Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
سقيفة العدّاسين «١» - هى الآن معروفة بالأساكفة وبالبندقانيين، وكانت تلك الناحية كلّها تعرف بسقيفة العدّاسين.
حارة الأمراء- هى درب شمس الدولة «٢» .
العدوية «٣» - هى من أوّل باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة.
درب الصقالبة «٤» - هو درب من جملة حارة زويلة.
حارة زويلة «٥» - اخطتها امرأة تعرف بزويلة، وهى صاحبة البئر وبابى زويلة، لا أعرف من حالها شيئا.
باب الزهومة «٦» - كان بابا من أبواب القصر أعنى [قصر] القاهرة.
стр. 1122
الصاغة بالقاهرة «١» - كانت مطبخا للقصر يخرج إليه من باب الزهومة.
درب السلسلة «٢» - هو الملاصق للسيوفيين.
دار الضرب «٣» - بنيت في أيام الوزير المأمون بن البطائحىّ المقدّم ذكره، وهى بالقشاشين «٤» قبالة البيمارستان المنصورىّ «٥» .
الصالحية «٦» - هى منسوبة للوزير الملك الصالح طلائع بن رزّيك المقدّم ذكره لأنّ غلمانه- أعنى مماليكه- كانوا ينزلون بها.
المقس «٧» - قال القضاعى: كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين، وإنّما سميّت المقس لأنّ العشّار وهو المكّاس كان فيها يستخرج الأموال، فقيل له المكس، ثم قيل المقس.
стр. 1123
المسجد المعلق- كان هناك مساجد ثلاثة «١» معلقة بناها الحاكم بأمر الله فى أيام خلافته.
وأمّا هذه المبانى التى هى الآن خارج القاهرة فكلّها تجدّدت في الدولة التركية، ومعظمها في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن بعده، من سدّ مصر إلى باب زويلة طولا وعرضا. يأتى ذكر ذلك كلّه إن شاء الله تعالى في تراجم من جدّد الكورة والقناطر والجوامع والمدارس وغيرهم من السلاطين والملوك، كلّ واحد على جدته بحسب ما يقتضيه الحال.
ترجمة القائد جوهر وما يتعلق به من بنيان القاهرة وغيرها
قد تقدّم الكلام أن جوهر القائد هذا غير خصىّ، وولده القائد الحسين بن جوهر كان من كبار قوّاد الحاكم بأمر الله، وجوهر هذا هو صاحب الجامع الأزهر.
وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه؛ غير أننا ذكرناه هنا ثانيا تنبيها لمن نظر في ترجمة جوهر القائد المذكور، لئلا يلتبس عليه بشىء آخر.
стр. 1124
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٥٩]
السنة الأولى من ولاية جوهر الرومىّ المعزّى القائد على مصر، وهى سنة تسع وخمسين وثلثمائة.
فيها أقامت الرافضة المأتم على الحسين بن علىّ ببغداد في يوم عاشوراء على عادتهم وفعلهم القبيح في كلّ سنة.
وفيها ورد الخبر في المحرّم بأن تقفور ملك الروم خرج بالروم إلى جهة أنطاكية ونازلها وأحاط بها وقاتل أهلها حقى ملكها بالأمان؛ ثم أخرج أهلها منها وأطلق العجائز والشيوخ والأطفال، وقال لهم: امضوا حيث شئتم، ثم أخذ الشباب والصبيان والغلمان سيا؛ فكانوا أكثر من عشرين ألفا. وكان تقفور المذكور قد طغى وتجبّر وقهر العباد وملك البلاد وعظمت هيبته في قلوب الناس، واشتغل عنه الملوك بأضدادهم فاستفحل أمر تقفور بذلك. ثم تزوّج تقفور المذكور بامرأة الملك الذي كان قبله على كره منها؛ وكان لها ولدان، فأراد تقفور أن يخصيهما ويهديهما للبيعة ليستريح منهما لئلا يملكا الروم في أيامه أو بعده؛ فعلمت زوجته أمّهما بذلك، فأرسلت الى الدمستق ليأتى إليها في زىّ النساء ومعه جماعة «١» فى زى النساء؛ فجاءوا وباتوا عندها ليلة الميلاد، فوثبوا عليه وقتلوه؛ وأجلس فى الملك بعده ولدها الأكبر، وتّم لها ما أرادت. ولله الحمد على موت هذا الطاغية.
وفيها في ذى الحجة انقضّ بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنّه شعاع الشمس وسمع في انقضاضه صوت كالرعد الشديد، فهال «٢» ذلك الناس وارتعجوا «٣» له.
стр. 1125
وفيها حجّ بالناس من العراق الشريف النقيب أبو أحمد الموسوىّ والد الرضى والمرتضى والثلاثة رافضة، وهم محطّ رحال الشيعة في زمانهم.
وفيها توفّى الأمير صالح بن عمير العقيلىّ أمير دمشق، ولى إمرة دمشق خلافة عن الحسن بن عبيد الله بن طغج [ابن «١» ] أخى الإخشيذ في دولة أحمد بن على ابن الإخشيذ في سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ووقع له في ولايته على دمشق أمور وحروب. ولما انهزم الأستاذ فاتك الكافورىّ من القرمطىّ وغلب القرمطىّ على الشام خرج منها صالح هذا وغاب عنها مدّة أيّام، ثم عاد إليها بعد خروج القرمطىّ منها، ودام بها وأصلح أمورها؛ فلم تطل مدّته ومات بعد مدّة يسيرة. وكان شجاعا جوادا مقداما. وهو آخر من ولى دمشق من قبل الإخشيذ محمد وبنيه.
وفيها توفّى الأمير أبو شجاع فاتك الإخشيذىّ الخازن، ولى إمرة دمشق أيضا قبل تاريخه من قبل أنوجور الإخشيذىّ، وكان شجاعا مقداما جوادا، ولى عدّة بلاد، وطالت أيّامه في السعد. وهو غير فاتك المجنون الذي مدحه المتنبىّ ورثاه؛ لأنّ فاتكا المذكور كان بمصر في دولة خشداشه «٢» كافور الإخشيذىّ؛ ووفاة هذا كانت بدمشق.
وفيها هلك تقفور طاغية الروم: لم يكن أصله من أولاد ملوك الروم بل قيل إنه كان ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقّاس «٣» ، فتنصّر وغلب على الملك؛ وكان شجاعا مدبّرا سيوسا لم ير مثله من عهد إسكندر ذى القرنين؛ وهو الذي
стр. 1126
افتتح حلب وأخذها من سيف الدولة بن حمدان؛ ولم يأخذ حلب أحد قبله من ملوك الروم؛ فعظم بذلك في أعين ملوك الروم وملّكوه عليهم إلى أن قتل. وقد تقدّم قتله في حوادث هذه السنة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد بن بندار ابن إسحاق الشعّار «١» . وأبو بكر أحمد بن يوسف بن خلّاد في صفر. وأبو القاسم حبيب بن الحسن القزّاز. ومحمد بن أحمد بن الحسن أبو علىّ الصوّاف. ومحمد بن على بن حبيش «٢» الناقد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٠]
السنة الثانية من ولاية جوهر الرومىّ المعزىّ القائد على مصر، وهى سنة ستين وثلثمائة.
فيها عمل الرافضة المأتم ببغداد في يوم عاشوراء على العادة في كلّ سنة من النوح واللّطم والبكاء وتعليق المسوح وغلق الأسواق، وعملوا العيد والفرح يوم الغدير «٣» وهو ثامن عشر ذى الحجة.
وفيها في أوّل المحرّم لحق الخليفة المطيع لله سكتة آل الأمر فيها إلى استرخاء جانبه الأيمن وثقل لسانه.
стр. 1127
وفيها في صفر أعلن المؤذّنون بدمشق: ب" حىّ على خير العمل" بأمر القائد جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعزّ لدين الله العبيدىّ، ولم يجسر أحد على مخالفته؛ ثمّ في جمادى الآخرة أمرهم ابن فلاح المذكور بذلك في الإقامة؛ فتألّم الناس لذلك، فهلك ابن فلاح في عامه.
وفيها في شهر ربيع الأوّل وقع الصلح بين أبى المعالى بن سيف الدولة بن حمدان وبين قرعويه «١» ، وكان بينهما حروب منذ مات سيف الدولة إلى اليوم، فأقاما الخطبة بحلب للمعزّ لدين الله العبيدىّ؛ وأرسل إليهما جوهر القائد من مصر بالأموال والخلع.
