← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الآخرة عن تسع وعشرين سنة، وملك سنتين وثمانية أشهر. وتولّى السلطنة بعده أخوه أبو نصر «١» بهاء الدولة، حسب ما ذكرناه في أوّل هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٠] السنة الخامسة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ثمانين وثلثمائة. فيها قلّد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوىّ العلوىّ نقابة الطالبيين والنظر فى المظالم وإمرة الحاجّ، وكتب عهده على جميع ذلك؛ واستخلف ولديه المرتضى والرضىّ على النّقابة، وخلع عليهما من دار الخلافة ببغداد. وفيها تغيّر بهاء الدولة على الخليفة الطائع لله عبد الكريم حتّى نكبه في السنة الآتية. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله نيابة عن الشريف أبى أحمد الموسوىّ. وفيها توفّى حمزة «٢» بن أحمد بن الحسين الشريف أبو الحسن العلوىّ الدمشقىّ، كان جوادا رئيسا، يسكن بباب الفراديس «٣» . ولما قرئ نسب خلفاء مصر الفاطميّين على منبر دمشق استهزأ بهم ونال منهم، فبعث ابن كلّس وزير العزيز [من «٤» ] قبض عليه، وحبسه بالإسكندريّة إلى أن مات بها.

стр. 1227

وفيها توفّى الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس أبو الفرج وزير العزيز صاحب مصر. كان يهوديّا من أهل بغداد ثم انتقل إلى الرملة وعمل سمسارا، فانكسر عليه مال فهرب إلى مصر. وتاجر لكافور الإخشيذىّ فرأى منه فطنة، فقال: لو أسلم لصلح للوزارة، فأسلم؛ فقصده الوزير «١» يوم ذلك، فهرب ابن كلّس هذا إلى المغرب، وترقّى إلى أن وزّره العزيز صاحب الترجمة سنة خمس وستين وثلثمائة. فاستقامت أمور العزيز بتدبيره إلى أن مات. فلما أشرف على الموت عاده العزيز وعمّه أمره. فقال له العزيز: ودت أنك تباع فاشتريك بملكى أو تفتدى فأفديك بولدى، فهل من حاجة [توصى «٢» بها؟] فبكى ابن كلّس وقبّل يده وجعلها على عينيه، ثم أوصى العزيز بوصايا ومات. فصلّى عليه العزيز وألحده في قبره بيده فى قبّة في دار العزيز كان بناها العزيز لنفسه، وأغلق الدواوين بعده أيّاما. وقيل: إنه كان حسن إسلامه وقرأ القرآن والنحو، وكان يجمع العلماء والفضلاء. ولمّا مات خلّف شيئا كثيرا. وقيل: إنه كفّن وحنّط بما قيمته عشرة آلاف دينار، قاله الذهبىّ وغيره من المؤرخين، ورثاه مائة شاعر. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم طلحة ابن محمد بن جعفر الشاهد. وأبو عبد الله «٣» محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرّج

стр. 1228

القرطبىّ قاضى الجماعة. ووزير مصر يعقوب بن يوسف بن كلّس. وأبو بكر محمد ابن عبد الرّحمن بن صبر «١» الحنفىّ المعتزلىّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨١] السنة السادسة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. فيها خلع الخليفة الطائع عبد الكريم في تاسع عشر شعبان، وتولّى القادر الخلافة. وسببه أن أبا الحسين «٢» بن المعلّم كان من خواصّ بهاء الدولة فحبسه الطائع؛ وجاء بهاء الدولة إلى دار الخلافة وقد جلس الطائع متقلّدا سيفا. فلمّا قرب [منه «٣» ] بهاء الدولة قبّل الأرض وجلس على كرسىّ؛ وتقدّم أصحابه فجذبوا الطائع بحمائل سيفه وتكاثروا عليه ولفّوه في كساء، وحمل في زبزب «٤» فى الدّجلة وأصعد الى دار الملك، واختلط «٥» الناس وظنّ أكثرهم أنّ القبض على بهاء الدولة، ونهبت دار الخلافة؛ وماج الناس، إلى أن نودى بخلافة القادر. وكتب على الطائع كتاب بخلع نفسه، وأنه سلّم الأمر إلى القادر بالله؛ فتشغّبت الجند يطلبون رسم البيعة، وتردّدت الرسل بينهم وبين بهاء الدولة، [ومنعوا الخطبة «٦» باسم القادر] ، ثم أرضوهم وسكنوا؛ وأقيمت الخطبة للقادر في الجمعة الآتية.

стр. 1229

والقادر هذا ابن عمّ الطائع المخلوع عن الخلافة به. واسمه أحمد، وكنيته أبو العباس ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر. والطائع الذي خلع اسمه عبد الكريم، وكنيته أبو بكر ابن الخليفة المطيع الفضل ابن الخليفة جعفر المقتدر المذكور؛ حبس وأقام سنين بعد ذلك إلى أن مات. على ما سيأتى ذكره في محلّه إن شاء الله تعالى. وفيها حجّ بالناس «١» أبو الحسن محمد بن الحسن بن يحيى العلوىّ الشريف أمير الحجّ، [وكذلك «٢» ] حجّ بالناس عدّة سنين. وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر النّيسابورىّ المقرئ العابد، مصنّف كتاب" الغاية في القراءات". قال الحاكم: كان إمام عصره في القراءات، وكان أعبد من رأينا من القرّاء، وكان مجاب الدعوة. مات في شوّال وله ستّ وثمانون سنة. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الجرّاح أبو بكر الخزّاز «٣» ، كان أديبا فاضلا فارسا شجاعا. وفيها توفى بكجور التركىّ، ولى إمرة دمشق لأستاذه العزيز صاحب الترجمة، نقل إليها من ولاية حمص. وكان ظالما جبّارا، ساءت سيرته في ولايته. ولما كثر ظلمه عزله العزيز صاحب مصر وولّى مكانه منيرا الخادم سنة ثمان وسبعين. فلم

стр. 1230

يسلّم بكجور المذكور البلد إلّا بعد قتال، وتوجّه إلى جهة حلب؛ ثم قتل بمكان يقال له الناعورة «١» . وكان أصل بكجور المذكور من موالى سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان. وفيها توفّى سعد الدولة أبو المعالى شريف بن سيف الدولة علىّ بن عبد الله ابن حمدان التّغلبىّ الأمير صاحب حلب وابن صاحبها في شهر رمضان. وعهد إلى ولده أبى الفضائل، ووصّى لؤلؤا الكبير به وبولده الآخر أبى الهيجاء. ووقع بينهم وبين العزيز صاحب مصر وقائع وحروب، ذكرناها في أوّل ترجمة العزيز هذا، وما وقع له معهم إلى أن مات العزيز. وفيها توفّى عبد الله بن أحمد بن حمّويه بن يوسف بن أعين أبو محمد السّرخسىّ، مولده في سنة ثلاث وتسعين ومائتين. قال أبو ذرّ «٢» : قرأت عليه. وهو صاحب أصول حسان. وفيها توفّى عبيد الله بن عبد الرّحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم «٣» ابن عبد الرّحمن بن عوف أبو الفضل الزّهرىّ العوفىّ «٤» ، هو إمام مسند كبير القدر. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة. ولد سنة تسعين ومائتين. وفيها توفّى محمد بن إبراهيم بن علىّ بن عاصم بن زاذان الحافظ أبو بكر بن المقرئ مسند أصبهان، طاف البلاد وسمع الكثير وروى عنه خلق. قال ابن مردويه «٥» : هو ثقة مأمون صاحب أصول، مات في شوّال وله ستّ وتسعون سنة.

стр. 1231

وفيها توفّى عبيد الله بن أحمد بن معروف أبو محمد القاضى، ولى القضاء من الجانبين ببغداد، وكانت له منزلة عالية من الخلفاء والملوك خصوصا من الطائع، وكان من العلماء الثّقات الفضلاء العقلاء. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٢] السنة السابعة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة. فيها منع أبو الحسين علىّ بن محمد بن المعلّم الكوكبىّ صاحب أمر بغداد الرافضة من أهل الكرخ «١» وباب «٢» الطاق من النّوح في يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح؛ وكان ذلك يعمل من نحو ثلاثين سنة. وفيها جلس الخليفة القادر بالتاج وحضر القضاة والأشراف والأعيان، وأحضر رسول صاحب المولتان «٣» ، فذكر الرسول رغبة مرسله في الإسلام والدخول فيه برعيّته، وسأل أن ينفذ إليه الخليفة من يعلّمهم السنن والفرائض والشرائع والحدود؛ فكتب على يده كتابا ووعد بكلّ جميل، وسرّ الناس بذلك غاية السرور.

