هكذا قال الشافعي، وبه قال مالك، والليث بن سعد.
وقال الأوزاعي: يقيم من غزا على جيش، وإن لم يكن أمير مصر (١) من الأمصار الحدود في عسكره في القطع، فإذا قفل قطع.
وقال النعمان: إذا غزا الجند أرض الحرب، وعليهم أمير، فإنه لا يقيم الحدود في عسكره، إلا أن يكون إمام مصر، أو الشام، أو العراق، أو ما أشبهه، فيقيم الحدود في عسكره.
٢٨ - باب حد البلوغ
قال أبو بكر: قال الله : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية، وبلوغ النكاح هو الحلم.
(ح ١٤٢١) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "رُفع القلمُ عن الصبي حتى
يحتلم".
م ٤٦٧١ - وأجمع أهل العلم على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل.
стр. 2312
م ٤٦٧٢ - وأجمع أهل العلم على أن الفرائض تجب على المرأة بظهور الحيض فيها، فهي والرجل في حكم الاحتلام سواء.
م ٤٦٧٣ - واختلفوا في خصال سوى الاحتلام.
فمما اختلفوا فيه: بلوغ خمسة عشرة سنة.
فممن رأى أن الغلام إذا كمل له خمس عشرة سنة أنه بالغ: الشافعي، والأوزاعي، وأحمد.
وفيه قول ثان: وهو أنه بالغ إذا كمل له أربع عشرة سنة وطعن في الخمس عشرة، هذا قول إسحاق.
وأما مالك، وأهل المدينة، وأهل الكوفة، فليس يرون ذلك ولا يعتبرون به.
م ٤٦٧٤ - واختلفوا في الإنبات.
فجعلت فرقة الإنبات حد البلوغ، هذا قول القاسم، وسالم (١)، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
(ح ١٤٢٢) واحتجوا بحديث عطية القرظي.
стр. 2313
والشافعي لا يقول به، إلا في أهل الشرك الذين لا يوفقون على أسنانهم.
وقد روينا عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄ [٢/ ٢٤٤/ب]، وابن الزبير أنهم جعلوا حد البلوغ: بلوغ ستة أشبار، وبه قال إسحاق.
وقال عطاء بن أبي رباح، والحكم، والزهري: لا قطع على من لم يحتلم.
وخالف النعمان ذلك كله، فقال: حد البلوغ في الغلام استكمال ثماني عشرة سنة، إلا أن يحتلم قبل ذلك وفي الجارية استكمال سبع عشرة، إلا أن تحيض قبل ذلك (١).
قال أبو بكر: لا شك أن الاحتلام حد البلوغ، وقد يكون حد البلوغ استكمال خمس عشرة سنة، ويكون الإنبات كذلك حد البلوغ.
م ٤٦٧٦ - وليس على من بلغ مغلوباً على عقله شيء من الفرائض.
٢٩ - باب تلقين السارق ما يزال به عنه القطع
قال أبو بكر:
م ٤٦٧٧ - ثبت أن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: "ادرؤوا
стр. 2314
الحدود ما استطعتُم".
وروينا عن عمر بن الخطاب ﵁ " أنه أُتي برجلٍ، فسأله: أسرقتَ؟ قل: لا، فقال: فتركه (١) ".
وروينا معنى ذلك عن أبي بكر الصديق، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وأبي مسعود (٢)، ﵃.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
واحتج بعضهم:
(ح ١٤٢٣) بقول النبي- ﷺ : "لعلك قبّلت، أو غمَزتَ، فقال: لا".
قال: وإنما قال ذلك ليدرأ عنه الحد.
وقال غيرهم: إذا وجب الحد، لم تجز إزالته بوجه.
ولعل ما روي عن الأوائل في هذا الباب: إنما هو قبل الإقرار، فإذا جاء الإقرار وجب إقامة ما أوجبه الله .
стр. 2315
٣٠ - باب الستر على المسلمين، والشفاعة في الحدود
قال أبو بكر:
(ح ١٤٢٤) جاء الحديث عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "من سترَ على مسلمٍ
عورةً (١) ستر الله عليه في الدنيا و (٢) الآخرة.
م٤٦٧٨ - والذي يجب أن يستر المسلم على أخيه: إذا رآه على فاحشة، أو سوء، طلب ثواب الله .
وعلى من أصاب حداً أن يستتر بستر الله ، وينزع عن ذلك، ويحدث توبة نصوحاً، وهو ألا يعود في الذنب أبداً، إذا بلغ الإمام ذلك: لم يسعه إلا إقامة الحد:
(ح ١٤٢٥) لحديث النبي- ﷺ أنه قال: "تعافوا الحدود فيما بينكُم، فما بلغني
من حدّ فقد وجبَ".
