← Фикх общий

Фикх общий · id 119492

الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر

ابن المنذر

Полный текст (2 857 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

(ح ١٦٥٥) ودلّ خبر ثالث عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ أنه قال: "لا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب، ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخره عن فيه، ثم ليتنفس". على أن معنى شربه بثلاثة أنفاس غير معنى فيه عن أن يتنفس في الإناء، فرَّق حديث أبي هريرة بينهما. م ٥٣٧٩ - ولا يجوز النفخ في الشراب: (ح ١٦٥٦) لأن النبي ﷺ نهى عنه. م ٥٣٨٠ - وإن نفخ نافخٌ في الشراب لم يحرم الشراب [٢/ ٣٢٧/ب] وكان النافخ في الشراب مسيئاً في فعله. م ٥٣٨١ - ويكره الشرب من في السقاء. (ح ١٦٥٧) لنهي النبي ﷺ عنه. (ح ٩٦٥٨) وفي حديث ابن أنيس (١) أن النبي- ﷺ شرب من في السقاء (٢).

стр. 2732

وهو معلق". وقد قيل: إن النبي- ﷺ إنما نهى عن ذلك في تأديب لا تحريم وعلى أن السقاء المعلق لا تكاد الدواب تصل إليه، لأن في: (ح ١٦٥٩) حديث أبي سعيد الخدري: "أن رجلاً شرب من في السقاء، فانساب في بطنه حيان (١)، فنهى رسول الله- ﷺ عن اختناث الأسقية". (ح ١٦٦٠) وقد أمر النبي- ﷺ -بالتسمية عند إيكاء القرب، قال: فأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله".

стр. 2733

(ح ١٦٦١) وقال أبو حميد: وإنما أمر النبي- ﷺ (١) بالأسقية أن تُوكى ليلاً، وبالأبواب أن تغلق ليلاً. ٢ - باب الشرب قائما قال أبو بكر: م ٥٣٨٢ - اختلف أهل العلم في الشرب قائماً. فروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر، وابن الزبير ﵃: أنهم شربوا قياماً. وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة ﵃ أنهم قالوا: لا بأس به. وهذا قول سالم بن عبد الله، وطاووس، وسعيد بن جبير، والنخعي، وزاذان. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق. وكان أنس بن مالك يكره ذلك، وبه قال الحسن البصري.

стр. 2734

وقال الشعبى: إنما كره ذلك لأنه رديء. قال أبو بكر: وقد روينا عن النبي- ﷺ في هذا الباب حديثين. (ح ١٦٦٢) أحدهما: "أن النبي ﷺ نهى أن يشرب الرجل وهو قائم". (ح ١٦٦٣) والحديث الثاني: أنه قال: "لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء". قال أبو بكر: وليس للحديث الأول علة، وقد علل الخبر الثاني. (ح ١٦٦٤) وقد روينا عن النبي- ﷺ "أنه شرب قائماً من زمزم". (ح ١٦٦٥) وقال ابن عمر: "كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نمشي على عهد رسول الله- ﷺ ". وقد قال بعض أهل العلم: إن النهي عن الشرب قائماً

стр. 2735

نهي اختيار، لأن الشرب جالساً أهدأ (١) وأمرأ من الشرب قائماً. قال: ولو كان الشرب قائماً [٢/ ٣٢٨/ألف] يوجب مأثماً، ما شرب النبي- ﷺ قائماً. ٣ - باب الشرب في آنية الذهب والفضة قال أبو بكر: (ح ١٦٦٦) ثبت أن رسول الله- ﷺ نهى عن الشرب في آنية الذهب والففة، وعن الحرير، والديباج (٢)، وقال: هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة". (ح ١٦٦٧) وقال: "إن الذي يشرب في إناء فضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".

стр. 2736

قال أبو بكر: م ٥٣٨٣ - فالشرب في آنية الذهب والفضة محرم لنهي النبي- ﷺ عن ذلك. وقال أبو هريرة: الذين يشربون في آنية الفضة إنما يجرجرون في بطونهم نار جهنم. وقد روينا عن أنس أنه أتي بجام من ففة فيه خبيص، فحوله على رغيف، ثم أكله، وهذا قول سعيد بن جبير، وميسرة، وزاذان. وقال شعبة: سألت معاوية بن قرة عن الشرب في قدح من فضة، فقال: لا بأس به. قال أبو بكر: وهذا لا معنى له، وأحسن ما يوضع عليه قوله، أنّه لم يبلغه نهى النبي- ﷺ عنه. م ٥٣٨٤ - وقد اختلفوا في الآنية المفضضة. فكان ابن عمر لا يشرب في قدح فيه حلقة من فضة، ولا ضبة من فضة. وكره (١) الشرب في المفضض علي بن الحسين ﵄، وعطاء بن أي رباح، وسالم بن عبد الله، والمطلب بن عبد الله بن حنطب. وكره الحسن البصري، ومحمد بن سيرين أن تضبب الأقداح بذهب أو ففة.

