وإن تعمد قَتْلَه فلا ميراث له، لأنه تعمد إلى قتله: ولا ميراث لقاتل العمد، لأنهم مجمعون عليه.
وإن كان الضارب من أهل البغي الضرب الذي أبحنا للعدلي أن يضربه الباغي، فقتل الرجل من أهل الجماعة، فمات المضروب لم يَرْثُه لأنه قاتلٌ ظلماً.
قال أبو بكر: هذا القول أحسنهما وأشبههما بالنظر.
٤ - باب الصلاة على من قتل من الفريقين في المعركة
قال أبو بكر:
م ٥٣٩٨ - واختلفوا في الصلاة على من قتل من الفريقين في المعركة.
فكان الشافعي يقول: "أهل البغي إذا قتلوا في المعركة، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم، ويصنع بهم ما يصنع بالموتى.
وإذا قتل أهل البغي أهل العدل في المعركة ففيها قولان:
أحدهما أن يدفنوا بكلومهم ودمائهم، ولا يصلى عليهم.
والقول الثاني: أن يصلى عليهم.
وفي قول الأوزاعي: يصلى على قتلى الطائفتين جميعاً.
وفيه قول ثان، وهو قول أصحاب الرأي: إن قتل أهل الجماعة بعض الخوارج وللخوارج فئة، لم يصل على قتلى الخوارج، فإذا
стр. 2767
انقطعت الحربُ ولم يكن للخوارج فئة، فلا بأس أن يغسل أهل الجماعة من قتل من (١) ذوي قرابته من الخوارج ويكفنه ويصلى عليه، ويدفنه.
ومن قتل من أهل الجماعة فهو بمنزلة الشهيد، لا يغسل، ويدفن في ثيابه، ويصلى عليه ويدفن.
قال أبو بكر: يصلى على الفريقين، لأن النبي- ﷺ عمّ بالأمر بالصلاة الناس كلهم، واستثنى بسنته الشهداء الذين قتلهم المشركون.
م ٥٣٩٩ - قال مالك في القدرية، والإباضية: لا يصلى على موتاهم ولا تتبع جنائزهم ولا يعاد مريضهم.
وقال مالك في الإباضية، والحرورية، وأهل الأهواء كلهم: "أرى أن يستتابوا فإن تابوا، وإلا قتلوا".
٥ - باب أقضية الخوارج
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٠ - واختلفوا (٢) في أقضية قاضي الخوارج إذا ظهر أهلُ العدل عليهم.
стр. 2768
فكان الشافعي يقول: "إذا ظهر أهل [٢/ ٣٣٤/ب] البغي على بلد من بلدان المسلمين، فأقام إمامهم على أحد حداً لله أو للناس، فأصاب في إقامته، أو أخذ صدقات المسلمين، ثم ظهر أهل العدل عليهم لم يعودوا عفى من حده إمام أهل البغي بحد، ولا (١) على من أخذوا صدقته بصدقة. وكذلك ما أخذوا من خراج الأرض وجزية الرقاب، لم يعد على من أخذوه منه".
وقالت طائفة: لو أن قاضياً للخوارج قضى بين رجلين بقضية وهو في عسكر الخوارج، ثم اختصموا في ذلك إلى قاضي أهل الجماعة، لم يجز ذلك.
وإن كتب قاضي الخوارج كتاباً إلى قاضي أهل الجماعة في حق لرجل قد قامت به بينة عنده من الخوارج أو من غيرهم فلا ينبغي لقاضي أهل الجماعة أن ينفذ كتابه، ولا يقبله (٢)، هذا قول أصحاب الرأي.
٦ - باب الاستعانة بأهل الذمة وبأهل الحرب على أهل البغي
قال أبو بكر:
م ٥٤٠١ - واختلفوا في الاستعانة بأهل الذمة على أهل البغي.
стр. 2769
فكان الشافعي يقول: "لا يجوز لأهل العدل أن يستعينوا على أهل البغي بأحد من المشركين، ذمي ولا حربي، ولا أحب أن أقاتلهم- يعني أهل البغي- أيضاً بأحد يستحل قتلهم مدبرين، وجرحى، وأسرى من المسلمين".
وفيه قول ثان وهو: أن لا بأس أن يستعينوا عليهم بأناس من أهل الذمة، وكذلك يستعينوا عليهم بأناس من أهل الحرب قد دخلوا دار الإِسلام بأمان، وكذلك يستعينوا عليهم بصنف من الخوارج مخالفين للذين خرجوا، إذا كان أهل الحد هم الظاهرين على الذين يستعينون هم على الخوارج. هذا قول أصحاب الرأي.
٧ - باب الرجال من أهل العدل يكونون في عسكر أهل البغي، والرجال من أهل البغى يكونون في عسكر أهل العدل
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٢ - كان الشافعي يقول: "لو أن رجلاً من أهل العدل قتل رجلاً من أهل العدل (١) في شغل الحرب وعسكر أهل العدل. فقال: أخطأت به (٢)
стр. 2770
ظننته من أهل البغي. استحلف وضمن ديته. ولو قال: عمدته.
أقيد منه، [٢/ ٣٣٥/ألف].
