← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومن ذلك - أيضاً - تداخل (م ز ح) و (ز ي ح) في المِزاح؛ وهو بكسر الميم مصدر: مازحه، ويجوز الضّمّ فيه. قال ابن سِيدَه: "مَزَح يَمْزَح مَزْحاً ومِزَاحاً ومُزَاحاً ... والاسم المُزَاح"١. وهو يحتمل الأصلين: فذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ز ي ح) من: أَزَاحه عن موضعه، وهو مرويّ عن ابن دريدٍ فيما ذكره أبو حيّان التّوحيديّ بقوله: "سألت السّيرافيّ عن قول من قال: المِزَاح سمِّيَ مِزَاحاً؛ لأنّه أُزِيح عن الحقّ، فقال: هذا محكيّ عن ابن دريدٍ٢؛ وهو باطلٌ، والميم من سِنْخ الكلمة في: مَزَحْت أَمْزَح، ومن أُزِيحَ تكون زائدةً"٣. ووزنه على الكسر (مِفْعَل) وهو ممّا نحن فيه؛ ووزنه على الضّمّ (مُفْعَل) اسم مفعول؛ وأصله (مُزْيَحٌ) ثمّ أُعلّ. والّذي عليه الجمهور أنّ أصله (م ز ح) وهو (فِعَال) بكسر الميم؛ مصدر: مَازَحَه، ويكوز فيه الضّمّ٤.

стр. 422

٥- مَفْعَل وفَعَال: من ذلك تداخل (م ج ح) و (ج وح) في (مَجَاح) وهو اسم موضع من نواحي مكّة المكرّمة، ويحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصله (ج وح) فيكون وزنه (مَفْعَل) وأصله (مَجْوَحٌ) ثمّ أُعلّ بالنّقل والتّسكين والقلب؛ فقالوا: مَجَاح. ويجوز أن يكون أصله (م ج ح) فيكون - حينئذٍ (فَعَالاً) مثل (سَلاَمٍ) و (كَلاَمٍ) . وقد أجاز ابن سِيدَه١ وابن منظورٍ٢ الأصلين. ومن ذلك - أيضاً - تداخل (ع ي ن) و (م ع ن) في (مَعَان) وهو موضع بالأردن٣؛ ويحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصله (م ع ن) ٤ على وزن (فَعَال) مثل (سَلاَم) . ويجوز أن يكون الأصل (ع ي ن) فيكون وزنه (مَفْعَلاً) وأصله (مَعِيْن) أُعِلّ بالنّقل والتّسكين والقلب؛ فقالوا: (مَعَان) . وعلى هذا حمله ابن السِّيد٥ في قول المعرِّي:

стр. 423

مَعَانٌ من أَحِبَّتِنَا مَعَانُ١ ... تُجِيْبُ الصَّاهِلاَتِ بِهِ القِيَانُ٢ وكان يرى أنّ المَعَانَ هو المكان المعمور، واشتقاقه من: المُعَايَنَة لأن الناس يكثرون فيه، فيعاين بعضهم بعضاً، وهو (مَفْعَل) من عَانَه يَعِينُه؛ إذا نظر إليه؛ لأنّ (مَفْعَلاً) لا يشتقّ إلاّ من الفعل الثّلاثيّ. ومن ذلك تداخل (ذود) و (م ذد) في (المَذَاد) وهو وادٍ في المدينة بين سَلْعٍ والخندق؛ وهو يحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصله (ذود) فيكون على وزن (مَفْعَل) وأصله (مَذْوَد) ثمّ أُعلّ بالنّقل والتّسكين والقلب. ويجوز أن يكون أصله (م ذ د) فيكون وزنه (فَعَالاً) مثل (سَلامٍ) . وقد أجاز ابن منظورٍ الأصلين؛ إذ وضعه فيهما٣.

стр. 424

ثانياً- ما في آخره نونٌ قبلها ألفٌ زائدةٌ: وهو الصّنف الثّاني في التّداخل بين الأجوف والصّحيح؛ وهو كثير لكثرة زيادة النّون آخراً بعد الألف الزّائدة؛ فتقارَبَ - في حكم الزّيادة أو الأصالة - حرفُ العلّة في وسط الكلمة والنّون؛ فمن ثَمَّ يكثر التّداخل لتقاربهما في الحكم. وهو يشيع في ثمانية أوزان؛ وهي: فَعْلاَن وفَيْعَال. فَعْلاَن وفَاعَال. فُعْلاَن وفُوعَال. فَعْلُون وفَيْعُول. وفيما يلي بيان ما بين تلك الأوزان من تداخلٍ: ١- فَعْلاَن وفَيْعَال. وهو أكثر هذه الأنواع تداخلاً، وشواهده كثيرةٌ، فمنه تداخل (ف ي ن) و (ف ن ن) في (فَيْنَان) في قولهم: رجل فَيْنَان الشّعْر طويلُه؛ وهو يحتمل الأصلين: فقد ذهب الجوهرِيّ١ إلى أنّ أصله (ف ي ن) ونصّ على أنّ وزنه (فَعْلان) وإذا سمِّي به مُنِع من الصّرف.

стр. 425

وذهب الخليل وسيبويه١ إلى أنّ أصله (ف ن ن) واشتقاقه من الفَنَن؛ أي: لشعره فنونٌ كأفنان الشّجر، فهو (فَيْعَال) وهو مصروف في العَلَمِيّة وغيرها. والرّاجح هو هذا الأصل؛ فإنّ فيه غَالِبَين مُتساويين: الياء والنّون، فرجّح الاشتقاق زيادة الياء وأصالة النّون؛ لأنّ الفَنَن الغُصْن والشّعر كالغُصن. وذكره ابن منظورٍ في الأصلين٢. ويتداخل (د ي ح) و (د ح ن) في (الدَّيْحَان) وهو الجراد؛ فيحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصله (د ي ح) ووزنه - حينئذٍ (فَيْعَال) وهو مذهب كُرَاعٍ فيما حكاه ابن سِيدَه٣. ويتداخل (خ ي ف) و (خ ف ن) في (الخَيْفَان) وهو: الجراد أوّل ما يطير، ومنه: جرادة خَيْفَانةٌ: أشبُّ ما تكون، وكذلك النَّاقة السّريعة؛ وهو يحتمل الأصلين: فقد جعله الخليل من (خ ف ن) من (الخَفْن) ٤ فهو عنده (فَيْعَال) .

