م ٤٨٧٥ - كل من نحفظ عنه من أهل العلم لا يجيز الكفالة في الحدود، وممن حفظنا ذلك عنه شريح، والشعبي، ومسروق، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقد ذكرت هذه المسأله في كتاب الكفالة أتم من هذا.
م ٤٨٧٦ - وأجمعوا على أن الحد لا يجب بيمين وشاهد.
م ٤٨٧٧ - وقال أبو ثور: وإذا شهد على رجل بالقذف، فحد بعض الحد، ثم هرب فأخذ، فإنه يتم عليه الحد.
م ٤٨٧٨ - فإن شهد بشهادة قبل أن يتم الحد لم تجز شهادته، لأنه فُسّق بالقول "لا بالضرب.
وقال أصحاب الرأي: شهادته جائزة، لأنه لم يضرب حدا تاما.
قال أبو بكر: كما قال أبو ثور أقول [٢/ ٢٦٥/ألف].
٧٢ - باب ما يوجب الأدب
قال أبو بكر:
م ٤٨٧٩ - ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يحد في التعريض بالفاحشة الحدّ تاماً.
وبه قال عروة بن الزبير، ومالك، وإسحاق، وأحمد.
وفيه قول ثان: وهو أن لا حد في التعريض، وفيه التعزير، هذا
стр. 2417
قول عطاء، وعمرو بن دينار، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
وقال سعيد بن المسيب: إنما الحد على من نصب الحد نصباً.
واحتج بعضهم:
(ح ١٤٦١) "بأن رجلاً قال للنبى ﷺ : إن امرأتي ولدت ولداً أسودَ".
وهو لا يذكره إلا مُنكراً له فدل ذلك على أن لا حد في التعريض.
وقد أحل الله تعالى التعريض في خطبة النساء، وفرق يه وبين التصريح الذي لا يحل.
قال أبو بكر: من يتكلم بكلمة تحتمل معنيين، لم يجز إلزامه الحد بشك، ومن صرح وجب عليه الحد إن طلب ذلك المقذوف.
م ٤٨٨٠ - وأجمع كل من نحفظ كه من أهل العلم على أن قول الرجل للرجل: يا فاجر، يا فاسق، يا خبيث، لا يوجب الحد.
روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب.
وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،
стр. 2418
وأصحاب الرأي.
م ٤٨٨١ - وكذلك لا أعلم أحداً يوجب الحد على الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا سكران، يا سارق، يا خائن، يا آكل الربا، يا شارب الخمر.
وكل ذلك في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
م ٤٨٨٢ - ولا حد على من قال لآخر: يا حمار، يا ثور، يا خزير، في قول أحد من أهل العلم علمته.
م ٤٨٨٣ - وقد اختلفوا فيما يجب عليه في ذلك.
فقال أصحاب الرأي: لا يعزر.
وقال أبو ثور: إن كان سفيها وكنت له عادة: عزر.
م ٤٨٨٤ - وإذا قال الرجل للرجل: يا مخنث، حلف بالله، ما أراد بذلك الفاحشة ولا الفرية، ولا حد عليه في ذلك (١) ويعزر، في قول مالك.
وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا حد عليه.
٧٣ - باب مسألة (٢)
م ٤٨٨٥ - واختلفوا في الإمام يعزر، فيموت المضروب من الضرب.
ففي قول الشافعي: على عاقلة الإمام العقل، وعليه الكفارة.
وفي قول أبي ثور، وأصحاب الرأي: لا شيء على الإمام، ولا على بيت المال إذا وجب التعزير ببينة.
стр. 2419
قال أبو بكر: وكذا أصح؛ لأن التعزير لا يخلو أن يكون حقاً أو باطلاً، فإن كان حقاً فمات منه فالحق قتلهُ، وإن كان باطلاً، فلا يحل للإمام أن يتعدى [فيفعل] (١) [٢/ ٢٥٦/ب] ما هو ممنوع منه.
٧٤ - باب الستر على المسلمين
قال أبو بكر:
(ح ١٤٦٢) جاء الحديث عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "من سترَ على مُسلمٍ
عورة (٢) ستر الله عليه في الآخرة".
قال أبو بكر: فيستحب لمن أطلع على عورة من أخيه المسلم، أن يستر عليه رجاء ثواب الله .
م ٤٨٨٦ - ويجب على من بلى أن يستتر بستر الله، ويعتقد توبة، فإن لم يفعل ذلك الذي (٣) أصاب الحد، وأبدى ذلك للإمام، وأقر بالحد، لم يكن آثماً؛ لأنا لم نجد في شيء من الأخبار عن رسول الله- ﷺ أنه نهى عن ذلك، بل الأخبار دالة على أن:
(ح ١٤٦٣) من أصاب حدا فأقيم عليه فهو كفارة له.
стр. 2420
٧٥ - جماع أبواب الخمر
قال أبو بكر:
(ح ١٤٦٤) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاجلدوه، ثم إذا سكر فاضربوا عنقه".
