ج- التَّداخل في النّاقص:
هذا هو النّوع الثّالث من المعتلاَّت؛ وهو النّاقص؛ والقسمة الجامعة فيه على النّحو التّالي:
١- التّداخل بين النّاقص والنّاقص.
٢- التّاداخل بين النّاقص واللّفيف.
أمّا التّداخل بين النّاقص والمثال، والنّاقص والأجوف، فقد تقدّما١.
أوّلاً- التّداخل بين النّاقص والنّاقص:
ويكثر هذا النّوع من التّداخل لأسبابٍ؛ من أهمّها٢:
١- طبيعة الصّوتين: الواو والياء، وقدتقدّمت الإشارة إلى ذلك٣.
٢- المعاقبة بين الحرفين.
٣- اللّغات.
٤- اختلاف الرّواية.
وتجدر الإشارة - هنا - إلى أنّ القطع بالأصل في تداخل النّاقص والنّاقص أمرٌ في غاية الصّعوبة، والأغلب فيه الاعتماد على التّرجيح؛ ولاسيّما فيما ورد بالمعاقبة، أو ما جاء فيه لغتان.
стр. 317
ولعلّ ذلك ما حمل بعض المعجّمين على أن يقولوا في بعض الكلمات النّاقصة: إنّها بالواو والياء؛ دون ترجيحٍ؛ على الرّغم من أنّ الكلمة الواحدة ليس لها إلاّ أصلٌ واحدٌ؛ ألا ترى إلى قول ابن سيده: "كَرَا الأرض كرْواً: حَفَرَها؛ وقد تَقَدَّم ذلك في الياء؛ لأنّ هذه الكلمة يائيّةٌ وواويّةٌ "١، وقال مثل ذلك في غير موضعٍ٢.
ومثل ذلك كثير في (اللّسان) ٣.
وثَمَّة مقياسٌ بين الأصول يصلح لهذا النّوع من التّداخل؛ وهو حمل ما جُهل أصله؛ ولم يظهر في الاشتقاق ممّا انقلب عن حرف علّةٍ - كالألف والهمزة المتطرّقة - على الأكثر؛ وهو الياء؛ كما تقدّم٤.
وفيما يلي بيان التّداخل في هذا النّوع؛ من خلال بعض الأمثلة:
فمن ذلك تداخل الأصلين (ط غ و) و (ط غ ي) في قوله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ ٥، وهو مصدر الثّلاثيّ (طَغَى) ومعناه: جاوز القَدْرَ وارتفع وغلا في الكفر، وللعلماء في أصله قولان:
الأوّل على أنّه من (ط غ ي) قال الزّجّاج: "أي بطغيانها، وأصل
стр. 318
طغواها: طغياها، و (فَعْلَى) إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واواً؛ ليفصل بين الاسم والصّفة. تقول: هي التّقوى، وإنّما هي من: اتّقَيْتُ١، وهي: البقوى، وإنّما هي من: بَقِيتُ (هكذا) وقالوا: امرأةٌ خَزْيا؛ لأنّها صفةٌ "٢.
وقد عَدَلَ بطَغْوَى من الطُّغيان لمشاكلة رؤوس الآيات، وهي الفواصل، وممّن كان يرى ذلك: الفرّاء٣ وابن خالويه٤. وأمّا قلب الياء واواً فقد جاء للفصل بين الاسم والصّفة في (فَعْلَى) كما قالوا: التّقوى والبقوى والشّروى٥.
والقول الثّاني على أنّه من (ط غ و) وقد نقل ذلك أبو عليّ بقوله: "وحكى أبو الحسن: طَغَا يطغو؛ فهي على هذا تكون كالدّعوى من دَعَوْتُ "٦.
وحكاها العكبريّ حين قال: "ومن قال: طَغَوتُ كانت الواو أصلاً
стр. 319
عنده"١.
وأوردوا على هذا الأصل: طَغَوتُ أطغو، ومنه (الطُّغْوَان) والطّغْوَى٢، بغير قلبٍ؛ على الأصل.
وقد ذكره ابن سِيده في الموضعين٣، وذكره الرّاغب٤ في اليائيّ، وذكره السّمين٥ في الواويّ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ر ع ي) و (ر ع و) في (الرّعْوَى) من قولهم: (ارْعَوَى) ارْعِوَاءً؛ أي: كفَّ عن الجهل أو القبيح؛ وهو حسن الرّعوة والرّعوى.
و (ارْعَوَى) من الأبينة الّتي تحتمل أكثر من وزنٍ، لتداخل الأصول فيها:
قال الخيّاط٦: (أقمت سنين أسأل عن وزن: ارْعَوَى؛ فلم أجد
стр. 320
من يعرفه) ١ وذكر أنّ وزنه له فرعٌ وأصلٌ؛ فأصله (افعلّ) مثل: احمرّ؛ كأنّه (ارْعَوَّى) فعدلوا عن ذلك؛ لأنّ الواو المشدّدة لم تقع آخر الماضي، ولا المضارع، وتقديره قبل القلب (ارْعَوَوَ) فانقلبت الواو الأخيرة؛ لأنّها خامسةٌ، ثمّ انقلبت ألفا؛ ً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
أمّا فرعه، أعني (ارْعَوَى) فيحتمل وزنين:
(افْعَلَلَ) ، وهو الأقيس.
و (افْعَلَى) .
وقد اختلفوا في أصله؛ لاختلافهم في اللاّم:
فمنهم من جعله من (ر ع و) ومن هؤلاء: أبو عليّ الفارسيّ، إذ ذهب إلى أنّ الواو فيها أصلٌ غير منقلبةٍ؛ لقولهم: ارْعَوَيْتُ٢.
وجعله الفيروزاباديّ٣ من هذا الأصل.
ومنهم في جعله من (ر ع ي) كالأزهريّ٤، وابن منظورٍ٥.
ووضعه بعضهم في الموضعين؛ كابن فارسٍ؛ إذ جعله من اليائيّ في
стр. 321
(المقاييس) ١، ومن الواويّ في (المُجْمَل) ٢، وهو دليلٌ على خفاء الأصلين. وحمله على اليائيّ أولى لما تقدّم من أنّها غالبةٌ على اللاّم.
ومن التّداخل بين النّاقص والنّاقص أنّ (سُدًى) في قوله : ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٣، أي: مهملاً غير مأمورٍ، وهي صفةٌ مشبّهةٌ؛ على وزن (فُعَل) في موضع نصبٍ على الحاليّة – تحتمل الأصلين (س د و) و (س د ي) وقد اختلفوا فيه:
فمنهم من ذهب إلى أنّه (س د و) قال ابن فارسٍ: "السّين والدّال والواو أصلٌ واحدٌ؛ يدلّ على إهمالٍ وذهابٍ على وجهٍ "٤.
