Полный текст (6 264 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عنه والخروج عليه والتنقد على أحكامه وأقواله وأفعاله لجهلهم وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم، فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس ﵁ وهو نائبه على البصرة يشكو اليه ما يلقاه من الناس من المخالفة والمعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك ويعزيه في محمد بن أبى بكر ويحثّه على تلاقى الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الجنة خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس إلى الكوفة إلى علي واستخلف على البصرة زياداً؛ وقد خرجنا عن المقصود.
*** السنة التي حكم فيها محمد بن أبي بكر الصديق وغيره على مصر وهي سنة سبع وثلاثين من الهجرة- فيها كانت وقعة صفين بين علي بن أبي طالب ﵁ وبين معاوية بن أبي سفيان؛ وفيها قتل عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة المدلجي العبسي أبو اليقظان، كان من نجباء الصحابة وشهد بدراً والمشاهد كلها وقتل في صفين، وكان من أصحاب علي ﵁؛ وفيها توفي خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة التيمي «١» مولى أم سباع بنت أنمار، كنيته أبو عبد الله، كان من المهاجرين الأولين، شهد بدراً والمشاهد بعدها وروي عنه أحاديث؛ وفيها أيضاً قتل بصفين من أصحاب علي ﵁ أويس بن عامر المرادي القرني الزاهد سيد التابعين، كنيته أبو عمرو، أسلم في خلافة عمر بن الخطاب ﵁؛ وفيها قتل في وقعة صفين من أصحاب علي ﵁ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري؛ وفيها توفي عبيد الله بن عمر بن الخطاب ﵄؛ وفيها قتل كريب بن صباح الحميري، أحد الأبطال من أصحاب معاوية.
стр. 142
أمر اليل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة أصابع.
ذكر ولاية عمرو بن العاص ثانياً على مصر
قد تقدم الكلام في أول ولايته على نسبه وصحبته للنبىّ ﷺ ثم أخذه مصر ثانياً في ترجمة محمد بن أبي بكر الصديق وكيفية قتاله وكيف ملك مصر منه. وولاية عمرو بن العاص هذا في هذه المرة من قبل معاوية بن أبى سفيان، وكان دخوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين، وجمع إليه معاوية الصلاة والخراج في ولايته هذه. وسبب انتماء عمرو إلى معاوية أن عمراً كان لما عزله عثمان بن عفان عن مصر بعبد الله بن سعد بن أبي سرح المقدم ذكره توجه عمرو وأقام بمكة منكفاً عن الناس حتى كانت وقعة الجمل.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي قال جويرية بن أسماء حدثني عبد الوهاب ابن يحيى بن عبد الله بن الزبير حدثنا أشياخنا أن الفتنة وقعت وما رجل من قريش له نباهة أعمى فيها من عمرو بن العاص، وما زال مقيماً بمكة ليس في شيء مما فيه الناس حتى كانت وقعة الجمل، فلما فرغت بعث إلى ولديه عبد الله ومحمد فقال: إني قد رأيت رأياً ولستما باللذين ترداني عن رأيي ولكن أشيرا علي، إني رأيت العرب صاروا عنزين يضطربان، وأنا طارح نفسي بين جزاري مكة ولست أرضى بهذه المنزلة، فإلى أي الفريقين أعمد؟ قال له ابنه عبد الله: إن كنت لا بد فاعلاً فإلى علي؛ قال: إني إن أتيت علياً قال: إنما أنت رجل من المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره، فأتى معاوية
وعن عروة وغيره قال: دعا عمرو ابنيه، فأشار عليه عبد الله أن يلزم بيته لأنه أسلم له؛ فقال محمد: أنت شريف من أشراف العرب وناب من أنيابها، لا أرى
стр. 143
أن تتخلف؛ فقال عمرو لابنه عبد الله: أما أنت فأشرت علي بما هو خير لي في آخرتي؛ وأما أنت يا محمد فأشرت علىّ بما هو أنبه لذكرى، ارتحلا؛ فارتحلوا إلى الشام غدوة وعشية حتى أتوا الشام. فقال: يأهل الشام، إنكم على خير وإلى خير، تطلبون بدم عثمان، خليفة قتل مظلوماً؛ فمن عاش منكم فإلى خير، ومن مات فإلى خير. فما زال مع معاوية حتى وقع من أمره ما حكيناه في أول ترجمته وغيرها.
ودخل مصر ووليها بعد محمد بن أبي بكر الصديق ومهد أمورها، ثم خرج منها وافداً على معاوية بالشام واستخلف على مصر ولده عبد الله بن عمرو، وقيل خارجة بن حذافة، وحضر أمر الحكمين، ثم رجع إلى مصر على ولايته، ودام بها إلى أن كانت قصة الخوارج الذين خرجوا لقتل علي ومعاوية وعمرو هذا، فخرج عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي ﵁، وقيس إلى معاوية، ويزيد إلى عمرو بن العاص، وسار الثلاثة كل واحد إلى جهة من هو متوجه لقتله، وتواعد الجميع أن يثب كل واحد على صاحبه في سابع عشر شهر رمضان؛ فأما عبد الرحمن فإنه وثب على علىّ ابن أبي طالب ﵁ وقتله حسبما نذكره فى ترجمته؛ و [أما] «١» قيس فوثب على معاوية وضربه فلم تؤثر فيه الضربة غير أنه جرح؛ وأما يزيد فإنه توجه إلى عمرو هذا فعرضت لعمرو علة تلك الليلة منعته من الصلاة فصلى خارجة بالناس، فوثب عليه يزيد يظنه عمراً وقتله، وأخذ يزيد وأدخل على عمرو فقال يزيد: أما والله ما أردت غيرك؛ فقال عمرو: ولكن الله أراد خارجة؛ فصار مثلاً: «أردت عمراً وأراد الله خارجة» . وأقام عمرو بعد ذلك مدة سنين حتى مات بها فيما نذكره إن شاء الله تعالى في آخر هذه الترجمة.
стр. 144
قيل: إنه لما حضر عمرو بن العاص الوفاة بكى؛ فقال له ابنه: أتبكي جزعاً من الموت؟ فقال: لا والله؛ وجعل ابنه يذكّره بصحبته رسول الله ﷺ وفتوحه الشام؛ قال عمرو: تركت أفضل من ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق ليس منها طبقة إلا عرفت نفسي فيها: كنت أول شيء كافراً وكنت أشدّ الناس على رسول الله ﷺ ، فلومتّ حينئذ لوجبت لي النار؛ فلما بايعت رسول الله ﷺ كنت أشد الناس منه حياءً ما ملأت عيني منه، فلو مت حينئذ لقال الناس: هنيئاً لعمرو أسلم على خير ومات على خير أحواله، ثم تلبست بعد ذلك بأشياء فلا أدري أعلي أم لي، فإذا أنا مت فلا يبكى علي ولا تتبعوني ناراً، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، فإذا أوليتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس بكم حتى أعلم ما أراجع به رسل ربي. قال الذهبي: أخرجه أبو عوانة في مسنده. وفي رواية: أنه بعدها حول وجهه إلى الجدار وهو يقول: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا، ولا يسعنا إلا عفوك. وفي رواية: أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ورفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا أنت؛ فلم يزل يرددها حتى مات ﵁.
وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو أن أباه قال:
اللهم أمرت بأمور ونهيت عن أمور، فتركنا كثيراً مما أمرت ووقعنا في كثير مما نهيت، اللهم لا إله إلا أنت؛ ثم أخذ بإبهامه فلم يزل يهلل حتى توفي.
قال الذهبي، وأيده الطحاوي، حدثنا المزني سمعت الشافعي ﵁ يقول:
دخل ابن عباس على عمرو بن العاص وهو مريض فقال: كيف أصبحت؟ قال:
стр. 145
أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلاً، وأفسدت من ديني كثيراً، فلو كان ما أصلحت هو ما أفسدت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب لهربت، فعظني بموعظة أنتفع بها يا بن أخي؛ فقال: هيهات يا أبا عبد الله! فقال: اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى.
