وروينا عنه أنه قال لما كلم في أن يفضل بعض الناس في القسم فقال: فضيتهم عند الله، فأما هذا المعاش فالتسوية فيه خير.
واختلفت الأخبار عن عمر بن الخطاب في هذا الباب، والمشهور من قول عمر عند كثير من أهل العلم والتفضيل على السوابق والغناء عن أهل الإسلام.
والمشهور عن علي أنه ساوى بين الناس.
ومال الشافعي إلى قول أبي بكر قال: "وذلك إني رأيت قسم الله في المواريث على العدد يكون الأخوة متفاضلين، الغنا على الميت، والصلة في الحياة، والحفظ بعد الموت، فلا يفضلون، وقسم رسول الله- ﷺ لمن حضر الوقعة من الأربعة الأخماس على العدد، ومنهم من يغني غاية الغناء ويكون الفتوح على بديه، ومنهم من يكون محضره إما غير نافع، وإما ضار بالخيس (١)، والهزيمة تكون بسببه".
٤ - باب الفرض للنساء والمماليك من الفيء
(ح ٩٠٢) روينا عن النبي ﷺ أنه كان إذا جاءه فيء قسمه من يومه، فأعطى
الذي له الأهل له ولأمته حظين، وأعطي الأعزب حظاً واحداً.
وكان الشافعي يقول: "ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من
стр. 982
المقاتلة، وهم من قد احتلم، أو استكمل خمس عشرة من الرجال، ويحصي الذرية، وهم من دون المحتلم ودون البالغ خمس عشرة، والنساء صغيرتهن وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه من مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي المقاتلة في كل عام عطاءهم، والذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقتهم طعاماً، أو قيمته دراهم، أو دنانير يعطى المنفوس شيئاً، ثم يزاد كلما كبر على قدر مؤنته، وهذا مستوي لأنهم يعطون الكفاية على قدر اختلاف أسعار البلدان، وحالات الناس فيها، ولم يختلف أحد بغيته من أن ليس للمماليك في العطاء حق، ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة، ويعطى من الفيء من رزق من ذلك، وكاتب جندى ممن لا غنا لأهل الفيء عنه، رزق مثله".
стр. 983
٤٤ - كتاب السبق والرمي
أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر قال: قال الله جل ذكره: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية.
(ح ٩٠٣) وروينا عن النبي- ﷺ أنه قال في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ألا إن القوة الرمي ثلاثاً، إن الأرض ستفتح عليكم، وتكفون المؤونة، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه.
١ - باب [١/ ١٩١/ألف] الفرق بين المضمرة من الخيل وغيرها والزيادة في أمد المضمره منها على غير المضمرة
(ح ٩٠٤) ثبت أن رسول الله- ﷺ سابق الخيل التي أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها.
م ١٩٧٩ - وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا يحملن على الخيل عند
стр. 984
الإجراء إلا كل محتلم، وكره مالك أن يحمل الصبيان الأصاغر على الخيل التي تجري في الرهان، وأن يجوعوا لذلك.
وكان الليث بن سعد يقول: ما أحب أن أتباع الصبيان الصغار لإجراء الخيل، والتماس الرزق بتعليمهم.
٢ - باب الخبر الدال على أن السبق في الرهان في سباق الخيل إنما أبيح يخلل لا شأن أن يسبق الفرسين اللتين وقع عليهما الرهان
(ح ٩٠٥) روينا عن النبي- ﷺ أنه قال من أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن لا يسبق، فليس بقمار، وإن ادخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار.
م ١٩٧٥ - ومن قال بهذا المعنى ابن المسيب، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي.
وقد روينا عن جابر بن زيد أنه قيل له: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا لا يرون بالدخيل بأساً، قال: هم أعفّ من ذلك، وحكى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن المحلل في الخيل، فقال: الأعلى مثل ما سبق الإمام لا يرجع إليه من سبقه شيء، والرهن مثل ذلك.
стр. 985
وحكى أشهب عنه أنه قال في المحلل في الخيل: لا أحبه، قيل: والرجل يسبق الرجل في فرسه معه، قال: لا أحبه.
٣ - باب الخبر الدال على إباحة السبق في النصل والخف والحافر
(ح ٩٠٦) ثبت أن رسول الله- ﷺ وقال: "لا سبق إلا في خف أو حافر، أو نصل".
م ١٩٨١ - وبهذا الحديث قال الزهري، ومالك، والشافعي.
قال أبو بكر: ومعنى ذلك إنما هو على الرهان لا على غير معنى الرهان.
(ح ٩٠٧) لأن النبي- ﷺ قد سابق عائشة على قدميه.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: اجعلوا لهوكم في ثلاثة، في النساء، والخيل، والنضال، وروينا عن علقمة أنه كان له برذون يراهن عليه.
وذكر مالك أن السبق في غير الخيل، والرمي، والإبل قمار، مثل المراحى، والمزادة، وقال الشافعي: "قول النبي [١/ ١٩١/ب] ﷺ : لا
стр. 986
يسبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل، يجمع معنيين، أحدهما: أن كل نصل رمى به من سهم، ونشابة، أو ما ينكأ العدو نكايتها وكل حافر من إبل نجت، أو عراب، داخل في هذا المعنى يحل من السبق، والمعنى الثاني: أنه يحرم أن يكون السبق إلا في هذا".
وقال الشافعي: "لو أن رجلاً سبق رجلاً على أن يسابقا على أقدامهما، أو أن يعدوا بسبق طايرٍ، أو على أن يمسك شيئاً في يده، فيقول: اركن (١)، أو على أن يقوم على قدميه ساعة أو على أن يصرع رجلاً، أو يداً حي رجلاً بالحجارة فيغلبه، كان هذا كله غير جائز، ومن أكل المال بالباطل".
وقد روينا عن عطاء أنه قال: السبق في كل شيء جائز، فإن كان أراد أن يسبق جائز في غير باب الرهان متأولاً حديث عائشة: أن النبي ﷺ سابقها على قدميه، فهذا سهل، وإن كان أراد من باب الرهبان، في غير ما أجازته السنة، فهو قول لا معنى له، وهو خلاف السنة.
٤ - باب النهي عن الجلب والجنب في الرهان
(ح ٩٠٨) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "لا جنب ولا جلب".
стр. 987
م ١٩٨٢ - فأما قوله "لا جلب" فهو يفسر بتفسرين، أحدهما: أن ذلك في الماشية، يقول: لا ينبغي للمتصدق أن يقيم بموضع، ثم يرسل إلى أهل المياه ليجلبوا إلى مواشيهم فيصدقها، ولكن ليأتهم على مياههم وأغنيتهم، كذلك قال أبو عبيد.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: صدقوا الناس على مياههم، وأغنيتهم، قال أبو عبيد: ويقال: إنه في رهان الخيل أن لا يجلب جنبها.