وكذلك إذا صار من أهل العدل بعض أهل البغى تائباً، مجاهداً أهل البغى، أو تاركاً للحرب وإن لم يجاهد أهل البغي، فقتله بعض أهل العدل، وقال: قد عرفته بالبغى وكنت أراه إنما صار إلينا لينال
من بعضنا غرة فقتلته، أحلف على ذلك وضمن ديته. وإن لم يدع هذه الشبهة، أقيد منه لأنه إذا صار إلى أهل العدل، فحكمه حكمهم".
وفيه قول ثان: في القوم من أهل الجماعة اقتتلوا هم والخوارج، وفي عسكر الخوارج قوم من أهل الجماعة، فقتل بعض أهل الجماعة بعض الذين في عسكر أهل البغي من أهل الجماعة، لم يكن في ذلك دية ولا كفارة، كان المقتول دخل إليهم بأمان أو بغير أمان.
وكذلك إن غصب بعضهم مال بعض أو جرح، كان ذلك كله ساقطًا لا يتبع بعضهم بعضاً به إذا غلب أهل الجماعة عليهم. هذا قول أصحاب الرأي.
٨ - مسائل من كتاب (١) قتال أهل البغي
قال أبو بكر:
стр. 2771
م ٥٤٠٣ - وإذا قاتلت المرأة والعبد مع أهل البغي، والغلام المراهق، فهو مثل رجالهم يقاتلون مقبلين، ويتركون مدبرين "في قول الشافعي، أبي ثور.
وقال النعمان في النساء يقاتلن كما قال الشافعي.
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٤ - وكل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى للإمام إذا سأله أهل البغي النظرة لينظر في أمرهم، ورجا رجوعهم عما هم عليه إلى رأي أهل العدل: أن ينظرهم.
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٥ - وإذا تحصن الخوارج، واحتاج الإمام إلى رميهم بالمجانيق، والعرادات (١)، فعل الإمام بهم ذلك كله ما كان لهم عسكر، وما لم يهزموا في قول النعمان.
وقال الشافعي فيما ذكره النعمان: قد قيل ذلك. قال: "وأحب إلى أن يتوقى ذلك فيهم ما لم يكن بالإمام ضرورة إليه.
والضرورة إليه: أن يكون بإزاء قوم متحصناً، فيفزوه، أو يحرقوه، أو يرموه بمجانيقَ أو عَرّادات، أو يحيطوا به، فيخافَ الاصطلامَ على من معه.
стр. 2772
فإذا كان هذا أو بعضه رجوت أن يسعه رميهم بالمجانيق والنار، دفعاً عن نفسه، أو معاقبة بمثل ما فعل به".
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٦ - وأمان (١) العبد المسلم جائز لأهل البغي وأهل الحرب، وكذلك المرأة المسلمة، في قول الشافعي.
وفي قول النعمان: إذا كان العبد يقاتل جاز أمانه، وإن لم يقاتل لم يَجُزْ أمانه.
قال أبو بكر: أمان العبد جائز، قاتل أو لم يقاتل على ظاهر:
(ح ١٦٩٦) قول النبي- ﷺ : "ويسعى بذمتهم أدناهم".
وقد ذكرت هذه المسأله في كتاب الجهاد.
م ٥٤٠٧ - وقال الشافعي: "إذا غزا أهل البغي المشركين، مع أهل العدل، والتقوا في بلادهم فاجتمعوا، ثم قاتلوا معاً: فإن كان لكل واحد من الطائفتين إمام، فأهل البغي كأهل العدل، جماعتهم كجماعتهم، وواحدهم كواحدهم في كل شيء ليس الخمس.
فإن أمن أحدهم عبداً كان أو حراً أو امرأة منهم جاز أمانه، وإن قتل أحدٌ منهم في الإقبال كان له السَّلَبُ".
стр. 2773
قال أبو بكر: وحفظي عن أصحاب الرأي أنهم قالوا كذلك.
قال أبو بكر: وقد روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "إني لا أمنعهم نصيبهم من الفيء، ولا أبدؤهم بشيء حتى يبدؤوني، ولا أمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه.
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٨ - وإذا قصد قوم من أهل الحرب حصناً فيه ناس من أهل البغي فعلى الإمام دفعهم عن الحصين، فإن أخذوا منهم ناساً فأمكن الإمام استنقاذَ أولئك منهم، وجب عليه أن يستخرج من بأيديهم من الأسارى (١) من أهل البغي.
قال أبو بكر:
م ٥٤٠٩ - ولو أن إماماً من أهل العدل والذي يتولى أمر الفئة الباغية تَوادعوا وتوافقوا على أن يدفع كل فريق منهم إلى الآخر (٢) رهناً من الرجال، ثم غدر أهل البغي بمن (٣) كان عندهم من أهل العدل، فقتلوهم، لم يجز للإمام قتل أهل البغي الذين في يديه بجناية صاحبهم على أهل العدل. ولكنه يحاربهم ليستخرج منهم الحق الذي يجب عليهم فيما تعدَّوْا وقتلوا.
стр. 2774
وهذا على (١) مذاهب الشافعي، وغيره من أصحابنا.
م ٥٤١٠ - واختلفوا في دفع الزكاة إلى الخوارج.