وفيها سار أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطىّ إلى الشام في قبائل العرب وحاصر دمشق؛ فخرج إليه من مصر القائد جعفر بن فلاح بعساكره من المغاربة واقتتلوا أيّاما إلى أن حمل القرمطىّ بنفسه على جعفر بن فلاح فقتله وقتل عامّة عسكره، وملك دمشق وولّى عليها ظالم بن موهوب «٢» العقيلىّ، ثمّ عاد القرمطىّ إلى بلاد هجر؛ فلم يثبت ظالم بعده بدمشق، وخرج منها بعد مدّة يسيرة.
وفيها حجّ بالناس النقيب الشريف أبو أحمد الموسوىّ من بغداد.
وفيها توفّى الأمير جعفر بن فلاح أحد قوّاد المعزّ لدين الله العبيدىّ؛ كان مقدّم عساكر القائد جوهر، وبعثه جوهر إلى دمشق لمحاربة الحسن بن عبيد الله بن
стр. 1128
طغج؛ فحاربه وأسره «١» ومهّد البلاد، وولى دمشق وأصلح أمورها، إلى أن قدم عليه القرمطىّ وحاربه وظفر به وقتله. وهو أوّل أمير ولى إمرة دمشق لبنى عبيد المغربىّ.
والعجب أنّ القرمطىّ لمّا قتله بكى عليه ورثاه؛ لأنّهما يجمع التشيّع بينهما وإن كانا عدوّين. وكان جعفر بن فلاح المذكور أديبا شاعرا فصيحا. كتب مرّة إلى الوزير يعقوب يقول له:
ولى صديق ما مسّنى عدم ... مذ نظرت عينه إلى عدمى
أعطى وأقنى «٢» ولم يكلّفنى ... تقبيل كفّ له ولا قدم
وفيها توفّى سليمان بن أحمد بن أيّوب الحافظ أبو القاسم الطّبرانىّ اللّخمىّ. ولخم:
قبيلة من العرب قدموا من اليمن إلى بيت المقدس ونزلوا بالمكان الذي ولد فيه عيسى ﵇، وبينه وبين بيت المقدس فرسخان، والعامّة تسمّيه «بيت لحم» (بالحاء المهملة) وصوابه «بيت لخم» (بالخاء المعجمة) . وكان مولده بعكّا في سنة ستين ومائتين؛ وهو أحد الحفّاظ المكثرين الرحّالين، سمع الكثير وصنّف المصنّفات الحسان، منها «المعجم الكبير في أسامى الصحابة» و «المعجم الأوسط في غرائب شيوخه» ، و «المعجم الأصغر في أسامى شيوخه» ، و «كتاب الدعاء» و «كتاب عشرة النساء» و «كتاب حديث الشاميّين» و «كتاب المناسك» و «كتاب الأوائل» و «كتاب السنة» و «كتاب النوادر» و «مسند أبى هريرة» و «كتاب التفسير» و «كتاب دلائل النبوّة» وغير ذلك. ومات في ذى القعدة. وذكر الحافظ سليمان ابن إبراهيم الأصبهانىّ أن أبا أحمد العسّال قاضى أصبهان قال: أنا سمعت من
стр. 1129
الطّبرانىّ عشرين ألف حديث، وسمع منه إبراهيم بن محمد بن حمزة ثلاثين ألفا، وسمع منه أبو الشيخ أربعين ألفا.
وفيها توفّى محمد بن الحسين بن عبد الله الحافظ أبو بكر الآجرّىّ «١» البغدادىّ، كان محدّثا ديّنا صالحا ورعا مصنّفا، صنّف كتاب «العزلة» وغيره. ومات فى هذه السنة.
وفيها توفّى محمد بن أبى عبد الله الحسين «٢» بن محمد الكاتب أبو الفضل المعروف بابن العميد- هو كان لقب والده- كان فيه فضل وأدب وترسّل؛ وزر لركن الدولة الحسن بن بويه بعد موت أبيه. ومن بعض أصحاب أبيه الصاحب بن عبّاد. قال الثعالبىّ في كتابه اليتيمة: «وكان «٣» يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد» . وكان «٤» الصاحب بن عبّاد قد سافر إلى بغداد؛ فلمّا عاد إليه قال له ابن العميد: كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد.
وكان ابن العميد سيوسا مدبّرا قائما بحقوق المملكة، وقصده الشعراء من الآفاق، ومدحه المتنبىّ وابن نباتة السعدىّ وغيرهما. ومن شعر ابن العميد قوله:
آخ الرجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب
إنّ الأقارب كالعقا ... رب بل أضرّ من العقارب
стр. 1130
وقيل: إنّ الصاحب بن عبّاد اجتاز بدار ابن العميد بعد وفاته فلم ير هناك أحدا بعد أن كان الدّهليز يغصّ من زحام الناس؛ فقال:
أيّها الرّبع «١» لم علاك اكتئاب ... أين «٢» ذاك الحجاب والحجّاب
أين من كان يفزع الدهر منه ... فهو اليوم في التراب تراب
وقال علىّ بن سليمان: رأيت بالرىّ دار قوم «٣» لم يبق منها سوى بابها- يعنى دار ابن العميد- وعليها مكتوب:
اعجب لصرف الدهور معتبرا ... فهذه الدار من عجائبها
عهدى بها بالملوك زاهية ... قد سطع «٤» النور من جوانبها
تبدّلت وحشة بساكنها ... ما أوحش الدار بعد صاحبها
وكان ابن العميد قبل أن يقتل بمدّة قد لهج بإنشاد هذين البيتين، وهما:
دخل الدنيا أناس قبلنا ... رحلوا عنها وخلّوها لنا
ونزلناها كما قد نزلوا ... ونخلّيها لقوم بعدنا
وكانت وفاته في صفر.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى جعفر بن فلاح أوّل من حكم على الشام لبنى عبيد، قتله أبو علىّ «٥» القرمطىّ. وسليمان بن أحمد بن أيّوب الطّبرانىّ في ذى القعدة وله مائة سنة وعشرة أشهر. وأبو علىّ عيسى بن محمد
стр. 1131
الطّومارىّ. وأبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنبارى. وأبو عمرو «١» محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النّيسابورىّ. وأبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد وزير ركن الدولة بن بويه. وأبو بكر محمد بن الحسين الآجرّىّ في المحرّم.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦١]
السنة الثالثة من ولاية جوهر القائد على مصر، وهى سنة إحدى وسنين وثلثمائة.
فيها عملت الرافضة مأتم الحسين بن علىّ رضى الله عنهما ببغداد على العادة فى يوم عاشوراء.
وفيها عاد الهجرىّ كبير القرامطة من الموصل إلى الشام، وانصرفت المغاربة- أعنى عسكر العبيديّة- إلى مصر، ودخل القرمطىّ إلى دمشق وسار إلى الرملة.
وفيها وقع الصلح بين منصور بن نوح السامانىّ صاحب خراسان وبين ركن الدولة الحسن بن بويه وبين ولده عضد الدولة بن ركن الدولة المذكور بأن يحمل ركن الدولة إلى منصور بن نوح السامانىّ في كلّ سنة مائة ألف دينار، ويحمل ابنه عضد الدولة خمسين ألف دينار.
وفيها اعترض بنو هلال الحاج البصرىّ «٢» والخراسانىّ ونهبوهم وقتلوا منهم خلقا، ولم يسلم منهم إلّا من مضى مع الشريف أبى أحمد الموسوىّ أمير الحاجّ، فإنّه مضى بهم على طريق المدينة، فحجّ وعاد.
стр. 1132
وفيها توفّى سعيد بن أبى سعيد أبو القاسم الجنّابىّ القرمطىّ الهجرىّ، عليه وعلى أقاربه اللعنة والخزى. ولم يبق من أولاد أبى سعيد غيره وغير أخيه يوسف، وقام بأمر القرامطة بعده مكانه أخوه يوسف المذكور. وعقد القرامطة بعد يوسف لستة نفر من أولادهم على وجه الشركة بينهم لا يستبدّ أحد منهم بشىء دون الآخر.
قلت: وهذا يدلّ على قطع أثرهم واضمحلال أمرهم وزوال ملكهم، إلى جهنم وبئس المصير؛ فإنّهم كانوا أشرّ خلق الله وأقبحهم سيرة وأظلمهم سطوة، هذا مع الفسق وقلّة الدين وسفك الدماء وانتهاك المحارم، وقتل الأشراف وأخذ الحجّاج ونهبهم، والاستخفاف بأمر الشرع والسنة وهتك حرمة البيت العتيق واقتلاع الحجر الأسود منه؛ حسب ما تقدّم ذكر ذلك كله في حوادث السنين «١» السابقة. وقد طال أمرهم وقاسى المسلمون منهم شدائد؛ وخرّب في أيّامهم ممالك وبلاد. ألا لعنة الله على الظالمين.