стр. 426

وجعله الأزهرِيّ من (خ ي ف) ورد على صاحب (العين) بقوله: (قلت: جعل خَيْفَاناً (فَيْعَالاً) من الخَفْن، وليس كذلك؛ وإنّما: الخَيْفَان من: الجراد؛ الّذي صار فيه خطوطٌ مختلفةٌ، وأصله من الأَخْيَف، والنّون في: خَيْفَانٍ نون (فَعْلان) والياء أصليّةٌ) ١. وإلى ذلك ذهب الصَّغانيّ٢. وجعله ابن منظورٍ من الأصلين٣. ومن ذلك تداخل (ش ي ط) و (ش ط ن) في (الشَّيْطَان) وهو يحتمل الوجهين:٤ فمذهب الجمهور أنّ أصله (ش ط ن) وهو (فَيْعَال) عندهم، واشتقاقه من (الشّطْن) من قولهم: شَطَنَ يَشْطُنُ؛ أي: أَبْعَد؛ لأنّه بعيدٌ من رحمة الله تعالى، وعلى هذا المعنى قول النّابغة: نَأتْ بسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُوْنُ ... فَبَانَتْ والفُؤَادُ بِهَا رَهِيْنُ٥

стр. 427

واستدلّوا على ذلك الأصل - أيضاً - باشتقاقهم فِعْلاً من لفظه؛ في قولهم: (تَشَيْطَنَ) وهو ممّا يدلّ على أصالة النّون فيه. وإلى هذا ذهب سيبويه في أحد قَوْلَيْه١، وابن السّرّاج٢، وابن جِنِّيّ٣. ويؤيّد مذهبهم هذا أمران: أحدهما: قولهم: شَيْطَانَةٌ في قول الشَّاعر: هِيَ البَازِلُ الكَوْمَاءُ لاَ شَيْءَ غَيره ... وَشَيْطَانَةٌ قَدْ جُنَّ مِنْهَا جُنُونُهَا٤ لأنّ تاء التّأنيث قلّما تدخل على (فَعْلان) ٥. وثانيهما: قولهم في الجمع (شَيَاطِيْن) وهو يدلّ على أنّ شيطاناً (فَيْعَال) ؛ لأنّهم لا يكسِّرون (فَعْلاَن) على (فَعَالِين) ٦. وذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ش ي ط) وأنّ وزنه (فَعلاَن) من شَاطَ يَشِيط؛ إذا هَاجَ والتَهَبَ الغَضَبُ؛ وهذا المعنى موجودٌ في (الشّيْطَان)

стр. 428

لأنّ الالتهاب في الغضب يشبه الجنون والتّخبُّط، وعليه قوله : ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ١. وكان سيبويه يجيز هذا الأصل في أحد قوليْه٢. وثَمَّة ما يضعف هذا المذهب؛ وهو أنّه لم يسمع في تصاريفه إلاّ بثبوت النّون٣. ولو قال قائلٌ منتصراً لهذا المذهب: إنّ لزوم النّون لتصاريفه إنّما كان ذلك لتوهّمهم أصالة النّون؛ على قاعدة توهّم أصالة الحرف الزّائد - لذهب مذهباً حسناً. وتظهر ثمرة هذا الخلاف في الصّرف ومنعه؛ فإن أُخِذ من (ش ط ن) فهو مصروفٌ، وإن أُخِذ من (ش ي ط) فهو ممنوعٌ من الصّرف٤. ومثل هذا التّداخل كثيرٌ٥.

стр. 429

٢- فَعْلان وفَاعَال: ومنه تداخل (ع ي هـ) و (ع هـ ن) في (عَاهَان) وهو اسم رجلٍ؛ ويحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصله (ع ي هـ) فيكون وزنه - حينئذٍ (فعلان) . ويجوز أن يكون أصله (ع هـ ن) فيكون وزنه (فَاعَالاً) . وأجاز ابن سِيدَه الأصلين١، وتابعه في ذلك ابن منظورٍ٢. ومنه تداخل (روذ) و (رذن) في (رَاذَان) وهو موضعٌ بالسّواد٣ في قول الشّاعر: وَقَدْ عَلِمَتْ خَيْلٌ بِرَاذَانَ أَنَّنِي ... شَدَدْتُ وَلَمْ يَشْدُدْ مِنَ القَوْمِ فَارِسُ٤ وهو يحتمل الأصلين:

стр. 430

فيجوز أن يكون أصله (ر ي ذ) فيكون وزنه (فَعْلاَن) وعلى ذلك جاء في الشِّعر غير مصروفٍ. ويجوز أن يكون أصله (رذن) فيكون وزنه (فَاعَالاً) . وأجاز ذلك ابن سِيدَه بقوله: (فإن قلت: كيف تكون نونه أصلاً؛ وهو في الشِّعر الّذي أنشدته غير مصروفٍ؟ قيل: قد يجوز أن يعني به البقعة، فلا يصرفه، وقد يجوز أن تكون نونه زائدةً؛ فإن كان ذلك فهو من باب (ر وذ) أو (ر ي ذ) إمّا (فَعَلاناً) أو (فَعْلاناً) رَوَذان أو رَوْذان، ثمّ اعتلَّ اعتلالاً شاذًّا) ١. ٣- فُعْلاَن وفُوْعال: منه تداخل (ش ور) و (ش ر ن) في (الشُّورَان) وهو القِرْطِن أو العُصْفُر، ويحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصله (ش ور) فوزنه - حينئذٍ (فُعْلاَن) . ويجوز أن يكون من (ش ر ن) فهو - حينئذٍ (فُوْعَال) . وقد أجاز الصّغانيّ٢ الأصلين، وذكره ابن منظورٍ٣، والفيروزاباديّ٤ في (ش ر ن) على أنّه (فُوَْال) وهو الرّاجح؛ لأنّ

стр. 431

(فُوْعَالاً) مخصوصٌ بالأسماء١. ويتداخل (خ وذ) و (خ ذ ن) في (خُوذَان) وهو: الخامل؛ إذا تأخَّر عن أهل الفضل، ويحتمل الأصلين: أن يكون من (خ وذ) على زنة (فُعْلاَن) . أو من (خ ذ ن) على وزن (فُوْعَال) . وكان أبو حَيّان٢ يجيز الوجهين. والرّاجح أنّه (فُعْلاَن) لأنّه صفةٌ، و (فُعْلاَن) يغلب على الصِّفات٣، كـ (خُمْصَان) وهو: الخالي البطن الضّامره، و (القُرْحَان) وهو الّذي لم يصبه الجُدَريّ. وذكر الأزهرِيّ٤ والزّبيديّ٥ (الخَوْذَان) بالفتح؛ فلعلّ هذا ممّا جاء بالوجهين: الفتح والضّمّ. ويتداخل (س وب) و (س ب ن) في (السُّوبَان) وهو: الرّجل الحسن الرّعاية للإبل؛ وهو يحتمل أن يكون أصله (س وب) ووزنه (فُعْلاَن) . ويحتمل أن يكون أصله (س ب ن) فيكون على وزن (فُوْعَال) .

