← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

يأمرهم بقتله، فبعثت بهم ستّ الملك إلى ابن دوّاس ليكونوا في خدمته، فجاءوا فى هذا اليوم ووقفوا بين يديه، فقالت ستّ الملك لنسيم صاحب السّتر: اخرج قف بين يدى ابن دوّاس، وقل للعبيد: يا عبيد، مولاتنا تقول لكم هذا قاتل مولانا الحاكم فاقتلوه، فخرج نسيم فقال لهم ذلك فمالوا على ابن دوّاس بالسيوف فقطّعوه، وقتلوا العبدين اللذين قتلا الحاكم؛ وكلّ من اطلع على سرّها قتلته، فقامت لها الهيبة فى قلوب الناس» . انتهى كلام القضاعى. وقال ابن الصابئ: لما قتلت ستّ الملك ابن دوّاس قتلت الوزير الخطير ومن كانت تخاف منه ممّن عرف بأمرها. وأمّا ما خلّفه الحاكم من المال فشىء كثير. قيل: إنّه ورد عليه أيّام خلافته رسول ملك الرّوم، فأمر الحاكم بزينة القصر. قالت السّيدة رشيدة عمّة الحاكم: فأخرج أعدالا مكتوبا على بعضها: الحادى والثلاثون والثلاثمائة، وكان في الأعدال الديباج المغرّز بالذهب، فأخرج ذلك وفرش الإيوان وعلّق في حيطانه حتّى صار الإيوان يتلألأ بالذّهب، وعلّق في صدره العسجدة، وهى درقة من ذهب مكلّلة بفاخر الجوهر يضيء لها ما حولها، إذا وقعت عليها الشمس لا تطبق العيون النظر إليها. وأيضا ممّا يدلّ على كثرة ماله ما خلّفته ابنته ستّ مصر بعد موتها، فخلّفت شيئا كثيرا يطول الشرح في ذكره، من ذلك ثمانية آلاف جارية- قاله المقريزى وغيره- ونيّف وثمانون زيرا صينيّا مملوءة «١» جميعا مسكا؛ ووجد لها جوهر نفيس، من جملته قطعة ياقوت زنتها عشرة مثاقيل. وكان إقطاعها في السنة خمسين ألف دينار، وكانت مع ذلك كريمة سمحة، والشيء بالشيء يذكر.

стр. 1262

وماتت في أيّام الحاكم عمّته السيدة رشيدة بنت المعزّ؛ فخلّفت ما قيمته ألف ألف وسبعمائة ألف دينار؛ ومن جملة ما وجد لها في خزائن كسوتها ثلاثون ألف ثوب خزّ، واثنا عشر ألفا من للثياب المصمتة ألوانا «١» ، ومائة قطرميز «٢» مملوءة كافورا، وكانت مع ذلك ديّنة تأكل من غزلها لا من مال السلطان. وماتت أختها عبدة بنت المعزّ بعدها بثلاثة أيّام، وكانتا قد ولدتا برقّادة من عمل القيروان. وتركت أيضا عبدة المذكورة مالا يحصى، من ذلك: أنّه ختم على موجودها بأربعين رطل شمع مصريّة «٣» ؛ ومن جملة «٤» ما وجد لها ألف وثلثمائة [قطعة «٥» ] مينا فضة، زنة كلّ مينا عشرة آلاف درهم، وأربعمائة سيف محلّى بذهب، وثلاثون ألف شقّة صقليّة، ومن الجوهر «٦» اردبّ زمرّد؛ وكانت لا تأكل عمرها إلّا الثريد. وقد خرجنا عن المقصود ونعود إلى ما يتعلق بالحاكم وأسبابه. وأمّا ولىّ العهد الذي كان بدمشق وكتبت بحضوره فاسمه الياس، وقيل: عبد الرّحيم، وقيل: عبد الرّحمن بن أحمد؛ وكنيته أبو القاسم ويلقّب بالمهدىّ، ولّاه الحاكم العهد سنة أربع وأربعمائة. وقد قدّمنا من ذكره أنه كان وصل إلى تنّيس، وقبض عليه صاحب تنّيس، وبعث به إلى ستّ الملك، فحبسته في دار وأقامت له الإقامات، ووكلت بخدمته خواصّ خدمها، وواصلته بالملاطفات والافتقادات فلمّا مرضت ويئست من نفسها أحضرت الظاهر لإعزاز دين الله (أعنى ابن

стр. 1263

أخيها الحاكم) وقالت له: قد علمت ما عاملتك به، وأقلّه حراسة نفسك من أبيك، فإنّه لو تمكّن منك لقتلك، وما تركت لك أحدا تخافه إلّا ولىّ العهد؛ فبكى بين يديها هو ووالدته؛ وسلّمت إليهما مفاتيح الخزائن، وأوصتهما بما أرادت. وقالت لمعضاد الخادم: امض إلى ولىّ العهد وتفقّد خدمته، فإذا دخلت عليه فانكبّ كأنّك تسائله بعد أن توافق الخدم على ضربه بالسكاكين؛ فمضى إليه معضاد فقتله ودفنه وعاد فأخبرها، فأقامت بعد ذلك ثلاثة أيام وماتت. وتولّى أمر الدولة معضاد الخادم المذكور ورجل آخر علوىّ من أهل قزوين وآخرون. وذكر القضاعىّ في قصّة ولىّ العهد شيئا غير ذلك، قال: إن ستّ الملك لمّا كتبت إلى دمشق بحمل ولىّ العهد إلى مصر لم يلتفت إلى ذلك؛ واستولى على دمشق، ورخّص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم من شرب الخمر، وسماع الملاهى، فأحبّه أهل دمشق. وكان بخيلا ظالما، فشرع في جمع المال ومصادرة الناس، فأبغضه الجند وأهل البلد. فكتبت أخت الحاكم إلى الجند فتتبّعوه حتّى مسكوه وبعثوا به مقيّدا إلى مصر، فحبس في القصر مكرما، فأقام مدّة. وحمل إليه يوما بطّيخ ومعه سكّين فأدخلها «١» فى سرّته حتى غابت. وبلغ ابن عمّه الظاهر بن الحاكم فبعث إليه القضاة والشهود؛ فلمّا دخلوا عليه اعترف أنّه الذي فعل ذلك بنفسه. وحضر الطبيب فوجد طرف السكين ظاهرا، فقال لهم: لم تصادف مقتلا. فلمّا سمع ولىّ العهد ذلك وضع يده عليها، فغيّبها في جوفه فمات. وقال ابن الصابئ: «وكان على حلب عند هلاك الحاكم عزيز الدولة فاتك الوحيدىّ، وقد استفحل أمره وعظم شأنه وحدّث نفسه بالعصيان؛ فلاطفته

стр. 1264

ستّ الملك وراسلته وآنسته، وبعثت إليه بالخلع والخيل بمراكب الذهب وغيرها، ولم تزل تعمل عليه [الحيل «١» ] حتّى أفسدت غلاما له يقال له بدر، وكان مالك أمره، وغلمانه تحت يده، وبذلت له العطاء الجزيل، [على الفتك به، ووعدته أن تولّيه مكانه «٢» ] . وكان لفاتك غلام هندىّ يهواه، فاستغواه بدر المذكور وقال: قد عرفت من مولاك ملالك، وتغيّر نيّته فيك، وعزم على قتلك، ودافعته عنك دفعات، وأنا أخاف عليك. ثم تركه بدر أياما، ووهب له دنانير وثيابا؛ ثم أظهر له المحبّة وقال: إن علم بنا الأمير قتلنا؛ فقال الهندىّ: فما أفعل؟ فاستحلفه بدر واستوثق منه، وقال: إن قبلت ما أقول أعطيتك مالا وأغنيتك وعشنا جميعا فى أطيب عيش. قال: فما تريد؟ قال: تقتله ونستريح منه؛ فأجابه وقال: الليلة يشرب وأنا أسقيه وأميل عليه، فإذا سكر فأقتله. وجلس فاتك المذكور على الشّرب، فلمّا قام إلى مرقده حمل الهندىّ سيفه، وكان ماضيا، ثمّ دخل في اللّحاف وبدر على باب المجلس واقف. فلمّا ثقل فاتك في نومه غمز بدر الهندىّ فضربه بالسيف فقطع رأسه؛ فصاح بدر واستدعى الغلمان وأمرهم بقتل الهندىّ فقتلوه. واستولى بدر على القلعة وما فيها؛ وكتب إلى أخت الحاكم بما جرى؛ فأظهرت الوجد على فاتك فى الظاهر، وشكرت بدرا في الباطن على ما كان منه من حفظ الخزائن، وبعثت إليه بالخلع، ووهبت له جميع ما خلّفه مولاه، وقلّدته موضعه. ونظرت ستّ الملك في أمور الدولة بعد قتل الحاكم أربع سنين، أعادت الملك فيها الى غضارته، وعمّرت الخزائن بالأموال، واصطنعت الرجال. ثم اعتلّت علّة لحقها فيها ذرب فماتت منه. وكانت عارفة مدبّرة غزيرة العقل» . وقد خرجنا عن المقصود على سبيل الاستطراد.