وكانت وفاة عمرو المذكور في ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين فصلى عليه ابنه ودفنه ثم صلى بالناس صلاة العيد. قاله أبو فراس مولى عبد الله بن عمرو. وقال الليث بن سعد والهيثم بن عدي والواقدي وابن بكير: وسنه نحو مائة سنة. وقال أحمد العجلي وغيره: تسع وتسعون سنة. وقال ابن نمير: توفي سنة اثنتين وأربعين.
قلت: والأول هو المتواتر. وكان عمرو ﵁ من أدهى العرب وأحسنهم رأياً وتدبيراً. قيل: إنه اجتمع مع معاوية بن أبي سفيان مرة فقال له معاوية:
من الناس؟ فقال: أنا وأنت والمغيرة بن شعبة وزياد؛ قال معاوية: كيف ذلك؟ قال عمرو: أما أنت فللتأني؛ وأما أنا فللبديهة؛ وأما المغيرة فللمعضلات؛ وأما زياد فللصغير والكبير؛ قال معاوية: أما ذانك فقد غابا فهات بديهتك يا عمرو؛ قال: وتريد ذلك؟ قال نعم؛ قال: فأخرج من عندك، فأخرجهم معاوية؛ فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أسارك، فأدنى معاوية رأسه منه؛ فقال عمرو: هذا من ذاك، من معنا في البيت حتى أسارك! ولما مات عمرو ولي مصر عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية
*** السنة الأولى من ولاية عمرو بن العاص الثانية على مصر وهي سنة ثمان وثلاثين من الهجرة- فيها توجه عبد الله بن الحضرمي من قبل معاوية إلى البصرة ليأخذها، وكان بها زياد بن أبيه ووقع بينهما أمور. وفيها سارت الخوارج لقتال علىّ
стр. 146
رضي الله عنه، وكان كبيرهم عبد الله بن وهب، فهزمهم علي وقتل أكثرهم وقتل ابن وهب المذكور، وقتل من أصحاب علي ﵁ اثنا عشر رجلاً، وكانت الوقعة في شعبان من هذه السنة. وفيها توفي صهيب بن سنان بن مالك الرومي، سبته الروم فجلب إلى مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان التيمي، وقيل: بل هرب من الروم فقدم مكة وحالف ابن جدعان، وكان صهيب من السابقين الأولين شهد بدراً والمشاهد كلها، روى عنه أولاده حبيب «١» وزياد وحمزة؛ وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وكعب الأحبار، وكنيته أبو يحيى، توفي بالمدينة في شوال. ونشأ صهيب بالروم فبقيت «٢» فيه عجمة. وفيها توفي سهل بن حنيف «٣» بن واهب الأنصاري كان من أهل مسجد قباء، وكنيته أبو سهل وقيل أبو عبد الله، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار آخى رسول الله ﷺ بينه وبين علي بن أبي طالب، وهو ممن شهد بدراً وأحداً والخندق. وفيها توفيت أسماء بنت عميس بن معد بن تميم «٤» بن الحارث بن كعب بن مالك، أسلمت قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بمكة وبايعت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبى طالب، وولد هناك عبد الله بن جعفر، ثم تزوجها بعد جعفر أبو بكر الصديق، فاستولدها محمداً أمير مصر المقدم ذكره، ثم تزوجها بعد أبي بكر علي بن أبي طالب، فولدت منه يحيى وعوفا.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وتسعة أصابع. وفي كتاب درر التيجان: تسعة عشر إصبعاً.
стр. 147
*** السنة الثانية من ولاية عمرو الثانية على مصر وهي سنة تسع وثلاثين- فيها أيضاً كانت وقعة الخوارج مع علي بن أبي طالب بحروراء وبالنّخيلة، قاتلهم علىّ فكسرهم وقتل رءوسهم، وسجد لله شكراً لما أتي بمخدج «١» اليد مقتولا، وكان رءوس الخوارج زيد بن حفص «٢» الطائي وشريح بن «٣» أوفى العبسي وكانا على المجنبتين، وكان رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي، وقد تقدم ذكرها في السنة الماضية، والأصح أنها في هذه السنه؛ وكان على رجالتهم حرقوص بن زهير. وفيها بعث معاوية يزيد ابن شجرة الرّهاىّ ليقيم الحج، فنازعه قثم بن عباس ومانعه، وكان من جهة علي، فتوسط بينهما أبو سعيد الخدري وغيره، فاصطلحا على أن يقيم الموسم شيبة «٤» بن عثمان العبدري حاجب الكعبة. وفيها أيضاً بعث معاوية ابن عوف في ستة آلاف فارس وأمره أن يأتي هيت والأنبار والمدائن، وكان بهيت أشرس بن حسان البلوي «٥» من جهة علي وقد تفرق عنه أصحابه ولم يبق معه سوى ثلاثين رجلاً، فخرج إليهم وقاتلهم وقتل ابن أشرس وأصحابه. وفيها أرسل معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره بالغارة على من هو في طاعة علي من الأعراب. وفيها توفي سعد بن عابد ويعرف بسعد القرظ مولى عمار بن ياسر (والقرظ: ورق السّلم كان يجلبه وييعه للدباغ فسمي به) وكان سعد يؤذن على عهد رسول الله ﷺ بقباء ثم أذن على عهد أبي بكر وعمر، وهو من الصحابة وله رواية.
стр. 148
أمر النيل فى هذه السنة- الماء الفديم خمسة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وخمسة أصابع.
*** السنة الثالثة من ولاية عمرو بن العاص الثانية على مصر وهي سنة أربعين- فيها بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فقدم المدينة وعامل علي متوليها وهو أبو أيوب الأنصاري فنفر منها أبو أيوب. وفيها قتل أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب شيبة الجمد بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، وهي بنت عم أبي طالب كانت من المهاجرات، توفيت في حياة النّبيّ ﷺ بالمدينة، وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة؛ وأما ما ورد في حقه من الأحاديث وما وقع له في الغزوات فيضيق هذا المحل عن ذكر شيء منها، وفي شهرته ﵁ ما يغني عن الإطناب في ذكره؛ قتله عبد الرحمن بن ملجم، جلس له مقابل السدة «١» التي يخرج منها علي إلى الصلاة، فلما أن خرج علي إلى صلاة الصبح شد عليه عبد الرحمن المذكور فضربه بسكين كانت معه أو بسيف في جبهته وفي رأسه فحمل من وقته وقبض على عبد الرحمن المذكور، فقال علي: أطعموه واسقوه فإن عشت فأنا ولي دمي، إن شئت قتلت وإن شئت عفوت؛ وإن مت فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. وكان عبد الرحمن قد سم سيفه، فتم علي ﵁ جريحاً يوم الجمعة والسبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان من السنة، وتولى الخلافة من بعده ابنه الحسن بن علي ﵄، وكانت خلافة علي ﵁ أربع سنين وتسعة أشهر. ولما دفن علي أحضر عبد الرحمن بن ملجم
стр. 149
فاجتمع الناس وجاءوا بالنفط والبواري، فقال محمد بن الحنفية والحسن والحسين ولدا علي وعبد الله بن جعفر ابن أخيه: دعونا نشتف منه، فقطع عبد الله يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم وكحل عينيه، وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك هذا «١» ، وعيناه تسيلان على خديه، ثم أمر به فعولج على قطع لسانه، فجزع، فقيل له في ذلك؛ فقال:
ما لذاك أجزع ولكن أكره أن أبقى في الدنيا لا أذكر الله! فقطعوا لسانه، ثم أخرجوه في قوصرة «٢» ؛ وكان- قبحه الله ولعنه- أسمر حسن الوجه أفلج في جبهته أثر السجود. وقال جعفر بن محمد عن أبيه قال: صلى الحسن على علي ﵁ ودفن بالكوفة عند قصر الإمارة وعمي قبره لئلا تنبشه الخوارج. وقال شريك وغيره: نقله الحسن إلى المدينة. وذكر المبرد عن محمد بن حبيب، قال: أول من حول من قبر إلى قبر علي بن أبي طالب ﵁. وفيها توفي لبيد بن ربيعة بن كلاب بن مالك بن جعفر بن كلاب الصحابي العامري الشاعر المشهور، كنيته أبو عقيل، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من القبائل الذين أسلموا بعد الفتح، ووفد على النّبيّ ﷺ سنة تسع من الهجرة وأسلم. وفيها توفي تميم بن أوس ابن خارجة أبو رقية اللخمي الداري الصحابي المشهور، واختلف فى نسبه الى الدار ابن هانئ أحد بني لخم. أسلم تميم سنة تسع، ﵁.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثمانية أذرع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً؛ وفي كتاب درر التيجان: وستة أصابع.
