Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبىّ [أبو الحسن «١» ] المحاملىّ «٢» الفقيه الشافعىّ، كان تفقّه بأبى حامد الإسفراينى وغيره، وكان إماما فقيها مصنّفا، مات في شهر ربيع الأول.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤١٦]
السنة الخامسة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة ستّ عشرة وأربعمائة.
فيها توفى في شهر ربيع الآخر السلطان مشرّف الدولة أبو على الحسن ابن السلطان أبى نصر فيروز بهاء الدولة ابن السلطان عضد الدولة بويه ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمىّ. واستقر الأمر بعد موته على تولية جلال الدولة أبى طاهر، فخطب له على منابر بغداد وهو بالبصرة، وخلع على شرف الملك «٣» أبى سعيد «٤» بن ماكولا وزيره، ولقّبه علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك.
قلت: وهذا ثانى لقب سمعناه من اسم مضاف إلى الدين. وأوّل ما سمعنا من هذه الألقاب لقب بهاء الدولة بن بويه" ركن الدين". قلنا: لعل ذلك كان تعظيما في حقّه لكونه سلطانا، فيكون هذا على هذا الحكم هو أوّل لقب لقّب به في الإسلام؛ والله أعلم. ومن يومئذ ظهرت الألقاب وتغالت فيها الأعاجم، حتّى إنّهم لم يدعوا شيئا إلا وأضافوا الدين له، حتى اشتهر ذلك وشاع وسمّى به كلّ أحد حتى الأسالمة «٥» ،
стр. 1332
فمنهم من يسمى جلال الدين، وسعد الدين، وجمال الدين، فلا قوة إلا بالله. وحقّ المغاربة في حنقهم ممن يلقّب بهذه الألقاب. وأنا بالله أحلف لو ملكت أمرى ما لقّبت بجمال الدين ولا غيره، وأكره من يسمينى بذلك ولا أقدر على تغيير الاصطلاح. وهذا لا يكون إلّا من ولىّ أمر أو حاكم بلدة. وقد خرجنا عن المقصود فنعود إلى ذكر مشرّف الدولة.
ومات مشرّف الدولة وله ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما.
وكانت مدّة ملكه خمس سنين وشهرا وخمسة وعشرين يوما. وكان شجاعا مقداما جوادا، إلا أنّه كان يميل إلى الشيعة على عادة آبائه وأجداده ميلا ليس بذاك، وينصر أهل السنة في بعض الأحيان. وكل ملوك بنى بويه كانوا على ذلك، غير أنهم كانوا يميلون في الباطن للشيعة. والله أعلم بحالهم.
وفيها توفّى عبد الرّحمن بن عمر بن محمد بن سعيد أبو محمد التّجيبىّ المصرىّ البزّار، المعروف بابن النحاس، مسند ديار مصر في وقته. مولده ليلة النحر سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، ومات في عاشر صفر.
وفيها توفّى علىّ بن محمد أبو الحسن التّهامىّ الشاعر المشهور، كان من الشعراء المجيدين، وشعره في غاية الحسن. قدم القاهرة مستخفيا ومعه كتب كثيرة من حسّان بن المفرّج البدوىّ وهو متوجّه إلى بنى قرّة، فظفروا به فاعتقل بخزانة البنود في سادس عشرين شهر ربيع الآخر، ثم قتل سرّا في سجنه في تاسع جمادى الأولى. والتهامىّ بكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم، هذه النسبة الى تهامة، وهى تطلق على مكّة حرسها الله. ومن شعر التهامىّ من جملة قصيدة: [السريع]
قلت لخلّى وثغور الرّبا ... مبتسمات وثغور الملاح
أيّهما أحلى ترى منظرا ... فقال لا أعلم كلّ أقاح
стр. 1333
وله بيت بديع من جملة قصيدة: [الكامل]
وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى ... طرّا فلا تعتب على أولاده
وفيها توفّى محمد بن يحيى بن أحمد بن الحذّاء أبو عبد الله القرطبىّ الحافظ المحدّث العلامة، سمع الكثير وروى الحديث، وكتب وصنّف، ومات في شهر رمضان.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤١٧]
السنة السادسة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة سبع عشرة وأربعمائة.
فيها عاد جلال الدولة إلى البصرة، وقبض على وزيره أبى سعيد عبد الواحد بن أحمد بن جعفر بن ماكولا وعلى أبى «١» علىّ ابن عمه. ثمّ جرت أسباب استوجبت إطلاق ابن عمه؛ واستوزه جلال الدولة ولقّبه يمين الدولة وزير الوزراء، وخلع عليه.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب أبو الحسن القرشىّ الأموىّ قاضى القضاة، كان عفيفا جليلا. قال القاضى أبو العلاء «٢» : ما رأينا مثله جلالة وصيانة وشرفا.
وفيها توفّى محسّن بن عبد الله بن محمد أبو القاسم التنوخىّ اللغوىّ القاضى الحنفىّ، ولد يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وقدم دمشق مجتازا إلى الحجّ، فأدركه أجله في الطريق في ذى القعدة، فحمل إلى
стр. 1334
مدينة النّبيّ ﷺ ودفن بالبقيع. وكان من أوعية العلم، وله مصنّفات كثيرة وشعر جيّد؛ من ذلك: [الطويل]
وكلّ أداريه على حسب حاله ... سوى حاسدى فهى التى لا أنالها
وكيف يدارى المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
وفيها توفّى عبد الله بن أحمد الإمام أبو بكر المروزىّ القفّال شيخ الشافعيّة بخراسان، كان يعمل الأقفال وحذق في عملها حتّى صنع قفلا بآلاته ومفتاحه وزن أربع حبّات. فلما صار ابن ثلاثين سنة اشتغل بالعلم وتفقّه حتّى برع فيه وفاق أقرانه. ومات في جمادى الآخرة وله تسعون سنة.
وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسن بن الحمّامىّ، كان إماما محدّثا كبير الشأن، سمع وحدّث، ومات في شعبان عن تسع وثمانين سنة.
وفيها توفّى، فى قول الذهبىّ، عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه أبو حازم الهذلىّ العبدوىّ «١» الحافظ الكبير الرحّال، سمع الحديث وحدّث، وروى عنه غير واحد، ومات بنيسابور.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤١٨]
السنة السابعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة.
стр. 1335
فيها خطب لجلال الدولة على المنابر ببغداد بعد أن منع الأتراك من ذلك وخطبوا لأبى كاليجار.
وفيها ورد كتاب للسلطان محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر يخبر بما فتح من البلاد من أرض الهند، وكسره الصنم المعروف بسومنات «١» .
وفيها توفّى الحسين بن علىّ بن الحسين أبو القاسم الوزير المغربىّ، ولد بمصر فى ذى الحجّة سنة سبعين وثلثمائة، وهرب منها لمّا قتل الحاكم أباه عليّا وعمّه محمدا.
وقيل: إن أباه وزر للعزيز بمصر ثم للحاكم ابنه. وهرب الحسين هذا للعراق، وخدم بنى بويه، ووقع له بالشرق أمور، ووزر لغير واحد من ملوك الشرق.
