← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بالحنك، متقلدا سيفا مذهّبا؛ فيدخل أهله عند القصر في أخصّ مكان لا يصل الأمراء إليه؛ ويدخل الوزير من باب القصر راكبا وحده إلى دهليز العمود، فينزل على مصطبة هناك ويمشى إلى القاعة ويجلس بها. فإذا دخلت الدّابة لركوب الخليفة وأسندت إلى الكرسىّ الذي يركب عليه الخليفة من باب المجلس أخرجت المظلّة إلى حاملها، فيكشفها بإعانة جماعة من الصقالبة «١» برسم خدمتها، فيركزها في آلة من حديد متّخذة شكل القرن المصطحب «٢» ، وهو مشدود في ركاب حاملها الأيمن بقوّة وتأكيد بعقبها، فيمسك العمود بحاجز فوق يده فيبقى وهو منتصب لا يضطرب فى ريح عاصف. ثمّ يخرج السيف فيتسلّمه حامله، ويرخى له ذؤابة «٣» ما دام حاملا له. ثمّ تخرج الدواة فيتسلّمها حاملها، وهو من الأستاذين المحنّكين، وهى الدواة التى كانت من أعاجيب الزمان، وهى من الذهب، وحليتها من المرجان، تلفّ في منديل شرب بياض مذهب. وفيها يقول بعض الشعراء: ألين لداود الحديد كرامة ... فقدّره في السّرد كيف يريد ولان «٤» لك المرجان وهو حجارة ... على أنّه صعب المرام شديد ثمّ يخرج الوزير ومن معه وينضمّ إليه الأمراء، فيقف إلى جانب الدّابة، فيرفع صاحب [المجلس «٥» ] السّتر، فيخرج منه الخليفة بالهيئة المشروحة قبل تاريخه: من

стр. 1157

الثياب والمنديل الحامل لليتيمة بأعلى جبهته، وهو محنّك مرخى الذؤابة مما يلى جانبه الأيسر، متقلّد سيفا عربيا «١» وبيده قضيب الملك، وهو طول شبر ونصف، من عود مكسوّ بالذهب المرصّع بالجوهر؛ فيسلّم على الوزير قوم مرتّبون لذلك، ويسلّمون على أهله وعلى الأمراء بعدهم. ثمّ يخرجون شيئا بعد شىء إلى أن يبقى الوزير فيخرج بعدهم، ويركب ويقف قبالة باب القصر إلى أن يخرج الخليفة وحوله الأستاذون، ودابّته تمشى على بسط مفروشة خيفة أن تزلق على الرّخام. فعند ما يقرب من الباب يضرب رجل ببوق من ذهب لطيف معوجّ الرأس، يقال له العربانة «٢» ، بصوت عجيب يخالف أصوات البوقات، فتضرب أبواق الموكب وتنشر المظلّة، ويخرج الخليفة من الباب فيقف مقدار ما يركب الأستاذون المحنّكون وأرباب الرتب الذين كانوا بالقاعة. ثمّ يسيرون والمظلّة على يسار الخليفة وصاحبها يبالغ ألّا يزول عنه ظلّها، وصبيان الركاب، منهم جماعة كبيرة من الشكيمتين، وجماعة أخرى في عنق الدّابة، وجماعة أخرى في ركابيه. فالأيمن مقدّم المقدّمين، وهو صاحب المقرعة التى يناولها [للخليفة ويتناولها منه «٣» ] ، ويؤدّى عن الخليفة الأوامر والنواهى مدّة ركوبه. ويسير «٤» الموكب وبأوّله أخلاط بعض العسكر، ثمّ الأماثل، ثمّ أرباب المناصب، ثم أرباب الأطواق، ثمّ الأستاذون المحنّكون، ثمّ حاملا لواءى الحمد من الجانبين،

стр. 1158

ثمّ حامل الدّواة، وموضعها من حاملها بينه وبين قربوس السّرج، ثمّ صاحب السيف وهما في الجانب الأيسر. وكلّ ممّن تقدّم ذكره بين «١» العشرة والعشرين من أصحابه. وأهل الوزير من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنّكين؛ ثمّ الخليفة وحوله صبيان الرّكاب المذكورة تفرقة «٢» السلاح [فيهم] ، وهم ما يزيد على ألف رجل، وعليهم المناديل الطبقيّات يتقلّدون بالسيوف، وأوساطهم مشدودة بمناديل، والسلاح مشهور بأيديهم، من جانبى الخليفة كالجناحين، وبينهم فرجة لوجه الدّابة ليس فيها أحد. وبقرب من رأس الدّابة صقلبيّان محمّلان مذبّتين، كلّ واحدة، كالنخلتين، لما يسقط من طائر وغيره؛ وهو سائر على تؤدة ورفق. وبطول «٣» الموكب والى القاهرة رائح وعائد يفسح الطرقات ويسيّر الفرسان، فيلقى في عوده الإسفهسالار كذلك «٤» فى حثّ الأجناد في الحركة وينكر على المزاحمين. ويلقى أيضا في عوده صاحب الباب بمن في زمرة الخليفة إلى أن يصل إلى الإسفهسالار، فيعود لترتيب الموكب، وبيد كلّ منهم دبّوس. وخلف دابة الخليفة قوم من صبيان الركاب لحفظ أعقابه، وخلفهم أيضا أخر يحمل كلّ واحد سيفا في خريطة ديباج أحمر وأصفر بشراريب، يقال لها «سيوف الدم» لضرب الأعناق. ثمّ صبيان السلاح الصغير أرباب الفرنجيات [المقدّم ذكرهم «٥» ] أوّلا. ثمّ يأتى الوزير وفي ركابه قوم من أصحابه وقوم يقال لهم صبيان الزّرد من أقوياء الأجناد، يختارهم «٦» لنفسه نحو من خمسمائة رجل من جانبيه، كأنّه على قلق من

стр. 1159

حراسة الخليفة، ويجتهد ألّا يغيب عن نظره «١» ، وخلفه الطّبول والصّنوج والصفافير، بحيث تدوّى منهم الدنيا في عدد كثير. ثمّ يأتى حامل الدّرقة والرمح. ثمّ طوائف «٢» الراجل «٣» من الركابيّة والجيوشيّة وقبلهما المصامدة، ثمّ الفرنجية، ثمّ الوزيريّة زمرة بعد زمرة في عدد وافر يزيد على أربعة آلاف نفر، ثمّ أصحاب الرايات، ثمّ طوائف العساكر من الامريّة والحافظيّة والحجريّة الكبار والحجريّة الصّغار والصّقلّيّة «٤» ، ثمّ الأتراك المصطنعون «٥» ، ثمّ الديلم، ثم الأكراد والغزّ المصطنعة وهم البحريّة. ويقدم هذه الفرسان عدّة وافرة من المترجّلة أرباب قسىّ اليد وقسىّ الرّجل في نيّف وخمسمائة نفر، وهم المعدّون للأساطيل، وجملتهم نحو ثلاثة آلاف وأكثر. وهؤلاء الذين ذكرناهم بعض من كلّ لا جميع عسكر الخليفة. ثمّ يدخلون من باب الفتوح ويقفون بين القصرين كما كانوا. فإذا وصل الخليفة إلى موضع جامع الأقمر الآن وقف وقفة وانفرج الموكب، فيمرّ الموكب بالخليفة، ويسكع «٦» الوزير ليظهر للناس خدمته، ويشير إليه الخليفة

стр. 1160

بالسلام إشارة خفيفة؛ وهذه أعظم مكارمة تصدر عن الخليفة، وهى للوزير صاحب السيف خاصّة؛ فيسبق إذا لدخول الباب بالقصر راكبا إلى موضعه على العادة، خاصّة له، والأمراء مشاة. فيصل الخليفة إلى الباب وقد ترجّل الوزير وقبله الأستاذون المحنّكون، فيحدقون به، والوزير أمام الدّابة إلى أن ينزل الخليفة؛ فيخرج الوزير ويركب من مكانه، والأمراء في خدمته وأقاربه بين يديه، فيسيرون إلى داره فيسلّمون وينصرفون إلى أماكنهم، فيجدون قد أحضر إليهم المقرر من الخليفة، يأمر بضرب دنانير ورباعيّة ودراهم في العشر الأخير من ذى الحجة، عليها تاريخ السنة التى ركب فيها؛ فيحمل للوزير منها شىء كثير وإلى أولاده وأقاربه، ثم إلى أرباب الرتب من أرباب السيوف والأقلام، من عشرة دنانير إلى رباعىّ إلى قيراط وإلى دينار واحد، فيقبلون ذلك تبرّكا. ولا ينقطع «١» الركوب من أوّل العام إلّا متى شاء، ولا يتعدّى ما ذكرناه في يومى السبت والثلاثاء. فإذا عزم على الركوب في هذه الأيّام أعلم بذلك، وعلامته إنفاق الأسلحة في صبيان الركاب من خزائن السلاح. وكان أكثر ركوبه إلى مصر. فإذا ركب ركب الوزير وراء الخليفة في أقلّ جمع مما تقدّم ذكره في ركوب أوّل العام. فيشقّ الخليفة القاهرة إلى جامع أحمد بن طولون إلى المشاهد «٢» إلى درب «٣»