وفيها توفّى علىّ بن إسحاق بن خلف أبو القاسم «٢» الزاهى الشاعر البغدادىّ، كان وصّافا محسنا كثير الملح حسن الشعر في التشبيهات، وكان قطّانا، وكانت دكّانه في قطيعة الربيع «٣» الحاجب. ومن شعره وأجاد إلى الغاية من قصيدة:
وبيض بألحاظ العيون كأنّما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا
تصدّين لى يوما بمنعرج اللّوى ... فغادرن قلبى بالتصبّر غادرا
стр. 1133
سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا
وأطلعن في الأجياد بالدرّ أنجما ... جعلن لحبّات القلوب ضرائرا
هذا مثل قول المتنبى، ومذهب الزاهى زها عليه. وقول المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
وذكر الثعالبىّ لبعض شعرا عصره على هذا الأسلوب في وصف مغنّ:
فديتك يا أتمّ الناس ظرفا ... وأصلحهم لمتّخذ حبيبا
فوجهك نزهة الأبصار حسنا ... وصوتك متعة الأسماع طيبا
وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجب العجيبا
رنا ظبيا وغنّى عندليبا ... ولاح شقائها ومشى قضيبا
ومات الزاهى ببغداد. ومن شعره أيضا قوله:
قم فهنئ عاشقين ... أصبحا مصطلحين
جمعا بعد فراق ... فجعا منه ببين
ثم عادا في سرور ... من صدود آمنين
فهما روح ولكن ... ركّبا في بدنين
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحسن «١» بن الخضر الأسيوطى. وخلف بن محمد بن إسماعيل ببخارى. وعثمان بن عثمان «٢» بن خفيف الدرّاج.
ومحمد بن الحارث بن أسد القيروانىّ أبو عبد الله «٣» الفقيه الحافظ.
стр. 1134
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٢]
السنة الرابعة من ولاية جوهر القائد على مصر، وهى سنة اثنتين وستين وثلثمائة.
فيها لم تعمل الرافضة المأتم ببغداد بسبب ما جرى على المسلمين من الروم، وكان عزّ الدولة بختيار بن بويه بواسط والحاجب سبكتكين ببغداد، وكان سبكتكين المذكور يميل إلى السّنّة فمنعهم من ذلك.
وفيها حشدت الروم وأخذوا نصيبين واستباحوا وقتلوا وسبوا، وقدم بغداد من نجا منهم؛ واستنفروا الناس في الجوامع، وكسروا المنابر ومنعوا الخطيب، وحاولوا الهجوم على الخليفة المطيع لله، واقتلعوا بعض شبابيك دار الخلافة حتى غلقّت أبوابها، ورماهم الغلمان بالنّشّاب من الرّواشن، وخاطبوا الخليفة بالتعنيف وبأنّه عاجز عمّا أوجبه الله عليه من حماية حوزة الإسلام وأفحشوا القول. ووافق ذلك غيبة السلطان عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أحمد بن بويه في الكوفة؛ فخرج إليه أهل العقل والدين من بغداد، وفيهم الإمام أبو بكر الرازىّ الفقيه وأبو الحسن علىّ بن عيسى النّحوىّ وأبو القاسم «١» الدّاركىّ وابن الدّقاق «٢» الفقيه، وشكوا إليه ما دهم الإسلام من هذه الحادثة العظمى؛ فوعدهم عزّ الدولة بالغزو، ونادى بالنفير في الناس؛ فخرج من العوامّ
стр. 1135
خلق مثل عدد الرمل ثمّ جهّز جيشا وغزوا، فهزموا الروم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا أميرهم وجماعة من بطارقته، وأنفذت رءوس القتلى إلى بغداد؛ وفرح المسلمون بنصر الله تعالى.
وفيها في شهر رمضان دخل المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ العبيدى إلى مصر بعد أن بنيت له القاهرة ومعه توابيت آبائه، وكان قد مهّد له ملك الديار المصرية مولاه جوهر القائد، وبنى له القاهرة وأقام له بها دار الإمارة والقصر «١» .
وفيها وزر ببغداد أبو طاهر بن بقيّة ولقّب بالناصح، وكان سمحا كريما، له راتب كلّ يوم من الثلج ألف رطل، وراتبه من الشّمع في كلّ شهر ألف منّ؛ وكان أبو طاهر من صغار الكتّاب يكتب على المطبخ لمعزّ الدولة؛ فآل الأمر إلى الوزارة.
فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة! وكان كريما فغطّى كرمه عيوبه.
وفيها زلزلت بلاد الشام وهدمت الحصون ووقع من أبراج أنطاكية عدّة، ومات تحت الردم خلق كثير.
وفيها حجّ بالناس النقيب أبو أحمد الموسوىّ. وفيها ضاق الأمر على عزّ الدولة بختيار بن بويه، فبعث إلى الخليفة وطلب إسعافه على قتال الروم؛ فباع الخليفة المطيع ثيابه وأنقاض داره من ساج ورصاص، وجمع من ذلك أربعمائة ألف درهم وبعث بها إليه.
стр. 1136
وفيها توفّى السّرىّ بن أحمد بن السّرىّ أبو الحسن الكندىّ الرفّاء الشاعر المشهور، كان في صباه يرفو ويطرّز في دكّان بالموصل ومع ذلك يتولّع [بالأدب وينظم الشعر «١» ] ، ولم يزل على ذلك حتى جاد شعره ومهر فيه؛ وقصد سيف الدولة ابن حمدان بحلب ومدحه وأقام عنده [مدّة «٢» ] ، ثمّ بعد وفاته قدم بغداد ومدح الوزير المهلبىّ وغيره، وكان بينه وبين أبى بكر محمد وأبى عثمان سعيد ابنى هاشم الخالديّين الموصليّين الشاعرين المشهورين معاداة، فادّعى عليهما سرقة شعره وشعر غيره.
وكان شاعرا مطبوعا عذب الألفاظ، كثير الافتنان في التشبيهات والأوصاف؛ وكان لا يحسن من العلوم شيئا غير قول الشعر. ومن شعره [أبيات «٣» ] يذكر فيها صناعته:
وكانت الإبرة فيما مضى ... صائنة وجهى وأشعارى
فأصبح الرزق بها ضيّقا ... كأنّه من ثقبها جارى
ومن محاسن شعره في المديح:
يلقى الندى برقيق وجه مسفر ... فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا
رحب المنازل ما أقام فإن سرى ... فى جحفل ترك الفضاء مضيقا
ومن غرر شعره في النسيب قوله وهو في غاية الحسن:
بنفسى من أجود له بنفسى ... ويبخل بالتحية والسلام
وحتفى كامن في مقلتيه ... كمون الموت في حدّ الجسام
وفيها توفّى محمد بن هانئ أبو القاسم، وقيل: أبو الحسن، الأزدىّ الأندلسىّ الشاعر المشهور؛ قيل: إنّه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبى صفرة؛ وقيل: بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم. وكان أبوه هانئ من قرية
стр. 1137
من قرى المهديّة بإفريقيّة. وكان شاعرا أديبا، كان ماهرا في الأدب، حافظا لأشعار العرب وأخبارهم، واتّصل بصاحب إشبيلية وحظى عنده؛ وكان كثير الانهماك في اللذات متّهما بمذهب الفلاسفة؛ ولمّا اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية، واتّهم الملك بمذهبه، فأشار عليه الملك بالغيبة عن البلد مدّة [ينسى «١» فيها خبره] ؛ فانفصل وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة. وقصّته طويلة إلى أن قتل ببرقة في عوده إلى المغرب من مصر بعد أن مدح المعزّ العبيدىّ بغرر المدائح «٢» . وكان عوده إلى المغرب لأخذ عياله وعوده بهم إلى مصر. وتأسّف المعزّ عليه كثيرا. ومن شعره قصيدته النونيّة في مدح المعزّ لدين الله المذكور، منها:
بيض وما ضحك الصباح وإنّها ... بالمسك من طرر الحسان لجون
أدمى لها المرجان صفحة خدّه ... وبكى عليها اللؤلؤ المكنون
وكان ابن هانئ هذا في المغرب مثل المتنبىّ في المشرق، وكان موته في شهر رجب. وهو صاحب القصيدة المشهورة التى أوّلها:
فتقت لكم ريح الشّمال عبيرا وفيها توفّى الوزير عبّاس بن الحسين أبو الفضل الشيرازىّ، كان جبّارا ظالما، قتل بالكوفة بسقى الذّراريح «٣» ، ودفن بمشهد علىّ ﵇. وممّا يحكى عن ظلمه أنّه قتل ببغداد رجل من أعوان الوالى، فبعث أبو الفضل الشيرازىّ هذا من طرح النار من النحّاسين الى السمّاكين، فاحترق ببغداد حريق عظيم لم يعهد مثله، وأحرقت أموال عظيمة وجماعة كثيرة من النساء والرجال والصبيان والأطفال، فأحصى
стр. 1138
ما أحرق ببغداد فكان سبعة عشر [ألف «١» إنسان] وثلثمائة دكان وثلثمائة وعشرين دارا؛ أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون [ألف دينار «٢» ] . فلمّا وقع ذلك قال له رجل:
أيّها الوزير أريتنا قدرتك ونحن نأمل من الله أن يرينا قدرته فيك! فبعد قليل قبض عليه عزّ الدولة وصادره وعاقبه، ثم سقى ذراريح فتقرّحت مثانته وهلك فى ذى الحجة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن يحيى المزكّى. وأبو العباس. اسماعيل بن عبد الله «٣» بن محمد بن ميكال.
