← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثماني عشرة، وكان بين أهل هذه البلاد والمسلمين حروب كثيرة حتى فتح الله عليهم؛ وفيها توفي أبي بن كعب، في قول الواقدىّ وابن نمير والدّيلمى واليزيدي، وقيل في سنة تسع عشرة. أمر النيل في هذه السنة الماء القديم، أعني القاعدة، ستة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة فيها ستة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً. *** السنة الرابعة من ولاية عمرو الأولى على مصر، وهي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة- فيها فتح كرمان، وكان أميرها سهل بن عدي؛ وفيها فتحت سجستان وكان أمير الجيش عاصم بن عمر؛ وفيها فتحت مكران، وكان أمير الجيش لفتحها الحكم بن عثمان وهي من بلاد الجبل؛ وفيها- ذكر سيف عن مشايخه-: أنّ سارية ابن زنيم قصد فسا ودارابجرد واجتمع له جموع من الفرس والأكراد عظيمة ودهم المسلمين منهم أمر عظيم، ورأى عمر بن الخطاب في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من نهار وأنهم في صحراء، وهناك جبل إن استندوا إليه لم يؤتوا إلا من جهة واحدة، فنادى عمر من الغداة للصلاة جماعة حتى إذا كانت الساعة التي كان رأى أنهم اجتمعوا فيها خرج إلى الناس، فصعد المنبر فخطب الناس وأخبرهم بما رأى ثم قال: يا سارية، الجبل الجبل، ثم قال: إن لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلغهم؛ قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم الله على عدوهم وفتحوا البلد؛ وقيل في رواية أخرى: إنما كان عمر في خطبة الجمعة؛ وفيها حج عمر بن الخطاب بأزواج النبي ﷺ وهي آخر حجة حجها؛ وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان الصائفة حتى بلغ عمورية؛ وفيها توفي قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر ابن سواد بن كعب واسمه ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أبو عمرو

стр. 107

الأنصاري الظفري أخو أبي سعيد الخدري لأمه وقتادة الأكبر، شهد قتادة وقعة بدر، وأصيبت عينه ووقعت على خده في يوم أحد فأتى النبي ﷺ فغمز حدقته وردها إلى موضعها فكانت أصح عينيه؛ وفيها توفى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب ابن لؤي أبو حفص القرشي العدوي الفاروق، استشهد في يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة وقيل لأربع، وسنه يوم مات نيفت على ستين سنة، وقيل غير ذلك على أقوال كثيرة، ضربه أبو لؤلؤة واسمه فيروز عبد المغيرة بن شعبة بخنجر في خاصرته وهو في صلاة الصبح فمات بعد ثلاثة أيام، وتولى الخلافة بعده عثمان بن عفان ﵄، وكانت خلافته عشر سنين ونصف لأنه ولي بعد وفاة أبي بكر الصديق في ثامن جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. قلت: ويضيق هذا المحل عن ذكر شىء من بعض مناقبه وما ورد في حقه من الأحاديث، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا المكان. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعاً. *** السنة الخامسة من ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر وهي سنة أربع وعشرين من الهجرة- فيها سار منويل الخصي إلى الإسكندرية فسأل أهل مصر عثمان إرسال عمرو بن العاص لقتال منويل المذكور، فجاء إليها عمرو وحارب حتى افتتحها الفتح الثاني في هذه السنة، وقيل: بل كان ذلك في سنة خمس وعشرين وهو الأصح؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁؛ وفيها- في قول سيف- عزل عثمان سعداً عن الكوفة وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط

стр. 108

مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان، وكنيته أبو وهب، وهو أخو عثمان لأمه، وله صحبة ورواية، روى عنه أبو موسى الهمذانىّ والشّعبىّ؛ وفيها فتح معاوية بن أبي سفيان الحصون وولد له ابنه يزيد؛ وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم أبو سفيان المدلجي. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع. ذكر ولاية أبن أبي سرح على مصر هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح واسمه الحسام (وسرح بالسين والحاء المهملتين) والحسام بن الحارث بن حبيب (بالحاء المهملة مصغراً) بن جذيمة «١» ابن نصر بن مالك بن حسل «٢» بن عامر بن لؤي، أبو يحيى العامري عامر قريش، ولي إمرة مصر بعد عزل عمرو بن العاص في سنة خمس وعشرين، كما تقدم ذكره، من قبل عثمان بن عفان، وجاءه الكتاب بولايته وهو بالفيوم، فجعل لأهل الجواب جعلاً فقدموا به مصر، وسكن الفسطاط ومكث أميراً على مصر مدة ولاية عثمان بن عفان كلها وهو أخو عثمان لأمه؛ قاله ابن كثير، قال: وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان رسول الله ﷺ أهدر دمه، يأتي ذكر ذلك مفصّلا في آخر ترجمته من كلام ابن حجر بعد أن نذكر نبذة من أموره. ولما ولي مصر أحسن السيرة في الرعية، وكان جواداً كريماً، ثم أمره عثمان أن يغزو إفريقية، فإذا افتتحها كان له خمس الخمس من الغنيمة نفلاً، فسار عبد الله بن

стр. 109

أبي سرح المذكور إلى إفريقية في عشرة آلاف وغزاها حتى افتتح سهلها وجبلها وقتل خلقاً كثيراً من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام وحسن إسلامهم، وأخذ عبد الله بن أبي سرح المذكور خمس الخمس من الغنيمة وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة في الجيش فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار. قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، فأطلقها عثمان كلها في يوم واحد في آل الحكم، ويقال: في آل مروان؛ ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح المذكور إفريقية ثانية في سنة ثلاث وثلاثين حين نقض أهلها العهد حتى أقرهم على الإسلام والجزية؛ واستشهد معه في هذه المرة بإفريقية جماعة منهم: معبد بن العباس بن عبد المطلب وغيره. ثم غزا في سنة أربع وثلاثين غزوة ذات الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية، فلقيه قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، وقيل في سبعمائة، والمسلمون في مائتي مركب، وتقاتلا فانتصر الأمير عبد الله هذا وهزم الروم؛ وإنما سميت غزوة ذات الصواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها. وعاد إلى مصر فبلغه في سنة خمس وثلاثين خبر من ثار على عثمان ﵁، ودخل منهم طائفة إلى مصر بأمر عثمان، فإنه كان أخرج منهم جماعة إلى البصرة والشام ومصر، فلما قدم من قدم منهم إلى مصر وافقهم جماعة من المصريين على خلاف عثمان كرهاً في ابن أبي سرح هذا لكونه ولي بعد عمرو بن العاص، وأيضاً لاشتغاله عنهم بقتال أهل المغرب وفتح بلاد البربر وأندلس وإفريقية وغيرها، ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرب عثمان وحرب عبد الله بن أبي سرح المذكور،

стр. 110

واجتمعوا واستنفروا من مصر في ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب لينكروا على عثمان وساروا إلى المدينة تحت أربع رايات، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعبد الرحمن التجيبي، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر الصديق، وأقام بمصر محمد بن حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم منكرين عليه في صفة معتمرين، فوقع لهم مع عثمان ﵁ أمور يطول شرحها إلى أن سألوا عثمان عزل عبد الله ابن أبي سرح هذا عن ولاية مصر ويولي عليهم محمد بن أبي بكر الصديق، فأجابهم الى ذلك، فلما رجعوا وجدوا في الطريق بريدياً يسير فأخذوه وفتشوه، فإذا معه في إداوة كتاب كتبه مروان بن الحكم كاتب عثمان وابن عمه، والكتاب على لسان عثمان، فيه الأمر بقتل طائفة منهم وصلب آخرين وقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم؛ وكان على الكتاب طبع خاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان على جمله، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب إلى المدينة وداروا به على الناس، فكلم الناس عثمان في أمر الكتاب؛ فقال عثمان ما معناه: إنه دلس عليه الكتاب ثم قال: والله لا كتبته ولا أمليته ولا دريت بشيء من ذلك والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون وكذبه الكاذبون في ذلك؛ واستمر عبد الله بن أبي سرح على عمله على كرهٍ من المصريين إلى أن خرج من مصر متوجهاً إلى عثمان بعد أن استخلف عليها عقبة بن عامر الجهني وقتل عثمان ﵁ واستخلف علي ﵁، فعزل عبد الله بن أبي سرح هذا عن مصر وولاها لقيس بن سعد بن عبادة ﵄؛ ثم استولى على مصر جماعة من قبل علي بن أبي طالب وقاتلوا عقبة بن عامر على ما سيأتي ذكره بعد أن نذكر من توفي في أيام ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح هذا على مصر كما هو عادة كتابنا