стр. 432

وقد رجّح ابن مالكٍ١ الأصل الأوّل؛ لأنّه صفةٌ، و (فُعْلاَن) يكثر في الصّفات؛ كـ (خُمْصَان) وهو: خالي البطن. ٤- فَعْلُون وفَيْعُول: فمن التّداخل بين هذين الوزنين ما وقع بين (ز ي ت) و (ز ت ن) في (الزَّيْتُون) وهو الثّمر المعروف؛ وهو يحتمل الأصلين، وقد اختلفوا فيه٢: فذهب أكثرهم٣ إلى أنّه من (ز ي ت) مشتقًّا من (الزَّيْت) ووزنه عندهم (فَعْلُون) . وكان على ذلك جماعة من العلماء؛ كابن السَّرَّاج٤، والسِّيرافيّ٥، وابن جِنِّيّ٦، والجوهرِيّ٧، والزَّمخشريّ٨، والفيروزاباديّ٩.

стр. 433

وهو من الأبنية التي فاتت سيبويه، وكان ابن جِنِّيّ١ يعجب كيف يفوت سيبويه وهو في القرآن الكريم. وذهب قوم إلى أنه جمع لـ (زَيْت) كما تقول: زيدٌ وزيدون، وإلى ذلك ذهب الزَّجّاج٢. وذهب بعضهم إلى أنّ أصله (ز ت ن) واشتقّوه من (الزَّتْن) وهو أصل مُمَات٣، ووزنه عندهم (فَيْعُول) كـ (قَيْصُوم) . وكان ابن كيسان وابن دريد على هذا المذهب٤، ورجّحه ابن مالك؛ مستدلاًّ بسقوط الياء في الاشتقاق في قولهم: أرضٌ زَتِنَةٌ؛ إذا كانت كثيرة الزّيتون٥. وبه استدلّ ابن عصفورٍ٦ - أيضاً - وأضاف دليلاً آخر على صحّة مذهبهم، وهو أن (فَعْلُونا) بناء لم يستقرّ في كلامهم.٠ واختاره السَّمين، وعضَّد أدلّتهم بقوله: "ولا يُتَوَهَّم أنّ ياءه٧ أصليّةٌ، ونونه مزيدةٌ بدلالة الزّيت؛ فإنّهما مادّتان متغايرتان؛ وإن كان

стр. 434

الزّيت معتصراً منه، ويقال: زَاتَ طعامه: أي: جعل فيه زيتاً، وزَاتَ رأسه؛ أي: دَهَنَه به"١. وأرى أنّ الصّواب مع الجمهور؛ وهو أنّ الأصل هو (ز ي ت) ووزنه (فَعْلُون) كما قال ابن جِنِّيّ٢. أما استدلال ابن مالك بقولهم: (أرضٌ زَتِنَةٌ) فيمكن حمله على توهّم أصالة النّون. وأمَّا استدلال ابن عصفورٍ بأنّ (فَعْلُوناً) أصلٌ مهملٌ فهو استدلال في غير محلّه؛ ألا ترى أن الجمهور أثبتوه وعدّوه ممّا فات سيبويه؟ وإذا ثبت ذلك بطل ما ذهب إليه السّمين بجعله (الزّيت) و (الزَّيْتُون) مادّتين متغايرتين، كأنه حمله على باب: سَبْطٍ وسِبَطْرٍ؛ فليس ثمّة موجبٌ لحمله على هذا الباب؛ لأن النّون من حروف الزّيادة؛ وهي واقعةٌ في موضعٍ تُزَاد فيه، وهو الطّرف. ويتداخل (م ي س) و (م س ن) في (مَيْسُون) وهو اسم امرأةٍ؛ ويحتمل الوجهين: فيجوز أن يكون الأصل (م ي س) فيكون على وزن (فَعْلُون) مثل (زَيْتُون) على مذهب من جعل النّون زائدةً.

стр. 435

وإلى هذا ذهب ابن جِنِّيّ١؛ وهو مذهب قويٌّ؛ لأن المَيَّاسة من النِّساء هي الّتي تميس في مشيتها؛ أي: تختال؛ وقد يقال للغلام الحسن الوجه والقدّ: مَيْسُون٢. ويجوز أن يكون أصله (م س ن) على وزن (فَيْعُول) وهو قياس مذهب مَن جعل النّون أصلاً في (زَيْتُون) . وقد ذكره ابن منظورٍ في الأصلين٣: ومن ذلك (قَيْعُونٌ) فهو يحتمل الأصلين (ق ي ع) و (ق ع ن) فيكون على الأوّل (فَعْلُوناً) وعلى الثّاني (فَيْعُولاً) . وأجاز ابن منطورٍ الأصلين٤.

стр. 436

ثالثاً- ما لا رابط فيه: وهو الصِّنف الثّالث؛ ويختلف عن سابقيه بأنّ التّداخل فيه متنوّعٌ، ولا رابط بين أمثلته، سوى الرّابط العامّ الّذي ينتظم الأصناف أو المجموعات الثّلاث؛ وهو التّداخل بين الأجوف والصّحيح. فمن ذلك تداخل (ن ور) و (ت ن ر) في (التَّنُّور) وهو: نوعٌ من الكوانين يخبز فيه؛ وقد اختلفوا في أصله١: فذهب ثعلبٌ - فيما نُسِبَ إليه٢- إلى أنّ أصله (ن ور) ومنه النّار والنّور؛ ووزنه على هذا الأصل (تَفْعُول) وهو في الأصل: (تَنْوُورٌ) فقلبوا الواو الأولى همزةً لانضمامها، ثمّ حذفوها تخفيفاً، ثم شدّدوا النّون كالعوض من المحذوف٣. على أنّ ما في (الفَصِيح) ٤ خلاف ما نُسِب إلى ثعلب؛ وهو موافقٌ لرأي الجمهور.

