١٤ - باب النهي عن أكل ما وقع به السهم وسقط في ماء
(ح ٧٩٤) جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل فكل، وإن وجدته قد وقع في ماء فمات، يعني الصيد فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك.
قال أبو بكر: إذا كان هذا هكذا، فعلم أن سهمه قتله دون الماء، كان له أكله لارتفاع الشك، ولا يحتمل إذا كان كذلك إن كان الماء قتله، والجواب فيه: إذا رمى صيداً وأتى على الذابح بم تردى من خيل هكذا، لأنه تردى وهو حلال بالتذكية قبل تردّيه، فلا تصير شاة مذكاة أن تتردى من خيل، أو تقع في ماء.
م ١٧٦٢ - وقد روينا عن ابن مسعود أنه قال: إذا سقط في ماء، أو تردى أخاف أن يكون ترد، أو الماء قتله.
قال طاؤس: إذا تردى، أو وقع في ماء فلا تأكله.
وقال عطاء: نحو ذلك، وبه قال إسحاق، وأصحاب الرأي.
وقال ربيعة: مثله في التردي، وقال بمثل ما قلناه الحسن البصري، ومالك، والليث بن سعد، والشافعي، وقتادة.
١٥ - باب الطائر يرمى في الهواء فيصيبه السهم ويسقط على الأرض، والصيد بالسهم المسموم
م ١٧٦٣ - وإذا رمى الرجل الطائر فأصابه أي إصابة كانت إذا جرحته فأدمته،
стр. 807
فسقط إلى الأرض ميتاً، لم يدر أتلف في الهواء، أو بعد ما صار إلى الأرض، أكل في قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
واختلف فيه عن مالك: فحكى ابن وهب عنه أنه قال: كما قال هؤلاء، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: إذا كان السهم لم ينفذ مقاتله، لا يؤكل.
قال أبو بكر: والنظر قال على هذا، والله أعلم [١/ ١٥٣/ألف].
م ١٧٦٤ - وإذا رمى الصيد بسهم مسموم، فأدرك ذكاته، فإن مالكاً كان يقول: لا يعجبني أن يؤكل، وبه قال أحمد، وإسحاق: إذا علم أن السم قتله، وقال قائل: إذا ذكاة فأكله جائز.
١٦ - باب الصيد يضرب فيبين منه عضواً أو يقطع بنصفين
م ١٧٦٥ - واختلفوا في الصيد يضرب فيبين منه عضواً، فقالت طائفة: يطرح العضو الذي بان منه، ويؤكل الباقي، هذا قول ابن مسعود، وقتادة.
وقال ابن عباس: وعطاء: لا تأكل العضو، وذك الصيد.
وقال عكرمة: "إن عدا حيا بعد سقوط عضو منه فلا تأكل العضو منه، وذك الصيد، وكله، وإن مات حين ضربته فكله كله"، وبه قال قتادة، وأبو ثور، والشافعي، كذلك قال: إذا كان لا يعيش بعد ضربته ساعة أو مدة أكثر منها.
стр. 808
وقال مالك: إن ضربه فقطعه باثنين أكلها، وإن بان عضو ثم ذبحه، فكما قال عكرمة، وبه قال الليث بن سعد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والثوري.
وقال الحسن البصري: في الصيد يقطع منه عضواً، يأكلهما جميعاً ما بان وما بقى.
قال أبو بكر: إذا رمى صيدا بان منه عضواً، ثم أدرك ذكاته، أكل الصيد المذكى، ولم يأكل العفو الذي أبين منه؛ لأنه ميت، وإن ضرب صيدا فقطعه باثنين، أو أبان منه عضوا ومات مكانه، أكلا جميعاً.
١٧ - باب الراميين يرميان صيداً أو أحدهما بعد الآخر
م ١٧٦٦ - قال الشافعي: "وإذا رمى رجل صيداً فكسره، أو قطع جناحه، أو بلغ به الحال التي لا يقدر الصيد أن يمنع فيها من أن يكون مأخوذاً، فرماه أخر فقتله، كان حراماً وكان على الرامي قيمته، بالحال التي رماه بها مكسوراً أو مقطوعاً؛ لأنه مستهلك لصيد قد صار لغيره، ولو رماه الأول وأصابه وكان ممتنعاً، ثم رماه الثاني وأثبته، كان للثاني، ولو رماه الأول في هذه الحال فقتله ضمن قيمته للثاني، لأنه قد صار له دونه".
قال أبو بكر: وبه نقول.
وقال مالك: في الذي يرمى الصيد فثخنه حتى لا يستطيع الفرار، فرماه آخر بعد ذلك فقتله، لم يؤكل إلا بذكاة.
стр. 809
وقال أصحاب الرأي: إذا رمى صيداً فأثخنه حتى لا يستطيع التحريك وسقط، فرماه أخر بسهم فقتله، لم يؤكل.
وقال يعقوب، ومحمد: على الآخر قيمته مجروحاً للأول.
قال أبو بكر: هذا كما قالوا، وإنما حرم أكله:
(ح ٧٩٥) لأن النبي- ﷺ نهى عن صبر البهائم.
١٨ - باب صيد المرتد
قال أبو بكر:
م ١٧٦٧ - لا يحل أكل ذبيحة المرتد، لأنه غير مسلم، ولا من أهل الكتاب الذي أبيح لنا أكل ذبائحهم، وكذلك صيد المرتد لا يحل أكله، وهذا على قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
١٩ - باب [١/ ١٥٣/ب] الشبكة والأحبولة يقع فيها الصيد
م ٧٦٨ أ- واختلفوا في الشبكة والأحبولة يقع فيها الصيد فيدركه صاحبه وقد مات.