стр. 1232

وفيها شغب الديلم والترك والجند على بهاء الدولة وطلبوا منه تسليم أبى الحسين ابن المعلّم، وكان ابن المعلّم قد استولى على بهاء الدولة وحكم عليه وقصّر في حقّ الجند؛ فامتنع بهاء الدولة من تسليمه؛ ثم غلب وسلّمه لخاله شيرزيل، فسقاه السمّ مرّتين فلم يعمل فيه، فخنقه بحبل الستارة حتى مات ودفنه. وفيها غلت الأسعار ببغداد، فبيع رطل الخبز بأربعين درهما، والجوزة بدرهم. وفيها حجّ بالناس محمد بن الحسن العلوىّ. وفيها توفى أحمد بن علىّ بن عمر أبو الحسين الحريرىّ. ولد سنة اثنتين وثلثمائة، وهو غير صاحب المقامات. أخرج له الخطيب حديثا من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما". ومات أبو الحسين في شهر رمضان. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن عبد الوهّاب أبو سعيد الرازىّ القرشىّ الصوفىّ نزيل نيسابور، كان كالرّيحانة بين الصوفيّة، سيّدا ثقة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكرىّ في ذى الحجة. وأبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد بن يعقوب النّسائىّ الشافعىّ راوى مسند الحسن بن سفيان عنه. وأبو سعيد عبد الله ابن محمد بن عبد الوهّاب الرازىّ وله أربع وتسعون سنة. وأبو عمر محمد بن العباس ابن حيّويه «١» الخزّاز في [شهر] ربيع الآخر عن سبع وثمانين سنة.

стр. 1233

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٣] السنة الثامنة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة. فيها تزوّج الخليفة القادر بالله سكينة «١» بنت بهاء الدولة على صداق مائة ألف دينار؛ فماتت قبل الدخول بها. وفيها عظم الغلاء حتى بلغ ثمن كرّ القمح ببغداد ستة آلاف درهم وستمائة درهم غياثىّ «٢» ، والكارة الدقيق مائتين وستّين درهما. وفيها ابتنى الوزير أبو نصر سابور بن أردشير دارا بالكرخ سمّاها" دار العلم" ووقفها على العلماء ونقل إليها كتبا كثيرة. وفيها توفّى أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان الحافظ أبو بكر البزّاز «٣» ، ولد فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائتين، ومات في شوّال ببغداد. وكان ثبتا ثقة صاحب أصول. قيل له: أسمعت من الباغندىّ «٤» شيئا؟ قال: لا أعلم؛ ثمّ وجد سماعه منه، فلم يحدّث به تورّعا.

стр. 1234

وفيها توفّى جعفر بن عبد الله بن يعقوب أبو القاسم الرازىّ. روى عن محمد ابن هارون الرّويانىّ «١» مسنده، وسمع عبد الرّحمن بن أبى حاتم وجماعة. قال أبو يعلى «٢» الخليل: موصوف بالعدالة وحسن الديانة، وهو آخر من روى عن الرّويانىّ. وفيها توفّى عبد الله بن عطيّة بن عبد الله بن حبيب أبو محمد المقرئ الدمشقىّ المفسّر العدل إمام مسجد عطيّة داخل باب الجابية «٣» . كان يحفظ خمسين ألف بيت من شعر العرب في الاستشهادات على معانى القرآن واللغة. مات بدمشق فى شوال. ومن شعره قوله: [الكامل] احذر مودّة ماذق «٤» ... مزج المرارة بالحلاوه يحصى الذنوب عليك أيّام ... الصداقة للعداوه وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن [القاسم «٥» بن] حزم أبو محمد الأندلسىّ القلعىّ من أهل قلعة أيّوب «٦» . رحل إلى مصر والشام والعراق سنة خمسين وثلثمائة، وسمع الكثير وعاد إلى الأندلس، وصنّف الكتب. وكانوا يشبّهونه بسفيان الثورىّ فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ومات في شهر ربيع الآخر وله ثلاث وستون سنة.

стр. 1235

وفيها توفّى محمد بن صالح بن محمد بن سعد أبو عبد الله الأندلسىّ الفقيه المالكىّ، سمع بمصر والشام والجزيرة وبغداد، ثم أقام ببخارى حتّى مات بها في شهر رجب. وكان فاضلا أديبا ثقة. ومن شعره: [الكامل] ودّعت قلبى ساعة التوديع ... وأطعت قلبى وهو غير مطيعى إن لم أشيّعهم فقد شيّعتهم ... بمشيّعين: حشاشىّ ودموعى وفيها توفّى نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب أبو الفضل الطوسىّ العطّار الصوفىّ الحافظ، أحد أركان الحديث بخراسان مع الدّين والزّهد والسخاء والعفّة. وقد سافر إلى العراق ومصر والشام والحجاز، وجمع من الحديث ما لم يجمعه أحد، وصنّف الكتب. ومات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثمانى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٤] السنة التاسعة عشرة من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة أربع وثمانين وثلثمائة. فيها تزوّج مهذّب الدولة علىّ بن نصر ببنت بهاء الدولة بن بويه، وعقد أيضا للأمير أبى منصور «١» بن بهاء الدولة على بنت مهذّب الدولة، كلّ صداق مائة ألف دينار.

стр. 1236

وفيها سار صمصام الدولة بن عضد الدولة من شيراز يريد الأهواز، فخرج بهاء الدولة من بغداد ونزل واسطا، وأرسل جيشا لقتال صمصام الدولة بن بويه، فالتقوا مع صمصام الدولة وانتصروا عليه. وفيها عزل الشريف أبو أحمد الموسوىّ عن نقابة الطالبيّين، وصرف ولداه الرضى والمرتضى عن النيابة عنه، وتولّى عوضه الشريف الزينبىّ «١» . وفيها رجع الحاجّ إلى بغداد، ولم يحجّ أحد من العراق خوفا من القرامطة. وفيها توفّى إبراهيم بن هلال أبو إسحاق الصابئ صاحب الرسائل؛ كان فاضلا شاعرا، نكب غير مرّة بسبب رسائله. ومولده في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وثلثمائة، ومات في هذه السنة، ودفن بالشّونيزيّة «٢» . ورثاه الشريف الرضى الموسوىّ بقصيدته الدالية التى أوّلها: [الكامل] أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادى «٣» وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفا ورثى صابئا؛ فقال: إنما رثيت فضله. قال ابن خلكان: وجهد فيه عزّ الدولة أن يسلم فلم يفعل. وكان يصوم شهر رمضان مع المسلمين ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ. وفيها توفّى عبد الله «٤» بن محمد بن نافع بن مكرم أبو العباس البستىّ الزاهد، كان ورث من آبائه أموالا عظيمة أنفقها على الفقهاء والفقراء، أقام سبعين سنة لا يستند إلى جدار ولا إلى غيره، ومات في المحرّم.

стр. 1237

وفيها توفّى علىّ بن عيسى بن علىّ الإمام أبو الحسن الرّمّانىّ النحوىّ. مولده سنة ستّ وتسعين ومائتين، وبرع في علم النحو واللغة والأصول والتفسير وغيرها. وله كتاب" التفسير الكبير"، وهو كثير الفوائد إلا أنه صرّح فيه بالاعتزال؛ وسلك الزمخشرىّ سبيله وزاد عليه. مات ببغداد ودفن بالشّونيزيّة. وفيها توفّى محمد بن العبّاس بن أحمد بن محمد الحافظ أبو الحسن بن الفرات، ولد سنة تسع عشرة وثلثمائة، وكتب الكثير، وجمع ما لم يجمعه أحد من أقرانه؛ وكان عنده عن علىّ بن محمد المصرىّ وحده ألف جزء، وكتب مائة تفسير ومائة تاريخ، وخلّف ثمانية عشر صندوقا مملوءة كتبا غير ما سرق «١» منه، وأكثرها بخطّه. وكانت له جارية «٢» تعارض معه بما يكتبه. ومات ببغداد في شوّال، وكان مأمونا ثقة. انتهى كلام صاحب مرآة الزمان. وفيها توفّى محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله أبو عبد الله «٣» الكاتب المرزبانى، كان صاحب أخبار وروايات للآداب، وصنّف كتبا في فنون العلوم. وكان أبو علىّ الفارسىّ يقول عنه: هو من محاسن الدنيا. وفيها توفّى المحسّن بن علىّ بن محمد بن أبى الفهم القاضى أبو علىّ التّنوخىّ «٤» مصنّف كتاب" الفرج بعد الشدّة". مولده سنة سبع وعشرين وثلثمائة بالبصرة. وكان أديبا شاعرا. تقلّد القضاء بسرّمن رأى، ومات ببغداد في المحرّم.