стр. 150
*** السنة الرابعة من ولاية عمرو بن العاص الثانية على مصر وهي سنة إحدى وأربعين، وتسمى هذه السنة عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد وهو معاوية بن أبي سفيان- فيها (أعني في سنة إحدى وأربعين) بايع الحسن بن علي ﵁ بالخلافة معاوية وخلع نفسه. وسببه: أنه لما ولي الخلافة بعد وفاة والده علي ﵁ أحبه الناس حباً شديداً زائداً واجتمعوا على طاعته، واستمر في الخلافة أشهراً، فلما رأى الأمر مآله للقتال مع معاوية وألح عليه أهل العراق حتى خرج في جموعه إلى نحو الشام وخرج معاوية أيضاً بجيوشه في طلب الحسن رضى الله عنه، ثم أرسل معاوية إلى الحسن يطلب الصلح. قال خليفة: فاجتمعا بمسكن؛ وهي بأرض السواد من ناحية الأنبار، فاصطلحا في ربيع الآخر وسلم الحسن الأمر إلى معاوية، لا من جزع بل شفقة على المسلمين، فإن الذي كان اجتمع للحسن من العساكر أكثر مما كان اجتمع لأبيه ولكن ترك ذلك خوفاً من سفك الدماء.
ولما وقع ذلك دخل على الحسن سفيان أحد أصحابه وقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين؛ فقال الحسن: لا تقل ذلك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك. قال الحافظ الذهبي قال أبو بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن ابن علي إلى جنبه وهو يقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . أخرجه البخاري. وفيها توفي صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، شهد حنيناً مع النبي ﷺ ثم أسلم بعدها، وأعار النّبيّ ﷺ سلاحاً كثيراً. وفيها توفيت حفصة أم المؤمنين ﵂ بنت عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 151
أمر النيل في هذه- السنة الماء القديم ثمانية أذرع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وسبعة أصابع.
*** السنة الخامسة من ولاية عمرو بن العاص الثانية على مصر وهي سنة اثنتين وأربعين- فيها بعث معاوية المغيرة بن شعبة الى زياد بن أبيه فخدعه وأنزله من قلعته. وفيها ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل. وفيها تحرّكت الخوارج الذين بقوا من يوم النهروان. وفيها توفي حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن سفيان «١» ابن حارث أبو عبد الرحمن وقيل أبو مسلمة، ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أصحاب رسول الله ﷺ . وفيها توفي عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار بن قصي الجمحي، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين ممن أسلم في هدنة الحديبية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع. وفي درر التيجان: أربعة أذرع وثلاثة أصابع.
ذكر ولاية عتبة بن أبي سفيان على مصر
هو عتبة بن أبي سفيان- واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس- أخو معاوية بن أبي سفيان لأبيه. ولاه أخوه معاوية إمارة مصر بعد وفاة عمرو بن العاص ﵁ في شوال سنة ثلاث وأربعين. ودخل عتبة مصر
стр. 152
في ذي القعدة منها. وكان عتبة هذا شهد مع عثمان بن عفان يوم الدار. قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه: قدم على أخيه معاوية بدمشق، وكان له بها في درب الحمالين «١» دار، وولي المدينة والطائف والموسم لأخيه معاوية غير مرة، وشهد وقعة الجمل مع عائشة ﵂ ثم انهزم، فعيره عبد الرحمن بن الحكم «٢» :
لعمري والأمور لها دواعٍ ... لقد أبعدت يا عتب الفرارا
وقال ابن عساكر عن الهيثم بن عدي قال: ذكر ابن عباس عتبة بن أبي سفيان في العور، ذهبت عينه يوم الجمل مع عائشة. وقال أبو بكر الخطيب: حج عتبة ابن أبي سفيان بالناس سنة إحدى وأربعين وسنة اثنتين وأربعين. وقال الأصمعي:
الخطباء من بني أمية: عتبة بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان. وقال أبو حاتم:
أوصى «٣» عتبة بن أبي سفيان مؤدب ولده فقال: ليكن أول إصلاحك بني إصلاحك لنفسك، فإن عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما فعلت، والقبيح ما تركت، وعلمهم كتاب الله ولا تملهم فيتركوا، ولا تدعهم منه فيهجروا؛ وروهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه؛ ولا تخرجهم من علم «٤» إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم «٥» ؛ وهددهم بي وأدبهم دوني؛ وكن بهم كالطبيب الرفيق الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، وامنعهم من محادثة النساء، واشغلهم بسير الحكماء؛ واستزدني بآدابهم أزدك، ولا تتكلن على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك. انتهى.
стр. 153
ولما قدم عتبة إلى مصر في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين أقام بها أشهراً ثم خرج منها وافداً على أخيه معاوية بدمشق، واستخلف على مصر عبد الله بن قيس ابن الحارث، وكانت في عبد الله المذكور شدة فكرهه الناس بمصر، فبلغ ذلك عتبة هذا فرجع الى مصر وصعد المنبر وقال: يأهل مصر، قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إن قال فعل، فإن أبيتم درأكم «١» بيده، فإن أبيتم؟؟؟ درأكم بسيفه؛ ثم جاء في الآخر «٢» ما أدرك في الأول، إن البيعة شائعة «٣» ، لنا عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه؛ فناداه المصريون من جنبات المسجد: سمعاً سمعاً؛ فناداهم عتبة: عدلاً عدلاً. ثم نزل.
فجمع له أخوه معاوية الصلاة والخراج؛ وعقد عتبة هذا لعلقمة بن يزيد على الإسكندرية في اثني عشر ألفاً من آهل الديوان تكون بها مرابطة، ثم خرج إليها عتبة بعد ذلك مرابطاً في ذي القعدة وقيل في ذي الحجة، وهو الأشهر، سنة أربع وأربعين من الهجرة، فمات بها في الشهر المذكور. وتولى مصر بعده عقبة بن عامر الجهني، وكانت ولاية عتبة على مصر سنة واحدة وشهراً واحداً.
*** السنة التي حكم فيها عتبة بن أبي سفيان على مصر وهي سنة ثلاث وأربعين- فيها شتى بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم مرابطاً: وفيها فتح عبد الرحمن بن سمرة
стр. 154
الزرنج «١» وغيرها من بلاد سجستان. وفيها افتتح عقبة بن نافع الفهري كوراً من بلاد السودان ووردان من بلاد برقة. وفيها توفي عبد الله بن سلام الإسرائيلي- ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الأنصار، وقال: كنيته أبو يوسف، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم في السنة الأولى من الهجرة سماه رسول الله ﷺ عبد الله. وهو رجل من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وهو صاحب القصة مع اليهود. وفيها توفي محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الصحابي، مذكور في الطبقة الأولى من الأنصار، أسلم بالمدينة على يد مصعب ابن عمير، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح وشهد بدراً والمشاهد كلها ومات في صفر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم تسعة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع. وذكر في درر التيجان: أن الماء القديم في هذه السنة أربعة أذرع وثلاثة أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية عتبة بن أبي سفيان على مصر وهي سنة أربع وأربعين- فيها توفي عتبة صاحب الترجمة حسبما تقدم ذكره. وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة أرض الهند وسار إلى قندابيل «٢» وكسر العدو وسلم وغنم، وهي أول غزواته. وفيها حج الخليفة معاوية بن أبي سفيان بالناس من الشام. وفيها زاد معاوية في مقصورة جامع دمشق، وكان قد أحدثها لما وثب عليه البرك ليقتله.