стр. 111

هذا، وكان عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر في سنة ست وثلاثين بعد أن حكمها نحواً من عشر سنين. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح صاحب الترجمة فلم أقف له على خبر بعد ذلك، غير أن بعض المؤرخين ذكروا أنه توفي بفلسطين في سنة ست وثلاثين المذكورة، ويقال غير ذلك أقوال كثيرة؛ منها: قال الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني في الإصابة: روى الحاكم من طريق السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن النبي ﷺ الناس كلهم إلا أربعة نفر وامرأتين: عكرمة وابن خطل ومقيس بن صبابة وابن أبي سرح، وذكر الحديث، قال: فأما عبد الله فاختبأ عند عثمان فجاء به عثمان حتى أوقفه على النبي ﷺ وهو يبايع الناس، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله» . ومن طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد ابن أبي سرح يكتب للنبي ﷺ ، فزين له الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل (يعني يوم الفتح) فاستجار بعثمان، فأجاره النبي ﷺ . أخرجه أبو داود. وروى ابن سعد من طريق ابن المسيّب قال: كان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله، فذكر نحواً من حديث مصعب بن سعد عن أبيه. وروى الدار قطنىّ من حديث سعيد بن يربوع المخزومي نحو ذلك؛ ومن طريق الحكم بن عبد الله عن قتادة بن أنس بمعناه؛ وأوردها ابن عساكر من حديث

стр. 112

عثمان بن عفان أيضاً؛ وأفاد سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان» : أن الأنصاري الذي قال: فهلّا أو مأت إلينا، هو عباد بن بشر، ثم قال: وقيل: إن الذي قال هو عمر. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها، وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودة في الفتوح، وأمره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد، ومات بها سنة ست وثلاثين، وقيل: كان قد سار من مصر إلى عثمان واستخلف السائب بن هشام بن عمرو فبلغه قتله، فرجع فتغلب على مصر محمد بن أبي حذيفة فمنعه من دخولها، فمضى إلى عسقلان، وقيل إلى الرملة، وقيل بل شهد صفين، وعاش إلى سنة سبع وخمسين ذكره ابن منده. وقال البغوي «١» : له عن النبي ﷺ حديث واحد وخرجه، ووقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده. انتهى كلام ابن حجر باختصار، وتأتي بقية ترجمة ابن أبي سرح هذا في حوادث سنيه. *** السنة الأولى من ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وهي سنة خمس وعشرين من الهجرة- فيها في قول سيف عزل عثمان سعداً عن الكوفة؛ وفيها سار الجيش من الكوفة وعليهم سليمان بن ربيعة إلى برذعة، فقتل وسبى؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع.

стр. 113

*** السنة الثانية من ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وهي سنة ست وعشرين من الهجرة- فيها فتحت سابور وكان أمير الجيش عثمان بن أبي العاص الثقفي، صالحهم على ثلاثة آلاف ألف وثلثمائة ألف؛ وفيها زاد عثمان ابن عفان ﵁ في المسجد الحرام ووسعه واشترى الزيادة من قوم وأبى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان، فأمر بهم إلى الحبس وقال: ما جرأكم علي إلا حلمي، وقد فعل هذا عمر فلم تصيحوا عليه؛ وفيها حج عثمان بن عفان بالناس. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وأربعة أصابع، وقيل خمسة عشر إصبعاً. *** السنة الثالثة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة سبع وعشرين- فيها توفي عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول، وكنيته أبو يحيى، وقيل: أبو الحارث، صحابي شهد بدراً؛ وفيها فتحت الأندلس «١» ، وكان أمير الجيش عبد الله بن الحصين وعبد الله بن عبد القيس، أتياها من قبل البحر، كتب إليهما عثمان ﵁ يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام. قال ابن جرير: قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرس. وقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان وعشرين. وقال أبو معشر: غزاها معلوية

стр. 114

سنة ثلاث وثلاثين والله أعلم. وقال الواقدي: في هذه السنة فتحت اصطخر ثانياً على يدى عثمان بن أبي العاص. وقال الذهبي: فيها غزا معاوية قبرس وكان معه عبادة بن الصامت وزوجة عبادة أم حرام بنت ملحان الأنصارية فاستشهدت، كان النبي ﷺ يغشاها ويقيل عندها وبشرها بالشهادة؛ وفيها صالح عثمان بن أبي العاص أهل أرجان على ألفي ألف ومائتى ألف، وصالح أهل دارابجرد على ألف ألف وثمانين ألفاً؛ وفيها غزا أمير مصر ابن أبي سرح صاحب الترجمة إفريقية حسبما تقدم، وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو ابن العاص وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان المسلمون في عشرين ألفاً، وكان العدو (يعني جرجير) في مائتي ألف مقاتل، وفتح الله وغنم المسلمون شيئاً كثيراً؛ وفيها حج بالناس عثمان ﵁. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً. *** السنة الرابعة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة ثمان وعشرين- فيها فتحت قبرس على يد معاوية، قاله الذهبي في قول، وكان عمر بن الخطاب ﵁ منع المسلمين من الغزو في البحر شفقة عليهم، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية فأذن له ففتح الله على يده؛ وفيها غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم، قاله الواقدي، وفيها غزا الوليد بن عقبة أذربيجان. فصالحهم مثل صلح حذيفة؛ وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ثلاثة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعاً.

стр. 115

*** السنة الخامسة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة تسع وعشرين- فيها افتتح عبد الله بن عامر اصطخر، في قول، عنوة فقتل وسبى، وكان على مقدمته عبد الله بن معمر بن عثمان التيمي وكلاهما صحابي؛ وفيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة بعد عمالة ست سنين، وقيل ثلاث، وولى عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن خال عثمان؛ وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص، وله من العمر خمس وعشرون سنة فأقام بها ست سنين؛ وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ﷺ وبناه بالقصّة (وهى الكلس) كان يؤتى به من نخلة، والحجارة المنقوشة وجعل عمده حجارة مرصعة وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة على ما كانت عليه في زمن عمر بن الخطاب ﵁؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان ﵁ وضرب له بمنى فسطاط، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة كعلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود؛ وفيها نقضت أذربيجان فغزاهم سعيد بن العاص حتى افتتحها ثانياً؛ وفيها فتحت أصبهان؛ وفيها عزل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً. *** السنة السادسة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة ثلاثين بعد الهجرة- فيها افتتح عبد الله بن عامر مدينة هور من أرض فارس وغنم منها شيئاً كثيرا،

стр. 116

ثم افتتح عبد الله المذكور أيضاً بلاداً كثيرة من أرض خراسان، ثم افتتح نيسابور صلحاً، ويقال عنوة، ثم صالح أهل سرخس على مائة وخمسين ألفاً، وصالح أهل مرو على ألفي ألف ومائتي ألف، ولما فتح عبد الله بن عامر هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان وأتاه المال من كل وجه حتى اتخذ الخزائن وزاد الأرزاق؛ وفيها نقض أهل خراسان وتجمعوا، فنهض لقتالهم الأحنف بن قيس وقاتلهم حتى هزمهم، وكانت وقعة مشهورة؛ وفيها توفي الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب المطلبي، وهو أخو عبيدة بن الحارث والحصين بن الحارث، وكان ممن شهد بدراً مع النبي ﷺ ؛ وفيها توفي أبي بن كعب في قول الواقدي، وقد تقدم، وهذا أثبت الأقوال في موته؛ وفيها توفي حاطب بن أبي بلتعة اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، وهو صحابي شهد بدراً ﵁؛ وفيها توفي عبد الله بن كعب بن عمرو المازني الأنصاري البدري أيضاً، كنيته أبو الحارث وقيل أبو يحيى، شهد بدراً وكان على الخمس يوم بدر ﵁؛ وفيها توفي عياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال أبو سعد القرشي، كان أيضاً ممن شهد بدراً والمشاهد بعدها، هكذا قال ابن سعد وفرق بينه وبين ابن أخيه عياض ابن غنم بن زهير الفهري أمير الشام المتوفى سنة عشرين؛ وفيها توفي معمر بن أبي سرح، واسمه ربيعة بن هلال القرشي الفهري أبو سعيد، وقيل اسمه عمرو، وهو أيضاً ممن شهد بدراً؛ وفيها توفي مسعود بن ربيعة، وقيل ابن الربيع أبو عمير القاري، والقارة حلفاء بني زهرة، وهو أيضاً ممن شهد بدراً وغيرها ﵁. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم أربعة أذرع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وإحدى وعشرون إصبعاً.