стр. 437

وذهب أبو عليٍّ الفارسيّ١ - وتابعه ابن جِنِّيّ - ٢ إلى أنّ أصله (ت ن ر) ووزنه (فَعُّول) . ولم يكن ابن جِنِّيّ يرتضي ما ذهب إليه ثعلب، وكان يتّهمه بعدم التّوفيق، ويقول: "ولو كان (تَفْعُولاً) من النّار - لوجب أن يقال فيه تَنْوُور، كما أنّك لو بنيْتَه من القول لكان؛ تَقْوُولاً، ومن العَوْد: تَعْوُوداً... وإنّما تَنُّورٌ: (فَعُّول) من لفظ (ت ن ر) وهو أصلٌ لم يستعمل إلاّ في هذا الحرف، وبالزّيادة كما ترى"٣. وأجاز ابن جِنِّيّ - أيضاً - أن يكون (فَعْنُولا) وذكر أنَّ التنور لفظ اشترك فيه جميع اللُّغات من العرب وغيرهم. وعلى هذا المذهب أكثر العلماء؛ كالجوهرِيّ٤، وابن سِيدَه٥، وابن عصفورٍ٦، وابن منظورٍ٧. غير أنَّ في المنهج المقارَن، في هذه المادَّة، ما يؤيِّد مذهب ثعلبٍ - فيما نُسِبَ إليه - وهو اشتقاقها من النَّار أو النُّور، فقد ذكر طه باقر أنَّ

стр. 438

كلمة (تَنُّور) وردت في اللُّغة الأَكَدِيَّة، بصيغة مضاهيةٍ للعربيَّة بهيئة (تَنُّور) (tinuru) وذكر أنَّ المعاجم الأكادِيَّة الحديثة اشتقّتها من المادَّة الأَكَدِيَّة (نَار) أو (نور) الموافقتين - في معناهما - للعربيَّة، وأشار إلى أنَّ زيادة التّاء في أوَّل الجذر أسلوبٌ مألوفٌ في اللُّغة الأَكَدِيَّة١. ويؤيِّد مذهب ثعلبٍ - أيضاً - أنَّ (ت ن ر) أصلٌ مهملٌ، كما أشار إلى ذلك الأزهرِيّ٢. ومن التَّداخل بين الأجوف والصَّحيح: تداخل (ك ون) أو (ك ي ن) و (س ك ن) في قولهم: استكان ومستكين ويستكين، وقد اختلفوا في ذلك٣: فذهب الجمهور إلى أنَّ الأصل الأجوف؛ ولكنَّهم اختلفوا فيه: فذهب بعضهم٤ إلى أنَّه (ك ون) وهو (اسْتَفْعَل) من (الكَوْن) أي انتقل من كونٍ إلى كونٍ؛ كما قيل: استحال؛ إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ؛ كأنّه شيءٌ قد كان؛ أي: ذهب ومضى. وأصله - حينئذٍ (اسْتَكْوَنَ) فأُعِلَّ بالنَّقل والقلب.

стр. 439

وذهب بعضهم١ إلى أنَّه (ك ي ن) مأخوذٌ من (الكَيْنِ) وهو: لحم باطن الفرج؛ لذلّ ذلك الموضع ومهانته. وعلى هذا فأصله (استَكْيَنَ) فأُعِلَّ بالنَّقل والقلب كسابقه. وذهب بعضهم - فيما حكى المَعَرِّيّ٢ - إلى أنَّ أصله (س ك ن) من السُّكون؛ بمعنى: الخضوع والذّلة، ووزنه على هذا الأصل (افْتَعَالَ) لأنَّه في الأصل (اسْتَكَنَ) على (افْتَعَلَ) ثم أُشْبِعَت فتحة الكاف؛ فقالوا: (اسْتَكَانَ) . وإلى مثل ذلك ذهب ابن سِيدَه٣. و (يَسْتَكِينُ) و (مُسْتَكِينٌ) على هذا الأصل (يَفْتَعِيلُ) و (مُفْتَعِيل) وهي أبنيةٌ مستنكَرَةٌ يأباها قياس العربيَّة؛ فلا يجوز أن يذهب إلى مثلها غير مضطرٍّ - كما قال المَعَرِّيّ؛ لأنَّه لم تجر عادتهم بمثل ذلك، في منثور الكلام وسَعَته؛ وإنّما يستعمل مثلها في ضرورات الشِّعر٤؛ كقول ابن هَرْمَةَ حينما اضطرَّه الوزن: وَأَنْتَ مِنَ الغَوَائِلِ حِيْنَ تَرْمِي ... وَعَنْ شَتْمِ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ٥

стр. 440

يريد (بمُتْنَزَح) فهو (مُفْتَعَال) ولا ضرورة في قولهم: استكان يستكين. ويتداخل (ت وب) و (ت ب ت) في (التَّابوت) وهو الصُّندوق؛ وهذا يحتمل الأصلين: فذهب الجوهرِيّ إلى أنَّه من (ت وب) وأنَّ وزنه (فَعْلُوهُ) وأصله (تَابُوَة) مثل (تَرْقُوَة) فلما سُكِّنت الواو انقلبت هاءُ التَّأْنيث تاء. قال: "لم تختلف لغة قريشٍ والأنصار في شيءٍ من القرآن إلاَّ في التّابوت؛ فلغة قريشٍ بالتَّاء، ولغة الأنصار بالهاء"١. وقيل: إنّه (فَعَلُوت) كـ (مَلَكُوت) من: تَابَ يَتُوب، والتَّوب: الرُّجوع؛ لأنَّ التَّابوت هو: الصُّندوق الَّذي توضع فيه الأشياء؛ فيرجع إليه صاحبه٢. وذهب ابن برِّيّ إلى أنَّه من (ت ب ت) ووزنه (فَاعُول) مثل (حَاطُومٍ) و (عَاقُولٍ) وأنَّ من وقف عليه بالهاء فإنّما أبدلها من التاء؛ كما أبدلها في (الفُرَات) وليست فيه بتاء تأنيث؛ وإنّما هي أصليَّة من الكلمة نفسها، وكذلك في (تَابُوت) ٣.

стр. 441

وإلى مثل ذلك ذهب العُكْبَرِيُّ، وحمله على أنَّه ممَّا لا يُعْرَف له اشتقاق في لغة العرب١. ويتداخل (ن وف) و (ت ن ف) في (تَنُوفَ) أو (تَنُوفَى) وهي موضِعٌ ببلاد طيّئ٢ بحائل في قول امرئ القيس: كأنَّ دِثَاراً حلّقتْ بِلَبُوْنِهِ ... عُقَابُ تَنُوفَى لاَ عُقَابُ القَوَاعِلِ٣. ورواية ابن جِنِّيّ٤: عُقَابُ تَنُوفَ لاَ عُقَابُ القَوَاعِلِ والوجهان صحيحان في اسم الموضع، كما ذكره أبو عبيد البكريّ٥؛ وهما يحتملان الأصلين: فذهب أبو عبيدٍ البكريّ٦ إلى أنَّ الأصل (ت ن ف) فوزن تَنُوفَ (فَعُول) ووزن (تَنُوفَى) (فَعُولَى) .