م ٤٦٧٩ - وقد اختلفوا في الشفاعة في الحدود قبل وصول ذلك إلى الإمام.
стр. 2316
فممن [٢/ ٢٤٥/ألف] رأى أن يشفع في الحد ليدرأ به (١) عمن وجب ذلك عليه، قبل الوصول إلى الإمام: الزبير بن العوام، وقال: يفعل ذلك دون السلطان، إذا بلغ الإمام فلا أعفاه الله إن أعفاه.
وممن رأى ذلك: عمار بن ياسر، وابن عباس، وسيد بن جبير، والزهري، والأوزاعي، وأحمد.
وكرهت طائفة الشفاعة في الحدود، وقال ابن عمر: "من حالت شفاعتُه دون حدٍ من حدود الله فقد ضادّ الله في حكمه".
وفرّق مالكٌ بين من لم يعرف منه أذى للناس، فقال: لا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الأمام، واً ما من عرف بشر وفساد فلا أحب أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد.
قال أبو بكر: الأخبار الثابتة تدل على أن الشفاعة المنهي عنها: أن يشفع إلى الإمام في حد قد وصل إليه علمه، فمن ذلك:
(ح ١٤٢٦) أن النبي- ﷺ قال لأسامة لما كلمه في أمر المخزومية التي سرقت: "أتشفعُ في حدّ من حدودِ الله".
مُنكراً عليه لمّا شفع في أمرها.
стр. 2317
٣١ - باب السارق يملك ما سرق قبل وصوله إلى الإمام وبعد ذلك
قال أبو بكر:
م ٤٦٨٠ - كان مالك، والشافعي يقولان: تقطع يد السارق، وإن وهب المسروق منه الشيء للسارق قبل قطع يده.
وقال أصحاب الرأي: إذا ردّ السرقة إلى أهلها قبل أن يرفع إلى الأمام، ثم أني به إلى الإمام، وشهد عليه الشهود: لم يقطع.
قال أبو بكر: القطع إذا وجب لم تجز (١) إزالته بوجه.
وفي السرقة (٢) شيئان: حد الله تعالى، ومال لآدمي فما كان لله تعالى فالقائم بإقامته السلطان، وما كان لنبي آدم فذلك إليهم: إن شاؤوا طالبوا به، وإن شاؤوا تركوه.
стр. 2318
٨٧ - كتاب المحاربين
قال أبو بكر:
قال الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية.
وقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
(ح ١٤٢٧) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال يوم عرفة، "دماؤكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا".
(ح ١٤٢٨) وقال: "أمرت أن أقاتل الناس [٢/ ٢٤٥/ب] حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها فقد عصموا مني (١) دماءهُم، وأموالهم إلا
стр. 2319
بحقّها، وحسابُهُم على الله .
م ٤٦٨١ - فدماء المؤمنين محرمة على ظاهر كتاب الله ، وبالأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله ﷺ وبإجماع أهل العلم، إلا بالحق الذي استثناه الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ .
فأما الكتاب: فقوله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وأما السنة: فقوله: "عصموا مني دماءهُم وأموالهُم إلا بحقّها".
فمن الحق الذي استثناه الله في كتابه، القصاص، قال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية.
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ َ وقال جل ذكره: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
ومن الحق الذي ذكره الله في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ : إباحة دم من كفر بعد إيمانه (١)، أو زل بعد إحصان.
стр. 2320
وقال الله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وأوجب حد الزاني، وقطع السارق.
وجلد الشارب على لسان نبيه ﷺ .
وأوجب الله إقامة الحدود على المحاربين فقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
١ - باب اختلاف أهل العلم فيمن نزلت آية المحاربين
قال أبو بكر:
م ٤٦٨٢ - اختلف أهل العلم فيمن نزل قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
فقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: نزلت الآية فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد.
стр. 2321
وقالت طائفة: نزلت الآية في أهل الشرك، هذا قول الحسن البصري، وعطاء، وعبد الكريم.
وقد احتج أبو ثور بالقول الأول بأن في الآية دليلاً على أن الآية نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.
م ٤٦٨٣ - وقد أجمع [أهل العلم] (١) على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا وأسلموا، أن دماءهم تحرم.
فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإِسلام.
واحتج بعض من يقول بالقول الآخر بخبر العرنيين، وقال: في بعض الأخبار: إنهم كفروا [٢/ ٢٤٦/ألف] بعد إسلامهم، وفيهم نزلت الآية.