стр. 117

*** السنة السابعة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة- فيها توفي أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي، أسلم أبو سفيان يوم الفتح وشهد حنيناً وأعطاه النبي ﷺ من الغنائم مائة من الإبل وأربعين أوقية، وقد فقئت عينه يوم الطائف، ثم شهد غزوة اليرموك، وفيها توفي أبو الدرداء، واسمه عويمر بن يزيد، وقيل عبد الله بن قيس بن ثعلبة بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الصحابي المشهور ﵁؛ وفيها توفي نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي، كنيته أبو سلمة له صحبة ورواية ﵁؛ وفيها توفي كسرى ملك فارس وهو يزدجرد بن شهريار، وسبب هلاكه أنه هرب من كرمان إلى مرو فلم يتم له ذلك، فخرج أيضاً هارباً إلى أن نزل برجل ينقر الأرحاء فأوى إليه، فقتله الرجل وأخذ ما عليه من الجواهر. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعاً. *** السنة الثامنة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة اثنتين وثلاثين- فيها سار عبد الله بن عامر من البصرة إلى المشرق فافتتح بها بلاداً كثيرة: الطالقان وجرجان وبلخ وطخارستان، وكان على مقدمته الأحنف بن قيس، وقيل بل جهز عبد الله بن عامر الأحنف وأقام هو بالبصرة يمده بالمال والرجال؛ وفيها غزا عبد الرحمن بن ربيعة بلنجر، وكان صاحبها نازلاً قريباً من باب الأبواب وبعث يطلب من سعيد بن العاص المدد فأمده بحبيب بن مسلمة الفهري فأبطأ حبيب على

стр. 118

عبد الرحمن فسار عبد الرحمن نحو بلنجر المذكورة وحصرها؛ وفيها توفي أبو ذر «١» الغفاري، واسمه جندب بن جنادة بن كعيب بن صعير بن الوقعة بن حرام بن سفيان بن عبيد ابن حرام، كان من أحد السابقين الأولين وكان خامساً في الإسلام ﵁: وفيها توفي العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو الفضل، عم النبي ﷺ ، وولد قبل النبي ﷺ بسنتين أو بثلاث، أسلم بعد وقعة بدر ﵁، وقد استسقى به عمر بن الخطاب في أيام خلافته في بعض السنين؛ وفيها توفي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأر بن مخزوم بن صاهلة ابن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، أبو عبد الرحمن الهذلي حليف بني زهرة، أسلم قبل عمر، وكان سبب إسلامه مرور النبي ﷺ به وقصته مشهورة، وهو أحد كبار الصحابة ﵁، وهو من السابقين الأولين وشهد بدراً والمشاهد كلها؛ وفيها توفي عبد الرحمن بن عوف ابن الحارث بن زهرة بن كلاب، أبو محمد القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا للإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى بعد موت عمر لأجل الخلافة؛ وفيها توفي أبو الدرداء عويمر وقد تقدم ذكره، والصحيح أنه توفي في هذه السنة؛ وفيها توفى الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس، عم عثمان ابن عفان ﵁، وأبو مروان بن الحكم، نفاه النبي ﷺ إلى الطائف فدام به إلى أن أستقدمه عثمان في خلافته، وسمي الحكم هذا طريد رسول الله ﷺ ولعينه؛ وفيها توفي سلمان الفارسي، وكنيته أبو عبد الله، ويقال له سليمان الخير، أصله من اصطخر، وقيل من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جىّ، وهو من الطبقة الثانية من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كان

стр. 119

من المهاجرين، شهد بدرا وأحدا؛ وفيها توفي سنان بن أبي سنان بن محصن الأسدي من الطبقة الأولى من الصحابة، كان من المهاجرين، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ؛ وفيها توفي عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدىّ ابن سعد بن سهم، كنيته أبو حذافة، كان ممن هاجر الهجرتين وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها، وهو رسول النبي ﷺ إلى كسرى؛ وفيها توفي كعب الأحبار بن نافع الحميري من مسلمي أهل الكتاب، كنيته أبو إسحاق، أسلم على يد أبي بكر الصديق، وقيل على يد عمر ﵄، وهو من الطبقة الأولى من التابعين؛ وفيها توفي أبو مسلم الجبلي (بالجيم) وهو من جبل صيدا بساحل دمشق، أدرك رسول الله ﷺ وأسلم على يد أبي بكر الصديق ﵁، وقيل بعد ذلك، وهو من الطبقة الأولى من التابعين؛ وفيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي الأزدي، حليف بني عبد شمس بن عبد مناف، أسلم بمكة قديماً وهاجر إلى الحبشة وشهد خيبر ﵁. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وتسعة أصابع. *** السنة التاسعة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين- فيها نفى عثمان ﵁ جماعة من أهل الكوفة إلى الشام كانوا يعيبون عليه ويطعنون فيه ويسبون سعيد بن العاص والي الكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فكتب إليه عثمان يسيرهم إلى الشام، فسيرهم وفيهم عروة بن الجعد البارقي ومالك بن الحارث الأشتر النخعي وجندب بن زهير وعمرو بن الحمق وابن أبي زياد وغيرهم؛ وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان بلاد الروم ووصل إلى

стр. 120

حصن المرأة من أعمال ملطية وافتتحه؛ وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية وكانوا نقضوا كما تقدم في ترجمته؛ وفيها بعث عبد الله بن عامر الأحنف ابن قيس إلى خراسان وكانوا أيضاً قد نقضوا العهد فقاتلهم وظفر بهم ولحقه عبد الله ابن عامر فهدم مدينتها؛ وفيها توفي المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الكندي، وكنيته أبو معبد، ويقال له ابن الأسود لأنه كان حالف الأسود بن عبد يغوث في الجاهلية فتبناه، وإنما قيل له الكندي لأن أباه كان حالف كندة، وهو في الصحابة من الطبقة الأولى، كان من المهاجرين الأولين، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وكان يقال له فارس الإسلام ﵁. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعاً. *** السنة العاشرة من ولاية ابن أبي سرح على مصر وهي سنة أربع وثلاثين- فيها غزا أمير مصر صاحب الترجمة غزوة ذات الصواري وانتصر على الروم حسبما تقدم ذكره؛ وفيها سارت ركائب المنحرفين عن عثمان وكان جمهورهم من أهل الكوفة؛ وفيها توفي إياس بن أبي البكير الكناني حليف بني عدي، كان من المهاجرين، شهد بدراً هو وإخوته: خالد وعاقل وعامر، ولم يشهد بدراً إخوة أربعة سواهم، وقد شهد إياس هذا فتح مصر ﵁؛ وفيها توفى عبادة ابن الصامت في قول، وقد تقدم ذكره وهو أحد النقباء ليلة العقبة ومن كبار الصحابة؛ وفيها توفي مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي المذكور في حديث الإفك، شهد بدراً والمشاهد بعدها، وكان فقيراً ينفق عليه أبو بكر الصديق ﵁؛ وفيها توفي أبو عبس بن جبر بن عمرو الأنصاري الأوسي،

стр. 121

واسمه على الأصح عبد الرحمن، وكان اسمه في الجاهلية عبد العزى فغيره رسول الله ﷺ ، وهو من الذين قتلوا كعب بن الأشرف اليهودي وشهد بدراً وغيرها؛ وفيها توفي أبو طلحة الأنصاري، واسمه زيد بن سهل بن الأسود، أحد بني مالك بن النجار، كان من النقباء ليلة العقبة، شهد بدراً والمشاهد بعدها. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ستة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وستة أصابع. *** السنة الحادية عشرة من ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر وهي سنة خمس وثلاثين- فيها عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر في قول؛ وفيها كانت غزوة ذي خشب وأمير المسلمين فيها معاوية بن أبي سفيان؛ وفيها كان خروج أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر متوجهاً إلى عثمان، واستخلف على مصر عقبة بن عامر الجهني، وقيل السائب بن هشام العامري، وجعل على خراجها سليم بن عتر «١» التجيبي، وكان ذلك في رجب من سنة خمس وثلاثين وسار إلى عثمان فاستمر أمر مصر مستقيماً إلى شوال من السنة؛ وفيها خرج محمد ابن [أبي «٢» ] حذيفة بن عتبة بن ربيعة على عقبة بن عامر خليفة عبد الله بن أبي سرح على مصر، وملك مصر على ما سيأتي ذكره؛ وفيها كانت مقتلة عثمان بن عفان ﵁ في ذي الحجة منها وقصته مشهورة، وقد استوعب ذلك جماعة من المؤرخين في عدة كراريس لا سبيل إلى تلخيصها في هذا المحل، غير أننا نذكر نسبته ومدة خلافته لا غير، فنقول:

стр. 122

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس أمير المؤمنين، أبو عمزو، وقيل أبو عبد الله القرشي الأموي؛ وأمه أروى، هو أحد السابقين الأولين وذو النورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين، مولده قبل عام الفيل بستة أعوام، وقيل بعده بستة أعوام، وخلفه رسول الله ﷺ في غزوة بدر لمرض زوجته رقية بنت النبي ﷺ فتوفيت بعد بدر بليال، وضرب له النبي ﷺ بسهم من بدر وآجره، ثم زوجه بالبنت الأخرى أم كلثوم. قال الذهبي: روى عطية عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله ﷺ رافعاً يديه يدعو لعثمان، وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل يقلبها بيده ويقول: «ما ضر عثمان بعد اليوم ما عمل» رواه أحمد في مسنده، وفضائله كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكر شيء منها. قلت: بويع عثمان بالخلافة لما مات عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة، فدام في الخلافة حتى قتل في هذه السنة ﵁، وتولى الخلافة من بعده علي بن أبي طالب ﵁؛ وفيها توفى كعب «١» الأحبار، وكان أسلم في خلافة أبي بكر الصديق، وكان من أوعية العلم؛ وفيها توفي عبادة بن الصامت الأنصاري الصحابي المشهور أحد النقباء مات بالرملة. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان.

