← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فى المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وضرب اسمه على السكة والبنود، وخطب له باليمن. ولم يزل في سلطانه وعظم شأنه إلى أن خرج إلى بلبيس متوجّها إلى الشام، فابتدأت به العلّة في العشر الأخير من رجب سنة ستّ وثمانين وثلثمائة. ولم يزل مرضه يزيد وينقص، حتّى ركب يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمّام بمدينة بلبيس، وخرج إلى منزل الأستاذ أبى الفتوح برجوان، وكان برجوان صاحب خزانته بالقصر، فأقام عنده وأصبح يوم الاثنين، وقد اشتدّ به الوجع يومه ذلك وصبيحة نهار الثّلاثاء، وكان مرضه من حصاة وقولنج، فاستدعى القاضى محمد بن النّعمان وأبا محمد الحسن بن عمّار الكتامىّ الملقّب أمين الدولة- وهو أوّل من تلقّب من المغاربة، وكان شيخ كتامة وسيّدها- ثمّ خاطبهما فى أمر ولده الملقّب بالحاكم، ثمّ استدعى ولده المذكور وخاطبه أيضا بذلك. ولم يزل العزيز في الحمّام والأمر يشتدّ به إلى بين الصلاتين من ذلك النهار، وهو الثلاثاء الثامن والعشرون من شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وثلثمائة، فتوفّى في مسلخ الحمّام. هكذا قال المسبّحىّ» . قلت: والعزيز هذا هو الذي رتّب الفطرة «١» فى عيد شوّال، وكانت تعمل على غير هذه الهيئة. وكانت الفطرة تعمل وتفرّق بالإيوان، ثم نقلت في عدّة أماكن؛ وكان مصروفها في كلّ سنة عشرة آلاف دينار. وتفصيل الأنواع: دقيق ألف حملة، سكّر سبعمائة قنطار، قلب فستق ستة قناطير، لوز ثمانية قناطير، بندق أربعة قناطير، تمر أربعمائة إردب، زبيب ثلثمائة إردب، خلّ ثلاثة قناطير،

стр. 1192

عسل نحل خمسة قناطير «١» ، شيرج مائتا قنطار، حطب ألف ومائتا حملة، سمسم إردبان، آنيسون إردبان، زيت طيّب للوقود ثلاثون قنطارا، ماء ورد خمسون رطلا، مسك خمس نوافج «٢» ، كافور عشرة مثاقيل، زعفران مائة وخمسون درهما. ثمن مواعين وأجرة صنّاع وغيرها خمسمائة دينار. انتهى باختصار. ولنعد «٣» إلى ذكر وفاة العزيز صاحب الترجمة. وقال صاحب تاريخ القيروان: «إنّ الطّبيب وصف له دواء يشربه في حوض الحمّام، وغلط فيه فشربه فمات من ساعته؛ ولم ينكتم تاريخ موته ساعة واحدة. وترتّب موضعه ولده الحاكم أبو علىّ منصور. وبلغ الخبر أهل القاهرة، فخرج الناس غداة الأربعاء لتلقى الحاكم؛ فدخل البلد وبين يديه البنود والرايات وعلى رأسه المظلّة «٤» يحملها ريدان الصّقلبىّ، فدخل القصر عند اصفرار الشمس، ووالده العزيز بين يديه في عماريّة وقد خرجت رجلاه منها، وأدخلت العماريّة القصر؛ وتولى غسله القاضى محمد بن النّعمان، ودفن عند أبيه المعزّ في حجرة من القصر. وكان دفنه عند العشاء [الأخيرة «٥» ] . وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر والأحوال مستقيمة، وقد نودى في البلدان: لا مؤونة ولا كلفة، وقد أمّنكم الله على أموالكم وأرواحكم؛ فمن نازعكم أو عارضكم فقد حلّ ماله ودمه. وكانت ولادة العزيز يوم الخميس رابع عشر المحرّم سنة أربع وأربعين وثلثمائة» . انتهى كلام ابن خلكان باختصار ﵀.

стр. 1193

وقال المختار المسبّحى صاحب التاريخ المشهور: «قال لى الحاكم، وقد جرى ذكر والده العزيز،: يا مختار، استدعانى والدى قبل موته وهو عارى الجسم، وعليه الخرق والضّماد (يعنى كونه كان في الحمام) قال: فاستدعانى وقبّلنى وضمّنى إليه، وقال: واغمّى عليك يا حبيب قلبى! ودمعت عيناه، ثمّ قال: امض يا سيّدى فآلعب فأنا في عافية. قال الحاكم: فمضيت والتهيت بما يلتهى به الصّبيان من اللعب إلى أن نقل الله تعالى العزيز إليه» . انتهى كلام المسبّحى. وقد ذكرنا في وفاة العزيز عدّة وجوه من كلام المؤرّخين رحمهم الله تعالى. وكان العزيز حازما فصيحا. وكتابه إلى عضد الدولة بحضرة الخليفة الطائع العباسىّ يدلّ على فضل وقوّة. وكان كتابه يتضمّن بعد البسملة: «من عبد الله ووليّه نزار أبى منصور الإمام العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى عضد الدولة الإمام نصير ملة الإسلام أبى شجاع بن أبى علىّ. سلام عليك؛ فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله الصّلاة على جدّه محمد رسول ربّ العالمين، وحجّة الله على الخلق أجمعين، صلاة باقية نامية متّصلة دائمة بعترته الهادية، وذرّيته الطيّبة الطاهرة. وبعد، فإنّ رسولك وصل إلى حضرة أمير المؤمنين، مع الرسول المنفذ اليك، فأدّى ما تحمله «١» من إخلاصك في ولاء أمير المؤمنين ومودّتك «٢» ، ومعرفتك بحقّ إمامته، ومحبتك لآبائه الطائعين الهادين المهديّين. فسرّ أمير المؤمنين بما سمعه عنك، ووافق ما كان يتوسّمه فيك وأنّك لا تعدل عن الحقّ- ثم ذكر كلاما طويلا في المعنى إلى أن قال-: وقد علمت ما جرى على ثغور المسلمين من المشركين، وخراب الشام وضعف أهله، وغلاء الأسعار. ولولا ذلك لتوجّه

стр. 1194

أمير المؤمنين بنفسه إلى الثغور، وسوف يقدم إلى الحيرة، وكتابه يقدم عليك عن قريب، فتأهّب إلى الجهاد في سبيل الله» . وفي آخر الكتاب: «وكتبه يعقوب ابن يوسف بن كلّس عند مولانا أمير المؤمنين» . فكتب إليه عضد الدولة كتابا يعترف فيه بفضل أهل البيت، ويقرّ للعزيز أنّه من أهل تلك النّبعة الطاهرة، [وأنّه في طاعته «١» ] ويخاطبه بالحضرة الشريفة، وما هذا معناه. انتهى. قلت: وأنا أتعجّب من كون عضد الدولة كان إليه أمر الخليفة العباسى ونهيه، ويقع في مثل هذا لخلفاء مصر، وقد علم كلّ أحد ما كان بين بنى العباس وخلفاء مصر من الشّنان. وما أظنّ عضد الدولة كتب له ذلك إلّا عجزا عن مقاومته، فإنّه قرأ كتابه في حضرة الخليفة الطائع، وأجاب بذلك أيضا بعلمه، فهذا من العجب. قال الوزير يعقوب بن كلّس: «سمعت العزيز بالله يقول لعمّه حيدرة: يا عمّ، أحبّ أن أرى النّعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضّة والجوهر، ولهم الخيل واللّباس والضّياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندى» . قال المسبّحى: وهذا لم يسمع بمثله قطّ من ملك. انتهت ترجمة العزيز. ولمّا مات رثاه الشعراء بعدّة قصائد. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٦] السنة الأولى من ولاية العزيز نزار العبيدىّ على مصر وهى سنة ست وستين وثلثمائة. فيها في جمادى الأولى زفّت بنت عزّ الدولة إلى الخليفة الطائع لله العباسىّ. وفيها جاء أبو بكر محمد بن علىّ بن شاهويه صاحب القرامطة، ومعه ألف رجل من القرامطة إلى الكوفة، وأقام الدعوة بها لعضد الدولة، وأسقط خطبة عزّ الدولة بختيار. وكان قدومه معونة لعضد الدولة.

