← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(ثانياً) : ما آخره همزة: منه تداخل (ص د د) و (ص د أ) في (صَدَّاءَ) وهو: اسم بئر في قَوْلِ الشَّاعر: وإنِّي وتِهْيَامِي بِزَيْنَبَ كالّذي ... يُطالِبُ مِن أَحْوَاضِ صَدَّاءَ مَشْرَبَا١ وهي تحتمل الأصلين: يجوز أن تكون (فَعْلاء) من (ص د د) فكأنَّها تَصُدُّ طالبها. ويجوز أن تكون (فَعّالا) من (ص د أ) وأنَّه لذلك وضعها ابن منظور في المهموز٢، وقد يقال: (عَيْنٌ صَدآءُ) أي: عَذْبَةُ الماء، وفي المثل: (ماءٌ ولا كَصَدْآءَ) ٣. ويحتمل أصلاً ثالثاً؛ وهو المعتلّ (ص د ي) ٤ ووزنها -حينئذ (فَعَّال) أيضاً- فيكون اشتقاقها من: صَدَا يَصْدُو أو صَدِيَ يَصْدَى؛ وهو: شدَّة العَطَشِ، والأصل الأخير -أعني: المعتلّ- ليس ممّا نحن فيه هنا. ومن ذلك تداخل (ك ل أ) و (ك ل ل) في (كَلاَّء) وهو: مَرْفَأُ السُّفن؛ فيحتمل الأصلين: ذهب سيبويه٥ إلى أنَّه (فَعّال) مثل (جَبَّار) من (ك ل أ) لأنَّه يَكْلأُ السُّفن من الرِّيحِ.

стр. 492

وهو عند ثَعْلَبٍ (فَعْلاء) مِن (ك ل ل) لأنَّ الرِّيحَ تَكِلُّ فيه فلا يَنْخَرِقُ١، وقيل٢: إنَّه من (كَلَّ) إذا تَعِبَ. وقولُ سيبويه أَرْجَحُ؛ لأنَّهم ذكروا أنَّ الكَلاَّءَ مُذَكَّرٌ لا يُؤنِّثُه أحدٌ مِنَ العرب٣. وبتداخل في (الثُّفَاءِ) وهو حبُّ الرَّشاد أصلان (ث ف أ) و (ث ف ف) وهو يحتملهما؛ فيجوز أن يكون (فُعَّالا) ٤ مَن (ث ف أ) أو (فُعْلاَء) من (ث ف ف) والأوَّل أرجح؛ لأنَّ (ث ف ف) أصلٌ مهملٌ. ومنه (الدُّبَّاء) وهو: القَرْعُ، وواحدها: دُبَّاءةٌ؛ وهو يحتمل الأصلين: ذهب الهَرويُّ٥ إلى أنَّه (فُعْلاء) من (د ب ب) وتابعه ابن الأثير٦ ومُوَفَّق الدِّين البغداديُّ٧. ويَرى الزَّمخشريُّ أنَّه (فُعال) ولامهُ همزةٌ؛ آخذاً بظاهر اللَّفظ، ومستدلاً بأنَّه لا يُعرف انقلاب لامِهِ عن واوٍ أو ياءٍ٨. ويحتمل (القِثَّاءُ) الأصلين (ق ث أ) من قولهم: أَقْثَأَ القَوْمُ؛ إذا كثُرَ عندهم القِثَّاءُ؛ فوزنه -حينئذ (فِعّال) .

стр. 493

ويجوز أن يكون وزنه (فِعْلاَء) من (ق ث ث) . وقد أجاز ابن عَقِيلٍ١ الأصلين؛ ولكنَّه ذكَرَ أنَّ وزنه على احتمال أصالة الهمزة (فِعْلال) ٢ وهو غير مستقيم كما ترى، وقياس وزنه (فِعَّال) .

стр. 494

الفصل الثاني: التداخل في الرباعي والخماسي مدخل ... الفصل الثَّاني: التَّداخل في الرُّباعيّ والخماسيّ يقلّ تداخل الأصول بين الرّباعي والرّباعي قلّةً ظاهرةً، ويصل إلى حدّ النُّدرة بين الخماسيّ والخماسي. ولمّا كان الرّباعي والخماسيّ متشابهين في قلَّة المادّة وندرة التَّداخل؛ ولا سيّما الخماسي جاء الحديث عنهما- هنا - في موضع واحد. إنَّ لندرة التَّداخل في الرُّباعيّ أوالخماسيّ أسباباً من أهمّها: الأوّل: قلّة ما جاء في اللّغة العربية من الرُّباعيّ أو الخماسيّ؛ قياساً على ما جاء منها في الثّلاثيّ؛ ألا ترى أنَّ ما جاء على الرُّباعيّ في (الصّحاح) للجوهريّ لا يتعدّى ما نسبته (٦٦ر١٣ ?) وهو ما يمثّل ثمانية وستين وسبعمائة أصل من مجموع ما في الصّحاح من أصول؛ وعدّتها عشرون وستمائة وخمسة آلاف أصل١. وما فيه من الخماسيّ لا يتجاوز ما نسبته (٦٧ر.. ?) وهي نسبة

стр. 495

جدّ قليلة؛ لا تكاد تذكر؛ لأنّ ما في الصّحاح من الخماسيّ لا يتجاوز ثمانية وثلاثين أصلاً. أمّا الثّلاثيّ في الصّحاح فبلغت نسبته (٨٥,٦٥ ?) لأنَّ عدد الأصول الثّلاثية فيه أربعة عشر وثمانمائة وأربعة آلاف أصل؛ وهو ما يزيد على أربعة أخماس ما في الصّحاح من أصول. وتختلف النسبة قليلاً في (لسان العرب) وفي (تاج العروس) ولكنّها لا تبتعد كثيراً عمّا في (الصّحاح) . فالرباعي في (اللّسان) ١ يبلغ ما نسبته (٤٧, ٢٧ ?) لأنّه يمثّل ثمانية وأربعين وخمسمائة وألفي أصل من مجموع أصول (اللّسان) البالغ ثلاثة وسبعين ومائتين وتسعة آلاف أصل؛ بينما لا يتجاوز الخماسيّ ما نسبته (٠٢, ٢%) إذ لم تتجاوز الأصول الخماسية سبعة وثمانين ومائة أصل؛ في حين بلغ الثّلاثيّ ما نسبته (٥١, ٧٠%) لأنَّ ما فيه من ذلك يبلغ ثمانية وثلاثين وخمسمائة وستة آلاف أصل. أمَّا (تاج العروس) ٢ فتبلغ الأصول الرّباعية فيه ما نسبته (٠٧, ٣٤%) فعدّتها واحد وثمانون وأربعة آلاف أصل رباعيّ من مجموع ما فيه من الأصول، وقدره ثمانية وسبعون وتسعمائة وأحد عشر ألف أصل؛ بينما لم يتجاوز الخماسيّ في (التّاج) ما نسبته (٥, ٢%) وهو يمثّل ثلاثمائة أصل خماسيّ؛ في حين بلغت نسبة الثّلاثيّ (٤٢, ٦٣%) وهي تمثّل سبعة وتسعين وخمسمائة وسبعة آلاف أصل ثلاثي.