وكان فاضلا عاقلا شاعرا شهما شجاعا كافيا في فنّه، حتى قيل: إنّه لم يل الوزارة لخليفة ولا ملك أكفى منه. ومن شعره قوله: [المجتث]
الدهر سهل وصعب ... والعيش مرّ وعذب
فاكسب بمالك حمدا ... فليس للحمد كسب
وما يدوم سرور ... فآختم وطينك رطب
وفيها توفّى عبد الرّحمن بن هشام القرشىّ الأموىّ صاحب الأندلس، الذي كان لقّب نفسه في سنة أربع عشرة وأربعمائة بالمستظهر والمستكفى والمعتمد؛ وعاد ملك بنى أميّة إلى الأندلس بسببه؛ فلما كان في هذه السنة وثب الجند عليه فقتلوه؛ وانقطعت ولاية بنى أمية عن الأندلس إلى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة.
стр. 1336
وكانت ولاة الأندلس من بنى أميّة أربعة عشر على عدد أسلافهم، ومدّة سنينهم مائتان وثمانون سنة، فأوّلهم عبد الرّحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو المطرّف الملقّب بالداخل، لكونه دخل المغرب؛ بويع سنة تسع وثلاثين ومائة في أيّام أبى جعفر المنصور العباسىّ. ثمّ ولى بعده ابنه هشام في سنة اثنتين وسبعين. ثم ولى بعده ابنه الحكم بن هشام بن عبد الرّحمن في سنة ثمانين ومائة. ثم ولى بعده ابنه عبد الرّحمن بن الحكم في سنة ستّ وثمانين ومائة. ثم ولى بعده ابنه محمد في سنة ثمان وثلاثين ومائتين. ثم ولى بعده ابنه المنذر بن «١» محمد سنة ثلاث وسبعين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين، ولم يكن له ولد؛ فولى عبد الله ابن محمد بن عبد الرّحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرّحمن الداخل. ثم ولى بعده ابنه عبد الرّحمن سنة ثلثمائة. ثم ولى بعده الحكم بن عبد الرّحمن سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. ثم ولى بعده ابنه هشام سنة «٢» سبعين وثلثمائة ومات سنة تسع وتسعين وثلثمائة بعد أن تغلّب عليه محمد بن هشام بن عبد الجبّار الملقّب بالناصر لدين الله؛ ثم غلب عليه سليمان بن الحكم. ثم ولى هشام بن الحكم بن عبد الرّحمن، ثم وقع خباط كبير؛ على ما يأتى ذكره في محلّه إن شاء الله.
وفيها توفّى الشريف أبو الحسن علىّ ابن طباطبا العلوىّ، كان فاضلا شاعرا فصيحا، مات ببغداد في ذى القعدة، وكان على مذهب القوم.
وفيها توفّى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الإسفراينىّ الأصولىّ المتكلّم الفقيه الشافعىّ إمام أهل خراسان ركن الدين، وهو أوّل من لقّب من الفقهاء. كان
стр. 1337
إماما مفتنّا له التصانيف المشهورة، وكانت وفاته يوم عاشوراء بنيسابور. وقد تقدّم أن الألقاب ما تداول تسميتها إلّا من الأعاجم لحبّهم للرياسة «١» والتعظيم كما هى عادتهم.
وفيها توفّى معمر بن أحمد بن محمد بن زياد أبو منصور الأصبهانىّ الزاهد، كان من كبار المشايخ، وله قدم هائلة «٢» فى الفقه والصلاح.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤١٩]
السنة الثامنة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة تسع عشرة وأربعمائة.
فيها ولّى الظاهر أمر دمشق لأمير الجيوش الدزبرىّ، وكان شجاعا شهما واسمه أبو منصور أنوشتكين التركىّ.
وفيها توفّى محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله بن الفخّار القرطبىّ المالكىّ الحافظ عالم الأندلس في عصره، سمع الحديث وحدّث وحجّ وجاور بالمدينة وأفتى بها، وكان إماما عالما زاهدا ورعا متقشّفا عارفا بمذاهب الأئمة وأقوال العلماء، يحفظ المدوّنة حفظا جيدا.
وفيها توفّى حمزة بن إبراهيم أبو الخطاب، كان بلغ من بهاء الدولة بن بويه منزلة عظيمة لم يبلغها غيره، كان يعلّمه النجوم. وكان حاكما على الدولة والوزراء، والقوّاد يخافونه، وما كان يقنع من الوزراء بالقليل. ولما فتح فخر الملك قلعة سابور حمل إليه مائة ألف دينار فاستقلّها؛ وما كان بهاء الدولة يخالفه أبدا.
стр. 1338
وفيها توفّى عبد المحسن بن محمد بن أحمد غالب بن غلبون أبو محمد الصورىّ الشاعر المشهور. كان أبو الفتيان بن حيّوس مغرى بشعره، ويفضّله على أبى تمّام والبحترىّ والمتنبى؛ فقال أبو العلاء المعرّى:" الأمراء لا يناظرون" (يعنى أنّه ليس فى هذا المقام) . وكان أبو الفتيان يقول: إن أغزل ما قيل قول جرير:
[البسيط]
إنّ العيون التى في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا
وقال الصورىّ أغزل منهما، وهو قوله: [الرمل]
بالذى ألهمّ تعذي ... بى ثناياك العذابا
ما الذي قالته عينا ... ك لقلبى فأجابا
قلت: وقال غير ابن حيّوس: إن أرقّ ما قيل قول القائل:
[الطويل]
عيون عن السحر المبين تبين ... لها عند تحريك القلوب سكون
إذا أبصرت قلبا خليّا من الهوى ... تقول له كن مغرما فيكون
ومن شعره أيضا: [المتقارب]
صددت فكنت مليح الصدود ... وأعرضت أفديك من معرض
ومن كان في سخطه محسنا ... فكيف يكون إذا ما رضى
وله أيضا: [الكامل]
[و «١» ] تريك نفسك في معاندة الورى ... رشدا ولست إذا فعلت براشد
شغلتك عن أفعالها أفعالهم ... هلّا اقتصرت على عدوّ واحد
стр. 1339
وفيها توفّى محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد الفقيه أبو الحسن البغدادىّ الحنفىّ، ولد سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وسمع الكثير ورواه، وكان يتّجر وله مال عظيم، صادره ملوك بنى بويه حتى افتقر، ومات فلم يكفّن حتّى بعث إليه الخليفة كفنا.
ومات ولم يكن في زمانه أعلى سندا منه. وكان صدوقا صالحا ثقة فقيها فاضلا عالما.
وفيها توفّى أبو الفوارس قوام الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمىّ. كان عزم على نقض الصلح بينه وبين أخيه أبى كاليجار فعاجلته منيّته فمات في ذى القعدة، وحمل تابوته الى شيراز فدفن في تربة عماد الدولة بن بويه.