قال أبو بكر: قول مالك أصح.
стр. 2322
٢ - باب ما يجب على قطاع الطريق عند من جعل حكم الآية في أهل الإسلام
قال أبو بكر: أمر الله بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين: محاربة وسعياً في الأرض بالفساد، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
م ٤٦٨٤ - فالحكم عند أكثر أهل العلم هذه الآية إنما يجب على من خرج من المسلمين فقطع الطريق، وأخاف السبيل، وسعى في الأرض بالفساد.
م ٤٦٨٥ - وقد اختلفوا فيما يجب على من فعل ذلك.
فقالت طائفة: تقام عليه الحدود على قدر أفعالهم.
فمن روي هذا المذهب عنه: ابن عباس، قال إذا خرج الرجل محارباً فأخاف السبيل، وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخذ المال وقتل: قطعت يده ورجله من خلاف، ثم صلب.
وإذا قتل ولم يأخذ قال: قتل، فإن هو لم يأخذ قال ولم يقتل: نفي.
ويروى معنى هذا القول عن أبي مجلز، وقتادة، وعطاء الحراساني، والنخعي.
стр. 2323
وكان الأوزاعي يقول: إذا أخاف السبيل فشهر سلاحه وقتل ولم يصب مالاً، قتل، وإن قتل وأخذ مالاً: صلب فقتل مصلوباً، وإن هو شهر السلاح وأخاف السبيل وأخذ المال ولم يقتل أحداً، ولم يصب دماً: قطع من خلاف.
وقال الشافعي ﵀: "من قتل منهم وأخذ المال: قتل وصلب.
وإذا قتل ولم يأخذ مالاً: قتل ودفع إلى أوليائه يدفنونه، ومن أخذ مالاً ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ثم حسمت، ثم رجله اليسرى ثم حسمت في مكان واحد، وخلي.
ومن حضر، وكثّر، وهيّب، أو كان ردءاً يدفع عنهم، عُزّر وحُبس".
وقال أحمد بن حنبل: من قتل قتل، ومن أخذ المال: قطع.
وقال أصحاب الرأي: إذا قتلوا وأخذوا المال، قطعت أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى من خلاف، ويقتلهم، أو يصلبهم إن شاء، فإن أصابوا الأموال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف،
ولا يقتلوا.
فإن [٢/ ٢٤٦/ب] قتلوا ولم يصيبوا مالاً: يقتلون، ولا تقطع أيديهم وأرجلهم.
وقالت طائفة: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله جل ذكره في الآية، من القتل والصلب، أو القطع، أو النفي، بظاهر الآية.
стр. 2324
وروي هذا المذهب عن ابن عباس، وهذا مذهب عطاء، والحسن البصري، ومجاهد، والنخعي، والضحاك بن مزاحم.
وبه قال مالك، وأبو ثور.
واحتج بعضهم بأن الآية لما كان فيها أو كان ككفارة اليمين التي الحانث فيها (١) بالخيار: إن شاء أعتق، وإن شاء كسا، وإن شاء أطعم، ومثل فدية الأذى.
وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: ما كان في القرآن أو، أو فصاحبه بالخيار.
٣ - باب صلب المحارب
قال أبو بكر: قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية.
م ٤٦٨٦ - واختلف أهل العلم في صلب المحارب.
فروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إذا أخذ المال وقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، ثم صلب.
стр. 2325
وقد روينا عن قتادة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، والنخعي، والسدي، وعطية، والكلبي، أنهم قالوا: إذا أخذ المال، وقتل، صلب.
وقال الليث بن سعد: يصلب حياً، ثم يطعن بالحربة حتى يموت.
وقال الشافعي: وأحب إليّ أن يبدأ بقتله، ثم يصلب.
وقال الأوزاعي: يصلب ويقتل مصلوباً.
وقال يعقوب: يصلب وهو حي، ثم يقتل على الخشبة، إذا جمع القتل وأخذ المال.
٤ - باب نفي المحارب
قال أبو بكر: قال الله : ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.
م ٤٦٨٧ - واختلف أهل العلم في نفي المحارب.
فروينا عن ابن عباس أنه قال: ينفي من بلده إلى بلدِ غيره.
وقال الشعبي: ينفيه من عمله.
стр. 2326
وقال أبو الزناد: كان منفى الناس إلى باضع، ودهلَك، وتلك الناحية.
وقال مالك: ينفى من بلد إلى بلد، ويحبس في الحبس، وقال: لا ينفى إلى شيء من بلدان الكفر.