فقالت طائفة: لا تؤكل إلا أن يدرك ذكاته، هذا قول عطاء، والنخعي، وعمرو بن دينار، وقتادة، وبه قال ربيعة، والشافعي، وكذلك قال الزهري، ومالك، فيما قتلت الحباله.
وقال الثوري: لا يعجبني إلا أن يدركه فيذكيه.
стр. 810
وقد روينا عن الحسن أنه رخص في ذلك، ذكر يونس عنه أنه كان لا يرى بصيد المناجل بأساً، وقال: سم إذا أنصبتها.
وذكر قتادة عن الحسن: أنه كان لا يرى بأسا بها قتل المنجل، والحبل إذا سمى فدخل فيه وجرحه.
والصحيح من قول عطاء: أنه لا يجوز أكل ما فتلت الأحبولة، والعنزة, والمرضحة، والشبكة، جعل أمرها واحداً.
قال أبو بكر: لا يجوز أكل ما فتلت الأحبولة وقع به جراح أو لم يقع، وهذا قول عوام أهل العلم، والسنة تدل على ما قالوه.
وقول الحسن قول شاذ لا معنى له.
٢٠ - باب صيد البحر
قال الله جل ذكره: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ الآية.
(ح ٧٩٦) وقال رسول الله- ﷺ في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
م ١٧٦٩ - وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر حلال للحلال، والحرام اصطيماد، وأكله، وبيعه، وشراه.
وممن مذهبه إباحة أكل كل ما وجد من الحيتان، عطاء بن أبي رابح، ومكحول، وابن سيرين، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
стр. 811
وممن قال إن قوله : ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ إن طعامه ما قذف، كذا قال عمر بن الخطاب، وابن عباس.
وقال ابن عمر: طعامه ما ألقى.
وقال ابن عباس: طعامه ميتة وقال مرة: مليحة.
وقد روينا عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عمر أخباراً تدل على إباحة ذلك، مختلف ألفاظها.
وروينا عن أبي أيوب: أكل سمكة طافية، وفيما طفا من السمك على الماء.
وفه قول ثان: وهو أن يؤكل ما يوجد في حافتي البحر، ويؤكل ما جزر منه، ولا يؤكل ما كان طافياً منه، هذا قول جابر بن عبد الله، وروينا ذلك عن ابن عباس، وممن كره أن يؤكل الطافي من السمك طاؤس، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وأصحاب الرأي.
م ١٧٧٠ - واختلفوا في الحبري من السمك، فرخص فيه أكثر أهل العلم.
وروى ذلك عن علي، والحسن البصري، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي: لأنهم يبيحون السمك كله جملة، والحبري داخل فيه [١/ ١٥٤/ألف].
وسئل سعيد بن جبير عن الحبري، فقال: ما أعجبك من السمك، فكل، وقد روى عن علي رضي الله عه بإسناد لا يثبت أنه كره الحبري، والمرماهي.
قال أبو بكر: دل الكتاب والسنة على إباحة صيد البحر جميلة يدخل في ذلك الحبري والطافي وغير ذلك.
стр. 812
٢١ - باب دواب البحر غير الحيتان
(ح ٧٩٧) دل قول رسول الله- ﷺ : هو الطهور ماءه الحل ميتته.
م ١٧٧١ - على إباحة أكل جميع دواب البحر المنسوبة إليه، روينا عن أبي بكر الصديق أنه قال: كل دابة في البحر فقد ذبحها لله لكم، وقال ربيعة: كل ما كان أصله من الماء وإن خرج في بر، فهو من دواب البحر يحل قتله، ويؤكل على كل حال من أحرم بالحج وغيره، وكان الأوزاعي يقول: على شيء كان غشيه الماء فهو حلال، قيل: فالتمساح؟ قال: نعم.
وقال الليث بن سعد في خنزير الماء، وكلب الماء، وإنسان الماء، ودواب الماء كلها؟ فقال: أما إنسان الماء فلا يؤكل على شيء من الحالات، والخزير إذا سماه الناس خنزيراً فلا يؤكل، وقد حرم الله الخنزير، وأما الكلاب فليس بما في البر منها والبحر بأسا.
وقال الثوري في السرطان: أرجو أن لا يكون به بأس، وقال أبو ثور في السرطان، والسلحفاة ما كان منه يذكى، لم يحل إلا الذكاة، وما كان منه لا يذكى، فمثل السمك أخذه حي وميت سواء.
قال ابن جريج: سألت عطاء عن ابن الماء أسيد براً وصيد بحر، وعن أشباهه؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو صيده.
وفي قول مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وأبي ثور: طير الماء من صيد البر.
стр. 813
انتهى الجزء الثالث ويتلوه الجزء الرابع وأوله كتاب الجهاد
стр. 814
الإشراف
على مذاهب العلماء
لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر
النيسابوري ٣١٨هـ
المجلد الأول
حققه وقدم له وخرج أحاديثه
د. أبو حامد صغير أحمد الأنصاري
стр. 815
الإشراف
على مذاهب العلماء
стр. 816
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤ م
الناشر
مكتبة مكة الثقافية
هاتف: ٢٣٦١٨٣٥ - ٧ - ٠٠٩٧١
فاكس: ٢٣٦٢٨٣٦ - ٧ - ٠٠٩٧١
ص. ب. ٢٣٢٦
رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة
стр. 817
ـ[الرموز والمصطلحات التي استعملت في الدراسة والتحقيق:]ـ
لقد استعملت خلال ترجمة ابن المنذر، ودراسة الكتاب، وفي تحقيق الكتاب رموزاً ومصطلحات للاختصار والتسهيل، وهي ليست بجديدة إلا البعض، وقد يتبادر الذهن إلى الأصول في أول نظرة، لأن معظمها قد تستعمل في كثير من الكتب المحققة، وهي كالتالي:
١ - حرف "ح" قبل الرقم إشارة إلى الحديث النبوي.