وأبو بحر محمد بن الحسن بن كوثر «٤» البربهارىّ، وأبو جعفر محمد بن عبد الله البلخىّ شيخ الحنفية ببخارى في ذى الحجة، كان إمام عصره بلا مدافعة. وأبو عمر «٥» محمد بن موسى بن فضالة. وأبو الحسن محمّد بن هانئ شاعر الأندلس
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان.
ذكر ولاية المعزّ العبيدى على مصر
هو أبو تميم معدّ بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدىّ عبيد الله العبيدىّ الفاطمىّ المغربىّ الملقّب بالمعزّ لدين الله، والذي تنسب إليه القاهرة
стр. 1139
المعزّيّة. مولده بالمهديّة في يوم الاثنين حادى عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة؛ وبويع بالخلافة في الغرب يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوّال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة بعد موت أبيه. يأتى ذكر نسبه وأقوال الناس فيه بعد أن نذكر قدومه إلى القاهرة وما وقع له مع أهلها ثم مع القرمطىّ.
وقال ابن خلكان: «وكان المعزّ قد بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور إسماعيل، ثم جدّدت له البيعة [بعد «١» وفاته] فى يوم الأحد سابع ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثلثمائة» . قلت: هو أوّل خليفة كان بمصر من بنى عبيد.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ في تاريخ الإسلام: «وهو أوّل من تملّك ديار مصر من بنى عبيد [الرافضة «٢» ] المدّعين أنهم علويّون. وكان ولىّ عهد أبيه إسماعيل، فاستقل بالأمر [فى آخر «٣» ] سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وسار في نواحى إفريقيّة ليمهّد مملكته، فأذلّ العصاة واستعمل على المدن غلمانه واستخدم الجند. ثم جهّز مولاه جوهرا القائد في جيش كثيف؛ فسار فافتتح سجلماسة، وسار حتى وصل إلى البحر المحيط وصيدله من سمكه، وافتتح مدينة فاس، وأرسل بصاحبها وصاحب سبتة «٤» أسيرين إلى المعزّ؛ ووطّأ له جوهر من إفريقيّة إلى البحر سوى مدينة سبتة فإنّها بقيت لبنى أميّة أصحاب الأندلس» .
وقال الشيخ شمس الدين أبو المظفّر في تاريخه مرآة الزمان: «وكان مغرّى بالنجوم (يعنى المعزّ) والنظر فيما يقتضيه الطالع؛ فنظر في مولده وطالعه فحكم له بقطع فيه، فاستشار منجّمه فيما يزيله عنه؛ فأشار عليه أن يعمل سردابا تحت
стр. 1140
الأرض ويتوارى فيه إلى حين جواز الوقت؛ فعمل [على «١» ] ذلك، وأحضر قوّاده وكتّابه وقال لهم: إن بينى وبين الله عهدا في وعد وعدنيه و [قد «٢» ] قرب أوانه، وقد جعلت نزارا ولدى ولىّ عهدى بعدى، ولقّبته العزيز بالله، واستخلفته عليكم وعلى تدبير أموركم مدّة «٣» غيبتى، فالزموا الطاعة له واتركوا المخالفة واسلكوا الطريق السديدة «٤» ؛ فقالوا: الأمر أمرك، ونحن عبيدك وخدمك؛ ووصّى العزيز ولده بما أراد، وجعل القائد جوهرا مدبّره والقائم بأمره بين يديه؛ ثم نزل إلى سرداب اتخذه وأقام فيه سنة؛ وكانت المغاربة إذا راوا غماما سائرا ترجّل الفارس منهم إلى الأرض، وأومأ بالسلام يشير [إلى] أن المعزّ فيه؛ ثمّ خرج المعزّ بعد ذلك وجلس للناس، فدخلوا عليه على طبقاتهم ودعوا له، فأقام على ما كان عليه» . انتهى.
وقيل: إنّه دخل مصر ومعه خمسمائة جمل موسوقة ذهبا عينا وأشياء كثيرة غير ذلك.
وقال القفطىّ: «إنّ المعزّ كان قد عزم على تجهيز عسكر إلى مصر؛ فسألته أمّه تأخير ذلك لتحجّ خفية، فأجابها وحجّت. فلمّا وصلت إلى مصر أحسّ بها كافور الإخشيذىّ الأستاذ فحضر إليها وخدمها وحمل إليها هدايا وبعث في خدمتها أجنادا، فلمّا رجعت من حجّها منعت ولدها من غزو بلاده. فلمّا توفّى كافور بعث المعزّ جيوشه فأخذوا مصر» . انتهى.
ولمّا أرسل المعزّ القائد جوهرا إلى مصر وفتحها وبلغه ذلك سار بنفسه إلى المهديّة في الشتاء فأخرج من قصور آبائه من الأموال خمسمائة حمل، ثم سار نحو الديار المصريّة بعد أن مهّد له جوهر القائد وبنى له القاهرة. وكان صادف مجىء
стр. 1141
جوهر إلى مصر الغلاء والوباء، فلم يلتفت إلى ذلك وافتتحها؛ ثم افتتح الحجاز «١» والشام، وأرسل يعرّف المعزّ. وقد ذكرنا شيئا من ذلك في ترجمة جوهر القائد.
وخرج المعزّ من المغرب في سنة إحدى وستين وثلثمائة بعد أن استخلف على إفريقيّة [يوسف «٢» ] بلكّين بن زيرى الصّنهاجى، وجدّ المعزّ في السير في خزائنه وجيوشه حتى دخل الإسكندريّة في شعبان سنة اثنتين وستين وثلثمائة؛ فتلقّاه قاضى مصر أبو طاهر «٣» الذّهلى والأعيان، وطال حديثهم معه، وأعملهم بأنّ قصده القصد المبارك من إقامة الجهاد والحقّ وأن يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يعمل بما أمره به جدّه رسول الله ﷺ ، ووعظهم وطوّل حتى أبكى بعضهم وخلع على جماعة. ثمّ نزل بالجيزة وأخذ جيشه في التعدية إلى مصر ثمّ ركب هو ودخل القاهرة؛ وقد بنيت له بها دور الإمارة، ولم يدخل مدينة مصر، وكانوا قد احتفلوا وزيّنوا مصر بأحسن زينة. فلمّا دخل القصر خرّ ساجدا وصلّى ركعتين.