ثم أحدث في هذه السنة أيضاً مروان بن الحكم مقصورة المدينة وهو والٍ عليها.
وفيها أوغل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في بلاد الروم وشتى بها. وفيها غزا بسر
стр. 155
ابن أبي أرطاة في البحر. وفيها عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة. وفيها توفي الحارث بن خزمة بن عدي بن أبىّ بن «١» غنم الأشهلي أبو بشير الصحابي، هو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرا والمشاهد كلها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين إياس بن أبي البكير. وفيها توفيت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان على الصحيح، واسمها رملة، وهي أخت معاوية لأبيه، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وهي ابنة عمة عثمان بن عفان، وكان تزوجها رسول الله ﷺ بالحبشة، وذلك في سنة ست من الهجرة أو سبع. وفيها توفي أبو بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو بن كلاب، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار من الصحابة، شهد العقبة مع السبعين وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وفيها توفي أبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس بن سليم اليماني، صاحب رسول الله ﷺ ، قدم عليه مسلماً مع أصحاب السفينتين واستعمله رسول الله ﷺ على زبيد وعدن، ثم ولي الكوفة والبصرة. لعمر بن الخطاب ﵄.
ومات في ذي الحجة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وإصبع واحد.
ذكر ولاية عقبة بن عامر على مصر
هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن رفاعة بن مودوعة بن عدي ابن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني، أبو حماد الصحابىّ،
стр. 156
شهد فتح مصر مع عمرو بن العاص ثم وليها من قبل معاوية بن أبي سفيان بعد موت أخيه عتبة بن أبي سفيان في سنة أربع وأربعين، وكان يخضب بالسواد.
قال صاحب البغية: ودام بمصر إلى أن قدم مسلمة بن مخلد على معاوية بدمشق، فولاه مصر وأمره أن يكتم ذلك عن عقبة بن عامر، ثم سيره إلى مصر وأمر معاوية عقبة بغزو رودس ومعه مسلمة بن مخلد المذكور، وخرجا إلى الإسكندرية ثم توجها في البحر، فلما سار عقبة استولى مسلمة على سرير إمرته، فبلغ ذلك عقبة ابن عامر، وكان ذلك لعشرٍ بقين من ربيع الأول سنة سبع وأربعين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر، وتولى مسلمة. وآخر من روى عن عقبة بمصر أبو قبيل. انتهى.
وقال الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر في الإصابة: روى عن النّبيّ ﷺ ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وأبو أمامة وجبير بن نفير وبعجة بن عبد الله الجهني وأبو إدريس الخولاني وخلق من أهل مصر.
قال أبو سعيد بن يونس: كان قارئاً عالماً بالفرائض والفقه صحيح اللسان شاعراً كاتباً، وهو آخر من جمع القرآن. قال: ورأيت مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف عثمان، وفي آخره: كتبه عقبة بن عامر بيده.
وفي صحيح مسلم من طريق قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا في غنم لي أرعاها فتركتها ثم ذهبت إليه فقلت: بايعني فبايعني على الهجرة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. وشهد عقبة بن عامر الفتوح، وكان هو الرائد إلى عمر بفتح دمشق. وشهد صفين مع معاوية وأمره بعد ذلك على مصر.
стр. 157
وقال أبو عمر الكندي: جمع له معاوية في إمرة مصر بين الخراج والصلاة، فلما أراد عزله كتب إليه أن يغزو رودس، فلما توجه مسافراً استولى مسلمة، فبلغ عقبة فقال: أغربةً وعزلاً! وذلك في سنة سبع وأربعين. ومات في خلافة معاوية على الصحيح.
وحكى أبو زرعة في تاريخه عن عباد بن بشر قال: رأيت رجلاً يحدث في خلافة عبد الملك فقلت: من هذا؟ فقالوا: عقبة بن عامر الجهني. قال أبو زرعة: فذكرته لأحمد بن صالح، فقال: هذا غلط، مات عقبة في خلافة معاوية. وكذلك أرخه الواقدي وغيره، زاد في آخرها: وأما قول خليفة بن خياط: قتل في النهروان من أصحاب علي، أبو عمرو «١» عقبة بن عامر الجهني فهو آخر، بدليل قول خليفة في تاريخه في سنة ثمان وخمسين مات عقبة بن عامر الجهني. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن حجر.
وقال صاحب كتاب «العقود الدرية في الأمراء المصرية» : توفي عقبة في سنة ثمان وخمسين بمصر، وقبره يزار بالقرافة.
وقال صاحب كتاب «مهذب الطالبين إلى قبور الصالحين» : عقبة بن عامر الجهني من أعلام الصحابة معدود من خدّام النّبيّ ﷺ ، وكان يأخذ بزمام بغلة رسول الله ﷺ ويقودها في الأسفار، وعدد له رسول الله ﷺ فضل المعوذتين وحثه على قراءتهما؛ وهو أحد من شهد فتح مصر من الصحابة، وولي مصر لمعاوية بن أبي سفيان بعد عتبة بن أبي سفيان، ثم غزا في البحر سنة سبع وأربعين. وهو أول من نشر الرايات على السفن، فلما خرج إلى الغزو جاء كتاب معاوية بعزله وولاية مسلمة، فلم يظهر مسلمة ولايته، فقال عقبة: ما لي أرى الأمر أبطأ علي؟ قالوا: ولى مسلمة بن مخلد، قال عقبة: ما أنصفنا معاوية عزلنا وغرّبنا.
стр. 158
قال: ولأهل مصر فيه اعتقاد عظيم، ولهم عنه نحو مائة حديث. وقد ذكر ابن عبد الحكم أحاديثه التي رواها عنه أهل مصر.
الحديث الأول- منها: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى [صلاةً «١» ] غير ساهٍ ولا لاهٍ كفر عنه ما كان قبلها من سيئاته «٢» » .
الحديث الثاني- قال عقبة: سمعت النبي ﷺ يقول: «تعجب «٣» ربك من شاب ليس له صبوة»
الحديث الثالث- قال «٤» عقبة: كنت آخذ بزمام بغلة رسول الله ﷺ في بعض غاب المدينة، فقال لي: «يا عقبة ألا تركب» فأشفقت أن تكون معصية، فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب فقال: «ألا أعلمك سورتين» فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
، ثم أقيمت الصلاة فتقدم وصلى بهما وقال: «اقرأهما كلما نمت وقمت» .
ثم قال: وليس في الجبانة قبر صحابي مقطوع به إلا قبر عقبة فإنه زاره الخلف عن السلف.
وقال الشيخ الموفّق ابن عثمان في تاريخه المرشد ناقلاً عن حرملة من أصحاب الشافعي: إن البقعة التي دفن فيها عقبة المذكور بها أيضاً قبر عمرو بن العاص وقبر
стр. 159
أبي بصرة الصحابيين، تحويهم القبة التي هدمها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ثم بناها البناء المعهود الآن. ورئي بعض الأمراء في النوم ممن جاوره، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بمجاورة عقبة. وروي له من البركات روايات كثيرة: منها أن رجلاً أسر له ولد فأتى قبر عقبة ودعا الله فقام من عند قبره فلقي ابنه في الطريق. انتهى كلام صاحب مهذب الطالبين.
*** السنة الأولى من ولاية عقبة بن عامر الجهني على مصر وهي سنة خمس وأربعين- فيها غزا معاوية بن حديج إفريقية من بلاد المغرب. وفيها سار عبد الله بن سوار العبدي فافتتح القيقان وغنم وسلم وعاد. وفيها عزل عبد الله ابن عامر عن البصرة، فاستعمل عليها معاوية الحارث بن عمرو الأزدي ثم عزل عن قريب وولّى عليها زياد بن أبيه، فبادر زياد وقتل سهم بن غالب الذي كان خرج في أول الأمر على معاوية وصلبه. وفيها توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر ابن الخطاب زوجة رسول الله ﷺ ، وأمها زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون. قال ابن سعد بإسناده: ولدت حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين. وذكر الذهبي وفاتها في سنة إحدى وأربعين وتابعه جماعة على ذلك. وفيها توفّى زيد بن ثابت بن الضحّاك ابن زيد الأنصاري الصحابي، وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار، كنيته أبو سعيد وقيل أبو خارجة. قال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «أرحم أمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر وأصدقها حياءً عثمان وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت» .