وممّن عدّها من هذا الأصل: الأزهريّ٥، والجوهريّ٦، وابن منظورٍ٧، والعكبريّ الّذي كان يقول: إنّ الألف في سُدًى مبدَلَةٌ من واوٍ٨.
стр. 322
وفريقٌ كان يرى أنّ الأصل (س د ي) ومنهم: السّمين١؛ إذ جعلها في اليائيّ.
وليس في قولهم: أَسْدَيْتها؛ أي: أهملتها ما يقطع بالياء، لاحتمال أن تكون منقلبةً عن الواو؛ كقولهم: أَرْبَيْت الشّيْء؛ وهو من: رَبَا يربو؛ إذا زاد ونما؛ لأنّ الواو تُقْلَب ياءً؛ إذا تطرّفت رابعةً فصاعداً.
ويتداخل (أض و) و (أض ي) في (الأَضَاة) وهي: الغَدِير.
وللعلماء في أصلها رأيان:
الأوّل أنّه (أض و) وذكر ابن سِيدَه أنّ هذا رأي الجمهور؛ بدليل قولهم في الجمع: (أَضَوَاتٌ) ٢.
الثّاني على أنّه من (أض ي) وقد حكى ابن سِيدَه - كما نقل ابن منظورٍ - أنّ سيبويه حمله على الياء، وأنكره ابن سِيده بقوله: "ولا وجه له عندي البتّة ٣؛ لقولهم: أَضَوَات، وعدم ما يستدلّ به على أنّه من الياء"٤.
وأجاز ابن سِيدَه في توجيهه أن يكون (أَضَاةٌ) (فَلْعَة) من قولهم:
стр. 323
آضَ يئيضُ، على القلب؛ قال: "لأنّ بعض الغدير يرجع إلى بعضٍ؛ ولا سيّما إذا صفّقته الرّيح "١.
ومن ذلك تداخل الأصلين (أل و) و (أل ي) في قوله : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ ٢.
وقد اختلفوا في معناه: فمنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يَحْلِف، ومنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يُقَصِّر في الجَهد، قال الفرّاء: هو من الحَلْف٣، وكذلك عند أبي عُبيدة٤، والزَّجَّاج٥، والعُكبريّ٦. ووزنه عندهم قبل الحذف (يَفْتَعِل) من أَلَيتُ، أي: حَلَفْتُ، فأصله حينئذٍ (أل ي) وهو بعد الحذف (يَفْتَع) ، قال الرَّاغب: "وردّ هذا بعضهم بأنّ (افْتَعَلَ) قلّما يبنى من (أَفْعَلَ) إنّما يبنى من (فَعَلَ) وذلك مثل: كَسَبْتُ واكْتَسَبْتُ، وصَنَعْتُ واصْطَنَعْتُ، ورأيت وارْتَأَيْتُ "٧.
وما ذكره محمول على أنّه مأخوذٌ من (آلَيْتُ) (أفْعَلْتُ) ولا مانع
стр. 324
من أخذه من (أَلَيتُ) (فَعَلْتُ) وقد نصّ بعضهم على أنّه من هذا١.
وهو - وإن كان بمعنى الحلف - يحتمل الأصلين: (أل ي) لقولهم: أَلَيْتُ وآليْتُ؛ كما تقدّم، و (أل و) لقولهم: (الأَلْوَةُ، والإِلْوَةُ، والأُلْوَة: اليمين) ٢.
وذهب بعضهم إلى أنّ (لا يأتلِ) بمعنى: لا يُقَصِّر في الجَهد؛ من قولهم: ما أَلَوْتُ جَهْداً، إذا لم تدّخر منه شيئاً٣، وقد أشار إلى هذا أبو عبيدة بقوله: "وله موضعٌ آخر من أَلَوتُ بالواو"٤، ورجّح السّمين هذا من وجهٍ بقوله: "وقد يترجّح ما قال أبو عبيدة من حيث الصّناعة؛ وذلك بأنّ يَأْتَلي (يَفْتَعِل) و (افْتَعَلَ) قليلٌ من (أَفْعَلَ) وإنّما يكثر من (فَعَلَ) نحو: كتب واكْتَتَبَ، وصَنَعَ واصْطَنَعَ؛ فأخذه من: أَلَوْتُ، موافقٌ للقياس "٥.
وإن صحّ أنّه من (أَلَوْتُ جَهْداً) فهو من (أل و) فيكون الأصل في (يَأْتَلي) : (يَأْتَلِوُ) تطرّفت الواو لاماً بعد كسرٍ؛ فقلبت ياءً، فصار (يَاْتَلِيُ) فاستثقلت الضّمّة على الياء فحذفت، ثمّ حذفت الياءُ للجزم٦.
стр. 325
ويُرجّح المعنى الأوّل قراءة من قرأ ﴿ولا يَتَأَلّ﴾ ١ لأنّ معناه: "لا يحلفوا على أن لا يُحسنوا إلى المستحقّين للإحسان "٢ ووزنها (يَتَفَعَّل) كما قال ابن جني٣، وينبغي أن يُنَبَّه على أن وزنها (يَتَفَعَّلُ) قبل الحذف، أمّابعد الحذف فوزنها (يَتَفَعَّ) .
ويجوز أن يحمل (لا يَتَأَلَّ) على (يَتَفَعَّل) من (أل ل) على أن يكون قبل الجزم (يَتَأَلَّلُ) ؛ فيكون من باب قَصَّيتُ أظفاري وتَقَضَّى، من قولهم: قصّصت وتقضَّض، والمعنى يجيز هذا الأصل؛ لأنّه قيل: إنّ (الإلّ) العهد٤ فيكون موافقاً للمعنى الأوّل للآية.
وبالجملة؛ فإنّ التَّداخل في قوله : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ شديدٌ؛ فإن كان بمعنى (لا يَحْلِفُوا) فإنّه يحتمل الأصلين، وإن كان بمعنى (لا يقصّروا) فإنّه من (أل و) والآية الكريمة تحتمل المعنيين؛ كما ورد في كتب التّفسير٥.
ويتداخل (د م و) و (د م ي) في الدّم؛ وقد حذفت لامه؛ وهو
стр. 326
حرف علّةٍ؛ لثقل الحركة على حرف العلّة فيه؛ فحذفت طلباً للخفّة، وقد اختلفوا في لامه على فريقين١:
فريقٌ يرى أنّ لامه المحذوفة واوٌ؛ فأصله (د م و) وهم الأكثرون عند الأنباريّ٢.
والدّم عند هؤلاء أصله: (دَمْوٌ) بالتّحريك؛ وإنّما قالوا: دَمِيَ يَدْمَى؛ لحال الكسرة التي قبل الياء؛ كما قالوا: رَضِيَ يَرْضَى؛ وهو من الرّضوان٣.
ويرى الفريق الآخر أنّ أصله (د م ي) فالمحذوف ياءٌ لا واوٌ، وأصله (دَمَيٌ) وذكر الزّجّاج٤ أنّ هذا هو قول أكثر النّحويّين؛ وهو نقيض ما حكم به الأنباريّ؛ وهو الأعرف عند ابن الشّجريّ٥.