وقال عبد الجبّار البصرىّ: «وكان السبب في مجيئه إلى مصر؛ أنّ الرّوم كانوا قد استولوا على الشام والثغور وطرسوس وأنطاكية وأذنة [وعين «٤» زربة] والمصّيصة وغيرها وفرح بمصاب المسلمين؛ وبلغه أن بنى بويه قد غلبوا على بنى العباس وأنهم لا حكم لهم معهم؛ فاشتدّ طمعه في البلاد؛ وكان له بمصر شيعة فكاتبوه يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعزّ الدنيا كلّها، ويعنون بالحجر الأسود الأستاذ كافورا الإخشيذىّ الخصىّ، وكان كافور يومئذ أمير مصر
стр. 1142
نيابة عن ابن الإخشيذ وعن الحسن بن عبيد الله بن طغج أمير الشام، وكان الحسن قد دخل مع الشّيعة في الدعوة، وكان الحسن ضعيفا رخوا؛ ولذلك كان كافور هو المتكلّم عنه لأنّ الجند كانوا قد طمعوا فيه (أعنى الحسن) وكرهوه وكرههم؛ فقال له أبو جعفر بن نصر، وكان من دعاة المعزّ بالقاهرة: هؤلاء القوم قد طمعوا فيك، والمعزّ لك مثل الوالد، فإن شئت كاتبته ليشدّ منك ويكون من وراء ظهرك؛ فقال الحسن: إى والله قد أحرقوا قلبى!. فكتب إلى المعزّ يخبره؛ فبعث المعزّ القائد جوهرا، وهو عبد رومىّ غير خصىّ؛ فجاء جوهر إلى مصر في مائة ألف مقاتل، فدخل مصر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، حسب ما ذكرناه، وأخرج الحسن المذكور بعد أن قاتله؛ واستولى جوهر على الخزائن والأموال والذخائر. وتوجّه الحسن إلى الرملة ثم ظفر به جوهر وبعث به إلى المعزّ إلى الغرب؛ فلمّا دخل عليه الحسن قرّ به المعزّ و؟؟؟ بشّ «١» به، وقال: أنت ولدى؛ وكاتبتنى على دخول مصر وإنّما بعثت جوهرا لينصرك، ولقد لحقنى بتجهيز «٢» الجيوش إلى مصر أربعة آلاف ألف [وخمسمائة «٣» ألف] دينار. فظنّ الحسن أنّ الأمر كما قال المعزّ، ولم يدر أنه خدعه؛ فسعى إليه بجماعة من قوّاد مصر والأمراء وأرباب الأموال وعرّفه حال المصريّين، وكان كلّ واحد من هؤلاء الذين دلّ الحسن المعزّ عليهم مثل قارون في الغنى؛ فكتب المعزّ إلى جوهر باستئصالهم ومصادرتهم [وأن «٤» يبعث بهم إليه] ثمّ حبسهم مع الحسن؛ فكان ذلك آخر العهد بهم» . فقال الذهبىّ: هذا قول منكر بل أخرج الحسن بن عبيد الله من مصر وبايع للمعزّ، ثم قدم بعد ذلك ووقعت الوحشة بينهم.
стр. 1143
ولمّا دخل المعزّ إلى القاهرة احتجب في القصر فبعث عيونه ينقلون إليه أخبار الناس وهو متوفّر في النعم والأغذية المسمنة والأطلية التى تنقّى البشرة وتحسّن اللّون. ثمّ ظهر للناس بعد مدّة وقد لبس الحرير الأخضر وجعل على وجهه اليواقيت والجواهر تلمع كالكواكب. وزعم أنّه كان غائبا في السماء وأنّ الله رفعه إليه؛ فامتلأت قلوب العامّة والجهّال منه رعبا وخوفا، وقطع ما كان على ابن الإخشيذ في كلّ سنة من الأتاوة للقرامطة، وهى ثلثمائة ألف دينار. ولمّا بلغ القرمطىّ ذلك عظم عليه؛ لأنّ المعزّ كان يصافيه لمّا كان بالمغرب ويهاديه، فلمّا وصل إلى مصر قطع ذلك عنه. وسار القرمطىّ، واسمه الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الحسن بن بهرام القرمطىّ، إلى بغداد وسأل الخليفة المطيع بالله العباسىّ على لسان عزّ الدولة بختيار أن يمدّه بمال ورجال ويولّيه الشام ومصر ليخرج المعزّ منها؛ فامتنع الخليفة المطيع بالله من ذلك، وقال: كلّهم قرامطة وعلى دين واحد؛ فأمّا المصريون (يعنى بنى عبيد) فأماتوا السنن وقتلوا العلماء؛ وأمّا هؤلاء (يعنى القرامطة) فقتلوا الحاجّ، وقلعوا الحجر الأسود، وفعلوا ما فعلوا. فقال عزّ الدولة بختيار للقرمطىّ: اذهب فافعل ما بدالك. وقيل: إنّ بختيار أعطاه مالا وسلاحا. فسار القرمطىّ إلى الشام ومعه أعلام سود، وأظهر أنّ الخليفة المطيع ولّاه وكتب على الأعلام اسم المطيع عبد الكريم، وتحته مكتوب" السادة الراجعون إلى الحقّ" وملك القرمطىّ الشام ولعن المعزّ هذا على منبر دمشق وأباه؛ وقال: هؤلاء من ولد القدّاح كذّابون مخترقون أعداء الإسلام، ونحن أعلم بهم؛ ومن عندنا خرج جدّهم القدّاح. ثم أقام القرمطىّ الدعوة لبنى العباس وسار إلى مصر بعساكره. ولمّا بلغ المعزّ مجيئه تهيّأ لقتالهم؛ فنزل القرمطىّ بمشتول «١» الطواحين، وحصل
стр. 1144
بينه وبين المعزّ مناوشات، ثم تقهقر المعزّ ودخل القاهرة وانحصر بها إلى أن أرضى القرمطىّ بمال وخدعه، وانخدع القرمطىّ وعاد إلى نحو الشام، فمات بالرّملة في شهر رجب، وأراح الله المسلمين منه، وصفا الوقت للمعزّ فإنّ القرمطىّ كان أشدّ عليه من جميع الناس للرّعب الذي سكن في قلوب الناس منه؛ فكانت القرامطة إذا كانوا فى ألف حطّموا «١» مائة ألف وانتصفوا. خذلان من الله تعالى لأمر يريده.
ذكر ما قيل في نسب المعزّ وآبائه
قال القاضى عبد الجبّار البصرىّ: «اسم جدّ الخلفاء المصرييّن سعيد، ويلقّب بالمهدىّ، وكان أبوه يهوديّا حدّادا بسلمية؛ ثم زعم سعيد هذا أنّه ابن الحسين بن أحمد «٢» بن عبد الله بن ميمون القدّاح. وأهل الدعوة أبو القاسم الأبيض العلوىّ وغيره يزعمون أنّ سعيدا إنّما هو من امرأة الحسين المذكور، وأنّ الحسين ربّاه وعلّمه أسرار الدعوة، وزوجته بنت أبى الشلغلغ «٣» ، فجاءه ابن فسمّاه عبد الرّحمن. فلمّا دخل الغرب وأخذ سجلماسة تسمّى بعبيد الله ثمّ تكنّى بأبى محمد، وسمّى ابنه الحسن، وزعمت المغاربة أنّه يتيم ربّه وليس بابنه ولا بابن زوجته؛ وكناه أبا القاسم وجعله ولىّ عهده» . انتهى.
وقال القاضى أبو بكر بن الباقلانى: «القدّاح جدّ عبيد الله كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب وادّعى أنه علوىّ ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيا
стр. 1145
خبيثا حريصا على إزالة ملّة الإسلام؛ أعدم الفقه والعلم ليتمكّن من إغراء الخلق؛ وجاء أولاده أسلوبه وأباحوا الخمر والفروج وأشاعوا الرّفض، وبثّوا دعاة فأفسدوا عقائد جبال الشام، كالنّصيرية «١» والدّروزيّة «٢» . وكان القدّاح كاذبا مخترقا، وهو أصل دعاة القرامطة» . انتهى.
وقال ابن خلكان: «اختلف في نسبهم، فقال صاحب تاريخ القيروان: هو عبيد الله بن الحسن «٣» بن علىّ بن محمد بن علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم» . انتهى. وقال غيره: هو عبيد الله ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور في قول صاحب تاريخ القيروان. وقيل:
هو علىّ بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم. وقيل: هو عبيد الله بن التقىّ بن الوفىّ بن الرضىّ، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ذات الله. والرضىّ المذكور هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر. واسم التقىّ الحسين. واسم الوفىّ أحمد. واسم الرضىّ عبد الله. وإنّما استتروا خوفا على أنفسهم لأنّهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بنى العباس، لأنّهم علموا أنّ فيهم من يروم الخلافة؛ [أسوة غيرهم من العلوييّن، وقضاياهم ووقائعهم في ذلك مشهورة «٤» ] . وإنّما تسمّى المهدىّ عبيد الله استتارا.
هذا عند من يصحّح نسبه ففيه اختلاف كثير. وأهل العلم بالأنساب من المحقّقين ينكرون دعواه في النسب. وقيل: هو عبيد الله بن الحسين بن علىّ بن محمد بن على
стр. 1146
الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق. وقيل: هو علىّ بن الحسين بن أحمد ابن عبد الله بن الحسين بن محمد بن زين العابدين بن محمد بن الحسين، وإنّما سمّى نفسه [عبيد «١» الله] استتارا. وهذا أيضا على قول من يصحّح نسبهم. والذي ينكر نسبه يقول: اسمه سعيد، ولقبه عبيد الله، وزوج أمّه الحسين بن أحمد القدّاح، كان كحّالا يقدح العين إذا نزل فيها ماء.