قال أبو بكر: من حجة من قال هذا.
(ح ٩٠٩) حديث ابن عباس عن النبي- ﷺ أنه قال: "ومن أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا".
" وأما الجنب فقال: قيل: هو أن يجنب الرجل نجب فرسه الذي سابق عليه، فرساً عرياً ليس عليه أحد، فإذا بلغ قريباً من الغاية ركب الفرس العري، فيسبق عليه لأنه أقل عناءً وكلالاً من الذي عليه الراكب".
وكان مالك يقول في الجلب: أن يجلب وراء الفرس حين يدنو أو يتحرك وراءه الشيء ليستحث به السبق.
стр. 988
قال أبو بكر: ولم يختلف عوام من يحفظ عنه من أهل العلم أن السبق في النصل جائز.
قال الشافعي: "والنضال فيما بين الاثنين يسبق أحدهما الآخر، والثالث بينهما المحلل، كهو في الخيل لا يختلفان في الأصل، فيجوز في كل واحد منهما ما يجوز في الآخر [١/ ١٩٢/ألف] ويرد منها ما يرد في الآخر، ثم يتفرعان، فإذا اختلفت عللهما اختلفا، فإذا سبق أحد الرجلين الآخر على أن يجعلا قرعاً معلوماً خواسق أو حوابى فهو جائز إذا سميا العرض الذي يرميانه، وجائز أن يتشارطا ذلك محاطة أو مبادرة، فإذا تشارطا محاطة أو مبادرة فكلما أصاب أحدهما بعدد، والآخر بمثله، سقط كل واحد من العددين واستأنفا عددا، لأنهما أصابا بعشرة أسهم من عشرة، فسقطت العشرة من بالعشرة، ولا شيء لواحد منهما على صاحبه، وهذا من حين يبتدئان السبق إلى أن يفرغا منه، حتى يخلص لأحدهما نصل العدد الذي شرط، فيفصله له ويستحق سبقه، ويكون ملكاً له، إن شاء أطعم أصحابه وإن شاء تموّله".
стр. 989
٤٥ - كتاب آداب القضاء
أخبرنا أبو بكر محمد بن المنذر بن إبراهيم، قال الله جل ذكره: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية.
١ - باب كراهية تقلد القضاء بين الناس
(ح ٩١٠) روينا عن النبي- ﷺ أنه قال: من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين.
(ح ٩١١) وروينا عنه أنه قال: ما من حاكم يحكم الإجاء يوم القيامة، وملك آخذ بقضاه، ثم رفع رأسه إلى السماء، فإن قال له ألقه ألقاه
стр. 990
في مهواة أربعين خريفاً.
(ح ٩١٢) وروينا عنه أنه قال: القضاة ثلاث قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فممن قضى بغير الحق وهو يعلم فذاك في النار، وقاض يقضى وهو لا يعلم وأهلك حقوق الناس فذاك في النار، وقاض قضى بالحق فذاك في الجنة.
م ١٩٨٣ - وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا ينبغي للرجل أن يكون قاضياً حتى يكون فيه خمس خصال، فإن أحطت واحدة كانت فيه وصمة، فإن أحطته اثنتان كانت فيه وصمتان، حتى يكون عالماً لما قبله مستشيراً لدى الرأس، ذو نزهة عن الطمع، حليماً عن الخصم، محتملاً للأئمة.
٢ - باب مواضع الأحكام وأمكنتها
قال أبو بكر: أحب أن يكون جلوس القاضي للقضاء في موضع متوسط
стр. 991
من المصر الذي يقضى فيه بين أهله ليكون ذلك أرفق بالناس، وحيث قضى بالحق فقضاءه نافذ.
م ١٩٨٤ - واختلفوا في القضاء في المسجد فممن كان يقضي في المسجد [١/ ١٩٢/ب] شريح، والحسن البصري، والشعبي، ومحارب بن دثار، ويحيى بن آدم، وابن خلدة قاضياً لعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وقال مالك: القضاء في المسجد من أمر بالناس القديم، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وكرهت طائفة القضاء في المسجد، وقالت: القاضي يحضر إليه الحائض، والذمي، وتكثر الخصومات بحضرته، والمساجد تجتنب من ذلك، روى عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا يقضي في المسجد، فإنه يأتيك الحائض، والمشرك.
وقال الشافعي: أحب أن يقضى في غير المسجد لكثرة من يغشاه بغير ما بنيت له المساجد.
م ١٩٨٥ - واختلفوا في إقامة الحدود في المساجد، فروينا عن عمر بن الخطاب أنه أتى برجل في شيء فقال: اخرجاه من المسجد فأضرباه، وعن علي أنه أتى بسارق فقال: يا قنبر: أخرجه من المسجد واقطع يده.
وكره إقامة الحدود في المساجد عكرمة، والشعبي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مسروق: إن المسجد لحرمة.
وفيه قول ثان: روينا عن الشعبي أنه أقام على رجل من أهل الذمة حداً في المسجد.
وفيه قول ثالث: وهو أن الرخصة في الضرب بالأسواط اليسيرة في المسجد، فإذا كثرت الحدود فلا، هذا قول مالك.
قال أبو بكر: أمر الله نبيه أن يحكم بين الناس، ولم يخص للحكم بينهم
стр. 992
مكاناً دون مكان فللحاكم أن يحكم بينهم إن شاء في المسجد وإن شاء في منزله، وليس لأحد أن يمنع الحاكم من الحكم في مكان دون مكان بغير حجة.
(ح ٩١٣) قد حكم النبي- ﷺ بين الملاعنين في المسجد.
(ح ٩١٤) وقضى في منزل أم سلمة بين الأنصاري، وبين اللذين دخلا عليه وهو عندها، واختمصا إليه في أرض ورثاه عن أبيهما.
فأما الاعتلال من اعتل بحضور الكفار، والحائض مجلس الحكم، فلا نعلم حجة يجب لها منع الكفار من الدخول في المساجد سوى مسجد الحرام.
(ح ٩١٥) وقد قدم وفد ثقيف على رسول الله- ﷺ فأنزلهم في المسجد.
وليس في منع الحائض من دخول المسجد خبر يثبت، وقد حكم داؤد بني الله بين الخصمين اللذين وعظ بهما في المحراب وهو المسجد، وهذا معروف في كل بلد أن محاريبهم في مساجدهم.