стр. 496

وفيما يلي إحصاء ما تقدم في الجداول الثلاثة التالية، لتسهل على القارئ الموازنة: جدول عدد الأصول الثلاثية في المعاجم الثلاثة المعجم ... الثلاثي ... نسبة الرباعي ... الخماسي ... المجموع الصحاح ... ٤٨١٤ ... ٧٦٨ ... ٣٨ ... ٥٦٢٠ اللسان ... ٦٥٣٨ ... ٦٥٤٨ ... ١٨٧ ... ٩٢٧٣ التاج ... ٧٥٩٧ ... ٤٠٨١ ... ٣٠٠ ... ١١٩٧٨ جدول يبين نسبة الأصول الثلاثة في كل المعاجم المعجم ... نسبة الثلاثي ... نسبة الرباعي ... نسبة الخماسي الصحاح ... ٨٥.٦٥‰ ... ١٣.٦٧‰ ... ٠٠.٦٧‰ اللسان ... ٧٠.٥١‰ ... ٢٧.٤٧‰ ... ٢.٠٢‰ التاج ... ٦٣.٤٣‰ ... ٣٤.٠٧‰ ... ٢.٥‰

стр. 497

الثّاني: أنَّ من أهمّ أسباب تداخل الأصول أن تزيد حروف الكلمة على عدد حروف الأصل؛ فإذا زادت زادت فرص التَّداخل. والفرق في ذلك بين الثّلاثيّ من جهة، والرباعي والخماسي من جهة كبيرٌ؛ فالثّلاثي عرضة للزوائد بجميع أنواعها؛ ويساعد على ذلك خفّته؛ لقلّة أصوله؛ بينما تقلّ الزّوائد في الرّباعي لثقله، وهي أقلّ في الخماسيّ، وقد تقدّم في الباب الأوّل١ أنَّ الفعل لا يكون خماسيَّ الأصول للثّقل. وإن وقع فيهما شيء من الزّوائد فهو في الغالب من حروف العلّة: الألفِ والواو والياءِ؛ وهنّ أمّهات الزوائد، وزيادتهن في الرّباعي أو الخماسيّ لا خفاء فيها؛ لأنّهنّ لا يكنّ أصلاً فيهما؛ كما قرّر جمهور علماء العربيّة. ومثال الألف - فيما يكثر زيادته (سِرْدَاحٌ) وهي: النّاقة السّريعة، و (قَبَعْثَرَى) وهو: الجمل الضَّخم العظيم. ومثال الواو (عُصْفُورٌ) و (عَضْرَفُوطٌ) وهو ذَكَرُ العِظَاء. أمَّا الياء فمثالها (غِطْرِيفٌ) وهو: السِّيد الكريم، و (خُزَعْبِيلٌ) وهو: الباطل. وممّا يكثر زيادته النّون؛ وهي مطّردة في الرّباعي وما شابهه؛ إذا توسّطت ساكنة؛ نحو (جَحَنْفَلٍ) و (غَضَنْفَرٍ) . وأمر النّون في وضوحٍ زيادتها في ذلك الموضع كوضوح زيادة

стр. 498

حروف العلّة الثّلاثة؛ لأنَّ النّون من حروف الذّلاقة الّتي لا يكاد يَعرَى رباعيٌّ أو خماسي منها١. وتزاد النّون آخراً في الرّباعي؛ نحو (عُقْرُبَان) وهي: دُويّبة تدخل الأذن، و (حِدْرِجَان) وهو: القَصير من الرِّجال. أمَّا زيادة النّون في الخماسيّ فنادرة؛ نحو (قُرَعْبَلانَة) وهي: دُوَيبة عريضةٌ؛ وهذا البناء من النَّوادر؛ لأنَّ الخماسيّ لا يكاد تلحقه إلاَّ زيادة واحدة٢؛ وهي في الغالب من حروف العلّة. فيتّضح بذلك الفرق بينهما وبين الثّلاثيّ الّذي يحتمل أربعة أحرفٍ زوائد في آنٍ واحد؛ مثل (اشْهِيبَابٍ) و (احْمِيْرَارٍ) وهما على (افْعِيلال) ٣ و (كُذُبْذُبَان) . فإذا زاد عليه قلّة الرّباعي والخماسي في اللّغة؛ على نحو ما ثبت بالموازنة؛ زادت الهوّة بينهما، وتكشَّفتْ؛ فقلّ التّداخل في الرّباعي إلى حدٍّ كبير، وندر في الخماسيّ حتّى كاد ينعدم وجوده. الثَّالث: أنَّ أكثر ما جاء من تداخل الرُّباعيّ أو الخماسيّ إنَّما يقع بين كلِّ واحد منهما وما كان دونه في الأصول؛ أي: أنّ التَّداخل يكون بين الرُّباعيّ والثّلاثي، ويكون بين الخماسيّ والرباعي، أو الخماسيّ

стр. 499

والثلاثي، وكلّ ذلك ليس ممَّا نحن فيه في هذا الفصل؛ فله بحثٌ مستقلٌ يأتي -إن شاء الله- في محلِّه. ولعلَّ هذا ممّا يفسّر قلّة التّداخل - هنا - أيضاً. على أنّه لا يجوز أن يقاس على الثّلاثي؛ لأنَّ الثّلاثي لا أصول أقلّ منه، ولو وجد ذلك في العربيّة لما كثر التَّداخل فيه على النّحو الّذي تقدَّم في الفصل السّابق.

стр. 500

المبحث الأوَّلُ: التَّداخل بين الرّباعي والرّباعيّ من ذلك تداخل (ب ل أص) و (ب ل هـ ص) في قولهم: (بَلأَص) إذا فرَّ وعَدَا من فزعٍ، وأسرع؛ ومنه قول الشّاعر: ولَوْ أُرِي فَاكَرِشٍ لَبَلْهَصَا١ فهو يحتمل الأصلين: ذهب ابن فارس إلى أنَّ أصله (ب ل هـ ص) على الإبدال؛ وكان يقول: "بَلأَصَ: غير أصلٍ؛ لأنَّ الهمزة مبدلة من هاء، والصَّاد مبدلة من سينٍ"٢. وتبعه في ذلك الأزهري٣. وذهب ابن منظور٤ إلى أنَّ الأصل (ب ل أص) وذكر (بَلْهَصَ) في أصلٍ مستقلٍّ؛ ولم يستبعد الإبدال؛ حين قال: "وقد يجوز أن يكون هاؤه بدلاً من همزة بَلأصَ"٥.

стр. 501

ونقل ذلك الزَّبِيدي١. ولا يستبعد الإبدال بين الهمزة والهاء؛ لأنّهما من الحلق ومخرجهما واحد. ويتداخل (ح ن ت ل) و (ح ت أل) في (الحُنْتَألِ) في قولهم: "مالي عنه (حُنْتَألٌ) أي: ما لي منه بدٌّ؛ وهو يحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ح ن ت ل) فتكون الهمزة زائدة؛ ووزنه - حينئذً (فُعْلأل) وإلى هذا ذهب ابن سيده، وابن منظور٢. وذهب الجواليقي إلى أنَّ الأصل (ح ت أل) بزيادة النّون؛ وأنَّ وزنه (فُنْعَلٌّ) ٣. وما ذهب إليه ابن سيده وابن منظور هو الأقرب؛ فقد روى الجوهريّ أنَّهم يقولون: "ما أجد منه حُنْتاَلاً"٤ بلا همزٍ؛ وإن كان يجوز حمله على التّسهيل. ويقوِّيه -أيضاً- سقوط الهمزة في (الحُنْتُلِ) وهو شبه المِخلب المُعَقَّفِ٥؛ فالاشتقاق يقوِّيه؛ لأنَّ المخلب هو الّذي ينشب في الشَّيء؛ فلا يكاد ينفكّ منه؛ فقولهم: (ما لي عنه حُنْتَألٌ) يعني: ما لي منه بدٌّ، وهو