ودليل هذا الفريق قولهم: دَمِيَتْ يده٦، وقول الشّاعر:
فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ٧
стр. 327
وحكى الجوهريّ١ أنّ سيبويه كان يرى أنّه (دَمْيٌ) بسكون العين، ويستدلّ بجمعه على: دماءٍ ودُمْيٍ، مثل ظَبْيٍ وظِبَاءٍ وظُبْيٍ، ودَلْوٍ ودِلاَءٍ ودُلْيٍ، ولو كان مثل: عَصًا وقَفًا، لما جمع على ذلك.
غير أنّ ما في (الكتاب) يختلف قليلاً عمّا ذكره الجوهريّ؛ ولم أجد فيه دليلا ً على أنّ المحذوف (ياءٌ) فليس فيه أنّ (دَمًا) بالياء؛ كما نقل الأزهريّ؛ وكلام سيبويه ثَمَّ يدور على تكسير ما جاء على حرفين؛ ممّا أصله ساكن العين على (فَعْلٍ) ، ومن أمثلته (ظَبْيٌ) و (دَلْوٌ) والأوّل يائيٌّ والثّاني واويٌّ.
ولعلّه في موضعٍ من (الكتاب) لم أهتد إليه؛ والّذي تبيّنته فيه أنّ سيبويه كأنّه متردّدٌ بين الواو والياء في أصل (دَمٍ) إذ قال: في كلامه في التّصغير: "هذا باب ما ذهبت لامه، فمن ذلك دمٌ، تقول: دُمَيٌّ؛ يدلّك: دماءٌ؛ على أنّه من الياء أو من الواو "٢.
وليس في قولهم في تثنيته: (دَمَيَانِ) دليلٌ عند بعض العلماء؛ ومنهم ابن يعيش٣ الّذي كان يرى أنّ بعض العرب يقول في اليد والدّم: يدًى ودمًى بالقصر في كلّ الأحوال كـ (رَحًى) و (فَتًى) وعلى ذلك جرى
стр. 328
قول الرّاجز:
يارُبَّ سَارٍ بَاتَ مَا تَوَسَّدَا ... إلاَّ ذِرَاعَ العَنْسِ أو كَفَّ اليَدَا١
وقول الشّاعر:
فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا لَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا٢
وتثنيتهما على هذه اللّغة: يَدَيَانِ ودَمَيَانِ؛ مثل: رَحَيَانِ٣ وفَتَيَانِ.
وبالجملة؛ فإنّ (الدّم) يحتمل الأصلين: (د م ي) لقولهم في التّثنية (دَمَيَانِ) وفيه ما ذكره الجوهريّ٤.
والرّاجح أن يكون الأصل (د م ي) لغلبة الياء على الواو لاماً٥، وقال المبرِّد: (اعْلَم أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْن، وَلاَ يُدْرَى مَا أَصْلُهُ الّذِي حُذِفَ مِنْهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي التَّصْغِيرِ وَالجَمْعِ أَنْ تُثْبَتَ فِيْهِ اليَاءُ؛ لأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْذَفُ مِنْ هَذَا اليَاءُ وَالوَاوُ؛ وَاليَاءُ أَغْلَبُ عَلَى الوَاوِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّمَا
стр. 329
القِيَاسُ عَلَى الأَكْثَرِ) ١.
ويتداخل الأصلان (ق هـ و) و (ق هـ ي) في (القَهَة) وهي من أسماء النَرْجِس، وتحتمل الأصلين: ذكرها ابن سِيدَه٢ في (ق هـ ي) وذكر أنّها تحتمل أن تكون من الواو؛ ولذلك أعادها هناك٣.
وذكرها ابن منظورٍ٤ في (ق هـ ي) ونقل عنهم أنّها تحتمل الأصلين.
وليس ثَمَّ ما يرجَّح به، إلا الحمل على الأكثر، وهو الياء لاماً، ولا سيّما أنّ الأصلين الواويّ واليائيّ مستعملان؛ كما في (المُحكَم) و (القاموس) .
стр. 330
ثانياً- التّداخل بين النّاقص واللّفيف:
هذا النّوع هو الثّاني من أنواع التّداخل في النّاقص، والتّداخل فيه أقلّ حدوثاً من النّوع السّابق.
فمنه تداخل (ق ت و) و (ق وو) في (اقْتَوَتْهُ) من حديث عطاء بن السّائب وسؤاله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن "امرأة كان زوجها مملوكاً فاشترته؛ فقال: إن اقْتَوَتْه فُرِّق بينهما، وإن أعتقته فهما على نكاحهم "١. وقد فُسِّر (اقْتَوَتْه) باسْتَخْدَمَتْه، وهو يحتمل الأصلين:
أن يكون من (ق ت و) والقَتْوُ: الخدمة؛ يقال: قَتَوتُ أَقْتُو قَتْواً ومَقْتًى، وقيل: القَتْوُ حسن خدمة الملوك، ومنه قول الشّاعر:
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ لاَ ... أُحْسِنُ قَتْوَ المُلُوكِ والخَبَبَا٢
ذكر الزّمخشريّ أنّه (افْعَلّ) من القتو؛ وهو:الخدمة؛ كارْعَوَى من الرّعْوَى٣؛ ومراده أنّه (اقْتَوَى) قبل اتّصال الضّمير؛ كأحد الوجهين في (ارْعَوَى) ، فلمّا اتّصل الضّمير حذف الألف لالتقاء السّاكنين، فصار وزنه - حينئذٍ - (افْعَلَتْ) وفيه نظرٌ؛ لأنّ (افْعَلَّ) لم يجئ متعدّياً، والّذي سُمِعَ (اقْتَوَى) بمعنى: صار خادماً، وعليه قول عمرو بن كلثوم:
стр. 331
تَهَدَّدْنَا وَأَوْعِدْنَا رُوَيْداً ... مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينَا١
وجعله جماعةٌ من العلماء من هذا الأصل؛ أعني (ق ت و) ومنهم:
ابن الأثير٢، وابن سِيدَه٣، وابن منظورٍ٤.
ويجوز أن يكون أصله (ق وو) ووزنه حينئذٍ (افْتَعَلَ) من: الاقتواء؛ بمعنى الاستخلاص؛ فكنَّى به عن الاستخدام؛ لأنّ من اقتوى عبداً ردفه أن يستخدمه٥.