стр. 1195

وفيها عمل في الدّيار المصرية المأتم في يوم عاشوراء على حسين بن علىّ رضى الله عنهما، وهو أوّل ما صنع ذلك بديار مصر. فدامت هذه السّنة القبيحة سنين إلى أن انقرضت دولتهم، على ما سيأتى ذكره. وفيها كانت وقعة بين عزّ الدولة بن معزّ الدولة أحمد وبين ابن عمّه عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه، وقعة هائلة أسر فيها غلام تركىّ لعزّ الدولة؛ فاشتدّ حزنه عليه، وامتنع عزّ الدولة من الأكل والشرب وأخذ فى البكاء واحتجب عن الناس وحرّم على نفسه الجلوس في الدّست؛ وبذل لعضد الدولة في الغلام المذكور جاريتين عوّادتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف درهم؛ فرّده عضد الدولة عليه. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله أحمد بن [أبى «١» ] الحسين العلوىّ. وحجّت في السنة جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان، ومعها أخواها «٢» إبراهيم [وهبة الله] حجّة ضرب بها المثل، وفرّقت أموالا عظيمة؛ منها أنّها لمّا رأت الكعبة نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وسقت جميع أهل الموسم السّويق بالسكر والثّلج. كذا قال أبو منصور الثعالبىّ. وقتل أخوها هبة «٣» الله في الطريق. وأعتقت ثلثمائة عبد ومائتى جارية، وفرّقت المال في المجاورين حتى أغنتهم، وخلعت على كبار الناس خمسين ألف ثوب. وكان معها أربعمائة عماريّة. ثم ضرب الدهر ضربانه واستولى عضد الدولة

стр. 1196

ابن بويه على أموالها وحصونها؛ فإنّه كان خطبها فامتنعت، ولم يدع لها شيئا إلى أن احتاجت وافتقرت. فانظر إلى هذا الدهر كيف يرفع ويضع!. وفيها توفّى المستنصر بالله صاحب الأندلس أبو العاصى الحكم بن الناصر لدين الله عبد الرّحمن الأموىّ. بقى في الملك ستة عشر عاما، وعاش ثلاثا وستين سنة. وكان حسن السيرة، جمع من الكتب ما لا يحدّ ولا يوصف. وفيها توفّى السلطان ركن الدولة أبو علىّ الحسن بن بويه بن فنّاخسرو بن تمام ابن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شيركوه بن شيرزيل [الأكبر «١» ] الدّيلمىّ، صاحب أصبهان والرّىّ وهمذان وعراق العجم كلّه. وهؤلاء الملوك الثلاثة: عضد الدولة وفخر الدولة ومؤيّد الدولة أولاده «٢» . وكان ملكا جليلا سعيدا في أولاده، قسم عليهم الممالك، فقاموا بها أحسن قيام. وملك ركن الدولة أربعا وأربعين سنة وأشهرا. وكان أبو الفضل بن العميد وزيره، والصاحب إسماعيل بن عبّاد كان وزير ولديه مؤيد الدولة ثم فخر الدولة. ومات ركن الدولة المذكور في المحرّم. وبويه بضم الباء الموحّدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، وفنّاخسرو بفتح الفاء وتشديد النون وبعد الألف خاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة وبعدها واو. وقد ضبطته لكى يعرف بعد ذلك اسم من يأتى من أولاده في هذا الكتاب. وفيها توفّى إسماعيل الشيخ أبو عمر السلمىّ «٣» ، كان من كبار المشايخ وله قدم صدق وحكايات مشهورة، ﵀.

стр. 1197

وفيها توفّى الحسن بن أحمد بن أبى سعيد الحسن بن بهرام أبو علىّ، وقيل: أبو محمد، القرمطىّ الجنّابى الخارجىّ. ولد بالأحساء في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين، وغلب على الشام لمّا قتل جعفر بن فلاح، وتوجّه إلى مصر لقتال المعزّ العبيدىّ، كما ذكرناه في ترجمة المعزّ، ثم مات بالرّملة في عوده إلى دمشق في شهر رجب. وجدّه أبو سعيد هو أوّل القرامطة، وقد مرّ من أخبارهم القبيحة نبذة كبيرة في عدّة سنين. وكان الحسن هذا صاحب الترجمة فصيحا شاعرا، وكان يلقّب بالأعظم، وكان يلبس الثياب القصيرة، وهو أحد من قتل العباد، وأخرب البلاد. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحسن بن أحمد «١» ابن أبى سعيد الجنّابى القرمطىّ، كان ملك الشام وحاصر مصر شهرا. وركن الدولة الحسن بن بويه صاحب عراق العجم، وكانت دولته خمسا وأربعين سنة، ووزر له أبو الفضل بن العميد. وتوفّى أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكرياء بن حيّويه «٢» النّيسابورىّ بمصر. وأبو الحسن محمد بن الحسن النيسابورىّ السرّاج المقرئ الزاهد. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة، ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٧] السنة الثانية من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة سبع وستين وثلثمائة. فيها دخل عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه بغداد، وخرج منها ابن عمه عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة بن بويه، ثم تقاتلا فانتصر عزّ الدولة ثم قتل، حسب ما سنذكره في هذه السنة.

стр. 1198

وفيها زادت دجلة في نيسان حتى بلغت إحدى وعشرين ذراعا، فهدمت الدور والشوارع، وهرب الناس في السفن، وهيّأ عضد الدولة الزبازب تحت داره (والزبازب هى المراكب الخفيفة) . وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله العلوىّ. وفيها جاء الخبر بهلاك أبى يعقوب يوسف بن الحسن الجنّابىّ القرمطىّ صاحب هجر، وأغلقت الأسواق له بالكوفة ثلاثة أيّام، وكان قد توزّر لعضد الدولة. وفيها توفّى أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد النّصرپادىّ النّيسابورىّ (ونصرپاد: محلّة من نيسابور. وكلّ پاد يأتى في اسم بلد من هؤلاء البلدان هو بالتفخيم حتى يصحّ معناه) . كان أبو القاسم حافظ خراسان وشيخها، وإليه يرجع فى علوم القوم والسّير والتواريخ، وكان صحب الشّبلىّ وغيره من المشايخ. مات بمكّة حاجّا، ودفن عند قبر الفضيل بن عياض. وفيها توفّى السلطان أبو منصور بختيار عزّ الدولة بن معزّ الدولة أحمد بن بويه الدّيلمىّ. ولى ملك العراق بعد أبيه، وتزوّج الخليفة الطائع لله عبد الكريم بابنته شاه «١» زمان على صداق مائة ألف دينار. وكان عزّ الدولة شجاعا قويّا يمسك الثّور العظيم بقرنيه فلا يتحرّك «٢» . وكان بينه وبين ابن عمّه عضد الدولة منافسات وحروب على الملك، وتقاتلا غير مرّة آخرها في شوّال، قتل فيها عزّ الدولة المذكور فى المعركة، وحمل رأسه إلى عضد الدولة، فوضع المنديل على وجهه وبكى. وتملّك عضد الدولة العراق بعده، واستقلّ بالممالك. وعاش عزّ الدولة ستّا وثلاثين سنة.