стр. 1238

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٥] السنة العشرون من ولاية العزيز نزار على مصر وهى سنة خمس وثمانين وثلثمائة. فيها تحرّكت القرامطة على البصرة، فجهّز بهاء الدولة إليهم جيشا فرجعوا عنها. وفيها زلزلت الدنيا زلزلة عظيمة، مات فيها تحت الهدم خلق كثير. وفيها أمر صمصام الدولة بقتل من كان بفارس من «١» الأتراك، كلّ ذلك ولم ينتج أمر صمصام الدولة. وفيها توفّى طغان صاحب بهاء الدولة الذي كان ندبه لقتال صمصام الدولة بشيراز. وفيها حجّ بالناس أحمد بن محمد بن عبد الله العلوىّ من العراق، وبعث بدر «٢» بن حسنويه الكردىّ خمسة «٣» آلاف دينار إلى الأصفر الأعرابىّ الذي كان يقطع الطريق على الحاجّ عوضا عما كان يأخذه من الحاجّ، وجعل ذلك رسما عليه في كل سنة من ماله، ﵀. وفيها توفّى الوزير الصاحب إسماعيل بن عبّاد بن العباس أبو القاسم وزير مؤيّد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه، ثمّ وزر لأخيه فخر الدولة. كان أصله

стр. 1239

من الطالقان، وكان نادرة زمانه وأعجوبة عصره في الفضائل والمكارم. أخذ الأدب عن الوزير أبى الفضل بن العميد وزير ركن الدولة بن بويه، وسمع الحديث من أبيه ومن غير واحد، وحدّث باليسير. وهو أوّل وزير سمّى بالصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة من الصّبا فسمّاه الصاحب، فغلب عليه، ثمّ سمّى به كلّ من ولى الوزارة حتى حرافيش زماننا حملة اللحم وأخذة المكوس! وقيل: إنه كان يصحب ابن العميد فقيل له صاحب ابن العميد، ثم خفّف فقيل الصاحب. ولمّا ولى الوزارة قال فيه أبو سعيد الرّستمىّ «١» : [الكامل] ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد يروى عن العباس عبّاد وزا ... رته وإسماعيل عن عبّاد ولمّا مات مؤيّد الدولة تولّى السلطنة أخوه فخر الدولة، فأقرّ الصاحب هذا على وزارته؛ فعظم أمره أكثر ما كان؛ وبقى في الوزارة ثمانية عشر عاما، وفتح خمسين قلعة وسلّمها إلى فخر الدولة. وكان عالما بفنون كثيرة. وأما الشعر فإليه المنتهى فيه. ومن شعره: [الكامل]

стр. 1240

رقّ الزّجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشا كل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنّما قدح ولا خمر وله القصيدة التى أوّلها: [الوافر] تبسّم إذ تبسّم عن أقاحى ... وأسفر حين أسفر عن صباح وقيل: إنّ القاضى العميرىّ أرسل الى الصاحب كتبا كثيرة، وكتب معها يقول: [الخفيف] العميرىّ عبد كافى الكفاة «١» ... وإن اعتدّ في وجوه القضاة خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات «٢» من حسنها مترعات فأخذ منها الصاحب بن عبّاد كتابا واحدا، وكتب معها: قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات لست أستغنم الكثير فطبعى ... قول «خذ» ليس مذهبى قول «هات» ومات الصاحب بالرّىّ عشيّة ليلة الخميس خامس عشرين صفر، وأغلقت له مدينة الرّىّ، وحضر مخدومه فخر الدولة وجميع أعيان مملكته، وقد غيّروا لباسهم. فلمّا خرج نعشه صاح الناس صيحة واحدة، وقبّلوا الأرض لنعشه، ومشى فخر الدولة أمام نعشه، وقعد للعزاء أيّاما، ورثاه الشعراء بعدّة قصائد. قلت: وأخبار ابن عبّاد كثيرة، وقد استوعبنا أمره في كتاب «الوزراء» . وليس هذا محلّ الإطناب في التراجم سوى تراجم ملوك مصر التى بسببها صنّف هذا الكتاب.

стр. 1241

وفيها توفّى علىّ بن عمر بن أحمد بن مهدىّ بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله أبو الحسن البغدادىّ الدّارقطنىّ، الحافظ المشهور صاحب التصانيف. سمع من أبى القاسم البغوىّ وخلق كثير ببغداد والكوفة والبصرة وواسط، ورحل فى كهولته الى الشام ومصر، فسمع القاضى أبا الطاهر «١» الذّهلىّ وطبقته؛ وروى عنه أبو حامد الإسفراينى وأبو عبد الله الحاكم وعبد الغنى بن سعيد المصرىّ وخلق سواهم قال الخطيب أبو بكر: كان الدارقطنىّ فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته؛ انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال [وأحوال الرواة «٢» ] ، مع الصّدق والثقة، وصحة الاعتقاد. وكانت وفاته في ثامن ذى القعدة. وفيها توفّى عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن أيوب بن أزداد «٣» الشيخ أبو حفص بن شاهين الحافظ الواعظ محدّث بغداد ومفيدها، سمع الكثير وحدّث؛ ومولده سنة سبع وتسعين ومائتين. قال ابن ماكولا: كان ثقة مأمونا، سمع بالشام والعراق والبصرة وفارس، وجمع الأبواب والتراجم، وصنّف كثيرا. وفيها توفى أبو الحسن عبّاد بن العباس والد الصاحب بن عبّاد المقدّم ذكره، مات بعد ابنه بمدّة يسيرة. وكان فاضلا جليلا، سمع الحديث، وصنّف كتاب" أحكام القرآن". وقد تقدّم أن أصلهم من «الطّالقان» وهى قرية كبيرة بين قزوين وأبهر، وحولها عدّة قرى؛ وقيل: هو إقليم يقع عليه هذا الاسم. وبخراسان مدينة يقال لها «طالقان» غير هذه.

стр. 1242

وفيها توفّى بشر بن هارون أبو نصر النصرانىّ الكاتب، كان شاعرا هجّاء خبيث اللسان كتب مرّة إلى إبراهيم الصابئ: [السريع] حضرت بالجسم وقد كنت بالن ... فس وإن لم ترنى حاضرا «١» أنطقنى بالشعر حبّى لكم ... ولم أكن من قبلها شاعرا فكتب إليه الصابئ تحت خطّه: «ولا بعدها» . وفيها توفّى الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد أبو محمد الأديب الشاعر، كان فاضلا يتّجر وله مال كثير. ولمّا قدم المتنبّى بغداد خدمه؛ فقال له المتنبى: لو كنت مادحا تاجرا لمدحتك. وفيها توفّى عقيل بن محمد «٢» أبو الحسن الأحنف العكبرىّ الأديب الشاعر. ومن شعره: [الرمل] من أراد الملك والرا ... حة من همّ طويل فليكن فردا من النا ... س ويرضى بالقليل وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن سكّرة «٣» أبو الحسن الهاشمىّ البغدادىّ الشاعر المشهور، ويعرف بابن رابطة «٤» . هو من ولد علىّ بن المهدىّ من بنى العباس. كان شاعرا ظريفا فصيحا؛ وشعره في غاية الجودة والرقّة. من ذلك قوله:

стр. 1243

[المنسرح] فى وجه إنسانة «١» كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن في أحد الوجه بدر والصّدغ غالية ... والرّيق خمر والثغر من برد أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٦] السنة الحادية والعشرون من ولاية العزيز يزار على مصر- وفيها مات- وهى سنة ستّ وثمانين وثلثمائة. فيها في المحرّم ادّعى أهل البصرة أنهم كشفوا عن قبر عتيق فوجدوا فيه ميتا [طريّا «٢» ] بثيابه وسيفه، وأنه الزّبير بن العوّام؛ فأخرجوه وكفّنوه ودفنوه بالمربد؛ وبنى عليه أبو المسك عنبر بناء «٣» وجعله مشهدا، وأوقف عليه أوقافا ونقل إليه القناديل والآلات. قال الذهبىّ: فالله أعلم من ذلك الميّت. وفيها توفّى أحمد بن علىّ بن أحمد أبو علىّ المدائنى، ويلقب بالهائم. روى عن السّرىّ الرفّاء ديوان شعره. وكان شاعرا ماهرا. ومن شعره في كوسج «٤» : [المنسرج] وجه اليمانىّ من تأمّله ... أبصر فيه الوجود والعدما قد شاب عثنونه وشاربه ... وعارضاه لم يبلغا الحلما

стр. 1244

وفيها توفّى محمد بن علىّ بن عطيّة أبو طالب الحارثىّ، مصنّف كتاب" قوت القلوب «١» ". كان من أهل الجبل ونشأ بمكة وتزهّد، وكان له لسان حلو في الوعظ والتصوّف. وفيها توفى محمد بن إبراهيم بن أحمد أبو بكر السّوسىّ شيخ الصوفيّة بدمشق، كان زاهدا عابدا، ما عقد على درهم ولا دينار، ولا اغتسل من حلال ولا حرام، حدّث عن أحمد بن عطاء الرّوذبارىّ «٢» وأقرانه، ولقى المشايخ. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو حامد «٣» أحمد بن عبد الله النّعيمىّ بهراة في شهر ربيع الأوّل. وأبو أحمد عبد الله بن الحسين بن حسنون السّامرّىّ. وأبو أحمد عبيد الله بن يعقوب بن إسحاق الأصبهانى، روى عن جدّه مسند أحمد بن منيع. وأبو الحسن علىّ بن عمر الحربىّ السّكّرى «٤» فى شوّال وله تسعون سنة. وأبو عبد الله الختن «٥» شيخ الشافعيّة محمد بن الحسن الأسترآباذي «٦» . وأبو طالب محمد بن علىّ بن عطيّة المكىّ صاحب" القوت" في جمادى الآخرة. والعزيز نزار بن المعزّ العبيدىّ في رمضان عن ثلاث وأربعين سنة.