стр. 502

قريب من هذا المعنى. ويحتمل (دَهْدَيتُ) في قولهم: (دَهْدَيتُ الحجرَ) أي: دَحْرجْته- الأصلين: حمله بعضهم على ظاهره فجعله من (د هـ د ى) كما فعل ابن منظور١. وهو رأي ضعيف؛ لأنَّ حرف العلّة لا يكون أصلاً في رباعيٍّ خلا المضاعف؛ نحو عَوْعَى عَوْعَاةً: زجر الضَّأن، وقوقَتِ الدَّجاجة. وجعله الخليل من (د هـ د هـ) ٢ فالياء الأخيرة مبدلة من هاء، وأصله (دَهْدَهْتُ) واستدلّ بقول عمرو بن كلثوم: يُدَهْدِهْنَ الرُّؤُوسَ كَمَا تُدَهْدِي ... حَزَاوِرَةٌ بِأَيْدِيهَا الكُرِينَا٣ وكان يقول: "حوَّل الهاء الأخيرة ياءً؛ لأنَّ الهاء أقرب الحروف شَبَهاً بالياء؛ ألا ترى أنَّ الياء مَدَّةً والهاء نَفَسٌ، ومن هنالك صار مجرى الياء والواوِ والألف والهاء في رويِّ الشّعر واحداً"٤. وسار على هذا المبحث في أصل الكلمة: المازِنيّ وابن جنّي٥،

стр. 503

واستدلاّ بقولهم: (دَهْدُوهَةُ الجُعْلِ) بمعنى: دَحْرُوجَتِه، وبقولهم: (دَهْدَهْتُ) فدلّ ذلك على أنَّ الهاء أصل؛ ولكنّهم أبدلوا منها الياء. وثَمَّةَ أصل ثالثٌ يحتمله اللّفظ؛ ليس ممَّا نحن فيه؛ وهو أن يكون ثلاثياً؛ فيكون وزن (دَهْدَى) (فَعْلَى) من باب سَلِسٍ وقَلِقٍ، ثمّ زيدت فيه الألف للإلحاق بالرّباعي١. ويتداخل في الرّباعي (ط م أن) و (ط أم ن) في قولهم: (اطْمَأنَّ) فهو (مُطْمَئِنٌّ) بمعنى: سَكَنَ؛ وهو يحتمل الأصلين؛ وقد اختلفوا فيه٢: ذهب سيبويه إلى أنَّ أصله (ط أم ن) وإنّما حدث فيه قلبٌ٣ بتقديم الهمزة؛ فيكون وزن (اطْمأنّ) و (مُطْمَئِنٌّ) على مذهب سيبويه (افْلَعَلّ) و (مُفْلَعِلاّ) على القلب. وذهب أبو عمر الجَرمِيّ إلى أنَّ الأصل (ط م أن) ٤ وهو عكس مذهب سيبويه؛ فيكون وزن (اطْمَأَنّ) و (مُطْمَئِنٌّ) (افْعَلَلّ) و (مُفْعَلِلاًّ) مثل (اقْشَعَرَّ) و (ومُقْشَعِرٍّ) . وقد وازن العلماء بين المذهبين وحجّة كلّ منهما، فاختار بعضهم مذهب سيبويه، واختار بعضهم مذهب الجَرميّ.

стр. 504

وممّن اختاروا مذهب سيبويه: ابن جنّي١ الّذي يعدُّ خير من علّل مذهب سيبويه وأبرز حجّته؛ فذكر أنَّ سيبويه كان يرى أنَّه لمّا كان (طَأْمَنَ) مجرّداً من الزّوائد، و (اطْمَأَنَّ) مزيداً فيه، ولم يُمسع (طَمْأَنَ) من غير زيادة٢؛ فينبغي أن يكون المجرّد هو الأصل، وهو (طَأْمَنَ) والمزيد فيه هو المقلوب؛ وهو (اطْمَأَنَّ) لأنَّ الزّيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضربٌ من الوَهَن "لأنَّ مخالطتها شيء٣ ليس من أصلها مزاحمة لها... وإذا كان في الزّيادة طرف من الإعلال للأصل كان أن يكون القلب مع الزِّيادة أولى؛ وذلك أنَّ الكلمة إذا لحقها ضربٌ من الضّعف أسرع إليها ضعفٌ آخر؛ كحذفهم ياَء حَنِيفَةَ في الإضافة إليها لحذف تائها في قولهم: حَنَفِيٌّ، ولمّا لم يكن في: حَنِيفٍ تاءٌ تُحذف فيحذف ياؤها جاء في الإضافة إليه على أصله، فقالوا: حَنِيفِيٌّ"٤. وانبرى ابن جنّي إلى رأي الجَرميّ محاولاً إبطال حجّته الّتي تقوّي مذهبه؛ فقال: "فإن قال أبو عُمَر: جَرْيُ المصدر على: اطْمَأَنَّ، يدلّ على أنّه هو الأصل، وذلك قولهم: الاطْمِئْنَان- قيل: قولهم: الطَّاْمَنَةُ، بإزاء قولهم: الاطْمِئْنَان فمصدر بمصدر.

стр. 505

وبقي على أبي عمر أنَّ الزّيادة جرت في المصدر جريها في الفعل والعلّة في الموضعين واحدة، وكذلك الطُّمَأنِينَةُ ذات زيادة؛ فهي إلى الإعلال أقرب"١. وفي الحقّ أنّ ما ذكره ابن جنّي في الاحتجاج لسيبويه، وإضعاف رأي الجرمي، من الممكن نقضه ألا ترى أنّه أقام دليله وحجّته على أساس أنّ العرب لم تقل (طَمْأَنَ) البتّة٢ بل قالت: (اطْمَأَنَّ) في حين أنَّ الأمر بخلاف ذلك؛ فقد روى أئمّة اللّغة (طَمْأَنَ) بإزاء (طَأْمَنَ) . قال الفارابِيُّ: "طَأْمَنَ ظهره، وطَمْأَنَ، بمعنى"٣. وقال الجوهريُّ: "طَمْأَنَ ظهره وطَامَنَه بمعنى، على القلب، وطَأْمَنت منه: سَكَّنْتُ"٤. ونقل نحو ذلك جماعة؛ منهم السَّرقُسْطِيُّ٥، وابن منظور٦،

стр. 506

والفيروزآبادي١، والزَّبِيديّ٢، دون أن ينكره أحد منهم. ومن سمع أو روى حجّة على من لم يسمع أو لم يروِ. وبذلك يتساوى الأصلان (طَمْأَنَ) و (طَأْمَنَ) في ورودهما متجرّدين من الزَّوائد؛ فيبقى ترجيح أحدهما على الآخر؛ بالنّظر إلى تصرّف كلّ منهما؛ وهي قاعدتهم في معرفة الأصل في القلب. فإن تساويا فليس أحدهما بأولى من الآخر؛ وإن رَجَحَ أحدهما فهو - في الغالب - الأصل. وتقَصِّي ذلك في (طَأْمَنَ) و (طَمْأَنَ) يبيّن ما يلي: قالوا في الأوّل: طَأْمَنَ يُطَأْمِنُ طَأْمَنَةً فهو مُطَأْمِنٌ٣. وقالوا في الثّاني: طَمْأَنَ يُطَمْئِنُ طَمْأَنَةً، واطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَاناً وطُمَأْنِينَةً، وهو مُطْمَئِنٌّ. وبذلك يتَّضح أنَّ (طَأْمَنَ) قصَّر عن (طَمْأَنَ) في التّصريف؛ فلم يأت منه (اطْأَمَنَّ يَطْأَمِنُّ اطْئِمْنَاناً فهو مُطأَمِنٌ، فيما يقابل: اطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَاناً فهو مُطْمَئِنٌّ. ولم يأتِ (طُؤَمْنِينَةٌ) فيما يقابل طُمَأْنِينَةً. ولعلّ ذلك ما جعل الرَّضيّ٤ وابن عصفور يأخذان برأي الجَرميّ وقد كان ابن عصفور أكثر وضوحاً في ذلك حينما عرض للرّأيين، وعلّق

стр. 507

على رأي الجَرميّ بقوله: "وهو الصّحيح عندي؛ لأنَّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه"١ أي على (طَمْأَنَ) . ولعلَّ ممّا يرجّح هذا الأصل - أعني (ط م أن) أنّ القرآن الكريم جاء عليه في ثلاث عشرة آية٢، ولم يأت فيه من الأصل الآخر شيء.

