← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١- إذا سُكّنت الهمزة المفردة؛ وتحرك ما قبلها جاز قلب الهمزة من جنس الحركة السّابقة؛ نحو: رَاسٍ في رَأْسٍ، وبِير في: بِئْر، ومُومن في: مُؤْمن. ٢- إذا انفتحت الهمزة وضُمّ ما قبلها أو كُسر جاز قلب الهمزة من جنس حركة ما قبلها؛ نحو: جُوَنٍ في: جُؤَنٍ، ومِيرَة في: مِئَرَةٍ. ومن هنا عُرف فيما جاء على التّحقيق أو جاء مهموزاً تارة ومخفّفاً تارةً أخرى أنّ الأصل فيه الهَمْز "لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم يكن مهموزاً في الأصل فهَمْزُه لحن، إلاّ ما كانت فيه علة موجبة لذلك"١ كما تقدم في هَمْز المعتلّ. على أن التسهيل - هنا - لا يُؤخذ على إطلاقه، فثمّة شرط يجب أن يتوفّر فيما يُخفّف؛ وهو ألاّ يؤدّي ذلك إلى تغيير دلالة اللّفظ؛ فالمُؤْكِلُ والمُوكِلُ، وزَأَرَ وزار، وبَدَأَ وبدا؛ ليس أحدهما مخفّفاً من الآخر؛ بل كلٌ منهما أصل مستقلٌ؛ لاختلاف المعنى بين الأصلين المهموز وغير المهموز٢؛ ألا ترى أنّ المُؤْكِل: المُطْعِمُ، والمُوكِل: مَنْ وكّل غيره على أمر ليقوم به، وزَأَرَ الأسد: إذا صاح وزمْجر، وزار الرجل جاره بمعنى: عاده، وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز: يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ ... وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ ٣

стр. 352

وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز: يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ ... وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ ١

стр. 353

ألا ترى إلى ما حكاه ابن منظور في التّعقيب على البيت بقوله: "لا أدري أهو لجمع فأس، كقولهم: رُؤُوس في جمع: رأس، أم هي من غير هذا الباب؛ من تركيب (ف وس) "١. ومنه تداخل الأصلين في (مُؤْهِب) في قول الشّاعر: جَيْشُ المِحَمّيْنِ حَشّ النّارَ تَحْتَهُما ... غَرْثَانُ أَمْسَى بِوَادٍٍ مُؤهِبِ الحَطَبِ ٢ قال أبو علي: "فمن أخذه من: الأُهْبَةِ والتّأهّب هَمَزَ إن شاء، ومن أَخَذَه من: وَهَبَ، وجعل الفاء والواو لم يَهْمِز، إلا على قول من قال: مُؤْسَى، وقد تُؤُوِّلَ البيت على الأمرين جميعاً"٣. ولِيَتَمَيَّزَ الأصلان اشتغل فريق من علماء العربية في جمع ما يُهمز وما لا يُهمز من النّوعين: فأفرد ابن السكيت - مثلاً - أبواباً للهمْز في كتابه (إصلاح المنطق) ممّا يُقال بالهمزة مرّة وبالواو مرّة أخرى٤، وما

стр. 354

يُقال بالهمز والياء١، وما هَمَزَه بعض العرب وترك هَمْزه بعضهم٢، وما تركت العرب هَمْزه٣، ونحو ذلك. وأفرد ابن قتيبة٤ وابن سيده٥ مثل تلك الأبواب. ثمّ جاء ابن مالك؛ فألّف كتاباً جامعاً في ذلك سمّاه: (شرح النظم الأوجز في ما يُهمز وما لا يهمز) جمع فيه أقوال السّابقين، وزاد عليها. أمّا تخفيف الهمزة بحذفها - وهو الصورة الثالثة - فيكون في "كلّ همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن؛ فأَردت أن تخفّف حَذَفْتَها، وألقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها؛ وذلك قولك: مَنَ بُوكَ؟ ومَنُ مُّكَ؟ وكَمِ بِلُك؟ إذا أردت أن تُخفّف الهمزة في الأبّ والأمّ والإبل"٦. ومن ذلك قولهم: المَرَةُ والكَمَةُ في: المرأة والكمأة؛ وهو نوع من النّبات.

стр. 355

أمّا البدل - وهو المذهب الثالث في مذاهب العرب في أداء المهموز - فالمقصود منه عموم البدل بين الهمزة وغيرها؛ فيدخل فيه المعتلّ وغير المعتلّ؛ كالتّبادل بين الهمزة والعين. أمّا المعتلّ فقد مرّ ذكره؛ وهو الصورة الثّانية من صور تخفيف الهمزة، أمّا التّبادل بين الهمزة وغير المعتلّ فليس من مواضع هذا المبحث. والّذي يراه البحث فيما جاء مخفّفاً وأصله الهمز، أو جاء مهموزاً وأصله غير الهمز والمعنى واحد، أن يُذكر في المعاجم في موضع واحد؛ لأنّه ليس له إلاّ أصل واحد؛ وللحفاظ على اطّراد النّظام المعجميّ الدّقيق، ودرء اتّساع معاجم القافية؛ مما لا موجِب له، ولتيسير سبيل اطّلاع القارئ على كلّ ما جاء في المادّة الواحدة في مكان واحد. ولا بدّ - هنا - من الإشارة إلى أنّ التّداخل بين المعتلّ والمهموز، في هذا المبحث، لا يُعزى كلُّه إلى همز المعتلّ أو تخفيف المهموز؛ إذ قد يُعزى إلى أسباب أخرى مختلفة؛ راجعة إلى طبيعة المعتلاّت كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، أو إلى طبيعة المهموز، أو إليهما معاً، وبخاصّة إذا وقعت الهمزة أو المعتلّ في أوّل الكلمة؛ وهو من مواضع زيادتهما؛ وكثيراً ما تلتبس بالأصليّ. والقسمة الجامعة للتّداخل في هذا المبحث على النحو التّالي: أ- التّداخل بين المثال والمهموز. ب- التّداخل بين الأجوف والمهموز.