стр. 1265

وكانت وفاة الحاكم ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكان فيه كسوف الشمس. وكانت مدّة عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وقيل: سبعا وثلاثين سنة. وكانت ولايته على مصر خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا، قاله القضاعىّ. وتولّى الملك من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علىّ بن الحاكم، وقام بتدبير مملكته عمته ستّ الملك المقدّم ذكرها إلى أن ماتت، حسب ما ذكرناه. انتهت ترجمة الحاكم. ونذكر أيضا من أحواله نبذة كبيرة في الحوادث المتعلّقة بأيّامه مرتبة على السنين، فيها عجائب وغرائب. وأمّا ما ينسب إليه من الشعر- وقيل: هو للآمر العبيدىّ الآتى ذكره- فهو قوله: دع اللّوم عنّى لست منّى بموثق ... فلا بدّ لى من صدمة المتحنّق وأسقى جيادى من فرات ودجلة ... وأجمع شمل الدّين بعد التفرّق *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٧] السنة الأولى من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة سبع وثمانين وثلثمائة. فيها استولى الحاكم صاحب الترجمة خليفة مصر على السواحل والشامات. وفيها حجّ بالناس أبو عبد الله العلوىّ. وفيها توفّى الحسن بن عبد الله بن سعيد أبو أحمد العسكرىّ العلّامة الرّاوية، صاحب التصانيف الحسان في اللغة والأدب والأمثال. وفيها توفّى الحسن بن مروان أبو علىّ الكردىّ الأمير صاحب ميّافارقين. قد ذكرنا مبدأ «١» أمره وكيف تغلّب على ديار بكر وملك حصونها. مات قتيلا على باب آمد.

стр. 1266

وفيها توفّى صندل الخادم مولى بهاء الدولة وصاحب خيله (أعنى أمير اخوره «١» ) وقام الأمير أبو المسك عنبر مقامه. وفيها توفّى السلطان فخر الدولة أبو الحسن علىّ ابن السلطان ركن الدولة الحسن ابن بويه بن فنّاخسرو الديلمىّ، مات بالرىّ، وكان ابن أخيه بهاء الدولة بواسط، فجلس للعزاء وجلس ابنه أبو منصور ببغداد. وقيل: إنّ فخر الدولة سمّ وسمّ ولداه من بعده فمات الكلّ في هذه السنة؛ فملك أبو الحسن «٢» قابوس بن وشمكير من بعده طبرستان وجرجان؛ فإنّهما كانا في مملكته، وأخذهما منه مؤيّد الدولة أخو فخر الدولة هذا المقدّم ذكره. وكان فخر الدولة شجاعا، لقّبه الخليفة الطائع ب" ملك الأمّة" أو ب" فلك الأمّة". وكانت وفاته في عاشر شعبان، وله ستّ وأربعون سنة وخمسة أيّام. وكانت مدّة ملكه ثلاث عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة وعشرين يوما. وخلّف مالا كثيرا. قال ابن الصابئ بعد ما عدّد ما خلّفه من المتاع وغيره، قال: «وخلّف ألفى ألف وثمانمائة ألف وخمسة وسبعين ألفا ومائتين وأربعة وثمانين دينارا، ومن الورق والنّقرة «٣» والفضّة مائة ألف ألف وثمانمائة ألف وستين ألفا وسبعمائة وتسعين درهما، ومن الجواهر واليواقيت الحمر والصّفر والحلىّ واللؤلؤ والبلخش «٤» والماس وغيره أربعة عشر ألفا وخمسمائة وعشرين قطعة، قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن أوانى الذهب «٥» ما وزنه ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن البلّور والصينى ونحوه

стр. 1267

ثلاثة آلاف، ومن السلاح والثّياب والفرش ثلاثة آلاف حمل» . وقيل: إنّه خلّف من الخيل والبغال والجمال ثلاثين ألف رأس، ومن الغلمان والمماليك خمسة آلاف، ومن السّرارى خمسمائة؛ ومن الخيام عشرة آلاف خيمة. وكان شحيحا. كانت مفاتيح خزائنه في الكيس الحديد مسمّرا بالمسامير لا يفارقه. وملك بعده آبنه أبو طالب رستم وعمره أربع سنين. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس أبو الحسين البغدادىّ الواعظ، ويعرف بابن سمعون «١» ، وكان يسمّى الناطق بالحكمة. قال أبو عبد الرّحمن السّلمىّ: هو من مشايخ بغداد، له لسان عال في العلوم، لا ينتمى إلى أستاذ، وهو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب «٢» المعاملات. وفيها توفّى نوح بن منصور بن نوح أبو القاسم السّامانىّ. كان هو وآباؤه من ملوك ما وراء النهر وسمرقند. وولى نوح هذا وله ثلاث عشرة سنة، وتعصّب له عضد الدولة بن بويه، وأخذ له من الخليفة الطائع العهد على خراسان والخلع؛ فأقام على خراسان إحدى وعشرين سنة، ومات في شهر رجب. وفيها توفّى صمصام الدولة المرزبان، وكنيته أبو كاليجار بن عضد الدولة بن بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمىّ. ولى المملكة بعد موت أبيه عضد الدولة، فلم ينجح أمره، وغلب عليه أخوه شرف الدولة وقهره وحبسه وأخذ بغداد منه وأكحله. فدام في الحبس إلى أن مات أخوه شرف الدولة، ونزل من الحبس وهو أعمى. وانضمّ إليه الناس، وسار إلى فارس وملك شيراز. ووقع له

стр. 1268

أمور مع أولاد أخيه وحروب. وأقام بشيراز إلى أن قتل بها في هذه السنة؛ وقيل: فى السنة الآتية، وهو الأصحّ. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وإصبع واحدة. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٨] السنة الثانية من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة ثمان وثمانين وثلثمائة. فيها توفّى محمد «١» بن أحمد بن إبراهيم أبو الفرج المقرئ الشّنّبوذىّ، مولده في سنة ثلثمائة. كان يقول: أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر من شواهد القرآن. ومات ببغداد، وبها كان مولده. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خطّاب الإمام أبو سليمان الخطّابىّ البستىّ، الفقيه الأديب، مصنّف كتاب" معالم السنن" وكتاب" غريب الحديث" وكتاب" شرح أسماء الله الحسنى" وكتاب" الغنية" «٢» عن الكلام وأهله" وكتاب" العزلة" وغير ذلك. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريّاء الحافظ أبو بكر الشّيبانىّ الجوزقى المعدّل، شيخ نيسابور ومحدّثها وابن أخت محدّثها أبى إسحاق إبراهيم بن محمد- وجوزق: من قرى نيسابور- كان حافظا إماما، صنّف" المسند الصحيح" على كتاب مسلم. ومات في شوّال عن اثنتين وثمانين سنة.

стр. 1269

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٨٩] السنة الثالثة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة تسع وثمانين وثلثمائة. فيها حجّ بالناس محمد بن محمد بن عمر من العراق وكان في الحجّ الشريفان: الرضىّ والمرتضى؛ فاعترض ركب الحاجّ أبو الجرّاح الطائىّ، فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما حتى أطلق الحاجّ. وفيها استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد أن هزم الأمير عبد «١» الملك بن نوح السّامانىّ، وأزال السامانيّة منها؛ وأقام الدعوة للخليفة القادر بعد أن كانت للطائع الذي خلع. وفيها توفّى زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى أبو علىّ السّرخسىّ الفقيه الشافعىّ المقرئ المحدّث. سمع الكثير وروى عنه غير واحد. ومات في شهر ربيع الآخر وله ستّ وتسعون سنة. وفيها توفّى عبد الله بن أبى زيد عبد الرّحمن الفقيه أبو محمد القيروانىّ شيخ المالكيّة بالمغرب. جمع مذهب الإمام مالك رضى الله عنه وشرح أقواله. وكان واسع العلم كثير الحفظ ذا صلاح وعفّة وورع. قال القاضى عياض بن موسى بن عياض: حاز رياسة الدّين والدنيا، ورحل إليه من الأمصار.