стр. 508

المبحثُ الثَّاني: التَّداخل بين الخماسيّ والخماسيّ تقدَّم أن التَّداخل بين الخماسيّ والخماسي نادر الوقوع للأسباب الّتي ذكرت ثَمَّ. وممّا جاء منه تداخل (ز ب ر ج د) و (ز ب ر د ج) في (الزَّبَرْجَدِ) وهو الزُّمُرُّدُ؛ فيحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ز ب ر د ج) على ظاهر لفظه؛ كما وضعه ابن منظور١، وتابعه الفيروزآباديّ٢. ويجوز أن يكون الأصل فيه (ز ب ر ج د) فيكون (زَبَرْدَجٌ) مقلوباً من (زَبَرْجَدٍ) . وإلى هذا ذهب ابن جنّي، وذكر أنَّه جاء مقلوباً في ضرورة الشّعر؛ وهو مخصوص بالقافية. والعلّة عنده في جعله مقصوراً على الضّرورة؛ أنَّ العرب لا تقلب الخماسيّ؛ لاستكراههم هذا البناء؛ لإفراط طوله٣. ومن ذلك تداخل الأصلين (ق ر ط ع ب) و (ق ر ع ط ب) في قولهم: ما لفلان قُرُطْعُبَة، أي ماله قليل ولا كثير. قال الرّاجز: فَمَا عَلَيهِ مِنْ لِبَاسٍ طِحْرِبَهْ

стр. 509

وَمَالَهُ مِنْ نَشَبٍ قُرُطْعُبهْ١ وقال: رواها أبو زيد فيما حكاه ابن دُريد: قُرُعْطُبة٢، وعدّها السّيوطيّ من القلب٣. وليس لدينا دليل قاطع لتمييز الأصل من المقلوب في هذه الكلمة، ويمكن أن يفهم من كلام أكثر الأئمّة أنّ الأصل (ق ر ط ع ب) بتقديم الطّاء؛ فقد ذكرها فيه كلٌّ من الجوهريّ٤، والصّغانيّ٥، وابن منظور٦، والفيروزآباديّ٧، والزَّبِيديّ٨، ولم يحكوا فيه القلب، أو يذكروه في الأصل الآخر. ومن ذلك تداخل الأصلين (ق ن ع ص ر) و (ق ن ص ع ر) في (قِنْصَعْرٍ) على رواية كُراعٍ، وقد فسَّره بأنَّه القصير الظّهر والعنق من

стр. 510

الرِّجال١. و (القِنْصَعْرُ) مقلوب من (قِنْعَصْرٍ) أو العكس؛ فإنَّ معناهما واحد. على أنّ كُراعاً خالف اللّغوييّن في روايته بتقديم العين على الصّاد؛ فلم أجد من يوافقه على ذلك؛ فجمهور اللّغويين مجمعون على أنّه من الأصل الثَّاني، أعني: (ق ن ص ع ر) ٢. غير أنَّ الأزهري رواه بتقديم العين على النّون - أيضاً - قال -بعد أن ذكر ما يوافق الجمهور: "وضَرَبْتُهُ حَتَّى اقْعَنْصَرَ؛ أي: تقاصر إلى الأرض؛ وهو مُقْعَنْصِرٌ؛ قدّم العين على النّون حتّى يحسن إخفاؤها؛ فإنّها لو كانت بجنب القاف ظهرت؛ وهكذا يفعلوان في (افْعَنلَلَ) يقلبون البناء حتَّى لا تكون النّون قبل الحروف الحلقيّة"٣. ولا يخفى أنّ قياس البناء في (اقْعَنصَرَ) يقتضي زيادة النّون؛ لتوسّطها ساكنة؛ كنون (احْرَنْجَمَ) فتكون الكلمة رباعيّة، فتخرج - حينئذ - ممَّا نحن فيه، أو تكونا من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ. ويظهر ممَّا تقدَّم أنَّ الإبدال أو القلب من أهمِّ أسباب التَّداخل بين الرُّباعيّ والرّباعيّ أو الخماسيّ والخماسيّ.

стр. 511

الباب الثالث: التداخل بين بناءين مختلفين الفصل الأول: التداخل بين الثلاني والرباعي التداخل بين الثلاني والرباعي ... الفصل الأوّل: التَّداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي لا يصل التَّداخل بين الثّلاثيّ والرباعيّ في شيوعه أو كثرته إلى ما وصل إليه التَّداخل بين الثّلاثيّ والثلاثي، كما تقدّم في الباب الثّاني؛ وهو - مع ذلك - كثير، وقد نبّه على كثرته ابن جنّي١. والّذي يلفت النّظر من خلال فحص أمثلته الكثيرة وتأمّلها- أنّ أقسام التَّداخل فيها سبعة؛ وهو أحرى أن يدرس من خلالها؛ وهي على النّحو التّالي: ١-ما جاء على (فَعْلَل) المضاعف. ٢-ما تقارب فيه الأصلان فتداخلا. ٣-ماآخره ميم. ٤-ما في حشوه ميم. ٥-ما آخره نونٌ. ٦-ما ثانيه نونٌُ. ٧-ما تنوَّع فيه التَّداخل.

стр. 512

المبحث الأوّل: ما جاء على (فعْلل) المضاعف من الرّباعي - عند البصريّين - نوع يماثل أوّلُه ثالثَهُ وثانيه رابعَه، نحو (صَلْصَلَ) و (زَلْزَلَ) و (قَلْقَلَ) و (كَبْكَبَ) وقد وقفنا - من قبل - على اختلاف علماء العربيّة القدامى في أصوله؛ وأنّ بعضهم ذهب إلى أنَّه ثنائيٌّ، وزنه (فَعْفَعَ) وذهب جمهور الكوفيّين ومن تابعهم من البصرييّن إلى أنّه ثلاثيٌّ، ووزنه: إمّا (فَعْفَلَ) أو (فَعَّل) وذهب جمهور البصرييّن -وهم أكثر أهل اللّغة- إلى أنَّه رباعيٌّ، ووزنه (فَعْلَلَ) . ويكفي في هذا المبحث الوقوف على سبيل التَّداخل فيه؛ من خلال جملة من الأمثلة؛ دون الالتفات إلى مذهب من قال: إنّه ثنائيٌّ؛ إذ انتهى البحث إلى أنَّ الأصول ثلاثيّة ورباعيّة وخماسيّة فحسب؛ وهو مذهب جمهور المتقدمين من علماء العربيّة. إنَّ هذا النّوع من الرّباعيّ كثير في العربيّة، إذ كاد يقع في جميع الحروف، واستثنى ابن عقيل١ الهمزة فاءً، وذكر أنَّه لم يسمع في كلامهم مثل: (أَجْأَجَ) إلاَّ أن تكون الهمزة عيناً؛ نحو: (بَأْ بَأَ) الرّجل إذا أسرع، و (دَأْدَأَ) حِملُهُ، بمعنى مالَ، و (رَأْرَأَ) إذا حرّك حَدَقَتَه. وقلَّ مع الياء مطلقاً، أي فاءً كانت نحو (يُؤْيُؤ) وهو طائر من الجوارح، أو عيناً؛ نحو (صِيصِيَةٍ) وكذلك مع الواو عيناً؛ نحو (الضَّوْضَاةِ)