стр. 160
قلت: وهو من كتاب الوحي والقراء. وفيها توفّى سلمة بن سلامة وكنيته أبو عوف. وقيل أبو ثابت. وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، صحابي مشهور، شهد العقبتين وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وفيها توفّى سهل ابن عمرو بن زيد بن جشم الأنصاري، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الصحابة ممن شهد أحداً «١» والخندق وما بعدهما مع رسول الله ﷺ . وفيها توفّى عاصم ابن عدي، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيته أبو عمرو «٢» وقيل أبو عبد الله، وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ من بدر إلى قباء.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع. وقال صاحب درر التيجان: وسبعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وخمسة أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية عقبة بن عامر الجهني على مصر وهي سنة ست وأربعين- فيها عزل الخليفة معاوية عبد الرحمن بن سمرة عن سجستان وولاها الربيع بن زياد الحارثي، فخاف الترك وجمع ملكهم «كابل شاه» الجموع وزحف على المسلمين فنزح المسلمون عن مدينة كابل، ثم لقيهم الربيع هذا وقاتلهم (أعني الترك) فهزمهم الله تعالى؛ وساق وراءهم المسلمين إلى الرخج، وغنموا منهم شيئاً كثيراً. وشتى المسلمون بأرض الروم في هذه السنة. وفيها توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لما رجع من بلاد الروم إلى حمص، وكان قد شتى بالروم وفتح حصوناً كثيرة، فسقاه ابن أثال «٣» النصراني شربة مسمومة فمات منها. وهو ممن أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 161
وقيل إنه مات في سنة تسع وأربعين. وفيها توفي هرم بن حيان العبدي «١» البصري ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من الفقهاء المحدثين والزهاد من أهل البصرة، وهو أحد الزهاد الثمانية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وسبعة «٢» أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وتسعة أصابع. وفي الدرر: ثمانية عشر ذراعاً وتسعة أصابع.
*** السنة الثالثة من ولاية عقبة بن عامر الجهني على مصر وهي سنة سبع وأربعين- فيها عزل عقبة المذكور عن مصر. وفيها سار رويفع بن ثابت الأنصاري من طرابلس الغرب ودخل إفريقية ثم عاد من سنته. وفيها غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان أيضاً، فجمع له الترك والتقوا معه فاستشهد عبد الله وسائر من كان معه من الجيوش. وفيها شتى مالك بن هبيرة بأرض الروم. وفيها أقام الموسم عنبسة ابن أبي سفيان. وفيها توفي قيس بن عاصم بن سنان؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة في الصحابة ممن أسلم من العرب ورجع إلى بلاد قومه، وكنيته أبو علي وقيل أبو قبيصة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعاً.
وفي درر التيجان: وثلاثة وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وسبعة أصابع.
ذكر ولاية مسلمة بن مخلد على مصر
هو مسلمة بن مخلّد بن صامت بن نياز بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة ابن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة، أبو معن «٣» وقيل أبو سعيد،
стр. 162
الصحابي الأنصاري (ومسلمة بفتح الميم وسكون السين المهملة، ومخلد بضم الميم وتشديد اللام) . ولاه معاوية بن أبي سفيان مصر بعد عزل عقبة بن عامر الجهني في سنة سبع وأربعين حسبما تقدم ذكره في أخر ترجمة عقبة، وجمع له معاوية الصلاة والخراج وبلاد المغرب. فلما ولي مسلمة مصر انتظمت غزواته في البر والبحر: منها غزوة القسطنطينية الآتي ذكرها، ولم يحضرها غير أنه حسن لمعاوية غزوها. وفي أيام ولايته على مصر نزلت الروم البرلس «١» في سنة ثلاث وخمسين فاستشهد في الوقعة وردان مولى عمرو بن العاص في جمع من المسلمين. وفي إمرته لمصر أيضاً هدم ما كان عمرو بن العاص بناه من المسجد بمصر وبناه هو وأمر ببناء منار المسجد، وهو أول من أحدث المنار بالمساجد والجوامع. وخرج مسلمة إلى الإسكندرية في سنة ستين واستخلف على مصر عابس بن سعيد، فجاءه الخبر بموت معاوية بن أبي سفيان في شهر رجب منها واستخلاف يزيد بن معاوية بعد أبيه، وكتب إليه يزيد بن معاوية وأقره على عمل مصر، وكتب إليه أيضاً بأخذ البيعة له؛ فندب مسلمة عابساً وكتب إليه من الإسكندرية بذلك؛ فطلب عابس أهل مصر وبايع ليزيد فبايعه الجند والناس إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فدعا عابس بالنار ليحرق عليه بابه، فحينئذ بايع عبد الله بن عمرو ليزيد على كره منه. ثم قدم مسلمة من الإسكندرية فجمع لعابس مع الشرطة القضاء في أوّل سنة إحدى وستين. اهـ.
وقال الذهبي: مسلمة بن مخلد الأنصاري له صحبة ورواية، وحدّث عنه شيبان ابن أمية وعلي بن رباح ومجاهد وعبد الرحمن بن شماسة وغيرهم، قال: ولدت حين
стр. 163
قدم النّبيّ ﷺ المدينة، وقد ولي ديار مصر لمعاوية. انتهى كلام الذهبي.
وقال ابن عبد «١» الحكم: مسلمة بن مخلد الأنصاري لهم عنه حديث واحد ليس [لهم «٢» ] عنه غيره، وهو حديث موسى بن علي عن أبيه أنه سمعه يقول وهو على المنبر:
توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين. لم يرو عنه غير أهل مصر، وأهل «٣» البصرة لهم عنه حديث واحد، وهو حديث أبي هلال الراسبي قال حدثنا جبلة ابن عطية عن مسلمة بن مخلد: أنه رأى معاوية يأكل، فقال لعمرو بن العاص:
إن ابن عمك لمخضد، ثم قال: أما إني أقول هذا وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد ووقه العذاب» . وربما أدخل بعض المحدثين بين جبلة بن عطية وبين مسلمة رجلاً.
وقد ولي مسلمة بن مخلد مصر، وهو أول من جمع له مصر والمغرب، وتوفي سنة اثنتين وستين، وكان يكنى أبا سعيد. انتهى كلام ابن عبد الحكم. وكان مسلمة كثير العبادة.
قلت: وأما غزوة القسطنطينية التي وعدنا بذكرها فإنها كانت في سنة تسع وأربعين؛ وكان مسلمة هذا حرض معاوية عليها، فأرسل إليها معاوية جيشاً كثيفاً وأمر عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل يزيد واعتذر، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد؛ فأنشد يزيد يقول:
стр. 164
ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالغذقذونة «١» من حمى ومن موم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفقاً ... بدير مران عندي أم كلثوم
- وأم كلثوم امرأته وهي ابنة عبد الله بن عامر- فبلغ معاوية شعره فأقسم عليه ليلحقن بسفيان بأرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كبير. وكان في هذا الجيش ابن عباس وابن عمرو ابن عمرو «٢» وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم، فأوغلوا في بلاد الروم [حتى بلغوا القسطنطينية «٣» ] ، فاقتتل المسلمون والروم واشتد الحرب بينهم، فلم يزل عبد العزيز يتعرض للشهادة فلم يقتل، ثم حمل بعد ذلك عليهم وانغمس بينهم. فشجره الروم برماحهم حتى قتلوه، فبلغ معاوية قتله فقال لأبيه: هلك والله فتى العرب! فقال أبوه لمعاوية: ابني أم ابنك؟ فقال:
ابنك، فآجرك الله؛ فقال:
فإن يكن الموت أودى به ... وأصبح مخ الكلابي زيرا
فكل فتى شارب كأسه ... فإما صغيراً وإما كبيرا
قال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة فما ترك ألفاً ولا واواً.