وقال الحسن البصري: ينفى حتى لا يقدر عليه.
وقال الزهري: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه كلها سمع به في أرض طلب فيها (١).
وقال الشافعي [٢/ ٢٤٧/ألف] بخبر رواه عن ابن عباس: أن نفيهم أن يطلبوا حتى يؤخذوا، فتقام عليهم الحدود.
وقال أصحاب الرأي: يطلب حتى يؤخذ، فتقام عليه الحدود.
وبه قال أبو ثور.
وقال بعضهم: ينفى من البلدة التي هو بها إلى بلدة غيرها، واحتج بأن الزاني كذلك ينفى.
٥ - باب عفو السلطان عن المحارب، أو عفو ولي دمه دون الإمام
قال أبو بكر:
م ٤٦٨٨ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلطان ولي من
стр. 2327
حارب فإن قتل محارب أخاً امرئ، أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام.
جعلوا ذلك بمنزلة حد من (١) حدود الله، روي هذا القول عن عمر ابن الخطاب ﵁، وبه قال سليمان بن موسى، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقال أحمد: السلطان ولي من حارب الدين.
قال أبو بكر: وبه نقول.
٦ - باب توبة المحارب قبل أن يقدر عليه، وما يجب عليه من حقوق بني آدم (٢)
قال أبو بكر: قال الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.
م ٤٦٨٩ - واختلف أهل العلم في معنى هذه الآية.
стр. 2328
فقال قتادة، والزهري: ذلك لأهل الشرك.
وقال كثير من أهل العلم: الآية نزلت في المسلمين، فإذا تاب المحارب الذي قد جنى الجنايات قبل أن يقدر عليه الأمام، سقط عنه ما كان من حد لله، وأخذ بحقوق الآدميين، واقتص منه من النفس الجراح، وأخذ ما كان معه من مال، وقيمة ما استهلك.
هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، [أبو ثور عنهم] (١).
٧ - باب المحاربة في الأمصار والقرى
قال أبو بكر:
(ح ١٤٢٩) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "من انتهب نُهبةً مشهورةً فليس منا".
م ٤٦٩٠ - واختلف أهل العلم فيمن قطع الطريق في مصر من الأمصار، أو قرية من القرى، فقتل وأخذ المال.
فقالت طائفة: لا تكون المحاربة في [٢/ ٢٤٧/ب] المصر، إنما يكون خارجاً من المصر، هذا قول سفيان الثوري، وإسحاق، والنعمان.
стр. 2329
وقد اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة، ونفي ذلك مرة.
وقالت طائفة: حكم ذلك في الصحراء، والمنازل، والطريق، وديار أهل البادية، والقرى سواء، إن لم يكن من كان في المصر أعظم ذنباً فحدودهم واحدة هذا قول الشافعي، وأبي ثور.
قال أبو بكر: كذلك هو، لأن كلاً يقع عليه اسم المحاربة، والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يُخرج من جملة الآية قوماً بغير حجة.
٨ - باب ما يجب على من قطع الطريق وأخذ أقل مما تقطع فيه اليد في السرقة
قال أبو بكر:
م ٤٦٩١ - واختلفوا في المحارب يصيب من المال أقل مما يجب فيه قطع اليد.
فقال مالك: للإمام أن يحكم عليه بحكمه على المحارب إذا شهر السلاح وأخاف السبيل، هذا قول مالك، وأبي ثور.
وقال آخرون: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق، هذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
стр. 2330
قال أبو بكر: فمن الفرق البين بينهما وجوب قطع اليد والرجل على المحارب، وإنما يجب على السارق قطع اليد فقط، فإذا جاز التغليظ على المحارب دون السارق فكذلك جاز أن يغلظ عليه، فيوجب عليه على ظاهر الآية قطع اليد وإن أخذ أقل من قدر ما يجب فيه قطع اليد.
وهذا يلزم من قال: لا يقاس أصل على أصل.
٩ - باب قطع الطريق على أهل الذمة وقطع الذمي الطريق على أهل الملة
قال أبو بكر:
م ٤٦٩٢ - كان الشافعي يقول: وإذا قطع المسلمون على أهل الذمة، حُدوا حدودهم لو (١) قطعوا على المسلمين، إلا أني واقف في أن أقتلهم إن قتلوا، أو أضمنهم الدية.
وقال أبو ثور: نحكم عليهم على من قطعوا، على مسلمين أو ذميين.
وكذلك نحكم عليهم مسلمين كانوا أو ذميين.
وحكي ذلك عن الشافعي، والكوفي.