قال أبو بكر: ثم أزيل القتل عن الشارب في المرة الرابعة بخبر رسول الله- ﷺ ، وبإجماع عوام أهل العلم من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وكل من نحفظ عنه من أهل العلم إلا شاذا من الناس لا يعد خلافهم خِلافاً.
(ح ١٤٦٥) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: " لا يحل دمُ رجلٍ يشهد أن لا إله الله وأني رسول الله- ﷺ إلا أحد ثلاثة نفر: النفسُ بالنفسِ، والثيبُ الزاني، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة".
قال أبو بكر: وغير جائز أن يقول رسول الله- ﷺ : "لا يحل دم رجلٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله الله إلا أحد ثلالة نفر" ويحل بخصلة رابعة.
стр. 2421
٧٦ - باب الحد الذي يجب أن يجلد شارب الخمر من العنب وغيره
قال أبو بكر:
(ح ١٤٦٦) ثبت "أن رسول الله- ﷺ جلد في الخمر بالنعال والجريد، ثم جلد أبو بكر رضي الله عه أربعين جلدة (١)، واستشار عمرُ ﵁، فقال له عبد الرحمن: كأخف الحدودِ، فجلد عمرُ ثمانين".
وفي حديث عبد الرحمن بن أزهر: أن أبا بكر ﵁ توخّى الذي كان من ضربهم عند رسول الله- ﷺ ، فضربه أربعين.
قال أبو بكر: فدل:
(ح ١٤٦٧) قول رسول الله- ﷺ [٢/ ٢٦٦/ألف] ﷺ : "من شرب الخمر فاجلدوه".
م ٤٨٨٧ - على أن شارب الخمر يجب عليه الحد سكر، أو لم يسكر.
ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بعدد يضرب شارب الخمر، إلا ما كان من فعلهم، حيث أمر بضرب السكران على ما جاءت به الأخبار من أفعالهم.
стр. 2422
م ٤٨٨٨ - واختلف أهل العلم فيما يجب على شارب الخمر من الجلد.
فقال أكثر الفقهاء: يضرب ثمانين.
وقد روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: حد النبيذ إذا سكر ثمانون، وبه قال مالك، والثوري، والنعمان، ومن تبعهم.
وقال الشافعي: "إن ضرب بنعلين، أو بطرف ثوب ضرباً يحيط العلم أنه لا يبلغ أربعين، أو يبلغها ولا يجاوزها، فمات، فالحق قتله، وإذا كان كذلك فلا عقل، ولا قود، ولا كفارة على الإمام.
وإنه ضربه أربعين سوطًا، أو أكثر من أربعين بالنعال، فمات: فديته على عاقلة الإمام دون بيت المال".
واحتج بحديث ذكره عن علي ﵁.
م ٤٨٨٩ - واختلفوا في وجوب الحد على من شرب قليل ما يسكر كثيره.
فقال طائفة: عليه الحد، هذا قول الحسن البصري (١)، وعمر ابن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وقتادة، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد.
وفيه قول ثان: وهو ألا يضرب في شيء من الشراب حتى يسكر، إلا الخمر.
رُوي عن أبي وائل (٢)، والنخعي أنهما قالا: لا يجلد السكران من النبيذ حدا.
стр. 2423
وفرق أبو ثور بين المتأول وغيره، فقال: كل من كان المسكر عنده حراماً، فشرب منه شيئاً، حددناه، ومن كان متأولاً مخطئاً في تأويله فشربه على خبر قلده ضعيفاً، أو تبع أقواماً، لم يكن عليه الحد.
٧٧ - باب جلد الشارب يوجد منه رائحة شراب (١) يسكر كثيره
قال أبو بكر:
م ٤٨٩٠ - واختلفوا في وجوب الحد بوجود رائحة الشراب الذي يسكر كثيره من الشارب.
فقالت طائفة: يحد بحديث ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁: أنهُ جلد من وُجد منه ريح الشراب الحدّ تاماً.
وبه قال ابن مسعود، ومالك، والشافعي.
وضرب عمر بن عبد العزيز قوماً وجدواً على [٢/ ٢٦٦/ب] شراب، سكر بعضهم ولم يسكر بعض.
وقد روينا عن عطاء أنه قال: لا حد إلا ببينة، إن الريح ليكون من الشراب الذي ليس به بأس.
стр. 2424
وقال عمرو بن دينار: لا حد في الريح.
وقال الثوري: وإن وجد من رجل ريح خمر، فليس عليه حد حتى يعترف، أو تقوم بينة أنه شربها، أو يوجد سكران ولكن عليه تعزير إذا وجد ريحه.
وقد روينا عن [ابن] (١) الزبير قولاً ثالثاً وهو: أن الرائحة إذا وجدت من المدمن حد، وإلا فلا.
قال أبو بكر:
(ح ١٤٦٨) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "إذا شرب الخمر فاجلدوه.