стр. 1270

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٠] السنة الرابعة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة تسعين وثلثمائة. فيها ظهر بسجستان معدن الذهب، فكانوا يصفّون» من التراب الذهب الأحمر. وفيها ولّى الحاكم صاحب مصر على نيابة الشام فحل بن تميم، فمرض ومات بعد أشهر؛ فولّى الحاكم عوضه على دمشق علىّ بن جعفر بن فلاح. وفيها حجّ بالناس من العراق أبو الحارث العلوىّ. وفيها توفّى الحسين بن محمد بن خلف أبو عبد الله الفرّاء «٢» والد القاضى أبى يعلى. كان إماما فقيها على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة، وسمع الحديث وتفقّه وبرع. ومات في شعبان ببغداد. وفيها توفّى المعافى بن زكريّاء بن يحيى بن حميد بن حمّاد بن داود أبو الفرج النّهروانىّ «٣» ، ويعرف بابن طرارى «٤» . ولد سنة ثلاث وثلثمائة، وقيل: سنة خمس وثلثمائة. وكان إماما في النحو واللغة وأصناف الآداب، وكان يتفقّه على مذهب محمد بن جرير الطبرىّ. وصنّف كتاب" الجليس والأنيس". قال المعافى المذكور: حججت فكنت بمنّى فسمعت مناديا ينادى: يا أبا الفرج؛ فقلت: لعلّه غيرى.

стр. 1271

ثم نادى يا أبا الفرج المعافى؛ فهممت أن أجيبه. ثم إنه رجع فنادى: يا أبا الفرج المعافى بن زكريّاء النّهروانىّ؛ فقلت عند ذلك: هأنا: فما تريد؟ قال: لعلك من نهروان الشرق؟ قلت نعم؛ قال: نحن نريد نهروان الغرب. قال: فعجبت من هذا الاتفاق. قلت: وهذا من الغرائب كونه طابق اسمه واسم أبيه والكنية والشهرة ويكون هذا من نهروان الشرق، وذاك من نهروان الغرب. وكانت وفائه فى ذى الحجّة وله خمس وثمانون سنة. وفيها توفّى ناجية بن محمد بن سليمان أبو الحسن الكاتب البغدادىّ، نادم الخلفاء والأكابر، وكان شجاعا شاعرا فصيحا. ومن شعره قوله: [الطويل] ولمّا رأيت الصبح قد سلّ سيفه ... وولّى انهزاما ليله وكواكبه ولاح احمرار قلت قد ذبح الدجى ... وهذا دم قد ضمّخ الافق ساكبه أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإصبعان. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩١] السنة الخامسة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة إحدى وتسعين وثلثمائة. فيها جلس الخليفة القادر بأبّهة الخلافة، ودخل عليه الحجّاج بعد عودهم من الحج والقضاة والأشراف؛ فأعلمهم أنه قد جعل الأمر في ولده أبى الفضل، ولقّبه الغالب بأمر الله، وعمره ثمانى سنين وأربعة أشهر وأيام. وفيها حجّ من العراق بالناس أبو الحارس محمد بن محمد بن عمر العلوىّ.

стр. 1272

وفيها توفّى جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، الوزير المحدّث أبو الفضل المعروف بابن حنزابة «١» . كان أبوه قد وزر للمقتدر سنة خلع. وسافر هو إلى مصر، وتقلّد الوزارة لكافور الإخشيذىّ، وسمع الحديث بمصر ورواه، ومات بمصر. وفيها توفّى المقلّد بن المسيّب بن رافع حسام الدولة أبو حسّان العقيلىّ صاحب الموصل. كان أخوه أبو الذّوّاد «٢» أوّل من تغلّب على الموصل وملكها في سنة ثمانين وثلثمائة؛ وملك حسام الدولة هذا الموصل بعده؛ وكان حسن التدبير، واتسعت مملكته. وأرسل إليه الخليفة القادر اللّواء والخلع. وكان له شعر، وفيه رفض فاحش. قتله غلام له تركىّ في صفر. قلت: لا شلّت يداه!. يقال: إنّه قتله لأنّه سمعه يوصى رجلا من الحاجّ أن يسلّم على رسول الله ﷺ ويقول له: لولا صاحباك لزرتك. وذكر الذهبىّ هذه الحكاية بإسناد إلى جماعة إلى أن قال عن الرجل الذي قال له المقلّد هذا «٣» بالسلام إنّه قال: فأتيت المدينة ولم أقل ذلك إجلالا؛ فنمت فرأيت النّبيّ ﷺ في منامى، فقال: يا فلان لم لم تؤد الرسالة؟ فقلت: يا رسول الله أجللتك؛ فرفع رأسه إلى رجل قائم فقال له: خذ هذا الموسى واذبحه به (يعنى المقلّد) . ثم رجعنا فوافينا العراق، فسمعت أنّ الأمير المقلّد ذبح على فراشه ووجد الموسى عند رأسه؛ فذكرت للناس الرؤيا فشاعت؛ فأحضرنى ابنه (يعنى ابن المقلد) الذي ولى بعده، واسمه قرواش «٤» ، فحدّثته؛ فقال: أتعرف الموسى؟ فقلت نعم؛ فأحضر طبقا مملوءا مواسى فأخرجته منها؛ فقال:

стр. 1273

صدقت، هذا وجدته عند رأسه وهو مذبوح. قلت: هذا ما جوزى به في الدنيا، وأمّا في الأخرى فجهنّم وبئس المصير، هو وكلّ من يعتقد معتقده إن شاء الله تعالى. وفيها توفّى جيش بن محمد بن صمصامة أبو الفتوح القائد المغربىّ ابن أخت أبى محمود الكتامى «١» أمير أمراء جيوش المغرب ومصر والشام، وتولّى نيابة دمشق غير مرّة، وكان ظالما سفّاكا للدماء؛ ظلم الناس فاجتمع الصلحاء والزّهاد ودعوا عليه، فسلّط الله عليه الجذام حتّى رأى في نفسه العبر، ولم ينته حتّى أخذه الله. وفيها توفّى الحسين بن أحمد بن الحجّاج أبو عبد الله الشاعر، كان من أولاد العمّال والكتّاب ببغداد، وتولّى حسبة بغداد لعز الدولة بختيار بن «٢» بويه، فتشاغل بالشعر والسّخف والخلاعة عمّا هو بصدده. قلت: وابن الحجّاج هذا يضرب به المثل في السخف والمداعبة والأهاجى. وغالب شعره في الفحش والأهاجى والهزل؛ من ذلك قوله: [المجتث] المستعان بربّى ... من كسّ ستّى وزبّى قد كلّفانى نيكا ... قد كاد يقصف صلبى وقال ابن خلكان: الشاعر المشهور ذو المجون والخلاعة في شعره. كان فرد زمانه في فنّه، فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة ألفاظه وسلامة شعره من التكلف؛ ومدح الملوك والأمراء والوزراء. وديوانه كبير أكثر ما يوجد في عشرة مجلدات. والغالب عليه الهزل، وله في الجدّ أيضا. ويقال: إنّه في الشعر [فى «٣» ] درجة

стр. 1274

امرئ القيس وإنه لم يكن بينهما مثلهما، لأنّ كلّ واحد منهما مخترع طريقة. ولمّا مات رثاه الشريف الرضى. انتهى كلام ابن خلّكان باختصار. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٢] السنة السادسة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة. فيها في المحرّم غزا السلطان محمود بن سبكتكين الهند؛ فالتقاه صاحبها الملك جيپال «١» ومعه ثلثمائة فيل؛ فنصر الله ابن سبكتكين وقتل من الكفّار خمسة آلاف ومن الفيلة خمسة عشر فيلا. وفيها ولّى الحاكم على دمشق أبا منصور ختكين القائد، فظلم وأساء السّيرة. وفيها توفّى عثمان بن جنّى العلّامة أبو الفتح النحوىّ اللغوىّ الموصلىّ صاحب المصنّفات، منها" اللمع" و" [الكافى «٢» فى] شرح القوافى" و" المذكر والمؤنث" و" سرّ الصناعة" و" الخصائص" و" شرح المتنبّى" وغير ذلك. وكان أبوه جنّى مملوكا روميّا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدىّ الموصلىّ. وسكن ابن جنّى المذكور بغداد ودرّس بها وأقرأ حتّى مات في صفر. وفيها توفّى علىّ بن عبد العزيز أبو الحسن الجرجانى قاضى الرّى. سمع «٣» الحديث الكثير وترقّى في العلوم حتّى برع في الفقه والشعر والنحو وغير ذلك من العلوم.