ويقال: التّقاوي: تزايد الشّركاء "وَلاَ يَكُوْنُ الإِقْوَاءُ إِلاَّ مِنَ البَائِع، وَلاَ التَّقَاوِي إِلاَّ مِنَ الشُّرَكَاء، وَلاَ الاقْتِوَاء إِلاَّ مِمَّنْ يَشْتَرِي مِنَ الشُّرَكَاءِ، والّذِي يُبَاعُ مِنَ العَبْدِ أَوِ الجَارِيَةِ أَوِ الدَّابَّةِ مِنَ اللَّذِينَ تَقَاوَيَا ... أَصْلُهُ مِنَ القُوَّةِ؛ لأَنَّهُ بُلُوغٌ بالسِّلْعَةِ أَقْوَى ثَمنها "٦، ويقال: اقْتَوَى الشّيء: اختصَّه لنفسه؛ فهو من ذلك. ومن أسباب التّداخل في هذه الكلمة أنّ المعنى من الممكن أن يحمل على الأصلين؛ فيصحّ، ويضاف إلى ذلك وجود التّاء الثّالثة الّتي تحتمل أن
стр. 332
تكون تاء الافتعال؛ فتكون زائدةً، وتحتمل أن تكون التّاء عين الفعل؛ فتكون أصليَّةً.
وممّن وضع الكلمة في (ق وو) الزّمخشريّ١، وأبو موسى الأصفهانيّ٢،وممّن وضعها في الموضعين: ابن الأثير٣، وابن منظورٍ٤.
ومن هذا النّوع تداخل (ت ح ي) و (ح ي ي) في (تِحْيَاة) وهي مفرد (التّحَايِي) وهي ثلاثة كواكب حِذاءَ الهَنْعَة٥
ويجوز فيها الوجهان٦:
أن تكون من (ح ي ي) فهي – حينئذٍ (تِفْعَلَة) كـ (تِحْلَبَة) ٧ من الأبنية؛ ويرجّح هذا الأصل أنّ نوءها كبير الحيا، من أنواء الجوزاء، قال النّابغة:
أَسْرَت عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ سَالِفَ البَرَدِ٨
стр. 333
أن يكون من (ت ح ي) فهي على هذا (فِعْلاَة) كـ (عِزْهَاة) وهو اللّئيم. بيد أنّ الأصل الأوّل أولى؛ لقرب الاشتقاق. ويتداخل الأصلان (م وهـ) و (م وو) في (الماوِيَّةِ) وهي: المِرَآةُ، أو حجر البِلَّوْرِ، وهي تحتمل الأصلين:
فالرّاجح أنّها من (م وهـ) فتكون منسوبةً إلى الماء؛ لصفائها، وأنّ الصّور تُرى فيها كما تُرى في الماء الصّافي١.
وأصل الماء (م وهـ) فهمزته منقلبة عن هاءٍ؛ بدلالة ضروب تصاريفه، ومنها التّصغير والجمع؛ إذ يقال فيهما: (مُوَيْهٌ) و (أمْوَاهٌ) و (مِيَاهٌ) فأصله قبل الإعلال (مَوَهٌ) ٢.
وذكر ابن منظورٍ٣ (االمَاويَّةَ) في (م وو) وليس له وجهٌ ظاهرٌ، والأوّل أقرب؛ لدلالة الاشتقاق والتّصريف.
стр. 334
د- التّداخل في اللّفيف:
والقسمة في هذا النّوع تقتضي أربعةً - أيضاً -؛ تقدَّمت ثلاثةٌ منها في المثال والأجوف والنّاقص، ولم يبق إلاّ التّداخل بين اللّفيف واللّفيف؛ وهو نوعٌ يشيع فيه التّداخل؛ لغلبة حروف العلّة فيه، وفيما يلي بيان ذلك من خلال بعض الأمثلة:
فمنه تداخل (ح ي ي) و (ح ي و) في (الحَيَوَان) وهو مصدرٌ على وزن (فَعَلاَن) بمعنى: الحياة؛ وهو - أيضا - اسم جنسٍ يقع على كلّ شيءٍ حيٍّ. وقد اختلفوا في أصله١.
فذهب الجمهور إلى أنّ أصله (ح ي ي) وأنّ الواو فيه منقلبةٌ عن الياء؛ فأصله قبل القلب (الحَيَيَان) فقلبت الياء الثّانية واواً؛ لئلاَّ يجتمع ياءان على التّوالي؛ استثقالاً للحرفين من جنسٍ واحدٍ؛ لأنّه اسمٌ، فخروجه عن الفعل كخروج آيةٍ، وبابها٢.
وأوّل من أثر عنه ذلك الخليل٣، وكان سيبويه يراه، ويوجّهه بقوله: "وأمَّا قَوْلُهُم: حَيَوان فَإِنَّهُم كَرِهُوا أَنْ تَكُونَ اليَاءُ الأُولَى سَاكِنَةً، وَلمَْ يَكُونُوا لِيُلْزِمُوهَا الحَرَكَةَ هَهُنَا، وَالأُخَرَى غَيْرُ مُعْتَلَّةٍ مَنْ مَوْضَعِهَا؛ فَأُبْدِلَتِ الوَاوُ، لِيَخْتَلِفَ الحَرْفَان، كَمَا أَبْدَلُوهَا فِي رَحَوِيٍّ، حَيْثُ كَرِهُوا اليَاءَات،
стр. 335
فَصَارَتِ الأُولَى عَلَى الأَصْلِ، كَمَا صَارَتِ اللاَّمُ الأُولَى فِي مُمِلٍّ، وَنَحْوِهِ، عَلَى الأَصْلِ حِيْنَ أُبْدِلَتِ اليَاءُ مِنْ آخِرِهِ) ١. وما ذهبوا إليه في أصله مذهبٌ قويٌّ؛ لأمور:
أحدها: أنّه ليس في كلامهم ممّا عينه ياءٌ ولامه واوٌ شيءٌ؛ فيقاس (الحَيَوَان) عليه٢.
وثانيها: أنّهم يقولون في تثنية حيّ: حَيَيَانِ بالياء لا غير، والتّثنية ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها؛ فتثبت بذلك أنّ الواو في (حَيَوَان) بدلٌ من الياء٣.
وثالثها: أنّ الحيوان من: الحياة، ومعنى الحياة يرد في قولهم (الحَيَا) للمطر؛ ألا ترى أنّه يحيي الأرض والنّبات؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ٤ والحَيَا لامه ياءٌ، وكذلك الحياة٥.
وربّ قائلٍ يقول: لماذا اختاروا قلب اللاّم دون العين؛ فيجاب عن ذلك بأنّهم لو أبدلوا العين واواً لدخل في باب (طَوَيتُ) فيحمل عليه؛ لكثرته فيظنّ "أنّها أصلٌ في موضعها؛ لكثرة هذا الباب، فلمّا قلبت الثّانية
стр. 336
واواً صارت مستنكرةً في موضعها؛ فيتنبّه بذلك على كونها غير أصلٍ"١.