стр. 1199

وفيها توفّى محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر أبو طاهر الذهلىّ البغدادىّ القاضى نزيل مصر وقاضيها. ولد ببغداد في ذى الحجة سنة تسع وسبعين ومائتين. وفيها توفّى الوزير أبو طاهر محمد بن محمد بن بقيّة وزير عزّ الدولة، وكان عضد الدولة قد بعث إليه يميله عن عزّ الدولة؛ فقال: الخيانة والغدر ليستا من أخلاق الرجال. فلمّا قتل عزّ الدولة قبض عليه عضد الدولة وشهّره في بغداد من الجانبين وعلى رأسه برنس، ثم أمر به أن يطرح تحت أرجل الفيلة فقتلته الفيلة، ثم صلب فى طرف الجسر من الجانب الشرقىّ، ولم يشفع فيه الخليفة الطائع لأمر كان في نفسه منه أيّام مخدومه عزّ الدولة، وأقيم عليه الحرس. فاجتاز به أبو الحسن محمد ابن عمر الأنبارىّ الصوفىّ الواعظ، وكان صديقا لابن بقيّة المذكور، فرثاه بمرثيته المشهورة وهى: [وافر] علوّ في الحياة وفي الممات ... لحقّ أنت إحدى المعجزات كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيّام الصّلات كأنّك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدّهما إليهم بالهبات وتشعل عندك النّيران ليلا ... كذلك كنت أيّام الحياة ركبت مطيّة من قبل زيد «١» ... علاها في السنين الماضيات ولم أر قبل جذعك قطّ جذعا ... تمكّن من عتاق المكرمات وتلك فضيلة فيها تأسّ ... تباعد عنك تعبير العداة أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النّائبات

стр. 1200

وكنت تجير من جور «١» الليالى ... فعاد مطالبا لك بالتّراب وصيّر دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السّيّئات وكنت لمعشر سعدا فلمّا ... مضيت تفرّقوا بالمنحسات غليل باطن لك في فؤادى ... يخفّف بالدّموع الجاريات ولو أنّى قدرت على قيام ... لفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم القوافى ... ونحت بها خلاف النائحات ولكنّى أصبّر عنك نفسى ... مخافة أن أعدّ من الجناة وما لك تربة فأقول تسقى ... لأنّك نصب هطل الهاطلات ولمّا ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات أصاروا الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السافيات «٢» عليك تحيّة الرّحمن تترى ... برحمات غواد رائحات قلت: ولم أذكر هذه المرثية بتمامها هنا إلّا لغرابتها وحسن نظمها. واستمر ابن بقيّة مصلوبا إلى أن توفّى عضد الدولة. وفيها توفّى الأمير الغضنفر بن ناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل وابن صاحبها. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم إبراهيم ابن محمد النّصرپادىّ الواعظ العارف. وعزّ الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه ملك العراق، قتل في مصافّ بينه وبين ابن عمه عضد الدولة. والغضنفر بن ناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل وابن صاحبها. وأبو طاهر محمد بن أحمد بن

стр. 1201

عبد الله الذّهلىّ بمصر في ذى القعدة، وله ثمان وثمانون سنة. وأبو بكر محمد بن عمر القرطبىّ ابن القوطيّة اللغوىّ. والوزير أبو طاهر محمد بن محمد بن بقيّة نصير «١» الدولة، وزير عزّ الدولة، صلبه عضد الدولة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٨] السنة الثالثة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ثمان وستين وثلثمائة. فيها أمر الخليفة الطائع أن تضرب على باب عضد الدولة الدبادب (أعنى الطبلخانات) فى وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة. قلت: وهذا أوّل ملك دقّت الطبلخانة على بابه، وصار ذلك عادة من يومئذ. وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزىّ: «وهذان أمران لم يكونا من قبله ولا أطلقا لولاة العهود، [ولا «٢» خطب بحضرة السلطان إلّا له، ولا ضربت الدبادب إلّا على بابه] . وقد كان معزّ الدولة أحبّ أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام، فسأل الخليفة المطيع لله فى ذلك فلم يأذن له» . قال الحافظ أبو عبد الله الذهبى: وما ذاك إلّا لضعف أمر الخلافة. انتهى. وفيها توفّى أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك الحافظ أبو بكر القطيعىّ البغدادىّ، كان يسكن قطيعة الرقيق. ومولده في أوائل سنة أربع وسبعين ومائتين. وكان مسند العراق في زمانه وسمع الكثير، وروى عنه الدارقطنىّ وابن شاهين والحاكم وخلق سواهم.

стр. 1202

وفيها توفّى عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الحافظ أبو القاسم الجرجانى «١» الآبندونىّ، وآبندون: قرية من قرى جرجان. كان رفيق ابن عدىّ في الرحلة، سكن بغداد وحدّث بها عن جماعة، وروى عنه رفيقه الإمام أبو بكر الإسماعيلى «٢» وغيره. وفيها توفّى محمد بن عيسى بن عمرويه الشيخ أبو أحمد الجلودىّ الزاهد راوى صحيح مسلم، سمع الكثير، وروى عنه غير واحد. قال الحاكم: كان من أعيان الفقراء الزهّاد، وأصحاب المعاملات في التصوّف؛ ضاعت سماعاته من ابن سفيان، فنسخ البعض من نسخة لم يكن له فيها سماع. وفيها توفّى هفتكين الأمير أبو منصور التركى الشرابى «٣» . هرب من بغداد خوفا من عضد الدولة، ووقع له أمور مع العزيز هذا صاحب الترجمة بمصر، ثمّ أطلقه العزيز. وصار له موكب؛ فخافه الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس، فدسّ عليه من سقاه السمّ. وكان إليه المنتهى في الشجاعة. وفيها توفّى تميم بن المعزّ معدّ العبيدىّ الفاطمىّ أخو العزيز هذا صاحب مصر. وكان تميم أميز أولاد المعزّ، وكان فاضلا جوادا سمحا يقول الشعر. وشقّ موته على أخيه العزيز. وفيها توفّى الحسن بن عبد الله بن المرزبان أبو سعيد السّيرافىّ النحوىّ القاضى. كان أبوه مجوسيّا واسمه بهزاد فأسلم فسمىّ عبد الله. سكن الحسن بغداد، وولى القضاء بها، وكان مفتنّا في علوم القراءات والنحو واللغة والفقه والفرائض والكلام

стр. 1203

والشعر والعروض والقوافى والحساب وسائر العلوم، وشرح كتاب سيبويه، مع الزهد والورع. وفيها توفّى عبد الله بن محمد [بن «١» ] ورقاء أبو أحمد الشيبانىّ، كان من أهل البيوتات، وأسرته من أهل الثغور، مات في ذى الحجة. وفيها توفّى محمد بن محمد بن يعقوب النيسابورىّ من ولد الحجاج بن الجرّاح؛ سمع الكثير، وكان عابدا صالحا حافظا ثقة صدوقا. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعىّ في ذى الحجة عن خمس وتسعين سنة. وأبو سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافىّ النحوىّ في رجب وله أربع وثمانون سنة. وأبو القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجانىّ الآبندونىّ الحافظ الزاهد ببغداد، وله خمس وتسعون سنة. وعيسى ابن حامد الرّخّجىّ «٢» القاضى. وأبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودىّ في ذى الحجة وله ثمانون سنة. وأبو الحسين محمد بن محمد بن يعقوب الحجّاجىّ الحافظ المفيد الصالح فى ذى الحجة بنيسابور عن ثلاث وثمانين سنة. وهفتكين التركى الذي هرب خوفا من عضد الدولة، وتملّك دمشق وحارب المصريّين مرات. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة.

стр. 1204

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٦٩] السنة الرابعة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة تسع وستين وثلثمائة. فيها تزوّج الخليفة الطائع ببنت عضد الدولة؛ وقد مرّ «١» ذلك، ولكن الأصح فى هذه السنة. وعقد العقد بحضرة الخليفة الطائع على صداق مبلغه مائتا «٢» ألف دينار. وكان الوكيل عن عضد الدولة في العقد أبا على الحسن بن أحمد الفارسىّ النحوىّ. والخطيب أبو على المحسّن بن على القاضى التّنوخىّ وكيلا عن الخليفة. وفيها حجّ بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى العلوىّ. وفيها توفّى فارس بن زكريّا، والد ابن فارس أبى الحسين اللغوىّ صاحب كتاب المجمل في اللغة. كان عالما بفنون العلوم، وروى عنه الأئمة، ومات ببغداد. وفيها توفّى أحمد بن عطاء بن أحمد بن محمد بن عطاء أبو عبد الله الرّوذبارىّ ابن أخت أبى علىّ الرّوذبارىّ. كان شيخ الشام في وقته، وكان ممّن جمع بين علم الشريعة والحقيقة، ومات بقرية بين عكّا وصور يقال لها منواث. وفيها توفّى الحسين «٣» بن على أبو عبد الله البصرىّ؛ ويعرف بالجعل، سكن بغداد. وكان من شيوخ المعتزلة، وصنّف على مذاهب المعتزلة، ومات يوم الجمعة ثانى ذى الحجة.