стр. 1275

وفيها توفّى محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر القاضى الشافعىّ، ويعرف بابن الدّقّاق، صاحب الأصول، كان معدودا من الفضلاء، مات ببغداد. وفيها توفّى الوليد بن بكر بن مخلد «١» بن أبى زياد أبو العباس الأندلسىّ، رحل فى طلب العلم إلى مصر والشام والعراق والحجاز وخراسان وما وراء النهر، وسمع الكثير. وكان إماما عالما بالفقه والنحو والحديث والأدب والشعر. ومن شعره قوله: [المتقارب] لأىّ بلائك لا تدّكر ... وماذا يضرّك لو تعتبر فبان الشّباب وحلّ المشيب ... وحان الرحيل فما تنتظر أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٣] السنة السابعة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة. فيها منع عميد الجيوش يوم عاشوراء من النّوح وتعليق المسوح ببغداد وغيرها، ثم منع أهل السنة ممّا كانوا ابتدعوه أيضا في مقابلة الرافضة من التوجّه إلى قبر مصعب بن الزّبير وغيره، وسكنت الفتنة لذلك.

стр. 1276

وفي [شهر] ربيع الآخر منها أمر نائب دمشق من قبل الحاكم صاحب مصر تمصولت «١» الأسود الحاكمىّ [بمغربى «٢» ] فضرب وطيف به على حمار، ونودى عليه: هذا جزاء من يحبّ أبا بكر وعمر؛ ثم أمر به فضربت عنقه. رحمه الله تعالى. وفيها نازل السلطان محمود بن سبكتكين سجستان وأخذها من صاحبها خلف ابن أحمد بالأمان. وفيها لم يحجّ أحد من العراق خوفا من الأصيفر الأعرابىّ. وفيها زلزل الشام والعواصم والثغور، فمات تحت الهدم خلائق كثيرة. وفيها توفّى إسماعيل بن حمّاد أبو نصر الجوهرىّ، مصنّف كتاب" الصّحاح" فى اللغة. كان أصله من فاراب أحد بلاد الترك، وكان يضرب المثل به في حفظ اللغة وحسن الكتابة؛ وخطّه يذكر مع خط ابن مقلة ومهلهل واليزيدىّ. وكان يؤثر الغربة على الوطن، دخل بلاد ربيعة ومضر في طلب العلم واللغة. وفي كتابه الصحاح يقول إسماعيل «٣» بن محمد النيسابورىّ:

стр. 1277

[المنسرح] هذا كتاب الصّحاح سيّد ما «١» ... صنّف قبل الصحاح في الأدب يشمل أنواعه ويجمع ما ... فرّق في غيره من الكتب مات الجوهرىّ متردّيا من سطح داره «٢» بنيسابور. وفيها توفّى أمير المؤمنين الطائع لله أبو بكر عبد الكريم ابن الخليفة المطيع لله الفضل ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد الهاشمىّ العباسى البغدادىّ. وأمّه أمّ ولد. ولى الخلافة بعد أن خلع والده المطيع نفسه لمرض تمادى به في ذى القعدة سنة ثلاث وستين وثلثمائة؛ فدام في الخلافة إلى أن خلع بعد القبض عليه في شعبان سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وبويع القادر بالله بالخلافة. واستمرّ الطائع محبوسا في دار عند القادر مكرّما إلى أن مات في هذه السنة في ليلة عيد الفطر؛ وصلّى عليه القادر وكبّر عليه خمسا. ومات الطائع وله ثلاث «٣» وسبعون سنة. وفيها توفّى محمد بن عبد الرّحمن بن العباس بن عبد الرّحمن بن زكرياء الحافظ أبو طاهر البغدادىّ الذهبىّ المخلّص محدّث العراق. قال الخطيب أبو بكر: كان ثقة. مولده في شوّال سنة خمس وثلثمائة، وسمع الكثير وروى عنه غير واحد.

стр. 1278

وفيها توفّى إبراهيم بن أحمد [بن محمد أبو إسحاق «١» ] الطبرىّ المقرئ شيخ الشهود ومقدّمهم ببغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة. قرأ القرآن وسمع الكثير، وكان مالكىّ المذهب، وحجّ فأمّ بالناس بالمسجد الحرام أيّام الموسم؛ وما تقدّم فيه إمام ليس بقرشىّ سواه. وقرأ عليه الرضىّ الموسوىّ القرآن. وسكن بغداد وحدّث بها إلى أن توفّى بها ﵀. وفيها توفّى محمد بن عبد «٢» الله [بن محمد بن محمد «٣» ] بن حليس «٤» السّلامىّ الشاعر المشهور، كان فصيحا بليغا. ومن شعره وهو في المكتب وهو أوّل قوله: [المنسرح] بدائع الحسن فيه مفترقه ... وأعين «٥» الناس فيه متّفقه سهام ألحاظه مفوّقة ... فكلّ من رام وصله «٦» رشقه قال الثعالبىّ في حقّه: هو من أشعر أهل العراق قولا بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق. ثم قال بعد ما أثنى عليه: وقال الشعر وهو ابن عشر «٧» سنين. وفيها توفّيت ميمونة بنت ساقولة الواعظة البغدادية، كان لها لسان حلو في الوعظ. قالت: هذا قميصى له اليوم سبع وأربعون سنة ألبسه وما تخرّق، غزلته لى أمّى؛ الثوب إذا لم يعص الله فيه لا يتخرّق.

стр. 1279

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٤] السنة الثامنة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة أربع وتسعين وثلثمائة. فيها قلّد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوىّ قضاء القضاة والحجّ والمظالم ونقابة الطالبيين، ولقّبه [الطاهر «١» ] الأوحد ذا المناقب؛ فلم ينظر في القضاء لامتناع الخليفة القادر بالله من الإذن له في ذلك. وفيها حجّ بالناس من العراق أبو الحارث محمد العلوىّ؛ فاعترض الركب الأصيفر الشّيعىّ الأعرابىّ، وعوّل على نهبهم؛ فقالوا: من يكلّمه ويقرّر له ما يأخذه من الحاجّ؟ فقدّموا أبا الحسين بن الرّفّاء «٢» وأبا عبد الله بن الدّجاجىّ، وكانا من أحسن الناس قراءة؛ فدخلا عليه وقرأ بين يديه؛ فقال لهما: كيف عيشكما ببغداد؟ قالا: نعم العيش، تصلنا الخلّع والصّلات. فقال: هل وهبوا لكما ألف ألف دينار في مرّة واحدة؟ قالا: لا، ولا ألف دينار؛ فقال: قد وهبت لكما الحاجّ وأموالهم؛ فدعوا له وانصرفوا وفرح الناس. ولمّا قرأ بعرفات قال أهل مصر والشام: ما سمعنا عنكم تبذيرا «٣» مثل هذا، يكون عندكم شخصان مثل هذين فتصحبوئهما معكم معا، فإن هلكا فبأىّ شىء تتجمّلون بعد ذلك!. ومن حسن قراءتهما وطيب

стр. 1280

صوتهما اخذهما أبو الحسن بن بويه مع أبى عبد الله بن البهلول «١» ، فكانوا يصلّون به بالنوبة التراويح، وهم أحداث السنّ. وفيها توفّى الحسن بن محمد بن إسماعيل أبو علىّ الإسكافىّ الملقّب بالموفّق. كان بهاء الدولة قد فوّض إليه أموره وقام بتدبير ملكه. وكان شجاعا مقداما، لا يتوجّه في أمر إلّا وينصر. وارتفع أمره حتّى قال رجل أبهاء الدولة: يا مولانا، زينّك الله في عين الموفّق. ولا زال الناس به حتّى قبض عليه بهاء الدولة وخنقه. وفيها توفّى خلف بن القاسم بن سهل الحافظ أبو القاسم الأندلسىّ، كان يعرف بابن الدبّاغ، مولده سنة خمس وعشرين وثلثمائة، كان حافظا مكثرا جمع مسند الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه، وحديث شعبة بن الحجّاج، وأسامى «٢» المعروفين بالكنى من الصحابة والتابعين وسائر المحدّثين، وكان أعلم الناس برجال الحديث والتواريخ والتفسير. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٥] السنة التاسعة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة خمس وتسعين وثلثمائة. فيها حجّ بالعراقيّين أبو جعفر [بن «٣» ] شعيب، ولحقهم عطش كبير في طريقهم فهلك خلق كثير.