على أنّه ليس في (الحَيَوَان) إعلالٌ؛ إذ لم يجز ذلك في الواو؛ وهي لام الكلمة؛ لما كان يلزم من حذفها؛ إذ يقال فيها (حَيَان) لأنّها قبل الحذف (حَيَاان) فلم تعلَّ، وأمّا عين الكلمة فصحّت - هنا - كما صحّت في (الجَوَلاَن) و (الهَيَمَان) مثلاً٢.
والأصل في حركة عين (الحَيَوَان) السّكون؛ قال المبرّد: "حَيَوَان أصله (فَعَلان) لأنّ (فَعَلاناً) إنّما يجيء فيما يكون اضطراباً؛نحو الغَلَيان والنّزَوَان؛ فلو قلبوا اللاّم واواً لزمها القلب إلى الياء؛ لأنّ الياء قبلها ساكنةٌ، وكان يلزمهالإدغام؛ فيصير: حَيَّان، مثل: أَيَّام؛ فحرّكوا العين وأبدلوا اللاّم واواً كأنّهم قالوا: حَيَيَان؛ واستثقلوا جمع الياءين، فأبدلوا الثّانية واواً؛ وإنّما استثقلوا حَيَيَان كما استثقلوا رَحَيِيّاً "٣.
وذهب المازنيّ٤ إلى أنّ الأصل (ح ي و) وأنّ الواو أصلٌ، وقد جاء على ما لا يستعمل؛ وهو أن تكون العين ياءً، واللاّم واواً؛ فلذلك لم يشتقّوا منه فعلاً؛ لأنّه ليس في الكلام فعلٌ مستعملٌ موضع عينه ياءٌ ولامه واوٌ "ونظيره في هذا الباب على هذا القول: جَبَيْتُ الخراج جِبايةً، وجِباوَةً، وليس من جِباوَةٍ فعلٌ، ومثل ذلك: فاظَ الميّت فيظاً، وفَوظاً،
стр. 337
وليس من فَوْظٍ فعل "١.
ولعلّ المازنيّ ذهب بذلك إلى أنّ الواو في (الحَيَوَان) أصلٌ؛ وليست منقلبةً من ياءٍ، وأنّ الياء - أيضاً - أصلٌ من باب اللّغتين، ثمّ يجوز أن يكون استُعمِلَ الفعل من لغة الياء؛ ولم يُستعمل من لغة الواو؛ لثقل ذلك عليهم؛ فقالوا: حَيِيْتُ.
ويجوز - أيضاً - أن يكون استُعْمِلَ فعل اللّغة الّتي تكون اللاّم فيه واواً؛ فقلبت ياءً للكسرة التي قبلها؛ إذ جاؤوا به على: فَعِلَ يَفْعَلُ؛ مثل: عَلِمَ يَعْلَمُ؛ فقالوا: حَيِيتُ.
ويبدو أنّ السّمين الحلبيّ٢ كان يرجّح مذهب المازنيّ؛ إذ جعل (الحَيَوَان) في (ح ي و) وفَصَلَه عمَّا بعده؛ وهو (ح ي ي) ٣. والأقرب في هذا هو مذهب الجمهور لما تقدّم؛ ويؤيّده السّماع والقياس؛ أي: أنّ أصل حَيَوَان (ح ي ي) لا (ح ي و) .
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل (ل وي) و (ول ي) في قراءة ابن عامرٍ وحمزةَ ﴿وإِنْ تَلُوا﴾ ٤ بضمّ اللاّم وبواوٍ واحدةٍ؛ منقوله عزّ
стр. 338
وجلّ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ١.
وهو يحتمل الأصلين:٢
يجوز أن يكون الأصل (ول ي) من: وَلِيَ يَلِي؛ وأصله (تَوْلِيُوا) ثمّ حذفت الواو؛ وهي فاء الفعل؛ لاعتلالها، ووقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ؛ نحو: يَعِدُ ويَزِنُ: فصار (تَلِيُوا) فحذفت الضّمّة استثقالاً من على الياء؛ فالتقى ساكنان؛ فحذفت الياء، ثمّ ضمّ ما قبل الواو.
ومعناه من: الوِلاية؛ أي: ولاية الأمر؛ وهو ضدّ الإعراض عنه؛ من قولك: وَلِيْتُ الحكمَ والقضاءَ بين الرّجلين. والمعنى يؤيّد هذا الأصل؛ فدليل حمله على: وَلِيَ – أنّ بعده (أو تُعْرِضُوا) فهو نقيض: تَلُوا؛ لأنَ ولاية الشّيء: الإقبال عليه، ونقيضه: الإعراض عنه، فإنّما قيل لهم: "وإن تَلُوا الأمر فتعدلوا فيه أو تعرضوا عنه فلا تَلُوه، ولا تعدلوا فيه إن وليتموه، فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً"٣، فيجازى المحسن المقبل بإحسانه، ويحاسب المعرض على إعراضه.
стр. 339
وانفرد الأخفش بتقدير محذوفٍ؛ وهو (عليهم) بعد (تَلُوا) قال: "وليس للولاية معنًى – هاهنا – إلاّ في قوله: وإن تلوا عليهم، فطرح: عليهم، فهو جائزٌ "١.
ويجوز أن يكون أصله (ل وي) من: لَوَى يَلْوي؛ إذا أعرض؛ فيكون أصل ﴿تَلُوا﴾ (تَلْوِيُوا) ثمّ ألقيت حركة الياء على الواو الأولى، وحذفت الياء؛ لسكونها وسكون الواو الأخيرة بعدها، أو لسكونها وسكون الواو قبلها٢ في الأصل، أي: قبل النّقل؛ فأبدل من الواو المضمومة همزةٌ؛ فصارت: (تَلُؤوا) ٣بإسكان اللاّم، ثمّ طرحت الهمزة، وطرحت حركتها على اللاّم؛ فصارت: (تَلُوا) كما قيل: في أَدْوُر: أَدْؤُر، ثمّ طرحت الهمزة؛ فصارت (أَدُر) ٤.
وعلى هذا الأصل تكون القراءتان بمعنى واحدٍ من: اللَّيّ٥، ولذلك
стр. 340
اختاره الزّجّاج١؛ وهو الرّاجح. وعلى ما تقدّم يكون معنى ﴿إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ على التّرادف، ويكون معناهما على اختيار الأصل الآخر - أعني (ول ي) على التّضادّ، وكلاهما صحيحٌ في السّياق العامّ للآية، ومقبولٌ عند المفسّرين وأهل اللّغة؛ خلا الأخفش٢؛ فإنّه جعل هذه القراءة لحناً؛ إن قدِّر هذا الأصل؛ أعني (ل وى) والأمر خلاف ما ذهب إليه؛ فالقراءة صحيحة؛ لأنّها سبعيّةٌ، وقد اتّفق عليها اثنان منهم؛ وهما: عبد الله بن عامرٍ، وحمزة بن حبيب الزّيَّات.