стр. 1245

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ذكر ولاية الحاكم بأمر الله على مصر هو أبو علىّ منصور الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله نزار بن المعزّ بالله معدّ بن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدىّ عبيد الله، العبيدىّ الفاطمىّ المغربىّ الأصل، المصرىّ المولد والدار والمنشأ، الثالث من خلفاء مصر من بنى عبيد والسادس منهم ممن ولى من أجداده بالمغرب، وهم: المهدىّ والقائم والمنصور المقدّم ذكرهم. مولده يوم الخميس لأربع ليال بقين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلثمائة بالقاهرة؛ وقيل: فى الثالث والعشرين منه. وولّاه أبوه العزيز عهد الخلافة فى شعبان سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة، وبويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وثلثمائة؛ فولى الخلافة وله إحدى عشرة سنة ونصف، وقيل: عشر سنين ونصف وستّة أيام، وقيل غير ذلك. قال العلّامة أبو المظفّر بن قزأوغلى في تاريخه: «وكانت خلافته متضادّة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبّة للعلم وانتقام من العلماء، وميل الى الصلاح وقتل الصلحاء. وكان الغالب عليه السخاء؛ وربّما بخل بما لم يبخل به أحد قطّ. وأقام يلبس الصوف سبع سنين، وامتنع من دخول الحمام؛ وأقام سنين يجلس فى الشمع ليلا ونهارا، ثمّ عنّ له أن يجلس في الظّلمة فجلس فيها مدّة. وقتل من العلماء والكتّاب والأماثل ما لا يحصى؛ وكتب على المساجد والجوامع سبّ أبى بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزّبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضى الله عنهم

стр. 1246

فى سنة خمس وتسعين وثلثمائة، ثمّ محاه في سنة سبع وتسعين؛ وأمر بقتل الكلاب وبيع الفقّاع «١» ، ثم نهى عنه؛ ورفع المكوس عن البلاد وعمّا يباع فيها؛ ونهى عن النجوم، وكان ينظر فيها؛ ونفى المنجّمين وكان يرصدها «٢» ؛ ويخدم زحل وطالعه المرّيخ، ولهذا كان يسفك الدّماء. وبنى جامع «٣» القاهرة، وجامع راشدة «٤» على النيل بمصر، ومساجد كثيرة، ونقل إليها المصاحف المفضّضة والستور الحرير وقناديل الذهب والفضّة؛ ومنع من صلاة التراويح عشر سنين، ثم أباحها؛ وقطع الكروم ومنع من بيع العنب، ولم يبق في ولايته كرما؛ وأراق خمسة آلاف جرّة من عسل فى البحر خوفا من أن تعمل نبيذا؛ ومنع النساء من الخروج من بيوتهنّ ليلا ونهارا؛ وجعل لأهل الذمّة علامات يعرفون بها، وألبس اليهود العمائم السّود، وأمر ألّا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألّا يستخدموا غلاما مسلما، ولا يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حمّاما، وجعل لهم حمامات على حدة؛ ولم يبق فى ولايته ديرا ولا كنيسة إلّا هدمها؛ ونهى عن تقبيل الأرض بين يديه والصلاة

стр. 1247

عليه في الخطب والمكاتبات؛ وجعل مكان الصلاة عليه: السلام على أمير المؤمنين، ثمّ رجع عن ذلك؛ وأسلم خلق من أهل الذّمّة خوفا منه ثم ارتدّوا؛ وأعاد الكنائس إلى «١» حالها» . انتهى كلام أبى المظفر. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ في تاريخه: «كان جوادا سمحا، خبيثا ماكرا، ردىء الاعتقاد، سفّاكا للدّماء؛ قتل عددا كبيرا من كبراء دولته صبرا؛ وكان عجيب السيرة، يخترع كلّ وقت أمورا وأحكاما يحمل الرعيّة عليها؛ فأمر بكتب سبّ الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمّال بالسبّ في الأقطار في سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وأمر بقتل الكلاب في مملكته وبطّل الفقّاع والملوخيّا؛ ونهى عن السمك، وظفر بمن باع ذلك فقتلهم؛ ونهى في سنة اثنتين وأربعمائة عن بيع الرطب ثمّ جمع منه شيئا عظيما فأحرق الكلّ؛ ومنع من بيع العنب وأباد كثيرا من الكروم؛ وأمر النصارى بأن تعمل في أعناقهم الصّلبان، وأن يكون طول الصليب ذراعا وزنته خمسة أرطال بالمصرىّ؛ وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامى الخشب في زنة الصلبان أيضا، وأن يلبسوا العمائم السّود، ولا يكتروا من مسلم بهيمة، وأن يدخلوا الحمّام بالصّلبان، ثمّ أفرد لهم حمّامات. وفي العام أمر بهدم الكنيسة المعروفة بالقمامة «٢» . ولّما أرسل إليه ابن باديس «٣» ينكر عليه أفعاله، أراد» استمالته فأظهر التفقه وحمل في كمّه الدفاتر وطلب إليه فقيهين وأمر هما بتدريس مذهب مالك في الجامع؛ ثمّ بدا له فقتلهما صبرا؛ وأذن للنصارى الذين أكرههم إلى الإسلام في الرجوع إلى الشّرك. وفي سنة أربع وأربعمائة منع النساء من الخروج

стр. 1248

فى الطريق، ومنع من عمل الخفاف لهنّ؛ فلم يزلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتّى مات. ثمّ إنّه بعد مدّة أمر بيناء ما كان أمر بهدمه من الكنائس. وكان أبوه العزيز قد ابتدأ بيناء جامعه الكبير بالقاهرة (يعنى الذي هو داخل باب النصر) فتممّه هو. وكان على بنائه ونظره الحافظ «١» عبد الغنى بن سعيد. وكان الحاكم يفعل الشيء ثمّ ينقضه. وخرج عليه أبو ركوة الوليد بن هشام العثمانىّ الأموىّ الأندلسىّ بنواحى برقة فمال إليه خلق عظيم؛ فجهّز الحاكم لحربه جيشا فانتصر عليهم أبو ركوة وملك؛ ثمّ تكاثروا عليه وأسروه؛ ويقال: إنه قتل من أصحابه مقدار سبعين ألفا. وحمل أبو ركوة إلى الحاكم فذبحه في سنة سبع وتسعين» . انتهى كلام الذهبىّ باختصار. قلت: ونذكر واقعته مع عسكر الحاكم وكيف ظفر به الحاكم وقتله مفصّلا فى سنة سبع وتسعين المذكورة في الحوادث بأوسع من هذا، إن شاء الله تعالى؛ لأن قصّته غريبة فتنظر هناك. وقال ابن خلّكان: «وكان أبو الحسن علىّ المعروف بابن يونس المنجّم قد صنع له" الزّيج" المعروف بالحاكمىّ وهو زيج كبير مبسوط. قال: نقلت من خطّ الحافظ أبى طاهر أحمد بن محمد السّلفىّ رحمه الله تعالى أن الحاكم المذكور كان جالسا في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته، فقرأ بعض الحاضرين: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ، والقارئ في أثناء ذلك كلّه يشير إلى الحاكم. فلمّا

стр. 1249

فرغ من القراءة قرأ شخص يعرف بابن المشجّر (والمشجّر بضم الميم وفتح الشين المعجمة والجيم المشدّدة وبعدها راء مهملة) وكان ابن المشجّر رجلا صالحا فقرأ: (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) . فلمّا انتهت قراءته تغيّر وجه الحاكم، ثمّ أمر لابن المشجّر المذكور بمائة دينار، ولم يطلق للآخر شيئا. ثمّ إنّ بعض أصحاب ابن المشجّر، قال له: أنت تعرف خلق الحاكم وكثرة استحالاته وما تأمن أن يحقد عليك [وأنّه «١» لا يؤاخذك في هذا الوقت] ثم يؤاخذك بعدها فالمصلحة عندى أن تغيب عنه. فتجهّز ابن المشجّر إلى الحجّ وركب فى البحر وغرق. فرآه صاحبه في النوم [فسأله عن «٢» حاله] فقال: ما قصّر الرّبان معنا، أرسى بنا على باب الجنّة» . انتهى كلام ابن خلكّان ﵀. وقال ابن الصابئ «٣» : «كان الحاكم يواصل الركوب ليلا ونهارا، ويتصدّى له الناس على طبقاتهم، فيقف عليهم ويسمع منهم، فمن أراد قضاء حاجته قضاها فى وقته، ومن منعه سقطت المراجعة في أمره. وكان المصريّون موتورين منه؛