стр. 1161

الصّفا، ويقال له الشارع، الأعظم إلى دار الأنماط «١» إلى جامع مصر، فيجد ببابه الشريف الخطيب واقفا على مصطبة فيها محراب مفروش بحصير معلّق عليه سجادة، وفي يده مصحف، يقال: إنه بخط علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وهو من خاصله «٢» ، فيناول الشريف الخليفة المصحف فيأخذه ويقبّله ويتبارك به، ويعطيه صاحب الخريطة المقرّر «٣» للصلاة ثلاثين دينارا، وهى رسمه كلّما مرّ به الخليفة، فيعطيها الشريف إلى مشارف الجامع، فيأخذ منها أربعة عشر دينارا، ويفرّق الباقى على «٤» القامة والمؤذنين خاصّة. ثمّ يسير الخليفة إلى دار «٥» الملك، فينزلها والوزير معه؛ وكلّما مرّ من القصر إلى دار الملك بمسجد أعطى قيّمه دينارا. ثمّ تأتى المائدة من القصر وعدّتها خمسون

стр. 1162

شدّة «١» على رءوس الفرّاشين مع صاحب المائدة، وهو أستاذ جليل إلّا أنّه ليس بمجنّك؛ وفي كلّ شدّة طيفور «٢» ، فيه الأوانى الخاصّ، فيها من الأطعمة الخاصّ من كلّ نوع شهىّ وكلّ صنف من المطاعم العالية، وله روائح عبقة مسك «٣» أرخية وعلى كلّ شدّة طرحة حرير تعلو الشدّة. فيحمل الخليفة إلى الوزير منها جزءا وافرا، ويعطى الأمراء ومن حضر، ثم يوصل إلى أهل مصر من ذلك كثيرا من الفضلات. ثمّ يصلّى الخليفة العصر ويتحرّك إلى العود، والناس في الطريق جلوس لنظره. وزيّه في هذه الأيام لبس الثياب البياض المذهّبة والملوّنة، وهى العمامة، والمنديل مشدود، وشدّته مفردة عن شدّات الرعيّة وذؤابته تقرب من الجانب الأيسر؛ ويتقلّد السيف العربىّ «٤» المجوهر بغير حنك ولا مظلّة ولا يتيمة، ولذلك أوقات مخصوصة، فلا يمرّ بمسجد في طريقه إلّا ويعطى قيّمه دينارا، كما جرى فى الرّواح. وينعطف من [باب «٥» ] الخرق، فيدخل من بابى زويلة، ويشقّ القاهرة إلى القصر. ويكون ذلك من المحرّم إلى شهر رمضان؛ كما مرّ في أوّل العام.

стр. 1163

وكان إذا ركب في أوّل العام يكتب إلى ولاة الأعمال والنوّاب سجلات مخلّقة يذكر فيها ركوب الخليفة. وهذا كلّه سوى ركوبه في شهر رمضان إلى الخطبة، على ما سنذكر إن شاء الله تعالى. ذكر ركوب الخليفة في يومى عيد الفطر والنّحر إذا تكمّلت عدّة شهر رمضان، وهى عندهم أبدا ثلاثون يوما، وتهيّأت الأمور، كما تقدّم ذكره، ركب الخليفة بالمظلّة «١» واليتيمة «٢» ، ولباسه في هذا اليوم الثّياب البياض الموشّحة، وهى أجلّ لباسهم؛ والمظلّة أبدا زيّها تابع لزىّ ثياب الخليفة. ويخرج الخليفة من باب العيد إلى المصلّى «٣» ، وعساكره وأجناده من الفرسان والرجّالة زائدة على العادة موفورة العدد، فيقفون صفّين من باب العيد إلى المصلّى. [ويكون صاحب بيت المال قد تقدّم «٤» على الرسم لفرش المصلّى، فيفرش الطرّاحات على رسمها فى المحراب مطابقة؛ ويعلّق سترين يمنة ويسرة] ، على الستر الأيمن الفاتحة وسبّح اسم ربّك الأعلى، وعلى الأيسر الفاتحة وهل أتاك حديث الغاشية؛ ويركز

стр. 1164

فى جانبى المصلّى لواءين مشدودين على رمحين قد لبّست أنابيبهما من الفضّة، ويرخيهما. فيدخل الخليفة من شرقىّ المصلّى إلى مكان يستريح فيه قليلا، ثم يخرج محفوظا كما يخرج للجمعة، فيصلّى بالتكبيرات المسنونة والقوم من ورائه على ترتيبهم في صلاة الجمعة. ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة سبّح اسم ربّك الأعلى، وفي الأخرى الغاشية؛ ثم يصعد إلى ذروة المنبر وعليها طرّاحة سامان «١» أو دبيقىّ «٢» ، وباقى درجه مستور بالأبيض. ويقف الوزير أسفل المنبر ومعه قاضى القضاة وصاحب الباب [و] إسفهسالار «٣» العساكر وصاحب السيف وصاحب الرّسالة وزمام القصر «٤» وصاحب دفتر المجلس وصاحب المظلّة وإمام «٥» الأشراف الأقارب وصاحب بيت المال وحامل الرمح ونقيب الأشراف الطالبيين. فيشير الخليفة إلى الوزير فيصعد ويقبّل رجله بحيث يراه الناس، ثمّ يقف على يمينه. ثمّ يشير إلى القاضى فيصعد إلى سابع «٦» درجة، فيشير إليه الخليفة فيخرج من كمّه درجا «٧» أحضر إليه أمس من ديوان الإنشاء قد عرض على الخليفة والوزير؛ فيقرؤه معلنا؛ وأوّله البسملة ويليها «ثبت «٨» بمن شرّف بصعوده المنبر الشريف فى يوم كذا من سنة كذا من عبيد أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، بعد صعود السيّد الأجل ... » ويذكر الوزير بألقابه

стр. 1165

ونعوته. ومرّة يشرّف الخليفة أحدا «١» من أقارب الوزير، فيستدعيه القاضى. ثمّ يتلو «٢» ذلك ذكر القاضى [وهو القارئ «٣» ] فلا يسع القاضى أن يقول نعوت نفسه بل يقول [المملوك «٤» ] فلان [بن فلان «٥» ] . وقرأه [مرّة «٦» ] ابن [أبى «٧» ] عقيل القاضى فقال «٨» عن نفسه: العبد الذليل، المعترف بالصنع الجميل، فى المقام الجليل، أحمد بن عبد الرّحمن بن [أبى] عقيل. أو غير ذلك بحسب ما يكون اسم القاضى. ثمّ يستدعى من ذكرنا وقوفهم على باب المنبر، فيصعدون، وكّل له مقام يمنة أو يسرة؛ ثمّ يشير إليهم الوزير فيأخذ كلّ واحد نصيبا من اللواء الذي يحاذيه، فيسترون الخليفة ويستترون؛ ثمّ يخطب الخليفة خطبة بليغة. فإذا فرغ كشفوا ما بأيديهم من الألوية وينزلون أوّلا بأوّل القهقرى. ثمّ ينزل الخليفة إلى مكانه الذي خرج منه، ويركب في زيّه المفخّم إلى قريب من القصر؛ فيتقدّمه الوزير، كما ذكرنا، ويدخل من باب العيد، فيجلس فى الشّباك، وقد نصب منه إلى فسقية كانت في وسط الإيوان سماط طوله عشرون قصبة، عليه من الخشكنان «٩» والبستندود «١٠» والبرماورد «١١» مثل الجبل الشاهق، وفيه «١٢» كلّ قطعة منها ربع قنطار فما دون ذلك إلى رطل؛ فيدخل الناس فيأكلون