стр. 356

ج- التّداخل بين النّاقص والمهموز. د- التّداخل بين اللّفيف والمهموز. وعلى أنّ المراد من ذلك هو التّداخل بين الأصل المعتلّ والأصل المهموز؛ وليس المراد التّداخل بين الحرف والحرف. أ - التّداخل بين المثال والمهموز. يكثر التّداخل بين المثال والمهموز؛ لما مرّ من التّعاقب بين حرف العلّة والهمزة؛ أو لأن الهمزة وحروف العلّة قد يلتبس أمرها بين الأصالة والزّيادة في أوّل الكلمة. وفيما يلي بيان ذلك، وتفصيل حال التّداخل فيه: فمن هذا النّوع تداخل (وح د) و (أح د) في (أحد) و (إحدى) أوّل العدد؛ وهما يحتملان الأصلين: الرّاجح عند الجمهور أن الأصل (وح د) وأنّ الهمزة فيه مبدلة من الواو، وقد كان سيبويه يرى هذا؛ فقد قال: "وقالوا: أَحَدٌ؛ وأصله: وَحَدٌ؛ لأنّه واحد؛ فأبدلوا الهمزة لضعف الواو عوضاً لما يدخلها من الحذف والبدل"١. ويدلّ على أنّ أصله الواو - أيضاً - مجيئه بالواو؛ كقول النّابغة:

стр. 357

كَأَنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ١ وقولهم (مَوْحَدٌ) يدلّ على أصالة الواو، ولو كانت الهمزة أصليّة لقالوا: (مَأْحَدٌ) ؛ مثل: مَأْخَذٍ من: أَخَذَ، ومَأْكَلٍ من: أَكَلَ، قال الشّاعر: ولَكِنّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنِيسُه ... سِبَاعٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد٢ ويجوز أن يكون أصله (أح د) وهو بعيد؛ يردّه ما تقدّم، ولا يجوز أن يُقال: إنّ (الواحد) لا دليل فيه؛ إذ يجوز أن يكون أُبدل من الهمزة واو؛ فراراً من اجتماع الهمزتين٣؛ وهو ثقيل كما تقدّم؛ فيكون أصله حينئذ (آحِداً) لأنّ ذلك غير مألوف في العربيّة؛ ألا تراهم لم يقولوا في: الآكِل والآمِل والآمِن والآسِر، ونحو ذلك: الواكل والوامل والوامن والواسر. وعلى الرُّغْم من ذلك فقد وضعه أكثر المعجميّين في الأصلين، ومنهم: الجوهريّ٤ وابن منظور٥ والفيروزآباديّ٦.

стр. 358

ووضعه الزمخشريّ١ في (وح د) عل الصّحيح. ومنه تداخل (أب ب) و (وب ب) في (الوَبِّ) وهو: التّهيّؤ للحملة في الحرب؛ يقال: وبّ الرّجل؛ إذا تهيّأ للحملة في الحرب؛ وهو يحتمل الأصلين: جعله الأزهري٢ من (أب ب) وذكر أنّ الواو في (الوَبِّ) مبدلة من الهمزة. وجعله الصّاغانيّ٣ من (وب ب) وتابعه الفيروزآباديّ٤. وذكره ابن منظور٥ في الأصلين. ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ود د) و (أد د) في (أُدَد) وهو أبو عدنان؛ أدُّ بن طابخة بن إلياس بن مضر٦، وهو يحتمل الأصلين: ذهب ابن دريد إلى أنّ أصله (ودد) وقال: "وأحسب أن الهمزة في: أُدٍّ، واو؛ لأنه من الوُدِّ أي الحب فقلبوا الواو همزة، لانضمامها؛ نحو

стр. 359

﴿أُقِّتَتْ﴾ ١ وأُرِّخ الكتاب؛ الأصل: وُرِّخ٢، ووَقِّتَتْ"٣. وذهب الجوهريّ٤ إلى أنّ أصله (أدد) وتابعه ابن منظور٥ والفيروزآباديّ٦. ويتداخل في هذا النوع (أل ق) و (ول ق) في (الأَوْلَق) وهو: ضرب من الجنون؛ وهو يحتمل الأصلين.٧ يجوز أن يكون أصله (أل ق) من تألّق البرق إذا خفق؛ وذلك أنّ الخفوق ممّا يصحبه الانزعاج والاضطراب، وكذلك الأولق؛ فوزنه - حينئذ (فَوْعَل) وهو مذهب سيبويه٨ والجمهور، واستدلّوا على ذلك بقولهم: أُلق الرّجل؛ فهو مألوق٩؛ فدلّ ذلك على أصالة الهمزة.

стр. 360

وربّ قائل يقول: إنّه ليس في قولهم: (أُلِقَ) دليل على أصالة الهمزة؛ فقد تكون منقلبة عن الواو المضمومة؛ فيكون أصله - حينئذ (وُلِقَ) ثمّ قُلبت الواو همزة؛ على حدّ قولهم: (أُزِنَ) و (أُعِدَ) في: (وُزِنَ) و (وُعِدَ) فلا تكون حجة في (أُلِقَ) . فالجواب أنّ قولهم: مألوق دليل أصالة الهمزة؛ فلو كانت الهمزة في (أُلِقَ) منقلبة عن الواو في (وُلِق) لزالت في اسم المفعول لزوال الضّمّة الموجبة للقلب؛ فكان يجب أن يُّقال - حينئذ (مَوْلُوقٌ) كما يقولون: (أُعِدَ) فهو (مَوْعود) ولم يُسمع قولهم: (مَأْعود) كما لم يقولوا: (مَوْلُوقٌ) وكقولهم: اُقِّتَت وتَوَقَّتَت؛ فاستُدلّ بذلك على أنّ الهمزة في (أُلِقَ) أصليّة غير منقلبة عن واو.١ قال ابن جنيّ: "ولو جاز لمدعٍ أن يقول: إنّ أصل أُلِقَ: وُلِقَ - من غير دلالة، ومع أنّ الهمزة ثانية في تصريف الكلمة بحيث لا موجب للقلب - لجاز لآخر - أيضاً - أن يقول: إنّ أصل: أُخذ: وُخِذَ، وإنّ أصل: أمّ: وُمّ، وإنّ أصل أُكل: وُكل، من غير دلالة ولا ثبت. ولو جاز ذلك لخرج الأمر من باب طريق العلم إلى الجهل، وارتكاب ما لا حقيقة له، واعتقاد ما لا دليل عليه".٢