стр. 2737

وقد روينا عن عائشة ﵂ أنها قالت: نُهي أن نضبب الآنية أو نحلقها بالفضة. ورخصت طائفة في الشرب في [الإناء] (١) المفضض، وممن كان يشرب فيه سعيد بن جبير، وميسرة، وزاذان، وطاووس. وكان عروة بن الزبير لا يشرب بإناء مضبب بفضة، ويشرب من قدح فيه حلقة من ورق. وقيل لأحمد بن حنبل: أيشرب في قدح مفضض؟، قال: إذا لم يضع فمه على الفضة، فهو مثل العلم في الثوب. وقال إسحاق كما قال، وقال- قد وضع عمر بن عبد العزيز فمه بين ضبتين، وبه قال أبو ثور. قال أبو بكر: ثبت أن رسول الله- ﷺ نهى عن الشرب [٢/ ٣٢٨/ب] في آنية الذهب والفضة. والمفضض ليس بإناء من فضة ولا ذهب، وكذلك المضبب. فالذي يحرم أن يشرب فيه ما نهى عنه رسول الله- ﷺ . وليس بحرام ما لم يقع عليه النهي، ولو اتقى متق ما اتقاه ابن عمر كان حسنا، ولا يعصي من شرب فيما لم ينه عنه. ٤ - باب الأنبذة التي كانت تنبذ لرسول الله ﷺ - قال أبو بكر:

стр. 2738

(ح ١٦٦٨) في حديث جابر أن النبي ﷺ "كان ينبذ له في سقاء، فإن لم يوجد فتور من حجارة". (ح ١٦٦٩) وقالت عائشة ﵂: "كنا ننبذ لرسول الله- ﷺ في سقاء يُوكى عليه (١) أعلاه، وله غزلاء، ننبذه غدوة فيشربه عشياً، وننبذه عشياً فيشربه غدوة". (ح ١٦٧٠) وفي حديث ابن عباس ﵄ "أن رسول الله- ﷺ كان ينبذ له فيشربه من الغد ومن بعد الغد، فإذا كان اليوم الثالث أهريق". قال أبو بكر: م ٥٣٨٥ - أما ما (٢) في حديث عائشة رحمها الله ورضي عنها، فالشراب في المدة التي ذكرناها يُشرب حلواً.

стр. 2739

وفي حديث ابن عباس يشربه من الغد، ومن بعد الغد، فإذا كان اليوم الثالث أهريق، يعني إذا على، وغير (١) جائز أن يظن أحد أن ذلك كان مسكراً، لأنه حُرِّم المُسكر، وقوله: أهريق، يعني ما على منه وحرم، لأنه نُهيَ عن إضاعة المال. ٥ - باب النهي عن الخليطين (ح ١٦٧١) ثبت أن رسول الله- ﷺ نهى عن البُسر والتمر أن يخلطا جميعاً، وعن الزبيب والتمر أن يخلطا جميعاً". (ح ١٦٧٢) ونهى أن يجمع بين الرطب والبسر. (ح ١٦٧٣) وفي حديث أبي قتادة أن رسول الله- ﷺ قال: "لا تجمعوا بين الزبيب والتمر ولا بين الزهو والرطب، وانتبذوا كل واحد منهما على حدة". م ٥٣٨٦ - وقد اختلف أهل العلم فيما ذكرناه.

стр. 2740

فممن كان مذهبه أن يُنبذ كل واحد من ذلك على حدة أبو مسعود الأنصاري، وأنس بن مالك، وبمثل معناه قال جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري. وهذا مذهب طاوس، وعطاء. وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقد روينا [٢/ ٣٢٩/ألف] عن ابن عباس قولاً ثانياً: أنه كان يكره البسر وحده، وأن يجمع بينه وبين التمر، ولا يرى بالتمر والزبيب بأساً. ويقول: حلال إن اجتمعا أو تفرقا. وكان الحسن يكره أن يجمع بين التمر والزبيب. وفيه قول ثالث وهو: أن لا بأس أن يخلطا نبيذ الزبيب ونبيذ التمر، ثم يشربان جميعاً، وإنما جاء الحديث في الكراهية أن ينبذا جميعاً، ثم يُشْربا، فذلك لأن أحدهما يشد صاحبه. هذا قول الليث بن سعد. وقال ابن وهب- الراوي عن الليث هذه الحكاية-: وخالفه مالك فقال: لا أرى أن يخلط جميعاً لا عند شربه ولا عند انتباذه. وقال سفيان الثوري في التمر والزبيب: لا بأس أن يجمعا إذا لم يسكر. وذكر داود بن الزبرقان: أن أبا حنيفة سئل عن الخليطين