стр. 442

وذهب ابن جِنِّيّ إلى أنَّ الأصل (ن وف) من النَّوف؛ وهو: الارتفاع، بقوله: "وأنا أرى أنَّ (تَنُوفَ) ليست (فَعُولاً) بل هي (تَفْعُل) من النَّوف؛ وهو: الارتفاع؛ سمِّيت بذلك لعُلُوِّها. ومنه: أنَافَ على الشَّيء؛ إذا ارتفع عليه، والنَّيِّف في العدد من هذا ... فتَنُوفُ -في أنَّه علم- على (تَفْعُل) بمنزلة يَشْكُر ويَعْصُر"١. وما ذهب إليه أبو الفتح قريبٌ لدلالة الاشتقاق. ومثل تَنُوفَ (تَحُوطُ) وهو: اسم للقحط والسّنة الشّديدة؛ فيحتمل الأصلين: فيجوز أن يكون أصلها (ح وط) فيكون وزنها (تَفْعُلُ) منقولةً من الفعل المضارع؛ وأصلها (تَحْوُطُ) ثم أُعلَّت بالنّقل؛ مثل (تَقْوُل) و (تَقُول) وأشار إلى ذلك الأزهرِيّ٢. ويجوز أن يكون أصلها (ت ح ط) فيكون وزنها (فَعُولاً) . والأوَّل أقرب؛ فلعلّ اشتقاقه من: الإحاطة؛ وهو: الاكتناف؛ فكأنّها أحاطتهم بالقحط والشّدّة. ولأنَّ الثّاني أصلٌ مهملٌ؛ فلا يكاد يتصرّف منه كلامٌ. وقد ذكرها ابن منظورٍ في الأصلين٣.

стр. 443

ويتداخل (هـ ي ق) و (هـ ق ل) في (الهَيْقَل) وهو ذكر النّعام؛ ويحتمل الأصلين١: فيجوز أن يكون من (هـ ي ق) مشتقّاً من (الهَيْقِ) وهو: الطُّول قال الأزهرِيّ: "ولذلك سمِّي الظَّليم هَيْقاً، ورجلٌ هَيْقٌ، يُشَبّه بالظَّليم؛ لنفاره وجُبنه"٢. وعلى هذا الأصل فاللاَّم زائدةٌ في (الهَيْقَل) ووزنه (فَعْلَل) . ويجوز أن يكون (هـ ق ل) لقولهم لذكر النَّعام (الهِقْل) والأنثى (الهِقْلَةُ) ٣. وعلى هذا الاشتقاق يكون من قال (الهَيْقَل) قد زاد الياء، ويكون وزنه - حينئذٍ (فَيْعلاً) بمنزلة (البَيْطَر) و (الحَيْدَر) . والحقّ أنَّ الأصلين متساويين من ناحية الاشتقاق، وكلّ واحدٍ منهما كثر استعماله؛ بحيث حمل بعض علماء اللُّغة على أن يقولوا: إنّ كلاًّ منهما أصلٌ مستقلٌّ برأسه؛ وأنَّهما من باب التّرادف.

стр. 444

وممن أجاز ذلك ابن جِنِّيّ١؛ وهو اختيار ابن عصفورٍ٢؛ وهو رأيٌ قريبٌ، وأقرب منه - عندي - أن يكون الأصل (هـ ي ق) فيكون وزن الهَيْقَل (فَعْلَلاً) ثُلاَثِيّاً؛ ألا تراهم زادوا الميم في (الهَيْقَم) كما نصّ الجوهرِيّ٣؛ وابن يَعِيشَ٤؛ وهو بمعنى (الهَيْقَل) والميم فيها بمثابة ميم شَدْقَمٍ وزُرْقُمٍ، وكذلك اللاَّم في (الهَيْقَل) زائدةٌ؛ وهي بمثابة اللاَّم في: زَيْدَلٍ وعَبْدَلٍ، والإجماع شبه معقودٍ على زيادة اللاَّم فيهما٥. ومثل الهَيْقَل في تداخل الأصلين (الطَّيْسَلُ) وهو الكثير من كلّ شيءٍ؛ لقولهم في معناه: (الطَّيْسُ) فهو يحتمل (ط ي س) و (ط س ل) وكذلك (الفَيْش) و (الفَيْشَلَة) رأس العضو المذكَّر - فإنّه يحتمل (ف ي ش) و (ف ش ل) ٦. وحملها على (ط ي س) و (ف ي ش) كحمل (الهَيْقَل) على (هـ ي ق) إلاّ أنَّه لم يسمع فيهما الميم مكان اللاَّم. ولو حملا على (ط س ل) و (ف ش ل) لكان ذلك وجهاً؛ لأنَّ زيادة الياء ثانية - أكثر من زيادة اللاَّم آخراً.

стр. 445

ج - التَّداخل بين النّاقص والصَّحيح: هذا هو النوع الثالث في هذا المبحث، والتداخل فيه كثير؛ كسابقه الأجوف. ويمكن تصنيف ما فيه من التداخل إلى أربع مجموعات؛ وهي: ١- ما في أوله ميم. ٢- مُضَعَّف العين في المعتل. ٣- ما يحتمل (فَعَوْلَى) و (فَعَوْعَلا) و (فَعَلْعَلا) . ٤- ما لا رابط فيه. أوّلاً- ما في أوّله ميمٌ: يتداخل - من هذا النّوع (ل ط ي) و (م ل ط) في (المِلْطَى) وهي الأرض السّهلة؛ فتحتمل الأصلين: يجوز أن تكون من (ل ط ي) فتكون على وزن (مِفْعَل) مقصورةً من (مِلْطاء) وهي (مِفْعَال) . ويجوز أن يكون أصلها (م ل ط) ووزنها (فِعْلَى) مقصورة؛ وأصلها (فِعْلاء) . وإلى هذا ذهب أبو عليٍّ الفارسيّ؛ كما حكمى ابن منظورٍ١. ومثلها (المِلْطى) في قولهم: شَجَّه حتّى رأيت المِلْطَى؛ وروى الأزهريّ٢ عن ابن الأعرابيّ أنّه ذكر الشِّجاج؛ فذكر المِلطَى؛ وهي التي

стр. 446

تخرق اللّحم حتّى تدنو من العظم، وكان الأزهريّ قد ذكرها في (م ل ط) فقال: "وقول ابن الأعرابيّ يدلّ على أنّ الميم من المِلْطَى ميم (مِفْعَل) وأنّها ليست بأصليّة؛ كأنّها من: لَطَيْتُ بالشّيء؛ إذا لَصِقْتُ به"١. ومن ذلك تداخل (ع ك و) في (المِعْكاء) ٢ وهي الإبل الغلاظ السمان، في قول أَوْسِ بن حَجَر: الوَاهِبُ المِائَةَ المِعْكاءَ يَشْفَعُهَا يَوْمُ النِّضَالِ بأُخْرَى غَيْرُ مَجْهُودِ٣ وفي قول النابغة: الوَاهِبُ المِائَةَ المِعْكاءَ زَيَّنَهَا ... سَعْدَانُ تَوْضِحَ فِي أَوْبَارِهَا اللِّبَدِ٤ وهي تحتمل الأصلين: ذهب ابن السكيت - فيما حكاه ابن منظور٥ - إلى أن أصلها (ع ك و) ووزنها (مِفْعَال) . ويجوز أن تكون الميم أصلية؛ فيكون أصلها (م ع ك) ووزنها (فِعْلاء) .