стр. 993
٣ - باب مجلس القاضي وما يبدأ به عند جلوس الخصم بين يديه
قال أبو بكر: إذا دخل القاضي في المسجد، فليركع ركعتين عند دخوله المسجد للقضاء أو يغره قبل أن يجلس، يدع الله عند فراغه منهما بالتوفيق، والعصمة، والتسديد، ثم يجلس للحكم مستقبلاً للقبلة، ويسلم على القوم إذا صار إلى مجلسه.
(ح ٩١٦) لقول النبي- ﷺ صلى الله [١/ ١٩٣/ألف] عليه وسلم: يسلم القليل على الكثير.
وكذلك يفعل الخصمان إذا وصلا إليه إقتداء بأخبار رسول الله- ﷺ خلاف ما يفعله العامة بالحكام و-برد السلام، ويجلس الخصمان بين يديه، ويسوي بينهما في المجلس لا يرفع أحدهما على صاحبه.
م ١٩٨٦ - وقد اختلف فيمن يقدم إذا أخفى عليه السابق منهم.
فقالت طائفة: يقرع بينهما فمن خرجت قرعته قدمه.
وأحسن من هذا أن يمد خيطاً يلي مجلسه أحد طرفي الخيط، ويلي الطرف ناحية مجلس الخصوم، فكل من جاء كتب اسمه في رقع، وثبت الرقع، وأدخل الرقع في طرف الخيط على هذا، حتى يأتي آخرهم، فإذا جلس القاضي مدّ يديه إلى الطرف الذي يليه من الخيط، فتناول رقق، وأمر بأن يدعي صاحبها، فينظر في أمره، ثم لا يزال كذلك حتى يأتي على آخر الرقاع، فإن كثرت الرقاع عليه، وزاد الوقت الذي يقضى فيه، عرف
стр. 994
الطرف الذي كان يليه حيث جلس، فتناول في المجلس [الثاني] (١)
الرقاع كفعله في المجلس الأول حتى تنفذ الرقاع.
م ١٩٨٧ - وليس في الوقت الذي يقضي فيه القاضي سنة يعتمد عليها، والذي يجب إذا حضر الخصوم أن ينظر بينهم، ولا يؤخر ذلك في أي وقت وافوه لينظر بينهم، بلغني عن سوار بن عبد الله أنه كان يعقد للناس يومه كله.
٤ - باب ما يبدأ به القاضي عند جلوس الخصوم عنده دماً يؤمر به من التسوية بينهم
قال أبو بكر: إذا تقدم إلى القاضي الخصمان، تركهما ليتكلم المدعي منهما، فإن جهلاً ذلك فلا بأس أن يقول: يتكلم المدعي منكما، ولا يدعهما جميعاً يتكلمان، ولكن يبدأ المدعي فيتكلم فإذا فرغ من كلامه، تكلم المدعي عليه، ويسوي بين الخصمين في جلوسهما بين يديه، والإقبال عليهما.
م ١٩٨٨ - وروينا عن عمر بن الخطاب أنه كان فيما كتب به إلى أبي موسى الأشعري: وسوّ بين الناس في مجلسك، ووجهك، وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك.
وقد روينا عن علي، والعباس أنهما دخلا على عمر، حتى جلسا بين يديه، وكان يرى أن يسوي بين الخصمين في المجلس، وبه قال الشافعي، والكوفي.
стр. 995
وليس لأحد أن يلي القضاء حتى يكون عالماً بكتاب الله وسنن رسوله، عالماً بما اختلف فيه أصحاب رسول الله- ﷺ ومن بعدهم، وبإجماع أهل العلم، واختلافهم، جيد العقل، أميناً، فطناً، [١/ ١٩٣/ب] فإذا كان كذلك وتقلوا القضاء أمضى ما يرد عليه من الأحكام، مما هو منصوص في الكتاب، والسنة، والإجماع، ودل عليه بعض ذلك، فإذا ورد عليه مشكل من الأمر عنده، أحضر له أهل المعرفة بالكتاب، والسنة، والإجماع، وسألهم عن ذلك، واستشارهم فيه. قال الله جل وعز: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية.
م ١٩٨٩ - قال الحسن البصري في هذه الآية: قد علم الله أنه ليس به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن بعده، كان الثوري يقول: بلغني أنها تصفى العقل.
(ح ٩١٧) وقد سن رسول الله- ﷺ الاستشارة في غير موضع، استشار أصحابه عام الحديبية.
(ح ٩١٨) واستشار أبا بكر، وعمر في أسارى بدر.
روينا عن ابن سرين أنه قال: التثبت نصف القضاء، وقال الثوري: وليكن أهل مشورتك أهل التقوى، وأهل الأمانة، ومن يخشى الله.
فإذا استشارهم فأشار أحدهم عليه برأيه، سأله من أين قاله؟ فإن
стр. 996
اختلفوا أخذ بأشبههم قولاً بكتاب الله، أو سنة، أو إجماع، ولا يحكم بشيء حتى يتبين له حجة يجب أن يحكم الأولى يقلد أحداً من أهل زمانه، ولا يحضى شيئاً حتى يتبين له الحق فيه، لا يسعه غير ذلك.
٥ - باب الأوقات التي يكره للقاضي أنا يقضي فيها وغير ذلك
(ح ٩١٩) ثبت أن رسول الله- ﷺ قال: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان".
م ١٩٩٠ - وممن كره أن يقضي وهو غضبان شريح، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، والكوفي، وروينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر عند الخصومة.
م ١٩٩١ - ومن الأحوال التي تكره أن يقضي القاضي فيه أن يكون جائعاً، وروينا عن شريح أنه إذا غضب أو جاع قام، وروينا عن الشعبي أنه كان يأكل عند طلوع الشمس، فقيل له: فقال: آخذ حلمي قبل أن أخرج إلى القضاء.
وقال مالك: لا يقضي وهو جائع.
وكان الشافعي يقول: "فإن كان إذا اشتكى، أو جاع، أو اهتم، أو حزن، أو بطر فرحاً تغير لذلك، لم أحب له أن يقضى فيه،
стр. 997
ولا يقضي ناعساً، ولا مغمور القلب من هم، ولا وجع يغير قلبه، وللقاضي أن يتخذ درة يؤدّب بها من استوجب الأدب، ويرهب بها السفيه، والظالم".
م ١٩٩٢ - وروينا عن عمر بن الخطاب أنه كانت له درة، وروينا عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: إذا رأيت الخصم يتعمداً الظلم فأوجع رأسه، وروينا عنه أنه قال: لا تدعن فلاحاً عن القضاء [١/ ١٩٤/ألف] ولا تستعملن رجلاً إذا رآه العاجز فرقه، وقد رأيت من يستحب أن يكون القائم على رأس القاضي خادماً يزجر من أدخل النساء اللواتي يتقد من إلى القاضي.