стр. 1250

فكانوا يدسّون إليه الرّقاع المختومة بالدعاء عليه والسبّ له ولأسلافه، والوقوع فيه وفي حرمه، حتى انتهى فعلهم الى أن عملوا تمثال امرأة من قراطيس بخفّ وإزار، ونصبوها في بعض الطّرق وتركوا في يدها رقعة كأنها ظلامة؛ فتقدّم الحاكم وأخذها من يدها. فلمّا فتحها رأى في أوّلها ما استعظمه، فقال: انظروا هذه المرأة من هى؟ فقيل له: إنها معمولة من قراطيس؛ فعلم أنهم قد سخروا منه، وكان في الرقعة كلّ قبيح. فعاد من وقته إلى القاهرة، ونزل في قصره واستدعى القوّاد والعرفاء، وأمرهم بالمسير إلى مصر وضربها بالنار ونهبها، وقتل من ظفروا به من أهلها؛ فتوجّه إليها العبيد والروم والمغاربة وجميع «١» العساكر. وعلم أهل مصر بذلك فاجتمعوا وقاتلوا عن نفوسهم، وأوقعوا النار فى أطراف البلد؛ فاستمرّت الحرب بين العبيد والعامّة والرعيّة ثلاثة أيّام، والحاكم يركب في كلّ يوم إلى القرافة، ويطلع إلى الجبل ويشاهد النار ويسمع الصّياح ويسأل عن ذلك، فيقال له: العبيد يحرقون مصر وينهبونها، فيظهر التوجّع، ويقول: لعنهم الله! من أمرهم بهذا. فلمّا كان اليوم الرابع «٢» اجتمع الأشراف [والشيوخ «٣» ] إلى الجوامع ورفعوا المصاحف وضجّوا بالبكاء وابتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء، فرحمهم الأتراك ورّقوا لهم وانحازوا اليهم وقاتلوا معهم، وكان أكثرهم مخالطا لهم ومداخلا ومصاهرا، وانفرد العبيد وصار القتال معهم؛ وعظمت القصّة وزادت الفتنة، واستظهرت كتامة والأتراك عليهم، وراسلوا الحاكم، وقالوا: نحن عبيد ومماليك، وهذا البلد بلدك وفيه حرمنا وأموالنا وأولادنا وعقارنا، وما علمنا أنّ أهله جنوا جناية تقتضى سوء المقابلة، وتدعو إلى مثل

стр. 1251

هذه المعاملة. فإن كان هناك باطن لا نعرفه فأخبرنا به، وانتظرنا حتّى نخرج بعيالنا وأموالنا منه. وإن كان ما عليه هؤلاء العبيد مخالفا لرأيك فأطلقنا في معاملتهم بما يعامل به المفسدون والمخالفون. فأجابهم بأنه ما أراد ذلك، ولعن الفاعل له والآمر به، وقال: أنتم على الصواب في الذبّ عن المصرييّن، وقد أذنت لكم فى نصرتهم، والإيقاع بمن تعرّض لهم. وأرسل إلى العبيد سرّا يقول: كونوا على أمركم؛ وحمل إليهم سلاحا قوّاهم به. وكان غرضه في هذا أن يطرح بعضهم على بعض، وينتقم من فريق بفريق. وعلم القوم بما يفعل، فراسلته كتامة والأتراك: قد عرفنا غرضك، وهذا هلاك هذه البلدة وأهلها وهلا كنا معهم؛ وما يجوز أن نسلّم نفوسنا والمسلمين «١» لفتك الحريم وذهاب المهج. ولئن لم تكفّهم لنحرقنّ القاهرة، ونستنفرنّ «٢» العرب وغيرهم؟ فلمّا سمع الرسالة. وكانوا قد استظهروا على العبيد. ركب حماره ووقف بين الصّفّين وأوما للعبيد بالانصراف فانصرفوا، واستدعى كتامة والأتراك ووجوه المصريّين واعتذر إليهم، وحلف أنه برىء مما فعله العبيد؛ وكذب في يمينه؛ فقبّلوا الأرض بين يديه وشكروه، وسألوه الأمان لأهل مصر، فكتب لهم، وقرئ الأمان على المنابر، وسكنت الفتنة وفتح الناس أسواقهم وراجعوا معايشهم. واحترق من مصر مقدار ثلثها، ونهب نصفها. وتتبّع المصريّون من أخذ أزواجهم وبناتهم وأخواتهم، وابتاعوهنّ من العبيد بعد أن فضحوهنّ، وقتل بعضهنّ نفوسهنّ خوفا من العار. واستغاث قوم من العلوييّن الأشراف إلى الحاكم، وذكروا أنّ بعض بناتهم في أيدى العبيد على أسوأ حال، وسألوه أن يستخلصهنّ؛ فقال الحاكم: [انظروا «٣» ] ما يطالبونكم به عنهنّ لأطلقه لكم؛

стр. 1252

فقال له بعضهم: أراك الله في أهلك وولدك مثل ما رأينا في أهلنا وأولادنا، فقد اطّرحت الدّيانة والمروءة بأن رضيت لبنات عمّك بمثل هذه الفضيحة، ولم يلحقك منهنّ امتعاض «١» ولا غيرة. فحلم عنه الحاكم وقال له: أنت أيها الشريف محرج «٢» ونحن حقيقون باحتمالك وإلا غضبنا عليك وزاد الأمر على الناس فيما يفجؤهم به حالا بعد حال من كلّ ما تنخرق به العادات وتفسد الطاعات. ثم عنّ له أن يدّعى الرّبوبيّة، وقرّب رجلا يعرف بالأخرم ساعده على ذلك؛ وضمّ إليه طائفة بسطهم للأفعال الخارجة عن الدّيانة. فلمّا كان في بعض الأيام خرج الأخرم من القاهرة راكبا في خمسين رجلا من أصحابه، وقصد مصر ودخل الجامع راكبا دابّته، ومعه أصحابه على دوابّهم وقاضى القضاة ابن [أبى «٣» ] العوّام جالس فيه ينظر في الحكم، فنهبوا الناس وسلبوهم ثيابهم وسلّموا للقاضى رقعة فيها فتوى، وقد صدّرت باسم الحاكم الرّحمن الرّحيم. فلمّا قرأها القاضى رفع صوته منكرا، واسترجع وثار الناس بالأخرم وقتلوا أصحابه وهرب هو. وشاع الحديث فى دعواه الرّبوبيّة، وتقرّب إليه جماعة من الجهّال، فكانوا إذا لقوه قالوا: السلام عليك يا واحد يا أحد يا محيى يا مميت، وصارت له دعاة يدعون أوباش الناس، ومن سخف عقله إلى اعتقاد ذلك، فمال إليه خلق [كثير «٤» ] طمعا في الدنيا والتقرّب اليه. وكان اليهودىّ والنّصرانىّ إذا لقيه يقول: إلهى قد رغبت في شريعتى الأولى، فيقول الحاكم: افعل ما بدا لك، فيرتدّ عن الإسلام. وزاد هذا الأمر بالناس.

стр. 1253

وقال الشيخ شمس الدين في تاريخه مرآة الزمان: «رأيت في بعض التواريخ بمصر أنّ رجلا يعرف بالدّرزىّ «١» قدم مصر، وكان من الباطنيّة القائلين بالتناسخ؛ فاجتمع بالحاكم وساعده على ادّعاء الربوبيّة وصنّف له كتابا ذكر فيه أنّ روح آدم ﵇ انتقلت إلى علىّ بن أبى طالب، وأن روح علىّ انتقلت الى أبى الحاكم، ثمّ انتقلت إلى الحاكم. فنفق «٢» على الحاكم وقرّبه وفوّض الأمور إليه، وبلغ منه أعلى المراتب، بحيث إنّ الوزراء والقوّاد والعلماء «٣» كانوا يقفون على بابه ولا ينقضى لهم شغل إلّا على يده. وكان قصد الحاكم الانقياد الى الدرزى المذكور فيطيعونه. فأظهر الدّرزىّ الكتاب الذي فعله وقرأه بجامع القاهرة؛ فثار الناس عليه وقصدوا قتله، فهرب منهم؛ وأنكر الحاكم أمره خوفا من الرعيّة، وبعث إليه في السرّ مالا، وقال: اخرج إلى الشام وانشر الدعوة في الجبال، فإنّ أهلها سريعو الانقياد. فخرج الى الشام، ونزل بوادى تيم الله بن ثعلبة، غربىّ دمشق من أعمال بانياس «٤» ، فقرأ الكتاب على أهله، واستمالهم إلى الحاكم وأعطاهم المال، وقرّر في نفوسهم الدّرزىّ التناسخ، وأباح لهم شرب الخمر والزناء وأخذ مال من خالفهم في عقائدهم وإباحة دمه؛ وأقام عندهم يبيح [لهم «٥» ] المحظورات إلى أن انتهى «٦» » . وقال الذهبىّ: «وكان يحبّ العزلة- يعنى الحاكم- ويركب على بهيمة وحده في الأسواق، ويقيم الحسبة بنفسه، وكان خبيث الاعتقاد، مضطرب العقل. يقال: إنّه أراد أن يدّعى الإلهية وشرع في ذلك؛ فكلّمه أعيان دولته وخوّفوه،