стр. 513

وهي الأصوات المختلطة. وسبيل التَّداخل في أكثر ذلك؛ نحو (رَعْرَعَ) و (زَلْزَلَ) و (جَرْجَرَ) وما شابهه -أنّه- يحتمل أصلين، أحدهما ثلاثيّ والآخر رباعيّ: فيرى جمهور الكوفييّن أنّه ثلاثيّ بإسقاط الحرف الثّالث من الأصل. وهذا يحتمل أن يكون تكريراً للفاء١، على وزن (فَعْفَل) فتكون الأصول: (ر ع ع) و (ز ل ل) و (ج ر ر) . ويحتمل على مذهب بعض الكوفييّن٢، والبغداديّين٣ أن يكون الحرف الثّالث مبدلاً من الحرف الأوسط المضعّف؛ فالأصل عندهم: (رَعَّعَ) و (زَلَّلَ) و (جَرَّرَ) فلمّا استثقل ذلك أُبدل الحرف الثّاني المضعّف حرفاً من جنس فاء الكلمة؛ فوزنه عندهم على الأصل (فَعَّلَ) ولم تتغيّر الأصول فهي (ر ع ع) و (ز ل ل) و (ج ر ر) كما هي عليه في الرّأي الأوّل. ويتغيّر الوزن عند الزّجّاج٤ في أحد قوليه؛ فوزن (رَعْرَعَ) و (زَلْزَلَ) و (جَرْجَرَ) على التّوالي: (فَعْرَلَ) و (فَعْزَلَ) و (فَعْجَلَ) وهو غريب كما ترى؛ لأنَّه يؤدّي إلى القول بزيادة ما ليس من حروف الزّيادة؛ كالرّاء والزّاي والجيم.

стр. 514

ومذهب جمهور البصريّين أنّ ذلك كلّه رباعيٌّ، وأنَّ وزنه (فَعْلَلَ) وجميع حروفه أصول١. وترتّب على هذا الاختلاف أنّ (زَلَّ) و (زَلْزَلَ) عند الكوفيّين، من أصلٍ واحد، وكذلك (بَلَّ) و (بَلْبَلَ) و (صَرَّ) و (صَرْصَرَ) و (بَثَّ) و (بَثْبَثَ) ونحو ذلك. أمّا البصريّون فيرون أنّ نحو: (زَلَّ) و (زَلْزَلَ) أصلان مختلفان؛ أحدهما ثلاثيّ والآخر رباعيّ، وكذلك الباقي؛ وهما بمثابة ما تقاربت أصوله واتّحدت معانيه، من المترادفات الّتي تبدو متداخلة؛ كباب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ٢؛ وهو باب واسع. وثَمَّةَ كلمات من هذا النّوع تتداخل أصولها عند البصرييّن أنفسهم، أو على مذهبهم؛ وهي ما كانت عينُهُ حرف علّةٍ، وفي آخرها همزة قبلها ألف، نحو: (شَوْشَاء) وهي النّاقة الخفيفة في قول حُميد بن ثور الهلاليّ: مِنَ العِيسِ شَوْشَاءٌ مِزاقٌ تَرَى بِهَا نُدُوباً مِنَ الأَنْسَاعِ فَداً وتَوْءَماً٣ وهي تحتمل الأصلين:

стр. 515

فيجوز أن تكون رباعيّة من باب (فَعْلَل) المضاعف، وأصلها (ش وش و) ووزنها -حينئذٍ (فَعْلال) والهمزة منقلبة عن واو، وأصلها قبل القلب (شَوْشَاوٌ) . ويجوز أن تكون ثلاثيّةً، على وزن (فَعْلاء) والأصل (ش وش) . وقد أشار الأزهريّ إلى الاحتمالين، وقوله: "وسماعي من العرب: ناقةٌ شَوْشَاةٌ بالهاء وقصر الألف" ١يرجّح (ش وش) . وإن صحّ (شَوْشَاءٌ) كما في الشّاهد على رواية الدّيوان، والأزهريّ والصَّغانيّ٢فإنّ حملها على (ش وش و) يكون أقرب؛ لكثرة هذا الباب ونُدرة باب (سَلِسٍ) وللدّخول في أوسع البابين. وليس في صرفها دليل قاطع على هذا الأصل الرّباعيّ؛ لاحتمال أن تكون صُرفت للضّرورة الشّعريّة. ولو وردت في نثر غير مصروفة لقُطع بأنّها من (ش وش) فينتفي الرّباعيّ؛ لأنّها -حينئذٍ (فَعْلاء) . ونحو هذا قولهم للتّمر الّذي لا يشتدّ نواه: (الشِّيشَاء) في قول الشّاعر: يَا لَكَ مِنْ تَمْرٍ ومِنْ شِيشَاءِ ... يَنْشَبُ فِي المَسْعَلِ واللَّهّاءِ٣ فإنّه يحتمل الأصلين الثّلاثيّ (ش ي ش) والرّباعيّ (ش ي ش ي) فهو على الأوّل (فِعْلاء) وعلى الثّاني (فِعْلال) .

стр. 516

وقد جعلها الجوهريّ١وابن منظور٢في الثّلاثيّ (ش ي ش) وهو الرّاجح؛ لأنّه لا يوجد (فِعْلال) مضاعف إلاّ مصدر؛ نحو: الزِّلْزَال والقِلْقَال، وإنّما يكون في الأ سماء غير المضاعفة؛ كالقِرْطَاسِ٣. ومن ذلك (قِيقَاء) وهو المكان الظاهر الغليظ الحجارة، و (زِيزَاء) وهو الأكمة الصّغيرة، أو الأرض الغليظة، وهما يحتملان ثلاثة أصول: اثنان ثلاثيّان، والثّالث رباعيّ٤: فيجوز أن يكون الأصل ثلاثيّاً؛ فهو إمّا (ق وق) و (زي ز) والوزن (فِعْلاء) كـ (عِلْبَاء) و (حِرْبَاء) . وإمّا (ق ق و) و (ز ز ر) فوزنهما -حينئذٍ (فِيعَال) مثل (قِيتال) . وهذان الأصلان مرجوحان؛ وهما لا يجوزان عند ابن جنّي٥؛ لئلاّ تجعل الفاء والعين من موضع واحد؛ يعني حرفاً واحداً؛ نحو (د د ن) وهو قليل جدّاً؛ ولأنّهما ليسا مصدرين؛ فيحملان على (قِيتَال) . ويبعد حملهما على (دِيبَاجٍ) و (دِيوَانٍ) بأن يكون أصلهما (قِقَّاء) و (زِزَّاء) كما أنّ (دِيوَاناً) و (دِيبَاجاً) : (دِوَّانٌ) و (دِبَّاجٌ) ؛ إذ لا دليل عليه، وفيه أنّه من باب: دَدَنٍ - أيضاً.