ومن التّداخل في اللّفيف بين (ح ي ي) و (ي ح ي) في (يَحْيَى) عَلَم لرجلٍ؛ وهو اسم النّبيّ يحيى - عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام - فهو يحتمل الوجهين:
أن يكون من (ح ي ي) فيكون على وزن (يَفْعَلُ) موازناً للفعل٣، ومشتقّاً من الحياة.
وهو يحتمل أن يكون عربيّاً أو أعجميّاً٤، كما أنّه ممنوعٌ من الصّرف، وليس في ذلك دليلٌ لأحدهما على الآخر؛ فإن كان عربياًّ فمنعه من الصّرف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل، وإن كان أعجمياً فذلك للعلمية
стр. 341
والعُجمة؛ غير أنّ في العجمة – إن صحّت – دليلاً على أصالة الياء الأولى.
ومعناه يقرِّب اشتقاقه من: الحياة؛ ويؤيّد ما تقدّم في (الزّوائد) وهو أنّ الياء يقضى عليها بالزّيادة أوّلاً إن صحبها ثلاثة أصولٍ؛ كما في (يَزِيد) و (يَعْمُر) ويقوِّيه – أيضاً- أنّ (ي ح ي) أصلٌ مهملٌ في العربيّة. ولكن يجوز أن يكون أصله (ي ح ي) فقد نُقِلَ عن الكسائيّ١ أنّ يحيى (فَعْلَى) وهو وجهٌ مقبولٌ إن كان الاسم أعجميّاً، وقد رجّحه الزّمخشريّ٢.
ومن أمثلة هذا النّوع: تداخل (ح ي ي) و (ح وي) في (حَيَّة) وهي: واحدة الحَيَّات أو الهوَامِّ، وقد اختلفوا في أصلها:
يرى سيبويه٣ أنّ أصلها (ح ي ي) مستدلاًّ على ذلك بقول العرب في النّسب إلى (حَيَّة بنِ بَهْدَلَة) : (حَيَوِيٌّ) وهي عنده (فَعْلَة) حرِّكت الياء في النّسب؛ لأنّه لا تكون الواو ثابتةً وقبلها ياءٌ ساكنةٌ. وعلى هذا المذهب لو كانت العين واواً - لقالوا: (حَوَوِيٌّ) ٤ كما قيل في النّسب إلى (لَيَّةٍ) ٥: لَوَوِيٌّ.
стр. 342
وكان أبو عليّ الفارسيّ١ يرى هذا - أيضاً - ويستدلّ له بغير ما استدلّ به سيبويه؛ وهو قولهم: أرضٌ مُحْيَاة، ومُعْفَاة؛ أي: كثيرة الحَيَّات والأفاعي.
على أنّه ليس في قولهم: رجلٌ حَوَّاءٌ - وهو: الّذي يجمع الحيّات - دليلٌ على الواو عند أبي عليّ٢؛ لأنّه غير مأخوذ من (الحَيَّة) ولكنّه من (حَوَيْتُ) فهما أصلان تقاربا في ألأصل والمعنى؛ كـ (سَبِطٍ وسِبْطَرٍ) و (دَمِثٍ ودِمَثْرٍ) فكما أنّ لفظ (لأّالٍ) بالهمزة المشددة الممدودة، وهو: بائع اللّؤلؤ – ليس من لفظ (لؤلؤ) كذلك (حَيَّةٌ) و (حَوَّاءٌ) فكلٌّ منهما أصلٌ مستقلٌّ.٣
على أنّ ما ذهب إليه أبو عليٍّ في (حَوَاءٍ) ليس قولاً قاطعاً؛ فهو يحتمل الأصل الآخر؛ بخلاف (لؤلؤٍ) و (لأّالٍ) فهما أصلان لا محالة؛ لأنّ أحدهما رباعيٌّ، والآخر ثلاثيٌّ، وأمّا (حيّةٌ) و (حوَّاءٌ) فهما من الثّلاثيّ، وانقلاب حروف العلّة بعضها عن بعضٍ كثيرٌ.
وذهب أبو حاتمٍ السِّجِستانيُّ إلى أنّ أصلها (ح وي) مستدلاًّ بالمعنى؛ وهو تحوِّي الحَيَّة في لِوائها، وبقولهم: رَجُلٌ: حَوَّاءٌ وحَاوٍ٤.
стр. 343
وقد تردّد فيه ابن سِيدَه؛ فذكره في الأصلين١، وتابعه ابن منظورٍ٢.
ومن ذلك تداخل (ث وو) و (ث ي و) في (ثَايَةٍ) وهو مَأوى الغنم والبقر٣.
و (ر وي) و (ر ي و) في (الرّايَة) ٤.
و (أي و) و (أي ي) في (أَيَا) الشّمس، وهو نورها٥.
و (هـ وي) و (هـ وو) في (الهَوَى) ٦.
و (وغ ي) و (وغ و) في (الأَوَاغي) وهي مَفَاجِر الماء في الدِّبار والمزارع، واحدتها آغِيةٌ٧.
стр. 344
المبحث الثّاني: التّداخل بين المعتلّ والمهموز
ومما يكثر فيه تداخل الأصول: التّداخل بين المعتلّ والمهموز، وقد وقفنا على تعريف المعتلّ في المبحث السّابق.
أمّا المهموز فهو "ما كان أحد أصوله الثلاثة همزة"١، نحو: أَكَلَ وسَأَلَ ومَلأَ.
وثمّة علاقة بين المعتلّ والمهموز، تُعدّ من أهمّ أسباب التّداخل بينهما؛ وهي هَمْزُ المعتلّ، وتخفيف المهموز؛ وهما ممّا يكثر في النّوعين؛ أعني: المعتلّ والمهموز؛ حتّى تكاد تُعدّ من حروف العلّة؛ ألا ترى كيف وُضعت في معاجم التّقليبات في باب واحد، وأول من فعل ذلك الخليل في العين ٢؛ على الرّغم مما بينها وبين حروف العلّة من اختلاف في المخرج
стр. 345
والصّفات. فمخرج الهمزة من أقصى الحلق١ أو من الحنجرة (المزمار) ٢ وهي صوت شديد٣، مجهور.
أمّا الواو والياء فمخرجهما من الشّفة، ومن صفاتهما اللّين؛ لأن مخرجهما يتّسع لهواء الصّوت من اتّساع غيرهما ٤، والألف هاوية؛ ومخرجها أشدّ اتّساعاً من مخرج صاحبتيهما؛ وهنّ أخفّ الحروف؛ لاتّساع مخارجهنّ ٥. ولعلّ سبب ذلك أنّهم وجدوا حروف العلّة تُخفّف وتهمز في كثير من الحالات، ونُمهّد لهذا المبحث بالوقوف على ذلك ـ بإيجاز ـ لأنّه يُعين على معرفة الأصول:
أ - همز المعتلّ:
تُقلب حروف العلّة همزة، وله ثلاثة أحكام: قلبها وجوباً أو جوازاً أو شذوذاً.