стр. 361

وهذا - أعني القول بأنّ الأصل (أل ق) - مذهب الجماعة؛ كابن السّرّاج١ والزّبيديّ٢ وأبي عليّ٣ وابن جنّيّ٤ والصّيمريّ٥ والجواليقيّ٦ وابن يعيش٧ والرّضيّ٨ والسّخاويّ٩. وجعله الجوهريّ - أيضاً - من (أل ق) وفاقاً للجمهور، غير أنّه سها ﵀ في استدلاله على أنّه يجوز أن يكون (أَفْعَل) بقولهم: أُلِقَ الرجل فهو مَأْلوقٌ، وهو دليل لعكس ما ذكر، وهو (فَوْعَل) . ٢- ويجوز أن يكون أصله (ول ق) فيكون وزنه (أَفْعَل) واشتقاقه - حينئذ - من (وَلَقَ) يَلِق إذا أسرع، ومنه قراءة عائشة وابن عباس ﵄: ﴿إذ تَلِقونَه بألسنتكم﴾ ١٠ وقول الشاعر:

стр. 362

جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ١ ... وأصل (تَلِق) (تَوْلِقُ) . ولعلّ أول من ذهب إلى هذا: الكسائيّ.٢ ويحتمل - أيضاً - أن يكون على وزن (فَوْعل) كالسّابق، ولكن من الأصل (ول ق) فيكون أصل أَوْلَق: (وَوْلَق) أُبدلت الواو الأولى فيه همزة؛ لالتقاء الواوين في أولّ الكلمة؛ على حدّ قولهم في تصغير: وَاصل (أُوَيْصِلٌ) وأصله (وُوَيْصلٌ) ٣. وتظهر ثمرة هذا الخلاف عند التّسمية به، فإن جُعل (أَفْعَل) فإنّه لا ينصرف، وإن جُعل على وزن (فَوْعَل) فإنّه ينصرف. والرّأي هو ما عليه الجمهور من أنّ أصله (أَلَقَ) وأنّه (فوعل) لقوّة ما استدلوا به. وتبعاً لاختلافهم في أصل هذا اللفظ اختلفت المعاجم فيه؛ فقد ذكره الأزهريّ٤ في (أل ق) وكذا الجوهريّ٥.

стр. 363

وذكره ابن فارس١ في (ول ق) . وذكره جماعة من المعجميّين في الموضعين؛ ومنهم: ابن سيده٢ وابن منظور٣ والفيروزآباديّ٤. ومن ذلك (أوْهَدَ) وهو من أسماء يوم الاثنين؛ ويحتمل الأصلين (أهـ د) و (وهـ د) : ذهب كراعٌ٥ إلى أنه (فوعل) فيكون أصله (أهـ د) لأنّه نظير (أَوْلَق) . على أنّه لا دليل فيه على أصالة الهمزة؛ كـ (أَوْلَق) وحمله عليه لا يكفي، ويُضعفه ـ أيضاً ـ أنّ (أهـ د) أصل مهمل. وقياس مذهب سيبويه٦ أن يكون (أوْهَد) من (وهـ د) ولا يُقاس على (أَوْلَق) عنده؛ لأنه لا دليل فيه ـ كما ذكرت ـ كما في (أَوْلَق) ولذلك حُمل على (أَفْعَل) لأنّه أكثر من (فَوْعَل) .

стр. 364

وفي هذا الأصل ذكره: ابن سيده١، وابن منظور٢، والفيروزآباديّ٣. ومن ذلك تداخل (وأ ب) و (ت أب) في (التَّوْأَبَانِيَّينِ) وهما قادمتا الضّرع في قول الشاعر: فَمَرَّتْ عَلى أَطْرَافِ هِرٍّ عَشِيَّةً ... لَهَا تَوْأَبَانِيَّانِ لَمْ يَتَفَلْفَلا ٤ وكان الأصمعي يقول: "ولا أدري ما أصل ذلك"٥ يريد أنه لا يعرف اشتقاقه، ومن أين أُخذ؟ وشكّك أبو عبيدة فيه، وذكر أنّ العرب لاتعرفه٦. فإن كان هذا عربيّاً فإنه يحتمل الأصلين:

стр. 365

يجوز أن يكون أصله (ت أب) وهو رأي الجوهريّ١، وتابعه ابن منظور٢. ويجوز أن يكون أصله (وأ ب) وإلى هذا ذهب أبو عليّ الفارسيّ٣، وذكر أنّ تَوْأَبَاً (فَوْعَل) والتّاء بدل من الواو، فهو من الوَأْب؛ لأن الثّدْيَ الصّغير صُلب متوتِّر، وذاك أنّ نزول اللّبن فيه، وارتضاع الفصيل منه لم يُرْخه، ووصْفه بالصّلابة كوصفهم الحافر بها في قول الراجز: بِكُلِّ وَأبٍ لِلْحَصَى رَضَّاخِ٤ ... وقاسه - أيضاً - على (حَوْفَزَان) وهو اسم رجل، و (حَوْتَنَان) وهو اسم موضع؛ وهما (فَوْعَلان) وكذلك (تَوْأَبَان) . فيكون أصله قبل القلب - على رأي أبي عليّ (وَوْأَبَان) ثمّ أُلحق ياءً مشدّدة زائدة٥، كما زادوها في (عاريّة) وهم يريدون (عارة) وفي (أَحْمَرِيٍّ) وهم يريدون (أحمر) ثمّ ثنّوه فقالوا: (تَوْأَبَانِيَّانِ) .