стр. 1254

بخروج الناس كلّهم عليه فانتهى. [واتّفق «١» أنّه خرج ليلة في شوّال سنة إحدى عشرة] من القصر إلى ظاهر القاهرة، فطاف ليلته كلّها، ثم أصبح فتوجّه إلى شرقىّ حلوان ومعه ركابيّان «٢» ، فردّ أحدهما مع تسعة من العرب السّويديين «٣» ، ثم أمر الآخر بالانصراف. فذكر أنه فارقه عند قبر الفقاعىّ «٤» ، فكان آخر العهد به (يعنى الحاكم) » انتهى كلام الذهبىّ. ونذكر أمر موته بأطول من هذا من طرق عديدة. قال ابن الصابئ وغيره: «إنّ الحاكم لمّا بدت عنه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس منه. وكان له أخت يقال لها ستّ الملك، من أعقل النساء وأحزمهنّ، فكانت تنهاه وتقول: يا أخى، احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك. فكان يسمعها غليظ الكلام ويتهدّدها بالقتل. وبعث إليها يقول: رفع إلىّ أصحاب الأخبار أنّك تدخلين الرجال إليك وتمكّنينهم من نفسك، وعمل «٥» على إنفاذ القوابل لاستبرائها، فعلمت أنّها هالكة معه. وكان بمصر سيف الدولة بن دوّاس «٦» من شيوخ كتامة، وكان شديد الحذر من الحاكم، وممتنعا من دخول قصره ولقائه إلّا في المواكب على ظهر فرسه، واستدعاه الحاكم مرّة إلى قصره فامتنع.

стр. 1255

فلمّا كان يوم الموكب عاتبه الحاكم على تأخّره، فقال له سيف الدولة المذكور: قد خدمت أباك ولى عليكم حقوق كثيرة يجب لمثلها المراعاة، وقد قام في نفسى أنّك قاتلى، فأنا مجتهد في دفعك بغاية جهدى، وليس لك حاجة إلى حضورى في قصرك، فإن كان باطن رأيك في مثل ظاهره فدعنى على حالى، فإنّه لا ضرر عليك في تأخّرى عن حضور قصرك. وإن كنت تريد بى سوءا فلأن تقتلنى في دارى بين أهلى وولدى يكفّنوننى ويتولّوننى أحبّ إلىّ من أن تقتلنى في قصرك وتطرحنى تأكل الكلاب لحمى؛ فضحك الحاكم وأمسك عنه. وراسلت ستّ الملك أخت الحاكم ابن دوّاس هذا مع بعض خدمها وخوّاصها، وهى تقول له: لى إليك أمر لا بدّ لى فيه من الاجتماع بك؛ فإمّا تنكّرت وجئتنى ليلا، أو فعلت أنا ذلك. فقال: أنا عبدك والأمر لك. فتوجّهت إليه ليلا في داره متنكرة؛ ولم تصحب معها أحدا. فلمّا دخلت عليه قام وقبّل الأرض بين يديها دفعات ووقف في الخدمة، فأمرته بالجلوس، وأخلى المكان. فقالت: يا سيف الدولة. قد جئت في أمر أحرس به نفسى ونفسك والمسلمين، ولك فيه الحظّ الأوفر، وأريد مساعدتك فيه؛ فقال: أنا عبدك. فاستحلفته واستوثقت منه، وقالت له: أنت تعلم ما يقصده أخى فيك، وأنّه متى تمكّن منك لم يبق عليك، وكذا أنا، ونحن على خطر عظيم. وقد انضاف [إلى «١» ] ذلك [تظاهره «٢» ] بادّعائه الإلهية وهتكه ناموس الشريعة وناموس آبائه؛ وقد زاد جنونه. وأنا خائفة أن يثور المسلمون عليه فيقتلوه ويقتلونا معه، وتنقضى هذه الدولة أقبح انقضاء. فقال سيف الدولة: صدقت يا مولاتنا، فما الرأى؟ قالت: قتله ونستريح منه، فإذا تمّ لنا ذلك أقمنا ولده موضعه وبذلنا الأموال؛ وكنت أنت صاحب جيشه ومدبّره، وشيخ الدولة والقائم بأمره؛ وأنا امرأة من

стр. 1256

وراء حجاب، وليس غرضى إلّا السلامة منه، وأنى أعيش بينكم آمنة من الفضيحة. ثم أقطعته إقطاعات كثيرة، ووعدته بالأموال والخلع والمراكب [السنية «١» ] . فقال لها عند ذلك: مرى بأمرك؛ قالت: أريد عبدين من عبيدك تثق بهما في سرّك، وتعتمد عليهما في مهمّاتك. فأحضر عبدين ووصفهما بالشهامة؛ فاستحلفتهما ووهبتهما ألف دينار، ووقّعت لهما بثياب وإقطاعات وخيل وغير ذلك، وقالت لهما: أريد منكما أن تصعدا غدا إلى الجبل، فإنّها نوبة الحاكم في الركوب، وهو ينفرد ولا يبقى معه غير القرافىّ الرّكابىّ، وربّما ردّه، ويدخل الشّعب وينفرد بنفسه؛ فاخرجا عليه فاقتلاه واقتلا القرافىّ والصبىّ إن كانا معه؛ وأعطتهما سكّينين من عمل المغاربة تسمى [الواحدة «٢» منهما:] " يافورت" ولهما رأس كرأس المبضع الذي يفصد به الحجّام، ورجعت إلى القصر وقد أحكمت الأمر وأتقنته. وكان الحاكم [ينظر «٣» فى النجوم فنظر مولده وكان] قد حكم عليه بالقطع في هذا الوقت، فإن تجاوزه عاش نيّفا وثمانين سنة. وكان الحاكم لا يترك الركوب بالليل وطوف القاهرة. فلما كان تلك الليلة قال لوالدته: علىّ في هذه الليلة وفي غد قطع عظيم، والدليل عليه علامة تظهر في السماء طلوع «٤» نجم سمّاه، وكأنى بك وقد انتهكت وهلكت مع أختى، فإنّى ما أخاف عليك أضرّ منها. فتسلّمى هذا المفتاح فهو لهذه الخزانة، وفيها صناديق تشتمل على ثلثمائة ألف دينار، خذيها وحوّليها إلى قصرك تكون ذخيرة لك. فقبّلت الأرض وقالت: إذا كنت تتصور هذا فارحمنى واقض حقّى ودع ركوبك الليلة، وكان يحبّها، فقال: أفعل، ولم يزل يتشاغل حتّى مضى صدر

стр. 1257

من الليل، وكان له قوم ينتظرونه كلّ ليلة على باب القصر، فإذا ركب ركبوا معه ويتبعه أبو عروس صاحب العسس. ومن رسمه أن يطوف كلّ ليلة حول القصر في ألف رجل بالطبول الخفاف والبوقات البحرية. فإذا خرج الحاكم من باب القاهرة قال له: ارجع وأغلق الأبواب؛ فلا يفتحها حتّى يعود. وضجر الحاكم من تأخّره عن الركوب في تلك الليلة، ونازعته نفسه إليه؛ فسألته أمّه وقالت: نم ساعة، فنام ثمّ انتبه وقد بقى من الليل ثلثه، وهو ينفخ ويقول: إن لم أركب الليلة وأتفرّج وإلّا خرجت روحى. ثمّ قام فركب حماره، وأخته تراعى ما يكون من أمره، وكان قصرها مقابل قصره، فإذا ركب علمت. ولمّا ركب سار في درب يقال له درب السباع «١» ، وردّ صاحب العسس ونسيما الخادم صاحب السّتر والسيف، وخرج إلى القرافة ومعه القرافىّ الرّكابىّ والصبىّ. فحكى أبو عروس صاحب العسس أنه لما صعد الجبل وقف على تلّ كبير ونظر إلى النجوم وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وضرب بيد على يد، وقال: ظهرت يا مشئوم «٢» ! ثمّ سار في الجبل، فعارضه عشرة فوارس من بنى قرّة، وقالوا: قد طال مقامنا على الباب، وبنا من الفاقة والحاجة ما نسأل معه حسن النظر والإحسان؛ فأمر الحاكم القرافىّ أن يحملهم إلى صاحب بيت المال ويأمره أن يعطيهم عشرة آلاف درهم؛ فقالوا له: لعلّ مولانا ينكر تعرّضنا له في هذا المكان فيأمر بنا بمكروه، ونحن نريد الأمان قبل الإحسان، فما وقفنا إلّا من الحاجة؛ فأعطاهم الأمان وردّ القرافىّ معهم؛ وبقى هو والصبىّ، فسار إلى الشّعب الذي جرت عادته بدخوله،