стр. 2741

خليط البسر والتمر، والزبيب والتمر، فقال: حدثني حماد عن [إبراهيم] (١) أنه كان لا يرى بأساً. قال أبو بكر: وبأخبار رسول الله- ﷺ أقول. ولا تجوز معارضة أخبار رسول الله- ﷺ ، ويجب أن يسلم لما جاء عن النبي- ﷺ . وقال بعض من يخالف الأخبار: إذا حلا منفردين فليس بالجمع بينهما بأس. قال: ولو عارض فهذا القائل معارض فقال ماله: إذا جاز نكاح المرأة ونكاح أختها منفردين فليس بالجمع بينهما بأس. فإن قال: حرم الله جل ذكره الجمع بين الأختين. قيل: وكذلك حرم النبي- ﷺ [الجمع بين] (٢) البسر والتمر أن يخلطا في حديث أبي قتادة أن رسول الله- ﷺ قال: "انتبذوا كل واحد منهما على حدة". والجواب في الجمع بين العمة وبنت أخيها، كالجواب في الجمع بين الأختين. وقد بلغني عن الشافعي أنه سئل عن رجل شرب خليطين مُسكراً؟ فقال: هذا بمنزلة رجل أكل لحم خنزير ميت، فهو حرام

стр. 2742

من جهتين: الخنزير حرام أكله، والميتة حرام أكلها. فلما اجتمع المعنيان في شيء واحد كان حراماً من جهتين. ٦ - باب النهي عن الانتباذ في الدباء، والجرِّ، والنَّقير، والمزفت قال أبو بكر: (ح ١٦٧٤) ثبت أن رسول الله- ﷺ "نهى عن الجر، والدباء، والنقير، والمزفّت، والحَنتم أن ينتبذ فيه". " فأما الدبار: [٢/ ٣٢٩/ب] فإن أهل الطائف كانوا يأخذون الدباء فيطرحون فيها عناقيد العنب، ثم يدفنوها حتى تهدر، ثم تموت. وأما النقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، ثم يشدخون فيها الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يموت. وأما الحنتم: فجرار خضر كانت تحمل إليهم. قال أبو عبيد: أما الحديث فحمر، وأما في كلام العرب فخضر".

стр. 2743

م ٥٣٨٧ - وقد اختلف أصحاب النبي- ﷺ ومن بعدهم في نبيذ الأواني اللواتي ذكرناها. فكان ابن عمر ينهى عن نبيذ الجرِّ والدبّاء. وقال ابن عباس: لا تشربه وإن كان أحلى من العسل. ونهى أبو هريرة عن نبيذ الجر، وروي معنى ذلك عن علي ﵁، وأنس بن مالك. وكره مالك بن أنس أن ينبذ الرجل في المزفت والدباء، أو يطبخ فيه. وقال أحمد بن حنبل، وقد سئل: ما يكره من الظروف؟ فقال: الذي نهي عنها الدباء، والحنتم. والنقير. وأحب إلي أن تتقى الأوعية كلها، وبه قال إسحاق. وفيه قول ثان وهو: أن إباحة شرب نبيذ الجر رويت الرخصة فيه عن ابن مسعود، وقد كان يشرب نبيذ الجر. وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان ينبذ له نبيذ الَجّر أبيض. ورويت الرخصة فيه عن قيس بن عباد، ومعقل بن يسار. قال أبو بكر: وقد قال بكل قول من هذين القولين ناس من التابعين ومن تبعهم (١). والذي به نقول: إن الأخبار التي رويناها عن النبي- ﷺ في نهيه عن الدباء، والحنتم، والنقر، والمزفت: أخبار صحاح ثابتة الأسانيد.

стр. 2744

وقد كان النبي- ﷺ نهى عن ذلك كما نهى عن زيارة القبور، ثم أذن فيه وفي زيارة القبور، وحرم كل مسكر. [وكل شراب] (١) لا يسكر كثيرهُ، فهو حلال في أي جرة وظرف كان، إلا جلد ميتة، أو إناء نجس. وكل شراب أسكر كثيره فالقليل منه حرام، في أي ظرف من هذه الظروف اتخذ، كالعسل لا يبالى في أي ظرف جعل، فهو حلال. والمسكر محرم في أي إناء وسقاء كان. (ح ١٦٧٥) وفي حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: "إني كنت نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن [٢/ ٣٣٠/ألف]، نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوها إلا في ظروف

стр. 2745

الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها (١) بعد ثلاث، فكلوها واستمتعوا بها في أسفاركم". (ح ١٦٧٦) وقال عبد الله بن مغفل: (٢) "إني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة التي بايع النبي ﷺ الناس تحتها، فبايعناه على أن لا نَفِرَّ، وشهدته حين نهى عن نبيذ الجر، وشهدته حين أمر بشربه، وقال: اجتنبوا المسكر". ٧ - باب تحريم الخمر (٣) قال أبو بكر: قال الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. (ح ١٦٧٧) وثبت أن رسول الله- ﷺ "حرم الخمر".