وقال ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى من تصنيفه: حدثنا معن بن عيسى حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن مسلمة بن مخلد قال: أسلمت وأنا ابن أربع سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وأنا ابن أربعة عشرة سنة.
стр. 165
وقال محمد بن عمرو: «١» يروي مسلمة بن مخلّد عن رسول الله ﷺ .
ثم قال: وتحول إلى مصر ونزلها، وكان مع أهل خربتا، وكانوا «٢» أشدّ أهل المغرب [وأعده] «٣» ، وكان له بها ذكر ونباهة؛ ثم صار إلى المدينة فمات بها فى خلافة معاوية. اهـ.
قلت: وهذا القول يخالف فيه الجمهور. والذي قاله المؤرخون: إنه استمر على عمله حتى توفي لخمس بقين من شهر رجب سنة اثنتين وستين. وكانت ولايته على مصر خمس عشرة سنة وأربعة أشهر. وتولى مصر من بعده سعيد بن يزيد.
وقال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن يونس على ما أخبرنا: شهد مسلمة فتح مصر واختط بها، وولي الجند لمعاوية بن أبي سفيان ولابنه يزيد بن معاوية؛ وروى عنه من أهل مصر علي بن رباح وهشام بن أبي رقيّة وأبو قبيل وهلال ابن عبد الرحمن ومحمد بن كعب وغيرهم، توفي بالإسكندرية سنة اثنتين وستين في ذي القعدة.
حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا وكيع حدثنا موسى ابن علي عن أبيه قال: سمعت مسلمة بن مخلّد يقول: ولدت حين قدم النّبيّ ﷺ المدينة، وتوفي وأنا ابن عشر سنين. قال ابن يونس: هذا الحديث غريب، وقد رواه معن بن عيسى وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما عن موسى ابن علي. انتهى كلام ابن يونس.
هذا ما وقع لنا من أخبار مسلمة بن مخلد المذكور، ويأتي ذكره أيضاً في سني ولايته على مصر كما هي عادتنا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
стр. 166
*** السنة الأولى من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ثمان وأربعين- فيها كتب معاوية بن أبي سفيان الخليفة إلى زياد لما بلغه قتل عبد الله بن سوار:
أنظر لي رجلاً يصلح لثغر الهند أوجهه إليه؛ فوجه إليه زياد سنان بن سلمة «١» الهذلي، فولاه معاوية الهند. وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن إمرة المدينة بسعيد بن العاص الأموي. وفيها قتل بالهند عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي. وفيها توفي الحارث بن قيس الجعفي الفقيه صاحب عبد الله بن مسعود، وقيل: إنه مات في غير هذه السنة. وفيها كان مشتى عبد الرحمن القيني «٢» بإنطاكية.
وفيها كانت صائفة عبد الله بن قيس الفزاري. وفيها كانت غزوة مالك بن هبيرة السكوني في البحر. وفيها استعمل زياد غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبة. وفيها حج بالناس مروان بن الحكم، وهو يتوقع العزل لموجدةٍ كانت من معاوية عليه، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وإصبعان.
*** السنة الثانية من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة تسع وأربعين- فيها شتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، وقيل ما شتى بها إلا فضالة بن عبيد الأنصاري.
وفيها حج بالناس سعيد بن العاص؛ وفيها قتل زياد بالبصرة الخطيم الباهلىّ الخارجىّ.
стр. 167
وفيها خرج على المغيرة بن شعبة وهو والي الكوفة شبيب بن بجرة الأشجعي، وهو غير شبيب الذي خرج على الحجاج بن يوسف، فوجه إليه المغيرة كثير بن شهاب الحارثي فقتله بأذربيجان. وكان شبيب ممن شهد النهروان. وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد جربة «١» وشتى بها، وفتحت على يده وأصاب فيها سبايا كثيرة. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي بالبحر فشتى بأهل الشام. وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع في البحر فشتى بأهل مصر. وفيها عزل مروان عن المدينة بسعيد بن العاص في شهر ربيع الأول، فكانت ولاية مروان ثماني سنين وشهرين، وكان على قضاء المدينة عبد الله بن الحارث بن نوفل فعزله سعيد حين ولي واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن. وفيها توفي الحسن بن علي، والأصح أنه في الآتية، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وستة أصابع.
*** السنة الثالثة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة خمسين من الهجرة- فيها وجّه زياد الربيع الحارثي إلى خراسان فغزا بلخ وكانت قد انتقضت بعد رواح الأحنف بن قيس عنها فصالحوا الربيع هذا ورحل عنها وغزا قوهستان فافتتحها عنوة. وفيها أراد معاوية نقل منبر النّبيّ ﷺ من المدينة وأن يحمل إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النّبيّ ﷺ بالمدينة وهم قتلة عثمان، فطلب العصا وهي عند سعد القرظ، وحرك المنبر فكسفت
стр. 168
الشمس حتى رئيت النجوم باديةً «١» ، فأعظم الناس ذلك فتركه. وقيل: بل أتاه جابر وأبو هريرة فقالا له: يا أمير المؤمنين، لا يصلح أن يخرج منبر النبي ﷺ من موضع وضعه وتنقل عصاه إلى الشام، فانقل المسجد؛ فتركه معاوية وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع. وفيها افتتح معاوية بن حديج (بضم الحاء المهملة مصغراً) فتحاً كبيراً بالمغرب، وكان قد جاءه عبد الملك بن مروان في مدد أهل المدينة. وهذه أول غزوة لعبد الملك بن مروان. وفيها ولى معاوية زياداً البصرة والكوفة معاً بعد موت المغيرة بن شعبة، فعزل زياد الربيع عن سجستان وولاها لعبيد الله بن أبي بكرة. وفيها غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية وكان معه فيها وجوه الناس، وممن كان معه أبو أيوب الأنصاري وقد ذكرناها (أعني هذه الغزوة فى أصل الترجمة) . وفيها توفى السيد حسن بن علىّ ابن أبي طالب ﵁، وكنيته أبو محمد الهاشمي، القرشي السيد ابن السيد ابن السيدة فاطمة الزّهراء بنت رسول الله ﷺ ، ولد في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل في نصف شهر رمضان منها، قاله الواقدىّ. وكان ريحانة النّبيّ ﷺ وشبيهاً به. ولي الخلافة بعد موت أبيه علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين؛ واجتمع عليه المسلمون وأحبوه حباً شديداً وألزموه حرب معاوية، فسار على كرهٍ منه، فلما كان في بعض الطريق اختلف عليه بعض أصحابه فضاق صدره، ثم أرسل إلى معاوية يسأله الصلح ويسلم له الأمر، فوقع ذلك وشق على أصحابه وكادت نفوسهم تذهب، ودخل عليه سفيان أحد أصحابه وقال له: السلام عليك
стр. 169
يا مذل المؤمنين؛ فقال الحسن: لا تقل ذلك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك.
قال الحافظ الذهبي قال أبو بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» أخرجه البخاري.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» صححه الترمذي.
قلت: ومناقب الحسن كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكرها، وكانت وفاته بالمدينة في شهر ربيع الأول ودفن بالبقيع ﵁. وفيها توفيت أم المؤمنين صفية بنت حيىّ بن أخطب بن سعية «١» من سبط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، ثم من ولد هارون أخي موسى ﵉؛ سباها النبي ﷺ يوم خيبر، وجعل عتقها صداقها وتزوجها، وماتت في هذه السنة وقيل في سنة ست وثلاثين، والأول أشهر. وفيها كانت بناية مدينة القيروان بالمغرب.
وفيها كان الطاعون العظيم بالكوفة وأميرها المغيرة بن شعبة، ومات فيه بعد أن فر منه. وهذا الطاعون رابع طاعون مشهور وقع في الإسلام؛ فإن الأول كان بالمدائن فى عهد النبي ﷺ ؛ والثاني طاعون عمواس «٢» في زمان عمر ﵁؛ والثالث بالكوفة وأميرها أبو موسى الأشعري؛ ثم هذا الطاعون أيضاً بالكوفة.