وقال ابن خلكان: «وجاء المعزّ من إفريقيّة وكان يطعن في نسبه. فلمّا قرب من البلد (يعنى مصر) وخرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الأشراف؛ فقال له من بينهم الشريف عبد الله بن طباطبا: إلى من ينتسب مولانا؟ فقال له المعزّ:
سنعقد مجلسا ونسرد عليكم نسبنا. فلمّا استقرّ المعزّ بالقصر جمع الناس في مجلس عامّ وجلس لهم وقال: هل بقى من رؤسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق معتبر، فسلّ [عند ذلك نصف «٢» ] سيفه وقال: هذا نسبى! ونثر عليهم ذهبا كثيرا، وقال: هذا حسبى! فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا» . قلت: وفي نسب المعزّ أقوال كثيرة أخر أضربت عن ذكرها خوف الإطالة. والظاهر أنه ليس بشريف، وأنّه مدّع. والله أعلم.
واستمر بالقاهرة إلى أن مرض بها وتوفّى يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وستين وثلثمائة، وله ست وأربعون سنة؛ وقام ولده العزيز نزار بعده بالأمر «٣» . وأقام المعزّ واليا ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما، منها بمصر ثلاث سنين، وباقى ولايته كانت بالمغرب:
وخلّف عشرة أولاد: نزارا الذي ولى مصر بعده وعبد الله وعقيلا وسبع بنات.
стр. 1147
وأقام بتدبير مملكة ولده العزيز جوهرا القائد بانى القاهرة وصاحب جامع الأزهر المقدّم ذكره.
قال ابن خلّكان: إنّه توفّى يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ربيع الآخر.
وقيل: الثالث عشر [وقيل لسبع «١» خلون] منه. فخالف ما قلنا «٢» فى اليوم والشهر إلّا أنّه وافق في السنة. قال: و (معدّ بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الدال المهملة) .
انتهى. قلت: وكان المعزّ عاقلا حازما أديبا جوادا ممدّحا، فيه عدل وإنصاف للرعية، فمن عدله [ما] حكى عنه أنّ زوجة الإخشيذ الذي كان ملك مصر لمّا زالت دولتهم أودعت عند يهودىّ بغلطاقا «٣» كلّه جوهر، ثمّ فيما بعد طالبته فأنكر؛ فقالت: خذكمّ البغلطاق وأعطنى ما فضل فأبى؛ فلم تزل به حتّى قالت: هات الكمّ وخذ الجميع فلم يفعل؛ وكان في البغلطاق بضع عشرة درّة؛ فأتت المرأة إلى قصر المعزّ فأذن لها فأخبرته بأمرها، فأحضره وقرّره فلم يقرّ؛ فبعث إلى داره من خرّب حيطانها فظهرت جرّة فيها البغلطاق؛ فلما رآه المعزّ تحيّر من حسنه، ووجد اليهودىّ قد أخذ من صدره درّتين، فآعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار؛ فسلّمه المعز بكماله للمرأة.
فاجتهدت أن يأخذه المعزّ هديّة أو بثمن فلم يفعل؛ فقالت: يا مولاى، هذا كان يصلح لى وأنا صاحبة مصر، وأمّا اليوم فلا؛ فلم يقبله المعزّ وأخذته وانصرفت.
стр. 1148
وكان المعزّ قد أتقن فنونا من العلم والأدب. ومن شعره قوله:
لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر في المعاجر»
أمضى وأقضى في النفو ... س من الخناجر في الحناجر
ولقد تعبت ببينكم ... تعب المهاجر في الهواجر
ذكر ركوب الخلفاء الفاطميين في أوّل العام من كلّ سنة
والمعزّ هذا هو الذي استسنّ ذلك كلّه، فكان أمره إذا كان أواخر ذى الحجّة من كلّ سنة انتصب كلّ من المستخدمين في الأماكن الآتى ذكرها لإخراج آلات الركوب:
فيخرج من خزائن الأسلحة ما يحمله صبيان الرّكاب «٢» حول الخليفة، وهو الصّماصم «٣» المصقولة المذهّبة، [مكان «٤» السيوف] ، والدبابيس الملبّسة الكيمخت «٥» الأحمر والأسود مدوّرة الرأس مضرّسة؛ ولتوت «٦» رءوسها مستطيلة؛ وآلات يقال لها المستوفيات، وهى عمد حديد طول ذراعين مربّعة الشكل، لها مقابض مدوّرة فى اليد، وعدد معلومة أيضا من كلّ صنف يتسلّمها نقباؤهم؛ وستّمائة حربة بأسنّة مصقولة تحتها جلب «٧» فضّة، كل اثنتين في شرّابة تعطى لثلثمائة عبد [من] السودان الشباب يقال لهم أرباب السلاح الصغير «٨» ويعطى لكل منهم درقة. هذا من خزائن السلاح.
стр. 1149
ثمّ يخرج من خزائن التجمّل، وهى من حقوق خزائن السلاح، القضب الفضة [برسم «١» ] تشريف الوزير وأرباب الرتب من الأمراء والعساكر من الرّجالة والمشاة، وهى رماح ملبّسة بأنابيب الفضة المنقوشة بالذهب سوى ذراعين منها، فإنّها مشدودة بالمعاجر الشرب «٢» الملوّنة، وتبقى أطرفها المرقومة مسبلة كالسناجق «٣» ، وبرأس كلّ رمح رمامين فضة منفوخة وأهلّة مجوّفة وفيها جلاجل لها حسّ إذا تحرّكت، وعدّتها مائة رمح.
ومن العماريّات «٤» وهى شبه الكجاوات «٥» مائة عماريّة ملبّسة بالديباج الأحمر والأصفر والسقلاطون «٦» مبطّنة «٧» مضبوطة بزنانير من حرير، وعلى دائر التربيع مناطق بكوامخ «٨» فضّة مسمورة في جلد.
ويخرج للوزير لواءان على رمحين ملفوفين غير منشورين، فيسيران أمام الوزير.
ثمّ يسير للأمراء أرباب الرتب في الخدم، أوّلهم صاحب الباب «٩» عشر «١٠» قصبات وعشر
стр. 1150
عماريّات. وللإسفهسالار «١» مثل ذلك عدّة عماريّات بألوان مختلفة؛ ومن سواهما من الأمراء خمس «٢» .
ثمّ يخرج من البنود الخاصّ الدّبيقىّ «٣» المرقوم الملوّن برماح ملبّسة بالأنابيب، على رءوسها الرمامين والأهلة للوزير أيضا خاصّة. ودون هذه البنود مما هو حرير على رماح غير ملبّسة، رءوسها ورمامينها نحاس مجوّف مذهّب، أمام الأمراء المذكورين.
ثمّ يخرج لقوم يقال لهم السبربرية «٤» سلاح، كلّ قطعة طول ثلاث أدرع برأسها طلعة مصقولة وهى من خشب القنطارية داخلة في الطلعة، وفي عقبها حديد مدوّر السّفل، فهى في كفّ حاملها الأيمن، وهو يفتلها فتلا متدارك الدوران؛ وفي يده اليسرى نشّابة كبيرة يخطر بها.
ثمّ يخرج من النّقّارات حمل خمسين «٥» بغلا على خمسين بغلا، على كلّ بغل خمس مثل الكوسات يقال لها طبول. قلت: ولها حسّ مستحسن. ويسيرون في المواكب ثلاثا «٦» . ثمّ يخرج لقوم متطوّعين ليس لهم جراية ولا نفقة، وعدّتهم مائة رجل،
стр. 1151
لكل واحد درقة من درق اللّمط «١» واسعة وسيف؛ ويسيرون رجّالة. هذا ما يخرج من خزائن السلاح.
ثمّ يحضر حامى خزائن السروج، وهو من الأستاذين «٢» المحنّكين، إليها مع مشارفها وهو من الشهود المعدّلين «٣» ، فيخرج منها من «٤» خاصّ الخليفة من الرّكاب المحلّى ما هو برسم ركوبه، وما يجنب في الموكب مائة سرج تشدّ على عدّة حصن. ويقال: كلّ مركب مصوغ من ذهب وفضّة، أو من ذهب منزّل فيه المينا، وروادفها وقرابيسها من نسبتها. ومنها مرصّع بحبّ اللؤلؤ الفائق. والخيل مطوّقة بأعناق الذهب وقلائد العنبر، وفي أيدى أكثرها خلاخل مسطّحة بالذهب، ومكان الجلد من السروج الديباج الأحمر والأصفر وغيرهما من الألوان المنقوشة؛ قيمة كلّ دابّة وما عليها ألف دينار. فيشرّف الوزير منها بعشرة لركوبه وأولاده ومن يشاء من أقاربه. ويتسلّم ذلك كلّه عرفاء الإصطبلات.
