Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
يطرّزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر إثر «١» مبيضّ
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبّغة والبعض أقصر من بعض
قال ابن خلّكان: وهذا من التشبيهات الملوكيّة التى لا يكاد يحضر مثلها السوقة. ويحكى أنّ ابن عمّه أبا فراس الأمير الشاعر كان يوما بين يدى سيف الدولة في نفر من ندمائه؛ فقال لهم سيف الدولة: أيّكم يجيز قولى؟ وليس له إلّا سيّدى (يعنى ابن عمّه أبا فراس المذكور) وقال:
لك جسمى تعلّه ... فدمى لم تحلّه
فارتجل أبو فراس وقال:
أنا إن كنت مالكا ... فلى الأمر كلّه
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج تغلّ ألفى دينار في كلّ سنة.
ومن شعر سيف الدولة أيضا:
تجنّى علىّ الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبنى ظلما وفي شقّه العتب
وأعرض لمّا صار قلبى بكفّه ... فهلّا جفانى حين كان لى القلب
إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنّى له ذنبا وإن لم يكن ذنب
وله:
أقبّله على جزع ... كشرب الطائر الفزع
رأى ماء فأطمعه ... وخاف عواقب الطمع
فصادف خلسة فدنا ... ولم يلتذّ بالجرع
وأما ما قيل في سيف الدولة من المديح فكثير يضيق هذا المحلّ عن ذكر شىء منه. وكانت وفاته يوم الجمعة في ثالث ساعة، وقيل: رابع ساعة، لخمس بقين من
стр. 1087
صفر بحلب. ونقل إلى ميّافارقين ودفن في تربة أمّه وهى داخل البلد. وكان مرضه بعسر البول. وكان قد جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئا، وجعله لبنة بقدر الكفّ، وأوصى أن يوضع خدّه عليها في لحده، فنفّذت وصيّته فى ذلك. وكان ملك حلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة؛ انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابىّ صاحب الإخشيذ، وكان قبل ذلك ملك واسط وتلك النواحى.
وفيها توفّى جعفر بن محمد بن الحارث الشيخ أبو محمد المراغى المحدّث المشهور؛ كان فاضلا رواية للشعر. قال: أنشدنى منصور بن إسماعيل الفقيه:
لى حيلة فيمن ينمّ ... وليس في الكذّاب حيله
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتى فيه قليله
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة اثنتا عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٧]
السنة الثالثة من ولاية كافور الإخشيذىّ على مصر- وهى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، وهى التى مات فيها كافور المذكور حسب ما تقدّم ذكره.
فيها عملت الرافضة مأتم الحسين بن علىّ في بغداد على العادة في كلّ سنة في يوم عاشوراء.
وفيها لم يحجّ أحد من الشام ولا من مصر. وفيها في ذى القعدة أقبل تقفور عظيم الروم بجيوشه إلى الشام فخرج من دربند «١» ونازل أنطاكية فلم يلتفتوا إليه؛ فقال أرحل وأخرّب الشام ثم أعود إليكم من الساحل؛ ورحل ونازل معرّة
стр. 1088
مصرين «١» فأخذها وغدر بهم وأسر منهم أربعة آلاف وستمائة نسمة. ثم نزل على معرّة النّعمان «٢» فأحرق جامعها؛ وكان الناس قد هربوا في كلّ وجه إلى الحصون والبرارىّ والجبال. ثم سار إلى كفرطاب «٣» وشيزر «٤» ، ثم إلى حماة وحمص وخرج من بقى بها فأمّنهم ودخلها وصلّى في البيعة وأخذ منها رأس يحيى بن زكريا، وأحرق الجامع. ثمّ سار إلى عرقة «٥» فافتتحها، ثم سار إلى طرابلس فأخذ ربضها. وأقام فى الشام أكثر من شهرين ورجع؛ فأرضاه أهل أنطاكية بمال عظيم.
وفيها تزوّج عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أحمد بن بويه بابنة عسكر الرومىّ الكردىّ على صداق مائة ألف دينار.
وفيها قتل أبو فراس [الحارث «٦» ] بن أبى العلاء سعيد بن حمدان التغلبىّ العدوىّ الأمير الشاعر الفصيح، تقدّم بقية نسبه في ترجمة ابن عمّه سيف الدولة بن حمدان، ومولده بمنبج في سنة عشرين وثلثمائة، وكان يتنقّل في بلاد الشام في دولة ابن عمّه سيف الدولة بن حمدان؛ وكان من الشّجعان والشعراء المفلقين؛ وديوان «٧» شعره موجود. ومن شعره قصيدة:
رأيت الشيب لاح فقلت أهلا ... وودّعت الغواية والشبابا
وما إن شبت من كبر ولكن ... لقيت من الأحبّة ما أشابا
стр. 1089
وله أيضا:
من يتمنّ العمر فليدّرع ... صبرا على فقد أحبّائه
ومن يؤجّل ير في نفسه ... ما يتمنّاه لأعدائه
وفيها توفّى حمزة بن محمد بن علىّ بن العبّاس الحافظ أبو القاسم الكنانىّ المصرىّ، سمع الكثير ورحل وطوّف وجمع وصنّف، وروى عنه ابن مندة والدارقطنىّ والحافظ عبد الغنى [بن سعيد «١» الأزدىّ] وغيرهم. وقال ابن مندة: سمعت حمزة ابن محمد الحافظ يقول: كنت أكتب الحديث فلا أكتب «وسلّم» ؛ فرأيت النّبيّ ﷺ في المنام، فقال [لى «٢» ] : أما تختم الصلاة علىّ في كتابك!
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد بن الحسن «٣» ابن إسحاق بن عتبة الرّازى بمصر، وأبو سعيد أحمد بن محمد «٤» بن رميح النّسوىّ، وحمزة بن محمد أبو القاسم الكنانىّ بمصر، وأبو العباس عبد الله بن الحسين النّضرىّ «٥» المروزىّ في شعبان عن سبع وتسعين سنة، وعمر بن جعفر البصرىّ الحافظ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن علىّ بن محرم المحتسب، وأبو سليمان محمد بن الحسين الحرّانىّ، وأبو علىّ محمد [بن محمد بن عبد الحميد «٦» بن خالد بن إسحاق] ابن آدم الفزارىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع واحدة وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
стр. 1090
ذكر ولاية أحمد بن علىّ بن الإخشيذ على مصر
هو أحمد بن علىّ بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جفّ الأمير أبو الحسن التّركىّ الفرغانىّ المصرىّ. ولى سلطنة مصر بعد موت مولى جدّه كافور الإخشيذىّ فى العشرين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة وهو يوم مات «١» كافور، وسنّه يوم ولى إحدى عشرة سنة؛ وصار الحسن «٢» بن عبيد الله بن طغج- أعنى ابن عمّ أبيه-[خليفته «٣» ] ، وأبو الفضل جعفر بن الفرات [وزيره «٤» ] ، ومعهما أيضا سمول الإخشيذىّ مدبّر العساكر. فأساء أبو الفضل جعفر بن الفرات السيرة وقبض على جماعة وصادرهم، منهم يعقوب بن كلّس الآتى ذكره؛ فهرب يعقوب بن كلّس المذكور إلى المغرب، وهو من «٥» أكبر أسباب حركة المعزّ، وإرسال جوهر القائد إلى الديار المصريّة. ولما زاد أمر ابن الفرات اختلف عليه الجند واضطربت أمور الديار المصريّة على ما سنذكره بعد أن نذكر مقالة ابن خلكان إن شاء الله تعالى.