стр. 123

ذكر استيلاء محمد بن [أبي] حذيفة على مصر هو محمد بن [أبي] حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وثب على مصر وملكها من غير ولاية من خليفة، فلذلك لم يعده المؤرخون من أمراء مصر، وكان من خبره أنه جمع جمعاً وركب بهم على عقبة بن عامر الجهني خليفة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقاتله وهزمه وأخرجه من الفسطاط، ثم دعا الناس لخلع عثمان من الخلافة وصار يعدد أفعاله بكل شيء يقدر عليه، فاعتزله شيعة عثمان وقاتلوه وهم: معاوية بن حديج وخارجة بن حذافة السهمي وبسر بن أبى أرطاة ومسلمة بن مخلّد في جمع كثير من الناس، وبعثوا إلى عثمان بذلك، وبينا أن يأتي الخبر من عثمان قويت شوكة محمد هذا، ثم حضر من عند عثمان سعد بن أبي وقاص ليصلح أمرهم ويتألف الناس، فخرج إليه جماعة من أعوان محمد بن أبي حذيفة المذكور وكلموه وخاشنوه، ثم قلبوا عليه فسطاطه وشجوه ونهبوه، فركب من وقته وعاد راجعاً ودعا عليهم لما فعلوه به، ثم عاد إلى مصر عبد الله بن أبي سرح راجعاً فمنعه أن يدخل إلى مصر وقاتلوه، فكر راجعاً إلى عسقلان ثم قتل في هذه الأيام بفلسطين، وقيل بالرملة حسبما ذكرناه في آخر ترجمته في هذا الكتاب، ثم أراد محمد ابن أبي حذيفة أن يبعث جيشا إلى عثمان فجهز إليه ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن ابن عديس البلوي، وبينما هم في ذلك إذ قدم عليهم الخبر بقتل عثمان ﵁ في ذي الحجة من السنة، فلما وصل الخبر بذلك ثار شيعة عثمان بمصر وعقدوا لمعاوية ابن حديج وبايعوه على الطلب بدم عثمان وساروا الى الصعيد، فبعث اليهم محمد ابن أبي حذيفة جماعة كثيرة فتقاتلا فهزمت جيش محمد وافترقا، وتوجه معاوية بأصحابه إلى جهة برقة فأقام بها مدة ثم عاد إلى الإسكندرية، فبعث اليه محمد ابن أبي حذيفة بجيش آخر فاقتتلوا بخربتا أول شهر رمضان من سنة ست وثلاثين

стр. 124

فانهزم جيش محمد أيضاً، وأقامت شيعة عثمان بخربتا إلى أن قدم معاوية بن أبي سفيان من الشأم إلى مصر، فخرج إليه محمد بن أبي حذيفة بأصحابه ومنعوه من الدخول إلى الفسطاط، ثم اتفقا على أن يجعلا رهناً ويتركا الحرب، فاستخلف محمد ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصلت وخرج فى الرهن هو وابن عديس وعدة من قتلة عثمان، فلما وصلوا إلى معاوية قبض عليهم وحبسهم وسار إلى دمشق فهربوا من السجن، فتتبعهم أمير فلسطين حتى ظفر بهم وقتلهم في ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فلما بلغ الخبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بمصاب محمد بن جذيفة ولى على مصر قيس بن سعد بن عبادة الأنصارى رضى الله عنه. ذكر ولاية قيس بن سعد بن عبادة على مصر هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي المدني؛ قال الذهبي: كان من النبي ﷺ بمنزلة، وله عدة أحاديث، روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وعروة بن الزبير والشعبىّ وميمون بن أبى شبيب وغريب ابن حميد الهمدانىّ وجماعة، وكان ضخما جسما طويلاً جداً سيداً مطاعاً كثير المال جواداً كريماً يعد من دهاة العرب. قال عمرو بن دينار: كان ضخماً جسيماً صغير الرأس ليست له لحية، وإذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض؛ روى عنه أنه قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المكر والخديعة في النار» لكنت من أمكر هذه الأمة. وقال الزهري: أخبرنا ثعلبة بن أبى مالك أنّ قيس ابن سعد كان صاحب لواء رسول الله ﷺ . وقال جويرية بن أسماء: كان قيس يستدين ويطعمهم، فقال أبو بكر وعمر: إن تركنا هذا الفتى أهلك مال

стр. 125

أبيه، فمشيا في الناس فصلى النبي ﷺ يوماً فقام سعد بن عبادة خلفه، فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان علي ابني اهـ. وقال موسى بن عقبة: وقفت على قيس عجوز فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، فقال: ما أحسن هذه الكناية! املئوا بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً. وقال أبو تميلة «١» يحيى بن واضح: أخبرنا أبو عثمان من ولد الحارث بن الصمة قال: بعث قيصر إلى معاوية: ابعث إلي سراويل أطول رجل من العرب، فقال لقيس بن سعد: ما أظن إلا قد احتجنا إلى سراويلك، فقام وتنحى وجاء بها فألقاها، فقال: ألا ذهبت إلى منزلك ثم بعثت بها! فقال: أردت بها أن يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي نمته ثمود وإني من الحي اليماني لسيد ... وما الناس إلا سيد ومسود فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم ... شديد وخلقي في الرجال مديد فأمر معاوية أطول رجل في الجيش فوضعها على أنفه، قال: فوقفت بالأرض اهـ. ولما ولاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على مصر لما ولي الخلافة بعد قتل عثمان وبعثه إلى مصر فوصل إليها في مستهل شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين فدخلها قيس ومهد أمورها واستمال الخارجية بخربتا من شيعة عثمان ورد عليهم أرزاقهم، وقدموا عليه بمصر فأكرمهم وأنعم عليهم، وكان عنده رأي ومعرفة ودهاء، فعظم على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ولايته لمصر فإنه كان من حزب علي بن أبي طالب ﵁، واجتهدا كثيراً ليخرجاه منها فلم يقدرا على ذلك

стр. 126

حتى عمل معاوية على قيس من قبل علي بن أبي طالب وأشاع أن قيساً من شيعته ومن حزبه، وأنه يبعث إليه بالكتب والنصيحة سراً، ولا زال يظهر ذلك حتى بلغ علياً، وساعده في ذلك محمد بن أبي بكر الصديق لحبه مصر أو لإمرتها وعبد الله بن جعفر، فما زالا بعلي حتى كتب لقيس بن سعد يأمره بالقدوم عليه، وعزله عن مصر، فكانت ولايته على مصر من يوم دخلها إلى أن صرف عنها أربعة أشهر وخمسة أيام وكان عزله في خامس رجب من سنة سبع وثلاثين، وولي عليها الأشتر النخعي. وروينا عن أبى المظفر شمس الدين يوسف بن قزأ وغلى كما أخبرنا أبو الحسن علي بن صدقة الشافعي أخبرنا القاضي الإمام تاج الدين أحمد الفرغاني الحنفي أخبرنا حيدرة بن المحيا العباسي حدثنا صالح بن الصباغ أخبرنا أبو المؤيد محمود قال حدثنا الحافظ شمس الدين يوسف بن قزأوغلى إجازة بكتابه «مرآة الزمان» قال: خرج قيس ابن سعد بن عبادة من عند علي حتى دخل مصر في سبعة نفر وصعد المنبر وقعد عليه وقرأ كتاب علي على الناس، وفيه: «من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين والمؤمنين سلام عليكم، أما بعد، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على رسوله ﷺ ، وذكر الأنبياء وأن الله توفى رسوله وأستخلف بعده خليفتين صالحين عملا بالكتاب والسنة وأحسنا السيرة ثم توفاهما الله تعالى على ما كانا عليه، ثم ولي بعدهما والٍ أحدث أحداثاً فوجدت عليه الأمة مقالاً [فقالوا ثم «١» ] نقموا عليه وغيروه، ثم جاءونى وبايعوني، ولله علي العمل بكتابه وسنة رسوله والنصح للرعية ما بقيت والله المستعان، وبعثت إليكم بقيس بن سعد بن عبادة أميراً، فوازروه وعاشروه وأعينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان

стр. 127

إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم، وهو ممن أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصيحته، وأسأل الله لنا ولكم عملاً صالحاً وثواباً جزيلاً ورحمةً واسعة والسلام عليكم. وكتبه عبد الله «١» بن أبي طالب في رابع صفر سنة ست وثلاثين» ثم قال قيس: أيها الناس قد جاء الحق وزهق الباطل، وبايعنا خير من نعلم بعد نبينا ﷺ فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن نحن لم نعمل بذلك فلا بيعة لنا عليكم، فقام الناس وبايعوا واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا قرية من قرى مصر يقال لها: «خربتا» فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان، وبها رجل من كنانة من بني مدلج يقال له: يزيد بن الحارث بن مدلج، فأرسلوه إلى قيس بن سعد: إنا لا نقاتلك فابعث عمالك فالأرض أرضك، ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس. ووثب مسلمة بن مخلد الأنصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس بن سعد: ويحك! علىّ تثب! فو الله ما أحب أن لي ملك مصر إلى الشأم وأني قتلتك فبعث إليه مسلمة يقول: إني كاف عنك ما دمت والي مصر، وكان قيس بن سعد له رأي وحزم، فبعث إلى الذين بخربتا: إني لا أكرهكم على البيعة وأكف عنكم، فهادنهم وهادن مسلمة ابن مخلد وأقام قيس يجبي الخراج ولا ينازعه أحد من الناس، وخرج أمير المؤمنين إلى وقعة الجمل ورجع إلى الكوفة وقيس مكانه، فكان قيس أثقل خلق الله على معاوية بن أبى سفيان لفربه من الشأم مخافة أن يقفل عليه علي بن أبي طالب من العراق ويقبل إليه قيس بأهل مصر فيقع معاوية بينهما فأخذ يخدعه. فكتب معاوية إلى قيس:

стр. 128

«من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد بن عبادة: سلام عليك، أما بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أمور رأيتموها أو ضربة سوط ضربها أو شتمة شتمها أو في سيرٍ سيره أو في استعماله الفيء فقد علمتم أن دمه لم يكن حلالاً لكم، فقد ركبتم عظيما من الأمر وجئتم شيئا إدّا، فتب إلى الله يا قيس بن سعد، فإنك ممن أعان على قتل عثمان، إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً؛ وأما صاحبك فقد تيقنا أنه الذي أغرى به وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، فأن بايعتنا على هذا الأمر فلك سلطان العراقين، ولمن شئت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا مما تحب، فإنك لا تسألني شيئاً إلا أوتيته، واكتب إلي برأيك فيما كتبت به إليك والسلام» . فلما جاءه كتاب معاوية أحب قيس أن يدافعه ولا يبدي له أمره ولا يتعجل حربه؛ فكتب إليه: «أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، فأما ما ذكرت من أمر عثمان فذلك أمر لم أقار «١» به ولم أتنطف «٢» به؛ وأما قولك: إن صاحبي أغرى الناس بعثمان فهذا أمر لم أطلع عليه، وذكرت أن معظم عشيرتي لم يسلموا من دم عثمان، فأول الناس فيه قياماً عشيرتي ولهم أسوة غيرهم؛ وأما ما ذكرت من مبايعتي إياك وما عرضت علي فلي فيه نظر وفكرة وليس هذا مما يسارع إليه، وأنا كاف عنك ولن يبدو لك من قبلي شيء مما تكره والسلام» .

стр. 129

فلما قرأ كتابه معاوية لم يره إلا مباعداً مفارقاً فلم يأمن مكره ومكيدته، فكتب إليه ثانياً: «أما بعد، فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلماً، ولم أرك مباعداً فأعدك حرباً، وليس مثلي من يخدع وبيده أعنة الخيل ومعه أعداد الرجال والسلام» . فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا يقبل منه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه، وكتب إليه: «أما بعد، فالعجب من اغترارك بي يا معاوية وطمعك في تسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقربهم بالخلافة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلاً، وأقربهم إلى رسوله وسيلة، وأوفرهم فضيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلاً، وأبعدهم من الله ورسوله [وسيلة «١» ] ولد ضالين مضلين طاغوت «٢» من طواغيت إبليس، وأما قولك: معك أعنة الخيل وأعداد الرجال لتشتغلن بنفسك حتى العدم. وقال هشام: ولما رأى معاوية أن قيس بن سعد لا يلين له كاده من قبل علي؛ وكذا روى عبد الله بن أحمد بن حنبل باسناده اهـ. وقال هشام بن محمد: عن أبي مخنف وجه آخر في حديث قيس بن سعد ومعاوية، قال: لما أيس معاوية من قيس بن سعد شقّ عليه لما يعرف من حزمه وبأسه، فأظهر للناس أن قيساً قد بايعه، واختلق معاوية كتاباً فقرأه على أهل الشأم وفيه:

стр. 130

أما بعد، لما نظرت أنه لا يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم محرماً مسلماً برأ تقيا مستغفرا وإنى معكم على قتله بما أحببتم من الأموال والرجال متى شئتم عجلت إليكم. قال: فشاع في أهل الشأم أن قيساً قد بايع معاوية وبلغ علياً ذلك فأكبره وأعظمه، فقال له عبد الله بن جعفر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيساً عن مصر، فقال علي: والله ما أصدق هذا على قيس، ثم عزله وولى الأشتر، وقيل محمد بن أبي بكر الصديق في قول ابن سيرين، فلما عزله عرف قيس أن علياً قد خدع وتوجه إليه وصار معه؛ قال عروة: وكان قيس بن سعد مع علي في مقدّمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رءوسهم بعد موت علي، فلما دخل الجيش في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: ما شئتم، إن شئتم جالدت بكم أبداً حتى يموت الأعجل، وإن شئتم أخذت لكم أماناً، قالوا: خذ لنا ففعل؛ فلما ارتحل نحو المدينة جعل ينحر كل يوم جزوراً. قال الواقدي وغيره: إنه توفي في آخر خلافة معاوية ﵃ أجمعين. السنة التي حكم في بعضها قيس بن سعد بن عبادة على مصر وهي سنة ست وثلاثين- فيها كانت وقعة الجمل بين علي ﵁ وبين عائشة أم المؤمنين ﵂ ومعها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وغيرهما، وكانت فيها مقتلةً عظيمة قتل فيها عدة من الصحابة وغيرهم؛ قال البلاذري: التقوا بمكان يقال له «الخريبة» في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين اهـ. قلت: وممن قتل في هذه الوقعة طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى بعد موت عمر بن الخطاب قتله مروان بن الحكم

стр. 131

في منصرفه من وقعة الجمل بساعة، وكان مروان مع عائشة أيضاً غير أنه لما رأى انصرافه رمى عليه بسهم قتله، وقال لأبان بن عثمان بن عفان: قد كفيتك بعض قتلى أبيك- يعني أنه كان موارياً على عثمان في أول الأمر- وفيها قتل الزبير بن العوّام ابن خالد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله القرشىّ الأسدىّ المكي حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، أسلم وهو ابن ست عشرة سنة وهو من السابقين، قتله عمير «١» بن جرموز بعد انصرافه من وقعة الجمل بساعة؛ وفيها توفي حذيفة بن اليمان واسم اليمان حسيل (ويقال حسيل بالتصغير) بن جابر بن أسيد، وقيل ابن عمرو، أبو عبد الله العبسي حليف الأنصار، صاحب سر رسول الله ﷺ ؛ وفيها توفي سلمان الفارسي ﵁ في قول وقد تقدم ذكره. أمر النيل في هذه السنة، الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعان. ذكر ولاية الأشتر النخعي على مصر وفي ولاية الأشتر هذا على مصر قبل محمد بن أبي بكر الصديق اختلاف كثير، حكى جماعة كثيرة من المؤرخين وذكروا ما يدل على أنّ ولاية محمد بن أبي بكر كانت هي السابقة بعد عزل قيس بن سعد بن عبادة، وجماعة قدموا ولاية الأشتر هذا، ولكل منهما استدلال قوي، والذين قدموا الأشتر هم الأكثر، وقد رأيت في عدة كتب ولاية الأشتر هي المقدمة فقدّمته لذلك.