م ٤٦٩٣ - وقال الشافعي، وأبو ثور: إذا قطع أهل [٢/ ٢٤٨/الف] الذمة على المسلمين، حدوا حدود المسلمين، وبه قال أصحاب الرأي.
стр. 2331
م ٤٦٩٤ - وفي قول الشافعي: الحكم على المرأة كالحكم على الرجل.
م ٤٦٩٥ - وكذلك قال أبو ثور في العبيد، والنساء: أن الحكم عليهم كالحكم على الأحرار.
م ٤٦٩٦ - وليس كذلك الصبيان، في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، لأن الحدود غير واجبة عليهم، ويغرمون ما أتلفوا من مال.
١٠ - باب قتال الرجل عن نفسه وماله
قال أبو بكر:
(ح ١٤٣٠) ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قُتل دون مالهِ فهُو
شهيدٌ.
م ٤٦٩٧ - قال أبو بكر: روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص، ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم.
هذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان.
стр. 2332
قال أبو بكر: وهذا يقول عوام أهل العلم إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله، إذا أريد ظلماً (١)، للأخبار التي جاءت عن رسول الله- ﷺ ، لم تخص وقتاً دون وقت، ولا حالاً دون حال؟ إلا السلطان، فإن جماعة أهل الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه.
(ح ١٤٣١) للأخبار الدالة عن رسول الله- ﷺ التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وترك قتالهم، والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة.
(ح ١٤٣٢) وروينا عن ابن عباس عن النبي- ﷺ أنه قال: "من رأى من أميره شيئاً يكرهُهُ فليصبر فإنه ليس أحدُ يفارقُ الجماعةَ إلا مات ميتةً جاهليةَ".
стр. 2333
٨٨ - كتاب الحدود
قال أبو بكر: قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الآية.
وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ [٢/ ٢٤٨/ب] اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية.
وقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
(ح ١٤٣٣) وثبتت الأخبار عن رسول الله- ﷺ بأنه حرم الزنى.
م ٤٦٩٨ - وأجمع أهل العلم على تحريم الزنى.
стр. 2334
١ - باب أول بدء في عقوبة الزاني، ونسخ ذلك
قال الله : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ...﴾ الآية.
م ٤٦٩٩ - كان ابن عباس يقول: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت، حتى تموت، ثم أنزل الله بعد ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ...﴾ الآية.
(ح ١٤٣٤) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "خذوا عني، فإن الله قد جعل لهن سبيلاً: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب بالثيب يجلد ثم يرجم والبكر بالبكر يجلد ثم ينفى".
٢ - باب إثبات الرجم على الثيب الزاني
قال الله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
стр. 2335
فقد ألزم الله تعالى خلقه طاعة رسوله.
(ح ١٤٣٥) وثبتت الأخبار عن رسول الله- ﷺ أنه أمر بالرجم ورجم.
(ح ١٤٣٦) وقال عمر: "رجم رسول الله- ﷺ ، ورجمنا بعده".
م ٤٧٠٠ - وفعل ذلك بعد عمر علي بن أبي طالب.
قال: فالرجم ثابت بسنن رسول الله- ﷺ وباتفاق عوام أهل العلم عليه.
منهم مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام. وسفيان الثوري، وسائر أهل العراق.
وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان، ومحمد.
وهو قول عوام أهل الفتيا من علماء الأمصار.
стр. 2336
٣ - باب وجوب الجلد مع الرجم على الثيب الزاني والاختلاف فيه
قال أبو بكر:
م ٤٧٠١ - اختلف أهل العلم في إيجاب الجلد مع الرجم.
فقالت طائفة: يجلد بكتاب الله، وهو قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ويرجم بسنة رسول الله- ﷺ .
وممن استعمل هذا علي بن أبي طالب، وبه قال الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: الثيب يرجم ولا [٢/ ٢٤٩/ألف] يجلد.
هذا قول النخعي، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر: القول الأول أصح، لأن ما هو ثابت بكتاب الله وسنة رسول الله- ﷺ لا يجوز تركه بغير حجة، ولا يجوز أن يزال اليقين إلا بيقين مثله، ولا يزول بشك.
стр. 2337
٤ - باب حد البكر الزاني
قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.
(ح ١٤٣٧) وثبت أن رسول الله- ﷺ :"أوجب على البكر الزاني جلد مائة".
م ٤٧٠٢ - وأجمع أهل العلم على القول به (١).
فالقول به يجب، للكتاب والسنة، والإتفاق.