٢ - حرف "م" قبل الرقم إشارة إلى المسألة الفقهية، سواء كانت مجمعا عليها أو مختلفا فيها.
٣ - "الأصل" إشارة إلى النسخة الخطية من كتاب الإشراف.
٤ - "ألف" إشارة إلى اللوحة الأولى من الورقة من المخطوطة المصورة.
٥ - "ب" إشارة إلى اللوحة الثانية من الورقة من المخطوطة المصورة.
٦ - وكذلك اختصرت أسماء الكتب ومؤلفيها عند ذكرها في الدراسة والتحقيق، وهي كالتالي:
بق: البيهقي في السنن الكبرى.
طف: ابن جرير الطبري في تفسيره.
ت: الترمذي في جامعه.
عب: عبد الرزاق في المصنف.
جه: ابن ماجه في سننه.
قط: الدارقطنى في السنن.
حم: أحمد بن حنبل في مسنده.
م: مسلم بن الحجاج في الصحيح.
خ: البخاري في الصحيح.
مط: مالك بن أنس في الموطأ.
د: أبو داود في السنن.
مي: الدارمي في السنن.
شب: ابن أبي شيبة في المصنف.
ن: النسائي في السنن.
ط: طبقات.
стр. 818
٣٩ - كتاب الجهاد
١ - باب فرض الجهاد
أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر قال: بعث الله جل وعز رسوله إلى الناس جميعاً أهل كتاب وسائر المشركين، فقال جل ذكره: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ فقد بعث الله نبيه إلى جميع خلقه وهم أهل كتاب، أو أميين.
وثبتت الأخبار عن رسول الله- ﷺ بمثل معنى كتاب الله :
(ح ٧٩٨) ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمسا لا يعطهن أحد قبلي، بعثت إلى الأحمر، والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولا تحل [١/ ١٥٤/ب] لأحد قبلي، ونصرت بالرعب،
стр. 819
فيرعب العدو وهو مني على مسيرة شهر، وقيل لي: سل تعط (١)، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
قال أبو بكر: فأقام رسول الله- ﷺ بمكة مدة طويلة يدعوا إلى الله والإيمان به، وينهى عن الشرك بالله وعبادة الأوثان، وذلك قبل أن أمره الله بالإعراض عنهم، فقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وقال: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية، ثم أذن الله لرسوله ﷺ في الهجرة، فخرج إلى المدينة، ولم يؤذن لهم في شيء من ذلك بقتال المشركين، ولم يحرم عليهم المقام بمكة، ثم أذن لهم في القتال فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية.
يقال: أنها أول آية نزلت إذن فيها بالقتال، ثم أوجب عليهم الخروج من مكة إلا من استثنى منهم في آخر الآية، وأمرهم أن يهجروا دار الشرك؛ لأن رسول الله- ﷺ لما خرج عنهم إلى المدينة اشتد بعض من كان بمكة من المشركين على من أقام عندهم بعد رسول الله- ﷺ من المؤمنين، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ
стр. 820
كُنْتُمْ﴾ إلى آخر الآية، واستثنى منهم المستضعفين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة﴾ قيل: مخرجاً، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، طريقاً إلى المدينة بعد، وهؤلاء لم يعرض عليهم الخروج، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾: الآية.
٢ - باب وجوب الجهاد
قال الله جل وعز: تب ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية.
وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ الآية.
وقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية.
وهذه الآيات ناسخات اللاتي أمر الله فيها بالعفو والصفح فقال: (﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية، فأتى الله بأمره لما أمر بقتال المشركين.
стр. 821
وجاءت الأخبار الثابتة عن رسول الله- ﷺ موافقة لظاهر هذه الآيات.
(ح ٧٩٩) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلله، فمن قال: لا إله إلله عصم مني ماله، ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله".
قولاً عاماً لم يخص منهم أحداً دون أحد، دخل في ذلك جميع الناس أهل الكتاب، وسائر المشركين من العرب والعجم، الأحمر منهم والأبيض والأسود، أهل الأوثان وغيرهم، فدل قوله تعالى جل ثناءه: ﴿قَاتِلُولَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا [١/ ١٥٥/ألف] يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُولْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُولْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية، على أن الله تعالى إنما أراد قتال أهل الشرك من أهل الأوثان وغيرهم دون من أعطى الجزية من أهل الكتاب.
م ١٧٧٢ - واختلفوا في معاني الآيات التي أمر الله تعالى فيها بقتال المشركين، والآية التي أمر الله تعالى فيها بأخذ الجزية من أهل الكتاب.
فقالت فرقة: فرض الله على رسوله وعلى المسلمين أن يقاتلوا المشركين كافة أهل الكتاب وغيرهم، حتى نزلت سورة البراءة، ونزل قوله: ﴿قَاتِلُولَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ الآية، إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا
стр. 822
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية فنسخ من جملة ما أمر الله بقتاله من المشركين من أهل الكتاب، فصار الأمر بقتالهم إذا أرادوا الجزية منسوخاً.