стр. 1281

وفيها قتل الحاكم صاحب مصر جماعة بمصر من أعيانها صبرا. وفيها كانت وقعة بين بهاء الدولة «١» بن بويه وبين عميد الجيوش، انكسر فيها عميد الجيوش وانهزم أقبح هزيمة. وفيها خرج أبو ركوة «٢» على الحاكم، وتعاظم أمره حتّى عزم الحاكم على الخروج إلى الشام، وبرز إلى بلبيس بالعساكر والأموال، فأشير عليه بالعود إلى مصر فعاد وجهّز إليه جيشا فواقعوه غير مرّة حتّى هزموه، حسب ما ذكرناه في أصل ترجمة الحاكم من هذا المحلّ، ونذكره أيضا في السنة الآتية. وفيها توفّى أحمد بن محمد البشرىّ «٣» الصوفىّ المحدّث، رحل في طلب الحديث وجاور بمكة مدّة وصار شيخ الحرم، ثمّ عاد إلى مصر فتوفّى بالطريق بين مصر ومكّة، وكان صالحا ثقة. وفيها توفّى أحمد بن فارس بن زكريّاء بن محمد بن حبيب أبو الحسين الرازىّ، وقيل: القزوينى المعروف بالرازىّ المالكىّ اللغوىّ نزيل همذان، وصاحب" المجمل" فى اللغة. سمع الحديث وروى عنه جماعة، وولد بقزوين ونشأ بهمذان، وكان أكثر مقامه بالرّىّ، وكان كاملا في الأدب فقيها مالكيا مناظرا في الكلام

стр. 1282

وينصر أهل السّنة، وطريقته في النحو طريقة الكوفيين. وله مصنّفات بديعة. ومن شعره قوله: [السريع] مرّت بنا هيفاء مجدولة ... تركيّة تنمى لتركىّ ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجّة نحوىّ وفيها توفّى أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الزاهد أبو الحسين بن أبى نصر النّيسابورىّ الخفّاف. قال الحاكم «١» : كان مجاب الدعوة، وسماعاته صحيحة بخطّ أبيه من أبى العباس «٢» السرّاج وأقرانه، وبقى واحد عصره في علوّ الإسناد؛ ومات في شهر ربيع الأوّل. قال الحاكم: وصلّيت عليه وله ثلاث وتسعون سنة. وفيها توفّى محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة- واسم مندة إبراهيم بن الوليد ابن سيدة- الحافظ الكبير أبو عبد الله العبدىّ الأصبهانىّ المعروف بابن مندة؛ رحل وطوّف الدنيا، وجمع وصنّف وكتب ما لا ينحصر. وحدّث عن أبيه وعمّ أبيه عبد الرّحمن بن يحيى وخلق كثير، وروى عنه جماعة. قال أبو نعيم «٣» - وهو معاصره-: ابن مندة حافظ من أولاد المحدّثين، توفّى في سلخ ذى القعدة، واختلط في آخر عمره. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث أصابع.

стр. 1283

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٦] السنة العاشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة ستّ وتسعين وثلثمائة. فيها حجّ بالناس من العراق محمد بن محمد بن عمر العلوىّ، وخطب بالحرمين للحاكم صاحب مصر على العادة، وأمر الناس بالحرمين بالقيام عند ذكر الحاكم، وفعل مثل ذلك بمصر وغيرها؛ فكان إذا ذكر قاموا وسجدوا في السوق وفي مواضع الاجتماع. وفيها جلس الخليفة القادر بالله العباسىّ لأبى المنيع قرواش بن أبى حسّان ولقّبه بمعتمد الدولة؛ وتفرّد قرواش المذكور بالإمارة وحده. وفيها توفّى إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أبو سعد الجرجانىّ، كان عالما بفنون العلم «١» والحديث والفقه والعربية، ودخل بغداد وعقد مجلس المناظرة، وحضره أبو الطيّب الطّبرىّ وأبو حامد الإسفراينى. وفيها توفّى عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد بن موسى الكلابىّ المحدّث أبو الحسين الدمشقىّ، يعرف بأخى تنوك، سمع الكثير وروى عنه الناس. قال عبد العزيز الكتّانى «٢» : كان ثقة نبيلا مأمونا. وكانت وفاته في شهر ربيع الأوّل، ومات وهو مسند وقته. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ أبو عمر أحمد بن عبد الله بن محمد بن على بن الباجىّ «٣» فى المحرّم. وأبو الحسن أحمد بن محمد بن

стр. 1284

عمران بن الجندىّ، وهو ضعيف. وأبو سعد إسماعيل بن أبى بكر الإسماعيلىّ شيخ الشافعية. وأبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن الكلابىّ في [شهر] ربيع الأول، وله تسعون سنة. والقاضى أبو الحسن على بن محمد بن إسحاق الحلبىّ بمصر. وأبو بكر محمد ابن [الحسن «١» بن] الفضل بن المأمون. وأبو بكر محمد بن على بن النضر «٢» الدّيباجىّ. وأبو بكر محمد بن عمر بن زنبور الورّاق. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٧] السنة الحادية عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة سبع وتسعين وثلثمائة. فيها دخل بهاء الدولة البصرة وملكها واستولى على ذخائر ابن واصل «٣» . وفيها استفحل أمر أبى ركوة الذي خرج على الحاكم، وذكرنا أمره في الماضية، ودعا لعمّه هشام الأموىّ. وأبو ركوة المذكور اسمه الوليد، وهو من ذريّة هشام ابن عبد الملك بن مروان؛ وعظم أمره وانضم عليه الخلائق واستولى على برقة وغيرها، وكسر عسكر الحاكم، وضرب السّكّة، وصعد المنبر وخطب خطبة بليغة، ولعن الحاكم وآباءه، وصلّى بالناس وعاد إلى دار الإمارة، وقد استولى على جميع ما كان فيها. وعرف الحاكم بما جرى فانزعج وكفّ عن القتل وانقطع عن الركوب الذي كان

стр. 1285

يواصله؛ ثم جهّز الحاكم إلى حرب أبى ركوة قائدا من الأتراك يقال له ينّال الطويل، وأرسل معه خمسة آلاف فارس- وكان معظم جيش ينّال [من] كتامه، وكانت مستوحشة من ينال فإنه قتل كبار كتامة بأمر الحاكم- فتوجّه ينّال وواقع أبا ركوة فهزمه أبو ركوة وأخذه أسيرا، وقال له: العن الحاكم، فبصق في وجه أبى ركوة؛ فأمر أبو ركوة به فقطّع إربا إربا. وأخذ أبو ركوة مائة ألف دينار كانت مع ينال وجميع ما كان معه، فقوى أمره أكثر ما كان. واشتدّ الأمر على الحاكم أكثر وأكثر بكسر ينال؛ وبعث إلى الشام واستدعى الغلمان الحمدانيّة والقبائل وأنفق عليهم الأموال وجهّزهم، وجعل عليهم الفضل بن عبد الله؛ فطرقهم أبو ركوة وكسرهم وساق خلفهم حتّى نزل عند الهرمين بالجيزة؛ وغلّق الحاكم أبواب القاهرة؛ ثمّ عاد أبو ركوة إلى عسكره. فندب الحاكم العساكر ثانيا، فسار بهم الفضل في جيوش كثيرة، والتقى مع أبى ركوة فهزمه وقتل من عسكره نحو ثلاثين ألفا. ثم ظفر الفضل بأبى ركوة وسار به مكرما إلى الحاكم. وسبب إكرامه له خوفه عليه من أن يقتل نفسه، وقصد الفضل أن يأتى به الحاكم حيّا. فأمر الحاكم أن يشهّر أبو ركوة على جمل ويطاف به. وكانت القاهرة قد زيّنت أحسن زينة، وكان بها شيخ يقال له الأبزارىّ، إذا خرج خارجىّ صنع له طرطورا وعمل فيه ألوان الخرق المصبوغة وأخذ قردا ويجعل في يده درّة ويعلّمه [أن] يضرب بها الخارجىّ من ورائه، ويعطى مائة دينار وعشر قطع قماش. فلمّا قطع أبو ركوة الجيزة أمر به الحاكم، فأركب جملا بسنامين وألبس الطّرّطور وأركب الأبزارىّ خلفه والقرد بيده الدّرّة وهو يضربه والعساكر حوله، وبين يديه خمسة عشر فيلا مزيّنة؛ ودخل القاهرة على هذا الوصف ورءوس أصحابه بين يديه على الخشب والقصب؛ وجلس الحاكم فى منظرة على باب الذهب، والترك والديلم عليهم السلاح وبأيديهم اللّتوت وتحتهم