فالجلد يجب على شارب الخمر، سكر أو لم يسكر، على ظاهر حديث رسول الله- ﷺ .
(ح ١٤٦٩) وثبت أن النبي ﷺ (٢) قال: "كلّ مسكر خمرٌ، وكلّ خمرٍ حرامٌ".
(ح ١٤٧٠) وروينا عنه ﷺ أنه قال: "ما أسكر كثيرهُ فقليلُه حرامٌ".
стр. 2425
٧٨ - باب إقامة الحد على السكران في حال سكره
قال أبو بكر:
م ٤٨٩١ - واختلفوا في جلد السكران في حال سكره.
فروينا عن عمر بن عبد العزيز، والشعبي أنهما قالا: لا يحد حتى يصحو، وبه قال الثوري، والنعمان، وأصحابه.
واحتج من خالف هؤلاء:
(ح ١٤٧١) بحديث عبد الرحمن بن أزهر " أن النبي- ﷺ أتى بسكران، فأمر
من كان عنده فضربهُ".
وليس في الحديث أنه أخّر ذلك حتى يصحو.
وقال بعض من يميل إلى القول الأول: إنما أريد به التنكيل، وليتألم به المحدود، والسكران لا يعقل ذلك، فغير جائز أن يقام الحد على من لا يعقل ذلك، ولا يُحسرّ به.
٧٩ - باب حد السكر (١)
قال أبو بكر:
م ٤٨٩٢ - واختلف أهل العلم في حد السكر الذي يلزم صاحب اسم السكران.
فقالت طائفة: أول السكر أن يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب عليه قبل الشرب.
стр. 2426
هذا قول الشافعي، وبمعناه قال الثوري، وأبو ثور.
وكان النعمان يقول: السكر الذي يجب على صاحبه الحد، ألا يعرف الرجل من المرأة.
وقال يعقوب: إذا كان الغالب عليه اختلاط العقل، واستقرئ سورة فلم يقمها، وجب عليه الحد.
قال أبو بكر: قول الشافعي: [٢/ ٢٦٧/ألف] أصح ما قيل في هذه الباب، والدليل على صحة ذلك قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية.
وقد كان القوم الذين خوطبوا بهذه أصحاب رسول الله- ﷺ قبل أن ينزل تحريم الخمر يقربون الصلاة في حال سكرهم عالمين بها، وقد سمّوا سكارى، لأن في الحديث أن بعض من قدم منهم خلط في القراءة، فأنزل الله هذه الآية.
стр. 2427
٨٩ - كتاب الجراح والدماء (١)
١ - باب تحريم سفك الدماء بغير الحق، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ -
قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ الآية.
(ح ١٤٧٢) وثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "لا تُقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم (الأول) كفلٌ من دمها، وذلك أنه سنّ القتل".
стр. 2428
(ح ١٤٧٣) وثبت عنه ﷺ أنه حرم الدماء مُودّعاً أمته بذلك قال لهم يوم النحر: "أي يومٍ هذا؟ قالوا: هذا يومُ النحر، قال: وأيّ بلدٍ هذا؟ قالوا: بلد الحرام، قال: وأي شهرٍ هذا؟ قالوا: الشهر الحرام، قال هذا يوم الحج الأكبر فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: اللهم هل بلغت، فطفقَ رسولُ الله ﷺ يقول: اللهم اشهد، ثم ودّع الناس، فقالوا: هذه حجةُ الوداعٍ".
٢ - باب تعظيم سفك الدماء المحرمة بغير الحق والتغليظ فيها (١)
قال أبو بكر: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ الآية.
وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ الآية.
стр. 2429
وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله- ﷺ الدالة [٢/ ٢٦٧/ب] على تغليظ سفك الدماء بغير الحق.
وقد ذكرناها في مواضعها، من ذلك:
(ح ١٤٧٤) أن النبي ﷺ : قيل له: أيّ الذنبِ أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قال: قلت، ثم ماذا؟ قال: أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك (١)، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: أن تزني بحليلة جارك"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية.
جماع أبواب القصاص في النفس، وفيما دون النفس
٣ - باب التسوية بين دماء المسلمين
قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ الآية.
стр. 2430
(ح ١٤٧٥) وثبت أن نبي الله ﷺ قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم".
م ٤٨٩٣ - وأجمع أهل العلم على أن الحر يقاد به الحر، وإن كان الجاني مقعداً، وأعمى، أو أقطع اليدين والرجلين، والمقتول صحيح سوي الخلق.
م ٤٨٩٤ - وأجمع عوام أهل العلم على أن بين الرجل والمرأة القصاص في النفس، إذا كان القتل عمداً، إلا شيئاً اختلف فيه عن علي، وعطاء، وروينا عن الحسن.