стр. 2746

(ح ١٦٧٨) وفي حديث ابن عمر عن النبي- ﷺ أنه قال: إن الله لعن الخمر وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها وآكل ثمنها". (ح ١٦٧٩) وقال: "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها، حرمها في الآخرة [فلم يُسقَها] ". ٨ - باب ما يتخد منه الخمر وذكر تحريم ما أسكر من الأشربة كلها قال أبو بكر: (ح ١٦٨٠) في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة". (ح ١٦٨١) وثبت (١) أن رسول الله- ﷺ قال: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو مدمنها، لم يشربها في الآخرة".

стр. 2747

(ح ١٦٨٢) وروينا عن النبي- ﷺ قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيرُه". (ح ١٦٨٣) وأنه قال: "ما أسكر الفَرْقُ منه، فملءُ (١) الكف منه حرامٌ". وقال ابن عمر: "كل مسكر خمر"، وقال مرة: المسكر قليله وكثيره حرام. م ٥٣٨٨ - وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: "كل مسكر حرام. وهذا مذهب عطاء، وطاووس، ومجاهد، وقتادة، [٢/ ٣٣٠/ب] وعمر بن عبد العزيز. وقال الحسن البصري: قليل الحمر وكثيرها سواء. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد رجلاً وجد منه ريح شراب. وهذا مذهب ابن مسعود. وقد روينا هذا القول عن جماعة من الأوائل.

стр. 2748

قال أبو بكر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة قد ذكرناها مع عللها في كتاب الأوسط. فإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . فوجدنا الله قد حرم الخمر. فذلك على العموم، وحرم رسول الله- ﷺ قليل ما أسكر كثيره. فوجب تحريم جميع الأشربة التي تسكر، لأنها داخلة في جملة الخمر. ألا ترى إلى: (ح ١٦٨٤) قول النبي- ﷺ : كلُّ مسكر خمر، وكلُّ خمر حرامٌ.

стр. 2749

(ح ١٦٨٥) و: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". فلم يبق هذا الخبر مقالة لقائل، ولا حجة لمحتج. فأما ما احتج به من روى عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره: فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين، إما مخطئ أخطأ في تأويل على حديث سمعة. أو رجل أتى ذنباً لعله أن يكثر الاستغفار منه. والنبي ﷺ حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة. ٩ - باب الطلاء قال أبو بكر: م ٥٣٨٩ - اختلف أهل العلم في الطلاء

стр. 2750

فقال كثير من أصحاب رسول الله- ﷺ وأكثر أهل العلم: إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فشربه مباح. هذا قول عمر بن الخطاب ﵁. وبه قال علي بن أبي طالب، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ ابن جبل، وأبو طلحة، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك. وهو قول الحسن البصري، وعكرمة، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل. وقال مالك: كنت أسمع إذا بقي له الثلث. وهذا لا أعلمهم يختلفون في إباحة شربه، لأنه لا يسكر كثيره. وفيه قول ثان: وهو قول من أباح أن يشرب على النصف، روينا هذا القول عن البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي جحيفة، وجرير.

стр. 2751

وبه قال شريح، وعبيدة السلماني، وقيس بن أبي حازم، وابن الحنفية، وسعيد بن جبير، والنخعي. وقال النعمان: ما طبخ [٢/ ٣٣١/ألف] من العصير، فذهب ثلثاه فهو حلال. وكان لا يرى بشرب النصف بأساً وبه قال يعقوب، وابن الحسن. قال أبو بكر: والذي به نقول ظاهر قول رسول الله- ﷺ : (ح ١٦٨٦) "ما أسكر كثيره فقليله حرام". (ح ١٦٨٧) وقوله: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام". فإذا طبخ العصير وذهب منه الثلثان وبقي الثلث لم يسكر، وهذا مباح من الأشربة بإجماعهم. وكل ما أسكر كثيره من ذلك من الأشربة، فهو حرام لظاهر قول رسول الله- ﷺ . وإذا كان الخمر عند من خالفنا لا يحل بالطبخ، فمعلوم أن الطبخ لا يحل حراما، والحلال من الأشربة ما لا يسكر كثيرُه.