стр. 447

وقد ذكرها ابن منظور في الأصلين١. ومن ذلك تداخل (د ر ي) و (م د ر) في (المَدْرِيَّةِ) وهي رِماح كانت تُرَكَّبُ فيها القرون المُحَّدَدة مكان الأَسِنَّة، ومنه قول لبيد بن ربيعة يصف البقرة الوحشية والكلاب: فَلَحِقْنَ واعْتَكَرَتْ لَهَا مَدْرِيَّةٌ ... كالسَّمْهَرِيَّةِ حَدُّها وتَمَامُهَا٢ وهي تحتمل الأصلين: ذهب الجوهريّ٣ إلى أنَّ أصلها (م د ر) وهي (فَعْلِيّة) وتابعه ابن منظور٤. وذهب الصغاني إلى أنها من (د ر ي) وأن الميم زائدة٥؛ فوزنها على الأصل (مَفْعِلَة) . وما ذهب إليه الصغاني هو الصواب؛ لدلالة الاشتقاق؛ فقد ذكر ابن فارس أن الدال والراء والمعتل أصلان:

стр. 448

أحدهما: قصد الشيء، واعتماده طلبا. والآخر: حدة تكون في الشيء١؛ ولا تكاد تخرج (المِدْرِيَّة) وهي الرماح - عن تلك المعاني؛ فبان بالاشتقاق صِحَّة ما ذهب إليه الصَّغاني. ويحتمل (المَدْعِيُّ) وهو المتهم في نفسه (د ع و) و (م د ع) وقد ذكره الأزهري٢ في (م د ع) ورجّح أن ميمه زائدة. وتابعه الصغاني٣ وأشار إلى رأي الأزهري. ثانيا- مُضَعّف العين في المعتل: تضعيف العين في المعتلّ يؤدّي إلى تداخل الأصول؛ إذ يحتمل التّضعيف في العين أن يكون من باب إدغام العين في اللام؛ أي يكون من باب (فعل) ويحتمل أن يكون من باب تضعيف العين؛ نحو (فعّل) فيقع التداخل. فمن ذلك تداخل (ق ر ى) و (ق ر ر) في (القِرِّيّة) وهي الحوصلة؛ فتحتمل الوجهين: يجوز أن يكون أصلها (ق ر ي) فيكون وزنها (فِعَّيلة) وفي هذا الأصل ذكرها ابن سيده٤.

стр. 449

ويجوز أن يكون أصلها (ق ر ر) فيكون وزنها (فِعِّيلة) وأجاز ابن سيده هذا الأصل - أيضا -؛ حين أتى على (قِرِِّيّة) فقال: "وهذان قد يكونان ثُنائيين، فلا يكون بابهما"١ وهو يريد بقوله: (ثُنَائيين) أنهما من الثلاثي المضعّف. ومن تداخل (ق ض و) و (ق ض ض) في (القَضَّاء) من الإبل؛ وهو يحتمل الأصلين: ذهب الأزهري إلى أن أصله (ق ض ض) ٢ فوزنه - عنده (فَعْلاء) . وذهب ابن بري إلى أن أصله (ق ض ي) مشتقا من: قضى يقضي؛ لأنه يُقضى بها الحقوق٣. وقريب من هذا اختلافهم في قولهم: درع قَضَّاء، أي: فُرِغَ من عملها؛ وهي تحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصلها (ق ض ي) فتكون على وزن (فَعَّال) ويمكن أن يُستدلّ بقولهم: قَضَيْتُ الدِّرْعَ؛ أي: أحكمت صنعها، وعلى هذا قول أبي ذؤيب الهذلي:

стр. 450

وتَعَاوَرَا مُسْرُودَتَيْنِ قَضَاهُما ... دَاودُ أو صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ١ وجعل الأزهري (قَضَّاء) (فعلاء) غير منصرف٢، وأصلها (ق ض ض) واشتقاقها من (القَضِّ) وهو: خشونة ملمسها لجدّتها، إذ لم تنسحق٣. ويبدو هذا الأصل أقرب من غيره؛ فلو كانت من (قَضَّيْتُهَا) أي: أحكمتها لقيل: (قَضْيَاء) ٤. ومن أمثلة التداخل في هذا الباب: تداخل (ص ل ي) و (ص ل ل) في (الصِّلِّيان) وهو نبت له سنمة عظيمة؛ كأنها رأس القصبة؛ وهو يحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ص ل ي) أو (ص ل و) ووزنه - حينئذ (فِعّلان) وعلى هذا الأصل قالوا: (أرضٌ مصلاة) إذا كثر فيها هذا النبات. ويجوز أن يكون أصله (ص ل ل) ووزنه - حينئذ (فِعْلِيان) وهو

стр. 451

يشاكل (الحِرْصِيانة) من الحَرْص١، وهذا مذهب سيبويه٢ والجوهري٣. وأجاز الخليل الأصلين؛ فقال: "والصِّلّيان: نبت على (فِعّلان) ٤ ويقال: (فِعْليان) ... فمن قال (فِعْليان) قال [هذه] ٥ أرض مَصْلاة"٦ أي: يكثر فيها هذا النّبات. وفي قوله: "فمن قال (فِعْليان) قال [هذه] أرض مصلاة" تحريف واضح، والظاهر أنَّ صوابه أن يقال: "فمن قال (فِعّلان) ...إلخ" لأن (فِعْليان) من (ص ل ل) فلا يقال منه: أرض مصلاة؛ لأن (مَصْلاة) من (ص ل ي) وأصلها (مَصْليَة) فأعِلَّت بالقلب لتحرّك الياء وانفتاح ما قبلها؛ ووزنها (مَفْعَلَة) وهو يصاغ من أسماء الأعيان للمكان الذي تكثر فيه؛ كقولهم: (أرض مَأْسَدَة) و (مَذْأَبَة) و (مَوْعَلَة) إذا كثرت فيها الأسُود أو الذِّئاب أو الوُعُول. ولو كانت من (فِعْليان) لقالوا: (أرض مَصَلَّة) كقولهم: (أرض مَخَزَّة) أي كثيرة الخُزَز؛ وهو ذكر الأرانب.