وممن قال أن بين الرجل والمرأة القصاص في النفس، مالك بن أنس، وأهل المدينة، وسفيان الثوري، والنعمان، ومن تبعهما من أهل الكوفة، والشافعي، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وهذا قول النفس، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وقد روينا عن الحسن البصري أنه قال: لا يقتل الذكر بالأنثى حتى تؤدى نصف الدية إلى أهله.
وأصح الروايتين عن عطاء أنه قال: والمرأة تقتل بالرجل ليس بينهما فضل، وعمرو (١) بن دينار.
стр. 2431
وفي حديث أنس بن مالك إثبات القصاص بين الرجل والمرأة وذلك:
(ح ١٤٧٦) "أن رجلاً من اليهود قتل جارية من الأنصار بالحجارة على حلي لها، فأمر رسولُ الله ﷺ فرُجم بالحجارة حتى مات".
قال أبو بكر: والذي عن علي غير ثابت، وقد روينا عن الحسن خلاف ما ذكرناه عنه، فإذا اختلفت الأخبار عن الحسن صار وجوب القصاص بينهما كالإجماع من السنن [٢/ ٢٦٨/ألف] الثابتة المستغنى بها عما سواها.
٤ - باب القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس
قال أبو بكر:
م ٤٨٩٥ - اختلف أهل العلم في وجوب القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس.
فأثبتت طائفة القصاص بينهم في النفس وفيما دون النفس، هذا قول مالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن لا قصاص بينهما فيما دون النفس، كذلك قال حماد بن أبي سليمان، والنعمان.
стр. 2432
قال أبو بكر: الأول أصح، وذلك أن المرأة (١) كانت كافئة (٢) في النفس، وهو أعظم حظراً، كان ما دون النفس أولى، لأن الكثير إذا أبيح فالقليل أولى.
٥ - باب القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس
قال أبو بكر:
م ٤٨٩٦ - اختلف أهل العلم في القصاص بين الأحرار والعبيد في النفس.
فقالت طائفة: لا قصاص بينهما، هذا قول الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد الزبير.
وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن القصاص بينهما ثابت في النفس.
هذا قول سعيد بن المسيب، والشعبى، والنخعي، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي.
وحجة من قال بهذا القول ظاهر قول رسول الله- ﷺ :
стр. 2433
(ح ١٤٧٧) "المؤمنون تكافأ دماؤهم".
فقال: هو مؤمن وهو مكافيء للحر.
ولما كان حجة من أجاز أمان العبد هذا الحديث لقوله:
(ح ١٤٧٨) ويسعى بذمتّهم أدناهم.
كان قوله: "المؤمنون تكافأ دماؤهم حجة عليه.
(ح ١٤٧٩) وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل عبده قتلناهُ (١)، ومن
جدعَ عبده جدعناه".
وليس بثابت.
وقال الثوري: من قتل عبده قتلناه، وقد اختلف فيه عنه.
واحتج من قال: لا قصاص من العبيد والأحرار في النفس: أنهم لما أجمعوا على أن لا قصاص بينهما فيما دون النفس، فالنفس أولى ألا يكون يها بينهما قصاص.
م ٤٨٩٧ - وممن حفظنا عنه أنه قال: لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفس: مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، والثوري.
وروينا ذلك عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي.
стр. 2434
٦ - باب الحر والعبد يقتلان الحر
قال أبو بكر:
م ٤٨٩٨ - واختلفوا في الحر والعبد يقتلان الحر عمداً.
فقالت طائفة: يقتلان به جميعاً إن شاء الولي، روينا هذا القول عن النخعي، والثوري.
وقال الزهري: يقتل الحر، وإن شاء أهل القتيل قتلوا (١) العبد، وإن شاؤوا استخدموه، وبه قال قتادة.
وفي قول الشافعي: إن شاؤوا قتلوهما، وإن شاؤوا عفوا عنهما، وإن شاؤوا قتلوا الحر وبيع العبد في نصف الدية إلا أن يفدي السيد عبده.
٧ - باب قتل المؤمن بالكافر
قال أبو بكر:
م ٤٨٩٩ - واختلفوا في قتل المؤمن بالكافر.
فروي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا لا يرون قتل المؤمن بالكافر.
وبه قال عطاء، والحسن البصري، وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور.
стр. 2435
وقالت طائفة: إذا قتل المسلم اليهودي، أو النصراني، أو المجوسى، قتل به المسلم، هذا قول أصحاب الرأي.
وروي ذلك عن الشعبي، والنخعي، في اليهودي والنصراني خاصة.
(ح ١٤٨٠) وثبت أن نبي الله ﷺ قال: "لا يقتل مؤمن بكافر".
قال أبو بكر: وبه نقول، ولا يصح عن النبي خبر يعارضه.
٨ - باب قتل الوالد بالولد
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٠ - اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عامداً.
فقالت طائفة: لا قود عليه، وعليه ديته، هذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد وقال مالك، وابن نافع، وابن عبد الحكم: يقتل به.
قال أبو بكر: وهذا نقول، لظاهر الكتاب والسنة.