стр. 1286

الخيول بالتّجافيف «١» حول أبى ركوة؛ وكان يوما عظيما، وأمر به الحاكم أن يخرج إلى ظاهر القاهرة ويضرب عنقه على تلّ بإزاء مسجد «٢» ريدان خارج القاهرة. فلمّا حمل إلى هناك أنزل فإذا به ميّت فقطع رأسه وحمل به إلى الحاكم؛ فأمر بصلب جسده. وارتفعت منزلة الفضل عند الحاكم بحيث إنّه مرض فعاده مرّتين أو ثلاثا، وأقطعه إقطاعات كثيرة ثم عوفى من مرضه، وبعد أيام قبض عليه الحاكم وقتله شرّ قتلة. وفيها كسا الحاكم الكعبة القباطىّ البيض، وبعث مالا لأهل الحرمين. وفيها توفّى عبد الصمد بن عمر بن محمد بن إسحاق أبو القاسم الدّينورىّ الواعظ الزاهد، كان فقيها زاهدا عابدا محدّثا منقطعا عن الناس، وهو من كبار الشيوخ ﵀. وفيها توفّى الشيخ الإمام العالم الحافظ أبو الحسن على بن عمر القصّار «٣» المالكىّ ببغداد. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا.

стр. 1287

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٨] السنة الثانية عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة ثمان وتسعين وثلثمائة. فيها في يوم عاشوراء عمل أهل الكرخ [ما جرت به «١» ] العادة من النّوح وغيره. واتفق يوم عاشوراء يوم المهرجان؛ فأخّره عميد الجيوش إلى اليوم الثانى مراعاة لأجل الرافضة، هذا ما كان «٢» ببغداد. فأمّا مصر فإنه كان يفعل بها في يوم عاشوراء من النوح والبكاء والصّراخ وتعليق المسوح أضعاف ذلك لا سيّما أيّام خلفاء مصر بنى عبيد، فإنّهم كانوا أعلنوا الرّفض وسبّ الصحابة من غير تستّر ولا خيفة. وفيها كانت فتنة عظيمة بين أهل السّنة والرافضة ببغداد. وفيها زلزلت الدّينور فهدمت المنازل وأهلكت ستة عشر ألف إنسان، وخرج من سلم إلى الصحراء وبنوا لهم أكواخا من القصب، وذهب من الأموال ما لا يعدّ ولا يخصى. وفيها هدم الحاكم بيعة «٣» قمامة التى ببيت المقدس وغيرها من الكنائس بمصر والشام، وألزم أهل الذمّة بما ذكرناه في ترجمة الحاكم. وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد أبو الفضل الهمذانىّ الملقّب ببديع الزمان، صاحب الرسائل الرائقة، وصاحب المقامات [الفائقة «٤» ] ؛ التى على منوالها نسج الحريرىّ مقاماته، واعترف له بالفضل عليه. وكان إمام وقته في المنثور

стр. 1288

والمنظوم. ومن كلامه النثر: الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه؛ وإذا سكن متنه، تحرّك نتنه. و [له من «١» تعزية] : الموت خطب قد عظم حتّى هان، ومسّ [قد «٢» ] خشن حتّى لان؛ والدنيا [قد «٣» ] تنكّرت حتّى صار الموت أخفّ خطوبها، وجنّت حتّى صار أصغر ذنوبها. وله من هذا أشياء كثيرة. وأمّا شعره فجيّد إلى الغاية. من ذلك قوله من جملة قصيدة: [البسيط] وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا وكانت وفاته في هذه السنة بمدينة هراة. وفيها توفّى عبد الواحد «٤» بن نصر بن محمد أبو الفرج المخزومىّ النّصيبىّ الشاعر المشهور المعروف بالببّغاء والببّغاء هو الطير المعروف بالدّرّة، وقيل غيرها. خدم الببغاء المذكور سيف الدولة بن حمدان ومدحه؛ وكان شاعرا مجيدا وكاتبا مترسّلا، جيّد المعانى حسن القول في المدائح. ومن شعره: [الكامل] وكأنّما نقشت حوافر خبله ... للناظرين أهلّة في الجلمد وكأنّ طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد وفيها توفّى عبد الله بن محمد أبو محمد البخارىّ الخوارزمىّ الفقيه الشافعى، كان فقيها فصيحا أديبا يرتجل الخطب الطّوال ويقول الشعر على البديهة. ومن شعره: [الخفيف] كم حضرنا وليس يقضى التلاقى ... نسأل الله غير هذا الفراق إن أغب لم تغب وإن لم تغب غبت ... كأنّ افتراقنا باتفاق

стр. 1289

وفيها توفّى أبو منصور بن بهاء الدولة، وقيل: إنّ اسمه بويه. كان أبوه بهاء الدولة يخافه، ومنع الخدم «١» من الكلام معه وضيّق عليه. ولمّا مات وجد عليه وجدا عظيما، وليس السواد، وواصل البكاء والحزن إلى أن اجتمع إليه وجوه الديلم وسألوه أن يرجع إلى عادته. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٩٩] السنة الثالثة عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة تسع وتسعين وثلثمائة. فيها لحق الحاجّ عند عودهم من مكة الأصيفر الأعرابىّ، وقرّر عليهم أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوىّ أمير الحاجّ مالا فأوردوه، ودخلوا الكوفة بعد أن لاقوا مشقّة شديدة، وأقاموا بها حتّى أرسل إليهم أبو الحسن على بن مزيد «٢» أخاه حمّادا فحملهم إلى المدائن، ثمّ دخلوا بغداد. وفيها صرف أبو عمر «٣» عبد الواحد عن قضاء البصرة، ووليها أبو الحسن بن أبى الشّوارب. فقال العصفرىّ «٤» الشاعر في هذه المعنى: [المجتث] عندى حديث ظريف ... بمثله يتغنّى من قاضيين يعزّى ... هذا وهذا يهنّى

стр. 1290

فذا يقول اكرهونا ... وذا يقول استرحنا ويكذبان جميعا ... ومن يصدّق منّا وفيها ولّى الحاكم القائد أبا الجيش حامد بن ملهم أميرا على دمشق بعد علىّ بن جعفر بن فلاح، فوليها سنة وأربعة أشهر، ثم عزل بمحمد «١» بن بزال. وفيها لم يحجّ أحد من العراق خوفا من العطش والعرب، وخرجوا ثمّ عادوا. وفيها توفّيت يمنى أمّ القادر. كانت مولاة عبد الواحد بن الخليفة المقتدر، وكانت من أهل الدين والصلاح. وصلّى عليها القادر في داره وكبّر أربعا، وحملت إلى الرّصافة في طيّار فدفنت بها. وفيها توفّى الأمير لؤلؤ غلام سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب والذي كان واقع العزيز نزارا والد الحاكم؛ وقد تقدّم ذكر ذلك في ترجمة العزيز مفصّلا. كان لؤلؤ شجاعا مقداما. ولما مات لؤلؤ تولّى الملك بعده ابنه مرتضى الدولة، وهرب بعد ذلك إلى الروم. وفيها توفّى هشام بن الحكم بن عبد الرّحمن الأموىّ صاحب الأندلس، ولقبه المؤيّد، وهو من ذرّية مروان بن الحكم الأموىّ وهو عمّ أبى ركوة الذي كان خرج على الحاكم المقدّم ذكره، وباسمه كان يخطب أبو ركوة المذكور. ولى هشام هذا الملك وله تسع سنين، وأقام واليا على الأندلس تسعا وثلاثين سنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستّ عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.