стр. 1205

وفيها توفّى عبد الله بن محمد الراسبىّ، كان بغدادىّ الأصل وكان من كبار المشايخ وأرباب المعاملات. ومن كلامه قال: خلق الله الأنبياء للمجالسة، والعارفين للمواصلة، والمؤمنين للمجاهدة. ومن كلامه: أعظم حجاب بينك وبين الحق اشتغالك بتدبير نفسك، واعتمادك على عاجز مثلك في أسبابك. وتوفّى ببغداد. وفيها توفّى أبو تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة الحسن بن حمدان التغلبيّ، وقد تقدّم ذكر وفاته، والأصحّ أنّه في هذه السنة. كان ملك الموصل وديار ربيعة وقلاع ابن حمدان، ووقع له حروب مع بنى بويه وأقاربه بنى حمدان، إلى أن طرقه عضد الدولة وأخذ منه بلاده فانهزم إلى أخلاط «١» ؛ ثمّ توجّه نحو الديار المصريّة وحارب أعوان العزيز صاحب مصر فقتل في المعركة، وبعث برأسه إلى العزيز صاحب الترجمة. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان «٢» الحافظ أبو محمد الأصبهانىّ أبو الحافظ صاحب التصانيف؛ ولد سنة أربع وسبعين ومائتين، وسمع في صغره من جدّه لأمّه محمود بن الفرج الزاهد وغيره، وهو صاحب تاريخ بلده، والتاريخ على السنين، و" كتاب السنّة" و" كتاب العظمة" وغيرها. وفيها توفّى أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون العجلىّ الصّعلوكىّ النّيسابورىّ الفقيه الشافعىّ. كان أديبا لغويّا مفسرا نحويّا شاعرا صوفيّا. ولد سنة ستّ وتسعين ومائتين، ومات في ذى القعدة. ومن شعره: [الطويل]

стр. 1206

أنام على سهو وتبكى الحمائم ... وليس لها جرم ومنّى الجرائم كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتنى بالبكاء الحمائم وفيها توفّى محمد بن صالح بن علىّ بن يحيى بن عبد الله أبو الحسن القاضى القرشىّ الهاشمى، ويعرف بابن أمّ شيبان؛ سمع الكثير، وتفقّه على مذهب مالك رضى الله عنه، وكان عاقلا متميّزا كثير التصانيف. ولم يل القضاء بمدينة السلام من بنى هاشم غيره. وفيها توفّى محمد بن على بن الحسن أبو بكر التّنيّسىّ «١» ، سمع منه الدارقطنى؛ وراه وحده فقال له: يا أبا بكر، ما في بلدك مسلم؟ قال: بلى، ولكنّهم اشتغلوا بالدنيا عن الآخرة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى ابو عبد الله بن عطاء الروذپارىّ. وعبد الله بن إبراهيم، أيّوب بن ماسى «٢» فى رجب وله خمس وتسعون سنة. وأبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان أبو الشيخ في المحرّم وله خمس وتسعون سنة. وأبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكىّ ذو الفنون في آخر السنة وله ثمانون «٣» سنة. وقاضى العراق ابن أمّ شيبان أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمىّ فجأة في جمادى الأولى عن ستّ وسبعين سنة. وأبو بكر محمد بن على بن الحسن المصرىّ بن النقاش في شعبان، وكان حافظا. وأبو عمرو «٤» محمد بن صالح ببخارى. وأبو علىّ مخلّد بن جعفر الباقرحىّ «٥» .

стр. 1207

- أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٠] السنة الخامسة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة سبعين وثلثمائة. فيها خرج عضد الدولة للقاء الصاحب إسماعيل بن عبّاد؛ فقدم عليه ابن عبّاد، فقدم عليه ابن عباّد من الرىّ من عند أخيه مؤيّد الدولة، فبالغ عضد الدولة في إكرامه إلى الغاية لكونه وزير أخيه مؤيّد الدولة وصاحب أمره ونهيه. وتردّد إليه عضد الدولة في إقامته ببغداد غير مرّة إلى أن سافر إلى مخدومه مؤيّد الدولة في شهر ربيع الآخر. وفيها توجّه عضد الدولة إلى همذان. فلمّا عاد إلى بغداد خرج الخليفة لتلقّيه؛ ولم يكن ذلك بعادة أنّ الخليفة يلاقى أحدا من الأمراء. قلت: وهذا كان أوّلا، وأمّا في الآخر فإنّ الطائع كان قد بقى تحت أوامر عضد الدولة كالأسير. وفيها حجّ بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر العلوىّ وخطب بمكة والمدينة للعزيز هذا صاحب مصر. وفيها غرقت بغداد من الجانبين وأشرف أهلها على الهلاك، ووقعت القنطرتان وغرم على بنائهما أموال كثيرة. وفيها توفّى أحمد بن علىّ الإمام العلّامة أبو بكر الرازىّ الحنفىّ العالم المشهور. مولده في سنة خمس وثلثمائة، كان إمام الحنفية في زمانه، وكان مشهور! بالدّين والورع والزّهد. قال أبو المظفر في تاريخه: وحاله كان يزيد على حال الرهبان «١» من كثرة التقشّف، وهو صاحب التصانيف وتلميذ أبى الحسن الكرخىّ.

стр. 1208

وفيها توفّى محمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن زكرياء الحافظ أبو بكر الورّاق المعروف بغندر، كان حافظا متقنا، ورحل [إلى] البلاد وسمع الكثير، وكتب مالم يكتبه أحد، وكان حافظا ثقة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن علىّ الرازىّ عالم الحنفيّة في ذى الحجة وله خمس وستون سنة. وبشر بن أحمد أبو سهل الإسفراينى في شوّال عن نيّف وتسعين سنة. وأبو محمد الحسن بن أحمد السّبيعىّ «١» الحلبىّ الحافظ. وأبو محمد الحسن بن رشيق بمصر في جمادى الآخرة. وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوىّ. وأبو بكر عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك فى ذى القعدة. وأبو منصور محمد بن أحمد الأزهرىّ صاحب [تهذيب «٢» ] اللغة فى ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع واحدة. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧١] السنة السادسة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة إحدى وسبعين وثلثمائة. فيها اتّفق فخر الدولة وقابوس بن وشمكير على عداوة أخيه عضد الدولة فى الباطن. قلت: وهذه أوّل فتنة بدت بين الإخوة أولاد ركن الدولة الثلاثة: عضد الدولة، وفخر الدولة، ومؤيّد الدولة. وفطن عضد الدولة لذلك ولم يظهره،

стр. 1209

وجهّز العساكر لأخيه مؤيّد الدولة لقتال قابوس المذكور؛ فتوجّه إليه مؤيّد الدولة وحصره وأخذ بلاده، ولم ينفعه فخر الدولة. وكان لقابوس من البلاد طبرستان وغيرها. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله العلوىّ من العراق. وفيها توفّى أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الحافظ أبو بكر الجرجانىّ، كان إماما، طاف البلاد، ولقى الشيوخ، و؟؟؟ سمع الكثير، وصنّف الكتب الحسان، منها: " الصحيح" صنّفه على صحيح البخارىّ، و" الفرائد" و" العوالى" وغير ذلك، ومات في شهر رجب. وفيها توفّى الحسن بن أحمد بن صالح الحافظ أبو محمد السّبيعىّ الكوفىّ، كان حافظا مكثرا إلّا أنّه كان عسر الرواية، وكان الدارقطنىّ يجلس بين يديه جلوس الصبىّ بين يدى المعلّم هيبة له، ومات في ذى الحجة ببغداد. وفيها توفّى عبد العزيز بن الحارث بن أسد أبو الحسن التميمى الحنبلىّ، كان فقيها فاضلا، وله تصانيف في أصول الكلام وفي مذهبه والفرائض وغير ذلك. وفيها توفّى علىّ بن إبراهيم أبو الحسن [الحصرىّ «١» ] البصرىّ الصوفىّ الواعظ، سكن بغداد وصحب الشّبلىّ وغيره، وكان صاحب خلوات ومجاهدات، وله كلام حسن في التوفيق. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن طالب الأخبارىّ، رحل وسمع الكثير، وكان فاضلا محدّثا أخباريّا.