وفيها هلك قسطنطين أخو بسيل ملك الروم، وبعد موته انتقل الملك إلى بنت له وزوجها، وهو ابن خالها، يسمى أرمانوس، ولم يكن من بيت الملك، وجعلت ولاية العهد في أرمانوس المذكور، ولبس الخفّ الأحمر، وتسمّى قيصرا.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٠]
السنة التاسعة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة عشرين وأربعمائة.
فيها وقع بالعراق برد في الواحدة مائة وخمسون رطلا كانت كالثور النائم، ونزلت فى الأرض مقدار ذراع؛ قاله أبو المظفر في مرآة الزمان.
стр. 1340
وفيها فسد الأمر بين قرواش صاحب الموصل وبين أبى «١» نصر بن مروان صاحب ميّافارقين. وسببه أن قرواشا كان تزوّج ببنت أبى نصر المذكور فأقامت عنده مدّة، ثمّ هجرها؛ فطلبها أبو نصر فنقلها إليه، وهذا أوّل الشر.
وفيها توفّى على بن عيسى بن الفرج «٢» أبو الحسن الرّبعىّ صاحب أبى علىّ الفارسىّ، قرأ الأدب ببغداد على السّيرافىّ، وخرج الى شيراز ودرس بها النحو على الفارسىّ عشرين سنة، ثم عاد الى بغداد وأقام بها باقى عمره. خرج يوما يمشى على جانب الشطّ، فرأى الشريف الرضى والمرتضى في سفينة ومعهما عثمان بن جنىّ النحوىّ، فصاح أبو الحسن: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون «عثمان» جالسا فى صدر السفينة «وعلى» يمشى على الحافة؛ فضحكا وقالا: باسم الله. قلت:
وهذا مما يدل على أن الرضى والمرتضى كانا يصرّحان بالرفض.
وفيها توفّى الأستاذ الأمير المختار عزّ الملك محمد بن أبى القاسم عبد الله بن أحمد ابن إسماعيل بن عبد العزيز المعروف بالمسبّحىّ الكاتب، الحرانىّ الأصل المصرىّ المولد والمنشأ، صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنّفات. قال ابن خلكان:
«كانت فيه فضائل ولديه معارف، ورزق حظوة في التصانيف، واتصل بخدمة الحاكم العبيدىّ. قال: وتاريخه ثلاثة عشر ألف ورقة» انتهى. قلت: وله عدّة تصانيف أخر. مات في شهر ربيع الآخر. والمسبحى: بضم الميم وفتح «٣» السين المهملة وكسر الباء الموحدة ثانية الحروف وفي آخرها حاء مهملة. قال السمعانىّ: هذه النسبة إلى الجدّ.
стр. 1341
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢١]
السنة العاشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
فيها عملت الرافضة النّوح في يوم عاشوراء بالكرخ، ووقع بينهم وبين أهل السنّة وقعة قتل فيها جماعة من الفريقين.
وفيها خطب للأمير أبى سعيد مسعود بن محمود بن سبكتكين بعد موت أبيه بأرمينية والأطراف.
وفيها عاد جلال الدولة إلى بغداد من واسط. ولم يحجّ أحد من العراقيّين فى هذه السنة، وحجّ الناس من مصر وغيرها.
وفيها توفّى أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن ويعرف بابن الدان «١» ، أصله من الجزيرة وسكن دمشق، وكان يعظ، وكان صاحب مقالات وكرامات، وهو معدود من المشايخ.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن درّاج أبو عمر القسطلّىّ الشاعر المشهور. قال ابن حزم: كان عالما بنقد الشعر، لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن درّاج لم أبعد. وهو من مدينة قسطلّة درّاج،
стр. 1342
وقيل هو اسم ناحية. وكان من كتّاب الإنشاء في أيّام المنصور بن أبى عامر.
ومن شعره من جملة قصيدة طويلة: [الطويل]
أضاء لها فجر النّهى فنهاها ... عن المدنف المضنى بحرّ هواها
وضلّلها صبح جلا ليله الدجى «١» ... وقد كان يهديها إلىّ دجاها
وفيها توفى السلطان يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين [ابن «٢» ] الأمير ناصر الدولة أبى منصور صاحب غزنة وغيرها. كان السلطان محمود هذا يلقّب قبل السلطنة بسيف الدولة، وكان من عظماء ملوك الدنيا، وفتح عدّة بلاد من الهند وغيرها، واتسعت مملكته [حتّى بلغت أوقافه «٣» عشرة آلاف قرية، وامتلأت خزائنه من أصناف الأموال والجواهر] ؛ وكان ديّنا خيّرا متعبّدا فقيها على مذهب أبى حنيفة.
وما حكاه ابن خلكان من قصّة القفّال في صلاة الحنفيّة بين يدى ابن سبكتكين المذكور ليس لها صحّة؛ يعرف ذلك من له أدنى ذوق من وجوه عديدة؛ فإنّ محمودا المذكور كان قد قرأ في ابتداء أمره وبرع في الفقه والخلاف وصار معدودا من العلماء، وصنّف كتابا في فقه الحنفيّة قبل سلطنته بمدّة سنين، وذلك قبل أن يشتهر القفّال. فمن يكون بهذه المثابة لا يحتاج الى من يعرّفه الصلاة على المذاهب الأربعة بل ولا غيرها؛ وأصاغر الفقهاء من طلبة العلم يعرفون الخلاف في مثل هذه المسألة.
وأيضا حاشا القفّال من أن يقع في مثل هذه القبائح من كشف العورة والضراط فى الملأ وتحكيم رجل نصرانىّ في قراءة كتب المذهبيين والافتراء على مذهب الإمام
стр. 1343
الأعظم أبى حنيفة؛ وما ثمّ أمر يحتاج الى ذلك ولا ألجأت الضرورة الى أن يفعل بعض ما قيل عنه. وإنما محمود بن سبكتكين رجل من المسلمين لا يزيد في الحنفيّة ولا ينقص من الشافعيّة؛ ولعلّ بعض الفقراء يكون أفضل منه عند الله تعالى. وهأنا لم أكن مثل القفّال في كثرة علومه بل ولا أصاغر تلامذته، لو قيل لى: افعل بين يدى السلطان بعض ما قيل عن القفّال لا أرضى بذلك، ولا ألتفت الى السلطان ولا الى غيره، ولا أهزأ بصلاة مسلم كائن من كان. فهذا كله موضوع على القفّال من أهل التحامل والتعصّب. فنعوذ بالله من الاستخفاف بالعلماء والوقوع في حقّهم، ونسأل الله السلامة في الدين. وكانت وفاة السلطان محمود في جمادى الأولى من هذه السنة، رحمه الله تعالى. وتولّى بعده الملك ابنه مسعود بن محمود الآتى ذكره.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وستّ أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٢]
السنة الحادية عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
فيها قتل أبو [علىّ «١» ] الحسن [بن «٢» ] علىّ بن ماكولا بالأهواز، قتله غلام له يعرف بعدنان، كان يجتمع مع امرأة في داره، ففطن بهما، فعلما بذلك فخافا منه، وساعدهما فرّاش كان في داره، فغمّوه بشىء وعصروا خصاه حتّى مات، وأظهروا أنه مات فجأة؛ فأخذ الغلام والفرّاش وضربا فأقرّا بما وقع من أمره، فصلبا وحبست المرأة فى دار.