стр. 2752

١٠ - باب اتخاذ الخمر خلاً قال أبو بكر: م ٥٣٩٠ - اختلف أهل العلم في الخمر هل يجوز أن يعالج فيتخذ منه خلا أو لا يجوز. فقالت طائفة: لا يجوز ذلك. روينا هذا القول عن عمر بن الخطاب ﵁، وبه قال الزهري. وكرهت طائفة أن يتخذ العصير للخل، وقالت: لا يتخذ من العصر الخل، ولكن يصب الخل على العصير حتى يغلبه فلا يصير خمراً بحال. هذا مذهب أحمد بن حنبل، وبنحوه قال ابن المبارك. وفيه قول ثان وهو: الرخصة في أن يتخذ الخمر خلا. هذا قول عطاء وعمرو بن دينار، وبه قال الحارث العكلي. وقال مالك: لا أحب لمسلم ورث خمراً أن يحبسها يخللها، ولكن إن فسدت الخمر حتى تصير خلا، لم أر بأكلها بأسا. وقال الليث بن سعد: لا أحرمه. وقال النعمان: لا بأس أن يتخذ الخمر خلا. م ٥٣٩١ - وقد روينا عن جماعة من الأوائل أنهم اصطبغوا بخل الخمر، وليس في شيء من أخبارهم أن ذلك كان خمراً فاتخذ خلا، أو تحول الخمر خلا

стр. 2753

من غير صنعة دخلت ذلك، أو كان عصراً فصب عليه من الخل ما يغلبه ولا يصير خمراً، ولكن جاءت الأخبار عنهم مبهمة. روي هذا القول عن علي بن أبي طالب ﵁، وأبي الدرداء، وعائشة أم المؤمنين ﵂، وابن عمر. ورخص فيه ابن سيرين، والحسن البصري، [٢/ ٣٣١/ب] وسعيد بن جبير. وقد احتج غير واحد من أصحابنا في هذا الباب بحديث رويناه: (ح ١٦٨٨) عن أنس بن مالك "أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً فجعله خلاً؟ قال: لا فأهراقه". قال أبو بكر: وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله- ﷺ أنه حرم الخمر وثمن الخمر، وأمر بصبها مع نهيه عن إضاعة المال. فلو كان إلى اتخاذ الخمر خلا سبيل لأمر بذلك وأذن لأبي طلحة فيه، لأن حياطة اليتيم تجب، ويحرم تضييع ماله، إذ في حفظ ماله الصلاح وفي إضاعة ماله المأثم. فلما أمر بصبها دل على أنها ليست بمال، لأن من كان له مال فأتلفه كان مضيِّعاً لماله. ففي أمر النبي ﷺ بإهراقه الخمر، أبين البيان على أنها ليس بمال يجوز الانتفاع به.

стр. 2754

١١ - باب شرب الفُقّاع (١) قال أبو بكر: م ٥٣٩٢ - قد ذكرنا فيما مضى أن الأشياء مباحة حتى توجد حجة في تحريم شيء بعينه، فيحرم ذلك الشي. والفقاع مباح من وجوه: أحدها: أنا لا نعلم في تحريمه حجة. والثاني: أن الاستكثار منه لا يسكر. والثالث: أنه إن ترك فسد على ما قيل لي. وقد كان أحمد، وإسحاق يرخصان فيه.

стр. 2755

٩٧ - كتاب قتال أهل البغي قال أبو بكر: قال الله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. يقال: إن الآية نزلت في أمر كان بين قوم على عهد رسول الله- ﷺ . (ح ١٦٨٩) وروينا عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ قيل له: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه وركب (١) حماراً، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي- ﷺ -قال: إليك عني فو الله لقد آذاني ريح حمارك، فقال [٢/ ٣٣٢/ألف] رجل من

стр. 2756

الأنصار: والله، لحمار رسول الله- ﷺ أطيب ريحاً منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه. فكان بينهم ضربٌ بالجريد وبالأيدي والنعال. فبلغنا أنها نزلت فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال أبو بكر: م ٥٣٩٣ - وإذا اعتزلت جماعة من الرعية إمام المسلمين ومنعوه حقاً من الحقوق، ولم يعتلوا فيه بعلة يجب على الإمام (١) النظر فيه، ودعاهم الإمام إلى الخروج مما يجب عليهم، فلم يقبلوا قوله، وامتنعوا من أداء ذلك إلى الإمام، فحق على إمام المسلمين حربهم وجهادهم، ليستخرج منهم الحق الذي وجب عليهم، وحق على الرعية قتالهم مع إمامهم إذا استعان الإمام بهم. كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ في قتال من منع الزكاة، انه قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. وتأول: (ح ١٦٩٠) قول النبي- ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابهم على الله". فرأي أن الزكاة من الحق الذي ذكره النبي ﷺ .

стр. 2757

ويقال: إن أبا بكر قاتل الذين منعوا الصدقة، قاتل قوماً كفروا بعد إسلامهم. ولم يختلف الناس أن قتال الكفار يجب. وقال الشافعي: "وأهل الردة بعد رسول الله- ﷺ ضربان: ضرب منهم كفروا بعد إسلامهم، مثل طُلَيحَة، والعنسي، ومسيلمة وأصحابهم. ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات. ولا نعلم أحدا في الوقت الذي رأى عمر مثل ما رأى أبو بكر الصديق ﵃ من أصحاب رسول الله- ﷺ امتنع من قتالهم. ولا أرى رأيا خلاف الذي رآه الصديق. فهذا مع دلائل سنن رسول الله- ﷺ كالإجماع من المهاجرين