стр. 1210

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلىّ الجرجانىّ في رجب وله أربع وتسعون سنة. وأبو العباس الحسن ابن سعيد العبّادانىّ «١» المطّوّعىّ المقرئ وله مائة وسنتان. وأبو محمد عبد الله بن إسحاق القيروانىّ شيخ المالكية. وأبو زيد محمد بن أحمد المروزىّ الفقيه في رجب. وأبو عبد الله محمد بن خفيف الشّيرازى شيخ الصوفيّة بفارس. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وإصبعان. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٢] السنة السابعة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة. فيها وثب أبو الفرج بن عمران بن شاهين على أخيه أبى محمد الحسن «٢» بن عمران صاحب البطيحة «٣» ، فقتله واستولى على بلده. وفيها حجّ بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر العلوىّ، وقيل: إنّه لم يحجّ أحد من العراق من هذه السنة إلى سنة ثمانين، بسبب الفتن والخلف بين خلفاء بنى العباس وبين خلفاء مصر بنى عبيد. وفيها أنشأ عضد الدولة بيمارستانه ببغداد في الجانب الغربىّ، ورتّب فيه الأطباء والوكلاء والخزّان وكلّ ما يحتاج إليه. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ: «وفي هذا الزمان كانت البدع والأهواء فاشية ببغداد ومصر من الرّفض والاعتزال والضلال فإنّا لله وإنا إليه راجعون!» .

стр. 1211

قلت: ومعنى قول الذهبىّ:" ومصر" فإنّه معلوم من كون خلفاء بنى عبيد كانوا يظهرون الرفض وسبّ الصحابة، وكذلك جميع أعوانهم وعمّالهم. وأمّا قوله: " ببغداد" فإنّه كان بسبب عضد الدولة الآتى ذكره، فإنّه كان أيضا يتشيّع ويكرم جانب الرافضة. وفيها توفّى السلطان عضد الدولة أبو شجاع فنّاخسرو- وقيل بويه على اسم جدّه، وفنّاخسرو أشهر- ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن بوية بن فنّاخسرو الدّيلمىّ. ولى مملكة فارس بعد عمّه عماد الدولة، ثمّ قوى على ابن عمّه عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة بن بويه، وأخذ منه «١» العراق وبغداد. وقد تقدّم من ذلك نبذة يسيرة فى حوادث بعض السنين. وبلغ سلطانه من سعة المملكة والاستيلاء على الممالك ما لم يبلغه أحد من بنى بويه، ودانت له البلاد والعباد. وهو أوّل من خوطب بالملك شاهنشاه في الإسلام، وأوّل من خطب له على منابر بغداد بعد الخلفاء، وأوّل من ضربت الدبادب على باب داره. وكان فاضلا نحويّا، وله مشاركة في فنون كثيرة، وله صنّف أبو علىّ الفارسىّ" الإيضاح". قال أبو على الفارسىّ، منذ تلقّب شاهنشاه تضعضع أمره، وما كفاه ذلك حتّى مدح نفسه؛ فقال: [الرمل] عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلّاب القدر ولمّا أحسّ بالموت تمثّل بشعر القاسم بن عبد الله الوزير، وهو قوله: [الطويل] قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوّا ولم أمهل على ظنّة خلقا وأخليت دور الملك من كلّ نازل ... وبدّدتهم غربا وشرّدتهم شرقا ثمّ جعل يبكى ويقول:" ما أغنى عنّى ماليه! هلك عنى سلطانيه! " وصار يردّدها إلى أن مات في شوّال ببغداد وله سبع وأربعون سنة. وتولّى الملك من بعده ابنه

стр. 1212

صمصام الدولة، ولم يجلس للعزاء إلّا في أوّل السنة. أظنّ أنّهم كانوا أخفوا موت عضد الدولة لأمر، أو أنّه اشتغل بملك جديد حتّى فرغ منه. وفيها توفّى محمد بن جعفر بن أحمد أبو بكر الحريرىّ المعدّل «١» البغدادىّ، وكان يعرف بزوج الحرّة، وكان جليل القدر، من الثّقات. مات ببغداد، ودفن عند قبر معروف الكرخىّ. رحمة الله عليهما. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٣] السنة الثامنة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة. فيها في ثانى عشر المحرّم أظهرت «٢» وفاة عضد الدولة وحمل تابوته إلى المشهد، وجلس ابنه صمصام الدولة للعزاء، وجاءه الخليفة الطائع معزّيا، ولطم عليه الناس فى [دوره «٣» وفي] الأسواق أيّاما عديدة. ثمّ ركب صمصام الدولة إلى دار الخلافة، وخلع عليه الخليفة الطائع عبد الكريم سبع خلع، وعقد له لواءين، ولقّب شمس الملّة «٤» . وفيها بعد مدّة يسيرة ورد الخبر على صمصام الدولة المذكور بموت عمّه مؤيّد الدولة أبى منصور بن ركن الدولة بجرجان، فجلس صمصام الدولة أيضا للتعزية؛ وجاءه الخليفة الطائع مرّة ثانية معزّيا في عمّه مؤيّد الدولة المذكور. ولمّا مات مؤيّد الدولة كتب وزيره الصاحب إسماعيل بن عبّاد إلى أخيه فخر الدولة علىّ بن ركن الدولة

стр. 1213

بالإسراع إليه وضبط ممالك أخيه مؤيّد الدولة؛ فقدم فحر الدولة إليه وملك بلاد أخيه، واستوزر الصاحب بن عباد المذكور. وعظم ابن عبّاد في أيام فخر الدولة إلى الغاية. وفيها كان الغلاء المفرط بالعراق، وبلغ الكرّ القمح أربعة آلاف وثمانمائة درهم، ومات خلق كثير على الطريق جوعا، وعظم الخطب. وفيها ولّى العزيز نزار صاحب الترجمة خطلخ «١» القائد إمرة دمشق. وفيها توفّى السلطان مؤيّد الدولة أبو منصور بويه ابن السلطان ركن الدولة حسن بن بويه المقدّم ذكره. مات بجرجان وله ثلاث وأربعون سنة وشهر. وكانت مدّة إمرته سبع سنين وشهرا. وكان قد تزوّج ببنت عمّه معزّ الدولة، فأنفق فى عرسها سبعمائة ألف دينار. وكان موته في ثالث عشر شعبان؛ فيكون بعد موت أخيه عضد الدولة بنحو عشرة أشهر. وصفا الوقت لأخيهما فخر الدولة. وفيها توفّى سعيد بن سلّام أبو عثمان المغربىّ. مولده بقرية يقال لها كركنت «٢» ، كان أوحد عصره في الزهد والورع والعزلة. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن عثمان «٣» بن المختار أبو محمد المزنىّ الواسطىّ الحافظ، كان ثقة، مات بواسط. ومن كلامه قال: «الذين وقع عليهم اسم الخلافة ثلاثة: آدم، وداود ﵉، وأبو بكر الصديق رضى الله عنه. قال الله تعالى في حقّ آدم: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ، وقال في حقّ داود: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ

стр. 1214

خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) . وقبض رسول الله ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم كلّهم يقول لأبى بكر: يا خليفة رسول الله» . أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإصبعان. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٤] السنة التاسعة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة أربع وسبعين وثلثمائة. فيها دخلت القرامطة البصرة لمّا علموا بموت عضد الدولة، ولم يكن لهم قوّة على حصارها، فجمع لهم مال فأخذوه وانصرفوا. وفيها وقع الصلح بين صمصام الدولة وبين عمّه فخر الدولة بمكاتبة أبى عبد الله ابن سعدان إلى الصاحب بن عبّاد. فكان ابن سعدان يخاطب الصاحب بن عبّاد بالصاحب الجليل، والصاحب بن عباد يخاطب ابن سعدان بالأستاذ مولاى ورئيسى. وفيها ملكت الأكراد ديار بكر بن ربيعة. وسببه. أنّه كان بجبال حيزان «١» رجل كردىّ يقطع الطريق، يقال له أبو عبد الله «٢» الحسين بن دوستك، ولقبه پاد، واجتمع عليه خلق كثير، وجرت له مع بنى حمدان حروب إلى أن قتل. فلمّا قتل پاد، المذكور كان له صهر يقال له مروان بن كسرى وكان له أولاد ثلاثة، وكانوا