ففي قول ابن عمر، وسلمة بن الأكوع، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور: يجزئ دفع ذلك إليهم [٢/ ٣٣٦/ألف].
وقد قال أصحاب الرأي: إذا ظهروا على قوم أخذوا زكاة الإبل، ثم ظهر الإمام عليهم احتسبوا لهم به من الصدقة.
وإذا مر الإنسان على عسكر الخوارج، ولهم عاشر فعشره، لا بحسبه من زكاته، وهذا لا يجزئ عنه من زكاة ماله.
قال أبو بكر: وانفرد أبو عبيد فقال: الذي أختار في أمر الخوارج فإنه يكون على من أخدوا منه -يعني الزكاة- الإعادة.
قال أبو بكر: يجزئ ذلك من أخذوا منه. ولا معنى لقول أبي عبيد هذا.
٩ - باب الحال التي يجب على المرء القتالُ فيه أيام الفتن، والحال التي يجب على المرء الوقوف عن القتال فيه وكف يده ولسانه
قال أبو بكر:
م ٥٤١١ - إذا صحت الخلافة للإمام، وبايعه الجميع، فخرج عليه رجل ممن بايعه طائعاً غير مكره، ليقاتله، فعلى الناس معونة إمامهم وقتل من
стр. 2775
خرج عليه، للأخبار التي ثبتت (١) عن رسول الله- ﷺ فيها بيان ذلك، هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني: أن يفترق الناس فرقتين، يعقد كل فريق منهم لرجل الخلافة. ويمتنع كل فريق منهما بجماعة يكثر عددهم ويشكل أمرهما.
فعلى الناس عند ذلك الوقوف عن القتال مع أحد من الطائفتين للأخبار التي جاءت عن النبي- ﷺ في ذلك. وقد ذكرت (٢) الأخبار في ذلك بأسانيدها في مختصر كتاب السنن والإجماع والاختلاف.
١٠ - باب الوجه الأول من الوجهين
في حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "من أعطى إماماً صفقة يده وثمرة قلبه، فَلْيُطِعْهُ فيما استطاع، فإن جاء آخرُ ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
стр. 2776
(ح ١٦٩٧) وفي حديث أبي سعيد الخدري عن النبي- ﷺ : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
(ح ١٦٩٨) وفي حديث عرفجة قال (١): قال رسول الله- ﷺ : [٢/ ٣٣٦ /ب] ستكون هنات وهنات- ورفع بها صوته- إلا من خرج على (٢) أمتي وأمرهم جميع، فأضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان".
١١ - باب الوجه (٣) الثاني الذي يجب على الناس الوقوف عن القتال فيه وطلب السلامة منه
قال أبو بكر:
(ح ١٦٩٩) في حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ - قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: عليك بمن أنت منه، قال: قلت: يا رسول الله- ﷺ أفلا آخذ سيفي فأضعه على
عاتقي؟ قال: شاركت إذن، قلت: لهما تأمرني به؟ قال: تلزم
стр. 2777
بيتك، قلت: (١) إن دُخِل عليّ؟ قال: إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك يبؤ بإثمه وإثمك".
(ح ١٧٠٠) وفي حديث سعيد بن أبي وقاص أنه قال عند قتلهم عثمان بن عفان ﵁ "أشهد أن رسول الله- ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. فقيل له: أرأيت إن دخل على بيتي وبسط إلي يده ليقتلني؟
قال: كن كابن آدم".
(ح ١٧٠١) وفي حديث أهبان بن صيفي: "أنه قال لعلي ﵁ وقد قال له: ما يمنعك مِن اتِّباعي؟ قال: أوصاني خليلي وابن عمك، قال: إنها ستكون فتن وفرقة، إذا كان كذلك فاكسر سيفك، واتخذ سيفاً من خشب، وقد فعلت".
وقد ذكرنا هذه الأخبار عن محمد بن سلمة، وأبي بكرة، وأبي هريرة، بأسانيدها في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب.
стр. 2778
وممن اعتزل من أصحاب رسول الله- ﷺ في فتنة كانت فيما مضى: سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، ومحمد بن سلمة، وابن عمر ﵃.
وقد ذكرت أخباراً تدل على فضل العزلة في الفتن، وسائر الأوقات التي (١) تركت ذكرها ها هنا.
стр. 2779
٩٨ - كتاب الساحر والساحرة
قال أبو بكر:
م ٥٤١٢ - اختلف أهل العلم في قتل الساحر الذي يسحر بكلام يكون كفراً.
فأوجبت طائفة [٢/ ٣٣٧/ألف] عليه القتل، روينا هذا القول (١) عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وحفصة ﵃، وجندب بن عبد الله ﵁، وقيس بن سعد.
وهذا مذهب عثمان بن عفان ﵁.
وبه قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، والنعمان (٢).
стр. 2780
وقد روينا عن عائشة ﵂ أنها باعت ساحرة كانت سحرتها، باعتها وجعلت ثمنها في الرقاب.
قال أبو بكر: إذا أقر الرجل أنه يسحر بكلام يكون ذلك الكلام كفراً: وجب قتله إن لم يتب،
(ح ١٧٠٢) لقول رسول الله- ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: بكفر بعد إيمان".
وكذلك لو ثبت عليه به بينة، ووصفت البينة كلاماً يكون كفراً.