قال ابن خلّكان:" وكان عمر أبى الفوارس أحمد بن علىّ بن الإخشيذ يوم ولى إحدى عشرة سنة، وجعل الجند «٦» خليفته في تدبير أموره أبا محمد الحسن بن
стр. 1091
عبيد الله بن طغج بن جفّ، وهو ابن عمّ أبيه، وكان صاحب الرملة من بلاد الشام، وهو الذي مدحه المتنبىّ بقصيدته التى أوّلها:
أنا «١» لائمى إن كنت وقت اللوائم ... علمت بمابى بين تلك المعالم
وقال في مخلصها:
إذا صلت لم أترك مصالا «٢» لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وإلّا فخانتنى القوافى وعافنى ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
ومنها:
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ... ضرابا يمشّى الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأنّ أكفّهم ... عرفن الرّدينيات قبل المعاصم
حمته على الأعداء من كل جانب ... سيوف بنى طغج بن جفّ القماقم
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منه كرّهم في المكارم
وهم يحسنون العفو عن كلّ مذنب ... ويحتملون الغرم عن كلّ غارم
قال: ولمّا تقرّر الأمر على هذه القاعدة تزوّج الحسن بن عبيد الله فاطمة ابنة عمّه الإخشيذ، ودعوا له على المنابر بعد أبى الفوارس أحمد بن علىّ صاحب الترجمة.
قال: والحسن بالشام. واستمرّ الحال على ذلك إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، ودحل إلى مصر رايات المغاربة الواصلين صحبة القائد جوهر المعزّى، وانقرضت الدولة الإخشيذيّة من مصر. وكانت مدّتها أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما. وكان قد قدم الحسن بن
стр. 1092
عبيد الله من الشام منهزما من القرامطة لمّا استولوا على الشام. ودخل الحسن على ابنة عمّه التى تزوّجها وحكم بمصر وتصرّف وقبض على الوزير جعفر بن الفرات وصادره وعذّبه؛ ثم سار إلى الشام في مستهلّ شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. ولمّا سيّر القائد جوهر جعفر بن فلاح إلى الشام وملك البلاد أسر ابن فلاح المذكور أبا محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج وسيّره إلى مصر مع جماعة من الأمراء إلى جوهر القائد، ودخلوا إلى مصر في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلثمائة. وكان الحسن بن عبيد الله قد أساء إلى أهل مصر في مدّة ولايته عليهم، فلمّا وصلوا إلى مصر تركوهم وقوفا مشهورين «١» مقدار خمس «٢» ساعات والناس ينظرون إليهم وشمت بهم من في نفسه منهم شىء؛ ثم أنزلوا الى مضرب القائد جوهر وجعلوا مع المعتقلين من آل الإخشيذ. ثمّ في السابع عشر من جمادى الأولى أرسل القائد جوهر ولده جعفرا إلى مولاه المعزّ ومعه هدايا عظيمة تجلّ عن الوصف، وأرسل معه المأسورين الواصلين من الشام، وفيهم الحسن بن عبيد الله، وحملوا في مركب بالنيل وجوهر ينظرهم، وانقلب المركب، فصاح الحسن بن عبيد الله على القائد جوهر: يا أبا الحسن، أتريد أن تغرقنا! فاعتذر إليه وأظهر له التوجع، ثم نقلوا إلى مركب آخر» . انتهى كلام ابن خلّكان باختصار. ولم يذكر ابن خلّكان أمر أحمد بن علىّ بن الإخشيذ- أعنى صاحب الترجمة- وأظنّ ذلك لصغر سنّه.
وقال غير ابن خلكان في أمر انقراض دولة بنى الإخشيد وجها آخر، وهو أن الجند لمّا اختلفوا على الوزير أبى الفضل بن الفرات وطلب منه الأتراك الإخشيذيّة
стр. 1093
والكافوريّة مالا قدرة له به من المال، ولم تحمل إليه»
أموال الضمانات، قاتلوه «٢» ونهبت داره ودور جماعة من حواشيه. ثم كتب جماعة منهم إلى المعزّ العبيدىّ بالمغرب يستدعونه ويطلبون منه إنفاذ العساكر إلى مصر؛ وفي أثناء ذلك قدم الحسن بن عبيد الله بن طغج من الشام منهزما من القرامطة، ودخل على ابنة عمّه، وقبض على الوزير أبى الفضل جعفر بن الفرات لسوء سيرته ولشكوى الجند منه «٣» ؛ فعذّبه وصادره؛ وتولّى الحسن بن عبيد الله تدبير مصر بنفسه ثلاثة أشهر، واستوزر كاتبه الحسن بن جابر الرّياحىّ «٤» ؛ ثم أطلق الوزير جعفر بن الفرات من محبسه بوساطة الشريف أبى [جعفر «٥» ] مسلم الحسينى، وفوّض إليه أمر مصر ثانيا؛ كلّ ذلك وأحمد بن علىّ صاحب الترجمة ليس له من الأمر إلّا مجرّد الاسم فقط. ثم سافر الحسن بن عبيد الله بن طغج من مصر إلى الشام في مستهلّ شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وبعد مسيره بمدّة يسيرة في جمادى الآخرة من السنة وصل الخبر بمسير عسكر المعزّ صحبة جوهر القائد الرومىّ إلى مصر؛ فجمع الوزير جعفر بن الفرات [أنصاره «٦» ] واستشارهم فيما يعتمد «٧» ؛ فاتّفق الرأى على أمر فلم يتمّ. وقدم جوهر القائد إلى الديار المصريّة بعد أمور نذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى؛ وزالت دولة بنى الإخشيذ من مصر وانقطع الدعاء منها لبنى العباس. وكانت مدّة دولة
стр. 1094
الإخشيذ وبنيه بمصر أربعا وثلاثين سنة وأربعة وعشرين يوما «١» ؛ منها دولة أحمد بن علىّ هذا- أعنى أيام سلطنته بمصر- سنة واحدة وثلاثة أشهر إلّا ثلاثة أيام. وكانت مدّة الدعاء لبنى العباس بمصر منذ ابتدأت دولة بنى العبّاس إلى أن قدم القائد جوهر المعزّىّ وخطب باسم مولاه المعزّ معدّ العبيدىّ الفاطمىّ مائتى سنة وخمسا وعشرين سنة. ومنذ «٢» افتتحت مصر إلى أن انتقل كرسى الإمارة منها إلى القائد جوهر ثلثمائة سنة وتسعا وثلاثين سنة. انتهت ترجمة أحمد بن علىّ ابن الإخشيذ.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٨]
السنة التى حكم في بعضها أحمد بن علىّ بن الإخشيذ على مصر، وكانت ولايته فى جمادى الأولى من السنة الماضية، غير أننا ذكرنا تلك السنة في ترجمة كافور، ونذكر هذه السنة في ولاية أحمد هذا، على أنّ القائد جوهرا حكم في آخرها؛ وليس ما نحن فيه من ذكر السنين على التحرير، وإنّما المقصود ذكر الحوادث على أىّ وجه كان. وهذه السنة هى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة.