стр. 452

وأصل (مَصَلَّة) : (مَصْلَلَة) على وزن (مَفْعَلَة) فسُكّنت اللام الأولى - وهي عين الكلمة - من أجل الإدغام. وقد حكى بعض العلماء هذا القول - على ما فيه - وتناولوه دون توقّف عند ألفاظه؛ كالأزهري١ وابن منظور٢. ومما يرجح هذا ما نقله ابن منظور٣ عن ابن سيده في جعله (الصّلّيانة) (فِعْليانة) من (الصَّلْي) ونقله الزبيدي٤. فالسهو فيه في غاية الوضوح؛ لأن (الصِّلّيانة) إن كانت مشتقة من (الصَّلْي) فإنها لا تكون على وزن (فِعْليانة) بل (فِعّلانة) فإن كانت مشتقة من (الصَّلّ) فإنها - حينئذ (فِعْلِيانة) لا غير. وللإبدال نصيب في التدخل في مضعّف العين في المعتل؛ كقولهم: (لَبَّى) في: لَبَّبَ، و (تَمَطَّى) في: تَمَطَّط، و (تَظَنَّيْتُ) في: تَظَنَّنْتُ، ونحوه. فمن ذلك تداخل (س ر و) و (س ر ر) في (السُّرِّيّة) وهي الجارية المتخذة للملك والجماع؛ يقال فيها: تسرَّرْتُ جارية وتسرَّيتها؛ وهي تحتمل الأصلين:

стр. 453

يجوز أن يكون أصلها (س ر و) من (السَّرو) وهو الارتفاع؛ لأنها تركب سراتها١، وقلبت الواو ياء طلبا للخفة، ثم أدغمت الياء في الياء، ثم حولت الضمة كسرة لمجاورة الياء. ويجوز أن يكون أصلها (س ر ي) من (السَّرِيّ) أي: المختار؛ لأنها مختارة على سائر الجواري. وعلى هذين القولين فوزن (السُّرِّيَة) (فُعِّيلة) كـ (مُرِّيق) وهو العُصْفُر. ويجوز أن يكون أصلها (س ر ر) من (السِّرّ) وهو: الجماع، للفرق بين الحرة والأمة التي توطأ؛ فيقال للحُرَّة إذا نكحت سرًّا، أو كانت فاجرة: (سِرِّيّة) ويقال للمملوكة يتسرَّاها صاحبها: (سُرِّيَّة) مخافة اللبس٢ كما قالوا في النسب إلى الدهر: (دُهْرِيٌّ) يريدون به الشيخ الكبير، وقد ضموا أوله للتفريق بينه وبين (الدَّهْرِيّ) المُلْحد٣. ويجوز أن يكون من: السّرّ؛ بمعنى: الخفية؛ لأن صاحبها يَسُرُّها ويستر أمرها عن حُرَّته؛ وهو اختيار ابن السّرّاج٤. وكان الأخفش يشتقّها من السرور؛ لأنها موضع سرور الرجل٥.

стр. 454

وهي على هذا الأصل - أعني (س ر ر) - (فُعْلِيَّة) والياء فيها للنسب. ومن ذلك تداخل (د س ي) و (د س س) في قوله : ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١ أي أخفاها؛ وهو يحتمل الوجهين، على اختلاف بينهم. فمذهب الجمهور٢ أن الأصل (د س س) وأن الألف في (دَسَّاها) مبدلة من سين؛ كراهية اجتماع ثلاث سينات في (دسسها) كما قالوا: تَظَنَّيْتُ من: الظّنّ، وتقضّينا أي: تقضّضنا من (تَقَضَّض البازي) إذا أسرع في طيرانه، وهوى منقضا على فرسيته، والأصل: (دَسَّيَهَا) بالإبدال ياء، ثم قلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. وذهب الخليل إلى أنّ أصله (د س و) من (دَسَا يَدْسُو دُسُوًّا ودَسْوَةً، وهو نقيض زكا يزكو زكاء وزكاة؛ وهو داسٍ لا زاك) ٣. وبهذا فَسَّره أبو جعفر النّحّاس٤. ورُوِي عن ابن الأعرابيّ٥ أنه قال: دَسَا: إذا استخفى.

стр. 455

قال الأزهريّ: "وهذا يقرُبُ ممّا قاله الليث ... وقد بيّنتُ في مضاعف السين أنَّ دَسَّاها في الأصل؛ دَسَّسَها، وأن السّينات توالت؛ فقلبت إحداهن ياء، وأمَّا دَسَا غيُر محولٍ عن المضعف من باب الدس؛ فلا أعرفه ولم أسمعه؛ وهو مع ذلك غير بعيد من الصواب"١. ومن ذلك تداخل (م ط و) و (م ط ط) في قوله : ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ ٢ أي: يتبختر؛ وهو يحتمل الأصلين: ذهب الفراء إلى أنّ أصله (م ط و) مشتقًّا من (المَطَا) وهو الظهر؛ فكأنّه يلوي ظهره تبخترا٣. والأصل فيه (يَتَمَطَّوُ) فقلبت الواو ياء؛ لوقوعها لاما فوق الثالثة؛ فصارت (يَتَمَطَّيُ) فقلبت الياء ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ووزنه (يَتَفَعَّلُ) ٤. وذهب الزمخشري إلى أن أصله (م ط ط) من (المَطِّ) وأصله (يَتَمَطَّطُ) فقلبت الطاء الأخيرة ياء؛ لتوالي ثلاث طاءات؛ فصارت (يَتَمَطَّى) فقلبت الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها٥.

стр. 456

ويؤيد ما ذهب إليه الزمخشري قولهم: مَطّ حاجبيه مَطًّا؛ أي: مدّهما وتكبّر. ولعلّ المعنى أنه ذهب إلى أهله يمدّ خطاه، ويمدّ حاجبيه تبخترًا. ثالثا- ما يحتمل فَعَوْلَى وفَعَوْعَلا وفَعَلْعَلا: هذا صنف يقع التداخل فيه بين الناقص والصحيح في الثلاثي؛ وهو ما يحتمل أن يكون وزنه (فَعَوْلَى) أو (فَعَوْعَلا) أو (فَعَلْعَلا) كـ (الخَجَوجَى) وهو الطويل الرجلين، و (الشَّجَوْجَى) المفرط الطول، و (الذَّلَولَى) الحسن الخلق أو السريع، و (القَطَوْطَى) وهو من يقارب الخطو. وقد اختلفوا في أصول تلك الكلمات: ذهب فريق إلى أنها من الثلاثي المضعّف، وأصولها (خ ج ج) و (ش ج ج) و (ذ ل ل) و (ق ط ط) ووزنها (فعولى) . وذهب إلى ذلك: أبو حيّان١، والفيروزابادي٢، والسّيوطي٣، والزَّبيدي٤.