٦ - باب دعاء الخصم إلى القاضي
قال أبو بكر: وإذا ادعى الرجل على الرجل حقاً قبله، دعاه إلى القاضي، فإن امتنع بعث القاضي بعض أعوانه ليدعوه، فإن امتنع وتوارى عنه، سأل الخصم عما يدعي قبله، فإذا ادعى مالاً معلوماً، وأثبت عليه بنية عادلة، حكم له عليه بذلك المال في مال إن كان للمدعي عليه يصل إليه الحاكم، ودفع المال إليه، وإن لم يجد له مالاً ظاهراً يصل إليه، وثبتت البنية على أنه في منزله، فقد اختلف أصحابنا فيما يفعله الحاكم في أمره، فمنهم من رأى أن لا يحج عليه، ويختم على بابه، ويبعث إلى بابه رسولاً ومعه شاهدان، ينادي بحضرتها يا فلان بن فلان، القاضي فلان بن فلان يأمرك بالحضور مع خصمك مجلس الحكم، فإن قبلت وإلا لصبت لك وكيلاً،
стр. 998
وقبلت بنية عليك، يفعل ذلك ثلاث مرات، فإذا فعل ذلك أقام له وكيلاً، وسمع من شهوداً المدعي، وأمضى الحكم عليه، إلى أن يقدر على استخراج المال هذا قول يعقوب.
وكان أحمد ينكر الهجم، ويقول: لا يهجم عليه وشدد عليه حتى يظهر.
ورأى بعض أهل الحديث أن يوجه القاضي برجلين يثق بها، أو معها جماعة من الخدم، والنساء، ومعهم الأعوان بالباب لدخول الدار، ويدخل النساء، ثم الخدم، وتنحّى حرم المطلوب، فيصرون في بيت، ويفتش الدار، ثم يدخل النساء إلى البيت الذي فيه حرم المطلوب، فيفتشونه، فإن أصابوه أخرجوه إلى القاضي، يأتون المنزل بغتةً.
قال أبو بكر: وإذا كان المدعي عليه مريضاً لا يمكن حضور مجلس القاضي، بعث القاضي مع المدعي رجلاً من أمنائه، وبعث معه شاهدين من شهوده، وكتب اليمين على ما يجب أن يستحلف عليه، واستحلفه الأمين بحضرتها على ما يجب، فإن أمر بالمال أشهد الشاهدين على إقراره، فإن ادعى دعوى يجب النظر فيه، وكّل وكيلاً يحضر مع خصمه عند القاضي، ثم يحضر الوكيل والخصم عند القاضي لينظر فيه.
م ١٩٩٣ - وقد اختلفوا في المدعي عليه تكون امرأة، فقال بعضهم: إن كانت تبرز، وتخرج، أمر القاضي بإخراجها إلى مجلس [١/ ١٩٤/ب] الحكم، وإن كانت لا تخرج، وفي إليها من يستحلفها في منزلها، هذا قول أبي ثور.
قال أبو بكر: وقد رأيت في الحكام من يأمر بإخراج المرأة التي لا تخرج في مبارز، أو يأمر بإخراجها بالليل، ويتولى القاضي استحلافها.
стр. 999
وإن كان المدعي عليه مريضاً لا يمكنه الخروج إلى مجلس القاضي، بعث القاضي إليه إليه من يسمع منه مع خصمه، ويشد للقاضي بما يسمع منه.
٧ - باب الحكم باجتهاد الرأي
قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.
قال العطية العوفي: بما أراه الله في كتابه، وقال قتادة: بما أنزل الله عليك وبين لك.
(ح ٩٢٠) وروينا عن النبي- ﷺ أنه قال: إذا قضى الحاكم فاجتهد فأصاب فله
أجران، فإذا قضى فاجتهد فأخطأ فله أجر.
قال أبو بكر: وحديث بريرة عن النبي- ﷺ يدل على أن المجتهد المخطئ الذي له الأجر هو من كان عالماً بالأصول دون الجاهل الذي لا اجتهاد له.
وقد ذكرنا:
(ح ٩٢١) حديث بريرة عن النبي ﷺ أنه قال: القضاة ثلاثة قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاض قضى بغير الحق وهو يعلم فذاك في النار،
стр. 1000
وقاض قضى وهو لا يعلم فاهلك حقوق الناس فذلك في النار، وقاض قضى بالحق فذاك في الجنة.
م ١٩٩٤ - ثبت أن عبد الله بن مسعود قال: من عرض له منكم قضاء فليقض ما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه ﷺ ، ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه.
وقد روينا عن عمر أنه كتب إلى شريح بنحو هذا الكلام غير أنه قال: فإن لم يكن في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا فيما قضى به أئمة الهدى، فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد، وإن شئت أن تؤامرني، ولا أرى هو أمرتك إياي إلا أسلم لك.
وقد اختلف أهل العلم في كيفية الاجتهاد، فكان الشافعي يقول: "لا يجوز أن يقول: بما استحسناه، ولا بما خطر على قلوبنا، ولا يقوله إلا قياساً على اجتهاده على طلب الأخبار اللازمة".
م ١٩٩٥ - وقال أبو عبيد: "الاجتهاد عندنا هو الاختيار من المذاهب إذا اختلف وتضادّت لحسن التدبير، والتوقي لأقر بها إلى الرشد، والصواب، فإن عرض للحاكم ما ليس موجود بعينه في هذه الخصال يريد الكتاب والسنة، وما حكمت به الأئمة، والصالحون بالإجماع [١/ ١٩٥/ألف] والاجتهاد، كان للحاكم التشبيه بها والتمثيل عليها، وليس له مفارقتها كلها".
وقال أصحاب الرأي كقول الشافعي، وأبي عبيد في القول بالكتاب والسنة، قالوا فإن لم يجد فيما أتاه عن رسول الله- ﷺ ، نظر فيما أتاه عن
стр. 1001
أصحاب رسول الله- ﷺ ، وإن كان شيئاً قد اختلفوا فيه تحرر من أقاويلهم، واجتهد أحسنها في نفسه، وليس له أن يخالفهم جميعاً، ويشرع شيئاً من رأيه، وإن لم يكن القضاء في شيء من ذلك، اجتهد رأيه وقاس ما جاء عنهم.
وقال الشافعي: والعلم طبقات الأول: الكتاب، والسنة إذا ثبت، ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب، ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي- ﷺ ، ولا نعلم له مخالفاً منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب رسول الله- ﷺ : والخامسة: القياس على بعض هذه الطبقات.
وقال في موضع آخر: فأما أن يكون مستشيراً، فلم يجعل الله هذا لأحد بعد رسول الله ﷺ .
٨ - باب الحكم بالظاهر من الأمور
(ح ٩٢٢) ثبت أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا بشر، وأنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون هو ألحن في حجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار.