فأما ظاهر الكتاب فقوله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
стр. 2436
(ح ١٤٨١) والثابت عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "المؤمنون تكافأ دماؤهم".
ولا نعلم خبراً ثابتاً يوجب استثناء الأب [٢/ ٢٦٩/ألف] من جملة الآية.
وقد روينا فيه أخباراً غير ثابتة.
م ٤٩٠١ - وكان مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (١) يقولون: إذا قتل الابن الأب قتل به.
٩ - باب قتل الرجل بعبده
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٢ - واختلفوا في الرجل يقتل عبده، أو يجرحه.
فقال الحسن البصري، والشعبي، والقاسم، وسالم: لا يقتل به.
وقال الزهري: يعاقب ويسجن.
وممن وافق الحسن البصري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان.
وفي قول مالك، والشافعي، وأحمد، والنعمان: يعاقب.
وقال النخعي: يقتل الرجل بعبده.
وقد ذكرنا ذلك عن الثوري، وهو مختلف فيه عنه.
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول.
стр. 2437
١٠ - باب القصاص بين العبيد في النفس وفيما دون النفس
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٣ - واختلفوا في القصاص بين العبيد في النفس وفيما دون النفس.
فقالت طائفة: يقتص بعضهم من بعض في النفس وفيما دون النفس.
هذا قول عمر بن العزيز، وسعالم بن عبد الله، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور.
وفيه قول ثان: وهو أن لا قصاص بينهم إلا في النفس، هذا قول الشعبى، والنخعي، والثوري، والنعمان.
قال أبو بكر: القول الأول أصح.
١١ - باب مسألة
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٤ - كان الشافعي، وأبو ثور يقولان: إذا قتل الرجل الخنثى المشكل فلأولياء الخنثى القصاص، لأن الخثى إما أن يكون رجلاً أو امرأة، فأيهما كان فبينه وبين الرجل القصاص في النفس وفيما دون النفس.
وإن سأل أولياؤه الدية أعطوا الأقل، وهو النصف.
وفي قول مالك: إنما لهم القود، وليس لهم الدية، إلا أن يصالحوا.
وقال أصحاب الرأي فيما احسب: يجب عليه فيه ثلاثة أرباع الدية.
стр. 2438
١٢ - باب القصاص بين الرجل وامرأته
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٥ - واختلفوا في القصاص بين الزوجين.
فقالت طائفة: بينهما القصاص كسائر الناس، هذا قول الشافعي، وأحمد.
وقال الشافعي: [٢/ ٢٦٩/ب] إلا أن يكون ذلك على وجه الأدب.
وبه قال الثوري: وهذا قول عمر بن عبد العزيز، والنخعي.
وفيه قول ثان: ألا يقتص للمرأة من زوجها لا في النفس، هذا قول الزهري.
قال أبو بكر: قول الشافعي أصح، لظاهر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية.
١٢ - باب النفر يقتلون الرجل
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٦ - واختلفوا في النفر يقتلون الرجل.
стр. 2439
فروينا عن عمر أنه قال: يقتلون به، وروينا هذا القول عن علي، والمغيرة بن شعبة.
وبه قال سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، ومالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى.
وفيه قول ثان: وهو ألا يقتل اثنان بواحد، هذا قول الزهري، وحبيب بن أبي ثابت، وابن سيرين.
وروينا ذلك عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وعبد الملك.
قال أبو بكر: وهذا أصح، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه عنه، وإذا اختلف أصحاب النبي ﷺ في شيء فسبيله النظر.
١٤ - باب النفر يجتمعون على قطع يد رجل
قال أبو بكر:
م ٩٥٧ - واختلفوا في قطع اليدين باليد.
стр. 2440
فقال الحسن البصري، والزهري، وسفيان الثوري: لا تقطع يدان بيد، ولا رجلان برجل.
وفي قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور: تقطع أيديهما.
قال أبو بكر: الأول أصح.
١٥ - باب البالغ العاقل، والمجنون والصبي يشتركون في قتل الخطأ يشارك العمد
قال أبو بكر:
م ٤٩٠٨ - واختلفوا في البالغ العاقل، والمجنون، والصبي يشتركون في قتل.
فكان حماد بن أبي سليمان، وقتادة والزهري، وأحمد بن حنبل يقولون في البالغ، والصبي يقتلان الرجل: على الرجل القتل، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية.
وفي قول مالك، والشافعي: على الكبير القود، وعلى الصبي نصف الدية في ماله.
وقال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، وإسحاق، والنعمان، ويعقوب، ومحمد: عليهم كلهم دية ولا قود [٢/ ٢٧٠/ألف].
стр. 2441
[مسألة] (١)
م ٤٩٠٩ - وإذا ضرب الرجل الرجل وضربه معه أسد، أو نمر، أو خنزير، أو سبع ضربة تقع موقع الجرح الذي الأغلب أن الجرح قتل دون الثقل (٢).