стр. 346
فأمّا القلب الواجب فتشترك أحرف العلّة الثّلاثة فيه في موضعين، وتشترك الياء والواو فيه في موضعين، وتختصّ الواو به في موضع واحد.
فالموضع الأول: المشترك بينها، هو أن يقع أحدها لاماً أو زائداً في الطّرف الحقيقيّ، أو الحكميّ إثْر ألف زائدة.
فمثال قلبها في الطّرف الحقيقيّ قولهم: سماءٌ من السُّموّ، وبناءٌ من: البِنَايَة، وصحراءُ من: صَحْرَى.
والموضع الثّاني: المشترك بينهما هو أن يقع أحد الأحرف الثّلاثة بعد ألف الجمع الأقصى، وقد كان في المفرد مدّاً زائداً كقولهم: عَجَائِزُ في جمع: عَجُوز، وصَحَائِفُ في: صَحِيفَةٍ، ورَسَائِلُ في: رِسَالَةٍ.
وتشترك الواو والياء في قلبهما همزة وجوباً في موضعين:
الأول: أن تقع إحداهما عيناً لاسم فاعل من: فعل ثلاثيّ أُعلّت فيه، ما دامت العين في مكانها؛ نحو: قَائِمٍ وبَائِعٍ من: قَامَ وبَاعَ.
الثاني: أن يقع أحدهما ثاني حرفين ليّنين بينهما ألف الجمع الأقصى الذي بعد ألفه حرفان؛ سواء تماثل اللّيّنان أم اختلفا، فمثال الواوين: أَوّلُ وأَوَائِلُ أصله: أَواوِل.
ومثال اليائين: نَيّفٌ ونَيَائِفُ، وأصله: نَيَايِفُ.
ومثال ما اختلفا فيه: سَيّد وسَيَائِد، وأصله: سَيَاوِدُ.
أمّا الموضع الذي اختصّت فيه الواو بالقلب همزة وجوباً، فذاك عند اجتماع واوين في صدر الكلمة بشرط ألاّ تكون ثانيتهما مدة غير
стр. 347
أصلية، ومثال ذلك (أُوَلٌ) جمع أُوْلى، وأصله (وُوَلٌ) على مذهب من جعله من (وول) كما سبق به البيان١ و (أُوْلَى) وأصلها (وُولَى) وأُواصل جمع: وَاصِلة.
أمّا قلب أحرف العلّة همزة جوازاً، فهو خاصّ بالواو والياء؛ وهما كما يلي:
١- تُقلب الواو همزة جوازاً - باتفاق - إذا وقعت مضمومة ضمّة لازمة غير مشدّدة ولا موصوفة بموجب الإبْدال؛ وذاك نحو: (أَدْؤُر) في (أَدْوُر) جمع دَارٍ، وأُجُوه في (وُجُوُهٍ) جمع: وَجْهٍ.
ويُجيزُ المازنيّ قلب الواو المُصدّرة المكسورة همزةً قياساً مُطّرداً؛ نحو: إِشَاحٍ في: وِشَاح، وإِسَادة في: وِسَادَة، وإِعَاءٍ في: وِعَاءٍ ٢. ويرى سيبويه أن يكون ذلك مقصوراً على السّماع ٣.
٢- تُقلب الياء همزة جوازاً في موضع واحد؛ وهو أن تقع بين ألفٍ وياء مشدّدة؛ نحو: غائيّ ورائيّ، وذلك في النَّسب إلى: غايةٍ ورايةٍ. وتقلب أحرف العلّة همزة شذوذاً:
مثال قلب الواو همزة قولهم: مُؤْسَى في: مُوسى، والمُؤْقِدَان في: المُوقِدَانِ في قول جرير:
стр. 348
أَحَبُّ المُؤْقِدَانِ إليّ مُؤْسَى ... وَجَعْدَةُ إِذْ أَضَاءهُمَا الوَقُودُ١
ومثال قلب الياء همزة شذوذاً قولهم: في أسنانهم أَلَلٌ؛ أي: يَلَلٌ، وهو: قِصَرُ الأسنان، أو ميلها إلى داخل الفم.
ومثال قلب الألف همزة شذوذاً، قولهم: العَأْلَم والمُشْتَئِقُ؛ في قول الرّاجز:
... صَبْرا فَقَدْ هَيّجْتَ شَوْقَ المُشْتَئِقْ٢ ...
وأصله المُشتاق، فهَمَزه ضرورة؛ لأنها تُقابل لام (مُسْتَفْعِلُنْ) .
ب - تخفيف المهموز:
لا يخلو صوت الهمزة من صعوبة في النّطق؛ لبعد مخرجها في الحَلْق، وقد أشار إلى ذلك سيبويه؛ فقال: "اعْلَم أَنَّ الهَمْزَةَ إِنَّمَا فعَلَ بِهَا هَذَا مَنْ لّمْ يُخفّفها؛ لأنه بَعُدَ مخرجُها؛ ولأنّها نبْرةٌ في الصّدر تُخرج باجتهاد، وهِيَ أَبْعَدُ الحُرُوف مَخْرَجاً؛ فثَقُل عليهم ذلك؛ لأَنَّه كَالتَّهُوّع"٣.
ولعلّ هذا ما جعلهم يتّبعون مذاهب العرب في أدائها؛ من حيث التّحقيق، والتّخفيف، والبدل٤.
стр. 349
وتحقيق الهمزة هو إعطاؤها حقّها من الأداء١؛ وهو لغة تميم٢؛ نحو قولك: قَرَأْتُ، وسَأَلَ، ولَؤُمَ، وبَئِسَ٣. أما التّخفيف ففيه ثلاث صور؛ وهي ٤:
١- أن تُجعل الهمزةُ بينَ بين.
٢- أن تُقلب (تُبْدل) ٥.
٣- أن تُحذف.
أمّا الأول: فنُطْقُ الهمزةِ مع إضعاف الصوت وإخفائه، وعدم إتمامه؛ وله صورٌ ذكرها الصرفيون٦.
أمّا الثّاني: وهو قلبها أو إبدالها حرفاً من حروف العلة الواو والياء والألف؛ وهو المهمّ هنا؛ لأنه من المواضع الّتي يكثر فيها تداخل الأصول؛ كالموضع السابق - أعني: همْز المعتلّ - ولكنّه على عكسه.
стр. 350
ومِلاكُ القول في هذا أنّ الهمزة تُقلب حرفَ علةٍ وجوباً وجوازاً على النّحو التالي١:
أولاً: قلب الهمزة حرف علةٍ وجوباً:
وهذا يكون في موضعين: أحدهما الجمع الأقصى على (مَفَاعِل) فتُقلب فيه الهمزة ياءً؛ إن كانت عارضة في الجمع، وكانت لام الجمع معتلة أو مهموزة؛ نحو: قَضَايا٢ جمع: قَضِيّةٍ، ومطايا جمع: مطيّة، وخطايا جمع: خَطِئةٍ.