فإذا أوجبنا قتله لما ذكرنا، ثم تاب، وجب قبول توبته.
وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر، لم يجز قتله.
فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص، اقتص منه إن كان عمد ذلك، وإن كان ذلك مما لا قصاص فيه، ففيه دية ذلك العضو (١)، وقد روينا عمن ذكرنا من أصحاب رسول الله- ﷺ -أنهم أمروا بقتل الساحر، وأمرت عائشة ﵂ ببيع التي سحرتها.
وإذا اختلف أصحاب رسول الله- ﷺ في المسألة وجب اتباع أشبههم قولاً بالكتاب والسنة.
стр. 2781
وقد يجوز أن يكون السحر الذي أَمَرَ مَنْ أَمَرَ منهم بقتل الساحر سحراً يكون كفراً، فيكون ذلك موافقاً لسنة رسول الله ﷺ .
وبحتمل أن تكون عائشة أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفراً.
فإن احتج محتجٌ.
(ح ١٧٠٣) بحديث جندب عن النبي- ﷺ أنه قال: "حد الساحر ضربه بالسيف".
فلو صح هذا لاحتمل أنه يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون كره كفراً.
(ح ١٧٠٤) فيكون ذلك موافقاً للأخبار التي جاءت عن النبي- ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث".
وفي إسناد حديث جندب- هذا- مقالٌ؛ لأن الذي رواه إسماعيل ابن مسلم، وهو ضعيف عندهم، أحاديثه تدل على ذلك.
стр. 2782
٩٩ - كتاب (١) [٢/ ٣٣٧/ب] أحكام تارك الصلاة
قال أبو بكر:
(ح ١٧٠٥) جاء الحديث عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "ما بين العبد والكفر والشرك إلا ترك الصلاة".
(ح ١٧٠٦) وحديث بريدة أن النبي قال: "من ترك صلاة العصر متعمداً أحبط الله عمله".
(ح ١٧٠٧) وثبت عنه ﷺ أنه قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
م ٥٤١٣ - وثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة".
стр. 2783
وقال عبد الله بن مسعود: "من لم يصلِّ فلا دين له".
وروينا عن جابر "أنه سئل: ما بين العبد والكفر؟ قال: ترك الصلاة".
وروينا عن علي بن أبي طالب ﵁ (١) أنه قال "من لم يصل فهو كافر".
وعن أبي الدرداء أنه قال: "لا إيمان لمن لا صلاة له".
وروينا عن ابن عباس أنه قال: "من ترك الصلاة فقد كفر".
وقال حذيفة لرجل لا يتم الوكوع والسجود: "ما صليت منذ كنت، لأن الرجل ذكر أن تلك صلاته منذ أربعين سنة، وقال له: لو مت وأنت على هذا لمت على غير فطرة النبي (٢) ﷺ التي فطر عليها.
وروينا عن بلال أنه قال لرجل لا يتم الركوع والسجود: "لو مت الآن ما مت إلا (٣) على ملة عيسى بن مريم".
стр. 2784
وقال عبد الله بن شقيق: "لمن يكن أصحاب النبي- ﷺ يرون شيئاً من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة".
١ - باب اختلاف أهل العلم في تارك الصلاة
قال أبو بكر:
م ٥٤١٤ - اختلف أهل العلم فيمن ترك الصلاة عامداً حتى يخرج وقتها لغير عذر.
فقالت طائفة: هو كافر. هذا قول إبراهيم النخعي، وأيوب السختياني، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أحمد: لا يكفر أحد بذنب إلا تارك الصلاة عمداً، فإن تارك الصلاة (١) إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى يستتاب ثلاثاً.
وبه قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وقالت طائفة: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. ولم تسمِّهِ هذه الطائفة كافراً.
هذا قول مكحول، وبه قال مالك، وحماد بن زيد، ووكيع، والشافعي.
стр. 2785
قال الشافعي: "وقد قيل: يُستتاب [٢/ ٣٣٨/ألف] تارك الصلاة ثلاثاً، وذلك إن شاء الله حسن، فإن صلى في الثلاث وإلا قتل".
وفيه قول ثالث: وهو أن يضرب ويسجن. هذا قول الزهري.
وسئل الزهري عن رجل ترك الصلاة، قال: إن كان إنما تركها ابتدعٍ ديناً غير الإِسلام قتل، وإن كان إنما هو فاسق، ضرب ضرباً مبرحاً وسجن.
وقال النعمان: يضرب ويحبس حتى يصلي.
وفيه سوى ما ذكرناه ثلاثة أقاويل لثلاث فرق من أهل الكلام.
قالت فرقة: هو فاسق، لا مؤمن، ولا كافر، مخلد في النار، إلا أن يتوب.
وقالت فرقة: هو كافر بالله العظيم، حلال الدم والمال.
وقالت طائفة: إنما استحق اسم الكفر من أسلم، ثم لم يصل شيئاً من الصلوات حتى مات، لأن في قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أريد به (١) جميعُ الصلوات. فمن أسلم، ثم لم يصل شيئاً من الصلوات حتى مات، مات كافراً (٢).
стр. 2786
ومن صلى شيئاً من الصلوات في عمره، لم يستحق هذا الاسم.