стр. 2758

والأنصار على أن الصديق قام في ذلك بحق وجب عليه القيام به. وأما علي بن أبي طالب ﵁ فقد بلغه عن القوم الذين قاتلوا كلاما، قبل أن يقتلوا عبد الله بن خباب، فلم يقاتلْهم، فلما قتلوا عبد الله بن خباب قال لهم: أقيدوني من ابن خباب، قالوا: كلنا قتله. فحينئذٍ استحل قتالَهم [٢/ ٣٣٢/ب] فقتلهم. (ح ١٦٩١) وقد ذكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ (١) أمر بقتلهم قال: سمعته يمول: "سيخرج أقوام في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانُهم حناجِرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، فأينما لقيتَهم فاقتلْهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة.

стр. 2759

م ٥٣٩٤ - واختلفوا في قتل المُدْبر منهم، والأسير، أو الجريح. فكان الشافعي يقول: لا يقتل منهم مُدْبرٌ أبداً، ولا أسير، ولا جريح بحال. قال أبو بكر: ومن حجة من قال هذا القول قول علي ﵁ يوم الجمل: لا يُذفّف على جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق باباً، أو بابه، فهو آمن، ولا يتبع مدبر. وروي نحو (١) ذلك عن عمار بن ياسر. وقال أصحاب الرأي في الخوارج: إذا هزموا ولهم فئة يلجؤون إليها فينبغي لأهل الجماعة أن يقتلوا مدبرهم، وأن يُجيزوا على جريحهم، وأن يقتلوا من أسر منهم. فإن انهزم الخوارج ولم يكن لهم فئة يلجؤون إليها لم يقتل مدبرهم، ولم يجيزوا على جريحهم، ولم يقتلوا أسيرهم، ولكن يعاقبون ويضربون من أخذ منهم ضربا وجيعاً، ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه ويحدثوا توبة.

стр. 2760

وقال الأوزاعي بعد أن ذكر قول أبي حنيفة: وما تحل هذه السيرة في الفئة إذا افترقت الأمة، ولا في الطائفتين اللتين نزل فيهما وفي أشباههما القرآن، ولا في الخوارج إذا هزمهم المسلمون قتل أسيرهم والإجازة على جريحهم. قال أبو بكر: وقد روينا عن ابن عباس ﵁ قولاً يوافق قول الأوزاعي، والنعمان. وروينا عن ابن عباس أنه سئل عن أناس من الخوارج: "قالوا فهزمناهم أنقتلهم؟ قال: اقتلهم ما كانت لهم فئة يرجعون إليها. فإن لم يكن لهم فئة فلا تقتلوا مدبراً ولا مقبلاً". وقد روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه ودى قوماً من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين. ١ - باب ما أصاب أهل التأويل من الخوارج وغيرهم من مال أو دم على وجه التأويل، أو أصاب أهل العدل منهم قال أبو بكر: م ٥٣٩٥ - واختلفوا فيما يصيبه كلُّ فريق من أهل العدل والخوارج [٢/ ٣٣٣/ألف] بعضهم من بعض، من دم أو مال على وجه التأويل. فقالت طائفة: إذا التقت الفئتان فما كان بينهم من دم، أو جراحة فهو هدر، ألا تسمع إلى قوله الله : ﴿وإن

стр. 2761

طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. روينا هذا القول عن سعيد بن المسيب. وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: الدماء موضوعة عنهم، وأما الأموال فرأيي إن وجدوا شيئاً بعينه أخذوه، قال: ولم يُتْبَعوا بشيء مما استهلكوه، لأنهم إنما استهلكوه على التأويل. وقال الشافعي (١): "وما أصابوا في هذه الحال -يعني أهل البغي- على وجهين: أحدهما: ما أصابوا من دم، أو مال، أو فرج على التأويل، ثم ظهر عليهم بعد ذلك، لم يقم عليهم منه شيء، إلا أن يوجد مال رجل بعينه فيؤخذ. والوجه الثاني: "ما أصابوا على غير وجه التأويل من حد الله أو للناس، ثم ظُهِر عليهم رأيتُ أن يُقام عليهم كما يقام على

стр. 2762

غيرهم ممن هرب من حدٍّ، أو أصابه وهو في بلاد لا والي لها، ثم جاءها والٍ. وقال أصحاب الرأي: نحوا مما قال الشافعي في الدم والمال، وكذلك لا يؤخذ للخوارج ما أصاب أهل الجماعة منهم من دم أو مال إلا أن يوجد مال بعينه فيرد عليهم. وقال الأوزاعي: إن كانت الفئتان اللتان إحداهما باغية والأخرى عادلة في سواد العامة، وإمام الجماعة المصلح (١) بينهما، يأخذ من الباغية على الأخرى ما أصابت منها بالقصاص في القتل والجراحة كما [كان] (٢) أمر تَيْنِك - الطائفتين اللتين نزل فيهما القرآن إلى رسول الله- ﷺ وإلى الولاة. ٢ - باب اختلاف أهل العلم في أموال أهل البغي قال أبو بكر: م ٥٣٩٦ - اختلف أهل العلم في أموال أهل البغي إذا وجدها الإمام بعينه في أيدي ناس من المسلمين (٣).