стр. 1215

من قرية يقال لها كرماس «١» بين إسعرذ «٢» والمعدن، وكانوا رؤساءها. فلمّا خرج پاد خرج معه أولاد مروان المذكور وهم: الحسن «٣» وسعيد وأحمد وأخ آخر. فلمّا قتل پاد انضمّ عسكره على ابن أخته الحسين، واستفحل أمره وتقاتل مع من بقى من بنى حمدان فهزمهم. ثمّ مات عضد الدولة بن بويه، فصفا له الوقت وملك ديار بكر وميّافارقين، وأحسن السيرة في الناس فأحبّته الرعيّة؛ ثم افتتح بعد ذلك عدّة حصون، يأتى ذكرها إن شاء الله تعالى في محلّها. وفيها توفّى عبد الرّحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الخطيب الفارقىّ «٤» صاحب الخطب، والذي من ذرّيته الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة الشاعر المتأخر، الآتى ذكره إن شاء الله تعالى. وكان مولده بميّافارقين في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة. وكان بارعا في الأدب، وكان يحفظ" نهج البلاغة" وعامّة خطبه بألفاظها ومعانيها، ومات بميافارقين عن تسع وثلاثين سنة. ولولده أبى طاهر محمد خطب أيضا. وفيها توفّى محمد بن محمد بن مكّىّ أبو أحمد «٥» القاضى الجرجانى، رحل في طلب الحديث ولقى الشيوخ، وكان حافظا فاضلا أديبا. ومن شعره رحمة الله: [الوافر] مضى زمن وكان الناس فيه «٦» ... كراما لا يخالطهم خسيس

стр. 1216

فقد دفع «١» إلى الكرام إلى زمان ... أخسّ رجالهم فيه رئيس [تعطّلت «٢» المكارم يا خليلى ... وصار الناس ليس لهم نفوس] أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٥] السنة العاشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة خمس وسبعين وثلثمائة. فيها توفّى أحمد بن الحسين بن علىّ الحافظ أبو زرعة الرازىّ الصغير، كان إماما طاف البلاد في طلب الحديث، وجالس الحفّاظ، وصنّف التراجم والأبواب، وكان متقنا صدوقا؛ فقد بطريق مكّة في هذه السنة. وفيها توفّى الحسين بن علىّ بن محمد بن يحيى الحافظ أبو أحمد النيسابورىّ، ويقال له حسينك، مولده سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ومات بنيسابور في شهر ربيع الآخر، وكان ثقة جليلا مأمونا حجّة. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر التّميمىّ الأبهرىّ الفقيه المالكىّ، ولد سنة تسع وثمانين ومائتين، وصنّف التصانيف الحسان في مذهبه، وانتهت إليه رياسة المالكيّة في زمانه. وفيها توفّى عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران أبو مسلم البغدادىّ الحافظ الثقة العابد العارف، رحل الى البلاد وأقام بسمرقند وجمع المسند، وكان يعدّ من الزهّاد.

стр. 1217

وفيها توفّى عبد الله بن علىّ بن عبيد الله أبو القاسم الواردىّ البصرىّ القاضى شيخ أهل الظاهر في عصره، سمع الكثير وحدّث، وكان موصوفا بالفضل وحسن السيرة، وولى القضاء بعدّة بلاد وحسنت سيرته. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو زرعة الرازىّ الصغير أحمد بن الحسين الحافظ. وأبو علىّ الحسين بن علىّ التميمىّ حسينك. والحسين ابن محمد بن عبيد أبو عبد الله العسكرىّ الدّقاق في شوّال. وأبو مسلم عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران البغدادىّ الحافظ الزاهد. وأبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الدّاركىّ «١» شيخ الشافعيّة ببغداد. وأبو القاسم عبد العزيز بن جعفر الخرقىّ. وعمر بن محمد بن على أبو حفص الزيّات. ومحمد بن عبد الله بن محمد القاضى أبو بكر الأبهرىّ شيخ المالكيّة بالعراق. ويوسف بن القاسم القاضى أبو بكر الميانجىّ «٢» . أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٦] السنة الحادية عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ست وسبعين وثلثمائة. فيها استقرّ الأمر على الطاعة لشرف الدّولة بن عضد الدّولة، وتحالف الإخوة الثلاثة أولاد عضد الدولة وتعاقدوا؛ ومضمون ما كتب بينهم: «هذا ما اتّفق عليه وتعاهد وتعاقد شرف الدولة أبو الفوارس، وصمصام الدولة، وأبو النصر أبناء عضد الدولة بن ركن الدولة، اتفقوا على طاعة أمير المؤمنين الطائع

стр. 1218

لله ولشرف الدولة بن عضد الدولة» ، وذكر ما جرت به العادة؛ وكان ذلك بعد أمور وقعت بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة المذكور حتى أذعن «١» له صمصام الدولة. وفيها توفّى أبو القاسم المظفّر بن علىّ الملقب بالموفّق أمير البطيحة، وولى بعده أبو الحسن علىّ بن نصر بعهد منه. فبعث ابن نصر هذا لشرف الدولة يبذل الطاعة وسأل الخلع والتقليد؛ فأجيب إلى ذلك ولقّب مهذّب الدولة؛ فسار بالناس أحسن سيرة. وفيها توفّى الحكم «٢» بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد الأموىّ المغربىّ أمير الأندلس. ولى مملكة الأندلس بعد وفاة أبيه يوم مات سنة خمسين وثلثمائة. وكنيته أبو العاصى، ولقبه المستنصر بالله؛ وأقام واليا على الأندلس خمسا وعشرين سنة، ومات في صفر. وأمّه أم ولد يقال لها مرجان. وتولّى بعده ولده هشام ابن الحكم، وكان مشكور السيرة. وهو الذي كتب إليه العزيز صاحب الترجمة من مصر يهجوه، وقد ذكرنا ذلك في أوّل ترجمة العزيز؛ فردّ المستنصر هذا جواب العزيز، وكتب في أوّل كتابه قصيدة أوّلها: [الطويل] ألسنا بنى مروان كيف تقلّبت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر إلى أن قال: إذا ولد المولود منّا تهلّلت ... له الأرض واهتزّت إليه المنابر ثمّ قال: وبعد، فقد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لهجوناك. والسلام.

стр. 1219

وفيها توفّى محمد بن أحمد بن حمدان بن علىّ بن عبد الله بن سنان أبو عمرو «١» الحيرىّ الزاهد، صحب جماعة من الزهّاد، وكان عالما بالقراءات والنحو، وكان متعبّدا، مات ببغداد في ذى القعدة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المستملى ببلخ، طوّف وخرّج المعجم. وأبو سعيد الحسن بن جعفر السمسار الخرقىّ. وأبو الحسن «٢» علىّ بن الحسن بن علىّ القاضى الجرّاحىّ الضعيف. وأبو الحسن على بن عبد الرّحمن البكّائىّ «٣» . وأبو القاسم عمر بن محمد بن سبنك «٤» . وقسّام الحارثىّ الغالب على دمشق قبض عليه في هذه السنة. وأبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيرىّ في ذى القعدة عن ثلاث وتسعين سنة. وأبو بكر محمد بن عبد الله ابن عبد العزيز الرازىّ الواعظ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٧] السنة الثانية عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة سبع وسبعين وثلثمائة. فيها توفّيت والدة شرف الدولة، فجاءه الخليفة الطائع لله معزّيّا.