стр. 1166

ولا منع ولا حجر، فيمرّ ذلك بأيدى الناس وليس هذا ممّا يعتدّ به، بل يفرّق إلى الناس، ويحمل إلى دورهم. ونذكر مصروفها في ترجمة العزيز؛ فإنّه أوّل من رتّبها فى عيد الفطر خاصّة. *** وأمّا سماط الطعام [ففى يوم عيد «١» الفطر اثنتان] أولى وثانية، وفي عيد النحر مرّة واحدة. ويعبّى السّماط في الليل، وطوله ثلثمائة ذراع في عرض سبع أذرع، وعليه من أنواع المأكل أشياء كثيرة. فيحضر إليه الوزير أوّل صلاة الفجر والخليفة جالس في الشبّاك، ومكّنت الناس منه فاحتملوا ونهبوا ما لا يأكلونه، ويبيعونه ويدّخرونه. وهذا قبل صلاة العيد. فإذا فرغ من صلاة العيد مدّ السّماط المقدّم ذكره فيؤكل، ثمّ يمدّ سماط ثان من فضّة، يقال له المدوّرة، عليها أوانى الفضّة والذهب والصّينى، فيها من الأطعمة الخاصّ ما يستحى من ذكره. والسّماط بطول القاعة؛ وهو خشب مدهون شبه الدكك اللاطية، عرضه عشر أذرع. ويحطّ في وسط السماط واحد وعشرون طبقا في كلّ طبق واحد وعشرون خروفا؛ ومن الدجاج ثلثمائة وخمسون طائرا، ومن الفراريح مثلها، ومن فراخ الحمام مثلها. وتتنوّع الحلوى أنواعا؛ ثم يمدّ بخلل تلك الأطباق أصحن خزفيّات في جنبات السّماط، فى كلّ صحن تسع دجاجات في ألوان فائقة من الحلوى، والطّباهجة «٢» المفتقة بالمسك الكثير. وعدّة الصحون خمسمائة صحن، مرتّب كلّ ذلك أحسن ترتيب. ثم يؤتى بقصرين من حلوى قد عملا بدار الفطرة، زنة كلّ واحد سبعة عشر قنطارا؛ فيمضى بواحد من طريق

стр. 1167

قصر الشوك «١» إلى باب الذهب، ويشقّ بالآخر من الجانب «٢» الآخر، فينصبان أوّل السّماط وآخره. ثمّ يخرج الخليفة راكبا فينزل على السرير الذي عليه المدوّرة الفضّة، وعلى رأسه أربعة من كبار الأستاذين المحنّكين، وأربعة من خواصّ الفرّاشين. ثمّ يستدعى الوزير فيجلس عن يمينه، والأمراء ومن دونهم [فيجلسون «٣» ] على السّماط؛ فيتداول الناس السّماط، ولا يردّ أحد عنه حتّى يذهب عن آخره؛ فلا يقوم الخليفة إلّا قريب «٤» الظهر. ثم يخرج الوزير ويذهب إلى داره؛ ويعمل سماط يقارب سماط الخليفة. وهكذا يقع في عيد النحر في أوّل يوم منه. انتهى الركوب في عيد الفطر. *** وأمّا ركوب الخليفة في عيد الأضحى، فهو أيضا بالزّىّ المقدّم ذكره والصلاة كذلك، إلّا أنّ الركوب يكون في أيّام متتابعة، أوّلها يوم العيد إلى المصلى، ثمّ يركب ثانى يوم ثم ثالث يوم من باب الرّيح، وهو في «٥» ركن القصر، والباب مقابل سعيد السعداء؛ وكان الموضع المذكور فضاء لا عمارة فيه؛ فيخرج الخليفة من باب الريح «٦» ، فيجد الوزير واقفا فيمشى بين يديه إلى المنحر «٧» ، فينحر فيه ماشاء الله أن ينحر، ويعطى الرسوم. ورسوم الأضحية كرسوم ركوب الخليفة أوّل العام،

стр. 1168

ويفرّق الضحايا إلى المساجد وجوامع القاهرة وغيرها. فإذا انقضى ذلك خلع الخليفة على الوزير ثيابه الحمر التى كانت عليه، ومنديلا آخر بغير اليتيمة [و] العقد المنظوم عند ما يطلع من المنحر؛ فيشقّ الوزير بذلك القاهرة إلى باب زويلة، ويسلك على الخليج إلى باب القنطرة؛ ويدخل دار الوزارة؛ فلذلك يفضّل عيد النحر على عيد الفطر لكونه يخلع فيه على الوزير. *** وأمّا الركوب لفتح خليج السدّ «١» عند وفاء النيل، فهو يضاهى ركوبّهم في أوّل العام. نذكر منه على سبيل الاختصار نبذة يسيرة. إذا كان ليالى الوفاء حمل إلى المقياس «٢» من المطابخ نحو عشرة قناطير خبز، وعشرة خراف مشويّة، وعشر جامات حلوى، وعشر شمعات، وتوجّه القرّاء وأرباب الجوامع فيقرءون تلك الليلة بجامع المقياس «٣» حتّى يكون الوفاء؛ فيهتم الخليفة لذلك ويركب ويستدعى الوزير على العادة، ويسير بالزىّ المقدّم من غير مظلّة، وينزل بالصناعة «٤» ؛ ثمّ يركب

стр. 1169

العشارى، ويدخل البيت المذهّب في العشارى «١» ، ومعه من شاء من المحنّكين ولا تزيد عدّتهم على أربعة نفر. ويطلع إلى العشارى خواصّ الخليفة وخواصّ الوزير؛ وهم اثنان أو ثلاثة؛ والناس كلّهم فيه قيام إلّا الوزير فإنّه يجلس. ثمّ يمرّ العشارى إلى المقياس؛ ثم تساق أشياء من التجمّل يطول شرحها من جنس ركوبه أوّل العام «٢» . ثمّ يخرج بعد فراغه من تخليق «٣» المقياس ويركب العشارى ويعود إلى دار الملك بمصر وتارة إلى المقس، ومن أحدهما إلى القاهرة في زىّ مهول من كثرة ما يهتمّ له من العساكر والزينة والسلاح. ويكون هذا الركوب أولى وثانية؛ فالأولى في ليلة يتوجّه القرّاء، والثانية يوم فتح الخليج. وعند ما يفتح الخليج ينشده الشعراء في المعنى. فمن ذلك: فتح الخليج فسال منه الماء ... وعلت عليه الراية البيضاء فصفت موازده لنا فكأنّه ... كفّ الإمام فعرفها الإعطاء

стр. 1170

*** وأمّا ركوبهم في المواكب في يومى الاثنين والخميس وغير ذلك، فأمر عظيم. فأوّل الركوب ركوب [متولّى «١» ] دفتر المجلس بالقصر الباطن. ويتضمّن هذا الركوب الإنعام بالعطاء بأداء الرسوم والعطايا المفترقة في غرّة السنة، ثم يأتى ركوب وثالث ورابع وخامس. *** وأمّا خزانة الكتب «٢» ، فكانت في أحد مجالس البيمارستان «٣» العتيق اليوم، كان فيها ما يزيد على مائة «٤» ألف مجلد في سائر العلوم، يطول الأمر في عدّتها.

стр. 1171

وقد اختصرنا من أمور الفاطميين نبذة كثيرة خشية الإطالة والخروج عن المقصود، وفيما ذكرناه كفاية، ويعلم به أيضا أحوالهم بالقياس «١» . وربّما يأتى ذكرهم في عدة تراجم أيضا؛ فإنّهم ثلاثة عشر خليفة بمصر، نذكرهم إن شاء الله فى هذا الكتاب كلّ واحد على حدته. *** وأمّا خطبة الخليفة في شهر رمضان، فنذكرها من قول ابن عبد الظاهر. قال: «وأمّا عظم الخليفة في أيّامه وما كانت قاعدته وطريقته التى رتّبها ودامت من بعده عادة لكل خليفة فشىء كثير؛ من ذلك: أنّه كان يخطب في شهر رمضان ثلاث خطب ويستريح فيه جمعة، وكانوا يسمّونها جمعة الراحة «٢» . وكان إذا أراد أن يخطب يتقدّم متولّى خزانة الفرش إلى الجامع ويغلق المقصورة التى برسم الخليفة والمنظرة وأبواب مقاصيرها وبادهنج «٣» المنبر ثمّ يركب متولّى بيت المال، وعلى يد كلّ واحد منهما تعليقه «٤» وفرشه، وهى عدّة سجّادات مفروزة «٥» منطّقة وبأعلاها سجادة لطيفة، لا تكشف إلّا عند توجّه الخليفة إلى المحراب. ثم يفرش الجامع بالحصر المحاريب «٦» المفروزة ممّا يلى المحراب- وكان ذلك بجامع الأزهر قبل أن يبنى الحاكم جامعه، ثمّ صار بعد ذلك بجامع الحاكم- ثم يهيّأ للداخل للجامع مثل ذلك، ثم يطلق البخور، وتغلق أبواب الجامع ويجعل عليها الحجّاب والبوّابون؛ ولا يمكّن