قال أبو بكر:
م ١٩٩٦ - "وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أخيار مما يحكم
стр. 1002
به الحاكم في الظاهر على أنه حرام (١) على المقضي له ما قضى له به مما يعلم أن ذلك حرام عليه، من ذلك أن يحكم له بالمال، أو يجرؤ أنه مملوك، أو يحكم له بالنقود على ما يعلم أنه برئ مما حكم به عليه ببيناتٍ تثبت" في الظاهر.
م ١٩٩٧ - واختلفوا في أشياء غير ذلك، فانفرد النعمان فقال: لو أن امرأة استأجرت شاهدين شهد إليها بالطلاق على زوجها، يحكم الحاكم بالفرقة، والمرأة تعلم بخلاف ما شهدت به البينة، والشاهدان يعلمان ذلك، أن لها أن تتزوج من شأن، وأن لا حد على أحد الشاهدين إن تزوجها.
وقد خالفه أصحابه، فقالوا: لا يحل للشاهدين أن يتزوجاها.
(ح ٩٢٣) وقد قال النبي- ﷺ للمتلاعنين بعد ذكر اللعان: الله يعلم أن أحدكم كاذب، فهل منكما تائب؟.
٩ - باب الخبر الدال على أن للحاكم أن يصلح بين الناس
قال الله جل ثناؤه: ﴿لَا [١/ ١٩٥/ب] خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية.
стр. 1003
(ح ٩٢٤) وثبت أن رسول الله- ﷺ انطلق إلى شيء كان بين الناس من الأنصار، وليصلح بينهم.
(ح ٩٢٥) وقال الصلح جائز بين المسلمين.
(ح ٩٢٦) وعرض على قوم وجب لهم القود حتى رضوا بالدية، وأصلح أمورهم على ذلك.
(ح ٩٢٧) وأوتي رسول الله- ﷺ في مواريث، وأشياء قد درست، فقال: اذهبا فتوخيا، ثم أستهمّا، ثم يحلل كل واحد منكما صاحبه.
م ١٩٩٨ - وممن روينا عنه أنه أصلح بين الخصوم، أو رأى للحاكم أن يصلح بين الخصوم شريح، وعبد الله بن عتبة، وعبيد الله بن الحسن، والشافعي، والكوفي.
стр. 1004
وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: دعوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصْل القضاء حدث بين القوم الضغاين.
وقال عطاء: لا يحل للإمام إذا تبين له القضاء أن يصلح بين من تبين له القضاء فيما بينهم، وكان أبو عبيد يقول: وإنما يسعه الصلح إذا كان كالذي في حديث أم سلمة يعني الأمور المشكلة، فأما إذا استشارت الحجة لأحد الخصمين على صاحبه الآخر، وتبين للحاكم موضع الظالم منهما من المظلوم، فليس بواسع له أن يحملهما على الصلح.
قال أبو بكر: ما قاله أبو عبيد حسن.
١٠ - باب القاضي يقضي بعلمه
م ١٩٩٩ - افترق أهل العلم في قضاء القاضي بعلمه، فقالت فرقة: لا يقضي بعلمه، هذا مذهب شريح، والشعبي، ومالك، وأحمد، وأبي عبيد.
وقالت فرقة: فيما علمه القاضي قبل أن يستقضى لا يحكم به، وما علم به بعد أن يستقضى حكم به، إلا الحدود، هذا قول النعمان، قال: لا يقضي في الغضب، والقذف، والبيع، والشراء، والطلاق، والنكاح، والقتل، وقال يعقوب ومحمد: يقضي بذلك كله ما علم به قبل أن يستقض، وعلم به في غير مضرة، فإنه يقضي بذلك كله، إلا الحدود.
وقالت فرقة ثالثة: إذا كان الحاكم عدلاً كان له أن يحكم بعلمه فيما علم به قبل الحكم أو بعده، وقبل أن يلي وبعد ما ولى، ذكر الربيع أن هذا قول الشافعي.
стр. 1005
وكان أبو ثور يقول: ذلك في حدود الله، وحقوق الآدمين.
قال أبو بكر: ومن أعلى حجة من قال هذا القول:
(ح ٩٢٨) خبر هند زوجة أبي سفيان فإن النبي ﷺ قضى لها ولولدها على أبي
سفيان بنفقتهم.
ولم يسألها على ذلك منه، لعلمه بأمرهم، وكذلك قوله:
(ح ٩٢٩) لا يمنع [١/ ١٩٦/ألف] أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه، أو سمعه.
(ح ٩٣٠) وفي حديث عبادة: وأن نقول بالحق حيث ما كان لا نخاف في الله لومة لائم.
م ٢٠٠٠ - واختلفوا في القاضي يعزل ثم يذكر بعد العزل أنه كان قضى لفلان على فلان بكذا، فكان الشافعي، وأصحاب الرأي يقولون: لا يقبل قوله حتى يأتي المقتضي له بشاهدين على أنه حكم لذلك قبل أن يعزل، وقال أصحاب الرأي: اثنان سواه.
стр. 1006
وقال الأزواعي، وابن أبي ليلى: هو بمنزلة شاهد واحد، وقال أحمد، وإسحاق: يقبل قوله، ليست هذه شهادة إنما هذا خبر علمٍ كان عنده.
١١ - باب القاضي يرفع إليه قاض كان قبله بخلاف رأيه، أويقضي بشيء ثم يتبين له بخلاف
م ٢٠٠١ - واختلفوا في القاضي يرفع إليه قضيّة قاض كان قبله، والحق عنده خلاف ما قضى به القاضي الأول، فكان الشافعي يقول: يوليه من ذلك ما تولى ولا يرد قضاءه، وقال علي في قصة أهل نجران: إن عمر كان رشيد الأمر، ولا أرد قضاءً قضى به عمر، وهذا قول شريح، ومالك، قال مالك: إلا أن يكون جوراً بنياً، وقال الشافعي: لا يرد قضايا من كان قبله إلا أن يكون قضاء بخلاف كتاب، أو سنة، أو إجماع، قال: إذا كان كذلك رده، ومال إلى هذا القول الثوري.
وقال أصحاب الرأي: إن كان مما يختلف فيه أمضاه، وإن كان خطأ لا يختلف فيه رد.
وفيه قول ثالث: وهو أن يرد كلما كان عنده خطأ، ولا يجوز أن ينفذ ما كان عنده غير حق، هذا قول أبي ثور.
م ٢٠٠٢ - واختلفوا في القاضي يقضي بالقضاء، ثم يرى بعد ذلك خلافه، فكان شريح يقول: يقضي فيما يستقبل بما رأى ولا يرد القضاء الأول.