стр. 517

ويجوز أن يكون من الرّباعي؛ ووزنهما (فِعْلال) كـ (قِرْطَاسٍ) من (ق وق و) و (ز وز و) أو (ز ي زي) على ظاهر اللّفظ. وقد حملت الأوّل على الواو؛ لقولهم في جمعه: القواقي؛ وأصله القَوَاقِوُ. وحملهما على الأصل الرّباعي مرجوح؛ لأنّه ليس في الكلام (فِعْلال) من المضاعف إلاَّ المصدر -كما تقدّم- نحو: الزِّلْزَال والقِلْقَال؛ وإنّما يكون في الأسماء غير مضاعفة؛ كالقِرْطَاسِ والجِرْهَاسِ وهو الجسم. ولذا؛ فإنّ الرّاجح في هاتين الكلمتين الأصل الثلاثيّ الأول؛ وهو (ق وق) و (ز ي ز) ووزنهما (فِعْلاء) مثل: عِلْبَاء. ومنه قولهم: (صَاصَتِ النَّخْلَةُ تُصَاصِي صِيصَاءً) أي: صار تمرها حَشَفاً؛ فهو يحتمل الأصلين (ص ص ي) و (ص ي ص ي) . فَصَاصتْ صِيصَاءً على الأصل الأوّل (فَاعَتْ فِيعَلاً) وهي في الأصل (فَاعَلَتْ) فحذفت اللاّم -وهي الألف المنقلبة- لالتقاء السّاكنين؛ كما قالوا: سَعَتْ وغَزَتْ؛ فَصَاصتْ صِيصَاءً بمنزلة: قَاتَلَتْ قِيتَالاً ١. وهي على الأصل الثّاني الرّباعي: (فَعَلَتْ فِعْلالاً) والأصل (فَعْلَلَت فِعْلالاً) وقد حذفت اللاّم الثّانية لالتقاء السّاكنين؛ كما تقدّم في الثّلاثي؛ وهو بمنزلة: حَاحَيْتُ وعَاعَيْتُ، من الرّباعيّ المضاعف. وفي ذلك قال ابن جنّي: (صَاصَتِ النَّخلة لا يخلو من أن يكون

стр. 518

(فَاعَلْتُ) ١ بمنزلة: دَاوَمْتُ وعَاوَدتُ، أو تكون (فَعْلَلْتُ) من مضاعف الياء بمنزلة: حَاحَيْتُ وعَاعَيْتُ، وتكون الألف منقلبة عن الياء، بمنزلتها في حَاحَيتُ وعَاعَيْتُ) ٢. وحمله على كلا الوجهين لا يخلو من شذوذ؛ إذ لو جعل من الثّلاثيّ كانت الفاء والعين من موضع واحد كـ (دَدَن) وهو نادرٌ. وإن جعل رباعيّاً على (فَعْلَلْتُ) أضعفه أنّه لم يأتِ - من هذا الباب - إلاّكلمات ثلاثٌ؛ وهي: حَاحَيْتُ وعَاعَيتُ وهَاهَيْتُ، كما أنَّ هذا جاء في الأصوات كالأمثلة الثّلاثة المتقدّمة، و (صَاصَتِ النّخْلَة) ليس من الأصوات في شيء. وعلى الرّغم من ذلك فإنّ ابن جنّي يميل إلى الأصل الرّباعيّ، ويراه كأنّه الأشبه ٣. وثَمَّةَ أصل ثالثٌ غير بعيد وهو (ص وص) فيكون (صَاصَتْ) بمنزلة: قَالتْ، ووزنه -حينئذٍ (فَعَلَتْ) و (صِيْصَاء) (فِعْلاء) وفيه أنّ (فِعْلاء) ليس من المصادر؛ ولعلّه ممَّا جاء على غير فعله. على أنَّ قولهم: (أَصَاصَ النَّخلُ) يقوّي هذا الأصل -أعني (ص و

стр. 519

ص) ولو حمل على اليائيّ (ص ي ص) لكان وجهاً، لقولهم: صَيَّصَتْ١. فيكون من باب: سَلِسٍ وقَلِقٍ. ومن ذلك (الدَّودَاة) وهي الأُرجوحة، فإنَّها تحتمل ثلاثة أصول؛ أحدها رباعيّ: فيجوز أن تكون (فَعْلاة) كـ (أَرْطَاة) من (د ود) . ويجوز أن تكون (فَوْعَلة) كـ (جَوْهَرَة) من (د د و) . ويجوز أن تكون من (فَعْلَلَة) كالقَرْقَرَةِ، من الرّباعيّ (د ود و) وأصلها (دَوْدَوَة) ثمّ قلبت الواو ياءً؛ لأنّها رابعة؛ فصارت في التّقدير (دَوْدَيَة) فانقلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فصارت (دَوْدَاة) . وهذا الأصل الرّباعيّ هو الرّاجح؛ حملاً على أوسع البابين؛ لأنّها إن جعلت (فِعْلاة) كانت من باب: سَلِسٍ وقَلِقٍ؛ وهو قليل؛ وإن جُعلتْ (فَوْعَلَة) دخلتْ في باب أضيق؛ وهو باب: كَوْكَبٍ، ودَدَنٍ ٢. ومن غرائب التَّداخل بين الثّلاثيّ والرباعي المضاعف ما رواه الأزهريّ٣من قول بعضهم في (زُحْزِحَ) في قوله عزّوجل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ ٤إنّه مكرّر من باب المعتل، وأصله زَاحَ يُزِيحُ؛ إذا تأخّرَ. أو مأخوذ من (الزَّوْحِ) وهو السُّوق الشّديد؛ كما ذكره ابن

стр. 520

منظور١. وما رواه الأزهري ونقله ابن منظور بعيد؛ لا دليل عليه غير المعنى، والأصول لا تقرّر بالمعنى فحسب؛ فلو جاز ذلك لأمكن إعادة كثير من المترادفات إلى أصل واحد. ولو قيل: إنّه من (ز ح ح) لكان وجهاً؛ فهو مذهب طائفة من أهل اللّغة؛ وهم بعض الكوفيّين ومن وافقهم؛ كما تقدّم، والرّاجح أنّه رباعيٌّ من (ز ح ز ح) على مذهب جمهور البصرييّن.

стр. 521

المبحث الثاني: ما تقارب فيه الأصلان فتداخلا ... أكثر الحروف فكثيرمنه قولهم: سَبِطٌ وسِبَطْرٌ؛ فهذان أصلان لا محالة؛ ألا ترى أنّ أحداً لا يدَّعي زيادة الرّاء، ومثله سواء: دَمِثٌ ودِمَثْرٌ، وحَبِجٌ وحِبَجْرٌ"١. وكان ﵀ يَرُدّ على بعض العلماء؛ لجعلهم بعض ما جاء من هذا أصلاً واحداً؛ كالّذي روي عن ثعلب ٢؛ وهو أنَّه كان يرى أنّ الباء في (زَغْدَبٍ) زائدة في قول العجّاج: يَرُدُّ قَلْحاً وَهَدِيراً زَغْدَباً ٣ لأنّه أخذه من: زَغَدَ البعيرُ زَغْداً؛ إذا هَدَرَ. فقال ابن جنّي في ردّه: "وقوله: إنَّ الباء زائدة كلام تمجّه الآذان، وتضيق عن احتماله المعاذِير"٤. وإنّما حَمَلَ ابنَ جنّي على هذا القول أنَّ الباء ليست من حروف الزّيادة؛ فوزن الزَّغْدَبِ على مذهب ثعلب: (فَعْلَبْ) . وقاعدة ابن جنّي فيما كان من غير حروف الزّيادة؛ كالرّاء في (سِبَطْرٍ) والباء في (ثَعْلَبٍ) و (زَغْدَبٍ) ونحوه سليمة مطّردة؛ وهو شِقٌّ من القاعدة، وذاك أن يكون الحرف من غير حروف الزّيادة. غير أنّ القاعدة عنده ﵀ لم تكن في شقِّها الآخر بذلك