ففي قول أبي ثور: على الرجل القود.
واختلف عن الشافعي في هذه المسألة.
فقال مرة:" على القاتل القود، إلا أن يشاء الورثة الدية فيكون لهم نصفها".
وقال مرة: لا قود عليه.
م ٤٩١٠ - وقال الشافعي: "في رجل ضرب رجلاً، ونهشته (٣) حية، فمات: لا قصاص، وعلى الضارب نصف الدية حالة في ماله".
وبه قال أصحاب الرأي.
م ٤٩١١ - وإذا اشترك رجلان في قتل رجل، أحدهما أبو المقتول: فعلى الأب نصف الدية، وعلى الأجنبي القود، في قول الشافعي، وأبي ثور.
وفي قول أصحاب الرأي: عليهما الدية.
م ٤٩١٢ - واختلفوا (٤) المخطئ يشارك العامد في القتل.
стр. 2442
فقال النخعي، والشافعي: لا قود عليهما، وعلى العامد نصف الدية، وعلى عاقلة المخطئ نصف الدية.
م ٤٩١٣ - وقال الحسن البصري: إذا قتل أحدهما بحديدة والآخر بخشبة، فإنما هو دية.
وكذلك قال الشافعي إذا كانت الخشبة خفيفة الأغلب أن مثلها لا يقتل.
قال أبو بكر: ولو قال قائل: على العامد القود، وعلى عاقلة المخطئ نصف الدية: كان مذهباً؛ لأن القائل منهم قال: إذا قتل الأب والأجنبي ابن الرجل: كان عل الأجنبي القود، لأنهما قاتلان في الظاهر. فليقتل العامد، لأنه والمخطيء قاتلان.
١٦ - باب وجوه القتل
قال أبو بكر: ذكر الله جل ثناؤه قتل العمد وقتل الخطأ في كتابه، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية.
فهذان وجهان ذكرهما الله تعالى في كتابه.
م ٤٩١٤ - وأجمع أهل العلم على القول به.
стр. 2443
واختلفوا في الوجه الثالث، وأنا ذاكر الاختلاف فيه بعد إن شاء الله.
م ٤٩١٥ - وأجمع أهل العلم على أن من عمد فضرب رجلاً بحديد محدد مثل السيف، والخنجر، والسكين، وسنان الرمح، وما أشبه ذلك مما يشق بحده، فمات المضروب من ضربه: أن عليه القود.
م ٤٩١٦ - واختلفوا في الرجل يضرب الرجل بالعصا أو السوط الضرب [٢/ ٢٧٠/ب] الأغلب منه أنه يقتل، أو يشدخ رأسه بالحجر الثقيل، أو الخشبة الضخمة، أو ما أشبه ذلك مما الأغلب أن
مثله يقتل.
فقال كثير من أهل العلم: عليه القود. هذا مذهب النخعي، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وعمرو ابن دينار، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وروينا معنى (١) هذا القول عن عبيد بن عمير، والشعبي، ومالك.
وفيه قول ثان وهو: أن العمد ما كان بسلاح، هكذا قال عطاء، وطاووس، وسعيد بن المسيب.
стр. 2444
وقال الحسن: ليس العمد الذي يوجب القود إلا بحديدة. وبه قال الشعبي، ومسروق، وإبراهيم النخعي، والنعمان (١)، وابن الحسن، قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾، والقاتل بما الأغلب من مثل فعله أنه يقتل: قاتل.
(ح ١٤٨٢) وثبت عن النبي- ﷺ أنه أوجب القصاص على من قتل بحجر.
م ٤٩١٧ - وأجمع كل من احفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئاً فيصيب غيره. ولا أعلمهم يختلفون فيه.
وممن حفظنا ذلك عنه: عمر بن عبد العزيز، وقتادة، والنخعي، والزهري، وابن شبرمة، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
١٧ - باب الوجه الثالث المختلف فيه، وهو شبه العمد
قال أبو بكر:
م ٤٩١٨ - واختلفوا في شبه العمد.
стр. 2445
فمن أثبت شبه العمد: الشعبي، والحكم، وحماد، والنخعي، وقتادة، وسفيان الثوري، وأهل العراق، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.
وأنكر ذلك مالك وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد، والخطأ، وشبه العمد لم يعمل به عندنا.
(ح ١٤٨٣) وقد روينا عن النبي- ﷺ أنه قال: "ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون خلفةً في بطونها أولادها.
١٨ - باب ما يجب على الخالق، وعلى الرجل يسقي آخر السَّم [٢/ ٢٧١/ألف]
م ٤٩١٩ - واختلفوا في الرجل يخنق الرجل بحبل حتى يموت في خناقه.
فقال كثير من من أهل العلم: عليه القود. هذا قول عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والشافعي، وأحمد.
وقال حماد بن أبي سليمان -في رجل خنق رجلاً حتى قتله- قال: هو خطأ.