стр. 366

ب - التّداخل بين الأجوف والمهموز: وهذا هو النّوع الثّاني من أنواع التّداخل؛ بين المعتلّ والمهموز، وهو ممّا يكثر فيه التّداخل. فمنه تداخل (ل ي ت) و (أل ت) في قوله : ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ أي: ما أنقصناهم؛ وهو يحتمل الأصلين: يجوز أن يكون الأصل (أل ت) وذهب إلى ذلك الفرّاء؛ فقال: (الألت النّقص) ٢. وهو مذهب الزّجّاج٣ - أيضاً- فقد ذكر أنّه يُقال: أَلَتَه يَألِتُهُ: إذا نَقَصَه، ومنه قول الشاعر: أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ... جَهْدَ الرِّسَالَةِ لا أَلْتاً ولا كَذِبَا٤ أي: لا نقصان. وعلى هذا فـ ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ على وزن (فَعَلْنَاهُمْ) .

стр. 367

ويقوّي هذا الأصل قراءة أبي عمرو ويعقوب في قوله : ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ ١: ﴿لا يَأْلِتْكُم﴾ ٢ ويقوّيه - أيضاً - قراءة ابن هرمز: (ألتناهم) بالمدّ؛ من: آلَتَ على وزن (أَفْعَلَ) كما ذكر أبو حيّان٣. ويجوز٤ أن يكون الأصل (ل ي ت) من قولهم: لاتَهُ يَليِتُهُ ليْتاً؛ إذا نقصه وصرفه، ومن ذلك قول الشّاعر: وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ٥ أي: لم يصرفني عنها صارف، أو نقصٌ بي، أو عجزٌ منّي. وعلى هذا التقدير فإنّ وزن ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ (أَفَلْناهُم) وتقديره في الأصل: (أَليَتْنَاهُم) (أَفْعَلْنَاهُم) وتقديره بعد الإعلال: (أَلاْتنَاهُم) فَحُذِفَتِ العَين؛ وهيَ حرف العلّة؛ لالتقاء السّاكنين.

стр. 368

ولات وألات من (ل ي ت) وهما من باب: فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ؛ بمعنى واحد١. ويقوّي هذا الأصل - أعني: ل ي ت - قراءة: ﴿مَا لِتْنَاهُم﴾ ٢ وقوله : ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ ٣ فهو من (ل ي ت) والأصل فيه ـ قبل الجزم (يَلِيتُكم) وقد حُذِفت الياء بعد الجزم؛ لالتقاء السّاكنين. وقد ذكره ابن منظور في الأصلين٤. وليس - هنا - ما يُرجَّح به أصل على الآخر؛ فلكل منهما وجه في اللّغة والصّناعة، ولا أستبعد أن يكون (أل ت) و (ل ي ت) من مقلوب (ل أت) ثمّ خُفِّفَتِ الهمزة؛ فنُسي الأصل؛ فجاء المضارع بالياء، فقالوا: لاتَ يَلِيتُ. ولو قال قائل: إنّهما أصلان من باب التّرادف لكان وجهاً؛ ألا ترى أنّ الجوهريّ٥ سوّى بينهما؛ فلا تداخل - حينئذ - لأنّهما أصلان مترادفان؛ مثل: جَدَّ ودَأَبَ، والأسد واللّيث.

стр. 369

على أنّ اليزيديّ١ جعل لغة أَلَت بمعنى: نقص أكثر من أختها؛ فإن صحّ ما قال يكون (أل ت) هو الأصل. ويتداخل (أون) أو (أي ن) و (م أن) في (مَؤُونَةٍ) وهي: الإنفاق على العيال وغيرهم، وقد اختلفوا في أصلها: يرى سيبويه٢ أنّ الأصل (م ون) فهي (فَعُولَة) من: مُنْتُ الرّجل أمونُه، وأصلها (مَوُوْنَة) بلا همز؛ كقولهم: قَوُوْمٌ من القيام، ونَوُوْم من النّوم ثمّ هُمزت الواو الأولى استحساناً للزوم الضّمّة لها؛ فصارت مَؤُونَة مثل: قَؤُوم ونؤُوم. ويدلّ على ذلك قولهم: مانه يمونه؛ إذا احتمل مَؤونته، وقام بكفايته؛ وهذا اشتقاق ظاهر٣. وذهب الفرّاء إلى أن أصلها (أي ن) من الأيْن؛ وهو التّعب الشّديد؛ فيكون المعنى على هذا الاشتقاق أنّه عظيم التّعب في الإنفاق على من يعول ووزن مَؤُونَة عند الفرّاء (مَفْعُلَة) لأنّ الأصل (مَأْيُنَةٌ) نُقِلت الضّمة إلى ما قبلها، وقُلبت الياء واواً.

стр. 370

ولا يجوز على مذهب الخليل١ في الإعلال أن تكون (مَؤُوْنَةٌ) من (الأَيْن) لأنّها لو كانت منه لقالوا: (مَئِينَةٌ) كما قالوا: (مَعِيشَة) وهي (مفعلة) ولكنّ (مَعْيُشَةً) حين أُعلّت بنقل ضمّة الياء إلى العين أُبدل من الضمّة كسرة؛ لتسلم الياء بعدها. ويجوز على مذهب الأخفش٢ أن تكون (مَؤُونَة) من (الأَيْنِ) لأنّه أجاز (مَعُوشَةً) من العيش. ويرى ابن السّرّاج أنّ (مَؤُونة) (مَفْعَلة) ولكنّها من (أون) واشتقاقها من الأوْن؛ فهو يقول "ومَؤُونة ـ عندي؛ وهو القياس (مفعلة) مأخوذ من الأوْن، يُقال للأتان إذا أقْربت٣، وعظُم بطنها: قد أوّنت، وإذا أكل الإنسان وشرب، وامتلأ بطنه وانتفخت خاصرتاه، يقال: أوّن تأْويناً؛ قال رؤبة: سرّاً وقد أَوَّنَ تَأوين العُقُق٤ ويُقال - أيضا - الأوْنان جانبا الخُرج، فينبغي أن يكون: مَؤُونة مأخوذة من: الأوْن؛ لأنّها ثِقَل على الإنسان"٥.