стр. 522

القدر من الاطّراد؛ إذ لم تخل ممَّا يدفع عنها تلك الصّفة؛ وهذا الشِّقّ من القاعدة؛ هو ما كان الحرف المختلف بين اللّفظين من حروف الزّيادة؛ كـ (دِلاصٍ) و (دُلامِصٌ) وهو الشّيء البرّاق، و (الهِبْلَعِ) و (البَلْعِ) و (الحَلْقِ) و (الحُلْقُومِ) وشيء (صَلْدٍ) و (صُلادِم) و (الهِرْمَاس) و (الهَرْسِ) وهو الأسد، و (الأَشْدَقِ) و (الشَّدْقَمِ) وهو البعير، ونحو ذلك؛ وهما أصلان عنده على الرّغم من أنَّ الحرف من حروف الزّيادة؛ فقد قال ابن جنّي في تلك الأمثلة: "وينبغي أن يكون جميع هذا من أصلين، ثلاثيّ ورباعيّ" ١. وما ذهب إليه ابن جنّي في (دُلامِص) يوافق مذهب المازنيّ ٢؛ وهو خلاف مذهب الخليل؛ إذ كان يرى أنّ الميم زائدة ٣، على نحو ما نقل عنه المازني ٤ وابن جنّي ٥؛وهما يريان أنّها أصل، وأنَّ (دُلاَمِصاً) أصل مستقلّ ليس من (دِلاَصٍ) ومعناهما واحد؛ وذلك أنّهما وجدا أنّ زيادة الميم حشواً قليلة. ويشبه هذا: الخلاف في (هِجْرَعٍ) و (هِبْلَعٍ) فقد ذهب الأخفش٦ إلى أنّهما من (الجَرَعِ) و (البَلَعِ) وأنّ الهاء فيهما زائدة؛ لأنّ (الهِجْرَعَ)

стр. 523

الطّويل، و (الجَرْعُ) المكان السَّهل المنقاد، و (الهِبْلَعُ) الأكول وهو من البَلَعِ، ووزنهما عنده (هِفْعَل) . وقد حُكي عن الخليل ١ أنّه كان يرى أنَّ الهاء في (هِرْكَوْلَةٍ) وهي: الضَّخمة الأوراك -زائدة؛ لأنّها تَرْكُل في مشيتها. وكلّ ذلك عند ابن جنّي من أصول مختلفة؛ بعضها ثلاثيّ، وبعضها رباعيّ، والهاء أصل فيها؛ فوزن (هِجْرَعٍ) و (هِبْلَعٍ) عنده (فِعْلَل) ٢ و (هِرْكَوْلَةٍ) (فِعْلَوْلَة) وقد حمله على هذا ونحوه أنّه وجد الحرف تقلّ زيادته في ذلك الموضع؛ فرجّح الأصالة. على أنّه ﵀ كان يشعر بما ينطوي عليه ذلك المذهب من عدم اطّراد فيما كان فيه الحرف الأوّل من الزّوائد، وربّما نسي جزمه بأصالة الحرف؛ فعاد وقَبِل ما كان رفَضه، بل ربّما حاول الاحتجاج له بقوله: "ولست أرى بما ذهب إليه أبو الحسن والخليل من زيادتها في هذه الأسماء الثّلاثة بأساً؛ ألا ترى أنّ الدّلالة إذا قامكت على الشيء فسبيله أن يقضى به، ولا يلتفت إلى خلاف ولا وفاق...ألا ترى أنّهم قضوا بزيادة اللاّم في: ذلك وهنالك وعبدل...فكذلك يقضي بزيادة الهاء في: هِجْرَعٍ وهِبْلَعٍ وهِرْكَولَة وأُمَّهاتٍ؛ لقيام الدّلالة على ذلك" ٣.

стр. 524

بل خالف رأيه -أيضاً- في (دُلامِصٍ) فاعترف في موضع ١بأنّ مذهب الخليل أكشف، وأوجه، وأقيس، وأجرى على الأصول. واختار في هذا الموضع - أيضاً - مذهب الأصمعيّ ٢في جعله (الهِرْمَاسَ) من (الهَرْسِ) بزيادة الميم الوسطى، وجعل القول به هو الأظهر؛ على مذهب كثيرين من أهل اللّغة ٣، غير الأصمعيّ؛ وهو خلاف ما كان قرّره ابن جنّي في موضع آخر ٤. ويدلّ على ذلك - أيضاً - أنّه قرّر أصالة الميم في: بُلْعُومٍ، وحُلْقُومٍ، وصُلادِمٍ، وشَدْقَمٍ ٥. ثمّ عاد ورجّح زيادتها لأنّ زيادتها آخراً أقرب مأخذاً؛ لمشابهتها في تطرّفها مجيئها في أوّل الكملة؛ لأنّ زيادة الميم آخراً -كما قال: "أكثر منها أوّلاً ٦؛ ألا ترى إلى تلقّيهم كلّ واحد من دِلْقَمٍ، ودِرْهَمٍ، ودِقْعِمٍ، وفُسْحُمٍ، وزُرْقُمٍ، وسُتْهُمٍ، ونحو ذلك بزيادة الميم في آخره...وينبغي أن يكون ذلك؛ لأنَّ آخر الكلمة مشابه لأوّلها؛ فكانت

стр. 525

زيادة الميم فيه أمثل من زيادتها حشواً" ١. وكان يقول في أوّل الصّفحة: "وينبغي أن يكون جميع هذا من أصلين ثلاثيّ ورباعيّ". وأكّد ابن جنّي على أصالة الهمزة في نحو (زَرِمَ) و (ازْرَأَمَّ) بمعنى: انقطعَ، و (خَضِلَ) و (اخْضَأَلَّ) أي: ابتلّ ونَدِيَ، و (أَزْهَرَ) و (ازْهأَرَّ) و (ضَفِدَ) و (اضْفأَدَّ) إذا كثر لحمه وثَقُل، و (زَلِمَ) القوم و (ازْلأَمُّوا) إذا أسرعوا، وأنّ ذلك أصلان ثلاثيّ ورباعيّ ٢، ورفض حملها على باب: شَأْمَلٍ وشَمْألٍ من قولهم: شَمَلَتِ الرّيحُ؛ لقلّته. وما أحراه - حينئذٍ - أن يدخلهما - أيضاً - في الرّباعيّ -أعني: شَمْألاً وشَأْمَلاً؛ ويكون قولهم: (شَمِلَتِ الرّيح) أصلاً ثلاثياً مستقلاًّ لا صلة له بشَمْأَلٍ، وشَأْمَلٍ إلاّ بمعناه؛ ليدخل فيما ذكر. وأرى أنّ زَرِمَ وازْرَأَمَّ أصل واحد؛ وهو الثّلاثيّ، وأنّ الهمزة زائدة؛ لأنَّها من حروف الزّيادة؛ ووزنه: (افْعَأَلّ) لإلحاق الثّلاثيّ بمزيد الرّباعيّ نحو: اسْبَطَرَّ، وكذلك باقي ما ذكره. وكان أبو جعفر اللَّبْليُّ ٣يرى مثل هذا حين قال: "وقد أُلحق بهذا