فيها عملت الرافضة المأتم في يوم عاشورا ببغداد وزادوا في النّوح وتعليق المسوح، ثم عيّدوا يوم الغدير «٣» .
стр. 1095
وفيها كان القحط ببغداد وأبيع الكرّ بتسعين دينارا.
وفيها ملك جوهر القائد العبيدىّ مصر وخطب لبنى عبيد المغاربة، وانقطع الدعاء لبنى العبّاس من مصر، حسب ما ذكرناه في ترجمة أحمد بن علىّ ابن الإخشيذ هذا.
وفيها حجّ بالناس من العراق الشريف أبو أحمد «١» الموسوىّ والد الرضىّ والمرتضى.
وفيها ولى إمرة دمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج [ابن «٢» ] أخى الإخشيذ فأقام بها شهورا ثم رحل في شعبان، واستناب بها سمول الكافورىّ؛ ثم سار الحسن إلى الرملة فالتقى مع ابن فلاح مقدّمة جوهر القائد في ذى الحجة بالرملة؛ فانهزم جيشه.
وأخذ أسيرا وحمل إلى المغرب، حسب ما ذكرناه في ترجمة أحمد بن علىّ الإخشيذ صاحب الترجمة.
وفيها عصى جند حلب على ابن سيف الدولة، فجاء من ميافارقين ونازل حلب، وبقى القتال عليها مدّة.
وفيها استولى الرّعيلىّ على أنطاكية، وهو رجل غير أمير وإنّما هو من الشّطّار «٣» ، وانضم عليه جماعة فقوى أمره بهم؛ فجاءت الروم ونزلوا على أنطاكية وأخذوها في ليلة
стр. 1096
واحدة؛ وهرب الرعيلىّ من باب «١» البحر هو وخمسة آلاف إنسان ونجوا إلى الشام؛ وكان أخذها في ذى الحجة من هذه السنة، وأسر الروم أهلها وقتلوا جماعة كثيرة.
وفيها جاء القائد جعفر بن فلاح مقدّمة القائد جوهر العبيدى المعزّى إلى الشام؛ فحاربه أميرها الشريف ابن أبى يعلى، فانهزم الشريف وأسره جعفر بن فلاح وتملّك دمشق.
وفيها توفّى ناصر الدولة الحسن بن أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان- تقدّم بقيّة نسبه في ترجمة أخيه سيف الدولة- كان ناصر الدولة صاحب الموصل ونواحيها، وكان أخوه سيف الدولة يتأدّب معه، وكان هو أيضا شديد المحبة لسيف الدولة. فلما مات سيف الدولة تغيّرت أحواله لحزنه عليه، وساءت أخلاقه وضعف عقله؛ فقبض عليه ابنه أبو تغلب الغضنفر بمشورة الأمراء وحبسه مكرّما- حسب ما ذكرناه- فلم يزل محبوسا إلى أن مات في شهر ربيع الأوّل.
وقيل: إنّ ناصر الدولة هذا كان وقع بينه وبين أخيه سيف الدولة وحشة؛ فكتب إليه سيف الدولة، وكان هو الأصغر وناصر الدولة الأكبر، يقول:
رضيت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بينى وبين أخى فرق
ولم يك بى عنها نكول وإنّما ... تجافيت عن حقّى فتمّ لك الحقّ
ولا بدّ لى من أن أكون مصلّيا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
وفيها توفّى سابور بن أبى طاهر القرمطىّ في ذى الحجة، كان طالب قبل موته عمومته بتسليم الأمر إليه فحبسوه، فأقام في الحبس أيّاما ثم خرج من الحبس؛ وعمل فى ذى الحجة ببغداد «غدير خمّ» على ما جرت به العادة، ثم مات بعد مدّة يسيرة.
стр. 1097
وفيها توفّى أحمد بن الراضى بالله بعد أن طالت علّته بمرض البواسير.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن جعفر الشيخ أبو بكر البيهقىّ، كان من كبار مشايخ نيسابور في زمانه. سئل عن الفتوّة، فقال: هى حسن الخلق وبذل المعروف.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان التّغلبىّ صاحب الموصل وكان أسنّ من سيف الدولة.
والحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان الحربىّ. وأبو القاسم زيد بن علىّ بن أبى بلال الكوفىّ. ومحمد بن معاوية الأموىّ القرطبىّ في شهر رجب.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع.
ذكر ولاية جوهر القائد الرومىّ المعزّىّ على مصر
هو أبو الحسن جوهر بن عبد الله القائد المعزّى المعروف بالكاتب، مولى المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ العبيدىّ الفاطمىّ. كان خصيصا عند أستاذه المعزّ، وكان من كبار قوّاده؛ ثم جهّزه أستاذه المعزّ إلى أخذ مصر بعد موت الأستاذ كافور الإخشيذى؛ وأرسل معه العساكر وهو المقدّم على الجميع؛ وكان رحيله من إفريقيّة في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وثلثمائة؛ وتسلّم مصر في يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان من السنة. على ما سنحكيه.