وقال الشافعي، وأصحاب الرأي في هذا: كنحو من قولهم في التي قبلها.
وفيه قول ثالث، وهو أن يرد كلما بان له أنه خطأ، هذا قول مالك، وبه قال أبو ثور.
стр. 1007
١٢ - باب الخصمين يحكّمان بينهما رجلاً
م ٢٠٠٣ - واختلفوا في المتنازعين يحكمان بينهما رجلاً فيحكم بينهما، فكان الشعبي يقول: يلزمهما حكمه، وقال مالك: ذلك جائز إلا أن يكون حكم بينهما بالخطأ البين، فيفسح ولا يجوز، وبه قال عبد الملك، وقال الثوري: أراه جائزاً عليهما، وبه قال ابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق.
وقال النعمان: إذا قضى بينهما بخلاف [١/ ١٩٦/ب] رأى القاضي، أبطل حكمه.
١٣ - باب من يترجم عن لسان الأعجمي للقاضي
م ٢٠٠٤ - كان الشافعي يقول: لا تقبل الترجمة عنه يعني عن الأعجمي إلا بشاهدين عدلين يعرفان ذلك اللسان.
وفيه قول ثان: وهو أن المسلم إذا ترجم عنه واحد قبل منه، واثنان أحب إلى، ولا يقبل في ذلك كافر (١)، ولا مكاتب، ولا عبد، ولو قبل ترجمة امرأة بعد أن تكون حبرةً، مسلمة، عدلةً، فهو في سعة، ورجلان أو رجل وامرأتان أحب إلينا، هذا قول النعمان، ويعقوب.
وفيه قول ثالث: وهو أن لا يجوز في ذلك أقل من رجلين، أو رجل وامرأتان، هذا قول ابن الحسن.
قال أبو بكر: يقبل فيه شاهد واحد؛ لأن في:
стр. 1008
(ح ٩٣١) حديث زيد بن ثابت أن رسول الله- ﷺ أمر أن يتعلم كتاب اليهود،
قال: فكنت أكتب لهم إذا كتبوا إليه، وأقرأ له إذا كتبوا.
١٤ - باب من يجوز له أن يقضي له من الناس ومن لا يجوز قضاه له
قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الآية.
وقال لنبيه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الآية، وقد خاطب الحاكم فقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية.
قال أبو بكر: فاللازم على ظاهر هذه الآيات أن يحكم الحاكم بين جميع من تقدم إليه بالعدل؛ لأن الله أمره به، وأمره على العموم، فكل خصمين تقدّما إلى حاكم من حكام المسلمين، فعليه أن يحكم
стр. 1009
بينهما، وسواء كان أحد الخصمين والداً للحاكم، أو ولد، أو أخ، أو أخت، أو عم، أو خال، أو زوجة، هم وسائر الناس في ذلك شىء واحد.
(ح ٩٣٢) وقال النبي- ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، ولو كان له في ذلك مراد، لبين هذا القول الذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة.
وفيه قول ثان: وهو أن ليس للحاكم أن يحكم لولده، ولا لوالده، ولا لمن لا يجوز شهادته له، ويحكم لسائر الناس، هذا قول الشافعي.
وفيه قول ثالث: وهو أن قضاء القاضي لا يجوز لولده، ولا لولد ولده من قبل الرجال والنساء، ولا لابنه، ولا لأمه، ولا لجدٍ، ولا لجدة من قبل (١) الرجال والنساء، ولا لزوجته، ولا لعبد له، ولا لمكاتبه، ولا لأم ولده، ألا ترى أن شهادته لهم لا تجوز، فكان قضاءه لهم أولى، ويجوز قضاءه لسائر الناس، هذا قول أصحاب الرأي.
قال أبو بكر: وهذا قول يخالف قائله ظاهر الآيات الثلث اللواتي بدأنا بذكرها، ويخالف [١/ ١٩٧/ألف] السنة الثابتة:
(ح ٩٣٣) لأن النبي- ﷺ حكم لعائشة بنت أبي بكر الصديق، وهي زوجته، على الذين رموها بالقذف، وضربهم الحد، لما تبين ذلك في حديث عمرة عن عائشة.
م ٢٠٠٥ - ولا يظن ظان أن رد شهادة الوالد لولده، والولد لوالده إجماع، فقد
стр. 1010
روينا عن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز أجازه ذلك، وأجاز أياس بن معاوية شهادة رجل لابنه، وبه قال أبو ثور، والمزني، وقد ذكرت هذا أبي الباب لحججه في المختصر الكبير، وفي كتاب الأوسط.
١٥ - باب وجوب الغرم على الحاكم فيما أخطأ به من مال أوقتل أو جراح
م ٢٠٠٦ - واختلفوا في الحاكم يخطئ فيقضي بغير الحق، فكان الليث بن سعد يقول: ليس عليه غرم، ولكن يتبع المقضي عليه صاحبه بماله.
وفيه قول ثان: وهو أن عليه القود فيما يجب فيه القود، إن أقر به أنه حكم بجواز ذلك قول مالك، وقال المزني: عليهم الفدية والغرم لكل شيء أكرموا عباد الله عليه في أنفسهم، وأموالهم، وقد ألزم عمر نفسه الدية في المرأة التي بعث إليها، فألقت ولدها من خوفه.
م ٢٠٠٧ - واختلفوا فيما يخطئ به الإمام من قتل، أو جراح، فقال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: هو على بيت المال.
وفيه قول ثان: وهو إن ذلك على عاقلة الإمام، هذا قول الشافعي.
١٦ - باب كتاب القاضي إلى القاضي
م ٢٠٠٨ - أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن القاضي إذا كتب إلى قاضٍ آخر بقضية قضى بها على ما يجب، ببينة عادلة، وقرأ الكتاب على شاهدين، وأشهدهما على ما فيه، فوصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، وشهد شاهدان عدلان عنده، أنّ على المكتوب إليه، أنّ على المكتوب إليه قبول
стр. 1011
كتابه إذا كان ذلك في غير حدٍ.
م ٢٠٠٩ - واختلفوا فيه إن يبعث بالكتاب معهما مختوماً، ولم يعرفهما ما فيه، ولا قرأ عليهما، فقالت طائفة: يقبله وإن لم يقرأه عليهما ويعرفهما ما فيه، هذا مذهب مالك فيما حكاه عنه أشهب، وحكى عنه ابن وهب أنه قال: لا ينبغي اليوم أن يجاب بكتاب قاض إلى قاضي، حتى يكون مع الكتاب رجلان يشهدان أن القاضي أشهدهما على ما فيه.