стр. 1152
ثمّ يخرج من الخزانة أيضا لأرباب الدواوين المرتّبين في الخدم مراكب على مقدارهم، عليها من العدّة دون «١» ما تقدّم ذكرهم، وعدّتهم ثلثمائة خيل وبغال. ثم ينتدب حاجب يفرّق لأرباب الخدم كلّ واحد سيفا وقلما؛ فيحضر سحر اليوم المذكور إلى منازل أرباب الخدم بالقاهرة ومصر، ولهم رسوم من الرّكاب من دينار إلى نصف دينار إلى ثلث دينار. فإذا تكمّل ما وصفنا وتسلّمه أربابه من العرفاء يجلس «٢» الخليفة في الشبّاك لعرض الخيل الخاصّ المقدّم ذكرها، ويقال له يوم عرض الخيل، فيستدعى الوزير بصاحب الرسالة، وهو من كبار الأستاذين المحنّكين، فيمضى مسرعا على حصان دهراج «٣» ، فيعود ويعلم باستدعاء الوزير؛ فيخرج الخليفة من مكانه راكبا في القصر والناس بين يديه مشاة، فينزل بمكان «٤» لا بدهليز باب الملك الذي فيه الشباك، وعليه ستر؛ فيقف زمام «٥» القصر من جانبه الأيمن وصاحب بيت المال «٦» من جانبه الأيسر. فيركب الوزير من داره وبين يديه الأمراء. فيترجّل الأمراء من باب القصر والوزير راكب، ويدخل من باب العيد في هذا اليوم، وينزل عند أوّل الدّهاليز الطّوال، ويمشى وحوله حاشيته وأقاربه إلى الشبّاك، فيجلس على كرسىّ جيّد ورجلاه تطأ الأرض. فعند ما يجلس يرفع الأستاذان جانبى الستر الذي «٧» على الخليفة. فإذا رأى الوزير الخليفة وقف وسلّم وخدم بيده إلى الأرض خمس «٨» مرّات. ثم يؤذن له في الجلوس على كرسيّه،
стр. 1153
ويقرأ القرّاء آيات لائقة بذلك الحال نصف ساعة. ثم تعرض الخيول كالعرائس بأيدى شدّاديها، فيقرأ القرّاء عند تمام العرض ويرخى جنبات الستر. ويقوم الوزير فيدخل ويقبّل يد الخليفة ورجله؛ ثمّ ينصرف فيركب من مكان نزوله والأمراء فى ركابه ركبانا ومشاة إلى قريب من داره. فإذا صلّى الإمام الظهر جلس الخليفة لعرض ما يلبسه في الغد من خزائن الكسوة الخاصّة، ويكون لباسه البياض، فيعين منديلا خاصّا وبدلة. ويتسلّم المنديل شادّ التاج الشريف، ويقال له شدّ «١» الوقار، وهو من الأستاذين المحنّكين وله ميزة، فيشدّها شدّة غريبة لا يعرفها سواه، شكل الإهليلجة.
ثم يحضر إليه اليتيمة، وهى جوهرة عظيمة لا تعرف لها قيمة، فتنظم وحولها ما هو دونها من الجواهر؛ وهى موضوعة في هلال من ياقوت أحمر ليس له مثال في الدنيا، زنته أحد عشر مثقالا، وقيل أكثر، يقال له الحافر، فتنظم في خرقة حرير أحسن ما يمكن من الوضع، ويخاط على «٢» التاج بخياطة خفيفة، فيكون ذلك بأعلى جبهة الخليفة، وبدائرها قصب الزّمرذ الذّبابىّ «٣» العظيم القدر.
ثمّ يؤمر بشدّ المظلّة التى تشاكل تلك البدلة، وهى اثنا عشر شوزكا «٤» ، عرض أسفل كلّ شوزك شبر وطوله ثلاث أذرع وثلث؛ وآخر الشوزك من فوق دقيق جدا. فيجتمع ما بين الشوازك في رأس عمودها دائرة «٥» . والعمود من الزان ملبّس بأنابيب الذهب «٦» . وفي آخر أنبوبة تلى الرأس فلكة بارزة قدر عرض إبهام. فيشدّ
стр. 1154
آخر الشوازك في حلقة ذهب. وللمظلة أضلاع من خشب الخلنج «١» مربّعات مكسوّة بالذهب على عدد الشوازك خفاف بطول الشوازك. وفيها خطاطيف لطاف، وحلق يمسك بعضها بعضا تنضمّ وتنفتح، ورأسها كالرمّانة، ويعلوه أيضا رمّانة صغيرة كلها ذهب مرصّع بجوهر، ولها رفرف دائر عرضه أكثر من شبر ونصف، وتحت الرّمانة عنق مقدار ستّ «٢» أصابع. فاذا أدخلت الحلقة الذهب الجامعة لآخر الشوازك في رأس العمود ركّبت عليها الرمانة ولفّت في عرضى «٣» دبيقىّ مذهب، فلا يكشفها منه إلّا حاملها عند تسليمها وقت الركوب.
ثمّ يؤمر بشدّ لواءى الحمد المحتصّين بالخليفة، وهما رمحان [طويلان «٤» ملبّسان بمثل أنابيب عمود المظّلّة إلى حدّ نصفهما] برأسهما لواءان حريرا أبيض مرقوما بالذهب ملفوفين على رماحهما، ويخرجان بخروج المظّلة، فيحملهما أميران.
ثمّ يخرج إحدى وعشرون راية لطيفة من حرير مرقوم، ملوّنة بكتابة «٥» فى كلّ واحدة بما يخالف لونها [ونص «٦» كتابتها] : (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)
. طول كلّ راية ذراعان في ذراع ونصف، فتسلّم لواحد وعشرين رجلا.
ثمّ يخرج رمحان في رءوسهما أهلّة من ذهب في كلّ واحد سبع من ديباج أحمر وأصفر، وفي فمه طارة «٧» مستديرة، يدخل فيها الريح فينفتحان فيظهر شكلهما، ويتسلمهما فارسان يسيران أمام الرايات.
стр. 1155
ثمّ يخرج السيف الخاصّ، وجلبته [ذهب «١» ] مزصّعة بالجواهر، فى خريطة مرقومة بالذهب، لا يظهر سوى رأسه، فيخرج مع المظّلة، وحامله أمير، عظيم القدر، وهو أكبر حامل.
ثمّ يخرج الرمح، وهو رمح لطيف، فى غلاف منظوم من لؤلؤ، وله سنان مختصر بحلية ذهب [وله شخص مختص بحمله «٢» ] . ودرقة بكوامخ ذهب وسيعة، تنسب إلى حمزة بن عبد المطّلب، في غشاء حرير، فيحملها «٣» أمير مميّز له جلالة. ثمّ يعلم الناس سلوك الموكب. والموكب دورتين «٤» ؛ إحداهما كبرى، وهى من باب القصر إلى باب النصر، مارّا إلى الحوض حوض «٥» عزّ الملك. ثمّ ينعطف على اليسار إلى باب الفتوح إلى القصر. والأخرى هى الصغرى، إذا خرج من باب النصر سار حول السور ودخل من باب الفتوح إلى القصر. فكان إذا ركب ساروا بين يديه بغير اختلال ولا تبديل. فإذا أصبح الصبح يوم غرّة العام اجتمع أرباب الرتب من القاهرة ومصر وأرباب السيوف والأقلام، فصفّوا بين القصرين، ولم يكن فيه بناء كاليوم بل كان خلاء. ويبكّر الأمراء إلى دار الوزير؛ فيركب الوزير من غير استدعاء، ويسير أمامه تشريفه المقدّم ذكره «٦» ، والأمراء بين يديه ركّابا ومشاة، وأمامه بنوه وإخوته، وكلّ منهم يرخى الذؤابة بغير حنك «٧» ؛ وهو في أبّهة عظيمة من الثياب الفاخرة والمنديل
стр. 1156
بالحنك، متقلدا سيفا مذهّبا؛ فيدخل أهله عند القصر في أخصّ مكان لا يصل الأمراء إليه؛ ويدخل الوزير من باب القصر راكبا وحده إلى دهليز العمود، فينزل على مصطبة هناك ويمشى إلى القاعة ويجلس بها. فإذا دخلت الدّابة لركوب الخليفة وأسندت إلى الكرسىّ الذي يركب عليه الخليفة من باب المجلس أخرجت المظلّة إلى حاملها، فيكشفها بإعانة جماعة من الصقالبة «١» برسم خدمتها، فيركزها في آلة من حديد متّخذة شكل القرن المصطحب «٢» ، وهو مشدود في ركاب حاملها الأيمن بقوّة وتأكيد بعقبها، فيمسك العمود بحاجز فوق يده فيبقى وهو منتصب لا يضطرب فى ريح عاصف.