ولمّا دخل مصر صعد المنبر يوم الجمعة خطيبا وخطب ودعا لمولاه المعزّ بإفريقيّة؛ وذلك في نصف شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة المذكورة. وكان المعزّ لما ندب جوهرا هذا إلى التوجّه إلى الديار المصريّة أصحبه من الأموال والخزائن
стр. 1098
ما لا يحصى، وأطلق يده في جميع ذلك، وأفرغ الذهب في صور «١» الأرحاء، وحملها على الجمال لعظم ذلك في قلوب الناس. وقال في رحيله من القيروان شاعر الأندلس محمد بن هانئ قصيدته المشهورة في جوهر، وهى:
رأيت بعينى فوق ما كنت أسمع ... وقد راعنى يوم من الحشر أروع
غداة كأنّ الأفق سدّ بمثله «٢» ... فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
فلم أدر إذ «٣» ودّعت كيف أودّع ... ولم أدر إذ شيّعت كيف أشيّع
ألا إنّ هذا حشد من لم يذق له ... غرار الكرى جفن ولا بات يهجع
إذا حلّ في أرض بناها مدائنا ... وإن سار عن أرض غدت «٤» وهى بلقع
تحلّ بيوت المال حيث محلّه ... وجمّ العطايا والرّواق المرفّع
وكبّرت الفرسان لله إذ بدا ... وظلّ السلاح المنتضى يتقعقع
وعبّ عباب الموكب الفخم حوله ... وزفّ «٥» كما زفّ الصباح الملمّع
رحلت «٦» إلى الفسطاط أوّل رحلة ... بأيمن فال في الذي أنت تجمع
فإن يك في مصر ظماء لمورد ... فقد جاءهم نيل سوى النّيل يهرع «٧»
ويمّمهم من لا يغار بنعمة ... فيسلبهم لكن يزيد فيوسع
стр. 1099
ولما استولى على مصر أرسل جوهر هذا يهنّئ مولاه المعزّ بذلك؛ فقال ابن هانئ المذكور أيضا في ذلك:
يقول بنو العبّاس هل «١» فتحت مصر ... فقل لبنى العبّاس قد قضى الأمر
ومد جاوز الإسكندريّة جوهر ... تصاحبه «٢» البشرى ويقدمه النصر
ذكر دخول جوهر إلى الديار المصريّة وكيف ملكها
قال غير واحد: كان قد انخرم نظام مصر بعد موت كافور الإخشيذىّ لمّا قام على مصر أحمد بن علىّ بن الإخشيذ وهو صغير؛ فصار ينوب عنه ابن عمّ أبيه الحسن ابن عبيد الله بن طغج، والوزير يومئذ جعفر بن الفرات؛ فقلّت الأموال على الجند، فكتب جماعة منهم إلى المعزّ لدين الله معدّ وهو بالمغرب يطلبون منه عسكرا ليسلّموا إليه مصر؛ فجهّز المعزّ جوهرا هذا بالجيوش والسلاح في نحو ألف فارس أو أكثر فسار جوهر حتّى نزل بجيوشه إلى تروجة «٣» بقرب الإسكندريّة، وأرسل إلى أهل مصر فأجابوه بطلب الأمان وتقرير أملاكهم لهم؛ فأجابهم جوهر إلى ذلك وكتب لهم العهد. فعلم الإخشيذيّة بذلك، فتأهّبوا لقتال جوهر المذكور؛ فجاءتهم من عند جوهر الكتب والعهود بالأمان؛ فاختلفت كلمتهم؛ ثم اجتمعوا على قتاله وأمّروا عليهم ابن الشويزانى «٤» ، وتوجّهوا لقتاله نحو الجيزة وحفظوا الجسور؛ فوصل جوهر إلى الجيزة، ووقع بينهم القتال في حادى عشر شعبان ودام القتال بينهم مدّة، ثم صار
стр. 1100
جوهر إلى منية الصيّادين «١» وأخذ مخاضة منية شلقان «٢» ؛ ووصل إلى جوهر طائفة من العسكر في مراكب، فقال جوهر للأمير جعفر «٣» بن فلاح: لهذا اليوم أرادك «٤» المعزّ الدين الله! فعبر عريانا في سراويل وهو في موكب ومعه الرجال خوضا، والتقى مع المصريين ووقع القتال بينهم وثبت كلّ من الفريقين، فقتل كثير من الإخشيذيّة وانهزم الباقون بعد قتال شديد. ثم أرسلوا يطلبون الأمان من جوهر فأمّنهم، وحضر رسوله ومعه بند وطاف بالأمان ومنع من النهب؛ فسكن الناس وفتحت الأسواق ودخل جوهر من الغد إلى مصر في طبوله وبنوده وعليه ثوب ديباج مذهّب، ونزل بالمناخ، وهو موضع القاهرة اليوم؛ واختطّها وحفر أساس «٥» القصر فى الليلة؛ وبات المصريّون في أمن؛ فلمّا أصبحوا حضروا للتهنئة»
فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل وكان فيه زورات غير معتدلة؛ فلمّا شاهد ذلك جوهر لم يعجبه؛ ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة، ثم تركه.
стр. 1101
ثم كتب جوهر إلى مولاه المعزّ يبشره بالفتح، وبعث إليه برءوس القتلى؛ وقطّع خطبة بنى العباس ولبس السواد، ولبس الخطباء البياض؛ وأمر أن يقال في الخطبة:
«اللهمّ صلّ على محمد المصطفى، وعلى علىّ المرتضى؛ و [على «١» ] فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول؛ [الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا «٢» ] .
وصلّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين، المعزّ لدين الله» . ففعل ذلك؛ وانقطعت دعوة بنى العباس في هذه السنة من مصر والحجاز واليمن والشام. ولم تزل الدعوة لبنى عبيد في هذه الأقطار من هذه السنة إلى سنة خمس وستين وخمسمائة، مائتى سنة وثمانى سنين. على ما يأتى ذكره في خلافة المستضىء العباسىّ. وكان الخليفة فى هذه الأيّام عند انقطاع خطبة بنى العباس من مصر المطيع لله الفضل. ومات المطيع ومن بعده سبعة خلفاء من بنى العباس ببغداد حتى انقرضت دولة بنى عبيد من مصر على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، والخليفة يوم ذاك المستضىء العباسىّ، على ما يأتى ذلك في محلّه إن شاء الله تعالى. ثمّ في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وثلثمائة أذّنوا بمصر ب «حىّ على خير العمل» . واستمرّ ذلك.
ثمّ شرع جوهر في بناء جامعه بالقاهرة المعروف بجامع الأزهر، وهو أوّل جامع بلته الرافضة بمصر؛ وفرغ من بنائه في شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلثمائة بعد أن كان ابتنى القاهرة؛ كما سيأتى ذكر بنائها في هذه الترجمة أيضا. ولمّا ملك جوهر مصر كان الحسن بن عبيد الله بن الإخشيذ المقدّم ذكره بالشام وهو بيده إلى الرملة؛ فبعث إليه جوهر بالقائد جعفر بن فلاح المقدّم ذكره أيضا، فقاتل ابن فلاح حسنا المذكور بالرملة حتى ظفر به، وبعث به إلى مصر، حسب ما تقدّم ذكره، وبعثه القائد جوهر إلى المغرب؛ فكان ذلك آخر العهد به. ثم سار جعفر
стр. 1102
ابن فلاح إلى دمشق وملكها بعد أمور، وخطب بها للمعزّ في المحرّم سنة تسع وخمسين وثلثمائة. ثم عاد ابن فلاح إلى الرملة؛ فقام الشريف أبو القاسم إسماعيل بن أبى يعلى بدمشق وقام معه العوامّ ولبس السّواد ودعا للمطيع، وأخرج إقبالا أمير دمشق الذي كان من قبل جوهر القائد، فعاد جعفر بن فلاح إلى دمشق في ذى الحجة ونازلها، فقاتله أهلها، فطاولهم حتّى ظفر بهم؛ وهرب الشريف أبو القاسم إلى بغداد على البرّيّة. فقال ابن فلاح: من أتى به فله مائة ألف درهم، فلقيه ابن غلبان العدوىّ فى البريّة فقبض عليه وجاء به إلى ابن فلاح؛ فشهّره على جمل وعلى رأسه قلنسوة من لبود، وفي لحيته ريش مغروز ومن ورائه رجل من المغاربة يوقع به، ثمّ حبسه؛ ثمّ طلبه ابن فلاح ليلا وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ وسأله من ندبه إلى ذلك؛ فقال: ما حدّثنى به أحد إنّما هو أمر قدّر؛ فرقّ له جعفر بن فلاح ووعده أنه يكاتب فيه القائد جوهرا، واسترجع المائة ألف درهم من الذين أتوا به، وقال لهم: لا جزاكم الله خيرا! غدرتم بالرجل. وكان ابن فلاح يحبّ العلويّين، فأحسن إليه وأكرمه.