стр. 1344
وفيها أخذ ملك الروم مدينة الرّها.
وفيها ولد بمدينة إسكاف «١» ولد له رأس وبقيّة بدنه كالحيّة، فنطق ساعة مولده وقال: الناس تحت غضب منذ أربع سنين، والواجب أن يخرجوا فيستسقوا «٢» ليكشف عنهم البلاء. فكتب قاضى «٣» إسكاف للخليفة بذلك، فاجتمع الناس واستسقوا فلم يسقوا.
وفيها توفّى الخليفة القادر بالله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد ابن الأمير أبى أحمد إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد أحمد ابن الأمير أبى أحمد طلحة الموفق ابن الخليفة جعفر المتوكّل ابن الخليفة محمد المعتصم ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة المهدىّ محمد ابن الخليفة أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ. بويع بالخلافة بعد القبض على الطائع عبد الكريم في حادى عشر شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، ومولده في سنة ستّ وثلاثين وثلثمائة. وأمّه أمّ ولد تسمى يمنى، ماتت في خلافته.
وتوفّى ليلة الاثنين حادى عشر ذى الحجّة، ودفن ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء.
وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر؛ وهو أطول الخلفاء العبّاسيّة مدّة، لا نعلم خليفة أقام في الخلافة هذه المدّة من بنى العبّاس ولا غيرهم إلا المستنصر معدّا العبيدىّ الآتى ذكره، فإنه أقام في خلافة مصر ستيّن سنة. وتخلّف بعد القادر ابنه أحمد ولقّب بالقائم بأمر الله. وكان القادر- ﵀ أبيض كثّ اللحية يخضب؛ وكان ديّنا خيّرا حسن الاعتقاد أمّارا بالمعروف فاضلا. صنّف
стр. 1345
كتبا كثيرة في فنون من العلم، منها كتاب في أصول الدين، وكتاب في فضائل الصحابة وعمر بن عبد العزيز، وكتاب كفّر فيه القائلين بخلق القرآن. وكان كثير الصيام والصدقات، رحمه الله تعالى.
وفيها توفّى عبد الوهاب بن علىّ بن نصر بن أحمد القاضى أبو محمد البغدادىّ المالكىّ الفقيه، سمع الحديث وروى عنه غير واحد، وكان شيخ المالكيّة فى عصره وعالمهم؛ وصنّف كتاب «التلقين» وشرح الرسالة وغير ذلك.
وفيها توفّى يحيى بن نجاح أبو الحسين بن القلّاس الأموىّ مولاهم القرطبىّ.
رحل الى البلاد وسمع الكثير وحجّ واستوطن مصر. وكان عالما ورعا ديّنا.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٣]
السنة الثانية عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
فيها بعث الظاهر صاحب الترجمة بكسوة الكعبة فكسيت.
وفيها لم يحجّ أحد من العراق ولا من خراسان وحجّ الناس من مصر.
وفيها رأى رجل من أهل أصبهان في النوم أن شخصا وقف على منارة أصبهان وقال:" سكت «١» نطق، نطق سكت". فآنتبه وجكى للناس، فما عرف أحد معناه؛ فقال رجل: يأهل أصبهان، احذروا فإن أبا العتاهية الشاعر يقول:
سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
стр. 1346
فما كان بعد ذلك إلا قليل، ودخل عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين ونهب البلد وقتل عالما لا يحصى.
وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن البصرىّ الحافظ الشاعر. قال محمد بن علىّ الصورىّ: لم أر ببغداد أكمل منه. وجمع بين معرفة الحديث وعلم الكلام والأدب والفقه والشعر. ومن شعره وأجاد: [المتقارب]
إذا عطّشتك أكفّ اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريّا
فكن رجلا رجله في الثرى ... وهمّة هامته في الثريّا
وفيها توفّى محمد بن الطيب بن سعيد «١» بن موسى أبو بكر الصبّاغ البغدادىّ، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وسمع الكثير. قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقا ثقة. وقال رئيس الرؤساء أبو القاسم علىّ بن الحسن: تزوّج محمد بن الطيب زيادة على تسعمائة امرأة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم عبد الرّحمن ابن عبد الله الحربىّ الحرفىّ في شوّال وله سبع وثمانون سنة. وأبو الحسن علىّ بن أحمد النّعيمىّ المحدّث الأديب. وأبو الفضل منصور بن نصر بن عبد الرّحيم ابن بنت السّمرقندىّ الكاغدىّ في ذى القعدة، وقد قارب المائة. انتهى كلام الذهبى.
وفيها كان الطاعون ببلاد الهند والعجم وعظم الى الغاية، وكان أكثره بغزنة وخراسان وجرجان والرىّ وأصبهان ونواحى الجبل الى حلوان، وامتدّ الى الموصل والجزيرة وبغداد، حتى قيل: إنّه خرج من أصبهان وحدها أربعون ألف جنازة، ثم امتدّ الى شيراز.
стр. 1347
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٤]
السنة الثالثة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة أربع وعشرين وأربعمائة.
فيها عملت الرافضة المأتم ببغداد في يوم عاشورا على العادة، فأقام بذلك «١» العيّارون. أعنى عن الزعران «٢» الذين كانوا غلبوا على بغداد، وعجزت الحكّام عنهم.
وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن أحمد أبو الحسين المعروف بابن السّماك الواعظ البغدادىّ، مولده سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، وكان يعظ بجامع المنصور والمهدىّ ويتكلم على طريق الصوفية، وكان لكلامه رونق، غير أنهم تكلموا فيه؛ وكانت وفاته ببغداد في ذى الحجة من السنة.
وفيها في المحرّم خرجوا ببغداد للاستسقاء بسبب القحط.
وفيها ثار أهل الكرخ بالعيّارين فهربوا، وكبسوا دورهم ونهبوا سلاحهم، وطلبوا من السلطان المعاونة. وسبب ذلك أن العيّارين نهبوا تاجرا فغضب له أهل سوقه، فرد العيّارون بعض ما أخذوا؛ ثم كبسوا دار ابن العلواء «٣» الواعظ وأخذوا ماله، ثمّ فعلوا ذلك بجماعة كثيرة، حتّى قام عليهم أهل الكرخ، ووقع بينهم بسبب ذلك قتال وحروب يطول شرحها.
стр. 1348
وفيها توفى أبو بكر بن محمد بن إبراهيم الأردستانىّ «١» ، كان إماما زاهدا فاضلا معدودا من كبار المشايخ، وله كرامات وأحوال.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإصبعان.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٥]
السنة الرابعة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
فيها هبّت بنصيبين ريح سوداء قلعت معظم شجرها، وكان بين البساتين قصر عظيم فرمته من أصله.