стр. 1220

وفيها في شعبان ولد لشرف الدولة بن عضد الدولة ولدان توءمان؛ فكنّى أحدهما أبا حرب وسماه سلار، والثانى أبا منصور وسماه فنّاخسرو. وفيها ولّى العزيز صاحب الترجمة بكتكين التركىّ إمرة دمشق، وندبه لقتال قسّام، حسب ما تقدّم ذكره. وفيها توفّى الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علىّ الفارسىّ النحوىّ الإمام المشهور، ولد ببلدة فسا «١» ، وقدم بغداد، وسمع الحديث وبرع في علم النحو وانفرد به، وقصده الناس من الأقطار، وعلت منزلته في العربيّة، وصنّف فيها كتبا كثيرة لم يسبق إلى مثلها حتّى اشتهر ذكره في الآفاق؛ وتقدّم عند عضد الدولة حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبى علىّ في النحو. ومن تصانيف أبى علىّ:" الإيضاح" و" التكملة" وكتاب" الحجة في القراءات"؛ ومات ببغداد في شهر ربيع الأوّل عن نيّف وتسعين سنة. وفيها كان قد هيّأ «٢» العزيز صاحب مصر عدّة شوانى «٣» لغزو الروم، فاحترقت مراكبه فاتّهم بها أناسا. ثمّ بعد ذلك وصلت رسل الروم في البحر إلى ساحل القدس بتقادم «٤» للعزيز، ودخلوا مصر يطلبون الصلح؛ فأجابهم العزيز واشترط شروطا شديدة التزموا بها كلّها؛ منها: أنّهم يحلفون أنّه لا يبقى في مملكتهم أسير

стр. 1221

إلّا أطلقوه، وأن يخطب للعزيز في جامع قسطنطينية كلّ جمعة، وأن يحمل إليه من أمتعة الروم كلّ ما افترضه «١» عليهم؛ ثمّ ردّهم بعقد الهدنة سبع سنين. وفيها توفّيت ستيتة، وقيل آمنة، بنت القاضى أبى عبد الله الحسين المحاملىّ، وأمّ القاضى أبى الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملىّ، كنيتها أمة الواحد. كانت فاضلة، من أعلم الناس وأحفظهم لفقه الشافعىّ، وتقرأ القراءات والفرائض والنحو وغير ذلك من العلوم مع الزهد والعبادة والصدقات، وكانت تفتى مع أبى على ابن أبى هريرة؛ وماتت في شهر رمضان. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٨] السنة الثالثة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ثمان وسبعين وثلثمائة. فيها في المحرّم أمر شرف الدولة بأن ترصد الكواكب السبعة في مسيرها وتنقّلها فى بروجها على مثال ما كان المأمون يفعل، وتولّى ذلك ابن رستم الكوهىّ «٢» ، وكان له علم بالهيئة والهندسة، وبنى بيتا في دار المملكة بسبب ذلك في آخر البستان، وأقام الرصد لليلتين بقيتا من صفر. وفيها كثرت العواصف وهبّت ريح بفم الصّلح «٣» عظيمة جرفت «٤» دجلة من غربيها إلى شرقيها، فأهلكت خلقا كثيرا وغرّقت كثيرا من السفن الكبار.

стр. 1222

وفيها بدأ المرض بشرف الدولة ولحقه سوء مزاج. وفيها لحق الناس بالبصرة حرّ عظيم في نيّف وعشرين يوما من تموز، وهو «أبيب» بالقبطىّ، فكان الناس يتساقطون موتى بالعراق في الشوارع. وفيها ولّى العزيز صاحب مصر على دمشق منيرا الخادم، وعزل عنها بكتكين التركىّ، لأنّه كان قيل عنه: إنّه خرج عن الطاعة. وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن أحمد بن علىّ بن محمد العلوىّ الدّمشقىّ، ويعرف بالعقيقى، صاحب الدار المشهورة بدمشق، وكان من وجوه الأشراف جوادا ممدّحا، مات بدمشق في جمادى الأولى. وفيها توفّى الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل أبو سعيد السّجزىّ القاضى الحنفىّ، وقيل: اسمه محمد، والخليل لقب له، ويعرف أيضا بابن جنك «١» . كان شيخ أهل الرأى في عصره، وكان مع كثرة علمه أحسن الناس كلاما في الوعظ والتذكير، وكان صاحب فنون من العلوم، وطاف الدنيا شرقا وغربا وسمع الحديث، وكان شاعرا فصيحا؛ مات قاضيا بسمرقند في جمادى الآخرة، ورثاه أبو بكر الخوارزمىّ. وفيها توفّى عبد الله بن علىّ بن محمد أبو نصر السرّاج الصوفى الطوسىّ، كان من كبار مشايخ طوس وزهّادهم، مات بنيسابور في شهر رجب وهو ساجد. ومن شعره: [البسيط] ما ناصحتك خبايا الودّ من أحد ... ما لم تنلك بمكروه من العذل مودّتى فيك «٢» تأبى أن تسامحنى ... بأن أراك على شىء من الزلل

стр. 1223

وفيها توفّى محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق أبو أحمد الحافظ النيسابورىّ الكرابيسىّ الحاكم الكبير إمام عصره صاحب التصانيف، سمع الكثير وروى عنه خلق كثير، وصنّف على كتابى البخارىّ ومسلم وعلى جامع أبى عيسى التّرمذىّ، وصنّف كتابى الأسماء والكنى والعلل والمخرّج على كتاب المزنىّ وغير ذلك، وولى القضاء بمدن كثيرة، ومات في شهر ربيع الأوّل عن ثلاث وتسعين سنة. وفيها توفّى [أبو «١» ] القاسم بن الجلّاب المالكى، وقيل اسمه عبد الرّحمن بن عبيد الله، وسمّاه القاضى عياض: محمد بن الحسين، تفقّه بالقاضى أبى بكر محمّد الأبهرىّ، وصنّف كتابا جليلا في مسائل الخلاف، وكتاب" التفريع" في مذهبه، وكان أحفظ أصحاب الأبهرىّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٧٩] السنة الرابعة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة تسع وسبعين وثلثمائة. فيها مات شرف الدولة شيرزيل «٢» بن عضد الدولة بويه، وقيل: فنّاخسرو، ابن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمىّ بعد أن عهد بالملك إلى أخيه أبى نصر.

стр. 1224

وجاء الطائع الخليفة لأبى نصر وعزّاه في أخيه شرف الدولة، ثمّ ركب أبو نصر إلى دار الخليفة وحضر الأعيان. وخلع الخليفة الطائع على أبى نصر المذكور سبع خلع أعلاها سوداء وعمامة سوداء، وفي عنقه طوق كبير، وفي يديه سواران، ومشى الحجّاب بين يديه بالسيوف. فلمّا حصل بين يدى الطائع قبّل الأرض، ثمّ أجلس على كرسىّ، وقرأ أبو الحسن «١» علىّ بن عبد العزيز «٢» بن حاجب النّعمان كاتب الخليفة عهده، وقدّم إلى الطائع لواءه فعقده ولقبه بهاء الدولة وضياء الملة. قلت: وهذا الثالث من بنى عضد الدولة بن بويه؛ فإنّه ولى بعد عضد الدولة صمصام الدولة، ثمّ شرف الدولة، ثمّ بهاء الدولة هذا. وكان بهاء الدولة المذكور من رجال بنى بويه. وبلغ الأتراك بفارس ولايته فوثبوا وأخرجوا صمصام الدولة من معتقله، وكان اعتقله أخوه شرف الدولة. ولمّا خرج صمصام الدولة واستفحل أمره، وقّع بينه وبين الأتراك، فتركوه وأقاموا ابن أخيه أبا علىّ ولقّبوه شمس الدولة. ووقع لهم أمور يطول شرحها. وفيها توفّى محمد بن المظفّر بن موسى بن عيسى أبو الحسين البزّاز البغدادىّ الحافظ المشهور، ولد سنة ستّ وثمانين ومائتين في المحرّم، ورحل وسمع الكثير، وروى عنه خلائق، كتب عنه الدارقطنىّ. وقد روينا مسنده الذي جمعه من حديث أبى حنيفة رضى الله عنه عن المسند المعمّر الحاكم عبد الرّحيم بن «٣» الفرات الحنفى.