стр. 1172

أحد أن يدخله إلّا من هو معروف من الخواصّ والأعيان. فإذا كان حضور الخليفة إلى الجامع ضربت السلسلة من ركن الجامع إلى الوجه الذي قبالته، ولا يمكّن أحد من الترجّل «١» عندها. ثمّ يركب الخليفة، ويسلّم لكلّ واحد من مقدّمى الرّكاب فى الميمنة والميسرة أكياس الذهب والورق سوى الرسوم المستقرّة والهبات والصدقات في طول الطريق. ويخرج الخليفة من باب الذهب والمظلّة بمشدّة الجوهر على رأسه، وعلى الخليفة الطّيلسان «٢» . فعند ذلك يستفتح المقرئون بالقراءة فى ركابه بغير رهجيّة «٣» ، والدكاكين مزيّنة مملوءة بأوانى الذهب والفضّة؛ فيسير الخليفة إلى أن يصل إلى وجه الجامع، ووزيره بين يديه، فتحطّ السلسلة ويتمّ الخليفة راكبا إلى باب جامع الأزهر الذي تجاه درب الأتراك «٤» ، فينزل ويدخل من باب الجامع إلى الدّهليز الأول الصغير ومنه إلى القاعة المعلّقة التى كانت برسم جلوسه، فيجلس فى مجلسه وترخى المقرمة «٥» الحرير، ويقرأ المقرئون وتفتح أبواب الجامع حينئذ. فإذا استحقّ الأذان أذّن مؤذنو القصر كلّهم على باب مجلس الخليفة ورئيس الجامع على باب المنبر وبقيّة المؤذّنين في المآذن. فعند ما يسمع قاضى القضاة الأذان يتوجّه إلى المنبر فيقبّل أوّل درجة، وبعده متولّى بيت المال ومعه المبخرة وهو يبخّر، ولم يزالا يقبّلان درجة بعد درجة إلى أن يصلا ذروة المنبر؛ فيفتح القاضى بيده التزرير ويرفع السّتر، ويتناول من متولّى بيت المال المبخرة ويبخّر هو أيضا، ثم يقبّلان الدّرج أيضا وهما نازلان. وبعد نزولهما يخرج الخليفة والمقرئون بين يديه بتلك الأصوات الشجيّة إلى أن يصل إلى المنبر ويصعد عليه. فإذا صار بأعلاه

стр. 1173

أشار للوزير بالطلوع فيطلع إليه وهو يقبّل الدرج حتّى يصلّ إليه فيزر عليه القبّة، ثمّ ينزل الوزير ويقف على الدرجة الأولى ويجهر المقرئون بالقراءة، ثم يكبّر المؤذّنون ثمّ يشرع المؤذّنون في الصمت، ويخطب الخليفة؛ حتّى إذا فرغ من الخطبة طلع إليه الوزير وحلّ الأزرار فينزل الخليفة، وعن يمينه الوزير وعن يساره القاضى والداعى بين يديه- والقاضى والداعى هما اللذان يوصّلان الأذان إلى المؤذّنين- حتّى يدخل المحراب ويصلّى بالناس ويسلّم. فإذا انقضت الصلاة أخذ لنفسه راحة بالجامع بمقدار ما تعرض عليه الرسوم وتفرّق؛ وهى للنائب في الخطابة ثلاثة دنانير، وللنائب فى صلوات الخمس ثلاثة دنانير، وللمؤذّنين أربعة دنانير، ولمشارف خزانة الفرش وفرّاشها ومتولّيها لكلّ ثلاثة دنانير، ولصبيان بيت المال ديناران، ولمعبّى الفاكهة ديناران. وأمّا القرّاء فكان لهم رسوم غير ذلك. ومن حين يركب الخليفة من القصر إلى الجامع حتى يعود، الصدقات تعمّ الناس» . قلت: وأظنّ أنّ الدينار كان غير دينار زماننا هذا؛ فإنّه قال- بعد ما ذكر لمعبّى الفاكهة دينارين-: فأمّا الفواكه التى كانت تعبى بالجامع فإنّها كانت تباع بجملة كثيرة ويتزاحم الناس على شرائها لبركاتها ويقسم ثمنها بين الإمام والمؤذّنين. قلت: ولعلّ هذا كان رسما للمعبىّ غير ثمن الفاكهة. والله أعلم. ودام هذا الترتيب إلى آخر وقت، إلى أيّام العاضد آخر خلفاء مصر من بنى عبيد. ونذكر أيضا في ترجمة الامر بأحكام الله من العبيديين كيفية خروج الخليفة إلى الجامع بأزيد من هذا عند ما نحكى ما كان يقع له من الوجد في خطبته، إن شاء الله تعالى. انتهى ترجمة المعز لدين الله، رحمه الله تعالى.

стр. 1174

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٣] السنة الاولى من ولاية المعزّ معدّ على مصر، وهى سنة ثلاث وستين وثلثمائة. فيها أعاد عزّ الدولة بختيار النّوح في يوم عاشوراء إلى ما كان عليه. وفيها أظهر الخليفة المطيع ما كان يستره من علّته. وثقل لسانه وتعدّر الحركة عليه للفالج الذي كان ناله قديما، وانكشف ذلك لسبكتكين، فدعا الخليفة المطيع إلى خلع نفسه وتسليم الأمر إلى ولده الطائع لله عبد الكريم ففعل ذلك؛ وعقد له الأمر في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذى القعدة من السنة المذكورة. فكانت خلافته إلى أن خلع نفسه تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يوما. وصورة ما كتب: «هذا ما أشهد على متضمّنه أمير المؤمنين الفضل المطيع لله ابن المقتدر بالله، حين نظر لدينه ورعيّته وشغل بالعلّة الدائمة عمّا كان يراعيه من الأمور الدينية اللازمة، وانقطع إفصاحه عما يجب عليه لله في ذلك، فرأى اعتزال ما كان عليه من هذا الأمر وتسليمه إلى ناهض به قائم بحقّه [ممّن يرى له «١» الرأى] . عقده له وأشهد بذلك طوعا» وذكر التاريخ المذكور. وفي آخره بخط القاضى أبى الحسن محمد بن صالح: «شهد عندى بذلك أحمد بن حامد «٢» بن محمد، وعمر بن محمد ابن أحمد، وطلحة بن محمد بن جعفر» . قلت: وانقطع المطيع بداره، وكان يسمّى بعد ذلك الشيخ الصالح إلى أن مات في سنة أربع وستين وثلثمائة، على ما يأتى ذكره فى الآتية إن شاء الله تعالى. وفيها توفّى عبد العزيز بن أحمد بن جعفر الفقيه الحنبلىّ العالم المشهور، مولده سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وصنّف المصنّفات الكبيرة؛ منها كتاب" المقنع" مائة

стр. 1175

جزء، وكتاب" الكافى" مائتى جزء، و" الشافى" ثمانين جزءا، وأشياء غير ذلك، ومات فى شوّال. وفيها توفّى أبو الفتح على بن محمد بن أبى الفتح البستى الشاعر المشهور، وكان إماما فاضلا، يعانى الجناس. ومن شعره قوله: يأيّها الذاهب في مكره ... مهلا «١» فما المكر من المكرمات عليك بالصحة فهى المنى ... يحيا محيّاك إذا المكرمات وفيها توفّى محمد بن أحمد بن سهل أبو بكر الرّملىّ [المعروف «٢» بابن] النابلسى الزاهد المشهور. بعث إليه كافور الإخشيذىّ بمال؛ فردّه وقال للرسول: قل لكافور قال الله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فالاستعانة بالله وكفى. فردّ كافور الرسول بالمال وقال قل له: (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) فأين ذكر كافور ها هنا! الملك والمال لله. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى جمح بن القاسم المؤذّن. وأبو بكر عبد العزيز بن أحمد بن جعفر «٣» صاحب الخلّال. وأبو بكر محمد ابن أحمد بن سهل الرملىّ ابن النابلسى الشهيد. وأبو العباس محمد بن موسى [ابن «٤» ] السمسار. ومظفّر بن حاجب بن أرّكين «٥» . والنّعمان بن محمد أبو حنيفة المغربىّ الباطنىّ «٦»

стр. 1176

قاضى مملكة المعزّ، وكان حنفىّ المذهب لأنّ الغرب كان يوم ذاك غالبه حنفية، إلى أن حمل الناس على مذهب مالك فقط المعزّ بن باديس الآتى ذكره. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٤] السنة الثانية من ولاية المعزّ معدّ على مصر، وهى سنة أربع وستين وثلثمائة. فيها في المحرّم أوقع العيّارون «١» ببغداد «٢» حريقا من الخشّابين إلى باب «٣» الصغير، فاحترق أكثر هذا السوق، وهلك شىء كثير. واستفحل أمر العيّارين ببغداد حتى ركبوا الجند وتلقّبوا بالقوّاد وغلبوا على الأمور، وأخذوا الحفارة عن الأسواق والدروب. وكان فيهم أسود يقال له الزّبد، كان يأوى" قنطرة الزّبد «٤» " يشحذ وهو عريان. فلمّا كثر