وفيها زلزلت الرملة زلزلة هدمت ثلث مدينة الرملة، ونزل البحر مقدار ثلاثة فراسخ، فنزل الناس يصيدون السمك، فرجع عليهم فغرق من لم يحسن السباحة.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عبد الرّحمن أبو العبّاس القاضى الأبيوردىّ، ولد سنة سبع وخمسين وثلثمائة، وتولّى القضاء بالجانبين ببغداد، وسمع الحديث ورواه؛ وكان عالما ورعا مفتنا، يصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح، وكان فقيرا ويظهر الثروة «٢» ، ومات في جمادى الأولى، ودفن بباب «٣» حرب.
стр. 1349
وفيها توفّى أحمد بن محمد [بن أحمد «١» ] بن غالب الحافظ أبو بكر الخوارزمىّ، ولد سنة ستّ وثلاثين وثلثمائة، ورحل [إلى] البلاد وسمع الكثير وحدّث، وكان إماما فى اللغة والفقه والحديث، ومات في يوم الاربعاء غرّة شهر رجب.
وفيها توفّى عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث أبو الفرج التميمىّ الفقيه الحنبلىّ الواعظ، ولد سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة، وسمع الحديث ورواه، وكان فقيها محدّثا واعظا؛ وكانت وفاته في شهر ربيع الأوّل ببغداد، ودفن عند قبر الإمام أحمد ابن حنبل رضى الله عنه.
وفيها توفّى محمد بن عبد الله أبو عبد الله بن باكويه الشيرازىّ أحد مشايخ الصوفية، كان أوحد زمانه، وله كرامات وإشارات، ولقى خلقا من المشايخ وحكى عنهم، وسمع الحديث الكثير وروى عنه خلق كثير.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفى أبو بكر أحمد بن محمد ابن أحمد بن غالب البرقانىّ الحافظ في رجب وله تسع وثمانون سنة. وأبو علىّ الحسن «٢» بن أبى بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز «٣» فى آخر يوم من السنة، وولد فى ربيع الأوّل عام تسعة وثلاثين وثلثمائة. وأبو سعيد عبد الرّحمن بن محمد بن عبد الله ابن بندار بن شبانة «٤» الهمذانىّ. وأبو الحسن عبد الرّحمن بن محمد بن يحيى الجوبرىّ «٥»
стр. 1350
فى صفر. وأبو نصر عبد الوهّاب بن عبد الله بن عمر المرىّ الدمشقىّ. وأبو الفضل عمر بن أبى سعد ابراهيم بن إسماعيل الهروىّ الزاهد. وأبو بكر محمد بن علىّ بن إبراهيم ابن مصعب الأصبهانى التاجر. انتهى كلام الذهبىّ.
وفيها وقع الطاعون بشيراز، فكانت الأبواب تسدّ على الموتى؛ ثم انتقل إلى واسط وبغداد والبصرة والأهواز وغيرها.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٦]
السنة الخامسة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة ست وعشرين وأربعمائة.
فيها استولى العيّارون على بغداد وملكوا الجانبين (أعنى الحراميّة) قال:
ولم يبق للخليفة ولا لجلال الدولة معهم حكم. وكان العيّارون في دور الأتراك والحواشى يقيمون نهارا ويخرجون ليلا، والأتراك والحواشى تقوم معهم في الباطن، فكانوا يخرجون ليلا ويعملون العملات، وأفسدوا وفعلوا أفعالا قبيحة، وأظهروا الإفطار في شهر رمضان نهارا، وكان ذلك كلّه بمواطأة الأتراك.
وفيها ورد كتاب مسعود بن محمود بن سبكتكين على الخليفة أنّه افتتح جرجان وطبرستان، وغزا الهند وافتتح بلادا كثيرة.
وفيها توفّى أحمد بن كليب الشاعر المغربىّ. قال أبو عبد الله محمد بن أبى نصر الحميدىّ «١» فى تاريخه: «كان أحمد هذا يهوى أسلم بن حمد بن سعيد قاضى قضاة
стр. 1351
الأندلس؛ وكان أسلم من أحسن أهل زمانه؛ فافتتن به وقال فيه الأشعار الرائقة» .
ثم سكت الحميدىّ ولم يذكر ما قاله في أسلم المذكور من الأشعار.
وفيها توفّى الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان أبو علىّ البزّاز «١» ، إمام محدّث مشهور من أهل بغداد، ولد سنة تسع وثلاثين وثلثمائة؛ سمع خلقا كثيرا، وكان صالحا ثقة صدوقا.
وفيها توفّى الحسن بن عثمان بن أحمد بن الحسين بن سورة أبو عمر الواعظ البغدادىّ، سمع الحديث وتفقه، وكان شيخا، له لسان حلو في الوعظ، وكان له شعر على طريق القوم؛ فمنه قوله: [الطويل]
دخلت على السلطان في دار عزّه ... بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل
فقلت انظروا ما بين فقرى وملككم ... بمقدار ما بين الولاية والعزل
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٧]
السنة السادسة عشرة من ولاية الظاهر لإعزاز دين الله على مصر وهى سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وفيها كانت وفاته، حسب ما تقدّم في ترجمته.
فيها (أعنى سنة سبع وعشرين) أرسل الظاهر قبل موته خمسة آلاف دينار، فصلّح بها نهر ينتهى الى الكوفة ويرد إليه ماء الفرات؛ وجاء أهل الكوفة يستأذنون القائم بأمر الله في ذلك، فثقل عليه وسأل الفقهاء؛ فقالوا: هذا مال تغلّب عليه من فيء المسلمين، فصرفه في هذا الوجه؛ فأذن لهم القائم في ذلك.
стр. 1352
وفيها لم يحجّ أحد من العراق، وحجّوا من الشام ومصر.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبىّ صاحب التفسير المشهور.
قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزىّ: «ليس فيه ما يعاب به إلا ما ضمّنه من الأحاديث الواهية التى هى في الضعف متناهية خصوصا في أوائل السور» .
وفيها توفّى الحسن بن وهب أبو علىّ الكاتب المجوّد، كان فاضلا إماما مجوّدا، وخطّه معروف مشهور بالحسن.
وفيها توفّى حمزة بن يوسف بن إبراهيم الجرجانىّ الحافظ، هو من ولد هشام ابن العاص بن وائل السهمىّ، وكان عالما فاضلا، رحل في طلب العلم، وسمع الحديث الكثير، وقال أنبأنا الحسين بن عمر الضرّاب، أنشدنا شعبان «١» الصّيرفىّ:
[البسيط]
أشدّ من فاقة الزمان ... وقوف حرّ على هوان
فاسترزق الله واستعنه ... فإنّه خير مستعان
وإن نأى منزل بحرّ «٢» ... فمن مكان إلى مكان
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا.
انتهى الجزء الرابع من النجوم الزاهرة ويليه الجزء الخامس وأوّله: ذكر ولاية المستنصر بالله على مصر
стр. 1353
تنبيه- أشرنا أثناء تعليقات هذا الجزء إلى أن صاحب العزة العالم المحقق الأستاذ محمد رمزى بك المفتش بوزارة المالية سابقا هو الذي أفادنا بتعليقاته المفيدة القيمة الخاصة بتعيين الأماكن الأثرية والقرى القديمة التى وردت في هذا الجزء مع تحديد موقعها الآن بغاية الدقة، مما يدلّ على سعة اطلاعه وغزارة علمه وطول باعه في البحث والتحقيق، فنسدى إليه جزيل الشكر على هذه المعاونة التاريخية لخدمة الجمهور.