стр. 526

المثال -أعني (افْعَلَلَّ) (افْعَألّ) وإن كان سيبويه قد زعم أنّه لم يُلحق به شيء؛ قالوا: اغضَألَّ الشّجرُ؛ إذا كثر أغصانها، واشتدّ التفافها، واقْسَأنَّ: إذا كَبِرَ، وازْوَألّ، في معنى: زَال، واجْفَألّ القوم: انهزموا... وكذا قياس كلّ فعل على زنته؛ ممَّا لم نذكره"١. وذهب قوم - ومنهم الأزهريّ ٢إلى أنّ الهمزة في نحو: اشْمَأزَّ -زيدت؛ لئلاَّ يجتمع ساكنان؛ إذ الأصل: اشْمازَّ. وقيل: حذفت لضرورة الشّعر؛ على نحو ما يأتي تفصيله في الباب الرّابع -بمشيئة الله. وعلى المذهبين تكون الهمزة زائدة؛ وهما أقوى من مذهب ابن جنّي، ومذهب اللّبليّ أقوى المذهبين. وينبغي طرد الباب على مذهب ابن جنّي؛ فيقال بأصالة كثير ممَّا ذكروا أنّه زائد؛ كهمزة (شَمْألٍ) و (جُرَائِضٍ) و (حُطَائطٍ) و (قُدَائِمٍ) و (النَّئدُلان) وهاءِ (أُمَّهاتٍ) وميمِ (سُتْهُمٍ) و (زُرْقُمٍ) و (فُسْحُمٍ) لأنَّ الزّوائد وقعت في مواضع تقلّ فيها زيادتها، وفي ذلك ضرر لا يخفى؛ إذ يختلط الزّائد بالأصلي، وتستغلق كثير من الأصول؛ فليس في هذا المذهب الّذي أخذ به ابن جنّي حدود بيّنّة؛ تمنع دخول أصل على آخر. ولعلّ القاعدة المناسبة لهذا الباب أن يقال: إذا وجد لفظان أحدهما

стр. 527

ثلاثيّ والآخر رباعيّ ومعناهما واحد؛ وليس بينهما إلاَّ حرف واحد، نُظرَ إلى ذلك الحرف؛ فإن كان من حروف الزّيادة فالكلمتان من أصل واحدٍ؛ نحو: الجَرْعِ، والهجْرَعِ، والبَلْعِ، والبُلْعُومِ، والدَّلِصِ، والدُّلامِصِ، والهَرْسِ، والهِرْمَاسِ، وزَرِمَ، وازْرَأمَّ، والشَّمال والشَّأْمَلِ. إلاَّ ان يكون من باب الرّباعي المضاعف؛ نحو: سَلَّ وسَلْسَلَ، ومَرَّ ومَرْمَرَ، وهَفَّ وهَفْهَفَ؛ فهما أصلان لا محالة، كما تقدّم. أو يعترض هذا قاعدة أخرى تمنعه؛ كأن يؤدّي القول بالزّيادة إلى بناء مفقود. وإن كان من غير حروف الزّيادة فهما أصلان مختلفان نحو: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ، ودَمِثٍ ودِمَثْرٍ؛ فيطّرد الباب، وينكشف الطّريق، ويحسم الخلاف. وإنّما استُثني الرّباعي المضاعف من هذا؛ لثبوت أصوله عند جمهور البصرييّن وأكثر أهل اللّغة كما تقدّم؛ ولأنّ باب الرّباعي أوسع من باب: سَبِطٍ وسِبَطْرٍ. وبهذه القاعدة يمكن أن يحكم بزيادة السّين في (خَلْبَسَ) ١ قلبَه بمعنى فَتَنَه؛ لأنّه في معنى (خَلَبَ) قلبَه، وفي (القُدْمُوسِ) ٢ لأنَّه بمعنى القديم. والهاءِ في (السّهْلَبِ) لأنّه بمعنى (السَّلَبِ) وهو الطّويل. واللاّمِ في (نَهْشَلٍ) لأنّه بمعنى (النَّهشِ) ٣وفي (عِثْوَلٍ) وهو: الأحمق الثَّقيل؛ لقولهم

стр. 528

بمعناه (أعْثَى) ١. والنّونِ في (كُنَادرٍ) و (كُنْدُرٍ) وهو: الرّجل الغليظ القصير مع شدّة، ويوصف به الغليظ من حُمُر الوحش؛ لقولهم: (كُدُر) بمعناه. ونحو ذلك؛ وهو كثير.

стр. 529

المبحث الثّالث: ما في آخره ميمٌ تكاد تكثر زيادة الميم آخراَ في الرّباعيّ كـ (زُرْقُمٍ) و (سُتْهُمٍ) و (ضِرْزِمٍ) و (فُسْحُمٍ) ومع ذلك فإنَّ زيادتها ليست مقيسة؛ لأنّها لم تبلغ حدّ الاطّراد١. وثَمَّةَ تداخل بين الثّلاثيّ والرّباعي يقع بسبب الميم المتطرّفة؛ فمنها ما هو زائد عند بعض العلماء، ومنها ما هو أصل عند بعضهم الآخر. وقد حاول بعضهم جمع ما في آخره ميم زائدة، ومن أوائل هؤلاء: ابن السّكّيت٢، وابن دريد ٣.وعقد السّيوطيّ ٤فصلاً لذلك؛ جمع فيه ما وقف عليه ممَّا جمعه المتقدّمون. وقد أشرت فيما مضى إلى أنَّ بعض المُحدثين فسّر هذه الميم بأنّها بقايا التّمييم في اللّغة الحِمْيَرَيَّة أو اليمنيّة الجنوبيّة القديمة، وفي بعض اللّغات السّاميّة كالعبريّة؛ وهو ما يقابل التّنوين في العربيّة، وأنّ تلك الميم قد تُنُوسيت في بعض الكلمات العربيّة، واستُعملت على توهّم أصالتها٥. ومهما يكن من أمر فإنَّ القاعدة السّابقة لـ (سَبِطٍ) و (سِبَطْرٍ) الّتي

стр. 530

تقدّم ذكرها في المبحث الماضي يمكن أن تكون أنجح الوسائل للوقوف على حقيقة التَّداخل بين الثلاثيّ والرّباعيّ ممَّا في آخره ميم؛ فإن كان للكملة ما يقابل معناها في أصلٍ ثلاثيّ مجرّدٍ من الميم فإنّها زائدة، وإلاّ فالكلمة رباعيّة، حتّى يقوم دليل على خلاف ذلك. وأذكر فيما يلي بعض ما وقع فيه التَّداخل، ممَّا في آخره ميم: فمنه (الخَلْجَمُ) وهو الطّويل؛ فهو رباعيّ عند سيبويه١؛ ووزنه عنده (فَعْلَل) . وذهب كُراع ٢إلى أنّه ثلاثيّ، والميم زائدة، على وزن (فَعْلَم) ومذهبه مقبول لقولهم للطّويل من الخيل: أَخْلَج. قال الشّاعر: وأَخْلَجُ نَهَّاماً إذا الخَيْلُ وْ عَنَت ... جَرَىَ بِسِلاحِ الكَهْلِ، والكَهْلُ أَجْرَدُ٣. وإلى مثل هذا ذهب بن دُريد٤. وذهب سيبويه٥ إلى أنّ (شَجْعَمًا) رباعيٌّ، وميمه أصليّة؛
следующие страницы →