стр. 2446
وقال أصحاب الرأي: إذا خنقه حتى مات، أو طرحه في بئر، أو ألقاه من ظهر جبل، أو من سطح، فمات: لا قصاص فيه، وعلى مما قلته (١) الدية.
فإن كان خنَّاقاً قد خنق غير واحد، معروفاً بذلك، فعليه القتل.
قال أبو بكر: حكايه هذا القول تجزئ عن الادخال على قائله.
وهو مع ذلك خلاف ظاهر الكتاب والسنة.
وقال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمّداً ...﴾ وهذا قاتل عمد فعليه القتل.
(ح ١٤٨٤) وقد قال النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث"
وفيه" أو قتل نفس فيقتل به".
وهذا قاتل نفس.
وإذا جاز أن يكون على ألسنتهم قاتلاً في آخر مرة فهو قاتل في أول مرة.
(ح ١٤٨٥) وقد ثبت أن النبي ﷺ رضخ رأس اليهودي لما رضخ رأس الجارية بالحجارة".
م ٤٩٢٠ - وقال الشافعي: "إذا جعل السم في طعام رجل، فأطعمه إياه، أو سقاه إياه غير مكره له ففيها قولان:
стр. 2447
أحدهما: أن عليه القود، وهذا أشبههما.
والقول الثاني: أن لا قود عليه، وهو آثم. لأن الآخر شربه.
وإن خلطه فوضعه فأكله الرجل: فلا عقل، ولا قود، ولا كفارة. وقد قيل يضمن.
وقال: إذا استكرهه فسقاه سمَّا، وقال: علمت أنه يقتل، فعليه القود".
وقال مالك: عليه القود.
وقال أصحاب الرأي: إذا سقاه سماً، أو أوجره إياه إيجاراً فقتله، فلا قصاص عليه، وعلى عاقلته الدية.
ولو أعطاه إياه فشربه هو، لم يكن عليه فيه شيء ولا على عاقلته، من قبل أنه هو شربه.
م ٤٩٢١ - ولو هدم رجل على قوم بيتاً، أو ضرب رجلاً متلففاً في ثوب، فماتوا.
أو فقأ عين رجل، واختلفوا: فقال الأولياء: دخل البيت وهو صحيح، أو تلفف وهو صحيح، أوكنت العين صحيحة.
فعليه [٢/ ٢٧١/ب] القود في قول الشافعي، وأبي ثور عنه.
وبه قال أبو ثور، وقال: كل صحيح حكمه حكم الصحيح حتى يعلم منه غير ذلك.
وحكى أبو ثور عن الكوفي أنه قال: لا شيء عليه إلا أن تقوم بينة أنهم كانوا في وقت الهدم أصحاء.
стр. 2448
م ٤٩٢٢ - وقال الشافعي: "من جنى (١) على رجل يسوق، يرى من حضره أنه في السياق، وأنه يقبض مكانه، فضربه بحديدة، فمات: فعليه القود".
١٩ - باب قتل الغيلة
قال أبو بكر:
م ٤٩٢٣ - اختلف أهل العلم فيمن قتل قتل (٢) الغيلة.
فقالت طائفة: قتل الغيلة وغيره سواء، والقصاص والعفو فيه إلى الولي دون السلطان، هذا قول الشافعي، والنعمان.
وقال مالك: الأمر عندنا أنه يقتل به، وليس لولاة الدم أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان.
والغيلة عند مالك: أن يعرض لرجل أو صبي فيخدعه حتى يدخله بيتاً كي يأخذ ماله إن كان معه.
وقال أبو عبيد: "قتل الغيلة أن يغتال الإنسان فيخدع بالشيء حتى يصير إلى موضع يستخفي له فيقتله".
стр. 2449
قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول، وذلك (١) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ...﴾ الآية. وقد قتل من ذكرناه مظلوماً.
(ح ١٤٨٦) وللثابت عن نبي الله ﷺ أنه قال: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين".
٢٠ - باب الرجل يحبس الرجل على الرجل حتى يقتله
قال أبو بكر:
م ٤٩٢٤ - واختلفوا في الرجل يحبس الرجل على الرجل حتى يقتله. فقالت طائفة: يقتلان جميعاً. ذكر ابن جريج هذا القول عن سليمان بن موسى أنه قال: الاجتماع فينا أن يقتلا.
وقال مالك: إن حبسه وهو يرى أنه يريد قتله: قتلا جميعاً.
وفيه قول ثالث وهو: أن يقتل القاتل، ويعاقب الحابس.
هذا قول الشافعي، وأبي ثور، والنعمان.
وقال الحكم، وحماد: يقتل القاتل.
وقال عطاء: يقتل القاتل، ويحبس الحابس حتى يموت.
стр. 2450
وروي ذلك عن علي، وليس بثابت عنه.
قال أبو بكر: وبقول الشافعي أقول.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قال كثير من أهل المعرفة بالتفسير: لا يقتل غير قاتله.