قال أبو بكر: واحتج من قال بالقول الأول في تكفيرهم تارك الصلاة بالأخبار التي بدأنا بذكرها عن رسول الله- ﷺ ، احتج بها إسحاق.
واحتج إسحاق بحجج قد ذكرناها في "كتاب أحكام تارك الصلاة".
واحتج الشافعي "بأن أبا بكر ﵁ قال: "لو منعوني عِقالاً مما أعطَوا رسول الله- ﷺ لقاتلتهم عليه. لا تفرقوا بين ما جمع الله".
قال: وأصحاب رسول الله- ﷺ قاتلوا مانع الزكاة إذ كانت فريضة من فرائض الله ونصب أهلها دونها، فلم يقدر على أخذها منهم طائعين، فاستحلوا قتالهم، والقتال سبب القتل،
فلما كانت الصلاة لا يقدر على أخذها منه لأنها ليست بشيء يؤخذ من يده مثل اللقطة، والخراج، والمال، قلنا: إن صليت وإلا قتلناك. كما يكفر، فنقول: إن قلت بالإيمان وإلا قتلناك"، وذكر كلاماً.
واحتج بعض من يميل إلى الضرب والحبس، بأن ما قلناه أقل ما قيل إنه يلزمه، فأوجبنا [٢/ ٣٣٨/ب] أقل ما قيل وهو الأدب،
стр. 2787
ووقفنا عن إيجاب القتل عليه لأن فيه اختلافاً. ولا يجوز أن يهراق دم من قد ثبت له الإيمان إلا بإجماع، أو بخبر ثابت.
(ح ١٧٠٨) وفي قول النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث، بكفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل به"، فتارك الصلاة لم يأت بواحدة من الثلاث التي أوجب بها النبي ﷺ هراقه دمه.
وأحق الناس أن يقول بهذا القول من قال: إن الساحر لا يقتل إلا بأن يستوقفه على ما سحر به، فإن كان ذلك كلاماً يكون كفراً استتابَهُ، وإن لم يكن كفراً عاقبه ولا يقتله، لأن القتل لا يجب عنده إلا بإحدى الثلاث التي ذكرناها. قال: فليت شعري من أي هؤلاء الثلاثة عنده تارك الصلاة، وهو غير جاحد فيلزمه بذلك اسم الكفر، ولا ترك الصلاة استنكافاً، ولا معاندة. وتارك الصلاة كالأخبار التي
جاءت في الإكفار بسائر الذنوب نحو:
(ح ١٧٠٩) قوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
(ح ١٧١٠) وكقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".
стр. 2788
(ح ١٧١١) وقوله ﵊: "لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فقد كفر".
(ح ١٧١٢) وكقوله ﷺ : "من حَلَف بغير الله فقد أشرك".
وقد ذكر غير هذا مما تركته.
قال: فإذا لم يكن بعض من ذكرنا: كافراً مرتداً تجب استتابته وقتله على الكفر إن لم يتب، وتأولوا لهذه الأخبار تأويلات اختلفوا فيها، فكذلك الأخبار في إكفار تارك الصلاة تحتمل من التأويل ما احتمله سائر الأخبار التي ذكرناها.
٢ - باب اختلاف أهل العلم في الكافر يُرى يُصلي
قال أبو بكر:
م ٥٤١٥ - اختلف أهل العلم في الكافر يُرى يصلي: فألزمته طائفة الإِسلام وجعلته مسلماً، هذا قول عبيد الله بن الحسن.
وقال سعيد بن عبد العزيز: إذا أذن، وأقام، وصلى بهم فهو إسلام، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل. وبه قال الليث بن سعد.
стр. 2789
وقال الشافعي: إذا أقام ورثةُ المرتد بينةً أنهم رأوْهُ في مدة [٢/ ٣٣٩/ألف] بعد الشهادة بالردة يصلي صلاة المسلمين، قَبِلْتُ ذلك منهم، وورثتهم ماله.
قال: وإن كان هذا في بلاد الإسلام، والمرتد ليس في حال ضرورة، لم أقبل منهم حتى يشهد عليه شاهدان بالتوبة بعد الردة.
قال: وكان الأوزاعي يقول في نصراني صحب قوماً مسلمين في سفر فصلى معهم، ثم قال: خفتكم على نفسي ومالي. قال: لا قتل عليه.
وكذلك لو أذن، وأقام وصلى بهم، لم ير عليه قتلاً لتقيته على نفسه، ويعيدون صلاتهم الذين صلوا خلفه (١).
وقال مالك: لا قتلَ عليه، ويعيدون صلاتهم.
وفي بعض كتب محمد بن الحسن- في ذمي شهد عليه شهود أنه صلى معنا صلاة واحدة في جماعة- قال: أجعله مسلماً، أو أضربُ عُنُقَه.
стр. 2790
١٠٠ - كتاب القِسْمه
قال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر:
(ح ١٧١٣) قسم رسول الله- ﷺ الغنائم (١) بينهم ببدر.
(ح ١٧١٤) وقسم يوم خيبر لمائتي فرس سهمين سهمين.
(ح ١٧١٥) وقسم أرض خيبر.