стр. 457

وذهب الجمهور إلى أنها من المعتلّ الناقص؛ وأصولها: (خ ج ي) و (ش ج و) و (ق ط و) و (ذ ل ي) . وكان يرى ذلك سيبويه١، والمبرّد٢ وابن السّراج ٣ وابن عصفور٤ وغيرهم. وعلى رأي هؤلاء فهي تحتمل وزنين؛ وهما (فَعَوْعَل) و (فَعَلْعَل) : فذهب سيبويه - في أحد قوليه - إلى الأوّل حين قال: "وأمَّا قَطَوْطَى فَمْبنيّة٥ أنها (فَعَوْعَل) لأنّك تقول: قَطَوان، فتشتقّ منه ما يذهب الواو، ويثبت ما الألف بدل منه، وكذلك: ذَلَوْلى؛ لأنك تقول: اذْلَوْلَيْتُ، وإنما هي (افْعَوْعَلْتُ) وكذلك (شَجَوْجًى) وإن لم يشتق منه؛ لأنه ليس في الكلام (فَعَوْلى) وفيه (فَعَوْعَل) فتحمله على القياس؛ فهذا ثبت"٦.

стр. 458

ولم يحمله ابن السّرّاج١ على (فَعَلْعَل) لأنّ باب (فَعَوْعَل) عنده - أولى به؛ لكثرته وقلة باب (صَمَحْمَح) و (دَمَكْمَك) وهما على وزن (فَعَلْعَل) . أما الوزن الثاني - أعني (فَعَلْعَلا) فقد ذهب إليه سيبويه٢ في رأيه الآخر في المسألة، واحتجّ بأنه أكثر من باب (فَعَوْعَل) خلافا لما حكم به ابن السّرّاج. وكان المبرّد على هذا الرّأي، ويحتج -أيضا- بكثرة (فَعَلْعَل) بالقياس على (فَعَوْعَل) ٣ أيضا. وتابعهما ابن عصفور٤ في الاختيار، وفصّل في المسألة تفصيلا جميلا، وكان يحتجّ لأصالة الألف الأخيرة بأنها لو جعلت زائدة لكان وزنها (فَعَوْلَى) وهو بناء غير موجود. أما الواو المتوسّطة فلو جعلت أصلية؛ فنحن - عندئذ - أمام أمرين: أحدهما: أن يجعل المضعّفان أصلين. وثانيهما: أن يجعل أحدهما أصلا والآخر زائدًا.

стр. 459

فلو جعلا أصلين لما جاز ذلك؛ لأنه يؤدّي إلى أن تكون الواو أصلا في بنات الأربعة؛ وهو مرفوض إلاَّ في نحو (ضَوْضَيْت) و (قَوْقَيْتَ) من بنات الأربعة. ولو جعل أحدهما أصلا والآخر لأدّى ذلك إلى أن يكون الوزن (فَعَلْعَلا) وهو بناء موجود في العربية. فثبت بذلك أن الألف بدل من أصل. وابن عصفور يريد - هنا - أن أصولها قبل الإبدال: (خَجَوْجَو) و (شَجَوجَو) و (قَطَوطَو) و (ذَلَوْلَو) فيحتمل (قَطَوطَو) وأخواتها الأصلين؛ فإما أن تجعل الواو الأخيرة أصلا، أو تجعلها تكريرا لأصل. فإن جعلتها أصلا وجب أن تكون الواو الوسطى زائدة؛ فيكون وزنه (فَعَوْعَلا) مثل (عَثَوْثَل) وهو: الشيخ الثقيل. وإن كانت تلك اللام تكريرا لأصل، كما أن الطاء الثانية في (قَطَوطَو) تكرير للأولى؛ وهي العين، وجب - حينئذ - أن تكون الواو الأولى أصلية؛ فيكون وزنها (فَعَلْعَلا) من باب (صَمَحْمَح) و (دَمَكْمَك) . ولم يجز السّيرافيّ١ (فَعَلْعَلا) والصواب - عنده - أن تكون (فَعَوْعَلا) لقولهم فيه: (اقْطَوْطَى) وهو (افْعَوْعَلَ) لا غير؛ لأنه ليس في الأفعال (افْعَلْعَلَ) وكذلك قالوا في (ذَلَوْلَى) : (اذْلَوْلَى) .

стр. 460

غير أن ابن عصفور خطَّأ السّيرافيّ؛ وإن لم ينصّ على اسمه صراحة؛ وجعل رأيه مما لا يلتفت إليه؛ إذ ليس (قَطَوْطَو) -على رأي ابن عصفور - باسم "جارٍ على: اقْطَوْطَى؛ فيلزم أن تكون الواو الزائدة فيه من غير لفظ اللام؛ كما هي في: اقْطَوْطَى، بل لا يلزم من كونهم قد اشتقّوا: اقْطَوْطَى، من لفظ: قَطَوْطى - أكثر من أن تكون أصولها واحدة، وذلك موجود فيهما؛ لأن: قَطَوْطى - إذا كان وزنه (فَعَلْعَلا) كانت إحدى العينين وإحدى اللامين زائدتين؛ فتكون حروفه الأصول: القاف والطاء والواو؛ وكذلك: اقْطَوْطَى؛ الواو وإحدى الطائين زائدتان، وحروفه الأصول: القاف والطاء والواو التي انقلبت ألفاً"١. وما ذهب إليه ابن عصفور لإبطال رأي السيرافي بعيد؛ ألا ترى أنه يترتب عليه فساد مقياس من أهم مقاييس التفريق بين الأصول وتمييزها؛ وهو الاشتقاق الذي يعتد به العلماء، ويفزعون إليه في كثير من المسائل الصرفية، ولا يُترك الأخذ به إلا بثبت، كالتوهم ونحوه، ولا حاجة إلى حمل (اقْطَوْطَى) على التوهم. والقول - هنا - ما قاله السّيرافيّ، والأدلة تُؤيّده، فإن موضع الواو الوسطى في (قَطَوْطَى) وأخواتها؛ من المواضع التي تكثر فيها حروف الزيادة؛ كالألف والياء والواو والنون؛ نحو (عُلابِط) و (تُمَاضِر) و (عَمَيْثَل) وهو: الضَّخم الثقيل، و (سَمَيدَع) وهو: السَّيِّد، و (فَدَوكَس)
следующие страницы →