стр. 1258

وقد كمن العبدان الأسودان له، وقد قرب الصّباح، فوثبا عليه وطرحاه إلى الأرض، فصاح: ويلكما! ما تريدان؟ فقطعا يديه من رأس كتفيه، وشقّا جوفه وأخرجا ما فيه، ولفاه في كساء، وقتلا الصبىّ، وحملا الحاكم إلى ابن دوّاس بعد أن عرقبا الحمار؛ فحمله ابن دوّاس مع العبدين إلى أخته ستّ الملك، فدفنته في مجلسها وكتمت أمره، وأطلقت لابن دوّاس والعبدين مالا كثيرا وثيابا. وأحضرت خطير «١» الملك الوزير وعرّفته الحال، واستكتمته واستحلفته على الطاعة والوفاء، ورسمت له بمكاتبة ولىّ العهد، وكان مقيما بدمشق نيابة عن الحاكم، بأن يحضر إلى الباب، فكتب إليه بذلك. وأنفذت علىّ بن داود أحد القوّاد إلى الفرما (وهى مدينة على ساحل البحر) فقالت له: إذا دخل ولىّ العهد فاقبض عليه، واحمله إلى تنيس، وقيل غير ذلك، كما سيأتى ذكره. ثمّ كتبت إلى عامل تنيّس عن الحاكم بإنفاذ ما عنده من المال، فأنفذه وهو ألف ألف دينار وألف ألف درهم، خراج ثلاث سنين. وجاء ولىّ العهد إلى الفرما، فقبض عليه وحمل إلى تنّيس. وفقد الناس الحاكم فى اليوم الثانى، ومنع أبو عروس من فتح أبواب القاهرة انتظارا للحاكم، على حسب ما أمره به. ثمّ خرج الناس في اليوم الثالث إلى الصحراء وقصدوا الجبل فلم يقفوا له على أثر. وأرسل القوّاد إلى أخته وسألوها عنه؛ فقالت: ذكر لى أنّه يغيب سبعة أيام، وما هنا إلّا الخير، فأنصرفوا على سكون وطمانينة. ولم تزل أخته في هذه الأيّام ترتّب الأمور وتفرّق الأموال وتستحلف الجند؛ ثمّ بعثت إلى ابن دوّاس المذكور وأمرته أن يستحلف الناس لابن الحاكم كتامة وغيرها، ففعل ذلك. فلمّا كان

стр. 1259

فى اليوم السابع ألبست أبا الحسن علىّ بن الحاكم أفخر الملابس واستدعت ابن دوّاس وقالت له: المعوّل في قيام هذه الدولة عليك، وتدبيرها موكل إليك، وهذا الصبىّ ولدك، فابذل في خدمته وسعك؛ فقبّل الأرض ووعدها بالطاعة. ووضعت التاج على رأس الصبىّ، وهو تاج عظيم فيه من الجواهر مالا يوجد في خزانة خليفة، وهو تاج المعزّ جدّ أبيه، وأركبته مركبا من مراكب الخليفة، وخرج بين يديه الوزير وأرباب الدولة. فلمّا صار إلى باب القصر صاح خطير الملك الوزير: يا عبيد الدولة، مولاتنا السيدة تقول لكم هذا مولاكم فسلّموا عليه؛ فقبّلوا الأرض بأجمعهم، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل، ولقّبوه الظاهر لإعزاز دين الله، وأقبل الناس أفواجا فبايعوه، وأطلق المال وفرح الناس وأقيم العزاء على الحاكم ثلاثة أيّام. وقال القضاعىّ في قتله وجها آخر، قال: «خرج الحاكم إلى الجبل المعروف بالمقطم ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوّال هذه السنة (يعنى سنة إحدى عشرة وأربعمائة) فطاف ليلته كلّها، وأصبح عند قبر الفقّاعىّ، ثمّ توجه شرقىّ حلوان: موضع بالمقطم، ومعه ركابيّان؛ فردّ أحدهما مع تسعة نفر من العرب، كانت لهم رسوم، ويقال لهم السّويديّون، إلى بيت المال وأمر لهم بجائزة، ثمّ عاد الرّكابىّ الآخر؛ وذكر أنّه فارقه عند قبر الفقّاعىّ والقصبة «١» ، وأصبح الناس على وسمهم؛ فخرجوا ومعهم الموكب «٢» والقضاة والأشراف والقوّاد فأقاموا عند الجبل إلى آخر النهار، ثمّ رجعوا إلى القاهرة ثمّ عادوا؛ ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فلمّا كان يوم الخميس سلخ شوّال خرج مظفّر صاحب المظلّة ونسيم صاحب السّتر و [ابن «٣» ]

стр. 1260

مسكين صاحب الرّمح وجماعة من الأولياء الكتاميّين والأتراك والقضاة والعدول وأرباب الدولة، فبلغوا دير القصير «١» (المكان المعروف بحلوان) ، وأمعنوا في الجبل؛ فبينما هم كذلك بصروا بالحمار الذي كان راكبه على قرن الجبل قد ضربت يداه بسيف فقطعتا، وعليه سرجه ولجامه، فتتّبعوا الأثر فإذا أثر راجل خلف أثر الحمار، وأثر راجل قدّامه فقصّوا [الأثر «٢» ] حتّى أتوا إلى البركة التى شرقىّ حلوان؛ فنزلها بعض الرجالة فوجد فيها ثيابه، وهى سبع جباب مزرّرة لم تحلّ أزرارها، وفيها أثر السكاكين فتيقّنوا قتله. وكان عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وولايته على مصر خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا. قال ابن خلكان بعد ما ذكر قتلته بنحو ما ذكرناه هنا: «مع أنّ جماعة من الغالين في حبّهم السّخيفى العقول يظنّون حياته، وأنه لا بدّ أن يظهر، ويحلفون بغيبة الحاكم، وتلك خيالات هذيانية» . انتهى. قال القضاعىّ بعد ما ساق سبب قتله بنحو ما ذكرناه إلى أن قال: «ثمّ أمرت ستّ الملك بخلع عظيمة ومال كثير ومراكب ذهب وفضة للأعيان، وأمرت ابن دوّاس أن يشاهدها في الخزانة، وقالت له: غدا نخلع عليك، فقبّل ابن دوّاس الأرض وفرح وأصبح من الغد، فجلس عند الستر ينتظر الإذن حتّى يأمر وينهى؛ وكان للحاكم مائة عبد يختصّون بركابه، ويحملون السيوف بين يديه، ويقتلون من

стр. 1261

يأمرهم بقتله، فبعثت بهم ستّ الملك إلى ابن دوّاس ليكونوا في خدمته، فجاءوا فى هذا اليوم ووقفوا بين يديه، فقالت ستّ الملك لنسيم صاحب السّتر: اخرج قف بين يدى ابن دوّاس، وقل للعبيد: يا عبيد، مولاتنا تقول لكم هذا قاتل مولانا الحاكم فاقتلوه، فخرج نسيم فقال لهم ذلك فمالوا على ابن دوّاس بالسيوف فقطّعوه، وقتلوا العبدين اللذين قتلا الحاكم؛ وكلّ من اطلع على سرّها قتلته، فقامت لها الهيبة فى قلوب الناس» . انتهى كلام القضاعى. وقال ابن الصابئ: لما قتلت ستّ الملك ابن دوّاس قتلت الوزير الخطير ومن كانت تخاف منه ممّن عرف بأمرها. وأمّا ما خلّفه الحاكم من المال فشىء كثير. قيل: إنّه ورد عليه أيّام خلافته رسول ملك الرّوم، فأمر الحاكم بزينة القصر. قالت السّيدة رشيدة عمّة الحاكم: فأخرج أعدالا مكتوبا على بعضها: الحادى والثلاثون والثلاثمائة، وكان في الأعدال الديباج المغرّز بالذهب، فأخرج ذلك وفرش الإيوان وعلّق في حيطانه حتّى صار الإيوان يتلألأ بالذّهب، وعلّق في صدره العسجدة، وهى درقة من ذهب مكلّلة بفاخر الجوهر يضيء لها ما حولها، إذا وقعت عليها الشمس لا تطبق العيون النظر إليها. وأيضا ممّا يدلّ على كثرة ماله ما خلّفته ابنته ستّ مصر بعد موتها، فخلّفت شيئا كثيرا يطول الشرح في ذكره، من ذلك ثمانية آلاف جارية- قاله المقريزى وغيره- ونيّف وثمانون زيرا صينيّا مملوءة «١» جميعا مسكا؛ ووجد لها جوهر نفيس، من جملته قطعة ياقوت زنتها عشرة مثاقيل. وكان إقطاعها في السنة خمسين ألف دينار، وكانت مع ذلك كريمة سمحة، والشيء بالشيء يذكر.