وتُقلب واواً: إذا كانت لام المفرد واواً سلِمت فيه من الإعلال؛ نحو: أَدَاوَى، وأصله (أَدَائِوُ) .
وثانيهما: أن تلتقي همزتان في كلمة واحدة؛ فيجب قلب الثّانية حرف علة؛ لأن الثّقل حصل منها؛ نحو: آمَنَ، أصله: أَأْمَن، وإِيثَار أصله: إِئْثَار، وأُوتُمِن أصله: أُؤْتُمِن، وأَوَادِم في جمع آدَمَ، وأصلها: أَأَادِمُ.
ثانياً: قلب الهمزة حرف علة جوازاً:
ويكون ذلك في موضعين:
стр. 351
١- إذا سُكّنت الهمزة المفردة؛ وتحرك ما قبلها جاز قلب الهمزة من جنس الحركة السّابقة؛ نحو: رَاسٍ في رَأْسٍ، وبِير في: بِئْر، ومُومن في: مُؤْمن.
٢- إذا انفتحت الهمزة وضُمّ ما قبلها أو كُسر جاز قلب الهمزة من جنس حركة ما قبلها؛ نحو: جُوَنٍ في: جُؤَنٍ، ومِيرَة في: مِئَرَةٍ.
ومن هنا عُرف فيما جاء على التّحقيق أو جاء مهموزاً تارة ومخفّفاً تارةً أخرى أنّ الأصل فيه الهَمْز "لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم يكن مهموزاً في الأصل فهَمْزُه لحن، إلاّ ما كانت فيه علة موجبة لذلك"١ كما تقدم في هَمْز المعتلّ.
على أن التسهيل - هنا - لا يُؤخذ على إطلاقه، فثمّة شرط يجب أن يتوفّر فيما يُخفّف؛ وهو ألاّ يؤدّي ذلك إلى تغيير دلالة اللّفظ؛ فالمُؤْكِلُ والمُوكِلُ، وزَأَرَ وزار، وبَدَأَ وبدا؛ ليس أحدهما مخفّفاً من الآخر؛ بل كلٌ منهما أصل مستقلٌ؛ لاختلاف المعنى بين الأصلين المهموز وغير المهموز٢؛ ألا ترى أنّ المُؤْكِل: المُطْعِمُ، والمُوكِل: مَنْ وكّل غيره على أمر ليقوم به، وزَأَرَ الأسد: إذا صاح وزمْجر، وزار الرجل جاره بمعنى: عاده، وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:
يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ ... وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ ٣
стр. 352
وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:
يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ ... وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ ١
стр. 353
ألا ترى إلى ما حكاه ابن منظور في التّعقيب على البيت بقوله: "لا أدري أهو لجمع فأس، كقولهم: رُؤُوس في جمع: رأس، أم هي من غير هذا الباب؛ من تركيب (ف وس) "١.
ومنه تداخل الأصلين في (مُؤْهِب) في قول الشّاعر:
جَيْشُ المِحَمّيْنِ حَشّ النّارَ تَحْتَهُما ... غَرْثَانُ أَمْسَى بِوَادٍٍ مُؤهِبِ الحَطَبِ ٢
قال أبو علي: "فمن أخذه من: الأُهْبَةِ والتّأهّب هَمَزَ إن شاء، ومن أَخَذَه من: وَهَبَ، وجعل الفاء والواو لم يَهْمِز، إلا على قول من قال: مُؤْسَى، وقد تُؤُوِّلَ البيت على الأمرين جميعاً"٣.
ولِيَتَمَيَّزَ الأصلان اشتغل فريق من علماء العربية في جمع ما يُهمز وما لا يُهمز من النّوعين: فأفرد ابن السكيت - مثلاً - أبواباً للهمْز في كتابه (إصلاح المنطق) ممّا يُقال بالهمزة مرّة وبالواو مرّة أخرى٤، وما
стр. 354
يُقال بالهمز والياء١، وما هَمَزَه بعض العرب وترك هَمْزه بعضهم٢، وما تركت العرب هَمْزه٣، ونحو ذلك. وأفرد ابن قتيبة٤ وابن سيده٥ مثل تلك الأبواب.
ثمّ جاء ابن مالك؛ فألّف كتاباً جامعاً في ذلك سمّاه: (شرح النظم الأوجز في ما يُهمز وما لا يهمز) جمع فيه أقوال السّابقين، وزاد عليها.
أمّا تخفيف الهمزة بحذفها - وهو الصورة الثالثة - فيكون في "كلّ همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن؛ فأَردت أن تخفّف حَذَفْتَها، وألقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها؛ وذلك قولك: مَنَ بُوكَ؟ ومَنُ مُّكَ؟ وكَمِ بِلُك؟ إذا أردت أن تُخفّف الهمزة في الأبّ والأمّ والإبل"٦.
ومن ذلك قولهم: المَرَةُ والكَمَةُ في: المرأة والكمأة؛ وهو نوع من النّبات.
стр. 355
أمّا البدل - وهو المذهب الثالث في مذاهب العرب في أداء المهموز - فالمقصود منه عموم البدل بين الهمزة وغيرها؛ فيدخل فيه المعتلّ وغير المعتلّ؛ كالتّبادل بين الهمزة والعين. أمّا المعتلّ فقد مرّ ذكره؛ وهو الصورة الثّانية من صور تخفيف الهمزة، أمّا التّبادل بين الهمزة وغير المعتلّ فليس من مواضع هذا المبحث.
والّذي يراه البحث فيما جاء مخفّفاً وأصله الهمز، أو جاء مهموزاً وأصله غير الهمز والمعنى واحد، أن يُذكر في المعاجم في موضع واحد؛ لأنّه ليس له إلاّ أصل واحد؛ وللحفاظ على اطّراد النّظام المعجميّ الدّقيق، ودرء اتّساع معاجم القافية؛ مما لا موجِب له، ولتيسير سبيل اطّلاع القارئ على كلّ ما جاء في المادّة الواحدة في مكان واحد.
ولا بدّ - هنا - من الإشارة إلى أنّ التّداخل بين المعتلّ والمهموز، في هذا المبحث، لا يُعزى كلُّه إلى همز المعتلّ أو تخفيف المهموز؛ إذ قد يُعزى إلى أسباب أخرى مختلفة؛ راجعة إلى طبيعة المعتلاّت كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، أو إلى طبيعة المهموز، أو إليهما معاً، وبخاصّة إذا وقعت الهمزة أو المعتلّ في أوّل الكلمة؛ وهو من مواضع زيادتهما؛ وكثيراً ما تلتبس بالأصليّ.
والقسمة الجامعة للتّداخل في هذا المبحث على النحو التّالي:
أ- التّداخل بين المثال والمهموز.
ب- التّداخل بين الأجوف والمهموز.