وكنا نبهنا القارئ إلى أن تعليقاته الخاصة بتحديد الأماكن الأثرية هى من صفحة ٣٠- ٥٤ من هذا الجزء ولكنه واصل شرحه الى نهاية هذا الجزء، عدا الحاشية رقم ١ ص ٥٤ الخاصّة بالجوامع الثلاثة المعلقة فمنقولة من كتاب الخطط التوفيقية كما هى؛ فجزاه الله خير الجزاء عن خدمته للعلم وأهله.
стр. 1354
فهرس الولاة الذين تولوا مصر من سنة ٣٥٥ هـ- ٤٢٧ ه ـ
(أ) أحمد بن على بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جف أبو الفوارس ص ٢١- ٢٨
(ج) جوهر بن عبد الله القائد المعزى أبو الحسن س ٢٨- ٦٩
(ح) الحاكم بأمر الله أبو على منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز معدّ بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن المهدى ص ١٧٦- ٢٤٧
(ظ) الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم على بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل ابن القائم محمد بن المهدى ص ٢٤٧- ٢٨٣
(ع) العزيز بالله نزار أبو منصور بن المعز لدين الله أبى تميم معد بن المنصور بالله أبى طاهر إسماعيل ص ١١٢- ١٧٦
(ك) كافور بن عبد الله الإخشيذى الخادم الأسود الخصى أبو المسك ص ١- ٢٠
(م) المعز أبو تميم معدّ بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدى عبيد الله العبيدى ص ٦٩- ١١٢
стр. 1355
الجزء الخامس
[تتمة ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٧]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحابته والمسلمين
الجزء الخامس من كتاب النجوم الزاهرة
ذكر ولاية المستنصر بالله على مصر
هو أبو تميم معدّ الملقّب بالمستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله علىّ بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين الله معدّ أوّل خلفاء الفاطميّين بمصر ابن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدىّ عبيد الله العبيدىّ الفاطمىّ المغربىّ الأصل، المصرىّ المولد والمنشأ والدار والوفاة؛ وهو الخامس من خلفاء مصر من بنى عبيد، والثامن من المهدىّ عبيد الله. ولى الخلافة بعد موت أبيه الظاهر لإعزاز دين الله فى يوم الأحد منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وكان عمره يوم ولى الخلافة سبع سنين وسبعة وعشرين يوما، وخيّن وهو ابن ستّ سنين.
قال الذهبىّ ﵀: «هو معدّ أبو تميم الملقّب بأمير المؤمنين المستنصر بالله ابن الظاهر بن الحاكم بأمر الله- وساق بقية نسبه بنحو ما سقناه إلى أن قال-:
بقي فى الخلافة ستّين سنة وأربعة أشهر؛ وهو الذي خطب له بإمرة المؤمنين
стр. 1356
على منابر العراق فى نوبة الأمير أبى «١» الحارث أرسلان المعروف بالبساسيرىّ فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. ولا أعلم أحدا فى الإسلام، لا خليفة ولا سلطانا، طالت مدّته مثل المستنصر هذا. وولى وهو ابن سبع سنين. ولمّا كان فى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع الخطبة له من المغرب الأمير المعزّ بن باديس- وقيل:
بل قطعها فى سنة خمس وثلاثين- وخطب لبنى العبّاس وخرج عن طاعة بنى عبيد الباطنيّة. وحدث فى أيّام المستنصر بمصر الغلاء الذي ما عهد بمثله منذ زمان يوسف ﵇، ودام سبع سنين حتّى أكل الناس بعضهم بعضا، حتّى قيل: إنّه بيع رغيف واحد بخمسين دينارا- فإنّا لله وإنّا اليه راجعون- وحتّى إنّ المستنصر هذا بقى يركب وحده، وخواصّه ليس لهم دوابّ يركبونها؛ وإذا مشوا سقطوا من الجوع؛ وآل الأمر إلى أن استعار المستنصر بغلة يركبها من صاحب «٢» ديوان الإنشاء.
وآخر شىء نزحت أمّ المستنصر وبناته إلى بغداد خوفا من أن يمتن جوعا. وكان ذلك فى سنة «٣» ستّين وأربعمائة. ولم يزل هذا الغلاء حتّى تحرّك الأمير بدر الجمالىّ والد الأفضل أمير الجيوش من عكّا وركب فى البحر وجاء إلى مصر وتولّى تدبير الأمور
стр. 1357
وشرع فى إصلاح الأمر «١» . وتوفّى المستنصر فى ذى الحجّة. وفى دولته كان الرّفض والسبّ فاشيا مجهرا، والسنّة والإسلام غريبا! فسبحان الحليم الخبير الذي يفعل فى ملكه ما يريد. وقام بعده ابنه المستعلى أحمد، أقامه أمير الجيوش الأفضل.
واستقامت الأحوال؛ فخرج أخوه نزار من مصر خفية، فسار إلى ناصر الدولة أمير الإسكندرية، فأعانه ودعا إليه، فتمّت بين أمير الجيوش وبينهم حروب وأمور إلى أن ظفر بهم» . انتهى كلام الذهبىّ فى أمر المستنصر.
ونشرع الآن فى ذكر المستنصر وأمر الغلاء بأوسع ممّا ذكره الذهبىّ من أقوال جماعة من المؤرّخين وغيرهم.
قال العلّامة أبو المظفّر فى تاريخه: «ولم يل أحد من الخلفاء الأمويّين ولا العباسيّين ولا المصريّين مثل هذه المدّة (يعنى مدّة إقامة المستنصر فى الخلافة ستّين سنة) قال: وعاش المستنصر سبعا وستّين سنة وخمسة أشهر فى الهزاهز «٢» والشدائد والوباء والغلاء والجلاء والفتن. وكان القحط فى أيّامه سبع سنين مثل سنى يوسف الصدّيق صلوات الله وسلامه عليه، من سنة سبع «٣» وخمسين إلى سنة أربع وستّين وأربعمائة. أقامت البلاد سبع سنين يطلع النيل فيها وينزل، ولا يوجد من يزرع لموت النّاس واختلاف الولاة والرعيّة، فاستولى الخراب على كلّ البلاد، ومات أهلها، وانقطعت السّبل برّا وبحرّا. وكان معظم الغلاء سنة اثنتين وستّين.