стр. 371

ولا يرد على ابن السراج ما يرد على الفرّاء؛ لأنّ العين واو. وما عُزي إلى سيبويه من أنّها (فعولة) من (المَوْن) أقرب - في الاشتقاق - من مذهب ابن السّرّاج؛ لقولهم: مانه يمونه؛ وهما متساويان في التّصريف. على أنّ الشّيخ عبد القادر المغربيّ١ رجّح الأصل المعتلّ، وأنّها (مَفْعُلة) وذكر أنّهم إنّما قالوا: مَأَنَه يَمْؤُنُه؛ على توهّم أصالة الميم؛ لمّا كثر استعمال الكلمة، ثمّ خفّفوه إلى: مانه يمونه. وقد تأثّر أصحاب المعاجم بالخلاف في أصل هذه الكلمة؛ فمنهم من اختار أصلا واحداً، ومنهم من وضعها في الأصلين، ومنهم من وضعها في ثلاثة أصول؛ فقد وضعها الفيروزآباديّ٢ في (م أن) ووضعها الجوهريّ٣ في الأصلين، ووضعها ابن منظور٤ في ثلاثة: (أون) و (م أن) و (م ون) . ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ق وب) و (ق ب أ) في (قُوْبَاء) على لغة تسكين الواو: داء يظهر على الجلد؛ وهو يحتمل الأصلين:

стр. 372

ذهب سيبويه١ إلى أنه من (ق وب) ووزنه (فُعْلاء) وعلى هذا الجمهور٢. ويجوز أن يكون أصله (ق ب أ) ووزنه (فُوعَال) ٣. وقد يكون في قولهم: (هذا قُوْبَاء) بالتّذكير والصّرف دليل على أصالة الهمزة؛ غير أنّ سيبويه حمله على الإلحاق ببناء فُسطاط مستدلاً بالتّذكير والصّرف٤. ومن التّداخل بين الأجوف والمهموز ما وقع في (أُعْيَبَ) وهو موضع باليمن، إذ يحتمل الأصلين (ع ي ب) و (أع ب) : فقيل٥ إنّه (فُعْيَل) فيكون أصله - حينئذ - (أع ب) . وجعله الصّاغانيّ٦ من (ع ي ب) فيكون وزنه (أفْعَل) وقال: إنه الصّواب، وقد أُخرج على الأصل. وأجاز الفيروزاباديّ٧ الوجهين، وأدّى ذلك إلى اعتراض الزّبيديّ عليه بقوله: (وقد سبق في كلام المصنّف في (ع ل ب) أنّه ليس في

стр. 373

كلامهم (فُعْيَل) غير: عُلْيَب١، ولو كان: أُعْيَبُ (فُعْيَلاً) لوجب ذكره في الهمزة) ٢. ويتداخل (ت ور) أو (ت ي ر) و (ت أر) في (تارة) وهو اسم يدل على وقت؛ ويحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ت ور) أو (ت ي ر) حملاً على الظّاهر، وقد أورده ابن منظور٣ في هذا الأصل، وجعله الجوهريّ٤ من (ت ي ر) وصنيع ابن منظور أقرب؛ لأنّ الواو أغلب على العين من الياء. وجعله ابن الأعرابيّ٥ من (ت أر) وذكر أنّها في الأصل (تَأْرَةٌ) بالهمز، ولمّا كثُر استعمالها خُفّفت؛ فقالوا: تارة. وفيما يلي بعض ما وقع فيه التّداخل بين الأجوف والمهموز: فيتداخل في الظَّأْب - وهو الزَّجَل (ظ أب) ٦ و (ظ وب) ٧.

стр. 374

و (ث وج) و (ث أج) في قولهم: ثَاجَت البقرة؛ إذا صوّتت١. و (ج ون) و (ج أن) في (جَوْنة) العطّار٢. و (م وت) و (م أت) في (مُؤْتة) وهو موضع بالشّام٣. و (ق ون) و (ق أن) في (القَان) وهو ضرب من الشّجر٤. و (ز ور) و (ز أر) في (الَّزيّر) وهو: الغضبان من الرجال٥. و (ف ور) و (ف أر) في (فأرة المسك) ٦. و (ر ود) و (ر أد) في (الرِّئْد) وهو التّراب٧. و (م وس) و (م أس) في (الرّجل الماس) وهو الذي لا يلتفت إلى موعظة من أحد٨.

стр. 375

ج - التّداخل بين النّاقص والمهموز: وهذا ممّا يكثر فيه التّداخل - أيضاً. فمنه تداخل (فِنْعَلْو) و (فِنْعَأل) في عدد من الكلمات المتشابهة في البناء، كـ (حِنْطَأْو) وهو عظيم البطن من الرّجال، و (سِنْدَأْوٍ) وهو الجريء المُقدم، و (عِنْدَأْوٍ) وهو الدّاهية أو الجريء المُقدم - أيضاً - و (قِنْدَأوٍ) وهو الصّلب الشديد، و (كِنْثَأْوٍ) وهو عظيم اللّحية. وقد اختلف الّغويّون في أصول هذه الكلمات: فذهب ابن دريد إلى أنّها (فِنْعَأل) وذكرها في هذا الباب من (الجمهرة) ١، وأشار إلى أنّ الهمزة زائدة، والواو المتطرفة أصليّة. وذهب الجمهور٢ إلى أنّ وزنها (فِنْعَلو) . ومن أوائل الذين نصّوا على ذلك سيبويه حين قال: "ويكون على (فِنْعَلو) في الصِّفة، قالوا: حِنْطَأْوٌ، وكِنْدَأْوٌ، وسِنْدَأْوٌ، وقِنْدَأْوٌ ... ولا نعلمه جاء اسماً"٣.