وهي أموال عِظام، لم يغنمِ المسلمون في حياة رسول الله- ﷺ من العقد: من الأرضين والحصون، والنخيل التي فيها الأموال مثلَها.
стр. 2791
وكانت المقاسم على أموال خيبر، على الشَّق، والنطاة، والكتيبة.
فكانت النطاة، والشق في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي ﷺ ، وسهم ذوي القربى، واليتامى، والمساكين.
وقد اختصرت ذلك.
(ح ١٧١٦) وقد قسم رسول الله ﷺ غنائم هوازن يوم حنين بين أصحابه.
(ح ١٧١٧) وقسم عبد الله بن جحش ما غنمه، وعزل لرسول الله- ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.
стр. 2792
وأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.
م ٥٤١٦ - وأجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار (١)، من أهل الحديث وأهل الرأي، وغيرهم على أن الرَّبْع، [٢/ ٣٣٩/ب] أو الأرض إذا كانت بين شركاء، واحتملت القَسْمَ عن غير ضرر
стр. 2793
يلحق أحداً منهم فيه، وأجمعوا على قسمة: أن قسم ذلك يجب بينهم إذا أقاموا بينة على أصول أملاكهم.
١ - باب مالاً يجب قسمة مما فيه فسادٌ على الشركاء وضرر عليهم
قال أبو بكر: قال الله جل وعز: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، وقال جل ذكره: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
فنهى الله عن الإضرار، وليس الإضرار من فعل العاقلين، ولا من أخلاق المتقين.
(ح ١٧١٨) وقد روينا عن النبي- ﷺ أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار".
стр. 2794
وليس الحديث بصحيح بل هو مرسل.
(ح ١٧١٩) وروينا عن النبي- ﷺ أنه قال: "من ضار ضر (١) الله به، ومن شاق شق الله عليه".
وقد أمر الله تعالى بحفظ الأموال فقال الله جل ذكره: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
وقد ملك الله العباد أموالاً من العقد، والعروض، والرقيق وسائر الأموال، أشرك بينهم فيها بأشربة، ومواريث، ومغانم، وأمرهم بإصلاحها.
стр. 2795
ونهاهم أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، فقال جل ثناؤه:
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
(ح ١٧٢٠) ونهاهم رسول الله- ﷺ عن إضاعة المال.
(ح ١٧٢١) ونهاهم عن الميسر.
وهو القمار لأن فيه تلفاً للأموال.
(ح ١٧٢٢) ونهاهم رسول الله- ﷺ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه.
إذ ذلك غرر.
(ح ١٧٢٣) ونهاهم عن بيوع الغرر، وعن بيع الحصاة.
(ح ١٧٢٤) والملامسة والمنابذة.
(ح ١٧٢٥) وبيع السنين.
стр. 2796
لأن في ذلك ضررا (١) على البائع والمشتري.
ففي كل ما ذكرناه مع ما لم نذكره دلالة على الأمر بحياطة الأموال، وحفظها وإصلاحها.
م ٥٤١٧ - وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لؤلؤة لو كانت بين جماعة، فأراد بعضهم أخذ حظه منها بأن تقطع بينهم أو تُكسر: أنهم ممنوعون من ذلك، لأن في قطعها تلف لمالهم [٢/ ٣٤٠/ألف] وفساداً له.
وكذلك السفينة تكون بين الجماعة لها القيمة الكثيرة، فإذا كسرت أو قطعت ذهب عامة قيمتها.
والجواب في المصحف، والسيف، والدرع، والجفنة، والمائدة، والصحفة، والصندوق، والسرير، والنعل، والقوس، وما أشبه ذلك، يكون بين جماعة كالجواب فيما ذكرناه من اللؤلؤة والسفينة.
م ٥٤١٨ - فأما الرقيق، والكراع، والسلاح إذا كان بين جماعة فقسمه جائزٌ بين الشركاء، يأخذ هذا ناقة بقيمتها، وهذا بقيمتها، ويصير لهذا عبد بقيمته، ولهذا عبد بقيمته.
وذلك خلافُ الشيء المنفرد يكون بين جماعة يفسُد إذا كُسر، أو قطع، ويذهب عامة ثمنه.
стр. 2797
٢ - باب قسم الدار والأرض تحتمل القسمة
قال أبو بكر:
م ٥٤١٩ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الدار والأرض إذا احتملت القسم، ودعا الشركاء إلى القسم: أن قسم ذلك يجب بينهم.
م ٥٤٢٠ - واختلفوا فيه إذا دعا بعضهم إلى القسم وأبى الآخرون، وفي قسمته ضررٌ على بعضهم.
ففي قول مالك: يجب قسم ذلك بينهم.
وقال الشافعي: "إذا كان يحتمل القسمة حتى ينتفع كل واحد منهم بما يصير إلى مقسوما: أجبرتهم على القسم وإن لم ينتفع البقية بما يصير إليهم إذا بُعِّضَ بينهم. وأقول لمن كره القسمة: إن شئتم جمعت لكم حقوقكم فكانت مُشاعةً تنتفعون بها، وأخرجت لطالب القسم حقه كما طلبه. وإن شئتم قسمت بينكم نَفَعَكم ذلك أو لم ينفعكم".