وفيها توفي المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود، أبو عيسى ويقال أبو محمد،
стр. 170
صحابي مشهور، وكان من دهاة العرب، يقال له: مغيرة الرأي، وكان كثير الزواج.
قال المغيرة: تزوجت بسبعين امرأة. وقال مالك: كان المغيرة نكاحاً للنساء، ويقول: صاحب المرأة إن مرضت مرض وإن حاضت حاض؛ وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان. وقال ابن المبارك: كان تحت المغيرة أربع نسوة فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسان الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتنّ الطلاق.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
*** السنة الرابعة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة إحدى وخمسين من الهجرة- فيها حج بالناس معاوية وأخذهم ببيعة ابنه يزيد. وفيها كانت مقتلة حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما. قال ابن الأثير في تاريخه الكامل قال الحسن «١» : أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلّا واحدة لكانت موبقة:
انتزاؤه «٢» على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشهورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلاه من حجر! ويا ويلاه من أصحاب حجر!! وفيها توفي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى أبو الأعور القرشي العدوي الصحابي؛
стр. 171
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، كان أميراً على ريع «١» المهاجرين، وولي دمشق نيابة عن أبي عبيدة بن الجراح وشهد فتحها، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها بعد بدر. وقال الواقدي: توفي سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقبره بالمدينة ونزل في قبره سعد وابن عمر، وكان رجلاً آدم طويلاً أشعر. وفيها توفي أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد [بن «٢» ] عوف بن غنم بن مالك بن النجار، الخزرجىّ النجّارىّ المدني الصحابي، شهد بدراً والعقبة، وعليه نزل رسول الله ﷺ لما قدم المدينة فبقي في داره شهراً حتى بنيت حجرته ومسجده، وكان من نجباء الصحابة ﵃ أجمعين. وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها رسول الله ﷺ سنة سبع من الهجرة، وروى عنها مولياها عطاء وسليمان ابنا يسار وابن أختها يزيد بن الأصم وابن أختها عبد الله بن عباس وابن أختها عبد الله ابن شداد بن الهاد وجماعة أخر؛ وكانت قبل النبي ﷺ عند أبى رهم ابن عبد العزّى العامرىّ فتأيّمت منه، فخطبها رسول الله ﷺ فجعلت أمرها إلى العباس فزوجها منه، وبنى بها بسرف بطريق مكة لما رجع من عمرة القضاء، وهي أخت لبابة الكبرى زوجة العباس ولبابة الصغرى آم خالد بن الوليد، وأخت أسماء بنت عميس لأمها، وأخت زينب بنت خزيمة أيضاً لأمها.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعاً وثلاثة وعشرون إصبعاً. وفي درر التيجان: وستة وعشرون إصبعا.
стр. 172
*** السنة الخامسة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة اثنتين وخمسين- فيها شتى بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم (وهو بضم الموحدة وسكون السين المهملة) .
وفيها حج بالناس سعيد بن العاص. وفيها توفي أبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد فى قول بن الأثير، كان من نجباء الصحابة، شهد العقبة وبدراً وأحداً وقد تقدم ذكره ووفاته في سنة تسع وأربعين. وفيها توفي كعب بن عجرة ولد خمس وسبعون سنة.
وفيها صالح عبيد الله بن أبى بكرة الثقفىّ رتبيل «١» وبلاده على ألف ألف درهم.
وفيها ولد يزيد بن أبي حبيب فقيه أهل مصر. وفيها توفي عمران بن الحصين بن عبيد ابن خلف، أبو نجيد (بضم النون مصغراً) ، الخزاعي صاحب رسول الله ﷺ ولي قضاء البصرة، كان عمر بن الخطاب ﵁ بعثه إليهم ليفقههم. وفيها توفي معاوية بن حديج التجيبي الكندي، وقد تقدم من أخباره نبذ كثيرة فيما تقدم.
وهو من كبار العثمانية وممن كان بخربتا وحارب جيش علي بن أبي طالب ﵁ وقتل محمد بن أبي بكر الصديق وكان من أنياب العرب وكبارها. وفيها خرج زياد بن خراش العجلىّ فى ثلثمائة فارس فأتى أرض مسكن من السواد، فسير إليه زياد خيلاً عليها سعد بن حذيفة أو غيره. فقتلوهم وقد صاروا إلى ماه. وخرج أيضاً على زياد رجل من طيّئ يقال له معاذ، فأتى نهر عبد الرحمن بن أم الحكم في ثلاثين رجلاً، فبعث اليه زياد من قتله وقتل أصحابه، وقيل بل حل لواءه واستأمن؛ ويقال لهم أصحاب نهر عبد الرحمن.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاثة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً.
стр. 173
*** السنة السادسة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ثلاث وخمسين- فيها أستعمل معاوية على الكوفة الضحاك بن قيس الفهرىّ بعد موت زياد بن أبيه، واستعمل على البصرة سمرة بن جندب، وعزل عبيد الله ابن أبي بكرة عن سجستان وولاها لعباد بن زياد بن أبيه، فغزا عباد المذكور قندهار حتى بلغ بيت الذهب، فجمع له الهند جمعاً هائلاً، فقاتلهم عباد حتى هزمهم، ولم يزل على إمرة سجستان حتى توفي معاوية بن أبي سفيان. وفيها توفّى عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق في نومة نامها، واسم أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان التيمي القرشي الصحابي، مات بمكة وكان شجاعاً رامياً، أسلم قبل الفتح. وفيها توفي عمرو بن حزم الخزرجي الصحابي، استعمله النبي ﷺ على نجران، وكان من نجباء «١» الصحابة. وفيها شتى عبد الرحمن بن أم الحكم بأرض الروم. وفيها أقام الموسم سعيد بن العاص. وفيها أمر معاوية على خراسان عبيد الله بن زياد.
وفيها قتل عابد بن ثعلبة البلوي أحد الصحابة، قتله الروم بالبرلس. وفيها فتحت رودس (جزيرة في البحر) فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي ونزلها المسلمون وهم على حذر من الروم، وكانوا أشد شيء على الروم يعترضونهم في البحر ويأخذون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، وكان العدو قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم ابنه يزيد. وفيها توفّى زياد بن أبيه، كان ولي الكوفة والبصرة والعراق لمعاوية، وكان من دهاته»
؛ وقال مسكين الدارمىّ يرثيه بقوله:
رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهاراً حين ودعنا زياد
стр. 174
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
*** السنة السابعة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة أربع وخمسين- فيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة وولاها لمروان بن الحكم ثانية.
وفيها غزا عبيد الله بن زياد وقطع النهر وعدى إلى بخارا على الإبل، فكان أوّل عربىّ قطع النهر، وافتتح بها البلاد. وفيها وجه الضحاك بن قيس من الكوفة ابن هبيرة الشيباني إلى غزو طبرستان، فصالحه أهلها على خمسمائة ألف درهم. وفيها عزل معاوية سمرة ابن جندب عن البصرة وولاها لعبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي. وفيها حج بالناس مروان بن الحكم أمير المدينة، وقال ابن الأثير «١» : سعيد بن العاص، وكان عامل المدينة. وفيها توفي أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبىّ، حبّ رسول الله ﷺ وابن حبه ومولاه، كنيته أبو زيد، وقيل أبو محمد، وقيل أبو حارثة. ففي الصحيح عن أسامة قال: كان النّبيّ ﷺ يأخذني والحسين ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما» . وأمة أم أيمن بركة حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته، وكان أسود كالليل وأبوه أبيض أشقر، قاله إبراهيم بن سعد. وفيها توفي ثوبان مولى رسول الله ﷺ . وفيها توفي جبير «٢» بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي الصحابي، أسلم بعد بدر وحضر عدّة مشاهد مع النبي ﷺ . وفيها توفي حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام
стр. 175
النجّارىّ الصحابىّ شاعر رسول الله ﷺ المؤيد بروح القدس وعاش هو وأبوه وجده وجد أبيه كل واحد مائة وعشرين سنة. وفيها توفي سعيد بن يربوع المخزومي الصحابي عن مائة وعشرين سنة أيضاً، أسلم في الفتح. وفيها توفّى عبد الله ابن أنيس الجهني الصحابي حليف الأنصار شهد العقبة. وفيها توفّى حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد أبو خالد الأسدي الصحابي ابن أخى خديجة زوجة النّبيّ ﷺ ، أسلم في الفتح وكان سيداً شريفاً، ولد في جوف الكعبة وأعتق في الجاهلية والإسلام مائتي رقبة وجاوز مائة السنة من العمر. وفيها توفي أبو قتادة الأنصاري السلمي فارس رسول الله ﷺ وأسمه الحارث بن ربعي. وكان من نجباء الصحابة ﵃. وفيها توفي مخرمة بن نوفل الزهري الصحابي عن مائة وخمس عشرة سنة، وكان من المؤلفة قلوبهم، والمسور هو ابنه. وفيها مات فيروز «١» الديلمي وكانت له صحبة وكان مع معاوية وأستعمله على صنعاء. وفيها مات فضالة ابن عبيد الأنصاري بدمشق وكان قاضيها، وقيل في موته غير ذلك، شهد أحداً وما بعدها. وخرجت «٢» هذه السنة وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة، وعلى خراسان خليد بن يربوع الحنفي (وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون الياء المعجمة باثنتين من تحت) .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع.