стр. 1177

الفساد رأى هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ بالسيف، فطلب الأسود سيفا ونهب وأغار، وحفّ به طائفة وتقوّى وأخذ أموال الناس، وتموّل حتى اشترى جارية بألف دينار؛ فراودها فتمنعت؛ فقال: ما تكرهين منّى؟ قالت: أكرهك كلّك؛ قال: ما تحبّين؟ قالت: تبيعنى؛ قال: أو [أفعل «١» ] خيرا لك من ذلك؛ فحملها إلى القاضى وأعنقها ووهبها ألف دينار؛ فتعجّب الناس من سماحته. ثمّ خرج إلى الشام فهلك هناك. وفيها خرج الخليفة الطائع ومعه سبكتكين من بغداد في المحترم يريدان واسطا لقتال بختيار؛ فمات الخليفة المطيع الفضل في يوم الاثنين لثمان بقين من المحرّم، وكان المطيع قد خرج مع ولده الخليفة الطائع يريد واسطا، فردّه ولده في تابوت إلى بغداد فدفن بها، ثمّ مات سبكتكين بعده بيوم واحد، فحمل أيضا إلى بغداد. وكان أصل سبكتكين من مماليك عزّ الدولة الأتراك، وخلع عليه الخليفة الطائع بالإمارة عوضا عن أستاذه عزّ الدولة، وخرجا لقتاله فمات. وكانت مدّة إمارته شهرين وثلاثة عشر يوما. ولمّا مات سبكتكين عقد الأتراك لأفتكين «٢» الرّامى مولى معزّ الدولة، وكان أعور، وأطاعوه. وعرض عليه الطائع اللّقب فامتنع واقتصر على الكنية. وعمل على لقاء عزّ الدولة؛ فاستنجد عزّ الدولة بابن عمّه عضد الدولة فنجده؛ وقاتل الأتراك وكسرهم بعد حروب كثيرة. ثمّ طمع عضد الدولة في الإمارة وعزله عزّ الدولة، وخلع عليه الخليفة الطائع مكانه؛ وعظم أمر عضد الدولة بعد ذلك. وفيها توفّى الخليفة المطيع لله أبو القاسم الفضل أمير المؤمنين المقدّم ذكر وفاته لمّا خرج مع ولده الطائع. وهو ابن الخليفة المقتدر جعفر ابن الخليفة المعتضد

стр. 1178

أبى العباس أحمد الهاشمىّ العباسىّ. وأمّه أمّ ولد اسمها مشعلة «١» . بويع بالخلافة بعد المستكفى في سنة أربع وثلاثين وثلثمائة. وكان مولده سنة إحدى وثلثمائة. وخلع نفسه من الخلافة غير مكره لذلك، حسب ما ذكرناه في السنة الماضية؛ ونزل عن الخلافة لولده الطائع، ومات في المحرّم في هذه السنة، كما تقدّم. وفيها توفّى الأمير محمد بن بدر الحمّامى، وكنيته أبو بكر. كان والده بدر الحمّامىّ مولى أحمد بن طولون، وكان أميرا على فارس فمات؛ فقام ولده هذا بعده. قال أبو نعيم: وكان ثقة، مات ببغداد. الذين ذكر الذهبى وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدّينورىّ بن السّنّى. وأبو هاشم عبد الجبّار بن عبد الصمد السّلمىّ. والمطيع لله الفضل بن المقتدر. ومحمد بن بدر الحمّامىّ أمير فارس. ومحمد بن عبد الله ابن إبراهيم السّليطىّ أبو الحسن. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٥] السنة الثالثة من ولاية المعزّ معدّ على مصر، وهى السنة التى مات فيها، حسب ما تقدّم ذكره في ترجمته، وهى سنة خمس وستين وثلثمائة. فيها كتب ركن الدولة أبو على الحسن بن بويه إلى ولده عضد الدولة أبى شجاع: أنّه قد كبرت سنّه ويؤثر مشاهدته، فآجتمعا؛ فقسم ركن الدولة الملك بين أولاده،

стр. 1179

فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان [وأرّجان «١» ] ، ولمؤيّد الدولة الرّىّ وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدّينور، وجعل ولده الأصغر أبا العباس في كنف عضد الدولة. وفيها عاد جواب ركن الدولة إلى عزّ الدولة بما يطيّب خاطره: وكان لمّا بلغ عزّ الدولة ما فعل ركن الدولة من قسمة البلاد بين أولاده كتب إليه يخبره ما عمله عضد الدولة ويسأله زجره عنه، وأن يؤمّنه ممّا يخاف؛ فخاطب ركن الدولة ولده عضد الدولة في الكفّ عنه؛ فشكا إليه عضد الدولة ما عامله عزّ الدولة به وانضمام وزيره ابن بقيّة «٢» عليه؛ فلم يزل به ركن الدولة حتّى أجابه بالكفّ عنه. وفيها خلع على أبى عبد الله «٣» أحمد بن محمد بن عبد الله العلوىّ لإمارة الحاجّ من دار عزّ الدولة، وركب معه أبو طاهر الوزير ابن بقية إلى داره وحجّ بالناس. وفيها حجّ بالناس من مصر من جهة العزيز بن المعزّ، عند ما تخلّف بعد موت أبيه المعزّ، [رجل علوىّ «٤» ] ؛ وأقيمت له الدعوة بمكّة والمدينة بعد أن منع أهل مكّة والمدينة من الميرة، ولاقوا من عدم ذلك شدائد حتى اذعنوا له.

стр. 1180

وفيها توفّى الأمير أبو صالح منصور بن نوح السامانىّ صاحب خراسان، وقام ولده أبو القاسم نوح مقامه وسنّه ثلاث عشرة سنة. وفيها توفّى ثابت بن سنان بن ثابت بن قرّة أبو الحسن صاحب التاريخ؛ كان طبيبا فاضلا، عاشر الخلفاء والملوك، وكان ثقة فريدا في وقته. وفيها توفّى الحسين بن محمد بن أحمد بن ماسرجس الحافظ أبو علىّ الماسرجسىّ. أسلم ماسرجس على يد عبد الله بن المبارك وكان نصرانيّا. أخذ «١» بدمشق عن أصحاب هشام بن عمّار، [و] ما صنّف في الإسلام أكبر من مسنده، وصنّف" المسند الكبير" مهذّبا معلّلا في ألف وثلثمائة جزء، وجمع حديث الزّهرىّ جمعا لم يسبقه إليه أحد [وكان يحفظه «٢» مثل الماء] . وفيها توفّى عبد الله بن عدىّ بن عبد الله بن محمد بن المبارك الحافظ أبو أحمد الجرجانىّ. ويعرف بابن القطّان. رحل إلى الشام ومصر رحلتين؛ أولاهما سنة سبع وتسعين «٣» . قال الذهبىّ: كان لا يعرف العربية مع عجمة فيه، وأمّا في العلل والرّجال فحافظ لا يجارى. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن إسماعيل أبو بكر الشّاشىّ الفقيه الشافعىّ المعروف بالقفّال الكبير، كان إمام عصره بما وراء النهر، ولم يكن للشافعيّة بما وراء النهر مثله.

стр. 1181

وفيها توفّى عبد السلام بن محمد بن أبى موسى أبو القاسم الصوفىّ البغدادىّ، سافر ولقى الشيوخ من أهل الحديث والتصوّف، وجمع بين علم الشريعة والحقيقة. وفيها توفّى عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر أبو الأصبغ «١» الأموىّ الأندلسىّ. ولد بقرطبة ثمّ رحل إلى بخارى واستوطن بها. قال الحاكم أبو عبد الله: سمعته ببخارى يروى أنّ مالك بن أنس كان يحدّث، فجاءت عقرب فلدغته ستّ عشرة مرّة فتغيّر لونه ولم يتحرّك؛ فقيل له في ذلك فقال: كرهت أن أقطع حديث رسول الله ﷺ . أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. والله أعلم بالصواب. ذكر ولاية العزيز نزار على مصر هو نزار أبو منصور العزيز بالله بن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ بن المنصور بالله أبى طاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدىّ أبى محمد عبيد الله العبيدىّ الفاطمىّ المغربىّ ثمّ المصرىّ، ثانى خلفاء مصر من بنى عبيد، والخامس من المهدىّ إليه ممّن ولى من آبائه الخلافة بالمغرب. مولده بالمهديّة من القيروان ببلاد المغرب فى يوم عاشوراء سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة. وخرج مع أبيه المعزّ من المغرب إلى القاهرة ودام بها إلى أن مات أبوه المعزّ معدّ بعد أن عهد إليه بالخلافة. فولى بعده في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستّين وثلثمائة وله اثنتان وعشرون سنة، وملك مصر وخطب له بها وبالشام وبالمغرب والحجاز،