стр. 376

ولعلّ الّذي حمله على ذلك أنّهم وجدوا؛ في هذه الأمثلة، ثلاثة من أحرف الزّيادة؛ وهي النّون والهمزة والواو، ويتبقّى من كل مثال حرفان أصليّان ليسا من أحرف الزّيادة. ومن هنا فإنّه يتعيّن أن يكون أحد الثّلاثة أصلياً؛ ليبلغ المثال حدّ الثّلاثيّ؛ فابتدؤوا بأقرب الثّلاثة إلى الزّيادة، وهي الواو، فقضوا عليها بالزّيادة؛ لأمور: أحدها: أنّ الواو لا تكون أصلا في ذوات الخمسة أو الأربعة على هذا السّبيل١. ثانيها: أنّهم وجدوا الواو ملازمة لهذا الموضع في تلك الأمثلة؛ فدلّ لزومها ذلك المكان - عندهم - على زيادتها٢؛ مثل لزوم الألف الموضع الثّاني من اسم الفاعل في صيغة (فاعل) والواو الرّابعة في اسم المفعول من صيغة (مفعول) وكذلك الواو في (قِنْدَأْوٍ) وأخوتها؛ الملازمة لموضعها؛ وإن لّم تدل على معنىً كما في (فاعل) و (مفعول) فشُبّهت بذلك. ثالثها: أنّ العرب لا تكاد تجعل الواو في آخر الاسم٣. ولعلّها زيدت في ذلك الموضع؛ لأن الهمزة قبلها تخفى في الوقف

стр. 377

"فاختصّت بها ليكون لزوم البيان عوضاً في هذا لما يدخلها من الخفاء"١. فإذا قُضي على الواو بالزّيادة لهذه الأمور أو ترجّح ذلك - بقيت الهمزة والنّون، كان لابدّ أن يكون أحدهما أصلاً، وكانت النّون أولى بالزّيادة من الهمزة؛ لأنّ الهمزة وقعت حشواً؛ وهو موضع عزيز عليها في الزيادة٢. بخلاف النّون؛ وهي ثانية؛ فإنّ زيادتها في هذا الموضع أكثر من زيادة الهمزة حشواً. وثمّة أمر آخر؛ وهو أنّ النّون لازمت هذا الموضع في تلك الأمثلة؛ كما لزمت النّون باب (جُنْدَب) و (عُنْطب) و (عُنْضَل) فدلّ ذلك على زيادتها. قال الخليل: "وأُحتُجّ بأنّه لم يجئ بناء على لفظ (قِنْدَأوٍ) إلا وثانيه نون، فلمّا لم يجئ على هذا البناء بغير نون علِمْنا أنّ النّون زائدة فيه"٣. فإن قيل: فإن الهمزة - أيضاً - قد لازمت المثال، فالجواب أنّه لا يمكن ـ أيضاً ـ القضاء بزيادتها مع زيادة النّون؛ لئلا يؤدّي إلى بقاء الاسم على أقلّ من ثلاثة أحرف؛ إذ الواو زائدة. فلمّا تعذرت زيادتهما معاً قُضي بزيادة النّون"٤.

стр. 378

ولعلّ مما يؤكد زيادة النّون ظهورها زائدة بالاشتقاق في أحد الأمثلة؛ وهو (كِنثَأْوٌ) لأنّهم قالوا: (كَثَأَثْ لحيته) إذا كانت كِنْثَأْواً، ومن ذلك قول الشاعر: وَأَنتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَأَتْ لَكَ لِحْيَةٌ ... كَاَنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ فِي جُوَالِق١ فينبغي أن يُحمل ما لم يُعلم اشتقاقه من تلك الأمثلة على ما عُلم اشتقاقه؛ وهو (كِنْثَأْوٌ) ٢. وعلى الرُّغم من ذلك فقد قيل: إنّ النّون أصليّة، وإنّ الزّائد الهمزة والواو٣؛ وهو قول ضعيف. وليس غريباً - على هذا - أن تختلف المعاجم في تحديد موضع هذا اللّفظ منها؛ ولكنّ الغريب أن يضطرب فيه المعجم الواحد فيقع في ما يُشبه التّناقض؛ ألا ترى كيف وضع ابن منظور بعضه في الثّلاثيّ، وبعضه في الرّباعيّ؛ فـ (عِنْدَأوٌ) و (قِنْدَأْوٌ) وضعهما في الثّلاثيّ٤ في حين وضع (حِنْطَأْواً) و (سِنْدَأواً) في الرّباعيّ (حنطأ) و (سندأ) ٥.

стр. 379

كما أنّه خالف فيما وضعه في الثّلاثيّ؛ فبعضه في المهموز ومنه (عِنْدَأْو) ذكره في (عدأ) ١، وبعضه في الحرف الذي قبل الهمزة، ومنه (حِنْتَأْوٌ) . ووضع بعضه في موضعين، ومنه (سِنْدَأْوٌ) ٢. وقد كان الفيروزآباديّ دقيقاً في ذلك حين وحّد بينهما، واختار لنفسه أصلاً واحداً٣. ومن التّداخل بين النّاقص والمهموز ما وقع من تداخل بين (ن ب و) و (ن ب أ) في النّبيّ والنّبوة؛ وقد اختلفوا في أصله٤: فذهب فريق إلى أنّ أصله (ن ب أ) واشتقاقه من قولهم: أنبأ عن الله؛ أي: أخبر عنه والنّبأ: الخبر. وهذا مذهب أكثر أهل اللّغة٥، وعلى رأسهم: الخليل٦،

стр. 380

وسيبويه١، وأصل النبي عندهم (النَّبِيْء) وهو (فعيل) بمعنى فاعل٢، ثمّ تركت العرب همزه على سبيل الإبدال لا التّخفيف؛ لأنّ ما تُرك همزه تخفيفاً قد يُهمز تارة ويُخفف أخرى، وأمّا ما تُرك همزه على طريق الإبدال، فهمزه غير جائز، إلا في لغة من لا يرى البدل فيه، ويُهمز على كل حال٣. واستدلّ هؤلاء بجمعه على (نُبَآء) وهو القياس؛ لأن ما جاء على فَعِيل صحيح اللام قياسه أن يأتي على (فُعَلاء) مثل كريم وكُرماء وعظيم وعُظماء ونبيّ ونبآء؛ فقد جُمع على الأصل؛ وعلى هذا قول العباس بن مرداس: يَا خَاتِمَ النُّبآء إنَّكَ مُرْسَلٌ بالحَقِّ كُلُّ هُدى السَّبِيل هُدَاكَا٤ وأمّا (النّبوة) فأصلها النّبُوءة، ثمّ خُفّف بقلب الهمزة واواً، ووزنها (فُعُولة) .