стр. 176
*** السنة الثامنة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة خمس وخمسين- فيها عزل معاوية عن البصرة عبد الله الثقفي وولاها لعبيد الله بن زياد. وفيها حج بالناس مروان بن الحكم أمير المدينة. وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة وولّاها الضحّاك بن قيس. وفيها توقى أبو اليسر (بفتح الياء المثناة من تحت والسين) السّلمىّ (بفتحتين أيضا) اسمه كعب بن عمرو، وهو من أعيان الصحابة الأنصار، وهو الذي أسر العباس يوم بدر وشهد العقبة مع النّبيّ ﷺ وله عشرون سنة. وفيها توفي سعد بن أبي وقاص وأسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مرة، كنيته أبو إسحاق الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد السابقين الأوّلين، كان يقال له: فارس الإسلام، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكأن مقدم الجيوش في فتح العراق، وكان مجاب الدعوة كثير المناقب وشهد بدراً. وروى عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى رابغ وهي من جانب الجحفة، فانكفأ المشركون على المسلمين فحماهم سعد يومئذ بسهامه، وهو أول قتال كان فى الإسلام؛ فقال سعد:
ألا هل «١» آتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
فما يعتد رامٍ في عدو ... بسهمٍ يا رسول الله قبلي
وفيها توفي الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهو الذي كان النبي ﷺ يختفي في داره بمكة، وكان عمره ثمانين سنة وزيادة، وقيل مات يوم مات أبو بكر الصديق ﵁.
стр. 177
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وستة أصابع.
*** السنة التاسعة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ست وخمسين- فيها عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن خراسان وولى عليها سعيد بن عثمان بن عفان، فغزا سعيد سمرقند ومعه المهلب بن أبي صفرة الأزدي وطلحة الطلحات وأوس بن ثعلبة، وخرج إليه الصّغد «١» فقاتلوه فألجأهم إلى مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهائن. وفيها شتى المسلمون بأرض الروم. وفيها توفيت أم المؤمنين جويرية المصطلقية، وقيل: إنها ماتت في سنة خمسين، وهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقي، سباها النبي ﷺ يوم المريسيع في السنة الخامسة، وكان اسمها برة فغير النبي ﷺ اسمها وتزوجها وجعل صداقها عتق جماعة من قومها، ثم قدم أبوها الحارث بن أبي ضرار على النبي ﷺ .
وعن جويرية قالت: تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت عشرين سنة، وكانت قبل النبى ﷺ عند ابن عمّهاصفوان ذى «٢» الشفر. وفيها غزا يزيد بن شجرة في البحر، وفي البر عياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب.
وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها كانت البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد. وفيها توفي عبد الله بن قرط الأزدي الصحابي أمير حمص.
стр. 178
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبعان.
*** السنة العاشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة سبع وخمسين- فيها وجه معاوية حسان بن النعمان الغساني إلى إفريقية، فصالحوه «١» من يليه من البربر وضرب عليهم الخراج وبقي عليها حتى توفي معاوية وتخلف ابنه يزيد. وفيها عزل معاوية الضحاك عن الكوفة وولاها عبد الرحمن بن أم الحكم. وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.
وفيها عزل معاوية سعيد بن عثمان عن خراسان وأعاد عليها عبيد الله بن زياد.
وفيها شتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. وفيها توفي السائب بن أبي وداعة السهمي الصحابي وكان أسر يوم بدر وأسلم بعد ذلك. وفيها توفى عثمان بن طلحة ابن شيبة العبدري، وقيل في سنة تسع وخمسين وهو جد بني شيبة حجبة الكعبة، وأسلم يوم الفتح، وقيل يوم حنين. وفيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد «٢» الجهني في البحر، وقيل جنادة بن أبي أمية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعاً.
стр. 179
*** السنة الحادية عشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ثمان وخمسين- فيها غزا عقبة بن نافع من قبل مسلمة بن مخلد القيروان واختط عقبة مدينة القيروان وابتناها. وفيها توفيت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ فقيهة نساء هذه الأمة، وكنيتها أم عبد الله التيمية، دخل بها النبي ﷺ في شوال بعد بدر ولها من العمر تسع سنين، وهي أحب نساء النبي ﷺ «١» إليه بعد خديجة، روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة. قال رسول الله ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، وقالت: قال رسول الله ﷺ يوماً: «يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام» فقالت: ﵇ ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى. وعن عائشة: أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. رواه الترمذي وحسنه.
قلت: وفضل ومناقب عائشة كثيرة وكانت وفاتها في شهر رمضان، وقال الواقدي: في ليلة سابع عشر رمضان ودفنت بالبقيع ليلا، فلم ترليلة أكثر ناساً منها، وصلى عليها أبو هريرة، وماتت ولها ست وستون سنة ﵂. وفيها عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة وأستعمل عوضه عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي وهو ابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية، وفي عمله في هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم، فجمعهم حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين
стр. 180
الطائي فخطباهم وحثاهم على الجهاد، فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا [إلى بانقيا «١» ] فسار الجيش إليهم من الكوفة فقتلوهم جميعاً؛ ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة لسوء سيرته فلحق بخاله معاوية فولاه مصر فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر فقال: ارجع إلى خالك فلا «٢» تسرفينا سيرتك في إخواننا أهل الكوفة، فرجع إلى معاوية؛ ثم توجه ابن حديج إلى معاوية في السنة يعاتبه كما نذكره إن شاء الله تعالى بعد وفاة أبي هريرة. وفيها توفي أبو هريرة وقيل في التي بعدها، والأكثر على أن وفاته في هذه السنة. وفي اسم أبي هريرة واسم أبيه أقوال كثيرة.
قال أبو عبد الله الذهبي: أشهرها عبد الرحمن بن صخر، وكان اسمه قبل الإسلام عبد شمس. وقال: كناني أبي بأبي هريرة لأني كنت أرعى غنماً فوجدت أولاد هرة وحشية فأخذتها «٣» ، فقال: أنت أبو هريرة. وهو من المكثرين من الصحابة، وهو دوسي، ودوس: قبيلة من الأزد، ومات وله ثمان وسبعون سنة. وفيها وفد معاوية ابن حديج على معاوية بن أبي سفيان الخليفة، وكان إذا قدم معاوية على معاوية زينت له الطرق [بقباب «٤» الريحان] تعظيماً لشأنه، فدخل على معاوية وعنده أخته أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: بخٍ بخٍ! هذا معاوية بن حديج؛ فقالت: لا مرحبا «سماعك بالمعيدي خير من أن تراه» ؛ فسمعها معاوية ابن حديج فقال: على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت
следующие страницы →