واستمرّ جوهر حاكم الديار المصريّة إلى أن قدم إليها مولاه المعزّ لدين الله معدّ فى يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثمائة؛ فصرف جوهر عن الديار المصريّة بأستاذه المعزّ، وصار من عظماء القوّاد في دولة المعزّ وغيره. ولا زال جوهر على ذلك إلى أن مات في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، ورثاه الشعراء. وكان جوهر حسن السيرة في الرّعية عادلا عاقلا شجاعا مدبّرا.
قال ابن خلّكان (رضى الله عنه) : توفّى يوم الخميس لعشر بقين من ذى القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. وكان ولده الحسين بن جوهر قائد القوّاد للحاكم صاحب مصر، ثم نقم عليه فقتله في سنة إحدى وأربعمائة؛ وكان الحسين
стр. 1103
قد خاف على نفسه من الحاكم، فهرب هو وولده وصهره القاضى عبد العزيز ابن [محمد بن «١» ] النعمان، وكان زوج أخته؛ فأرسل الحاكم من ردّهم وطيّب قلوبهم وآنسهم مدّة، ثم حضروا إلى القصر بالقاهرة للخدمة، فتقدّم الحاكم إلى راشد وكان سيف النّقمة، فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك، فقتلوا الحسين ابن جوهر وصهّره القاضى وأحضروا رأسيهما إلى بين يدى الحاكم. وقد ذكرنا الحسين هنا حتى يعرف بذكره أن جوهرا المذكور فحل غير خصىّ، بخلاف الخادم بهاء الدين قراقوش والأستاذ كافور الإخشيذى والخادم ريدان «٢» وغيرهم.
ذكر بناء جوهر القائد القاهرة وحاراتها
قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر في كتابه الروضة" [البهية «٣» ] الزاهرة، فى الخطط المعزّية القاهرة"؛ قال: «اختطّ جوهر القصر وحفر أساسه في أوّل ليلة نزوله القاهرة، وأدخل فيه دير العظام، وهو المكان المعروف الآن بالركن «٤» المخلّق قبالة حوض جامع الأقمر، قريب من بئر العظام، والمصريون يسمّونها بئر العظمة، ويزعمون أنّ طاسة وقعت من شخص في بئر زمزم وعليها اسمه، فطلعت من هذه البئر. ونقل جوهر القائد العظام «٥» التى كانت في الدير المذكور والرمم إلى دير
стр. 1104
فى الخندق «١» فدفنها؛ لأنه يقال: إنّها عظام جماعة من الحواريّين، وبنى مكانها مسجدا «٢» من داخل السور، وأدخل أيضا قصر الشوك في القصر المذكور، وكان منزلا تنزله «٣» بنو عذرة، وجعل للقصر أبوابا: أحدها باب العيد «٤» وإليه تنسب رحبة باب العيد، وإلى جانبه باب يعرف بباب الزّمرّذ «٥» . وباب آخر «٦» قبالة دار الحديث يعنى المدرسة الكامليّة. وباب آخر قبالة القطبيّة وهى البيمارستان الآن، يعرف الباب المذكور
стр. 1105
بباب الذهب «١» . وباب الزّهومة «٢» . وباب آخر «٣» من ناحية قصر الشوك. وباب آخر من عند مشهد الحسين، ويعرف بباب التّربة «٤» . وباب آخر يعرف بباب الدّيلم «٥» ، وهو باب مشهد الحسين الآن قبالة دار الفطرة «٦» . قال: وأمّا أبواب القاهرة التى استقرّ عليها الحال الآن فيأتى ذكرها «٧» .
стр. 1106
قال: وإنّ حدّ القاهرة «١» من مصر من السبع سقايات «٢» إلى تلك الناحية عرضا. قال: ولمّا نزل جوهر القائد اختطت كلّ قبيلة خطّة عرفت بها، فزويلة «٣» بنت البابين المعروفين ببابى زويلة، وهما البابان اللذان عند مسجد ابن البنّاء «٤» وعند الحجّارين «٥» ، وهما بابا «٦» القاهرة. ومسجد ابن البنّاء المذكور بناه الحاكم. وذكر ابن القفطىّ: أنّ المعزّ لمّا وصل مصر دخل إلى القاهرة من الباب الأيمن، فالناس إلى اليوم يزدحمون فيه، وقليل من يدخل من الباب الأيسر، لأنّه أشيع في الناس أنّ من دخله لم تقض له حاجة، وهو الذي عند دكاكين الحجّارين [و] الذي يتوصّل
стр. 1107
منه إلى المحمودية «١» . قلت: وقد دثر رسوم هذا الباب الثانى المذكور، وهو مكان يمرّ منه الآن من باب سر الجامع المؤيّدىّ إلى الأنماطيين «٢» .
قال: والباب الاخر من أبواب القاهرة القوس «٣» الذي هو قريب من باب النصر، الذي يخرج منه إلى الرحبة «٤» ، وهو عند باب سعيد السعداء، [و «٥» ] دكاكين العطّارين الآن. وباب آخر يعرف بالقوس «٦» أيضا وهو الذي يخرج منه إلى السوق الذي [هو «٧» ] قريب [من] حارة «٨» بهاء الدين قراقوش، على يسرة باب الجامع الحاكمىّ من ناحية الحوض، وتعرف قديما بالرّيحانيّة. وكلّ هذه الأبواب والسور كانت باللّبن.
стр. 1108
وأمّا باب زويلة الآن وباب النصر وباب الفتوح فبناها الوزير الأفضل بن أمير الجيوش، وكتب على باب زويلة تاريخه واسمه، وذلك في سنة ثمانين وأربعمائة «١» .
وقالت المهندسون: إنّ في باب زويلة عيبا لكونه ليست له باشورة «٢» قدّامه ولا خلفه على عادة الأبواب. وأمّا باب القنطرة «٣» فبناه القائد جوهر المذكور.
وأمّا السّور الحجر الذي على القاهرة ومصر والأبواب التى به فبناها الطواشى بهاء الدين قراقوش الرومىّ في أيّام أستاذه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فى سنة سبعين وخمسمائة؛ فبنى فيه [قلعة «٤» ] المقس، وهو البرج الكبير الذي كان على
стр. 1109
النيل. قلت: وقد نسف «١» هذا البرج من تلك الأماكن في سنة سبعين وستمائة.