كان أبو عبيد القاسم بن سلام يميل إلى هذا القول، ويحتج بحديث ابن عباس: كانت البراءة من آخر ما نزل من القرآن، وكذلك قال البراء: آخر سورة نزلت كاملة البراءة، وروي هذلمعنى عن عثمان بن عفان.
وقالت طائفة: الآيات التي نتلوها في الأمر بقتال المشركين، والآية التي فيها الأمر بأخذ الجزية، ليس في شىء منها ناسخ ولا منسوخ، بل هى محكمات غير أن الآية التي فيها الأمر بقتال المشركين ظاهرها ظاهر عام، والمراد منها أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، غير أهل الكتاب الذين أمر الله بأخذ الجزية منهم، وتركهم، وهذا على مذهب الشافعي.
كما كان الأمر بقطع السراق، والمراد منه بعض السراق دون بعض.
قال أبو بكر: ودل خبر ابن عباس على الهجرة إنما كانت واجبة إلى أن فتح الله على نبيه مكة، ثم زال فرضها.
стр. 823
(ح٨٠٠) ثبت عن ابن عباس عن النبي- ﷺ أنه قال يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".
٣ - أبواب فرض القتال ومن يلزمه الحضور ومن له عذر لا يأثم أن يخلف من أجله
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية.
كان مجاهد يقول في هذه الآية: وذلك حين أمر بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين، أمروا بالنفير في الصيف حين حرقت النخل وطابت الثمار واشتهوا الطل وشق عليهم المخرج.
قال أبو بكر: قال الله جل ثناءه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ [١/ ١٥٥/ب] كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية، فاحتمل أن يكون الغزو مفروضاً على الجميع كالصوم، والصلاة، واحتمل أن يكون مفروضاً على الكفاية، فإذا قام بثغور المسلمين من فيه الكفاية ودفع العدو عن المسلمين سقط الفرض عن الباقين، فوجب لما احتمل ذلك ما قلنا، وعلى أهل العلم طلب الدلالة على صحة أحد القولين، فدل الكتاب
стр. 824
والسنة على سقوط فرض الغزو عن المتخلفين إذا أقام به منهم من فيه الكفاية، فأما ما دل عليه الكتاب من ذلك فقوله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾ الآية، ففي هذا بيان على سقوط المآثم عن المتخلفين إذا قام بالغزو من فيه الكفاية، لأن المتخلف لو كان حرجاً لم يكن يستوجب الحسنى، ففيها وعد المتخلف عن الجهاد من الحسنى، أبين البيان على أن في تخلفه غير حرج ولا إثم.
ودل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا﴾ الآية، على مثل ما دلت عليه هذه الآية قبلها، ودلت الأخبار عن رسول الله- ﷺ على مثل ما دل عليه كتاب الله.
لا نعلم لرسول الله- ﷺ غزوة خرج فيها إلا وقد يتخلف (١) عنه فيها رجال، وتخلف ﷺ عن سرايا أخرجها.
(ح ٨٠١) ثبت عنه أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأحببت أن لا أتخلف خلف سرية تخرج في سبيل الله، ولكني لا أجد ما أحمله عليه ولا يجدون
стр. 825
ما يحملون عليه يتحرجون، وشق عليهم أن يتخلفوا بعدي، ولوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا، ثم أقتل".
(ح ٨٠٢) وروينا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله- ﷺ قال في غزوة غزاها
بني لحيان" لينبعث من كل رجلين رجل والأجر بينهما".
ففي تخلفه عن الخروج مع السرايا مع إذنه في أن ينبعث من كل رجلين رجل، دليل بين على أن فرض الجهاد ساقط عن الناس إذا قام منهم من فيه الكفاية.
٤ - باب المتخلف عن الخروج إلى الجهاد من أجل الوالدين
(ح ٨٠٣) ثبت أن رجلاً قال: "يا رسول الله- ﷺ إني أريد الجهاد، قال: أحي والديك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد".
(ح ٨٠٤) وروينا عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً هاجر إلى رسول الله- ﷺ من اليمن فقال يا رسول الله- ﷺ : إني هاجرت، فقال رسول الله- ﷺ : قد هجرت الشرك، ولكنه الجهاد، هل لك أحد باليمن؟ قال: أبوان!
стр. 826
قال: [١/ ١٥٦/ألف] أذنا لك؟ قال: لا! قال: فارجع فاستأذنهما، فإن أذناك، فجاهد، وإلا فبرهما.
قال أبو بكر: وقد ذكر بعض أصحابه وهو عدي كما قال: إن النهي عن الخروج إلى الغزو بغير إذن الوالدين ما لم يقع النفر، فإذا وقع النفر وجب الخروج على الجميع، وذلك بين في:
(ح ٨٠٥) حديث أبي قتادة قال: بعث رسول الله- ﷺ جيش الأمراء، فذكر قصة زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وإن منادي رسول الله- ﷺ -نادى بعد ذلك: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فحمد الله فأثنى عليه فذكر الحديث، ثم قال: أيها الناس اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد، قال: فخرج الناس في حر شديد مشاة وركبانا، وذكر باقي الحديث.
قال أبو بكر: وفي قوله: "اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد" دليل على أن العذر في التخلف عن الخروج إلى الجهاد إنما هو ما لم يقع النفر لقوله ﵇: "اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد".