وقد روينا عن جماعة من قضاة البصرة الحسن البصري، وسوار، وعبد الله بن الحسن، ومعاذ الأنصاري أنهم رأوا قبول كتاب قاضي إلى قاضي، وحكى ذلك عن ابن أبي ليلى.
وقالت طائفة: "يقبل كتاب القاضي إلى قاضي، ولا يقبل إلا شاهدين عدلين ليقرأه [١/ ١٩٧/ب] عليهما ويشهدان على ما فيه، وقال: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان، فإذا اشهدا على ذلك قبله، وإن لم يشهدا على هذا لم يقبله" هذا قول الشافعي.
وقال النعمان: لا يقبل حتى يشهد شاهداً عدلٍ على خاتم القاضي، وعلى ما في الكتاب كله، لأنه حق، وهو مثل شهادة على شهادة، وقال أبو ثور نحو ذلك.
وقد احتج من أجاز ذلك، وإن لم يقرأ على الشاهد، وإن لم يثبت بذلك بينة:
(ح ٩٣٤) بخبر الضحاك بن سفيان (١) قال: كتب إلى رسول الله- ﷺ أن أورث
стр. 1012
امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فأخذ به عمر.
وبقول أبي وائل جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بخانقين: إذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد شاهدان أنهما أهلاه بالأمس عشية.
١٧ - باب كتاب القاضي يصل وقد مات المكتوب إليه وولي غيره
م ٢٠١٠ - واختلفوا في القاضي المكتوب إليه يموت قبل وصول الكتاب ويلي غيره، فروينا عن الحسن البصري أنه قبل كتاب قاضي البصرة إلى إياس بن معاوية في الكوفة، وقد غزل إياس فأمر الحسن وقد ولي بعده، بإنقاذ ما فيه.
وقال الشافعي: يقبله ولا يمنع من قبوله بموته ولا عزله، لأنه يقبل ببينة كما يقبل حكمه، وقال أصحاب الرأي: إذا مات القاضي الذي كتب الكتاب فإنه لا ينبغي لهذا القاضي الذي لم يأته الكتاب إلا بعد موت ذلك القاضي أن يجيزه، وكذلك الجواب في عزله، فإن وصل كتابه إلى هذا القاضي، ثم مات، أو عزل بعد ما وصل كتابه إليه، فإن هذا القاضي بمضيه.
стр. 1013
وقال أبو ثور كما قال الشافعي، فإذا كتب القاضي: إلى من بلغه كتابي هذا من قضاة المسلمين فمن أقام عنه البينة من قضاة المسلمين أجاز ذلك، وهذا بمنزلة الحكم، هذا قول أبي ثور.
وقال النعمان: لا يجوز ذلك، وقال يعقوب: أستحسن أن أجيز ذلك، وأنفذه.
١٨ - باب كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود
م ٢٠١١ - واختلفوا في كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود، فكان أبو ثور يجيز ذلك في الحدود كلها، قال: وهذا على مذهب أبي عبد الله يعني الشافعي، وبه قال ابن القاسم صاحب مالك.
وقال الشافعي بمصر فيها قولان: أحدهما أن ذلك جائز، والآخر لا يجوز.
وقال أصحاب الرأي: لا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود.
قال أبو بكر: الأول أصح [١/ ١٩٨/ألف].
١٩ - باب ما يجوز إنفاذه من كتب القضاة في الشيء بعينه
م ٢٠١٢ - واختلفوا فيما ينفذ من كتب القضاة فيما يقضون فيه من الشيء بعينه، فكان الشافعي يقول: "وإذا أقام الرجل البينة على عبد موصوف، أو دابة موصوفة له ببلد آخر، وأحلفه القاضي أن هذا العبد، أو هذه الدابة لعبده أو دابته، يعني ملكك، وكتب بذلك كتاباً من بلد من البلدان، فأحضر عبداً بتلك الصفة، فالقياس أن لا
стр. 1014
يحكم به، حتى يأتي شهود الموضع الذي فيه تلك الدابة، فيشهدوا عليها".
وبه قال النعمان، ومحمد.
وقال بعضهم: يختم في عنقه، ويؤخذ مه كفيلاً، ثم يبعث به إلى القاضي الذي كتب الكتاب فيه، حتى يشهد الشهود عليه بعينه، ثم يكتب القاضي كتاباً آخر على ذلك، فيبرأ كفيله ويقضى له بالعبد.
٢٠ - باب القضاء على الغائب والاختلاف فيه
م ٢٠١٣ - واختلفوا في القضاء على الغائب، فممن كان لا يرى القضاء على الغائب شريح، وروى ذلك عن عامر، وابن القاسم، وبه قال ابن أبي ليلى، والنعمان، ويعقوب.
وفيه قول ثان: وهو أن القضاء على الغائب جائز، وممن رأى ذلك مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسوّار، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، والمزني، وبه نقول.
قال أبو بكر: وقد حكم النبي ﷺ على أبي سفيان بنفقة ولده، وأبو سفيان ليس بحاضر، ولم ينتظر حضوره، وقد ذكرت ذلك في المختصر الكبير، والأوسط، ما يدخل على من خالف ما ذكرناه، وقلناه، ومما خالف أهل الكوفة أصولهم وحكموا بخلاف قولهم، حكمهم على رجل غاب عن بلده وترك زوجة له، وأولاداً أطفالاً أن نفقتهم من ماله.
стр. 1015
٢١ - باب الحكم بين أهل الكتاب
م ٢٠١٤ - اختلف أهل العلم في الحكم بين أهل الكتاب، فقالت طائفة: الإمام مخيّر إن شاء حكم بينهم، وإن شاء تركهم، وحكامهم، فممن رأى أن الإمام بالخيار عطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن البصري، والنخعي، ومالك، وأبو ثور.
واختلف قول الشافعي في هذه المسأله فكان يقول إذ هو بالعراق: كما قال مالك، وقال في كتاب الجزية: قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية، قال فكان الصغار، والله أعلم أن يجري عليهم حكم الإسلام قال: "إذا وادع الإمام قوماً من أهل الشرك، ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاءوا متحاكمين، فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم، أو يدع [١/ ١٩٨/ب]، الحكم، وليس للإعلام الخيار في أحد من المعاهدين الذي عليهم الحكم، إذا جاءوه في حدٍ لله، وعليه أن يقيمه".
وقالت طائفة: إذا تحاكموا إلينا، فعلى الإمام أن يحكم بينهم، وتستحب هذه الآية ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. روينا هذا القول عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والشعبي،
стр. 1016
والنخعي، وعطاء الخراساني، وقتادة، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي.
وقال سعيد بن جبير في أهل الذمة: إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين فليحكم بينهم بكتاب الله، وبه قال الزهري.