٥ - باب الإحصان الذي يوجب الرجم على المحصن الزاني
قال أبو بكر:
م ٤٧٠٣ - أجمع أهل العلم على أن الحر المسلم إذا تزوج امرأة مسلمة تزويجاً صحيحاً، ودخل بها، ووطئها في الفرج: أنه محصن، يوجب عليه وعليها، إذا كانت حرة، وزنيا: الرجم.
م ٤٧٠٤ - واختلفوا فيمن وطئها بنكاح فاسد.
стр. 2338
فقال أكثر أهل العلم: لا يكون محصناً.
كذلك قال عطاء، وقتادة، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وقال أبو ثور: هو محصن، عليه الرجم إذا زنى، وكذلك المرأة.
وذكر أن حكم النكاح الفاسد: حكم النكاح الصحيح في وجوب المهر، وإلزام الولد، ووجوب العدة، وتحرم به الربيبة وأم الولد.
والقياس: على الأكثر شبهاً.
[مسألة] (١)
قال أبو بكر:
م ٤٧٠٥ - وأجمع أهل العلم على أن المرء لا يكون بعقد النكاح محصناً، حتى يكون معه الوطء.
٦ - [باب الذمية تكون تحت المسلم] (٢)
قال أبو بكر:
م ٤٧٠٦ - واختلفوا في الذمية تكون تحت المسلم، هل تحصنه أم لا؟.
стр. 2339
فقال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسليمان بن موسى، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور: وإذا دخل بها فهو محصن.
وقالت طائفة: لا تحصنه. هذا قول الشعبي، وعطاء، ومجاهد، والنخعى، والثوري، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر:
(ح ١٤٣٨) وقد ثبت أن رسول الله- ﷺ "رجم يهودياً ويهودية".
ولا يرجم إلا محصنين.
وإذا كانت محصنة فهي تحصنه.
٧ - [باب الأمة تكون تحت الحر] (١)
قال أبو بكر:
م ٤٧٠٧ - واختلفوا في الأمة تكون تحت الحر.
стр. 2340
فقال سعيد بن المسيب، وعبد الله بن عتبة، والزهري [٢/ ٢٤٩/ ب]، ومالك، والشافعي: إذا وطئها فهو محصن.
وقال عطاء، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: لا تحصنه.
٨ - [باب الحرة تكون تحت العبد] (١)
قال أبو بكر:
م ٤٧٠٨ - واختلفوا في الحرة تنكح العبد:
فقالت طائفة: يحصنها العبد، كذلك قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومالك، والشافعي، وأبو ثور.
وقال النخعي وعطاء، وأصحاب الرأي: لا يحصن العبد الحرة.
قال أبو بكر (٢): وبالقول الأول أقول.
стр. 2341
٩ - [باب الصبية والمعتوهة] (١)
قال أبو بكر:
م ٤٧٠٩ - واختلفوا في الرجل يطأ الصبية التي لم تبلغ المحيض.
فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور: تحصنه.
وقال أصحاب الرأي: لا تحصنه.
م ٤٧١٠ - وفي قول الشافعي: تحصنه المغلوبة على عقلها، إذا جامعها بالنكاح.
م ٤٧١١ - وكان مالك يقول: الصبي إذا كان مثله يجامع، وجامع امرأته لا يحصنها.
وبه قال أصحاب الرأي، وفي قول الشافعي: يحصنها.
١٠ - [باب إحصان العبيد والإماء] (٢)
قال أبو بكر:
م ٤٧١٢ - واختلفوا في إحصان العبيد والإماء.
فكان مالك يقول: لا تحصن المرأة الحرة العبد، إلا أن يعتق، وهو زوجها، فيمسها بعد عتقه.
وقال في الأمة تكون تحت الحر فتعتق وهي تحته، قبل أن يفارقها: أنه يحصنها إذا كانت عتقت وهي عنده، إذا أصابها بعد العتق.
стр. 2342
وبه قال أصحاب الرأي.
وقالت طائفة: إذا كانا مملوكين، زوجين، فعتقا، ثم وطئها بعد العتق، لا رجم على واحد منهما إن زنى (١).
لأن أصل نكاحهما كان في الرق، هذا قول الأوزاعي.
وفيه قول ثالث: وهو أن الأمة إذا كانت تحت حر أو عبد، وقد دخل بها، فإنها محصنة، وعليها الرجم إذا زنت، إلا أن يكون إجماع يخالف هذا القول، فلا ترجم للإجماع، هذا قول أبي ثور.