(ح ١٤٨٧) وقال النبي- ﷺ س: "إن أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله.
والممسك غير قاتل (١) ".
٢١ - باب السيد يأمر عبده أن يقتل رجلاً فيقتله [٢/ ٢٧٢/ألف]
قال أبو بكر:
م ٤٩٢٥ - واختلفوا في الرجل يأمر عبده بأن يقتل رجلاً فيقتله.
فقال أحمد: يقتل السيد.
стр. 2451
وقد روينا هذا القول عن علي، وأبي هريرة. وقال علي: ويستودع العبد السجن.
وقال أحمد: يحبس العبد، ويضرب ويؤدب.
وقال الثوري: يعزر السيد.
وقال الحكم، وحماد: يقتل العبد.
وقال قتادة: يقتلان جميعاً.
وقال الشافعي: إن كان العبد فصيحاً يعقل: قتل العبد، وعوقب السيد، وإن كان أعجمياً: فعلى السيد القود.
وقال سليمان بن موسى قولاً خامساً قال: لا يقتل الآمر، ولكن يديه، ويعاقب، ويحبس".
٢٢ - باب الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل
قال أبو بكر:
م ٤٩٢٦ - واختلفوا في الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل فيقتله المأمور.
فقالت طائفة: القتل على القاتل: كذلك قال عطاء، وسليمان بن موسى، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وفيه قول ثان وهو: أنهما شريكان هكذا قال النخعي.
стр. 2452
م ٤٩٢٧ - وقال الشافعي: "إذا أمر السلطان رجلاً بقتل رجل، والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلماً: كان عليه وعلى الإمام القود كقاتلين معاً، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلماً: كان على الإمام القود.
والمأمور قولان:
أحدهما: أن عليه القود.
والآخر: لا قود عليه. ونصف الدية، والكفارة عليه".
٢٣ - باب القصاص في الأمراء (١) والعمال
قال أبو بكر:
م ٤٩٢٨ - ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يقيد من نفسه.
وثبت عن أبي بكر أنه قال لرجل شكا أن عاملاً (٢) قطع يده: لئن كنت صادقاً لأقيدنَّك منه.
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال أبو بكر: وليس بين العمال وسائر العامة في أحكام الله فرق، لقول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
стр. 2453
(ح ١٤٨٨) ولقول رسول (١) الله ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا العقل، وإن أحبوا القود".
٢٤ - باب الرجل يجد مع امرأته رجلاً فيقتله
م ٤٩٢٩ - وإذا وجد الرجل مع امرأته رجلاً (٢) فقتله.
فروينا عن علي ﵁ أنه قال: [٢/ ٢٧٢/ب] "إن لم يأت بأربعة شهداء، فليعط برمّته".
وبه قال الشافعي، وقال: "يسعه فيما بينه وبين الله قتله".
وبه قال أبو ثور.
قال أبو بكر: وكذلك نقول.
٢٥ - باب ما يكون به القصاص
قال أبو بكر:
م ٤٩٣٠ - واختلفوا فيما يفعله الولي بمن له قتله من (٣) القصاص.
стр. 2454
فقالت طائفة: له أن يفعل بالقاتل قال ما فعل بالمقتول. هذا قول عمر بن عبد العزيز، والشعبي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وقال سفيان الثوري: القتل يمحو ذلك كله، أي القود بالسيف وبه قال عطاء.
قال أبو بكر: لولي المقتول أن يفعل بالقاتل قال ما فعل القاتل بالمقتول، يدل على ذلك الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية.
(ح ١٤٨٩) وأما السنة، فعل النبي ﷺ باليهودي لما رضخ رأسه، لأنه كان رضخ رأس الجارية.
٢٦ - باب المقتص منه يتلف في القصاص فيما دون النفس
قال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري:
م ٤٩٣١ - واختلفوا في المقتص منه من يد أو رجل يموت منه.
فممن قال: لا دية له، الحسن البصري، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد.
стр. 2455
وروينا ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي.
وبه نقول، لأن المقتص أخذ ما وجب له، ولم يتعد. فلما أجمعوا على أنه أخذ حقه لم يجز أن يلزم من أخذ ما يجب له شيئاً بغير حجة.
ولا أعلم أحداً يخالف في أن الإمام إذا أقام حداً أوجبه الله تعالى، فمات الذي أقيم عليه الحد: أن لا شيء على الإمام.
فكذلك إذا اقتص لمجروح (١) فمات: فإن الحق قتله.
وفيه قول ثان وهو: أن على المقتص الدية إذا تلف المقتص منه.
هذا قول عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي.
وبه قال الثوري.
وقال الشعبي: دية المقتص منه على عاقلة القاص (٢)، وبه قال الزهري.
وقال النعمان: دية المقتص منه على المقتص له.
وقد قيل: عليه ديته يطرح منها دية جرحه. روي هذا القول عن حماد بن أبي سليمان.