стр. 1182

وحسنت أيّامه. وكان القائم بتدبير مملكته مولى أبيه جوهرا القائد. وكان العزيز كريما شجاعا سيوسا، وفيه رفق بالرعيّة. قال المسبّحىّ: «وفي أيّامه بنى قصر البحر «١» بالقاهرة الذي لم يكن مثله لا في الشرق ولا في الغرب، وقصر الذهب «٢» ، وجامع القرافة «٣» . قلت: وفد محى آثار هؤلاء المبانى حتّى كأنها لم تكن. قال المسبّحىّ: وكان أسمر، أصهب الشعر، أعين أشهل [العين «٤» ] ، بعيد ما بين المنكبين، حسن الخلق، قريبا من الناس، لا يؤثر سفك الدماء؛ وكان مغرى بالصيد، وكان يتصيّد السباع، وكان أديبا فاضلا» . انتهى. وذكره أبو منصور الثعالبىّ في يتيمة الدهر، وذكر له هذه الأبيات وقد مات له ابن في العيد فقال: [المنسرح] نحن بنو المصطفى ذوو محن ... يجرعها في الحياة كاظمنا عجيبة في الأنام محنتنا ... أوّلنا مبتلى وخاتمنا يفرح هذا الورى بعيدهم ... طرّا وأعيادنا مآتمنا

стр. 1183

وأما بناؤه القصر بالبحر فكان في «١» . وقال أبو منصور «٢» أيضا: «سمعت الشيخ أبا الطيّب يحكى أن الأموىّ صاحب الأندلس كتب إليه نزار هذا (يعنى العزيز صاحب مصر) كتابا يسبّه فيه ويهجوه؛ فكتب إليه الأموىّ: «أمّا بعد، قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك» . قال فاشتدّ ذلك على نزار المذكور وأفحمه عن الجواب. يعنى أنه غير شريف وأنّه لا يعرف له قبيلة حتّى كان يهجوه» . انتهى كلام أبى منصور. ولمّا تمّ أمر العزيز بمصر واستفحل أمره وأخذ في تمهيد أمور بلاده، خرج عليه قسأم الحارثىّ وغلب على دمشق. وكان قسّام المذكور من الشّجعان، وكان أصله من قرية «تلفيتا» من قرى «٣» جبل سنّير. كان ينقل التّراب على الحمير؛ وتنقّلت به الأحوال حتّى صار له ثروة وأتباع وغلب بهم على دمشق حتّى لم يبق لنوّابها معه أمر ولا نهى؛ ودام على ذلك سنين. فلمّا ملك العزيز وعظم أمره أراد زواله، فندب إليه جيشا مع تكين «٤» ، فسار تكين إليه وحاربه أيّاما، وصار العزيز يمدّه بالعساكر إلى أن ضعف أمر قسّام واختفى أيّاما، ثم استأمن؛ فقيّدوه وحملوه إلى العزيز إلى مصر.

стр. 1184

وقال القفطىّ غير ذلك، قال: «فغلب على دمشق رجل من العيّارين يعزف بقسّام وتحصّن بها (يعنى دمشق) وخالف على صاحب مصر، فسار لحربه الأمير الفضل من مصر، فحاصر دمشق وضاق بأهلها الحال؛ فخرج قسّام متنكّرا فأخذته الحرس؛ فقال: أنا رسول، فأحضروه إلى الفضل؛ فقال له: أنا رسول قسّام إليك لتحلف له وتعوّضه عن دمشق بلدا يعيش به، وقد بعثنى إليك سرّا؛ فحلف الفضل له. فلمّا توثّق منه قام وقبّل يديه وقال: أنا قسّام؛ فأعجب الفضل ما فعله وزاد في إكرامه وردّه إلى البلد وسلّمه إليه؛ وقام الفضل بكلّ ما ضمنه وعوّضه موضعا عاش به. فلمّا بلغ ذلك العزيز أحسن صلته» . انتهى. وقال الذهبىّ رواية أخرى في أمر قسّام، قال: «وهو الذي يتحدّث الناس أنّه ملك دمشق، وأنّه قسم البلاد، وقدم لقتاله سلمان بن جعفر بن فلاح إلى دمشق بجيش، فنزل بظاهرها ولم يمكنه دخولها؛ فبعث إليه قسّام بخطّه: أنا مقيم على الطاعة. وبلغ العزيز ذلك فبعث البريد إلى سلمان ليردّه؛ فترحّل سلمان من دمشق؛ وولّى العزيز عليها أبا «١» محمود المغربىّ؛ ولم يكن له أيضا مع قسّام أمر ولا حلّ ولا عقد» . انتهى كلام الذهبىّ. قلت: ولعلّ الذي ذكره الذهبىّ كان قبل توجّه عسكرتكين والفضل؛ فإنّ الفضل لمّا سار بالجيوش أخذ دمشق من قسام وعوّضه بلدا، وهو المتواتر. والله أعلم. وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزىّ: «كان العزيز قد ولّى عيسى بن نسطورس «٢» النّصرانىّ ومنشا «٣» اليهودىّ؛ فكتبت إليه امرأة: بالذى أعزّ اليهود بمنشا، والنصارى

стр. 1185

بابن نسطورس، وأذلّ المسلمين بك، إلّا نظرت في أمرى. فقبض العزيز على اليهودىّ والنصرانىّ، وأخذ من ابن نسطورس ثلثمائة ألف دينار» . انتهى. وقال ابن خلكان: وأكثر أهل العلم لا يصحّحون نسب المهدىّ عبيد الله والد خلفاء مصر، حتّى إنّ العزيز في أوّل ولايته صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد هناك ورقة فيها: [السريع] إنّا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدّعى صادقا ... فاذكر أبا بعد الأب الرابع وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع أو فدع «١» الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع فإنّ أنساب بنى هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع فقرأها العزيز ولم يتكلّم. ثمّ صعد العزيز المنبر يوما آخر فرأى ورقة فيها مكتوب: [البسيط] بالظّلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقه إن كنت أعطيت علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقه قال: وذلك لأنّهم ادّعوا علم المغيّبات والنجوم. وأخبارهم في ذلك مشهورة. انتهى كلام ابن خلكان باختصار. وقال غيره: كان العزيز ناهضا، وفي أيّامه فتحت حمص وحماة وحلب، وخطب له صاحب الموصل أبو الذّوّاد «٢» محمد بن المسيّب بالموصل، وخطب له باليمن. ثمّ

стр. 1186

انتقض ما بينه وبين صاحب حلب أبى الفضائل بن سعد الدولة ومدبّر ملكه لؤلؤ بعد وفاة سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب لمّا قتل بكجور وهرب كاتبه (أعنى كاتب بكجور، وهو علىّ بن الحسين المغربىّ) من حلب إلى مشهد الكوفة على البريّة؛ ثم اجتهد حتى وصل إلى مصر، واجتمع بالعزيز هذا وعظّم أمر حلب عنده وكثّرها، وهوّن عليه حصونها وأمر متولّيها أبى الفضائل. قلت: ولؤلؤ وأبو الفضائل يأتى بيان ذكرهما فيما يقع بينهما وبين العزيز، وتأتى أيضا وفاتهما في الحوادث، فيظهر بذلك أمرهما على من لا يعرفهما. فلمّا هوّن علىّ بن الحسين أمر حلب على العزيز، تشوّقت نفسه إلى أخذ حلب من أبى الفضائل. وكان للعزيز غلامان، أحدهما يسمى منجوتكين والآخر بازتكين «١» من الأتراك، وكانا أمر دين مشتدّين؛ فأشار على العزيز المغربىّ المذكور بإنفاذ أحدهما لقتال الحلبيّين لتنقاد إليه الأتراك مماليك سعد الدولة؛ فإنّه كان قبل ذلك قد استأمن إلى العزيز جماعة من أصحاب سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان بعد موت سعد الدولة، فأمّنهم العزيز وأحسن إليهم وقرّبهم؛ منهم وفيّ «٢» الصّقلبىّ فى ثلثمائة غلام (يعنى مملوكا) وبشارة الإخشيذىّ في أربعمائة غلام، ورباح «٣» السيفىّ؛ فولّى العزيز وفيّا الصقلبىّ عكّا، وولّى بشارة طبريّة، وولّى رباحا غزة. ثمّ إنّ العزيز ولّى مملوكه منجوتكين حرب حلب، وقدّمه على العساكر وولّاه الشأم، واستكتب له أحمد بن محمد النّشورىّ «٤» ، ثمّ ضمّ إليه أيضا أبا الحسن علىّ بن الحسين المغربىّ المقدّم ذكره ليقوم المغربىّ بأمر منجوتكين وتدبيره مع الحلبيّين؛ فإنّه كان أصل