стр. 1358
وقال أبو يعلى «١» بن القلانسىّ: «فى أيّامه (يعنى المستنصر) ثارت الفتن فى «٢» بنى حمدان وأكابر القوّاد، وغلت الأسعار، واضطربت الأحوال، واختلّت «٣» الأعمال، وحصر فى قصره وطمع فيه. ولم يزل على ذلك حتّى استدعى أمير الجيوش بدرا الجمالىّ من عكّا إلى مصر فاستولى على التدبير، وقتل جماعة ممّن يطلب الفساد، فتمهّدت الأمور؛ ولم يبق للمستنصر أمر ولا نهى إلّا الركوب فى العيدين. ولم يزل كذلك حتّى مات بدر الجمالىّ وقام بعده ولده الأفضل. ولمّا مات المستنصر وقام المستعلي مقامه وتقرّرت الأمور، خرج عبد الله ونزار ابنا المستنصر من مصر خفية، وقصد نزار الإسكندريّة إلى ناصر «٤» الدولة واليها، وجرت بينه وبين الأفضل حروب بسبب ذلك إلى أن ثبت أمر المستعلى» . انتهى كلام أبى يعلى باختصار.
قلت: وأمّا ما ذكره الذهبىّ- ﵀ من الخطبة للمستنصر «٥» على منابر بغداد وبالعراق كلّه، وخلع القائم بأمر الله العبّاسىّ من الدعوة، فكان من قصّته أنّ السلطان
стр. 1359
طغرلبك «١» اشتغل بحصار تلك النّواحى ونازل الموصل، ثمّ توجّه إلى نصيبين لفتح الجزيرة وتمهيدها. وأرسل الأمير أبو الحارث أرسلان المعروف بالبساسيرىّ إلى إبراهيم ينّال أخى السلطان طغرلبك لينجده؛ فأخذ البساسيرىّ يعده ويمنّيه ويطمعه فى الملك حتّى أصغى إليه وخالف أخاه طغرلبك. وساق إبراهيم ينّال فى طائفة من العسكر إلى الرّىّ.
وبلغ السلطان طغرلبك خبر عصيان إبراهيم فانزعج، وسار وراءه وترك بعض عسكره فى ديار بكر مع زوجته الخاتون ووزيره عميد الملك «٢» الكندرىّ، فتفرّقت العساكر.
وعادت زوجته الخاتون بالعسكر الذي صحبها إلى بغداد. وأمّا زوجها السلطان طغرلبك فإنّه التقى هو وأخوه إبراهيم ينّال وتقاتلا، فظفر عليه أخوه إبراهيم ينّال وانهزم السلطان طغرلبك إلى همذان؛ فساق أخوه إبراهيم خلفه وحاصره بها. فعزمت الخاتون على إنجاد زوجها. واختبطت بغداد وعظم البلاء بها، وقامت الفتنة على ساق. وتمّ للأمير أبى الحارث أرسلان البساسيرىّ ما دبّره من المكر. وأرجف النّاس ببغداد بمجيء البساسيرىّ. ونفر الوزير عميد الملك وزير طغرلبك والأمير أنوشروان إلى الجانب الغربىّ من بغداد وقطعا الجسر. ونهبت الغزّ دار خاتون. وأكل القوىّ الضعيف. ووقع ببغداد وأعمالها أمور هائلة شنعة. ثمّ دخل الأمير
стр. 1360
أبو الحارث أرسلان البساسيرىّ بغداد فى ثامن ذى القعدة بالرّايات المستنصريّة وعليها ألقاب المستنصر هذا صاحب مصر؛ فمال إلى البساسيرىّ أهل باب الكرخ وفرحوا به لكونهم «١» رافضة، والبساسيرىّ وخلفاء مصر أيضا رافضة؛ فانضمّوا إلى البساسيرىّ وتشفّوا من أهل السّنّة، وشمخت أنوف المنافقين الرافضة، وأعلنوا بالأذان ب «حىّ على خير العمل» ببغداد. واجتمع خلق من أهل السنّة على الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ وقاتلوا معه، وفشت الحرب بين الفريقين فى السفن أربعة أيام. وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذى القعدة ببغداد للمستنصر هذا صاحب الترجمة بجامع المنصور وأذّنوا «٢» ب «حىّ على خير العمل» . وعقد الجسر وعبرت عساكر البساسيرىّ إلى الجانب الشرقىّ؛ فحندق الخليفة القائم بأمر الله على نفسه حول داره وحول نهر المعلّى «٣» ، فأحرقت الغوغاء نهر المعلّى ونهبت ما فيه، وقوى البساسيرىّ وتفلّل عن الخليفة القائم أكثر النّاس. فاستجار القائم بقريش «٤» بن بدران أمير العرب، وكان مع البساسيرىّ، فأجاره ومن معه وأخرجه إلى مخيّمه. وقبض البساسيرىّ على وزير القائم بأمر الله رئيس الرؤساء «٥» أبى القاسم بن المسلمة، وقيّده
стр. 1361
وشهّره على جمل وعليه طرطور وعباءة، وجعل فى رقبته «١» قلائد كالمسخرة وطيف به بالشوارع، وخلفه من يصفعه، ثم سلخ له ثور وألبس جلده وخيط عليه، وجعلت قرون الثور فى رأسه، ثمّ علّق على خشبة، وعمل فى فيه «٢» كلّو بان، فلم يزل يضطرب حتّى مات ﵀. ونصب للقائم الخليفة خيمة صغيرة بالجانب الشرقىّ «٣» فى المعسكر، ونهبت العامّة دار الخلافة، فأخذوا منها ما لا يحصى ولا يوصف كثرة. فلمّا كان يوم الجمعة رابع ذى الحجة لم تصلّ الجمعة بجامع الخليفة، وخطب بسائر الجوامع للمستنصر المذكور، وقطعت الخطبة العباسيّة بالعراق. وهذا شىء لم يفرح به أحد من آباء المستنصر.
ثم حمل القائم بأمر الله إلى حديثة «٤» عانة فجلس بها، وسلّم إلى صاحبها مهارش «٥» .
وذلك أن البساسيرىّ وقريشا اختلفا فى أمر القائم بأمر الله، ثمّ وقع اتفاقهما بعد أمور على أن يكون عند مهارش إلى أن يتّفقا على ما يتّفقان عليه فى أمره. ثمّ جمع أبو الحارث أرسلان البساسيرىّ القضاة والأشراف ببغداد، وأخذ عليهم البيعة للمستنصر العبيدىّ صاحب الترجمة فبايعوا قهرا على رغم الأنف.
وقال الشيخ عزّ الدّين ابن الأثير فى تاريخه: «إنّ إبراهيم ينّال كان أخوه السلطان طغرلبك قد ولّاه الموصل عام أوّل، وإنّه فى سنة خمسين فارق [الموصل] «٦» ورحل نحو
стр. 1362
بلاد الجبل، فنسب السلطان رحيله إلى العصيان، فبعث وراءه رسولا معه الفرجيّة التى خلعها عليه الخليفة. ولمّا فارق الموصل قصدها البساسيرىّ وقريش بن بدران وحاصراها، وأخذا البلد ليومه، وبقيت القلعة، فحاصراها أربعة أشهر حتّى أكل أهلها دوابّهم ثمّ سلّموها بالأمان، فهدمها البساسيرىّ وعفّى أثرها. وسار طغرلبك بجريدة «١» فى ألفين إلى الموصل، فوجد البساسيرىّ وقريشا فارقاها فساق وراءهم، ففارقه أخوه وطلب همذان فوصلها فى رمضان. قال: وقد قيل إنّ المصريّين كاتبوه، وإن البساسيرىّ استماله وأطمعه فى السلطنة، فسار طغرلبك فى أثره (يعنى أثر أخيه إبراهيم ينّال) .