ثمّ يخرج السيف فيتسلّمه حامله، ويرخى له ذؤابة «٣» ما دام حاملا له.
ثمّ تخرج الدواة فيتسلّمها حاملها، وهو من الأستاذين المحنّكين، وهى الدواة التى كانت من أعاجيب الزمان، وهى من الذهب، وحليتها من المرجان، تلفّ في منديل شرب بياض مذهب. وفيها يقول بعض الشعراء:
ألين لداود الحديد كرامة ... فقدّره في السّرد كيف يريد
ولان «٤» لك المرجان وهو حجارة ... على أنّه صعب المرام شديد
ثمّ يخرج الوزير ومن معه وينضمّ إليه الأمراء، فيقف إلى جانب الدّابة، فيرفع صاحب [المجلس «٥» ] السّتر، فيخرج منه الخليفة بالهيئة المشروحة قبل تاريخه: من
стр. 1157
الثياب والمنديل الحامل لليتيمة بأعلى جبهته، وهو محنّك مرخى الذؤابة مما يلى جانبه الأيسر، متقلّد سيفا عربيا «١» وبيده قضيب الملك، وهو طول شبر ونصف، من عود مكسوّ بالذهب المرصّع بالجوهر؛ فيسلّم على الوزير قوم مرتّبون لذلك، ويسلّمون على أهله وعلى الأمراء بعدهم.
ثمّ يخرجون شيئا بعد شىء إلى أن يبقى الوزير فيخرج بعدهم، ويركب ويقف قبالة باب القصر إلى أن يخرج الخليفة وحوله الأستاذون، ودابّته تمشى على بسط مفروشة خيفة أن تزلق على الرّخام. فعند ما يقرب من الباب يضرب رجل ببوق من ذهب لطيف معوجّ الرأس، يقال له العربانة «٢» ، بصوت عجيب يخالف أصوات البوقات، فتضرب أبواق الموكب وتنشر المظلّة، ويخرج الخليفة من الباب فيقف مقدار ما يركب الأستاذون المحنّكون وأرباب الرتب الذين كانوا بالقاعة.
ثمّ يسيرون والمظلّة على يسار الخليفة وصاحبها يبالغ ألّا يزول عنه ظلّها، وصبيان الركاب، منهم جماعة كبيرة من الشكيمتين، وجماعة أخرى في عنق الدّابة، وجماعة أخرى في ركابيه. فالأيمن مقدّم المقدّمين، وهو صاحب المقرعة التى يناولها [للخليفة ويتناولها منه «٣» ] ، ويؤدّى عن الخليفة الأوامر والنواهى مدّة ركوبه.
ويسير «٤» الموكب وبأوّله أخلاط بعض العسكر، ثمّ الأماثل، ثمّ أرباب المناصب، ثم أرباب الأطواق، ثمّ الأستاذون المحنّكون، ثمّ حاملا لواءى الحمد من الجانبين،
стр. 1158
ثمّ حامل الدّواة، وموضعها من حاملها بينه وبين قربوس السّرج، ثمّ صاحب السيف وهما في الجانب الأيسر. وكلّ ممّن تقدّم ذكره بين «١» العشرة والعشرين من أصحابه.
وأهل الوزير من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنّكين؛ ثمّ الخليفة وحوله صبيان الرّكاب المذكورة تفرقة «٢» السلاح [فيهم] ، وهم ما يزيد على ألف رجل، وعليهم المناديل الطبقيّات يتقلّدون بالسيوف، وأوساطهم مشدودة بمناديل، والسلاح مشهور بأيديهم، من جانبى الخليفة كالجناحين، وبينهم فرجة لوجه الدّابة ليس فيها أحد.
وبقرب من رأس الدّابة صقلبيّان محمّلان مذبّتين، كلّ واحدة، كالنخلتين، لما يسقط من طائر وغيره؛ وهو سائر على تؤدة ورفق. وبطول «٣» الموكب والى القاهرة رائح وعائد يفسح الطرقات ويسيّر الفرسان، فيلقى في عوده الإسفهسالار كذلك «٤» فى حثّ الأجناد في الحركة وينكر على المزاحمين. ويلقى أيضا في عوده صاحب الباب بمن في زمرة الخليفة إلى أن يصل إلى الإسفهسالار، فيعود لترتيب الموكب، وبيد كلّ منهم دبّوس. وخلف دابة الخليفة قوم من صبيان الركاب لحفظ أعقابه، وخلفهم أيضا أخر يحمل كلّ واحد سيفا في خريطة ديباج أحمر وأصفر بشراريب، يقال لها «سيوف الدم» لضرب الأعناق. ثمّ صبيان السلاح الصغير أرباب الفرنجيات [المقدّم ذكرهم «٥» ] أوّلا.
ثمّ يأتى الوزير وفي ركابه قوم من أصحابه وقوم يقال لهم صبيان الزّرد من أقوياء الأجناد، يختارهم «٦» لنفسه نحو من خمسمائة رجل من جانبيه، كأنّه على قلق من
стр. 1159
حراسة الخليفة، ويجتهد ألّا يغيب عن نظره «١» ، وخلفه الطّبول والصّنوج والصفافير، بحيث تدوّى منهم الدنيا في عدد كثير. ثمّ يأتى حامل الدّرقة والرمح. ثمّ طوائف «٢» الراجل «٣» من الركابيّة والجيوشيّة وقبلهما المصامدة، ثمّ الفرنجية، ثمّ الوزيريّة زمرة بعد زمرة في عدد وافر يزيد على أربعة آلاف نفر، ثمّ أصحاب الرايات، ثمّ طوائف العساكر من الامريّة والحافظيّة والحجريّة الكبار والحجريّة الصّغار والصّقلّيّة «٤» ، ثمّ الأتراك المصطنعون «٥» ، ثمّ الديلم، ثم الأكراد والغزّ المصطنعة وهم البحريّة. ويقدم هذه الفرسان عدّة وافرة من المترجّلة أرباب قسىّ اليد وقسىّ الرّجل في نيّف وخمسمائة نفر، وهم المعدّون للأساطيل، وجملتهم نحو ثلاثة آلاف وأكثر. وهؤلاء الذين ذكرناهم بعض من كلّ لا جميع عسكر الخليفة. ثمّ يدخلون من باب الفتوح ويقفون بين القصرين كما كانوا.
فإذا وصل الخليفة إلى موضع جامع الأقمر الآن وقف وقفة وانفرج الموكب، فيمرّ الموكب بالخليفة، ويسكع «٦» الوزير ليظهر للناس خدمته، ويشير إليه الخليفة
стр. 1160
بالسلام إشارة خفيفة؛ وهذه أعظم مكارمة تصدر عن الخليفة، وهى للوزير صاحب السيف خاصّة؛ فيسبق إذا لدخول الباب بالقصر راكبا إلى موضعه على العادة، خاصّة له، والأمراء مشاة. فيصل الخليفة إلى الباب وقد ترجّل الوزير وقبله الأستاذون المحنّكون، فيحدقون به، والوزير أمام الدّابة إلى أن ينزل الخليفة؛ فيخرج الوزير ويركب من مكانه، والأمراء في خدمته وأقاربه بين يديه، فيسيرون إلى داره فيسلّمون وينصرفون إلى أماكنهم، فيجدون قد أحضر إليهم المقرر من الخليفة، يأمر بضرب دنانير ورباعيّة ودراهم في العشر الأخير من ذى الحجة، عليها تاريخ السنة التى ركب فيها؛ فيحمل للوزير منها شىء كثير وإلى أولاده وأقاربه، ثم إلى أرباب الرتب من أرباب السيوف والأقلام، من عشرة دنانير إلى رباعىّ إلى قيراط وإلى دينار واحد، فيقبلون ذلك تبرّكا.
ولا ينقطع «١» الركوب من أوّل العام إلّا متى شاء، ولا يتعدّى ما ذكرناه في يومى السبت والثلاثاء. فإذا عزم على الركوب في هذه الأيّام أعلم بذلك، وعلامته إنفاق الأسلحة في صبيان الركاب من خزائن السلاح. وكان أكثر ركوبه إلى مصر. فإذا ركب ركب الوزير وراء الخليفة في أقلّ جمع مما تقدّم ذكره في ركوب أوّل العام. فيشقّ الخليفة القاهرة إلى جامع أحمد بن طولون إلى المشاهد «٢» إلى درب «٣»
следующие страницы →