةٍ سوى ملة (١) الإِسلام كاذبا فهو كما قال".
مَ ٤٣٩٦ - واختلفوا في الرجل يقول: هو يهودي، هو نصراني، هو مجوسي إن فعل كذا.
فقالت طائفة: يستغفر الله، ولا كفارة عليه، كذا قال مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن عليه كفارة يمين، هكذا قال طاووس، والحسن، والشعبي، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي.
وهو قول أحمد، وإسحاق إذا أراد اليمين في قوله: أشرك بالله، أو أكفر بالله، ثم يحنث.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، في سعد بن أبي وقاص.
م ٤٣٩٧ - واختلفوا في الرجل، يدعو على نفسه بالخزى والهلاك، إن فعل كذا، مثل قول الرجل: أخزاني الله، أو قطع الله يدي.
فقالت طائفة: لا شيء عليه، هذا قول عطاء، وهو قول الثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
стр. 2204
وقال طاووس: عليه (١) كفارة يمين، وبه قال الليث ابن سعد.
وقال الأوزاعي: إذا قال: عليه لعنة الله إن لم يفعل كذا وكذا، فلم يفعله، فعلية كفارة يمين.
قال أبو بكر: القول الأول صحيح.
[أبواب الاستثناء في الأيمان] (٢)
١٩ - باب الاستثناء اليمين المسقط للكفارة
قال أبو بكر:
(ح ١٣٩٦) ثبت أن رسول الله- ﷺ فقال: "من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث".
قال أبو بكر: ولا يكون الاستثناء بالقلب، وإنما يكون مستثنى باللسان، لقوله: "فقال: إن شاء الله.
قال أبو بكر:
م ٤٣٩٨ - وهذا قول مالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، والليث ابن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
стр. 2205
وممن حفظنا عنه أنه قال: لا يكون مستثنى حتى يظهر الاستثناء بلسانه، الحسن البصري، والنخعي، وحماد، والثوري، والكوفي (١)، وأحمد، وإسحاق وهو يشبه مذهب الشافعي، وأبي ثور.
قال أبو بكر: وبه نقول [٢/ ٢٢٢/ألف].
٢٠ - باب وقت الاستثناء
قال أبو بكر:
م ٤٣٩٩ - اختلف أهل العلم في الوقت الذي إذا استثنى المرء في يمينه سقطت عنه كفارة اليمين.
فقالت طائفة: إذا كان استثناؤه متصلاً بيمينه، فليس عليه كفارة، هذا قول الحسن البصري، والنخعي، وعطاء، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي.
وقد روينا عن طاووس أنه قال: له أن يستثنى ما دام في مجلسه، وبه قال الحسن البصري.
وقال قتادة: إن استثنى قبل أن يقوم، أو يتكلم، فله [[مستثناه]].
وقال أحمد: يكون الاستثناء ما دام في ذلك مال أمر، وبه قال إسحاق.
وقد روينا عن عطاء أنه قال: له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة اللبن.
стр. 2206
وفيه قول رابع: روينا عن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء بعد حين.
وقد روينا عن مجاهد أنه قال: أن قال بعد سنين: إن شاء الله، فقد استثنى.
وروينا عن سعيد بن جبير أنه قال: إن قال إن شاء الله، بعد أربعة أشهر، فقد استثنى.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
(ح ١٣٩٧) لأنه ﷺ ، لما قال: "من حلف، فقال: إن شاء الله".
كلاماً متصلاً مستمسكاً بعضه ببعض، ولم يجعل بينه فصلاً: دل على أن اليمين إذا انقضت، وصار بينها وبين الاستثناء فصلاً (١)، أن ذلك لا ينفع.
ولو جاز ما قاله من خالف هذا القول، ما وجبت كفارة على حالف أبداً، لأنه يستثني إذا ذكرها فتسقط الكفارة عنه.
٢١ - باب الاستثناء في الطلاق
قال أبو بكر:
م ٤٤٠٠ - واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق.
فقالت طائفة: ذلك جائز، روينا هذا القول عن طاووس،
стр. 2207
وبه قال حماد الكوفي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
ولا يجوز الاستثناء في الطلاق، في قول مالك، والأوزاعي.