стр. 381

وذهب جماعة من اللّغويين، ومنهم: أبو عمرو بن العلاء١، واليزيديّ٢ - إلى أنّ أصلها (ن ب و) مشتقة من النّباوة، وهي: الرّفْعة، فكأنّه: نبا ينبو؛ أي: ارتفع على الخلق، وعلا عليهم في الرّتبة. ويجوز أن يكون بمعنى: الطّريق؛ أي: الطّريق إلى الله. ٣ وعلى هذا فإنّ النّبي في الأصل (نَبِيْو) على وزن (فَعيل) فاجتمع الياء، والواو، وسُكِّنت؛ الأُولى، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء.٤ ويَستدلّ هذا الفريق بجمعه على (أنبياء) وأنّ ذلك يدل على أنّه معتلّ لا مهموز؛ لأن تكسير ما كان على (فعيل) مُعتلّ اللام أن يأتي على (أَفْعِلاء) ٥ كـ (صَفِيٍّ) و (أَصْفياء) و (تَقِيٍّ) و (أَتْقِياء) . وردّ الفريق الأولُ على هذا بأنّهم لمّا ألزموه التّخفيف عاملوه معاملة المعتلّ؛ فأخذ حكمه في جمع التّكسير، إلا أنّ في ردّهم ضعفاً؛ لأنّ الحكم للأصل لا الفرع.

стр. 382

وانعكس ذلك على وضعه في المعاجم؛ فقد ذكره بعضهم في الموضعين١، ورجّح الفيروزآباديّ٢ أصلاً واحداً؛ وهو (ن ب أ) فذكره فيه. ومن ذلك التّداخل: ما وقع بين الأصلين (ث ف ي) و (أث ف) في (الأُثْفِيّةِ) واحدة: أثافي القِدْر؛ وهي ثلاثة أحجار؛ يوضع عليها القِدر؛ وهي تحتمل الوجهين٣: أوّلها أنّه يجوز أن يكون أصلها (أث ف) ووزنها (فُعْلِيّة) ويدل على ذلك قولهم: (أَثْفَيْتُ القِدْر) وعلى ذلك قول الشّاعر: وَصَالِياتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ٤ فالهمزة فاء الكلمة، ووزنها (يُفَعْليْنَ) ولا تُحمل على (يُؤَكْرَمُ) في قوله:

стр. 383

وإنّه أَهْلٌ لأن يُؤَكْرَمَا١ وإن كان لا يمتنع حملها عليه فيكون وزنها على (يُؤَفْعَلْنَ) ٢ إلا أنّ (يُفَعْلَيْن) أرجح؛ لأنه لا ضرورة فيه٣، ونظيره (يُسَلْقَيْنَ) . ويدل - أيضاً - على أنّ الهمزة فاء قول النّابغة: لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كَفَاء لَه ... وإنْ تَأَثَّفَكَ الأعْدَاء بِالرَّفَدِ٤ أي: صار الأعداءحولك كالأثافي تضافراً وتمالُؤاً؛ ولو كانت الهمزة زائدة - لقال: (تَثَفَّاكَ) . ويرى الزّمخشريّ أنّ (الأُثْفِيَّة) في الأصل: (أثْفُوَّةٌ) ثمّ قُلبت الواو تخفيفاً؛ فقالوا: (أُثْفِيّةٌ) ٥ فيكون وزنها بعد القلب (فُعْلِيَّةً) وقبل القلب (فُعْلُوَّة) .

стр. 384

وثاني الوجهين أنه يجوز أن يكون أصلها (ث ف و) على وزن (أُفْعُولَة) في قول من قال: ثَفَّيْتُ١؛ لأنّه جعل الهمزة زائدة، والمعتلّ لام الكلمة، وشاهد ذلك قول الكميت: ومَا استُنْزِلَتْ في غَيْرِنا قِدْرُ جَارِنَا ... ولا ثُفِّيَتْ إلا بِنَا حين تُنْصَبُ٢ وأصل (الأُثْفيّة) على هذا (أُثْفُوَّةٌ) على وزن (أُفْعُولَة) ثمّ قلبت الواو إلى الياء تخفيفاً؛ كما قالوا: (أُدْحِيّ) لبيْض النّعام، وقياسه (أُدْحُوٌّ) لأنّه من (دَحَوْتُ) . ويدل على أنّها من الواو؛ وليست من الياء قولهم: جاء يَثْفُوهُ؛ أي: يَذْنُبُه ويَدْبُرُه؛ إذا جاء بعده. قال ابن جنّي: "وهذا المعنى موجود في: الأُثْفِيَّة؛ لأنّها تتخلف بعد أهلها في الدّار؛ ولهذا... يصفها الشّعراء كثيراً بالإقامة والثُّواء والتَّخلّف بعد أهل الدّيار"٣. وليس أحد الأصلين بأولى من صاحبه؛ فلكلٍّ منهما وجْه، وقد أجازهما سيبويه٤. ومن هنا وُضعت في أكثر معاجم القافية في

стр. 385

الأصلين١. ونظير (أُثْفِيّة) في احتمالها الأصلين والوزنين: (أُرْبِيَّةٌ) وهي أصل الفخذ: فمن أخذها من: ربا يربو ـ لارتفاع ذلك الموضع - فهي عنده (أُفْعُولَة) . ومن أخذها من (الإرْب) وهو التَّوفُّر - فهي (فُعْلِيَّة) ٢. وقد ذكرها ابن منظور٣ في الأصلين. ويتداخل (ر ط ى) و (أر ط) في (الأرْطى) وهو شجر ينبت في الرّمل يُدبغ به، وهو يحتمل الأصلين٤: فيجوز أن يكون أصله (أر ط) والألف في آخره زائدة لقولهم: أديم مأْروطٌ؛ إذا دُبغ بالأَرْطى؛ فوزنه على هذا الأصل (فَعْلى) .

стр. 386

قال سيبويه: "فلو كانت الألف زائدة لقلتَ: مَرْطِيٌ"١. وذكر ابن جنّي٢ أنّ الألف الأخيرة في (أَرْطَى) للإلحاق بـ (جَعْفَر) وأنّها ليست للتّأنيث بدليل صرفها. ويجوز أن يكون الأصل (ر ط ي) لقولهم: أديم مَرْطِيٌّ، وقد نقل ذلك عنهم أبو عمر الجرميّ٣ والأخفش٤، فيكون وزنها (أفعل) . وإنّما حُملت على الياء دون الواو؛ لأنّ الياء لاماً أكثر من الواو٥. وكان ابن مالك يرى أنّ الأصل الأوّل أظهر؛ لأنّ تصاريفه أكثر؛ فإنّهم قالوا: أرْطيْت الأديم؛ إذا دَبَغْته بالأرْطى، وأرْطَتِ الإبل؛ إذا أكلتِ الأرْطى، أو تأذّت بأكله، وأرْطَتِ الأرض إذا أنبتت الأرْطى٦.