стр. 1187

هذه الحركة. وخرج العزيز حتّى شيّعهم بنفسه وودّعهم. فسار منجوتكين حتّى وصل دمشق، فتلقّاه أهلها والقوّاد وعساكر الشام والقبائل، فأقام منجوتكين بعساكره عليها مدّة، ثم رحل طالبا لحلب في ثلاثين ألفا. وكان بحلب أبو الفضائل بن سعد الدّولة ابن سيف الدولة بن حمدان ومعه لؤلؤ، فأغلقا أبوابها واستظهرا في القتال غاية الاستظهار على المصريّين. وكان لؤلؤ لمّا قدم عسكر مصر إلى الشام كاتب بسيل «١» ملك الرّوم فى النجدة على المصريّين ومتّ «٢» له بما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة، وأنّ هذا ولده قد حصر مع عساكر المصريّين؛ وحثّه على إنجاده؛ ثمّ بعث إليه بهدايا وتحف كثيرة، وسأله في المعونة والنّصرة على المصريّين، وبعث الكتاب والهدايا مع ملكون السريانىّ؛ فتوجّه ملكون السريانىّ إليه فوجد ملك الرّوم بقاتل ملك البلغر؛ فأعطاه الهديّة والكتاب، فقبل الهديّة وكتب إلى البرجىّ نائبه بأنطاكية أن يسير بالعساكر إلى حلب ويدفع المغاربة (أعنى عساكر العزيز) عن حلب. فسار البرجىّ فى خمسين ألفا؛ ونزل البرجىّ بعساكره الجسر الجديد «٣» بين أنطاكية وحلب. فلمّا بلغ ذلك منجوتكين استشار علىّ بن الحسين المغربىّ والقوّاد في ذلك، فأشاروا عليه بالانصراف من حلب وقصد الروم والابتداء بهم قبل وصول الروم الى حلب، لئلا يحصلوا بين عدوّين. فساروا حتّى نزلوا تحت حصن «٤» إعزاز وقاربوا الروم، وصار بينهم النهر

стр. 1188

المعروف بالمقلوب «١» . فلمّا وقع بصرهم على الروم رموهم بالنّشاب وبينهم النهر المذكور، ولم يكن لأحد الفريقين سبيل للعبور لكثرة الماء. وكان منجوتكين قد حفظ المواضع التى يقلّ الماء فيها، وأقام جماعة من أصحابه يمنعون عسكره من العبور لوقت يختاره المنجّم. فخرج من عسكره من الدّيلم رجل شيخ كبير في السن وبيده ترس وثلاث روسات «٢» ؛ فوقف على جانب النهر وبإزائه قوم من الروم، فرموه بالنّشاب وهو يسبح حتّى قطع النهر، وصار على الأرض من ذلك البرّ والماء في النهر إلى صدره. فلمّا رآه «٣» عساكر منجوتكين رموا بأنفسهم في الماء فرسانا ورجّالة، ومنجوتكين يمنعهم فلا يمتنعون حتّى صاروا مع الروم في أرض واحدة وقاتلوا الروم؛ فأنزل الله نصره على المسلمين، فولّى الروم وأعطوهم ظهورهم، وركبهم المسلمون فاثخنوهم قتلا وأسرا، وأفلت كبير الروم البرجىّ في عدد يسير إلى أنطاكية، وغنم المسلمون من عساكرهم وأموالهم شيئا لا يعدّ ولا يحصى. وكان مع الروم ألفان من عسكر حلب المسلمين فقتل منجوتكين منهم ثلثمائة. وتبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية فأحرق ضياعها ونهب رساتيقها، ثمّ كرّ راجعا إلى حلب، وكان وقت الغلّات؛ فعلم لؤلؤ أنّه لا له نجدة «٤» وأنّه يضعف عن مقاومة المصريّين؛ فكاتب المغربىّ والنّشورىّ كاتب منجوتكين وأرغبهما في المال وبذل لهما ما أرضاهما، وسألهما أن يشيرا على منجوتكين بالانصراف عن حلب إلى دمشق وأن يعود في العام المقبل؛ فخاطباه فى ذلك، وصادف قولهما له شوق منجوتكين إلى دمشق؛ وكان منجوتكين أيضا

стр. 1189

قد ملّ الحرب فانخدع؛ وكتب هو والجماعة إلى العزيز يقولون: قد نفدت الميرة ولا طاقة للعساكر على المقام، ويستأذنونه في الرجوع إلى دمشق. وقبل أن يجيء جواب العزيز رحلوا عن حلب إلى دمشق. وبلغ العزيز ذلك فشقّ عليه رحيلهم، ووجد أعداء المغربىّ طريقا إلى الطعن فيه عند العزيز، فصرف العزيز المغربىّ وقلّد الأمر للأمير صالح بن علىّ الرّوذبارىّ وأقعده مكانه. ثمّ حمل العزيز من غلّات مصر في البحر إلى طرابلس شيئا كثيرا. ثمّ رجع منجوتكين إلى حلب فى السنة الآتية وبنى الدور والحمّامات والخانات والأسواق بظاهر حلب، وقاتل أهل حلب. واشتدّ الحصار على لؤلؤ وأبى الفضائل بحلب، وعدمت الأقوات عندهم بداخل حلب، فكاتبوا ملك الروم ثانيا وقالوا له: متى أخذت حلب أخذت أنطاكية؛ ومتى أخذت أنطاكية أخذت قسطنطينيّة. فلمّا سمع ملك الروم ذلك سار بنفسه في مائة ألف وتبعه من كلّ بلد من معاملته عسكره؛ فلمّا قرب من البلاد أرسل لؤلؤ إلى منجوتكين يقول: إنّ الإسلام جامع بينى وبينك، وأنا ناصح لكم، وقد وافاكم ملك الروم بجنوده فخذوا لأنفسكم؛ ثم جاءت جواسيس منجوتكين فأخبروه بمثل ذلك، فأحرق منجوتكين الخزائن والأسواق وولّى منهزما؛ وبعث أثقاله إلى دمشق، وأقام هو بمرج قنّسرين ثم سار إلى دمشق. ووصل بسيل ملك الروم بجنوده إلى حلب، ونزل موضع عسكر المصريّين، فهاله ما كان فعله منجوتكين، وعلم كثرة عساكر المصريّين وعظموا في عينه؛ وخرج إليه أبو الفضائل صاحب حلب ولؤلؤ وخدماه «١» . ثم سار ملك الرّوم في اليوم الثالث ونزل على [حصن «٢» ] شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قوّاد العزيز، فقاتله يوما واحدا، ثم طلب منه

стр. 1190

الأمان فأمّنه؛ فخرج بنفسه إليه، فأهّل «١» به بسيل ملك الروم وأعطاه مالا وثيابا، وسلّم الحصن إليه؛ فرتّب ملك الروم [عليه] أحد ثقاته. ثمّ نازل حمص فافتتحها عنوة وسبى منها ومن أعمالها أكثر من عشرة آلاف نسمة. ثمّ نزل على طرابلس أربعين يوما، فقاتلها «٢» فلم يقدر على فتحها، فرحل عائدا إلى الروم. ووصل خبره إلى العزيز فعظم عليه ذلك إلى الغاية، ونادى في الناس بالنفير، وفتح الخزائن وأنفق على جنده، ثمّ سار بجيوشه ومعه توابيت آبائه فنزل إلى الشام، ووصل إلى بانياس «٣» ، فأخذه مرض القولنج وتزايد به حتّى مات منه وهو في الحمام في سنة ستّ وثمانين وثلثمائة. وقيل في وفاته غير ذلك أقوال كثيرة، منها أنّه مات بمدينة بلبيس من ضواحى القاهرة، وقيل: إنّه مات في شهر رمضان قبل خروجه من القاهرة في الخمّام، وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر. وكانت مدّة ولايته على مصر إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وأيّاما. وتولّى مصر بعده ابنه أبو علىّ منصور الملقّب بالحاكم الآتى ذكره إن شاء الله. وكان العزيز ملكا شجاعا مقداما حسن الأخلاق كثير الصّفح حليما لا يؤثر سفك الدماء، وكانت لديه فضيلة؛ وله شعر جيّد، وكان فيه عدل وإحسان للرعيّة. قلت: وهو أحسن الخلفاء الفاطميّين حالا بالنسبة لأبيه المعز ولابنه الحاكم؛ على ما يأتى ذكره إن شاء الله. قال ابن خلكان: «وزادت مملكته على مملكة أبيه، وفتحت له حمص وحماة وشيزر وحلب؛ وخطب له المقلّد «٤» العقيلىّ صاحب الموصل بالموصل [وأعمالها «٥» ]

стр. 1191

فى المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وضرب اسمه على السكة والبنود، وخطب له باليمن. ولم يزل في سلطانه وعظم شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجّها إلى الشام، فابتدأت به العلّة في العشر الأخير من رجب سنة ستّ وثمانين وثلثمائة. ولم يزل مرضه يزيد وينقص، حتّى ركب يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمّام بمدينة بلبيس، وخرج إلى منزل الأستاذ أبى الفتوح برجوان، وكان برجوان صاحب خزانته بالقصر، فأقام عنده وأصبح يوم الاثنين، وقد اشتدّ به الوجع يومه ذلك وصبيحة نهار الثّلاثاء، وكان مرضه من حصاة وقولنج، فاستدعى القاضى محمد بن النّعمان وأبا محمد الحسن بن عمّار الكتامىّ الملقّب أمين الدولة- وهو أوّل من تلقّب من المغاربة، وكان شيخ كتامة وسيّدها- ثمّ خاطبهما فى أمر ولده الملقّب بالحاكم، ثمّ استدعى ولده المذكور وخاطبه أيضا بذلك. ولم يزل العزيز في الحمّام والأمر يشتدّ به إلى بين الصلاتين من ذلك النهار، وهو الثلاثاء الثامن والعشرون من شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وثلثمائة، فتوفّى في مسلخ الحمّام. هكذا قال المسبّحىّ» . قلت: والعزيز هذا هو الذي رتّب الفطرة «١» فى عيد شوّال، وكانت تعمل على غير هذه الهيئة. وكانت الفطرة تعمل وتفرّق بالإيوان، ثم نقلت في عدّة أماكن؛ وكان مصروفها في كلّ سنة عشرة آلاف دينار. وتفصيل الأنواع: دقيق ألف حملة، سكّر سبعمائة قنطار، قلب فستق ستة قناطير، لوز ثمانية قناطير، بندق أربعة قناطير، تمر أربعمائة إردب، زبيب ثلثمائة إردب، خلّ ثلاثة قناطير،