١١ - [باب إحصان أهل الكتاب] (٢)
قال أبو بكر:
م ٤٧١٣ - واختلفوا في الكتابيين الزوجين يسلما، وقد أصابها الزوج قبل أن يسلما.
فقالت طائفة: ذلك إحصان، وعليهما الرجم إذا زنيا.
هذا قول الزهري، والشافعي.
وقالت طائفة: لا يكونان محصنين، حتى يجامعها بعد الإِسلام، هذا قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: والذي يكون به الرجل محصناً أن يتزوج المرأة
стр. 2343
نكاحاً صحيحاً، ويطأها حرة، مسلمة أو ذمية، أو أمة مسلمة، ويطأها بعد عقد النكاح، إذا فعل ذلك كان محصناً.
وكل زوج ثبت نكاحه، فهو يحصن المرأة الحرة.
١٢ - باب الحفر للمرجوم
قال أبو بكر:
م ٤٧١٤ - واختلفوا في الحفر للمرجوم.
فرأت طائفة: أن [٢/ ٢٥٥/ألف] يحفر له، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال قتادة، وأبو ثور.
وقال أحمد بن حنبل: أكثر الأحاديث على ألا يحفر له.
وقال أصحاب الرأي: لا يحفر له.
وقالوا: إن حفر للمرأة فحسن، وإن ترك فحسن.
وقال يعقوب: يحفر لها.
م ٤٧١٥ - وأجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرمي حتى يموتُ.
١٣ - باب عدد الطائفة التي تحضر عذاب المرجوم
قال أبو بكر:
م ٤٧١٦ - روينا عن ابن عباس انه قال: الطائفة، الرجل فما فوقه،
стр. 2344
وبه قال مجاهد.
وفيه قول ثان: وهو أن الطائفة رجلان، هذا قول عطاء، وإسحاق.
وفيه قول ثالث: وهو أن الطائفة ثلاثة، هذا قول الزهري، والشافعي.
وللشافعي قول ثان: وهو أن الطائفة أربعة.
هذا قول مالك، والقول الأول قاله الشافعي في كتاب صلاة الخوف.
وقال ربيعة: الطائفة ما زاد على أربعة.
وفيه قول سادس: وهو أن الطائفة عشرة، هذا قول الحسن البصري.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: نفر من المؤمنين.
قال أبو بكر: والطائفة: الجماعة، وقد يقع هذا الاسم على الواحد، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى آخر الآية.
стр. 2345
يدل على صحته (١) [الآية التي بعدها] (٢)، وهو قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
مع الأخبار التي جاءت في ذلك.
١٤ - باب حضور الإمام المرجوم
قال أبو بكر:
م ٤٧١٧ - واختلفوا في حضور الإمام المرجوم.
فروينا عن علي ﵁ انه قال: إذا ظهر الحبل من الزنا، كان أول من يرجم الأمام، ثم الناس، وإذا قامت البينة رجمت البينة، ثم رجم (٣) الناس.
وقال أحمد: سنة الاعتراف أن يرجم الإمام، ثم الناس.
وفيه قول ثان: وهو أن الإمام لا يحضر المرجوم، وللشهود، لأن رسول الله- ﷺ قد رجم رجلاً وامرأة، ولم يحضرهما.
هذا قول الشافعي.
قال أبو بكر: هكذا أقول، وإن حضر الإمام فلا شيء عليه.
стр. 2346
١٥ - باب إقامة الحد على الحبلى بعد وضع حملها (١)
قال أبو بكر:
م ٤٧١٨ - أجمع أهل العلم على أن المرأة إذا اعترفت بالزنى، وهي حامل: أنها لا ترجم حتى تضع [٢/ ٢٥٠/ب] حملها.
(ح ١٤٣٩) وجاء الحديث عن النبي- ﷺ أنه قال لولي الجهينية التي اعترفت بالزنى: "إذا وضعت فأخبرني، ففعل، ثم أمر بها فرجمت".
م ٤٧١٩ - وقد اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أن الحبلى لا ترجم حتى تضع حملها في الوقت الذي ترجم، بعد وضع حملها.
فقالت طائفة: لا ترجم حتى تضع، ثم ترجم إذا وضعت.
فعل ذلك علي بن أبي طالب شراحة.
وبه قال الشعبي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور.
وقال أحمد، وإسحاق: تترك حتى تضع ما في بطنها، ثم تترك حتى تفطمه حولين.
وقال أصحاب الرأي: حتى تلد وتتعالى من نفاسها، ثم يقيم عليها الحد، فإن كان رجم: رجمت حين تضع.