(ح ٨٠٦) وقول النبي ﷺ : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا.
стр. 827
قال أبو بكر:
م ١٧٧٣ - وقد روينا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ما يدل على أن من أراد الغزو فأمرته أمه بالجلوس أن يجلس، وقال الحسن البصري: إذا أذنت له أمه في الجهاد وعلم أن هواها أن يجلس فليجلس.
ومن رأى أن لا يخرج المرء إلى الغزو إلا بإذن والديه مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وكل من لقيناه من أهل العلم.
وقيل للأوزاعي: رجل غزا بإذن والديه، واشترطا عليه أن لا يقاتل فلقوا العدو؟ قال: لا طاعة لوالدين في ترك الفرائض، والجمع، والحج، والقتال.
قال أبو بكر: صدق الأوزاعي، وخبر أبي قتادة يدل على صحة ما قال، وكان الشافعي يقول: "وإذا أذن للرجل أبواه في الغزو فغزا، ثم أمره بالرجوع، فعليه الرجوع، إلا من عذر حادث مثل خوف الطريق، أو وَجْدٌ بِهْ، أو مرض يحدث به لا يقدر على الرجوع، أو قلة نفقة لا يقدر على أن يستقل معها، أو ذهاب مركب لا يقدر على الرجوع معه، أو يكون غزا بجعل مع السلطان فلا يقدر على الرجوع إلا معه".
م ١٧٧٤ - واختلفوا في الوالدين المشركين.
كان الثوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما، وقال الشافعي: له أن يغزو بغير إذنهما.
[٩ - باب المبارزة بدون إذن الأمير]
. . . . . . . . . . . . (١) [١/ ١٥٦/ ب] بل خبر أبي قتادة يدل على ذلك، لأني [لا] (٢) أعلم أن أبا قتادة استأذن النبي- ﷺ حين بارز فقال أبو قتادة:
(ح ٨٠٩) بارزت رجلاً يوم حنين فقتلته، فأعطاني النبي ﷺ سلبه.
١٠ - باب معونة المبارز
م ١٧٨١ - اختلفوا في معونة المسلمين المبارز منهم على المشرك فمن رخص في ذلك أحمد، وإسحاق، وقال أحمد: أليس قد أعانوا يوم بدر بعضهم
стр. 830
بعضا، وبهذا المعنى قال الشافعي: لا بأس أن يعينه عليه غيره، وذكر قصة علي، وحمزة، وعبيدة، ومعونة بعضهم بعضا.
قال: فأما إن دعا مسلم مشركا، أو مشرك مسلما إلى أن يبارزه فقال له: لا يقاتلك غيري، أو لم يقل له ذلك إلا أن يعرف أن الدعا إلى مبارزة الواحد كالأمر من الفريقين معاً تنوي المبارز من أحببت أن يكف عن أن يحمل عليه غيره".
وكان الأوزاعي يقول: لا يعينونه على هذا، قيل للأوزاعي: رجل بارز علجاً فخاف المسلمون على صاحبهم قال: فلا يعينونه عليه، قيل: وإن لم يكن اشترط أن لا يخرج إليه غيره؟ قال: ولأن المبارز إنما يكون هكذا، ولكن لو حجروا بينهما ثم خلو سبيل العلج، قال: ان أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم.
١١ - باب ما يجب أن يستثنى من ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية
م ١٧٨٢ - دلت الأخبار الثابتة عن رسول الله- ﷺ على أن الله جل ثناءه إنما أراد بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: بعض المشركين دون البعض، بما يجب أن يستثنى من ظاهر الآية قتل الرسل.
стр. 831
(ح ٨١٠) قال عبد الله بن مسعود: كنت عند النبي ﷺ إذا جاء ابن النواحة رسولاً من مسيلمة قد بعثه إلى النبي ﷺ هذا وابن أثال فكلما النبي ﷺ ، فقال لهما أي رسول الله: أتشهد أني رسول الله؟ فقالا له: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال لهما: آمنت بالله ورسوله لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما.
١٢ - باب النهى عن قتل العسيف المشرك
(ح ٨١١) في حديث رباح بن ربيع أن خرج مع رسول الله- ﷺ في غزوة غزاها فمر رباح وأصحاب رسول الله- ﷺ على امرأة مقتولة ووقف رسول الله- ﷺ عليها ثم قال: ما كانت هذه تقاتل، ثم نظر في وجوه القوم فقال لأحدهم: الحق خالد بن الوليد فلا يقتل ذرية ولا عسيفا.
م ١٧٨٣ - وقد اختلفوا في الحراثين الأجراء، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لا تقتلوا حراثاً، وقال الأوزاعي: يقتل المريض الشاب، ويكف عن الأعمى والحراث إذا علم أنه ليس من المقاتلة، قال: فإن قتل حراثاً، أو راعياً، أو صاحب صومعة، أو شيخا فانيا، أو صغيرا، أو امرأة، يستغفر الله ويتوب.
стр. 832
قال الشافعي: "ويقتل الفلاحون، والأجراء، والشيوخ الكبار حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية".
١٣ - باب النهي عن قتل النساء والوالدان
قال أبو بكر: ومما يستثنى من ظاهر الآية قتل النساء والوالدان.
(ح ٨١٢) ثبت أن رسول الله- ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان.
وقال الله جل ذكره: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ الآية.
م ١٧٨٤ - وروينا عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية يقول: "ولا تقتلوا النساء والصبيان، والشيخ الكبير، ولا من ألقي إليكم السلم وكف لله، فإن فعلتم فقد اعتديتم".