يأتى ذكر ذلك في ترجمة الملك المنصور قلاوون إن شاء الله تعالى من هذا الكتاب.
قال: وبنى باب الجامع والقلعة التى بالجبل والبرج الذي بمصر قريبا من باب القنطرة المسمى بقلعة يازكوچ «٢» ، وجعل السور طائفا بمصر والقاهرة، ولم يتمّ بناؤه إلى الآن؛ وأعانه على عمله وحفر البئر التى بقلعة الجبل أسارى الفرنج، وكانوا ألوفا.
وهذه البئر من عجائب الأبنية، تدور البقر من أعلاها وتنقل الماء من نقّالة في «٣» في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من أسفلها؛ ولها طريق إلى الماء تنزل البقر إلى معينها في مجاز؛ وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء؛ وقيل: إن أرض هذه البئر مسامتة لأرض بركة الفيل؛ وماؤها عذب. سمعت من يحكى عن «٤» المشايخ أنّها لمّا حفرت جاء ماؤها حلوا، فأراد قراقوش الزيادة في مائها فوسعها، فخرجت منها عين مالحة غيّرت حلاوتها.
وطول هذا السور الذي بناه قراقوش على القاهرة ومصر والقلعة بما فيه من ساحل البحر تسعة وعشرون ألف ذراع وثلثمائة ذراع وذراعان [بذراع العمل، وهو «٥» الذراع الهاشمىّ] ، من ذلك ما بين قلعة المقسم «٦» على شاطئ النيل والبرج بالكوم «٧» الأحمر
стр. 1110
بساحل مصر عشرة آلاف وخمسمائة ذراع. ومن قلعة المقسم إلى حائط القلعة بالجبل بمسجد سعد «١» الدولة ثمانية آلاف وثلثمائة [واثنتان «٢» ] وتسعون ذراعا. ومن جانب حائط القلعة من جانب مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع. ودائر القلعة بالجبل بمسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشر أذرع؛ وذلك طول قوسه في ابتدائه، وأبراجه من النيل إلى النيل على التحقيق والتعديل» . انتهى كلام ابن عبد الظاهر. على أنه لم يسلم من الاعتراض عليه فى كثير مما نقله، وأيضا مما سكت عنه.
وقال غيره: دخل جوهر القائد مصر بعسكر عظيم ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح والعدد «٣» والخيل ما لا يوصف. فلمّا انتظم حاله وملك مصر ضاقت بالجند والرعية، واختط سور القاهرة وبنى بها القصور، وسمّاها المنصوريّة؛ وذلك فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. فلمّا قدم المعزّ العبيدى من القيروان غيّر اسمها وسمّاها القاهرة. والسبب في ذلك أنّ جوهرا لمّا قصد إقامة السور وبناء القاهرة جمع المنجّمين وأمرهم أن يختاروا طالعا لحفر الأساس وطالعا لرمى حجارته؛ فجعلوا [بدائر السور «٤» ] قوائم من خشب، وبين القائمة والقائمة حبل فيه أجراس، وأفهموا البنّائين ساعة تحريك الأجراس [أن] يرموا ما في أيديهم من اللّبن والحجارة، ووقف المنجمون لتحرير هذه الساعة وأخذ الطالع؛ فاتّفق وقوف غراب على خشبة من
стр. 1111
تلك الخشب، فتحرّكت الأجراس، وظنّ الموكّلون بالبناء أنّ المنجّمين حرّكوها فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة في الأساس؛ فصاح المنجّمون: لا لا، القاهر فى الطالع! ومضى ذلك وفاتهم ما قصدوه. وكان غرض جوهر أن يختاروا للبناء طالعا لا يخرج البلد عن نسلهم أبدا، فوقع أنّ المريخ كان في الطالع، وهو يسمى عند المنجّمين القاهر، فحكموا لذلك «١» أنّ القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك، وأنّهم لا بدّ أن يملكوا هذه البلد. فلمّا قدم المعزّ إليها وأخبر بهذه القصة وكان له خبرة بالنّجامة، وافقهم على ذلك، وأنّ الترك تكون لهم الغلبة على هذا البلد؛ فغيّر اسمها وسمّاها القاهرة. وقيل فيها وجه آخر، وهو أنّ بقصور القاهرة قبّة تسمّى القاهرة، فسميت على اسمها. والقول الأوّل هو المتواتر بين الناس والأقوى.
وقيل غير ذلك.
ثم بنيت حارات «٢» القاهرة من يومئذ، فعمّر فيها:
حارة الروم- وهما حارتان، حارة الروم الآن المشهورة «٣» ، وحارة الروم الجوّانيّة «٤» ، وهى التى بقرب باب النصر على يسار الداخل إلى القاهرة، ثم استثقل الناس قول حارة الروم الجوّانية فحذفوا صدر الكلمة وقالوا «الجوّانية» ؛ والورّاقون يكتبون حارة الروم السفلى، وحارة الروم العليا المعروفة بالجوّانية.
стр. 1112
وقال القاضى زين الدين: إنّ الجوّانية منسوبة للأشراف الجوّانيين، منهم الشريف «١» النّسابة الجوّانى. وهاتان الحارتان اختطهما الروم، ونزلوا بهما فعرفتابهم.
وحارة الدّيلم «٢» - هى منسوبة إلى الديلم الواصلين صحبة أفتكين المعزّى غلّام معز الدولة بن بويه حين قدم إلى القاهرة أولاد مولاه معزّ الدولة.
وفندق «٣» مسرور- منسوب لمسرور خادم من خدّام القصر في الدولة العبيدية.
وخليج القاهرة «٤» - حفره أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، ويعرف بخليج أمير المؤمنين، وكان حفره عام الرّمادة، وهى سنة ست عشرة «٥» من
стр. 1113
الهجرة فسافر إلى القلزم «١» ، فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السفن وحمل فيها الزاد والأقوات إلى مكّة والمدينة، وانتفع بذلك أهل الحجاز. وقال الكندىّ: كان حفره فى سنة ثلاث وعشرين وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع؛ ثم بنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة «٢» وكتب عليها اسمه، وقام ببنائها سعيد أبو عثمان «٣» ؛ ذكره القضاعىّ صاحب الخطط. قال: ثمّ دثرت ثمّ أعيدت ثمّ عمّرت في أيّام العزيز بالله، وليس لها «٤» أثر في هذا الزمان. وإنّما بنى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب قنطرة السّدّ «٥» الآن التى عليها بستان «٦» الخشّاب. وكان
стр. 1114
يخرج الماء من البحر بالمقس من البرانج، فوسّعه الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب وجعله خليجا، وهو خليج الذكر «١» . وأوّل من رتّب حفر الخليج على الناس الوزير المأمون بن البطائحى صاحب الجامع الأقمر بالقاهرة؛ وكذلك جعل على أصحاب البساتين، وجعل عليه واليا بمفرده؛ وهو أوّل من رتّب السقّائين عند معونة المأمون هذا؛ وكذلك القرّابة والفعلة.