стр. 132

والأشتر اسمه مالك بن الحارث، قال أبو المظفر في مرآة الزمان: قال علماء السيرة كابن إسحاق وهشام والواقدي قالوا: لما اختل أمر مصر على محمد بن أبي بكر الصديق وبلغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي عزلناه عنها- يعني قيس بن سعد بن عبادة- أو مالك ابن الحارث- يعني الأشتر هذا. قلت: وهذا مما يدل على أن ولاية محمد بن أبي بكر الصديق كانت هي السابقة، اللهم إلا إن كان لما اختل أمر مصر على محمد عزله علي ﵁ بالأشتر، ثم استمر محمد ثانياً بعد موت الأشتر على عمله حتى وقع من أمره ما سنذكره، وهذا هو أقرب للجمع بين الأقوال لأن الأشتر توفي قبل دخوله إلى مصر والله أعلم؛ وكان علىّ رضى الله عنه حين انصرف من صفين رد الأشتر إلى عمله على الجزيرة وكان عاملا عليها، فكتب إليه وهو يومئذ بنصيبين: سلام عليك يا مالك، فإنك ممن استظهرتك على إقامة الدين؛ وكنت قد وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه خوارج، وهو غلام حدث السن غر ليس بذي تجربة للحرب ولا مجرب للأشياء، فاقدم علي لننظر في ذلك كما ينبغي واستخلف على عملك أهل الثقة والنصفة من أصحابك والسلام. فأقبل مالك- أعني الأشتر- على علي ﵁ فأخبره بحديث محمد وما جرى عليه، وقال: ليس لها غيرك، فاخرج رحمك الله فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ. فخرج الأشتر من عند علي وأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر، وكتب عيون معاوية إليه بولاية الأشتر على مصر فشق عليه وعظم ذلك لديه، وكان قد طمع في مصر وعلم أن الأشتر متى قدمها كان أشد عليه، فكتب معاوية إلى الخانسيار «١»

стр. 133

(رجل من أهل الخراج، وقيل كان دهقان القلزم) يقول: إن الأشتر واصل إلى مصر قد وليها، فإن أنت كفيتني إياه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت، فأقبل لهلاكه بكل ما تقدر عليه؛ فخرج الخانسيار حتى قدم القلزم فأقام به، وخرج الأشتر من العراق يريد مصر حتى قدم إلى القلزم فاستقبله الخانسيار فقال له: انزل فإني رجل من أهل الخراج وقد أحضرت ما عندي، فنزل الأشتر فأتاه بطعام وعلف وسقاه شربة من عسل جعل فيها سماً، فلما شربه مات، وبعث الخانسيار [من «١» ] أخبر بموته معاوية، فلما بلغ معاوية وعمرو بن العاص موت الأشتر قال عمرو بن العاص: إن لله جنوداً من عسل. وقال ابن الكلبي عن أبيه: لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم المدينة، فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له نافع، وأظهر له الود وقال له: أنا مولى عمر بن الخطاب، فأدناه الأشتر وقرّ به ووثق به وولاه أمره، فلم يزل معه إلى عين شمس (أعني المدينة الخراب خارج مصر بالقرب من المطرية) وفيها ذلك العمود المذكور في أول أحوال مصر من هذا الكتاب، فلما وصل إلى عين شمس تلقاه أهل مصر بالهدايا؟؟؟ وسقاه نافع المذكور العسل فمات منه. وقال ابن سعد: إنه سم بالعرش؛ وقال الصوري: صوابه بالقلزم؛ وقال أبو اليقظان: كان الأشتر قد ثقل على أمير المؤمنين علي أمره، وكان متجريا عليه مع شدة محبته له. وحكي عن عبد الله بن جعفر قال: كان علي قد غضب على الأشتر وقلاه واستثقله، فكلمني أن أكلمه فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، وله مصر فإن ظفروا به استرحت منه فولاه، وكانت عائشة ﵂ قد دعت عليه فقالت: اللهم

стр. 134

ارمه بسهم من سهامك؛ واختلفوا في وفاة الأشتر، فقال ابن يونس: مات مسموماً سنة سبع وثلاثين، وقال هشام: سنة ثمان وثلاثين في رجب؛ وكان الأشتر شجاعاً مقداماً، وقصته مع عبد الله بن الزبير مشهورة، وقول ابن الزبير بسببه: اقتلاني ومالكاً ... واقتلا مالكاً معي حتى صار هذا البيت مثلاً. وشرح ذلك: أن مالك بن الحارث (أعني الأشتر النخعي) كان من الشجعان الأبطال المشهورين، وكان من أصحاب علي وكان معه في يوم وقعة الجمل، فتماسك في الوقعة هو وعبد الله بن الزبير بن العوام، وكان عبد الله أيضاً من الشجعان المشهورين، وكان عبد الله بن الزبير من حزب أبيه، وخالته عائشة أم المؤمنين ﵃، وكانوا يحاربون علياً ﵁ فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على الآخر جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مراراً وابن الزبير يقول: اقتلاني ومالكاً ... واقتلا مالكاً معي يريد قتل الأشتر بهذا القول والمساعدة عليه حتى افترقا من غير أن يقتل أحدهما الآخر؛ وقال عبد الله بن الزبير المذكور: لقيت الأشتر النّخعىّ يوم الجمل فما ضربته ضربة إلا ضربني ستاً أو سبعاً، ثم أخذ رجلي وألقاني في الخندق وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله ﷺ ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبداً. وقال ابن قيس: دخلت مع عبد الله بن الزبير الحمام واذا فى رأسه ضربة لو صبّ فيها قارورة لاستقر، فقال: أتدري من ضربني هذه الضربة؟ قلت: لا، قال: ابن عمك الأشتر النخعىّ.

стр. 135

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة ﵂ لمن بشرها بسلامة ابن أختها عبد الله بن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم. وقيل: أن الأشتر دخل بعد ذلك على عائشة ﵂، فقالت له: يا أشتر، أنت الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة، فأنشد: أعائش لولا أنني كنت طاوياً ... ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا غداة ينادي والرماح تنوشه ... بأخر صوتٍ اقتلاني ومالكا فنجاه مني أكله وسنانه ... وخلوة جوف لم يكن متمالكا ذكر ولاية محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ على مصر هو محمد بن أبي بكر الصديق، واسم أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة، واسم أبي قحافة عثمان؛ أسلم أبو قحافة يوم الفتح فأتى به ابنه أبو بكر الصديق إلى النبي ﷺ يقوده لكبر سنه، فقال النبي ﷺ : «لم لا تركت الشيخ حتى نأتيه» إجلالاً لأبي بكر رضى الله عنه. اهـ. وأبو قحافة المذكور ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي، وكنية محمد هذا (أعني صاحب الترجمة) أبو القاسم، وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ومولده سنة حجة الوداع بذي الحليفة في عقب ذى القعدة، فأراد أبو بكر أن يردّ أسماء إلى المدينة، فسأل النبي ﷺ فقال: «مرها أن تغتسل وتهل» وكان محمد هذا في حجر علي بن أبي طالب ﵁ لما تزوج أمه أسماء بعد وفاة أبي بكر الصديق فتولى تربيته، ولما سار علي إلى وقعة الجمل كان محمد هذا معه على الرجالة، ثم شهد معه وقعة صفين،

стр. 136

ثم ولاه مصر فتوجه إليها ودخلها في النصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فتلقاه قيس بن سعد المعزول عن ولاية مصر، وقال له: يا أبا القاسم، إنك قد جئت من عند أمير لا رأي له، وليس عزله إياي بمانعي أن أنصح لك وله، وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإني أدلك على الذي كنت أكيد به معاوية وعمراً وأهل خربتا فكايدهم به، فإنّك إن كايدتهم بغيره تهلك، ووصف له المكايدة التى يكايدهم بها فاستغشه محمد بن أبي بكر وخالفه في كل شيء أمره به، ثم كتب إليه علي يشجعه ويقوي عزمه، ففتك محمد في المصريين وهدم دور شيعة عثمان بن عفان ونهب دورهم وأموالهم وهتك ذراريهم، فنصبوا له الحرب وحاربوه، ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية، فلحقوا بمعاوية في الشام، وكان أهل الشام لما انصرفوا من وقعة صفين ينتظرون ما يأتي به الحكمان؛ فلما اختلف الناس بالعراق على علي ﵁ طمع معاوية في مصر، وكان أهل خربتا عثمانية ومن كان من الشيعة كان أكثر منهم، فكان معاوية يهاب مصر لأجل الشيعة وقصد معاوية أن يستعين بأخذ مصر على حرب علي ﵁ قال: فاستشار معاوية أصحابه عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن ابن خالد وأبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي وغيرهم (وهؤلاء المذكورين كانوا خواصّه) فجمع المذكورين وقال: هل تدرون ما أدعوكم إليه؟ قالوا: لا يعلم الغيب إلا الله، فقال له عمرو بن العاص: نعم، أهمك أمر مصر وخراجها الكثير وعدد أهلها فتدعونا لنشير عليك فيها فاعزم وانهض، في افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك، فقال له: يا بن العاص، إنما أهمك الذي كان بيننا (يعني أنه كان أعطاه مصر لما صالحه على قتال علي) وقال معاوية للقوم: ما ترون؟ قالوا: ما نرى إلا رأي عمرو، قال: فكيف أصنع؟ فقال عمرو: ابعث جيشاً كثيفاً