قال أبو بكر: ذلك إذا لم تقاتل المرأة، في خبر رباح بن ربيع دليل على ذلك؛ لأن النبي ﷺ لما وقف على المرأة المقتولة قال: "ما كانت هذه تقاتل".
стр. 833
وفي الآية، وفي هذا الحديث دليل على أنها إن قاتلت قتلت، وفي حديث ابن عباس بيان ذلك، قال:
(ح ٨١٣) مر النبي ﷺ بامرأة مقتولة يوم الخندق قال من قتل هذه المرأة؟ قال رجل: أنا يا رسول الله- ﷺ قال: ولم؟ قال: بارعتني قائم سيفى، قال: فسكت.
قال أبو بكر: وممن رأى أن إباحة قتل المرأة التي تقاتل الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكل هؤلاء الذين ذكرت ينهون عن قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا.
م ١٧٨٥ - وكان الليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور يقولون في الصبى الذي يقاتل: يجوز قتله.
١٤ - باب الخبر الدال على أن النهي إنما وقع على من قصد قصدهم بالقتل لا من يصاب منهم في وقت الغارة
(ح ٨١٤) ثبت أن الصعب بن حثامة قال: قلت: يا رسول [١/ ١٥٧/ب] الله إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين؟ قال: هم منهم.
стр. 834
م ١٧٨٦ - وكان الشافعي يقول: لا إنما معنى نفيه عن قتل النساء والصبيان أن يقصد قصدهم بقتل، وهم يعرفون مميزين ممن أمر بقتله منهم، ومعنى قولهم: "هم منهم" إذا أصيبوا في البيت والغارة.
وقال أحمد: معناه على أنهم يصيبون منهم وهم لا يعلمون.
١٥ - باب قتل الرهبان
م ١٧٨٧ - واختلفوا في قتل الرهبان: فروينا عن أبي بكر الصديق أنه أمر بالوقوف عن قتلهم.
وكان مالك، والليث بن سعد، وأبو ثور لا يرون قتل الرهبان.
وقال مالك: يترك لهم ما يصلحهم، وقال الليث بن سعد: يترك له ما يعيش به، ولا يؤخذ ماله كله فيموت جوعا.
وقال مالك: لا يقتل الرواهب يترك لهم من لهم ما يعيشون به ولا يؤخذ جميع مالهم.
وقال أصحاب الرأي: لا يجوز أن يقتل وليد، ولا امرأة، ولا شيخ كبير، ولا أحد به زمانة، ولا يقتل أعمى، وإنما قول أبي بكر الصديق: "ولا تقتل راهباً؛ لأن فتح بلادهم وظفر بها فصارت في أيديهم، ولا ينبغي أن يفعلوا ذلك؛ لأن ذلك قد صار فيئاً للمسلمين.
واختلف قول الشافعي في قتل الرهبان، فقال في كتاب قتال المشركين: يترك قتل الرهبان اتباعا لأبي بكر، ويغنم كل ما لهم في
стр. 835
صومعة، وغير صومعة، وأحب إلي في النساء الرواهب يتركهن كما يترك الرجال".
وقال في كتاب سير الواقدي: ولا أعرف في الرهبان خلافاً أن يسلموا، أو يودوا الجزية، أو يقتلوا".
١٦ - باب قتل الشيوخ والمرضى وغيرهم
م ١٧٨٨ - واختلفوا في قتل الشيوخ فروينا عن أبي بكر الصديق أنه نهى عن قتلهم، وكره قتلهم مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وروينا عن مجاهد أنه قال: كنا ننهى عن قتل كل فان، ووليد.
وفيه قول ثان: وهو أنهم يقتلون، هذا قول الشافعي، وبه نقول، إذ هم في حملة من أمر الله بقتله من المشركين غير خارجين من الجملة بحجة.
م ١٧٨٩ - واختلفوا في قتل المرضى فروينا عن أبي بكر الصديق، وليس بثابت عنه، أنه قال: لا تقتلوا مريضاً.
وقال الأوزاعي: إن كان مريضاً يوقن بموته لم يقتل.
وقال أحمد في الأعمى: إن كان ممن يقاتل، فإنه يقتل.
وقال أصحاب الرأي: لا يقتل أحد له زمانة.
وفي قول الشافعي: يقتل الشيخ المريض، والأعمى ومن به زمانة.
قال أبو بكر: وبه نقول للعلة التي ذكرت في المسألة قبل.
стр. 836
(ح ٨١٥) وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا
شرخهم، يعني الصغار، والذرية [١/ ١٥٨/ألف].
١٧ - باب نصب المنجنيق على أهل الحصون
(ح ٨١٦) جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه نصب المنجنيق على أهل الطائف.
قال أبو بكر:
م ١٧٩٠ - وللإمام إذا حصر قوما من المشركين أن ينصب عليهم المناجيق، ويرميهم بالحجارة، وبما يقوم مقامها.
روينا أن عمرو بن العاص جاء بالهدادات الإسكندرية فنصب عليهم المناجيق.
وممن رأى أن ينصب عليهم المناجيق الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
стр. 837
م ١٧٩١ - وقال الثوري: يرمون بالنار، وبه قال الشافعي، والأوزاعي.