وقال النعمان- في الدار الصغيرة بين اثنين-: أيهما طلب القسمة وأبى صاحبُه قسمت له.
وبه قال أصحاب الرأي (١).
стр. 2798
وفيه قول ثان وهو: إن كان فيهم من لا ينتفع بما قسم (١) له وإن انتفع شركاؤه بما يصير لهم، فلا يقسم.
وكل قسم يدخل على أحدهم ضرراً دون الآخر فإنه لا يقسم بينهم. هذا قول ابن أبي ليلى، وأبي ثور.
قال أبو ثور: وكل قسم يدخل (٢) عليهما، أو على أحدهما ضرراً لم يقسم.
قال أبو بكر: وهذا أصح القولين، [للعلل] (٣) [٢/ ٣٤٠/ب] التي قدمناها في الباب قبل.
ومن استحسن من الكوفيين فامتنع من الضرر الكثير، وسهل في القليل بغير حجة يرجع إليها، فلا معنى لقوله.
ودفع الضرر عن المسلمين يجب في كل شيء على ظاهر ما ذكرناه من الكتاب والسنن.
ونهى رسول الله- ﷺ عن إضاعة المال مع إجماعهم في الامتناع من قَسْم أشياءَ ذكرناها فيما مضى من الضرر.
٣ - باب في الدور تكون بين جماعة شركاء
قال أبو بكر:
م ٥٤٢١ - واختلفوا في العدد من الدور تكون بين جماعة، فدعا بعضهم
стр. 2799
إلى أن يجمع حقه في دار واحدة، وأراد بعضهم أن يعطى من كل دار بحصته.
فقالت طائفة: تقسم كل دار على حدة. هذا قول الشافعي، وبه قال النعمان.
وفه قول ثان: وهو قول من فرق بين الدور تكون في موضع واحد، أو مواضع متفرقة.
فقال مالك في الموطأ- "فيمن هلك وترك أموالاً بالعالية والسافلة-: إن البعل لا يقسم من النضح،
إلا أن يرضى أهله بذلك، وإن البعل يقسم مع العيون إذا ما كان يشبهها.
وإن الأموال إذا كانت بأرص واحدة، الذي بينهما متقارب، فإنه يقام كل واحد منها، ثم يسهم (١) بينهم.
والدور والمساكن هذه المنزلة".
وفيه قول ثالث وهو: إذا كانت دور شتى بين قوم جمع، حق (٢) كل واحد في دار، أو في بعضها، ولا تقسم كل دار بينهم على مواريثهم، فيكون في ذلك ضرر عليهم وفساد لحقهم.
стр. 2800
فإن أراد بعضهم ذلك أو كلهم، وكان في ذلك ضرر وفساد، لم يجبهم الحاكم إلى ذلك، وحملهم على ما هو أصلح لهم. والله أعلم.
[هذا قول أبي ثور] (١).
قال أبو بكر: والقول الأول أصحُّ هذه الأقاويل، وذلك أن كل شريك منهم يلي ماله، ويفعل منه الذي يراه. وكما ليس للحاكم أن يبيع على رجل بالغ رشيد ماله وإن كان مع ذلك (٢) صلاح له، وإن طلب ذلك منه بضعف الثمن امتنع من البيع منه: فكذلك ليس له أن ينقل حقه من دار [٢/ ٣٤١/ألف] إلى دار أخرى، لأن ذلك في معنى البيع، والله أعلم.
٤ - باب المال يكون بأيدي جماعة فيريدون قسم ذلك بينهم
قال أبو بكر:
م ٥٤٢٢ - أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن جماعة لو جاؤوا إلى حاكم ببلد من البلدان، وبأيديهم أرض، أو عرض من العروض، وأقاموا البينة على أنهم مالكون له، وسألوه أن يأمر بأن يقسم ذلك بينهم، واحتمل الشيء القَسْمَ، أن قسم ذلك يجبُ بينهم.
م ٥٤٢٣ - واختلفوا فيه إن سألوه قسم ذلك بينهم بإقرارهم، ولا بيّنة معهم تشهد لهم بأملاكهم في الشيء الذي بينهم.
стр. 2801
فقالت طائفة: لا يَقسِم ذلك حتى يقيم البينة على ذلك، هذا قول الشافعي، وبه قال النعمان في الدور، والعقد (١).
وقالت طائفة: يقسم بينهم الدور، والأرضين، والدراهم، والدنانير، والمتاع، والثياب، والعروض كلها. يقسم ذلك بينهم بإقرارهم على أنفسهم. هذا قول يعقوب، ومحمد وبه قال أبو ثور.
قال أبو بكر: وقد ناقض النعمان في مقالته حيث فرق بين الدراهم، والدنانير، والعروض، والدور، والأرضين، بغير حجة فزع إليها.
قال أبو بكر: وأنا إلى القول الثاني أميل.
٥ - باب الدار تكون بين جماعة فيهم صغيرٌ أو غائب
قال أبو بكر:
م ٥٤٢٤ - واختلفوا في الدار، والأرض فتكون بين جماعة، فيهم صغير أو غائب.
ففي قول مالك، والشافعي: يقسم ذلك بينهم الحكم وإن كان شريكهم غائباً، وبه قال أبو ثور.