стр. 137

عليهم رجل حازم صارم تثق إليه فيأتي إلى مصر، فإنه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فنظاهره على من كان بها من أعدائنا، قال معاوية: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: نكاتب من بها من شيعتنا نأمرهم على أمرهم ونمنيهم قدومنا عليهم فتقوى قلوبهم ونعلم صديقنا من عدوّنا، وإنّك يا بن العاص بورك لك فى العجلة، قال عمرو: فاعمل برأيك فو الله ما أرى أمرك إلا صائراً للحرب، قال: فكتب إليهم معاوية كتاباً يثني عليهم ويقول: هنيئاً لكم بطلب دم الخليفة المظلوم وجهادكم أهل البغي، وقال في آخره: فاثبتوا فإن الجيش واصل إليكم والسلام. وبعث بالكتاب مع مولى يقال له سبيع فقدم مصر، وأميرها محمد بن أبي بكر الصديق، فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية بن حديج، فكتبا جوابه: أما بعد، فعجل علينا بخيلك ورجلك، فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين، فإن أتانا المدد من قبلك يفتح الله علينا، وذكرا كلاماً طويلاً؛ وكان مسلمة ومعاوية ابن حديج يقيمان بخربتا في عشرة آلاف، وقد باينوا محمد بن أبي بكر ولم يحسن محمد تدبيرهم كما كان يفعله معهم قيس بن سعد بن عبادة أيام ولايته على مصر، فلذلك انتقضت على محمد الأمور وزالت دولته؛ ولما وقف معاوية على جوابهما وكان يومئذ بفلسطين جهز عمرو بن العاص في ستة آلاف وخرج معه معاوية يودعه وأوصاه بما يفعل، وقال له: عليك بتقوى الله والرفق فإنه يمن والعجلة من الشيطان، وأن تقبل ممن أقبل وتعفو عمن أدبر، فإن قبل فهذه نعمة، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أقطع من الحجة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة؛ فسار عمرو حتى وصل الى مصر واجتمعت العثمانية عليه، فكتب عمرو إلى محمد بن أبي بكر صاحب مصر.

стр. 138

أما بعد، فنحّ عنّى بدمك فإني لا أحب أن يصيبك مني قلامة ظفر، والناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك [وهم مسلموك «١» ] فاخرج منها إني لك من الناصحين؛ ومعه كتاب معاوية يقول: يا محمد، إن [غب «٢» ] البغي والظلم عظيم الوبال، وسفك الدماء الحرام من النقمة في الدنيا والآخرة، وإنا لا نعلم أحداً كان على عثمان أشد منك، فسعيت عليه مع الساعين وسفكت دمه مع السافكين، ثم أنت تظن أني نائم عنك وناس سيئاتك، وكلام طويل من هذا النمط حتى قال: ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام. فطوى محمد الكتابين وبعث بهما إلى علي بن أبي طالب وفي ضمنهما يستنجده ويطلب منه المدد والرجال، فرد عليه الجواب من عند علي بن أبي طالب بالوصية والشدة، ولم يمده بأحد. ثم كتب محمد إلى معاوية وعمرو كتاباً خشن لهما فيه في القول، ثم قام محمد في الناس خطيباً فقال: أما بعد، فإن القوم الذين ينتهكون الحرمة ويشبّون نار الفتنة قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بجيوشهم، فمن أراد الجنة فليخرج اليهم فليجاهدهم في الله، انتدبوا مع كنانة بن بشر؛ فانتدب مع كنانة نحواً من ألفي رجل، ثم خرج محمد بن أبي بكر في ألفي رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، وكنانة «٣» يسرح لعمرو الكتائب، فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج السكوني. وفي رواية لما رأى عمرو كنانة سرح إليه الكتائب من أهل الشام كتيبة بعد كتيبة وكنانة يهزمها فاستنجد عمرو بمعاوية بن حديج السكوني فسار في أصحابه وأهل الشام فأحاطوا بكنانة.

стр. 139

فلما رأى كنانة ذلك ترجل عن فرسه وترجل أصحابه، وقرأ وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا إلى قوله وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ فقاتل حتى قتل بعد أن قتل من أهل الشام مقتلة عظيمة، فلما رأى أصحاب محمد ذلك تفرقوا عنه فنزل محمد عن فرسه ومشى حتى انتهى إلى خربة فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص ودخل الفسطاط؛ وخرج معاوية بن حديج فى طلب محمد بن أبي بكر، فسأل قوماً من العلوج وكانوا على الطريق فقال: هل رأيتم رجلاً من صفته كذا وكذا؟ فقال واحد منهم: قد دخل تلك الخربة، فدخلوها فإذا برجل جالس، فقال معاوية بن حديج: هو ورب الكعبة، فدخلوها واستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً، فأقبلوا به على الفسطاط ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى عمرو بن العاص وكان في جنده، فقال: أيقتل أخي صبراً؟ فأرسل عمرو إلى معاوية بن حديج يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر كرامة لأخيه عبد الرحمن ابن أبي بكر، فقال معاوية: أيقتل كنانة بن بشر وأخلي أنا محمداً هيهات هيهات! فقال محمد: اسقوني ماء، فقال معاوية بن حديج: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة، إنكم منعتم عثمان الماء، ثم قتلتموه صائماً فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا بن أبي بكر فليسقك الله من الجحيم؛ فقال محمد لمعاوية: يا بن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا؛ فقال له معاوية: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار؛ قال محمد: إن فعلتم ذلك لطالما فعلتموه بأولياء الله تعالى؛ ثم طال الكلام بينهما حتى أخذ معاوية محمداً ثم ألقاه في جيفة حمار ميت ثم حرقه بالنار؛ وقيل: إنه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به «١» ، وهو أول رأس طيف به «٢»

стр. 140

في الإسلام. ولما بلغ عائشة ﵂ قتل أخيها محمد بن أبي بكر هذا وجدت عليه وجداً عظيماً وأخذت أولاده وعياله وتولت تربيتهم. وقال أبو مخنف بإسناده: ولما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان من الأمر بمصر وتملك عمرو لها واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيباً فحثهم على الجهاد والصبر والسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة. فلما كان من الغد خرج يمشي إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم خطيباً فقال: الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل، وابتلاني بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت ولا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجيباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الطّغام فيتّبعونه بغير عطاء ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء! وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على معاوية «١» وطائفة من العطاء فتتفرقون عني وتعصونني وتختلفون علي! فقام مالك بن كعب الأرحبي فندب الناس إلى امتثال أمر علي والسمع والطاعة له، فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمساً؛ ثم قدم على علي جماعة ممن كان مع محمد بن أبي بكر الصديق بمصر، فأخبروه كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبي بكر وكيف استقر أمر عمرو فيها، فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق، وذلك لأنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر، واستقر أمر العراقين على خلاف علي فيما يأمرهم به وينهاهم

стр. 141

عنه والخروج عليه والتنقد على أحكامه وأقواله وأفعاله لجهلهم وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم، فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس ﵁ وهو نائبه على البصرة يشكو اليه ما يلقاه من الناس من المخالفة والمعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك ويعزيه في محمد بن أبى بكر ويحثّه على تلاقى الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الجنة خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس إلى الكوفة إلى علي واستخلف على البصرة زياداً؛ وقد خرجنا عن المقصود. *** السنة التي حكم فيها محمد بن أبي بكر الصديق وغيره على مصر وهي سنة سبع وثلاثين من الهجرة- فيها كانت وقعة صفين بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين معاوية بن أبي سفيان؛ وفيها قتل عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة المدلجي العبسي أبو اليقظان، كان من نجباء الصحابة وشهد بدراً والمشاهد كلها وقتل في صفين، وكان من أصحاب علي ﵁؛ وفيها توفي خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة التيمي «١» مولى أم سباع بنت أنمار، كنيته أبو عبد الله، كان من المهاجرين الأولين، شهد بدراً والمشاهد بعدها وروي عنه أحاديث؛ وفيها أيضاً قتل بصفين من أصحاب علي ﵁ أويس بن عامر المرادي القرني الزاهد سيد التابعين، كنيته أبو عمرو، أسلم في خلافة عمر بن الخطاب ﵁؛ وفيها قتل في وقعة صفين من أصحاب علي ﵁ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري؛ وفيها توفي عبيد الله بن عمر بن الخطاب ﵄؛ وفيها قتل كريب بن صباح الحميري، أحد الأبطال من أصحاب معاوية.