стр. 1262

وماتت في أيّام الحاكم عمّته السيدة رشيدة بنت المعزّ؛ فخلّفت ما قيمته ألف ألف وسبعمائة ألف دينار؛ ومن جملة ما وجد لها في خزائن كسوتها ثلاثون ألف ثوب خزّ، واثنا عشر ألفا من للثياب المصمتة ألوانا «١» ، ومائة قطرميز «٢» مملوءة كافورا، وكانت مع ذلك ديّنة تأكل من غزلها لا من مال السلطان. وماتت أختها عبدة بنت المعزّ بعدها بثلاثة أيّام، وكانتا قد ولدتا برقّادة من عمل القيروان. وتركت أيضا عبدة المذكورة مالا يحصى، من ذلك: أنّه ختم على موجودها بأربعين رطل شمع مصريّة «٣» ؛ ومن جملة «٤» ما وجد لها ألف وثلثمائة [قطعة «٥» ] مينا فضة، زنة كلّ مينا عشرة آلاف درهم، وأربعمائة سيف محلّى بذهب، وثلاثون ألف شقّة صقليّة، ومن الجوهر «٦» اردبّ زمرّد؛ وكانت لا تأكل عمرها إلّا الثريد. وقد خرجنا عن المقصود ونعود إلى ما يتعلق بالحاكم وأسبابه. وأمّا ولىّ العهد الذي كان بدمشق وكتبت بحضوره فاسمه الياس، وقيل: عبد الرّحيم، وقيل: عبد الرّحمن بن أحمد؛ وكنيته أبو القاسم ويلقّب بالمهدىّ، ولّاه الحاكم العهد سنة أربع وأربعمائة. وقد قدّمنا من ذكره أنه كان وصل إلى تنّيس، وقبض عليه صاحب تنّيس، وبعث به إلى ستّ الملك، فحبسته في دار وأقامت له الإقامات، ووكلت بخدمته خواصّ خدمها، وواصلته بالملاطفات والافتقادات فلمّا مرضت ويئست من نفسها أحضرت الظاهر لإعزاز دين الله (أعنى ابن

стр. 1263

أخيها الحاكم) وقالت له: قد علمت ما عاملتك به، وأقلّه حراسة نفسك من أبيك، فإنّه لو تمكّن منك لقتلك، وما تركت لك أحدا تخافه إلّا ولىّ العهد؛ فبكى بين يديها هو ووالدته؛ وسلّمت إليهما مفاتيح الخزائن، وأوصتهما بما أرادت. وقالت لمعضاد الخادم: امض إلى ولىّ العهد وتفقّد خدمته، فإذا دخلت عليه فانكبّ كأنّك تسائله بعد أن توافق الخدم على ضربه بالسكاكين؛ فمضى إليه معضاد فقتله ودفنه وعاد فأخبرها، فأقامت بعد ذلك ثلاثة أيام وماتت. وتولّى أمر الدولة معضاد الخادم المذكور ورجل آخر علوىّ من أهل قزوين وآخرون. وذكر القضاعىّ في قصّة ولىّ العهد شيئا غير ذلك، قال: إن ستّ الملك لمّا كتبت إلى دمشق بحمل ولىّ العهد إلى مصر لم يلتفت إلى ذلك؛ واستولى على دمشق، ورخّص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم من شرب الخمر، وسماع الملاهى، فأحبّه أهل دمشق. وكان بخيلا ظالما، فشرع في جمع المال ومصادرة الناس، فأبغضه الجند وأهل البلد. فكتبت أخت الحاكم إلى الجند فتتبّعوه حتّى مسكوه وبعثوا به مقيّدا إلى مصر، فحبس في القصر مكرما، فأقام مدّة. وحمل إليه يوما بطّيخ ومعه سكّين فأدخلها «١» فى سرّته حتى غابت. وبلغ ابن عمّه الظاهر بن الحاكم فبعث إليه القضاة والشهود؛ فلمّا دخلوا عليه اعترف أنّه الذي فعل ذلك بنفسه. وحضر الطبيب فوجد طرف السكين ظاهرا، فقال لهم: لم تصادف مقتلا. فلمّا سمع ولىّ العهد ذلك وضع يده عليها، فغيّبها في جوفه فمات. وقال ابن الصابئ: «وكان على حلب عند هلاك الحاكم عزيز الدولة فاتك الوحيدىّ، وقد استفحل أمره وعظم شأنه وحدّث نفسه بالعصيان؛ فلاطفته

стр. 1264

ستّ الملك وراسلته وآنسته، وبعثت إليه بالخلع والخيل بمراكب الذهب وغيرها، ولم تزل تعمل عليه [الحيل «١» ] حتّى أفسدت غلاما له يقال له بدر، وكان مالك أمره، وغلمانه تحت يده، وبذلت له العطاء الجزيل، [على الفتك به، ووعدته أن تولّيه مكانه «٢» ] . وكان لفاتك غلام هندىّ يهواه، فاستغواه بدر المذكور وقال: قد عرفت من مولاك ملالك، وتغيّر نيّته فيك، وعزم على قتلك، ودافعته عنك دفعات، وأنا أخاف عليك. ثم تركه بدر أياما، ووهب له دنانير وثيابا؛ ثم أظهر له المحبّة وقال: إن علم بنا الأمير قتلنا؛ فقال الهندىّ: فما أفعل؟ فاستحلفه بدر واستوثق منه، وقال: إن قبلت ما أقول أعطيتك مالا وأغنيتك وعشنا جميعا فى أطيب عيش. قال: فما تريد؟ قال: تقتله ونستريح منه؛ فأجابه وقال: الليلة يشرب وأنا أسقيه وأميل عليه، فإذا سكر فأقتله. وجلس فاتك المذكور على الشّرب، فلمّا قام إلى مرقده حمل الهندىّ سيفه، وكان ماضيا، ثمّ دخل في اللّحاف وبدر على باب المجلس واقف. فلمّا ثقل فاتك في نومه غمز بدر الهندىّ فضربه بالسيف فقطع رأسه؛ فصاح بدر واستدعى الغلمان وأمرهم بقتل الهندىّ فقتلوه. واستولى بدر على القلعة وما فيها؛ وكتب إلى أخت الحاكم بما جرى؛ فأظهرت الوجد على فاتك فى الظاهر، وشكرت بدرا في الباطن على ما كان منه من حفظ الخزائن، وبعثت إليه بالخلع، ووهبت له جميع ما خلّفه مولاه، وقلّدته موضعه. ونظرت ستّ الملك في أمور الدولة بعد قتل الحاكم أربع سنين، أعادت الملك فيها الى غضارته، وعمّرت الخزائن بالأموال، واصطنعت الرجال. ثم اعتلّت علّة لحقها فيها ذرب فماتت منه. وكانت عارفة مدبّرة غزيرة العقل» . وقد خرجنا عن المقصود على سبيل الاستطراد.

стр. 1265

وكانت وفاة الحاكم ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكان فيه كسوف الشمس. وكانت مدّة عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وقيل: سبعا وثلاثين سنة. وكانت ولايته على مصر خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا، قاله القضاعىّ. وتولّى الملك من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علىّ بن الحاكم، وقام بتدبير مملكته عمته ستّ الملك المقدّم ذكرها إلى أن ماتت، حسب ما ذكرناه. انتهت ترجمة الحاكم. ونذكر أيضا من أحواله نبذة كبيرة في الحوادث المتعلّقة بأيّامه مرتبة على السنين، فيها عجائب وغرائب. وأمّا ما ينسب إليه من الشعر- وقيل: هو للآمر العبيدىّ الآتى ذكره- فهو قوله: دع اللّوم عنّى لست منّى بموثق ... فلا بدّ لى من صدمة المتحنّق وأسقى جيادى من فرات ودجلة ... وأجمع شمل الدّين بعد التفرّق *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٧] السنة الأولى من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة سبع وثمانين وثلثمائة. فيها استولى الحاكم صاحب الترجمة خليفة مصر على السواحل والشامات. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله العلوىّ. وفيها توفّى الحسن بن عبد الله بن سعيد أبو أحمد العسكرىّ العلّامة الرّاوية، صاحب التصانيف الحسان في اللغة والأدب والأمثال. وفيها توفّى الحسن بن مروان أبو علىّ الكردىّ الأمير صاحب ميّافارقين. قد ذكرنا مبدأ «١» أمره وكيف تغلّب على ديار بكر وملك حصونها. مات قتيلا على باب آمد.
следующие страницы →