وهذا قول الحسن، وقتادة في الطلاق خاصة.
وبالقول الأول أقول (١).
٢٢ - باب اليمينين يستثنى الحالف في أحدهما
قال أبو بكر:
م ٤٤٠١ - كان أبو ثور يقول: إذا حلف بيمين، ثم بيمين، ثم قال: إن شاء الله (٢)، وأراد اليمينين: أن ذلك جائز.
وبه قال أصحاب الرأي في [٢/ ٢٢٢/ب] اليمينين: بالله، وبالحج، والعمرة.
قال الكوفي: فأما إن قال: عبدي حر إن كلمت فلاناً، عبدي الآخر حر إن كلمت فلاناً إن شاء الله، ثم كلمه: فإن عبده في اليمين الأولى حر في القضاء، ويدين فيما بينه وبين الله .
стр. 2208
٢٣ - باب سقوط الكفارة عن المخطئ والناسي
قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآية.
م ٤٤٠٢ - وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكفارة على الساهي والناسي.
فكأن عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، يقولون في الرجل: يحلف بالطلاق على أمر أن لا يفعله، ففعله ناسياً: أن لاشيء عليه.
وقال إسحاق: (١) أرجو أن لا يلزمه شيء.
وأوجبت طائفة عليه الحنث، وألزمته ذلك، هذا قول سعيد ابن جبير، ومجاهد، والزهري، وقتادة، وربيعة، ومالك، وأصحاب الرأي.
وفيه قول ثان: وهو الزام ذلك في الطلاق، والعتاق خاصة، وسقوط الحنث عنه في سائر الأيمان، هذا قول أبي عبيد، والمشهور من قول الشافعي عند أصحابه، وهو قول مالك.
وكان أحمد يحنث في النسيان في الطلاق، ويقف على إيجاب الحنث في سائر الأيمان إذا كان ناسياً.
стр. 2209
قال أبو بكر: الفرائض غير واجبة بالاختلاف، ولا أعلم أحداً يقول: إن الله نهى الناسي أن يفعل في حال نسيانه أمراً نهاه عنه.
ففي ذلك دليل على سقوط الحنث والكفارة عن الحالف على شيء، ثم يفعل ذلك ناسياً.
م ٤٤٠٣ - وإذا حلف الرجل أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي ماله، ففر منه (١) غريمه.
فلا شيء عليه، في قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
وبه أقول، لأن غريمه فارقه.
م ٤٤٠٤ - وإن أحال بالمال على رجل، أو أبرأه الطالب، ثم فارقه.
حنث في قول الشافعي، وأبي ثور، ويعقوب؛ لأنه لم يستوف ماله.
ولا يحنث في قول النعمان، ومحمد.
م ٤٤٠٥ - ولو أعطاه الدراهم قبل أن يفارقه، ثم وجد فيها زيوفاً.
حنث في قول مالك.
ولا يحنث في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
م ٤٤٥٦ - ولو وجدها [[ستوقه]].
لم يحنث في قول أبي ثور.
وفي قول أصحاب الرأي: إن كانت أكثرها فضة: لم يحنث، وإن كانت من نحاس أكثرها والفضة أقلها: حنث، لأنه فارقه وعليه شيء.
стр. 2210
م ٤٤٠٧ - ولو استحقها [٢/ ٢٢٣/ألف]، رجل، فأخذها من الحالف: لم يحنث، لأنه لم يفارقه إلا على الوفاء، في قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
٢٤ - باب اللغو في اليمين
قال أبو بكر:
م ٤٤٠٨ - واختلفوا في اللغو في اليمين.
فقالت طائفة: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله.
روينا هذا القول عن ابن عباس، وعائشة ﵄.
وروي ذلك عن القاسم بن محمد، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وبه قال الشافعي.
وفيه قول ثان: روينا عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين، هو أن يحلف على الشيء، يرى أنه كما حلف عليه، ثم لا يكون كذلك.
روي ذلك عن الحسن، ومجاهد، وقتادة، والنخعي، وسليمان ابن يسار.
وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وأصحاب الرأي.