стр. 1192

عسل نحل خمسة قناطير «١» ، شيرج مائتا قنطار، حطب ألف ومائتا حملة، سمسم إردبان، آنيسون إردبان، زيت طيّب للوقود ثلاثون قنطارا، ماء ورد خمسون رطلا، مسك خمس نوافج «٢» ، كافور عشرة مثاقيل، زعفران مائة وخمسون درهما. ثمن مواعين وأجرة صنّاع وغيرها خمسمائة دينار. انتهى باختصار. ولنعد «٣» إلى ذكر وفاة العزيز صاحب الترجمة. وقال صاحب تاريخ القيروان: «إنّ الطّبيب وصف له دواء يشربه في حوض الحمّام، وغلط فيه فشربه فمات من ساعته؛ ولم ينكتم تاريخ موته ساعة واحدة. وترتّب موضعه ولده الحاكم أبو علىّ منصور. وبلغ الخبر أهل القاهرة، فخرج الناس غداة الأربعاء لتلقى الحاكم؛ فدخل البلد وبين يديه البنود والرايات وعلى رأسه المظلّة «٤» يحملها ريدان الصّقلبىّ، فدخل القصر عند اصفرار الشمس، ووالده العزيز بين يديه في عماريّة وقد خرجت رجلاه منها، وأدخلت العماريّة القصر؛ وتولى غسله القاضى محمد بن النّعمان، ودفن عند أبيه المعزّ في حجرة من القصر. وكان دفنه عند العشاء [الأخيرة «٥» ] . وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر والأحوال مستقيمة، وقد نودى في البلدان: لا مؤونة ولا كلفة، وقد أمّنكم الله على أموالكم وأرواحكم؛ فمن نازعكم أو عارضكم فقد حلّ ماله ودمه. وكانت ولادة العزيز يوم الخميس رابع عشر المحرّم سنة أربع وأربعين وثلثمائة» . انتهى كلام ابن خلكان باختصار ﵀.

стр. 1193

وقال المختار المسبّحى صاحب التاريخ المشهور: «قال لى الحاكم، وقد جرى ذكر والده العزيز،: يا مختار، استدعانى والدى قبل موته وهو عارى الجسم، وعليه الخرق والضّماد (يعنى كونه كان في الحمام) قال: فاستدعانى وقبّلنى وضمّنى إليه، وقال: واغمّى عليك يا حبيب قلبى! ودمعت عيناه، ثمّ قال: امض يا سيّدى فآلعب فأنا في عافية. قال الحاكم: فمضيت والتهيت بما يلتهى به الصّبيان من اللعب إلى أن نقل الله تعالى العزيز إليه» . انتهى كلام المسبّحى. وقد ذكرنا في وفاة العزيز عدّة وجوه من كلام المؤرّخين رحمهم الله تعالى. وكان العزيز حازما فصيحا. وكتابه إلى عضد الدولة بحضرة الخليفة الطائع العباسىّ يدلّ على فضل وقوّة. وكان كتابه يتضمّن بعد البسملة: «من عبد الله ووليّه نزار أبى منصور الإمام العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى عضد الدولة الإمام نصير ملة الإسلام أبى شجاع بن أبى علىّ. سلام عليك؛ فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله الصّلاة على جدّه محمد رسول ربّ العالمين، وحجّة الله على الخلق أجمعين، صلاة باقية نامية متّصلة دائمة بعترته الهادية، وذرّيته الطيّبة الطاهرة. وبعد، فإنّ رسولك وصل إلى حضرة أمير المؤمنين، مع الرسول المنفذ اليك، فأدّى ما تحمله «١» من إخلاصك في ولاء أمير المؤمنين ومودّتك «٢» ، ومعرفتك بحقّ إمامته، ومحبتك لآبائه الطائعين الهادين المهديّين. فسرّ أمير المؤمنين بما سمعه عنك، ووافق ما كان يتوسّمه فيك وأنّك لا تعدل عن الحقّ- ثم ذكر كلاما طويلا في المعنى إلى أن قال-: وقد علمت ما جرى على ثغور المسلمين من المشركين، وخراب الشام وضعف أهله، وغلاء الأسعار. ولولا ذلك لتوجّه

стр. 1194

أمير المؤمنين بنفسه إلى الثغور، وسوف يقدم إلى الحيرة، وكتابه يقدم عليك عن قريب، فتأهّب إلى الجهاد في سبيل الله» . وفي آخر الكتاب: «وكتبه يعقوب ابن يوسف بن كلّس عند مولانا أمير المؤمنين» . فكتب إليه عضد الدولة كتابا يعترف فيه بفضل أهل البيت، ويقرّ للعزيز أنّه من أهل تلك النّبعة الطاهرة، [وأنّه في طاعته «١» ] ويخاطبه بالحضرة الشريفة، وما هذا معناه. انتهى. قلت: وأنا أتعجّب من كون عضد الدولة كان إليه أمر الخليفة العباسى ونهيه، ويقع في مثل هذا لخلفاء مصر، وقد علم كلّ أحد ما كان بين بنى العباس وخلفاء مصر من الشّنان. وما أظنّ عضد الدولة كتب له ذلك إلّا عجزا عن مقاومته، فإنّه قرأ كتابه في حضرة الخليفة الطائع، وأجاب بذلك أيضا بعلمه، فهذا من العجب. قال الوزير يعقوب بن كلّس: «سمعت العزيز بالله يقول لعمّه حيدرة: يا عمّ، أحبّ أن أرى النّعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضّة والجوهر، ولهم الخيل واللّباس والضّياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندى» . قال المسبّحى: وهذا لم يسمع بمثله قطّ من ملك. انتهت ترجمة العزيز. ولمّا مات رثاه الشعراء بعدّة قصائد. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٦] السنة الأولى من ولاية العزيز نزار العبيدىّ على مصر وهى سنة ست وستين وثلثمائة. فيها في جمادى الأولى زفّت بنت عزّ الدولة إلى الخليفة الطائع لله العباسىّ. وفيها جاء أبو بكر محمد بن علىّ بن شاهويه صاحب القرامطة، ومعه ألف رجل من القرامطة إلى الكوفة، وأقام الدعوة بها لعضد الدولة، وأسقط خطبة عزّ الدولة بختيار. وكان قدومه معونة لعضد الدولة.

стр. 1195

وفيها عمل في الدّيار المصرية المأتم في يوم عاشوراء على حسين بن علىّ رضى الله عنهما، وهو أوّل ما صنع ذلك بديار مصر. فدامت هذه السّنة القبيحة سنين إلى أن انقرضت دولتهم، على ما سيأتى ذكره. وفيها كانت وقعة بين عزّ الدولة بن معزّ الدولة أحمد وبين ابن عمّه عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه، وقعة هائلة أسر فيها غلام تركىّ لعزّ الدولة؛ فاشتدّ حزنه عليه، وامتنع عزّ الدولة من الأكل والشرب وأخذ فى البكاء واحتجب عن الناس وحرّم على نفسه الجلوس في الدّست؛ وبذل لعضد الدولة في الغلام المذكور جاريتين عوّادتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف درهم؛ فرّده عضد الدولة عليه. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله أحمد بن [أبى «١» ] الحسين العلوىّ. وحجّت في السنة جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان، ومعها أخواها «٢» إبراهيم [وهبة الله] حجّة ضرب بها المثل، وفرّقت أموالا عظيمة؛ منها أنّها لمّا رأت الكعبة نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وسقت جميع أهل الموسم السّويق بالسكر والثّلج. كذا قال أبو منصور الثعالبىّ. وقتل أخوها هبة «٣» الله في الطريق. وأعتقت ثلثمائة عبد ومائتى جارية، وفرّقت المال في المجاورين حتى أغنتهم، وخلعت على كبار الناس خمسين ألف ثوب. وكان معها أربعمائة عماريّة. ثم ضرب الدهر ضربانه واستولى عضد الدولة
следующие страницы →