стр. 2347
قال أبو بكر: لا أعلم مع من منع من إقامة الحد إذا وضعت حملها حجة.
١٦ - باب الإقرار بالزنا
قال أبو بكر:
م ٤٧٢٠ - اختلف أهل العلم في الإقرار الوجب لحد الزنى. فقالت طائفة: إذا أقر بالزنى مرة واحدة، وجب عليه الحد، هذا قول الحسن، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، والشافعي، وأبي ثور.
وقالت طائفة: لا يقام عليه الحد حتى يقر أربع مرار، هذا قول الحكم، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
م ٤٧٢١ - واختلف الذين قالوا: لا يقام عليه الحد حتى يقر أربع مرار.
فقال ابن أبي ليلى، وأحمد: يحد إذا أقر أربع مرار، في مجلس واحد.
وقال أصحاب الرأي: إذا أقر أربع مرار في مجلس واحد، فهو بمنزلة مرة واحدة.
قال أبو بكر: الإقرار مرة واحدة يوجب الحد.
(ح ١٤٤٠) لقول النبي ﷺ : "واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترف فارجمها".
стр. 2348
(ح ١٤٤١) وكذلك خبر الجهينية: أقرت بالزنى، ولم تقر أربع مرار.
وإنما رد النبي ﷺ ماعزاً لأنه شك في أمره، وقال:
(ح ١٤٤٢) "هل بك جنون".
فليس في ذلك حجة يحتج بها فيمن أقر، ولا يشك في صحته.
١٧ - باب المعترف بالزنى، يرجع عن إقراره
قال أبو بكر:
م ٤٧٢٢ - واختلفوا في الرجل يقر بالزنى، ثم يرجع عنه.
فكان عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد بن أبي سليمان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والنعمان، ويعقوب، يقولون: يترك، ولا يحد.
واختلف عن مالك في هذه المسألة.
فذكر القعنبي عن مالك أنه قال: يقبل منه.
وقال ابن عبد الحكم: قال مالك: لا يقبل ذلك منه [٢/ ٢٥١/ألف] وقال أشهب: قال مالك: إن جاء بعذر، وإلا لم يقبل ذلك منه.
стр. 2349
وقال سعيد بن جبير: إذا رجع أقيم عليه الحد، وبه قال الحسن البصري، وابن أبي ليلى، وأبو ثور.
قال أبو بكر: لا يقبل رجوعه، ولا نعلم في شيء من الأخبار أن ماعزاً رجع.
وإذا وجب الحد بالاعتراف، ثم رجع، واختلفوا في سقوطه عنه لم يجز أن يسقط ما قد وجب بغير حجة.
١٨ - باب إقامة الحد بعد حين من الزمان، وبعد (١) أن يتوب الذي أصاب الحد
قال أبو بكر:
م ٤٧٢٣ - واختلفوا في إقامة الحد بعد مدة وزمان.
فقالت طائفة: يقام الحد، هذا قول مالك بن أنس، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وقال النعمان: إذا شهد الشهود على زنى قديم، لم أحده، وإذا أقر بزنى قديم أربع مرات، فإني أحده.
وقال محمد بن الحسن: إذا قذف رجلاً، فأتى به الإمام بعد زمان، يحده، وإن كان ذلك إقرار بسرقة- بعد زمان- لم يقطع.
وقالوا- في الزنى إذا تقادم-: كان على الزاني المهر.
وكل ذلك ترك منهم: إما لظاهر كتاب الله، أو سنة رسوله (٢)، أو إثبات ما قد نفته السنة.
стр. 2350
وأوجب الله تعالى حد الزاني، وقطع السارق في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، فأبطلوا ذلك بغير حجة، ثم فرقوا بين الإقرار بالزنى وبين الشهادة عليه، وأوجبوا ما نهى عنه النبي- ﷺ من مهر البغي.
١٩ - باب إقامة الحاكم الحد بعلمه (١)
قال أبو بكر:
م ٤٧٢٤ - واختلفوا في إقامة الحاكم الحد بعلمه:
فقال مالك: لا يقيم حد الزنى الإمام بعلمه، وبه قال أصحاب الرأي.
وقال الشافعي: فيها قولان:
أحدهما: أن له أن يقضي بعلمه.
والآخر: لا يقضي بعلمه.
وقال أبو ثور- في القذف-: يحكم عليه الحاكم بعلمه، لأن علمه أكثر من الشهود.
٢٠ - باب إقرار الحر الذمي بالزنى
قال أبو بكر:
(ح ١٤٤٣) ثبت أن رسول الله- ﷺ : "رجم يهودياً، ويهوديةً زنيا".