стр. 1225

أنبأنا ابن أبى «١» عمر وغير واحد قالوا أنبأنا أبو الحسن «٢» بن البخارىّ أنبأنا الخشوعىّ «٣» أنبأنا ابن خسرو البلخىّ عن المبارك بن عبد الجبّار الصّيرفىّ «٤» عن أبى محمد الفارسىّ عن ابن المظفّر. وقال محمد بن أبى الفوارس: انتهى إليه علم الحديث مع الفقه والأمانة وحسن الخط. وفيها توفّى شرف الدولة شيرزيل «٥» بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن ابن بويه بن فناخسرو الديلمىّ سلطان بغداد وابن سلطانها. ظفر بأخيه صمصام الدولة بعد حروب وحبسه وملك العراق. وكان حسن السيرة، يميل إلى الخير، وأزال المصادرات. وكان مرضه بالاستسقاء، وامتنع من الحمية فمات منه في جمادى

стр. 1226

الآخرة عن تسع وعشرين سنة، وملك سنتين وثمانية أشهر. وتولّى السلطنة بعده أخوه أبو نصر «١» بهاء الدولة، حسب ما ذكرناه في أوّل هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٠] السنة الخامسة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ثمانين وثلثمائة. فيها قلّد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوىّ العلوىّ نقابة الطالبيين والنظر فى المظالم وإمرة الحاجّ، وكتب عهده على جميع ذلك؛ واستخلف ولديه المرتضى والرضىّ على النّقابة، وخلع عليهما من دار الخلافة ببغداد. وفيها تغيّر بهاء الدولة على الخليفة الطائع لله عبد الكريم حتّى نكبه في السنة الآتية. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله نيابة عن الشريف أبى أحمد الموسوىّ. وفيها توفّى حمزة «٢» بن أحمد بن الحسين الشريف أبو الحسن العلوىّ الدمشقىّ، كان جوادا رئيسا، يسكن بباب الفراديس «٣» . ولما قرئ نسب خلفاء مصر الفاطميّين على منبر دمشق استهزأ بهم ونال منهم، فبعث ابن كلّس وزير العزيز [من «٤» ] قبض عليه، وحبسه بالإسكندريّة إلى أن مات بها.

стр. 1227

وفيها توفّى الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس أبو الفرج وزير العزيز صاحب مصر. كان يهوديّا من أهل بغداد ثم انتقل إلى الرملة وعمل سمسارا، فانكسر عليه مال فهرب إلى مصر. وتاجر لكافور الإخشيذىّ فرأى منه فطنة، فقال: لو أسلم لصلح للوزارة، فأسلم؛ فقصده الوزير «١» يوم ذلك، فهرب ابن كلّس هذا إلى المغرب، وترقّى إلى أن وزّره العزيز صاحب الترجمة سنة خمس وستين وثلثمائة. فاستقامت أمور العزيز بتدبيره إلى أن مات. فلما أشرف على الموت عاده العزيز وعمّه أمره. فقال له العزيز: ودت أنك تباع فاشتريك بملكى أو تفتدى فأفديك بولدى، فهل من حاجة [توصى «٢» بها؟] فبكى ابن كلّس وقبّل يده وجعلها على عينيه، ثم أوصى العزيز بوصايا ومات. فصلّى عليه العزيز وألحده في قبره بيده فى قبّة في دار العزيز كان بناها العزيز لنفسه، وأغلق الدواوين بعده أيّاما. وقيل: إنه كان حسن إسلامه وقرأ القرآن والنحو، وكان يجمع العلماء والفضلاء. ولمّا مات خلّف شيئا كثيرا. وقيل: إنه كفّن وحنّط بما قيمته عشرة آلاف دينار، قاله الذهبىّ وغيره من المؤرخين، ورثاه مائة شاعر. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم طلحة ابن محمد بن جعفر الشاهد. وأبو عبد الله «٣» محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرّج

стр. 1228

القرطبىّ قاضى الجماعة. ووزير مصر يعقوب بن يوسف بن كلّس. وأبو بكر محمد ابن عبد الرّحمن بن صبر «١» الحنفىّ المعتزلىّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨١] السنة السادسة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. فيها خلع الخليفة الطائع عبد الكريم في تاسع عشر شعبان، وتولّى القادر الخلافة. وسببه أن أبا الحسين «٢» بن المعلّم كان من خواصّ بهاء الدولة فحبسه الطائع؛ وجاء بهاء الدولة إلى دار الخلافة وقد جلس الطائع متقلّدا سيفا. فلمّا قرب [منه «٣» ] بهاء الدولة قبّل الأرض وجلس على كرسىّ؛ وتقدّم أصحابه فجذبوا الطائع بحمائل سيفه وتكاثروا عليه ولفّوه في كساء، وحمل في زبزب «٤» فى الدّجلة وأصعد الى دار الملك، واختلط «٥» الناس وظنّ أكثرهم أنّ القبض على بهاء الدولة، ونهبت دار الخلافة؛ وماج الناس، إلى أن نودى بخلافة القادر. وكتب على الطائع كتاب بخلع نفسه، وأنه سلّم الأمر إلى القادر بالله؛ فتشغّبت الجند يطلبون رسم البيعة، وتردّدت الرسل بينهم وبين بهاء الدولة، [ومنعوا الخطبة «٦» باسم القادر] ، ثم أرضوهم وسكنوا؛ وأقيمت الخطبة للقادر في الجمعة الآتية.

стр. 1229

والقادر هذا ابن عمّ الطائع المخلوع عن الخلافة به. واسمه أحمد، وكنيته أبو العباس ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر. والطائع الذي خلع اسمه عبد الكريم، وكنيته أبو بكر ابن الخليفة المطيع الفضل ابن الخليفة جعفر المقتدر المذكور؛ حبس وأقام سنين بعد ذلك إلى أن مات. على ما سيأتى ذكره في محلّه إن شاء الله تعالى. وفيها حجّ بالناس «١» أبو الحسن محمد بن الحسن بن يحيى العلوىّ الشريف أمير الحجّ، [وكذلك «٢» ] حجّ بالناس عدّة سنين. وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر النّيسابورىّ المقرئ العابد، مصنّف كتاب" الغاية في القراءات". قال الحاكم: كان إمام عصره في القراءات، وكان أعبد من رأينا من القرّاء، وكان مجاب الدعوة. مات في شوّال وله ستّ وثمانون سنة. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الجرّاح أبو بكر الخزّاز «٣» ، كان أديبا فاضلا فارسا شجاعا. وفيها توفى بكجور التركىّ، ولى إمرة دمشق لأستاذه العزيز صاحب الترجمة، نقل إليها من ولاية حمص. وكان ظالما جبّارا، ساءت سيرته في ولايته. ولما كثر ظلمه عزله العزيز صاحب مصر وولّى مكانه منيرا الخادم سنة ثمان وسبعين. فلم

стр. 1230

يسلّم بكجور المذكور البلد إلّا بعد قتال، وتوجّه إلى جهة حلب؛ ثم قتل بمكان يقال له الناعورة «١» . وكان أصل بكجور المذكور من موالى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان. وفيها توفّى سعد الدولة أبو المعالى شريف بن سيف الدولة علىّ بن عبد الله ابن حمدان التّغلبىّ الأمير صاحب حلب وابن صاحبها في شهر رمضان. وعهد إلى ولده أبى الفضائل، ووصّى لؤلؤا الكبير به وبولده الآخر أبى الهيجاء. ووقع بينهم وبين العزيز صاحب مصر وقائع وحروب، ذكرناها في أوّل ترجمة العزيز هذا، وما وقع له معهم إلى أن مات العزيز. وفيها توفّى عبد الله بن أحمد بن حمّويه بن يوسف بن أعين أبو محمد السّرخسىّ، مولده في سنة ثلاث وتسعين ومائتين. قال أبو ذرّ «٢» : قرأت عليه. وهو صاحب أصول حسان. وفيها توفّى عبيد الله بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم «٣» ابن عبد الرّحمن بن عوف أبو الفضل الزّهرىّ العوفىّ «٤» ، هو إمام مسند كبير القدر. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة. ولد سنة تسعين ومائتين. وفيها توفّى محمد بن إبراهيم بن علىّ بن عاصم بن زاذان الحافظ أبو بكر بن المقرئ مسند أصبهان، طاف البلاد وسمع الكثير وروى عنه خلق. قال ابن مردويه «٥» : هو ثقة مأمون صاحب أصول، مات في شوّال وله ستّ وتسعون سنة.
следующие страницы →