стр. 1291

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٠٠] السنة الرابعة عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة أربعمائة. فيها أرجف بموت الخليفة القادر، فجلس للناس «١» بعد صلاة الجمعة ودخل عليه القضاة والأشراف، وعليه أبّهة الخلافة، وقبّل أبو حامد الإسفراينى يده. وفيها أرسل الحاكم إلى المدينة إلى دار جعفر الصادق من فتحها وأخذ منها ما كان فيها، وكان فيها مصحف وسرير وآلات، وكان الذي فتحها ختكين العضدىّ الداعى، وحمل معه رسوم الأشراف، وعاد إلى مصر بما وجد في الدار؛ وخرج معه من شيوخ العلويّين جماعة؛ فلمّا وصلوا إلى الحاكم أطلق لهم نفقات قليلة [وردّ «٢» عليهم السرير] وأخذ الباقى، وقال: أنا أحقّ به؛ فانصرفوا داعين عليه. وشاع فعله «٣» فى الأمور التى خرق العادات فيها، ودعى عليه في أعقاب الصلوات وظوهر بذلك، فأشفق فخاف؛ وأمر بعمارة دار العلم وفرشها، ونقل إليها الكتب العظيمة وأسكنها من شيوخ السنّة شيخين، يعرف أحدهما بأبى بكر الأنطاكىّ، وخلع عليهما وقرّبهما ورسم لهما بحضور مجلسه وملازمته «٤» ، وجمع الفقهاء والمحدّثين إليها، وأمر أن يقرأ بها فضائل الصحابة، [ورفع عنهم «٥» الاعتراض في ذلك] وأطلق صلاة التراويح والضحى، وغيّر الأذان وجعل مكان" حىّ على خير العمل"" الصلاة خير من النوم"؛ وركب بنفسه الى جامع عمرو بن العاص وصلّى فيه الضحى، وأظهر الميل الى مذهب الإمام مالك والقول به، ووضع للجامع تنّورا من فضة

стр. 1292

يوقد فيه ألف ومائتا فتيلة، واثنين آخرين من دونه. وزفّهم بالدبادب والبوقات والتهليل والتكبير، ونصبهم ليلة النصف من شعبان؛ وحضر أوّل يوم من رمضان الى الجامع الذي بالقاهرة، وحمل إليه الفرش الكثيرة وقناديل الذهب والفضة، فكثر الدعاء له؛ ولبس الصوف في هذه السنة يوم الجمعة عاشر شهر رمضان، وركب الحمار وأظهر النسك وملأ كمّه دفاتر، وخطب بالناس يوم الجمعة وصلّى بهم؛ ومنع من أن «١» يخاطب يا مولانا ومن تقبيل الأرض بين يديه؛ وأقام الرواتب لمن يأوى المساجد من الفقراء «٢» والقرّاء والغرباء وأبناء السبيل، وأجرى لهم الأرزاق؛ وصاغ محرابا عظيما من فضة وعشرة قناديل؛ ورصّع المحراب بالجوهر ونصبه بالمسجد الجامع. وأقام على ذلك ثلاث سنين يحمل الطّيب والبخور والشموع إلى الجوامع، وفعل ما لم يفعله أحد. ثم بدا له بعد ذلك فقتل الفقيه أبا بكر الأنطاكى والشيخ الآخر وخلقا كثيرا أخر من أهل السنّة لا لأمر يقتضى ذلك؛ وفعل ذلك كلّه في يوم واحد. وأغلق دار العلم، ومنع من جميع ما كان فعله؛ وعاد إلى ما كان عليه أوّلا من قتل العلماء والفقهاء وأزيد؛ ودام على ذلك حتّى مات قتيلا حسب ما ذكرناه. وفيها توفّى الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق الشريف أبو أحمد الموسوى، والد الشريف الرضى والمرتضى. مولده في سنة أربع وثلثمائة. وكان سيّدا عظيما مطاعا، كانت هيبته أشدّ من هيبة الخلفاء؛ خاف منه عضد الدولة فاستصفى أمواله. وكانت منزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل، ولقّبه بالطاهر والأوحد وذى المناقب، وكان فيه كلّ الخصال الحسنة إلا أنّه كان رافضيّا هو وأولاده على مذهب القوم. ومات ببغداد عن سبع وتسعين سنة، وصلى

стр. 1293

عليه ابنه المرتضى، ودفن في داره ثم نقل إلى مشهد الحسين، ورثاه ولده المرتضى. وفيها توفّى أبو الحسين بن الرفّاء القارئ المجيد الطيّب الصوت الذي ذكرنا قصته مع الأصيفر الأعرابىّ عند ما اعترض الحاجّ في سنة أربع وتسعين؛ وكانت وفاته ببغداد. وفيها توفّى أبو عبد الله القمّى التاجر المصرىّ، كان بزّاز خزانة الحاكم؛ مات فى ذى القعدة بين مصر ومكة، وحمل إلى البقيع «١» ودفن به، وكان ذا مال عظيم؛ خرج في هذه السنة مع حجّاج مصر بعد أن اشتملت وصيّته على ألف ألف دينار غير المتاع والقماش والجوهر. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٠١] السنة الخامسة عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة إحدى وأربعمائة. فيها خطب أبو المنيع قرواش بن المقلّد الملقّب بمعتمد الدولة للحاكم صاحب مصر بالموصل. وكان الحاكم قد استماله؛ فجمع معتمد الدولة أهل الموصل وأظهر طاعة الحاكم، فأجابوه وفي القلوب ما فيها؛ فأحضر الخطيب يوم الجمعة رابع المحرّم و [خلع «٢» ] عليه قباء دبيقيّا وعمامة صفراء وسراويل ديباج أحمر وخفّين أحمرين، وقلّده سيفا، وأعطاه نسخة ما يخطب به وأوّلها:

стр. 1294

«الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدّت بقدرته أركان النصب، وأطلع بقدره شمس الحقّ من الغرب «١» ؛ الذي محا بعدله جور الظّلمة، وقصم بقوّته ظهر الغشمة «٢» ؛ فعاد الأمر إلى نصابه، والحقّ إلى أربابه؛ البائن بذاته، المنفرد بصفاته، الظاهر بآياته، المتوحّد بدلالاته؛ لم تفنه الأوقات فتسبقه الأزمنة، ولم يشبه الصور فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنة؛ سبق كلّ موجود وجوده، وفات كلّ جود جوده؛ واستقرّ في كلّ عقل توحيده، وقام في كلّ مرأى شهيده. أحمده كما يجب على أوليائه الشاكرين تحميده، وأستعينه على القيام بما يشاء ويريده، وأشهد له بما شهد أصفياؤه وشهوده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يشوبها دنس الشرك، ولا يعتريها «٣» وهم الشكّ؛ خالصة من الإدهان، قائمة بالطاعة والإذعان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، اصطفاه واختاره لهداية الخلق، وإقامة الحق؛ فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانه، وهدى من الضلاله؛ والناس حينئذ عن الهدى غافلون، وعن سبيل الحقّ ضالّون؛ فأنقذهم من عبادة الأوثان، وأمرهم بطاعة الرّحمن؛ حتى قامت حجج الله وآياته، وتمّت بالتبليغ كلماته؛ صلى الله عليه وعلى أوّل مستجيب إليه علىّ أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين؛ أساس الفضل والرحمة، وعماد العلم والحكمة؛ وأصل الشجرة الكرام البررة، النابتة [فى «٤» ] الأرومة المقدّسة المطهّرة؛ وعلى خلفائه الأغصان البواسق [من تلك «٥» الشجرة] ، وعلى ما خلص منها وزكا من الثمرة.

стр. 1295

أيّها الناس، اتقوا الله حقّ تقاته، وارغبوا في ثوابه واحذروا من عقابه، فقد تسمعون ما يتلى عليكم من كتابه؛ قال الله : (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) . فالحذر ثمّ الحذر، فكأنّى وقد أفضت بكم الدنيا إلى الآخرة، وقد بان أشراطها، ولاح سراطها؛ ومناقشة حسابها، والعرض «١» على كتابها؛ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) . اركبوا سفينة نجاتكم قبل أن تغرقوا، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) ؛ وأنيبوا إليه خير الإنابة، وأجيبوا داعى الله على باب الإجابة؛ قبل (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ... - إلى قوله:- فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . تيقّظوا من الغفلة والفترة، قبل الندامة والحسره؛ وتمنّى الكرّ والتماس الخلاص، ولات حين مناص؛ وأطيعوا إمامكم ترشدوا، وتمسّكوا بولاة العهود تهتدوا؛ فقد نصب الله لكم علما لتهتدوا به، وسبيلا لتقتدوا به؛ جعلنا الله وإياكم ممن تبع مراده، وجعل الإيمان زاده، والهمّة تقواه ورشاده؛ أستغفر الله العظيم لى ولكم ولجميع المؤمنين» . ثم جلس وقام وقال: «الحمد لله ذى الجلال والإكرام، وخالق الأنام ومقدّر الأقسام، المنفرد بحقيقة البقاء والدوام؛ فالق الإصباح، وخالق الأشباح، وفاطر الأرواح؛ أحمده أوّلا وآخرا، وأشكره باطنا وظاهرا، وأستعين به إلها قادرا، و [أستنصره «٢» ] وليّا ناصرا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة من أقرّ بوحدانيته إيمانا، واعترف بربوبيته إيقانا؛ وعلم برهان ما يدعو إليه، وعرف حقيقة الدلالة عليه. اللهمّ وصلّ على وليّك الأزهر، وصديقك الأكبر؛ علىّ بن أبى طالب أبى الخلفاء الراشدين المهديّين. اللهمّ وصلّ على السّبطين الطاهرين