الحسينيّة «٢» - هى منسوبة لجماعة الأشراف الحسينيّين «٣» ، كانوا في أيّام الملك الكامل محمد بن العادل، قدموا من الحجاز فنزلوا بها واستوطنوها، وبنوا بها المدابغ وصنعوا فيها الأديم المشبّه بالطائفىّ «٤» ؛ ثمّ سكنها الأجناد بعد ذلك؛ وكانت برسم الرّيحانيّة الغزّاويّة والمولّدة والعجمان وعبيد الشراء؛ وكانت ثمانى «٥» حارات: حارة
стр. 1115
حامد، والمنشيّة الكبرى، والمنشيّة الصغرى، والحارة الكبيرة، والحارة الوسطى، كانت هى لعبيد الشراء، والوزيريّة؛ كانت كلّها سكن الأرمن، فارسهم وراجلهم.
وخان السبيل «١» - بناه الخادم الأستاذ الخصىّ بهاء الدين قراقوش الذي بنى السور وأرصده لأبناء السبيل.
اللؤلؤة «٢» - عند باب القنطرة بناها الظاهر لإعزاز دين الله الخليفة العبيدى، وكانت نزهة الخلفاء الفاطميّين، وبها كانت قصورهم. ويأتى ذكر شىء من ذلك في تراجمهم إن شاء الله تعالى.
حارة الباطليّة «٣» - كان المعزّ لدين الله العبيدىّ لما قسم العطاء في الناس جاءت إليه طائفة فسألت العطاء، فقيل: فرغ المال؛ فقالوا: رحنا نحن في الباطل؛ فسمّوا الباطليّة، فعرفت الحارة بهم.
حارة كتامة «٤» - هى قبيلة معروفة، عرفت بهم.
стр. 1116
البرقيّة «١» - هذه الحارة نزل فيها جماعة من أهل برقة واستوطنوها، فعرفت بهم. وكانوا جماعة كبيرة، حضروا صحبة المعزّ لدين الله لمّا قدم من بلاد المغرب.
خزانة البنود «٢» - كانت هذه الخزانة خزانة السلاح في الدولة الفاطميّة.
دار القطبيّة- هى دار ستّ الملك بنت العزيز لدين الله نزار، وأخت الحاكم بأمر الله منصور. يأتى ذكرها في ترجمة أخيها الحاكم. وسكن هذه الدار فى دولة الأيّوبيّة مؤنسة «٣» ، ثم الأمير فخر الدين جهاركس صاحب القيسارية بالقاهرة، ثمّ سكنها الملك الأفضل قطب الدين؛ واستمرّت ذرّيته بها حتّى أخرجهم الملك المنصور قلاوون منها، وبناها بيمارستانه «٤» المعروف في القاهرة بين القصرين. ولسكن قطب الدين الأفضل هذا سمّيت القطبيّة، والأفضل المذكور من بنى أيّوب.
حارة الخرنشف «٥» - كانت قديما ميدانا للخلفاء، فلمّا تسلطن المعزّ أيبك التركمانىّ بنوا به إصطبلات، وكذلك القصر الغربىّ «٦» ؛ وكانت النساء اللاتى أخرجن
стр. 1117
منه سكنّ بالقصر النافعىّ «١» ؛ فامتدّت الأيدى إلى طوبه وأخشابه وحجارته، فتلاشى حاله وتهدّم وتشعّث، فسمّى بالخرنشف لهذا المقتضى، وإلّا فكان هذا الميدان من محاسن الدنيا.
حارة الكافورىّ «٢» - هذه الحارة كانت بستانا للأستاذ الملك كافور الإخشيذىّ صاحب مصر؛ ثمّ من بعده صار للخلفاء المصريّين، ثم هدم البستان فى الدولة المعزيّة أيبك لما خرب الميدان والقصور، وبنى أيضا إصطبلات ودورا ومساكن.
حارة برجوان «٣» - منسوبة إلى الخادم برجوان. كان برجوان من جملة خدّام القصر في أيام العزيز بالله نزار العبيدىّ الفاطمىّ، ثم كان برجوان هذا مدبّر مملكة الحاكم بأمر الله.
стр. 1118
حارة بهاء الدين «١» - منسوبة إلى الأستاذ بهاء الدين قرافوش الصلاحىّ الخادم الخصىّ الذي بنى السور وقلعة الجبل. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه.
قيسارية أمير الجيوش- المعروفة الآن بسوق مرجوش «٢» . وأوّلها من باب حارة بهاء الدين قراقوش إلى قريب من الجامع الحاكمىّ، بناها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالىّ «٣» الذي كان إليه تدبير الملك والوزارة في دولة الخليفة المستنصر معدّ العبيدىّ. وذكر ابن أبى منصور في كتابه المسمّى أساس السياسة أنه كان في موضعها دار تعرف بدار القبّانىّ، ودور قوم يعرفون ببنى هريسة.
درب ابن أسد- وهو خادم عرف به. وهو خلف إصطبل الطارمة «٤» .
الرميلة «٥» - تحت قلعة الجبل، كانت ميدان أحمد بن طولون، وبها كانت قصوره وبساتينه.
درب ملوخية «٦» - هو منسوب لأمير اسمه ملوخية، كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر الله العبيدىّ، وكان يعرف أيضا بملوخية الفرّاش.
стр. 1119
العطوف «١» - منسوبة إلى الخادم عطوف أحد خدّام القصر في دولة الفاطمية، وكان أصله من خدّام أم ستّ الملك بنت العزيز بالله أخت الحاكم المقدّم ذكرها.
رحبة باب العيد «٢» -[كان «٣» ] الخليفة لا يركب يوم العيد إلّا من باب القصر الذي من هذه الناحية خاصة. ويأتى ذكر ذلك كلّه في ترجمة المعزّ لدين الله العبيدىّ.
خانقاه «٤» السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- وهى دار سعيد السعداء خادم الخليفة المستنصر معدّ العبيدىّ أحد خلفاء مصر، ثمّ صارت في آخر الوقت سكن الوزير طلائع بن رزّيك «٥» وولده رزّيك بن طلائع. وكان طلائع يلقب في أيام وزارته بالملك الصالح، وهو صاحب جامع الصالح خارج بابى زويلة. ولمّا سكنها طلائع المذكور فتح لها من دار الوزارة- أعنى التى هى الآن خانقاه بيبرس الجاشنكير «٦» - سردابا تحت الأرض، وجمع بين دار سعيد
стр. 1120
السعداء ودار الوزارة في السكن لكثرة حشمه، وصار يمشى في السرداب من الدار الواحدة إلى الأخرى.
الحجر «١» - وهى قريبة من باب النصر قديما على يمين الخارج من القاهرة، وكان يأوى فيها جماعة من الشباب يسمّون صبيان الحجر يكونون في جهات متعددة.