وقال الشافعي: ويرمون بالقذرات، والعقارب، والحيات، وكل ما يكرهونه، ويرسلوا عليهم الماء ليغرقوهم، أو يوحلوهم فيه، وسواء كان معهم الأطفال والنساء، والرهبان، أو لم يكونوا غير ممنوعة بإسلام وعهد، وكذلك لا بأس بأن يحرقوا شجرهم المثمرة وغير المثمرة، ويحرقوا عامرهم، وكل ما لا روح فيه من أموالهم".
وقال أصحاب الرأي: إن كان في الحصون امرأة، أو صبى، أو شيخ كبير، أو معتوه، أو أعمى، أو مقعد، أو زمن فلا بأس أن يرموا المشركين في حصونهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم من قد سمينا.
١٨ - باب النهي عن إحراق من له روح بالنار
(ح ٨١٧) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال في رجل: إن قدرتم عليه فاقتلوه، ولا تحرقوه بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.
م ١٧٩٢ - واختلفوا في رمى أهل الشرك بالنار، فكره ذلك عمر بن الخطاب؛ لأنه حرق خالد بن الوليد ناساً من أهل الردة، فقال عمر لأبي بكر: انزع هذا الذي يعذب بعذاب الله.
قال أبو بكر: لا أشيم سيفا سله الله على المشركين.
стр. 838
وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لوددت أنهم بايعونا لا نقاتلهم بنار، ولا يقاتلونا بها يعني الروم، وهذا مذهب مالك.
وقال أحمد بن حنبل في المطمورة فيها النساء والصبيان: يتقدم إليهم ويسألهم الخروج فيأتون يدخن عليهم، فكرهه، ولم يصرح بالنهي.
قلت: في البحر يرمون بالنيران، قال: إن بدؤوهم فلا بأس.
وكان الثوري يقول: وإذا حاصرت أهل حصن فلا بأس أن يرموا بالمناجيق، والنار.
وقال الأوزاعي في المطامر: فلا بأس أن يدخن عليهم، وإذا لم يكن في المطمورة إلا المقاتلة حرق عليهم، وقتلوا بكل قتله، ولو لقينا سفنهم في البحر رميناهم بالنفط والنيران.
م ١٧٩٣ - واختلفوا في [١/ ١٥٨/ب] المركب من مراكب العدو يرمي بالناس، فيخشى الأسر على نفسه أيطرح نفسه في الماء أم يصير إلى النار، فرخص فيه مالك، والليث بن سعد أن يطرح نفسه.
وقال يحيى الأنصاري ما الفرار منها يعني النار مثل الفرار يعني الغرق.
وقال ربيعة: أما الرجل يفر من النار إلى أمر يعرف أن فيه قتله فلا ينبغي له لأنه إنما يفرق موت إلى موت أشر منه، فقد جاء بما لا يحل له، وإن كان إنما يتحمل في ذلك رجاء النجاة، فكل امرئ يرجوا النجاة في شيء فلا جناح عليه فيه.
وقال الحسن البصري: إذا خاف رجل أن يغلب لا بأس أن يستأسر.
стр. 839
١٩ - باب رمي الحصون فيها أطفال المسلمين وأساراهم
م ١٧٩٤ - واختلفوا في الحصين من حصون المشركين قام العدو على سور الحصين فتترسوا بأطفال المسلمين.
فقالت طائفة: يكفون عن رميهم، فإن برز أحد، (١) منهم رموه، هذا قول الأوزاعي.
وقال الليث بن سعد: ترك فتح حصن يقدر على فتحه، أفضل من قتل مسلم بغير حق، وقالا: قال الله في أهل مكة: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية.
قال الأوزاعي: فكيف يرمى المسلمون من لا يرون من المشركين، وهم يعلمون إنما يصيب بها أطفال المسلمين.
وقالت طائفة: للمسلمين أن يرموهم، بالمنجنيق، والنشاب، والنبل، ولا يتعمدون بذلك أطفال المسلمين، وما أصاب المسلمون من أطفال المسلمون الذين مع المشركين في رميهم إياهم، فلا دية في ذلك، ولا كفارة، هذا قول النعمان، ومحمد.
وقال الشافعي: والذي قاله الأوزاعي أحب إلينا إذا لم يكن بنا ضرورة إلى قتال أهل الحصين، ولكن لو اضطررنا إلى أن نخافهم
стр. 840
على أنفسنا إن كففنا عن حربهم، قاتلناهم ولم يعمد قتل مسلم فإن أصبنا كفرنا (١).
٢٠ - باب تغريق النحل وحريقه
م ١٧٩٥ - روينا عن أبي بكر الصديق أنه قال حين بعث الجيوش إلى الشام فيما يوصيهم به: ولا يغرقن نحلا ولا يحرقها، ولا يعقروا بهيمة.
وروينا عن ثوبان أنه قال: لا يغرقن نحلا ولا يحرقنه.
وقيل لمالك: أنحرق بيوت نحلهم؟ قال: أما النحل فلا أدري ما هو.
٢١ - باب عقر الدواب خوفا أن يظفر بها العدو
م ١٧٩٦ - واختلفوا في الفرس يقف على صاحبه فيريد عقره، [١/ ١٥٩/ألف] فرخص فيه لهم.
وممن رخص فيه مالك، قال مالك: يعقر ولا يتركه.
وقال النعمان: إذا أصابوا غنائم ذبحوا المغنم، وحرقوا المتاع، وحرقوا لحوم الغنم كراهية أن ينتفع به أهل الشرك.
وكرهت طائفة أن يعقر بهيمة إلا لمأكل، وكره ذلك الأوزاعي، والشافعي.
стр. 841
وقال الليث بن سعد في الدابة يقوم على الرجل، يتركه ولا يعقره.