стр. 2763

فقالت طائفة: ما كان من مال بعينه (١) فَرَدُّه على أصحابه [٢/ ٣٣٣/ب] يجب؛ لأنه مال مسلم. هذا قول الشافعي. قال أبو بكر: ومن الحجة لهذا القول "أن علياً ﵁ عرف ربة (٢) أهل النهر (٣)، فقال: من عرف شيئاً فليأخذه، قال: فبقيت قدر قريباً من شهرين ثم جاء رجل فأخذها، أو قال: ثم جاء صاحبها فأخذها". قال أبو بكر: وفيه قول ثان "وهو أن أموالهم تغنم- يعني الخوارج- هذا قول طائفة من أهل الحديث، ولا أعلم أحداً وافقهم على هذه المقالة. واحتج قائله بأخبار رويناها عن النبي ﷺ في أمر الخوارج (٤). (ح ١٦٩٢) منها قوله ﷺ : "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم".

стр. 2764

(ح ١٦٩٣) وقوله ﷺ : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يرجعون إليه". (ح ١٦٩٤) وبقوله ﷺ : "لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم". (ح ١٦٩٥) واحتج بما في خبر أبي ذر: "هم شر الخلق والخليقة". قال: فلا يجوز أن يقول قائل: هم من خير البرية، وإنما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، وقال قال النبي ﷺ لهم: هم شر الخلق، والخليقة" (١). واحتج بأشياء فرق بها بين قتال أهل البغي، وبين قتال الخوارج. ٣ - باب الفئتين تلتقيان (٢) فيقتل بينهما قتيل والقاتل وارثه قال أبو بكر:

стр. 2765

م ٥٣٩٧ - واختلفوا في الرجلين يلتقيان من الفئتين فيقتل أحدهما الآخر، وهو وارثه. فقالت طائفة: لا يرثه، كذلك قال الأوزاعي. وبه قال الشافعي، قال: يرثهما ورثتهما غير القاتلين. وفيه قول ثان: وهو أنه يرثه لأنه قتله على تأويل هذا قول النعمان. وفيه قول ثالث: وهو أن الخارج إذا قتل أخاه من أهل الجماعة لم يرثه، وإذا قتل الذي من أهل الجماعة أخاه وهو مع الخوارج ورثه. حكى هذا القول عن يعقوب، وزُفَر (١). وقال قائل: لا يحل لمن كان من أهل العدل قتل أبيه أو أخيه، أو ذي رحم من أهل البغي بالقصد منه إليه. فإن تعمد ضربه ليصيره غير ممتنع من الوصول إلى أخذ الحق منه: لم أره بذلك حرجاً، وكرهت له ذلك. إذا ضربه على هذا الوجه فمات من ذلك الضرب فله منه الميراث، كالإمام يأمر رجلاً بإقامة حد وجب على أبيه أو وارثه، فيفعل فيموت من ضربه [٢/ ٣٣٤/ألف] إياه الحد، فيكون له منه الميراث.

стр. 2766

وإن تعمد قَتْلَه فلا ميراث له، لأنه تعمد إلى قتله: ولا ميراث لقاتل العمد، لأنهم مجمعون عليه. وإن كان الضارب من أهل البغي الضرب الذي أبحنا للعدلي أن يضربه الباغي، فقتل الرجل من أهل الجماعة، فمات المضروب لم يَرْثُه لأنه قاتلٌ ظلماً. قال أبو بكر: هذا القول أحسنهما وأشبههما بالنظر. ٤ - باب الصلاة على من قتل من الفريقين في المعركة قال أبو بكر: م ٥٣٩٨ - واختلفوا في الصلاة على من قتل من الفريقين في المعركة. فكان الشافعي يقول: "أهل البغي إذا قتلوا في المعركة، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم، ويصنع بهم ما يصنع بالموتى. وإذا قتل أهل البغي أهل العدل في المعركة ففيها قولان: أحدهما أن يدفنوا بكلومهم ودمائهم، ولا يصلى عليهم. والقول الثاني: أن يصلى عليهم. وفي قول الأوزاعي: يصلى على قتلى الطائفتين جميعاً. وفيه قول ثان، وهو قول أصحاب الرأي: إن قتل أهل الجماعة بعض الخوارج وللخوارج فئة، لم يصل على قتلى الخوارج، فإذا