الوزيرية «٢» - منسوبة إلى الوزير أبى الفرج يعقوب بن كلّس وزير العزيز بالله نزار العبيدىّ، وكان الوزير هذا يهودىّ الأصل ثمّ إنّه أسلم وتنقّل في الخدم إلى أن ولى الوزارة.
الجودرية «٣» - منسوبة إلى جماعة يعرفون بالجودريّة اختطوها، وكانوا أربعمائة رجل. منسوبون إلى جودر خادم المهدىّ.
سوق السّراجين- استجدّ في أيّام المعزّ أيبك التركمانىّ سنة ثلاث وخمسين وستمائة.
стр. 1121
سقيفة العدّاسين «١» - هى الآن معروفة بالأساكفة وبالبندقانيين، وكانت تلك الناحية كلّها تعرف بسقيفة العدّاسين.
حارة الأمراء- هى درب شمس الدولة «٢» .
العدوية «٣» - هى من أوّل باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة.
درب الصقالبة «٤» - هو درب من جملة حارة زويلة.
حارة زويلة «٥» - اخطتها امرأة تعرف بزويلة، وهى صاحبة البئر وبابى زويلة، لا أعرف من حالها شيئا.
باب الزهومة «٦» - كان بابا من أبواب القصر أعنى [قصر] القاهرة.
стр. 1122
الصاغة بالقاهرة «١» - كانت مطبخا للقصر يخرج إليه من باب الزهومة.
درب السلسلة «٢» - هو الملاصق للسيوفيين.
دار الضرب «٣» - بنيت في أيام الوزير المأمون بن البطائحىّ المقدّم ذكره، وهى بالقشاشين «٤» قبالة البيمارستان المنصورىّ «٥» .
الصالحية «٦» - هى منسوبة للوزير الملك الصالح طلائع بن رزّيك المقدّم ذكره لأنّ غلمانه- أعنى مماليكه- كانوا ينزلون بها.
المقس «٧» - قال القضاعى: كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين، وإنّما سميّت المقس لأنّ العشّار وهو المكّاس كان فيها يستخرج الأموال، فقيل له المكس، ثم قيل المقس.
стр. 1123
المسجد المعلق- كان هناك مساجد ثلاثة «١» معلقة بناها الحاكم بأمر الله فى أيام خلافته.
وأمّا هذه المبانى التى هى الآن خارج القاهرة فكلّها تجدّدت في الدولة التركية، ومعظمها في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن بعده، من سدّ مصر إلى باب زويلة طولا وعرضا. يأتى ذكر ذلك كلّه إن شاء الله تعالى في تراجم من جدّد الكورة والقناطر والجوامع والمدارس وغيرهم من السلاطين والملوك، كلّ واحد على جدته بحسب ما يقتضيه الحال.
ترجمة القائد جوهر وما يتعلق به من بنيان القاهرة وغيرها
قد تقدّم الكلام أن جوهر القائد هذا غير خصىّ، وولده القائد الحسين بن جوهر كان من كبار قوّاد الحاكم بأمر الله، وجوهر هذا هو صاحب الجامع الأزهر.
وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه؛ غير أننا ذكرناه هنا ثانيا تنبيها لمن نظر في ترجمة جوهر القائد المذكور، لئلا يلتبس عليه بشىء آخر.
стр. 1124
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٩]
السنة الأولى من ولاية جوهر الرومىّ المعزّى القائد على مصر، وهى سنة تسع وخمسين وثلثمائة.
فيها أقامت الرافضة المأتم على الحسين بن علىّ ببغداد في يوم عاشوراء على عادتهم وفعلهم القبيح في كلّ سنة.
وفيها ورد الخبر في المحرّم بأن تقفور ملك الروم خرج بالروم إلى جهة أنطاكية ونازلها وأحاط بها وقاتل أهلها حقى ملكها بالأمان؛ ثم أخرج أهلها منها وأطلق العجائز والشيوخ والأطفال، وقال لهم: امضوا حيث شئتم، ثم أخذ الشباب والصبيان والغلمان سيا؛ فكانوا أكثر من عشرين ألفا. وكان تقفور المذكور قد طغى وتجبّر وقهر العباد وملك البلاد وعظمت هيبته في قلوب الناس، واشتغل عنه الملوك بأضدادهم فاستفحل أمر تقفور بذلك. ثم تزوّج تقفور المذكور بامرأة الملك الذي كان قبله على كره منها؛ وكان لها ولدان، فأراد تقفور أن يخصيهما ويهديهما للبيعة ليستريح منهما لئلا يملكا الروم في أيامه أو بعده؛ فعلمت زوجته أمّهما بذلك، فأرسلت الى الدمستق ليأتى إليها في زىّ النساء ومعه جماعة «١» فى زى النساء؛ فجاءوا وباتوا عندها ليلة الميلاد، فوثبوا عليه وقتلوه؛ وأجلس فى الملك بعده ولدها الأكبر، وتّم لها ما أرادت. ولله الحمد على موت هذا الطاغية.
وفيها في ذى الحجة انقضّ بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنّه شعاع الشمس وسمع في انقضاضه صوت كالرعد الشديد، فهال «٢» ذلك الناس وارتعجوا «٣» له.
стр. 1125
وفيها حجّ بالناس من العراق الشريف النقيب أبو أحمد الموسوىّ والد الرضى والمرتضى والثلاثة رافضة، وهم محطّ رحال الشيعة في زمانهم.
وفيها توفّى الأمير صالح بن عمير العقيلىّ أمير دمشق، ولى إمرة دمشق خلافة عن الحسن بن عبيد الله بن طغج [ابن «١» ] أخى الإخشيذ في دولة أحمد بن على ابن الإخشيذ في سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ووقع له في ولايته على دمشق أمور وحروب. ولما انهزم الأستاذ فاتك الكافورىّ من القرمطىّ وغلب القرمطىّ على الشام خرج منها صالح هذا وغاب عنها مدّة أيّام، ثم عاد إليها بعد خروج القرمطىّ منها، ودام بها وأصلح أمورها؛ فلم تطل مدّته ومات بعد مدّة يسيرة. وكان شجاعا جوادا مقداما. وهو آخر من ولى دمشق من قبل الإخشيذ محمد وبنيه.
وفيها توفّى الأمير أبو شجاع فاتك الإخشيذىّ الخازن، ولى إمرة دمشق أيضا قبل تاريخه من قبل أنوجور الإخشيذىّ، وكان شجاعا مقداما جوادا، ولى عدّة بلاد، وطالت أيّامه في السعد. وهو غير فاتك المجنون الذي مدحه المتنبىّ ورثاه؛ لأنّ فاتكا المذكور كان بمصر في دولة خشداشه «٢» كافور الإخشيذىّ؛ ووفاة هذا كانت بدمشق.
وفيها هلك تقفور طاغية الروم: لم يكن أصله من أولاد ملوك الروم بل قيل إنه كان ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقّاس «٣» ، فتنصّر وغلب على الملك؛ وكان شجاعا مدبّرا سيوسا لم ير مثله من عهد إسكندر ذى القرنين؛ وهو الذي
следующие страницы →