стр. 387

وذكر بعض المعجميّين (الأَرْطَى) في الأصلين؛ ومنهم: الجوهريّ١ ـ وابن منظور٢ والزّبيديّ٣. وذكرها الصّاغانيّ٤ في أصل واحد؛ وهو (أر ط) وتابعه في ذلك الفيروزآباديّ٥. وقريب من ذلك (إِشْفًى) وهو المثقب؛ إذ يحتمل الأصلين (ش ف ي) و (أش ف) . فقد ذهب أكثرهم إلى أنّ أصله (ش ف ي) وأنّ وزنه (إفْعَل) وهو منوّن غير مصروف؛ ولعلّ أوّل من قال بذلك سيبويه٦. وإنّما قُضي على الهمزة الأولى بالزّيادة مع عدم الاشتقاق؛ لأن أكثر ما ورد من ذلك؛ ممّا له اشتقاق؛ الهمزة فيه زائدة، وما عداها أصل، كما أنّ زيادة الهمزة أوّلاً أكثر من زيادة الأف آخراً٧.

стр. 388

وذهب الجوهريّ١ إلى أنّ أصله (أش ف) ووزنه (فِعْلَى) وتابعه في ذلك الصّغانيّ٢. ودفع صنيعُ الجوهريّ ابن برّيّ إلى تعقّبه فيه، والردِّ عليه بأنّ الصّواب أنّه (إفْعَل) بزيادة الهمزة وأصالة المعتلّ٣. ومن ذلك تداخل (س وط) و (أس ط) في (الأُسْطُوانة) وهي تحتمل الأصلين: الأوّل: أنّه يجوز أن يكون أصلها (س ط و) ووزنها (أُفْعُلانَة) وهذا مَذْهب ابن السّرّاج٤؛ واستدلّ بقول بعض العرب (مُتَسَطّ) . ومثلها عنده (أرْجُوانَة) و (أقْحُوَانَة) الهمزة فيهنّ جميعاً زائدة، وكأنّ الألف والنّون زيدتا على (أَفْعُل) ولا يجئ في الكلام (فُعْلُوّ) . واستدلّ - أيضاً - بأنّ أُسْطوانة وما شابهها لو جُعل وزنها (فُعْلُوَانَة) لتَوالَتْ ثلاثة زوائد؛ وهي الواو والألف والنّون؛ وهذا لا يكاد يكون. ولا يُرَدُّ على ابن السّراج بـ (عُنْفُوان) و (عُنْطُوان) لأنّه لم يُنكر ذلك البتة، وهذان من النّوادر، كما يُفهم من كلامه، ولا يُحمل عليهما بغير دليل قويّ.

стр. 389

والثّاني: أنّه يجوز أن يكون الأصل (أس ط) ووزنها (فُعْلُوَانة) وهو مذهب الأخفش١، ونظيره في الوزن (عُنْفُوان) من: اعْتَنَفْتُ الشّيءَ، إذا اسْتَأْنَفْتُهُ. واستدلّ بجمعها على (أَسَاطين) ووزْنه (فَعَالين) وهو بناء موجود في كلام العرب. ولو كانت الهمزة زائدة لكان وزنه (أفاعين) وليس هذا من أوزان الجموع؛ لأنّ لام الثّلاثيّ لا تحذف في الجمع، ولا يجوز أن يُقال: إنّ الواو حُذفت وقُلبت الألف ياءً حتى يكون وزن (أساطين) (أفَاعين) ولا يجوز ـ أيضاً ـ أن يُقال: إنّ الألف حُذفت وقُلبت الواو الّتي هي لامٌ ياءً؛ ليكون وزنه (أَفَاعِلْن) فهو وزن مفقود؛ فلم يبقَ إلا أنْ يُقال: إنّه (فَعَالين) من (أس ط) ٢. وبذلك يتساوى الدّليلان؛ وإن كان ثّمة مُرجّحٌ يُرجّحُ الأصل الأوّل (س وط) وهو أنّ (أس ط) أصل مهمل. وهناك أصل ثالث يَرِدُ على هذه الكلمة؛ وهو (س ط ن) فيكون وزنها - حينئذ (أفْعُوَالة) وكان الجوهريّ٣ على هذا الرّأي، وشبّهه - في أصالة النّون - بـ (أُقْحُوَانة) .

стр. 390

على أنّ ما ذهب إليه الجوهريّ ضعيف، ولا دليل على أصالة النّون في (أُقْحُوانة) والرّاجح أنّ وزنها (أُفْعُلانة) كـ (أُسْطُوانة) عند ابن السّرّاج؛ لقولهم في جمعها: (أَقَاحي) و (أقاحِ) وقولهم في التّصغير: (أُقَيْحِيِةٌ) ١. وليس في قولهم في التّصغير: (سُطَيْنَة) دليل على مذهب الجوهريّ؛ فقد حُمل على قاعدة توهّم أصالة الحرف٢؛ فالنّون زائدة، ولكنّهم توهّموا فيها الأصالة؛ كما توهّموا أصالة الميم في: مِسْكِين ومَسِيل؛ فقالوا: تَمَسْكَن، وقالوا: مِسْلان. ويُرجّح ذلك - أيضاً - أنّ (أُفْعُوَالَة) لم يثبت في كلامهم٣. ومن التّداخل في هذا الباب ما وقع بين (أق ي) و (م أق) في (مَأْقِي العين) وهي لغة في: مُؤْقِ العين؛ وهو طرفها مما يلي الأنف. وقد اختلفوا في أصله؛ ولهم فيه رأيان٤: فذهب الفرّاء٥ وابن السّكّيت٦ إلى أنّ أصله (أق ي) وأنّ وزنه (مَفْعِل) .
следующие страницы →