стр. 2767

انقطعت الحربُ ولم يكن للخوارج فئة، فلا بأس أن يغسل أهل الجماعة من قتل من (١) ذوي قرابته من الخوارج ويكفنه ويصلى عليه، ويدفنه. ومن قتل من أهل الجماعة فهو بمنزلة الشهيد، لا يغسل، ويدفن في ثيابه، ويصلى عليه ويدفن. قال أبو بكر: يصلى على الفريقين، لأن النبي- ﷺ عمّ بالأمر بالصلاة الناس كلهم، واستثنى بسنته الشهداء الذين قتلهم المشركون. م ٥٣٩٩ - قال مالك في القدرية، والإباضية: لا يصلى على موتاهم ولا تتبع جنائزهم ولا يعاد مريضهم. وقال مالك في الإباضية، والحرورية، وأهل الأهواء كلهم: "أرى أن يستتابوا فإن تابوا، وإلا قتلوا". ٥ - باب أقضية الخوارج قال أبو بكر: م ٥٤٠٠ - واختلفوا (٢) في أقضية قاضي الخوارج إذا ظهر أهلُ العدل عليهم.

стр. 2768

فكان الشافعي يقول: "إذا ظهر أهل [٢/ ٣٣٤/ب] البغي على بلد من بلدان المسلمين، فأقام إمامهم على أحد حداً لله أو للناس، فأصاب في إقامته، أو أخذ صدقات المسلمين، ثم ظهر أهل العدل عليهم لم يعودوا عفى من حده إمام أهل البغي بحد، ولا (١) على من أخذوا صدقته بصدقة. وكذلك ما أخذوا من خراج الأرض وجزية الرقاب، لم يعد على من أخذوه منه". وقالت طائفة: لو أن قاضياً للخوارج قضى بين رجلين بقضية وهو في عسكر الخوارج، ثم اختصموا في ذلك إلى قاضي أهل الجماعة، لم يجز ذلك. وإن كتب قاضي الخوارج كتاباً إلى قاضي أهل الجماعة في حق لرجل قد قامت به بينة عنده من الخوارج أو من غيرهم فلا ينبغي لقاضي أهل الجماعة أن ينفذ كتابه، ولا يقبله (٢)، هذا قول أصحاب الرأي. ٦ - باب الاستعانة بأهل الذمة وبأهل الحرب على أهل البغي قال أبو بكر: م ٥٤٠١ - واختلفوا في الاستعانة بأهل الذمة على أهل البغي.

стр. 2769

فكان الشافعي يقول: "لا يجوز لأهل العدل أن يستعينوا على أهل البغي بأحد من المشركين، ذمي ولا حربي، ولا أحب أن أقاتلهم- يعني أهل البغي- أيضاً بأحد يستحل قتلهم مدبرين، وجرحى، وأسرى من المسلمين". وفيه قول ثان وهو: أن لا بأس أن يستعينوا عليهم بأناس من أهل الذمة، وكذلك يستعينوا عليهم بأناس من أهل الحرب قد دخلوا دار الإِسلام بأمان، وكذلك يستعينوا عليهم بصنف من الخوارج مخالفين للذين خرجوا، إذا كان أهل الحد هم الظاهرين على الذين يستعينون هم على الخوارج. هذا قول أصحاب الرأي. ٧ - باب الرجال من أهل العدل يكونون في عسكر أهل البغي، والرجال من أهل البغى يكونون في عسكر أهل العدل قال أبو بكر: م ٥٤٠٢ - كان الشافعي يقول: "لو أن رجلاً من أهل العدل قتل رجلاً من أهل العدل (١) في شغل الحرب وعسكر أهل العدل. فقال: أخطأت به (٢)

стр. 2770

ظننته من أهل البغي. استحلف وضمن ديته. ولو قال: عمدته. أقيد منه، [٢/ ٣٣٥/ألف]. وكذلك إذا صار من أهل العدل بعض أهل البغى تائباً، مجاهداً أهل البغى، أو تاركاً للحرب وإن لم يجاهد أهل البغي، فقتله بعض أهل العدل، وقال: قد عرفته بالبغى وكنت أراه إنما صار إلينا لينال من بعضنا غرة فقتلته، أحلف على ذلك وضمن ديته. وإن لم يدع هذه الشبهة، أقيد منه لأنه إذا صار إلى أهل العدل، فحكمه حكمهم". وفيه قول ثان: في القوم من أهل الجماعة اقتتلوا هم والخوارج، وفي عسكر الخوارج قوم من أهل الجماعة، فقتل بعض أهل الجماعة بعض الذين في عسكر أهل البغي من أهل الجماعة، لم يكن في ذلك دية ولا كفارة، كان المقتول دخل إليهم بأمان أو بغير أمان. وكذلك إن غصب بعضهم مال بعض أو جرح، كان ذلك كله ساقطًا لا يتبع بعضهم بعضاً به إذا غلب أهل الجماعة عليهم. هذا قول أصحاب الرأي. ٨ - مسائل من كتاب (١) قتال أهل البغي قال أبو بكر:
следующие страницы →