стр. 2802
وقال النعمان: إن كان وارثاً حاضراً، وبقيتهم غُيب صغاراً أو كبارا، فأقام الوارث الحاضر البينة على المواريث، وسأل القاضى أن يقسم الدار، فإنه لا يقسمها، لأنه ليس معه خصم.
فإن كان معه صغير واحد عيّن القاضي له وصياً، وقبل البينة، وقسم الدار لأن معه خصما. وهو قول يعقوب، ومحمد.
وكذلك الأرض، وكذلك المنزل في الدار.
م ٥٤٢٥ - وقال النعمان: لا يقسم القاضي الحائط، ولا الحمام بين الرجلين، ولا أكثر من ذلك، [٢/ ٢٤١/ب] لأن في قسمه ضررا.
م ٥٤٢٦ - وقال النعمان: إنما أمنع القسمة إذا كان الضرر عليهما، فإذا كان الضرر على أحدهما وليس علي الآخر ضرر، فإن القاضي يقسم بينهما.
م ٥٤٢٧ - والقسمة على الرجال والنساء سواءٌ.
م ٥٤٢٨ - وكذلك أهل الذمة.
م ٥٤٢٩ - وكذلك حر وعبد بينهما دار.
م ٥٤٣٠ - وقال النعمان: إذا أقروا أنها شراء بينهم، قسمتها بينهم بغير بينة.
وإذا أقروا أنها ميراث، لم أقسمها إلا بببنة.
قال أبو بكر: ما بينهما فرق.
وقال يعقوب، ومحمد: هما سواء، أقسمه بينهما بغير بينة إذا أقروا.
стр. 2803
٦ - باب الدارُ تقسم بين الشركاء فيدعي بعضهم غلطا
قال أبو بكر:
م ٥٤٣١ - اختلف أهل العلم في القاسم يقسم الأرض، أو الدار بين الشركاء، فيدعي بعضهم غلطا.
فقالت طائفة: يكلف البينة على ما يدعي من الغلط، إن جاء بها رد القسم عليه، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، وبه قال النعمان.
وقال مالك في الشركاء يدعي بعضهم خطأ القاسم قال: ينبغي له -يعني القاضي- أن ينظر في ذلك: فإن كان الذي بعث لذلك مأموناً قد أصاب وجه العمل فيما قسم أنفذ ذلك، وإن كان خطأ رده.
قال مالك: ورب مأمون من الناس لا يحسن العمل. والناس في ذلك ليسوا كلهم (١) سواء.
قال أبو بكر: هذا كما قال الشافعي، والنعمان.
٧ - باب أجرة القسام وشهادتهم
قال أبو بكر:
الأفضل والأعلى للحاكم، والقاسم، وصاحب مغانم المسلمين
стр. 2804
أو يعملوا محتسبين طلب ثواب الله ، فإن لم يفعلوا فينبغي لقاضي المسلمين أن يرزق القسام من بيت مال المسلمين، كما فعل بعلماء المسلمين، وقرائهم، ومعلميهم، ومن قام بأمر فيه صلاح عوامهم.
م ٥٤٣٢ - وقد اختلف أهل العلم في أجور القسام إن لم يعملوا محتسبين، ولم يرزقوا من بيت مال المسلمين.
فكرهت طائفة أخذ الأجر على ذلك. وقد روينا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كره ذلك، وكذلك قال ابن سيرين.
وقال القاسم: أربع لا يؤخذ عليهن أجر: المقاسم [والقضاء] (١)، وقراءةُ القرآن، والأذان، وقال سعيد بن المسيب: كل حساب يحسبه [٢/ ٣٤٢/ألف] يأخذ أجراً غير (٢) طائل.
وقال الشافعي: "أجر القسام من بيت المال، فإن لم يعطوه خُلِّي بين الناس وبين (٣) من طلب القسم، فاستأجروهم بما شاؤوا، قل أو كثُرَ".
وقال أبو ثور. رزقهم من بيت مال المسلمين.
стр. 2805
وقال مالك: من احتسب فهو خيرٌ له وأحب إلي، وأما أن أقول لا خير فيه، أو إنه حرام فلا. وذلك أنه لا يوجد مَنْ يعمل بغير جُعل، وهذا لا بدَّ منه.
وقال النعمان: لا بأس أن يأخذ قاسم الدور والأرضين عليه الأجر من الذين يقسم بينهم.
م ٥٤٣٣ - واختلفوا في الأجرة، وأنصباؤهم مختلفة.
فقال أكثرهم: تكون الأجرة على قدر الأنصباء، لا عدد الرؤوس.
هذا قول الشافعي، وسوار، وعبيد الله بن الحسن، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد.
وفيه قول ثان: وهو أن الأجرة على عدد رؤوس الرجال، هذا قول النعمان.
قال أبو بكر: الأول صحيح.
م ٥٤٣٤ - واختلفوا في شهادة القسام.
فكان الشافعي، ومحمد بن الحسن لا يجيزان شهادة القاسمين.
وفيه قول ثان: وهو أن شهادة القاسمين اللذَيْن بعث بهما الحاكم على ما يقسمان (١)، جائزة من قبل أنهما لا يجران بشهادتهما إلى أنفسهما شيئاً، هذا قول أبي حنيفة (٢).