стр. 1296

الحسن والحسين؛ وعلى الأئمة الأبرار، والصفوة الأخيار؛ من أقام منهم وظهر، ومن خاف فاستتر. اللهمّ وصلّ على الإمام المهدىّ بك، والذي بلّغ «١» بأمرك، وأظهر حجّتك؛ ونهض بالعدل في بلادك، هاديا لعبادك. اللهمّ وصلّ على القائم بأمرك، والمنصور بنصرك، اللذين بذلا نفوسهما في رضائك، وجاهدا أعداءك. اللهمّ وصلّ على المعزّ لدينك، المجاهد في سبيلك؛ المظهر للآيات الخفيّه، والحجج الجلية. اللهمّ وصلّ على العزيز بك الذي مهّدت به البلاد، وهديت به العباد. اللهمّ واجعل نوامى صلواتك، وزواكى بركاتك؛ على سيّدنا ومولانا إمام الزمان، وحصن الإيمان؛ وصاحب الدعوة العلويّه، [و «٢» ] الملّة النبويه؛ عبدك ووليّك المنصور أبى علىّ الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين؛ كما صلّيت على آبائه الراشدين، وأكرمت أجداده المهديّين. اللهمّ وفّقنا لطاعته، واجمعنا على كلمته ودعوته؛ واحشرنا في حزبه وزمرته. اللهمّ وأعنه على ما ولّيته، واحفظه فيما استرعيته، وبارك له «٣» فيما آتيته؛ وانصر جيوشه و [أعل] أعلامه في مشارق الأرض ومغاربها؛ إنك على كل شىء قدير» . فلما سمع الخليفة القادر ذلك أزعجه وأرسل عميد الجيوش في تجهيز العساكر. فلما بلغ قرواشا ذلك أرسل يعتذر للخليفة، وأبطل دعوة الحاكم من بلاده وأعادها للقادر على العادة. وفيها لم يحجّ أحد من العراق خوفا من الأعراب، وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها ولّى الحاكم لؤلؤ بن عبد الله الشيرازىّ «٤» دمشق، ولقّبه بمنتخب الدولة؛ فقدم إليها في جمادى الآخرة من الرقّة، ثم عزله عنها في يوم عيد الأضحى، وولّى عوضه

стр. 1297

أبا المطاع ذا القرنين «١» بن حمدان، وكان يوم الجمعة فصلّى لؤلؤ بالناس العيد وأبو المطاع الجمعة. وحمل لؤلؤ الى بعلبك، فقتل بها بأمر الحاكم. وفيها توفّى أبو على الأمير عميد الجيوش واسمه الحسين بن [أبى «٢» ] جعفر. كان أبوه من حجّاب عضد الدولة بن بويه؛ وجعل ابنه هذا برسم صمصام الدولة، فخدم المذكور صمصام الدولة وبهاء الدولة؛ فولّاه بهاء الدولة العراق، فقدمها والفتن قائمة، فقتل وصلب وغرّق حتى بلغ من هيبته أنه أعطى غلاما له صينيّة فضّة فيها دنانير، فقال: خذها على رأسك وسر من النجمى الى الماصر الأعلى، فإن اعترضك معترض فأعطه إياها واعرف المكان؛ فجاء الغلام وقد انتصف الليل، وقال مشيت الحدّ جميعه فلم يلقنى أحد. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عبد الرّحمن أبو عبيد الهروىّ اللغوىّ المؤدّب، مصنّف الغريبين في اللغة، لغة القرآن ولغة الحديث، ومات في شهر رجب. وفيها توفّى علىّ بن محمد أبو الفتح البستى «٣» الكاتب الشاعر. قال الحاكم: «هو واحد عصره، وحدّثنى أنه سمع الكثير من أبى حاتم بن حبّان» . انتهى. قلت: وهو صاحب النظم الرائق، والنثر الفائق. ومن كلامه النثر: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. عادات السادات، سادات العادات. ومن شعره رحمه الله تعالى:

стр. 1298

[الوافر] أعلّل بالمنى روحى لعلّى ... أروّح بالأمانى الهمّ عنى وأعلم أنّ وصلك لا يرجّى ... ولكن لا أقلّ من التمنّى أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثمانى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٠٢] السنة السادسة عشرة من ولاية الحاكم منصور على مصر وهى سنة اثنتين وأربعمائة. فيها في شهر ربيع الآخر كتب الخليفة القادر العباسىّ محضرا في معنى الخلفاء المصريّين والقدح في أنسابهم وعقائدهم، وقرئت النسخ ببغداد، وأخذت فيها خطوط القضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العلم بمعرفة نسب الديصانيّة؛ قالوا:" وهم منسوبون الى ديصان بن سعيد الخرّمى «١» إخوان الكافرين، ونطف الشياطين؛ شهادة يتقرّبون «٢» بها الى الله، ومعتقدين ما أوجب الله على العلماء أن ينشروه للناس؛ فشهدوا جميعا «٣» أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم- حكم الله عليه بالبوار والخزى والنكال- ابن معدّ بن إسماعيل بن عبد الرّحمن بن سعيد- لا أسعده الله- فإنه لمّا صار الى المغرب تسمّى بعبيد الله وتلقّب بالمهدىّ، هو ومن تقدّمه «٤» من سلفه الأرجاس الأنجاس- عليه وعليهم اللعنة- أدعياء

стр. 1299

خوارج لا نسب لهم في ولد علىّ بن أبى طالب، وأن ذلك باطل وزور، وأنهم لا يعلمون «١» أن أحدا من الطالبيّين توقّف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج إنهم أدعياء. وقد كان هذا الإنكار شائعا بالحرمين في أوّل أمرهم بالمغرب، منتشرا انتشارا يمنع من أن يدلّس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم الى تصديقهم؛ وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه «٢» كفّار وفسّاق فجّار زنادقة، ولمذهب الثنويّة «٣» والمجوسيّة معتقدون؛ قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادّعوا الربوبيّة. وكتب في [شهر] ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة» . وكتب خلق كثير في المحضر المذكور منهم الشريف الرضى والمرتضى أخوه، وابن الأزرق الموسوىّ، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبى يعلى العلويّون، والقاضى أبو محمد عبد الله بن الأكفانىّ، والقاضى أبو القاسم الجزرىّ، والإمام أبو حامد «٤» الإسفراينى، والفقيه أبو محمد الكشفلى «٥» ، والفقيه أبو الحسين القدورىّ «٦» الحنفىّ، والفقيه أبو على بن حمكان «٧» وأبو القاسم «٨» التنوخىّ، والقاضى أبو عبد الله

стр. 1300

الصّيمرىّ «١» . انتهى أمر المحضر باختصار. فلما بلغ الحاكم قامت قيامته وهان فى أعين الناس لكتابة هؤلاء العلماء الأعلام في المحضر. وفيها حجّ بالناس من العراق أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوىّ، وهبّت عليهم ريح سوداء وفقدوا الماء ولقوا شدائد. وفيها توفّى أحمد بن مروان أبو نصر، وقيل: أبو منصور، ممهّد الدولة الكردىّ صاحب ميّافارقين. وقد ذكرنا مقتل الحسن «٢» بن مروان على باب آمد، وأنهم من غير بيت في الرياسة، وأنهم وثبوا على ديار بكر وملكوها. ووقع لأحمد هذا أمور ووقائع وحروب. وفيها توفّى عبد الرّحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس بن أصبغ بن فطيس أبو المطرّف الإمام قاضى الجماعة بقرطبة، سمع الحديث وروى عنه جماعة، وكان من الحفّاظ وكبار العلماء، عارفا بعلل الحديث والرجال، وله مشاركة في سائر العلوم. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرّحمن بن يحيى بن جميع أبو الحسين الصّيداوىّ الغسّانىّ. رحل [إلى] البلاد وسمع الكثير، وروى عنه غير واحد. ولد سنة خمس وثلثمائة، وكان ثقة محدّثا كبير الشأن، ووفاته فى شهر رجب. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن الحسن أبو الحسين بن اللبّان البصرىّ العلامة صاحب الفرائض، سمع الحديث وبرع في الفرائض حتى إنه كان يقول: ليس في الدنيا فرضىّ إلّا من أصحابى وأصحاب أصحابى «٣» أو لا يحسن شيئا.
следующие страницы →