واحتج بعض من رأى أن الإمام بالخيار إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم بأخبار رويت عن الأوائل أن المائدة لم ينسخ منها شيء.
قال أبو بكر: فالحكم بينهم وترك ردهم، أحب إلي، لأن في ذلك منعاً للظالم من الظلم، ودفعاً عن المظلوم، وكما انصرهم من غيرهم إذا أرادهم، كذلك أنصر المظلوم منهم من الظالم.
٢٢ - مسائل من هذا الباب
م ٢٠١٥ - اختلف أهل العلم في الكتابي يأتي إلى الإمام دون خصمه ليدعو (١) خصمه فينظر بينهم، فقالت طائفة: لا ينظر بينهم حتى يأتي الخصمان جميعاً، هذا قول مالك، ولعل من حجته أن يقول: قال الله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ الآية ولم يقل: فإن جاءك أحدهما.
وقالت طائفة: يحكم على الغائب إذا جاء أحدهما، هذا قول الأوزاعي.
قال أبو بكر:
م ٢٠١٦ - وإذا كان البيع الحرام بين المسلم والنصراني، فإن كل ما يجب فسخه بين المسلمين، فإنه يفسخ بين النصراني والمسلم، ولا يجاز بينهما إلا ما
стр. 1017
يجاز بين المسلمين، هذا قول مالك، والشافعي، والكوفي، وقال مالك في أهل الذمة: يؤدبون إذا أظهروا الربا.
قال أبو بكر:
م ٢٠١٧ - وإذا اختصم أهل الذمة ويحاكموا إلى قاضي المسلمين، حكم بينهم بحكم الإسلام في قول مالك، والشافعي، وبه قال الكوفي، إلا بيع الخمر، والخنازير، فإنه يجيز بينهم ذلك، قال: لأنهم يستحلون ذلك.
قال أبو بكر: وهذا خلاف ظاهر القرآن ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، والقسط: حكم الله الذي أنزل على رسوله.
قال أبو بكر:
م ٢٠١٨ - وإذا تزوج ذمي ذمة في دار الإسلام في عدة، فالنكاح جائز في قول النعمان.
ولا يجوز في قول الشافعي، ويعقوب، إذا استعدى أحدهما على الآخر، وكذلك إن أسلما، فيفرق يعقوب بينهما.
وإذا تزوجها بغير شهود فهو جائز في قول الشافعي، والنعمان، ويعقوب.
٢٣ - باب أرزاق القضاة
م ٢٠١٩ - اختلف أهل العلم في أرزاق القضاة [١/ ١٩٩/ألف] فكرهت طائفة
стр. 1018
أخذ الأرزاق على القضاء، روينا عن عبد الله بن مسعود أنه كره لقاضي المسلمين أن يأخذ القاضي على القضاء أجراً، وبه قال الحسن البصري، والقاسم.
وقال الشافعي: إن أخذ جعلا لم يحرم عليه عندي، وقال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً، فإن كان فيقدر عمله.
ورخصت فيه طائفة وممن رخص فيه ابن سيرين وشريح.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه استعمل ابن مسعود على بيت المال، وعمار بن ياسر على الصلاة، وان حنيف على الجند، ورزقهم كل يوم شاة، شطرها لعمار، وربعها لأبن مسعود، وربعها لابن حنيف، ورخص في ذلك إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد.
قال أبو بكر: الأولى، والأسلم ترك الدخول في القضاء استدلالاً بحديث:
(ح ٩٣٥) ابن عمر أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على عمل، فقال يا رسول الله: جُزَّ لي، قال: احبس والزم بيتك.
قال أبو بكر: ولا شك أن الذي أشار به النبي ﷺ أسلم وأعفّ، فإن يلي رجل بأن يلي القضاء، وكان مستغنياً، فأفضل له أن يحتسب ويعمل لله، فإن احتاج أن يرزق على قدر عمله من مال الفيء، وليس له أن يأخذ من أموال الصدقات، ولا من الغنائم.
стр. 1019
٢٤ - باب القاضي يجد في ديوانه شهادة شهود شهدوا عنده على أمر ولا يحفظه
م ٢٠٢٠ - اختلف أهل العلم في القاضي يجد في المكان الذي يجوز فيه كتبه، شهادة شهود قد شهدوا عنده بحق لرجل على آخر، وقد وجد الإثبات بخطه ولا يذكر ذلك، فكان الشافعي يقول: "إذا لم يحفظها ولا معناها، فلا يقبلها [بالخاتم الذي] (١) فقد بغير الكتاب".
وقال النعمان: لا يقضي إلا أن يذكره. وقال مالك: لا ينفع طابع القاضي ولا علامته، إلا بشهداء أحياء يشهدون.
وقال يعقوب، ومحمد: إذا وجد القاضى في ديوانه صحيفة فيها شهادة شهود، ولا يحفظ أنهم شهدوا عنده بذلك، فإنه يقضي في ديوانه بعد أن يكون يضعه على ما وضعت في قمطرة، وبخاتمه، وشده، ونفره، وإلا أضر ذلك بالناس.
٢٥ - باب صفة كاتب القاضي
(ح ٩٣٦) قد ذكرنا فيما مضى عن زيد بن ثابت أن رسول الله- ﷺ أمره أن يتعلم كتاب يهود فقال: كنت أكتب لهم إذا كتبوا، وأقرأ لهم إذا كتبوا.
قال أبو بكر:
стр. 1020
م ٢٠٢١ - فاتخاذ الكاتب مباح وتركه أسلم لمن يكتب [١/ ١٩٩/ب] فإن اتخذ كاتبا يتخذه ذميا، ولا يكون إلا عدلا فطنا ممن تقبل شهادته، وهذا مذهب الشافعي، والكوفي.
٢٦ - باب الرشوة والتغليط فيه
(ح ٩٣٧) ثبت أن رسول الله- ﷺ لعن الراشي، والمرتشي في الحكم.
م ٢٠٢٢ - وسئل ابن مسعود عن أيرشى في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.
وقال النخعي: الرشوة في الحكم سحت. وقال سعيد بن جبير في السحت: هو الرشاء. وقال مجاهد: هي الرشوة في الحكم.
وقد روينا عن عطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والحسن البصري أنهم قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه، وماله إذا خاف الظلم، وقال جابر بن زيد: ما رأينا في زمان زياد أنفع لنا من الرشاء. وقال أحمد في الرشوة: أرجو إذا كان يدفع الظلم عن نفسه، وكان الشافعي يقول: أكره للقاضي الشرى والبيع، والنظر في النفقة، وفي ضيعته.
قال أبو بكر: ويكره للقاضى أن يفتى في الأحكام إذا سئل عن ذلك.
كان شريح يقول: إنما أقضى ولا أفتى.