وبه قال الشافعي. قال لأن روح يألم بالعذاب ولا ذنب له، واحتج في ذلك.
(ح ٨١٨) بأن النبي- ﷺ قال: من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله، قيل: يا رسول الله- ﷺ وما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به".
وقال الشافعي في الفارس من المشركين: للمسلم أن يعقر دابته لأن هذه منزله يجد السبيل بها إلى قتل من أمر بقتله.
وسئل الثوري عن قتل الخنازير، قال: أكره قتل البهائم.
وقال أحمد: قتل الله كل خنزير، وبه قال إسحاق.
وقال أبو ثور: لا يقتل من مواشيهم، ولا يحرق نحلهم، ولا يعقر دوابهم، ولا يقتل شيء من الحيوان صبراً، وذلك.
(ح ٨١٩) أن النبي ﷺ نهى أن يقتل شيء من الحيوان صبراً.
стр. 842
٢٢ - باب إباحة تحريق أموال أهل الشرك وقطع نخيلهم وحرقها وإباحة ترك ذلك
م ١٧٩٧ - قال الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية.
قال مجاهد: اللينة: النخلة، فنزل القرآن تصديق من نهى عن قطعها، وبتحليل من قطعها عن الإثم، وإنما قطعها وتركها بإذنه.
وقال الزهري: اللينة: ألوان النخل كلها العجوة، وقال عكرمة: هي دون العجوة.
وقال محمد بن إسحاق: مما خالف العجوة من النخل.
وروينا عن ابن عباس أنه قال: "ما قطعتم من لينة" نخلة، أو شجرة.
(ح ٨٢٠) وثبت أن رسول الله- ﷺ حرق نخل بني النضير، وقطع البويرة.
وفيها يقول حسان:
وهات علي سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
م ١٧٩٨ - واختلفوا في تخريب عامر بلاد الشرك، وقطع شجرهم، وإتلاف أموالهم.
стр. 843
فأباحت طائفة ذلك، فممن رخص في قطع شجرهم، وهدم بيوتهم: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وبه قال مالك، والشافعي، واحتجا بقوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾.الآية.
قال الشافعي: فرض القطع وأباح الترك، قال: والترك موجود [١/ ١٥٩/ب] في الكتاب والسنة.
وقال النعمان: لا بأس بقطع شجر المشركين، ونخلهم، وتحريق ذلك.
وكرهت طائفة ذلك، وممن كره ذلك الأوزاعي، واحتج بنهي أبي بكر عن ذلك، وبه قال الليث بن سعد، وأبو ثور.
وقال أحمد وإسحاق: التحريق في أرض العدو نكرهه، إلا أن يكون ذلك يغيضهم، ويبلغ فيهم، وكان يقول في تخريب العامر وتهدم دورهم إذا احتاج إلى الحطب، فأما أن يخرج من غير حاجة إلى العامر فيخربه فلا.
وقال إسحاق: التحريق سنة إذا كان ذلك أنكى للعدو.
قال أبو بكر: والذي أقول به: إن تخريب العامر، وقطع الشجر المثمر وغير المثمر، وتحريق أموالهم لا بأس به، استدلالاً بقوله ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ الآية، ولقطع النبي ﷺ ولقطع النبي- ﷺ نخل بني
стр. 844
النضير، فأما الأنعام فلا يجوز ذبحها إلا لحاجة، وقد ذكرنا فيما مضى حديث عبد الله بن عمر ﵁.
٢٣ - باب الفرار من الزحف
قال الله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الآية.
(ح ٨٢١) وروينا عن النبي- ﷺ أنه قال: "الكبائر سبع أولهن الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بداراً أن يكبروا، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، وانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة".
(ح ٨٢٢) وجاء الحديث عن رسول الله- ﷺ أنه قال: "أنا فئة المسلمين".
م ١٧٩٩ - وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: "أنا فئة لكل مسلم".
وقال مالك بن أنس: ليس عليه العمل يعني لحديث عمر.
стр. 845
وقال الأوزاعي: من كان في سرية عليهم أمير فإن انهزم اللواء والفصل في الثبات، وإن انهزم الوالي فالعسكر لهم فئة.
وقال أبو عمرو: وإن لقي العسكر الأعظم واللواء صبى، وأما لم ينهزم اللواء والإمام، فإن انهزم الإمام، فالإمام بالشام لهم فئة.
وكان الشافعي يقول: "إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو، حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم، لم أحب لهم أن يولوا، ولا يستوجبوا السخط عندي من الله لو ولوا عنهم إلى غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، وإذا لقي المسلمون العدو فولوا المسلمون متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة رجوت أن لا يأثموا، وإن ولوا على غير نية واحدة من الأمرين، خشيت أن يأثموا وأن يحدثوا بعد نية [١/ ١٦٠/ألف] خير لهم، ومن فعل هذا تقرب إلى الله بما استطاع من خير، بلا كفارةٍ معلومةٍ عليه، ولو شهد القتال من له عذر في ترك القتال من الضعفاء والمرضى الأحرار، خفت أن يضيق عليهم من التولية ما يضيق، ولو شهد عبد قد أذن له سيده كان كالأحرار، وإن لم يكن أذن له لم يأثم بالتوية، والصبي لا يأثم بالتولية، وكذلك النساء أرجو أن لا يأثموا! بالتولية، قال أبو بكر: قال الله جل ذكره: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه﴾ الآية، معناه لم يعف عنه، يدل على ذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