стр. 142

أمر اليل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة أصابع. ذكر ولاية عمرو بن العاص ثانياً على مصر قد تقدم الكلام في أول ولايته على نسبه وصحبته للنبىّ ﷺ ثم أخذه مصر ثانياً في ترجمة محمد بن أبي بكر الصديق وكيفية قتاله وكيف ملك مصر منه. وولاية عمرو بن العاص هذا في هذه المرة من قبل معاوية بن أبى سفيان، وكان دخوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين، وجمع إليه معاوية الصلاة والخراج في ولايته هذه. وسبب انتماء عمرو إلى معاوية أن عمراً كان لما عزله عثمان بن عفان عن مصر بعبد الله بن سعد بن أبي سرح المقدم ذكره توجه عمرو وأقام بمكة منكفاً عن الناس حتى كانت وقعة الجمل. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي قال جويرية بن أسماء حدثني عبد الوهاب ابن يحيى بن عبد الله بن الزبير حدثنا أشياخنا أن الفتنة وقعت وما رجل من قريش له نباهة أعمى فيها من عمرو بن العاص، وما زال مقيماً بمكة ليس في شيء مما فيه الناس حتى كانت وقعة الجمل، فلما فرغت بعث إلى ولديه عبد الله ومحمد فقال: إني قد رأيت رأياً ولستما باللذين ترداني عن رأيي ولكن أشيرا علي، إني رأيت العرب صاروا عنزين يضطربان، وأنا طارح نفسي بين جزاري مكة ولست أرضى بهذه المنزلة، فإلى أي الفريقين أعمد؟ قال له ابنه عبد الله: إن كنت لا بد فاعلاً فإلى علي؛ قال: إني إن أتيت علياً قال: إنما أنت رجل من المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره، فأتى معاوية وعن عروة وغيره قال: دعا عمرو ابنيه، فأشار عليه عبد الله أن يلزم بيته لأنه أسلم له؛ فقال محمد: أنت شريف من أشراف العرب وناب من أنيابها، لا أرى

стр. 143

أن تتخلف؛ فقال عمرو لابنه عبد الله: أما أنت فأشرت علي بما هو خير لي في آخرتي؛ وأما أنت يا محمد فأشرت علىّ بما هو أنبه لذكرى، ارتحلا؛ فارتحلوا إلى الشام غدوة وعشية حتى أتوا الشام. فقال: يأهل الشام، إنكم على خير وإلى خير، تطلبون بدم عثمان، خليفة قتل مظلوماً؛ فمن عاش منكم فإلى خير، ومن مات فإلى خير. فما زال مع معاوية حتى وقع من أمره ما حكيناه في أول ترجمته وغيرها. ودخل مصر ووليها بعد محمد بن أبي بكر الصديق ومهد أمورها، ثم خرج منها وافداً على معاوية بالشام واستخلف على مصر ولده عبد الله بن عمرو، وقيل خارجة بن حذافة، وحضر أمر الحكمين، ثم رجع إلى مصر على ولايته، ودام بها إلى أن كانت قصة الخوارج الذين خرجوا لقتل علي ومعاوية وعمرو هذا، فخرج عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي ﵁، وقيس إلى معاوية، ويزيد إلى عمرو بن العاص، وسار الثلاثة كل واحد إلى جهة من هو متوجه لقتله، وتواعد الجميع أن يثب كل واحد على صاحبه في سابع عشر شهر رمضان؛ فأما عبد الرحمن فإنه وثب على علىّ ابن أبي طالب ﵁ وقتله حسبما نذكره فى ترجمته؛ و [أما] «١» قيس فوثب على معاوية وضربه فلم تؤثر فيه الضربة غير أنه جرح؛ وأما يزيد فإنه توجه إلى عمرو هذا فعرضت لعمرو علة تلك الليلة منعته من الصلاة فصلى خارجة بالناس، فوثب عليه يزيد يظنه عمراً وقتله، وأخذ يزيد وأدخل على عمرو فقال يزيد: أما والله ما أردت غيرك؛ فقال عمرو: ولكن الله أراد خارجة؛ فصار مثلاً: «أردت عمراً وأراد الله خارجة» . وأقام عمرو بعد ذلك مدة سنين حتى مات بها فيما نذكره إن شاء الله تعالى في آخر هذه الترجمة.

стр. 144

قيل: إنه لما حضر عمرو بن العاص الوفاة بكى؛ فقال له ابنه: أتبكي جزعاً من الموت؟ فقال: لا والله؛ وجعل ابنه يذكّره بصحبته رسول الله ﷺ وفتوحه الشام؛ قال عمرو: تركت أفضل من ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس منها طبقة إلا عرفت نفسي فيها: كنت أول شيء كافراً وكنت أشدّ الناس على رسول الله ﷺ ، فلومتّ حينئذ لوجبت لي النار؛ فلما بايعت رسول الله ﷺ كنت أشد الناس منه حياءً ما ملأت عيني منه، فلو مت حينئذ لقال الناس: هنيئاً لعمرو أسلم على خير ومات على خير أحواله، ثم تلبست بعد ذلك بأشياء فلا أدري أعلي أم لي، فإذا أنا مت فلا يبكى علي ولا تتبعوني ناراً، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، فإذا أوليتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس بكم حتى أعلم ما أراجع به رسل ربي. قال الذهبي: أخرجه أبو عوانة في مسنده. وفي رواية: أنه بعدها حول وجهه إلى الجدار وهو يقول: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا، ولا يسعنا إلا عفوك. وفي رواية: أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا أنت؛ فلم يزل يرددها حتى مات ﵁. وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو أن أباه قال: اللهم أمرت بأمور ونهيت عن أمور، فتركنا كثيراً مما أمرت ووقعنا في كثير مما نهيت، اللهم لا إله إلا أنت؛ ثم أخذ بإبهامه فلم يزل يهلل حتى توفي. قال الذهبي، وأيده الطحاوي، حدثنا المزني سمعت الشافعي ﵁ يقول: دخل ابن عباس على عمرو بن العاص وهو مريض فقال: كيف أصبحت؟ قال:

стр. 145

أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلاً، وأفسدت من ديني كثيراً، فلو كان ما أصلحت هو ما أفسدت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب لهربت، فعظني بموعظة أنتفع بها يا بن أخي؛ فقال: هيهات يا أبا عبد الله! فقال: اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى. وكانت وفاة عمرو المذكور في ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين فصلى عليه ابنه ودفنه ثم صلى بالناس صلاة العيد. قاله أبو فراس مولى عبد الله بن عمرو. وقال الليث بن سعد والهيثم بن عدي والواقدي وابن بكير: وسنه نحو مائة سنة. وقال أحمد العجلي وغيره: تسع وتسعون سنة. وقال ابن نمير: توفي سنة اثنتين وأربعين. قلت: والأول هو المتواتر. وكان عمرو ﵁ من أدهى العرب وأحسنهم رأياً وتدبيراً. قيل: إنه اجتمع مع معاوية بن أبي سفيان مرة فقال له معاوية: من الناس؟ فقال: أنا وأنت والمغيرة بن شعبة وزياد؛ قال معاوية: كيف ذلك؟ قال عمرو: أما أنت فللتأني؛ وأما أنا فللبديهة؛ وأما المغيرة فللمعضلات؛ وأما زياد فللصغير والكبير؛ قال معاوية: أما ذانك فقد غابا فهات بديهتك يا عمرو؛ قال: وتريد ذلك؟ قال نعم؛ قال: فأخرج من عندك، فأخرجهم معاوية؛ فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أسارك، فأدنى معاوية رأسه منه؛ فقال عمرو: هذا من ذاك، من معنا في البيت حتى أسارك! ولما مات عمرو ولي مصر عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية *** السنة الأولى من ولاية عمرو بن العاص الثانية على مصر وهي سنة ثمان وثلاثين من الهجرة- فيها توجه عبد الله بن الحضرمي من قبل معاوية إلى البصرة ليأخذها، وكان بها زياد بن أبيه ووقع بينهما أمور. وفيها سارت الخوارج لقتال علىّ
следующие страницы →