قال: وأمّا البساسيرىّ فوصل إلى بغداد فى ثامن ذى القعدة ومعه أربعمائة فارس على غاية الضّر والفقر، فنزل بمشرعة الروايا، ونزل قريش فى مائتى فارس عند مشرعة باب البصرة، ومالت العامّة للبساسيرىّ: أما الشّيعة فللمذهب، وأمّا أهل السنة فلما فعل بهم الأتراك. وكان رئيس الرؤساء لقلّة معرفته بالحرب ولما عنده من ضعف البساسيرىّ يرى المبادرة إلى الحرب؛ فاتّفق أنه فى بعض الأيام التى تحاربوا فيها حضر القاضى الهمذانىّ عند رئيس الرؤساء، ثمّ استأذن فى الحرب ونمن له قتل البساسيرىّ، فأذن له من غير أن يعلم عميد العراق، وكان رأى عميد العراق المطاولة رجاء أن ينجدهم طغرلبك، فخرج الهمذانىّ بالهاشميّين والخدم والعوامّ إلى الحلبة وأبعدوا؛ والبساسيرىّ يستجرّهم. فلمّا أبعدوا حمل عليهم فانهزموا، وقتل جماعة وهلك آخرون فى الزّحمة بباب «٢» الأزج. وكان رئيس الرؤساء واقفا دون الباب
стр. 1363
فدخل داره وهرب كلّ من فى الحريم؛ ولطم عميد العراق على وجهه كيف استبدّ رئيس الرؤساء بالأمر ولا معرفة له بالحرب. فاستدعى الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم، فلم يرعهم إلا الزّعقات؛ وقد نهب الحريم ودخلوا من باب النّوبى، فركب الخليفة لابسا للسّواد وعلى كتفه البردة وعلى رأسه اللّواء وبيده السيف وحوله زمرة من العباسيّين والخدم بالسيوف المسلّلة، فرأى النّهب إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ورائه نحو عميد العراق، فوجده قد استأمن إلى قريش، فعاد وصعد إلى المنظرة. وصاح رئيس الرؤساء: علم الدّين (يعنى قريشا) أمير المؤمنين يستدنيك، فدنا منه؛ فقال: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك، وأمير المؤمنين يستذمّ منك على نفسه وأصحابه بذمام الله وذمام رسوله وذمام العربيّة؛ فقال: قد أذمّ الله تعالى له؛ قال: ولى ولمن معه؟ قال نعم؛ وخلع قلنسوته وأعطاها الخليفة، وأعطى رئيس الرؤساء بحضرته ذماما. فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه. فأرسل إليه البساسيرىّ يقول: أتخالف ما استقرّ بيننا؟ - وكانا قد تحالفا ألّا ينفرد أحدهما عن الآخر بشىء، ويكون العراق بينهما نصفين- فقال قريش: ما عدلت عمّا استقرّ بيننا، عدوّك ابن المسلمة (يعنى رئيس الرؤساء) فخذه، وأنا آخذ الخليفة، فرضى البساسيرىّ بذلك. فبعث رئيس الرؤساء إليه مع منصور «١» بن مزيد، فحين رآه البساسيرىّ قال مرحبا بمدمّر الدولة، ومهلك الأمم، ومخرّب البلاد، ومبيد العباد. فقال له: أيّها الأجلّ، العفو عند المقدرة. فقال:
قد قدرت فما عفوت، وأنت تاجر صاحب طيلسان، ولم تبق على الحريم والأموال
стр. 1364
والأطفال، فكيف أعفو عنك وأنا صاحب سيف وقد أخذت أموالى وعاقبت أصحابى ودرست دورى وسببتنى وأبعدتنى!. واجتمع العوامّ على ابن المسلمة (يعنى رئيس الرؤساء) وسبّوه ولعنوه وهمّوا به. فأخذه البساسيرىّ بيده وسيّره إلى جانبه خوفا عليه من العامّة. وحصل فى يد البساسيرىّ جميع من كان يطلبه مثل ابن المردرسىّ «١» ، وأبى عبد الله «٢» الدّامغانىّ قاضى القضاة، وهبة الله بن المأمون، وأبى علىّ بن الشّيروانىّ، وأبى عبد الله بن عبد الملك؛ وكان من التّجار الكبار وبينه وبين البساسيرىّ عداوة، وكان قد سكن فى دار الخلافة خوفا منه على ماله ونعمته. وظفر بالسيدة خاتون بنت الأمير داود زوجة الخليفة، فأحسن معاملتها ولم يتعرّض لها.
وأمّا قريش فحصل فى يده الخليفة وعميد العراق وأبو منصور [بن «٣» ] يوسف وولده؛ فحمل الحليفة إلى معسكره راكبا وعلى كنفه البردة وبيده سيف مسلول وعلى رأسه اللّواء. ولحق الخليفة ذرب عظيم قام منه فى اليوم مرارا، وامتنع من الطّعام والشراب؛ فسأله قريش وألحّ عليه حتّى أكل وشرب، وحمله فى هودج وسار به إلى حديثة عانة فنزل بها. وسار حاشية الخليفة على حامية إلى السلطان طغرلبك مستنفرين له.
ولمّا وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد، فبعث يطلب من متولّيها ما يلبس، فأرسل إليه جبّة ولحافا. وركب البساسيرىّ يوم الأضحى وعلى رأسه الألوية المصريّة وعبر إلى المصلّى بالجانب الشرقىّ، وأحسن إلى الناس، وأجرى الجرايات على الفقهاء، ولم يتعصّب لمذهب، وأفرد لوالدة الخليفة دارا وراتبا، وكانت قد قاربت التسعين
стр. 1365
سنة. ثمّ فى آخر ذى الحجّة أخرج رئيس الرؤساء مقيّدا وعلى رأسه طرطور، وفى رقبته مخنقة جلود، وهو يقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ...
الآية.
فبصق أهل الكرخ فى وجهه، لأنّه كان متعصّبا لأهل السّنّة، ﵀، ثمّ صلب على صورة ما ذكرناه أوّلا.
وأمّا عميد العراق فقتله البساسيرى أيضا، وكان شجاعا شهما، وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ. ثمّ بعث البساسيرىّ البشائر إلى مصر، وكان وزير المستنصر هناك «١» أبا الفرج «٢» بن أخى أبى القاسم المغربىّ، وكان أبو الفرج ممّن هرب من البساسيرىّ، فذمّ للمستنصر فعله وخوّفه من سوء عاقبته؛ فتركت أجوبته مدّة، ثمّ عادت على البساسيرىّ بغير الذي أمّله، فسار البساسيرىّ إلى البصرة وواسط وخطب بهما أيضا للمستنصر. وأمّا طغرلبك فإنّه انتصر فى الآخر على أخيه إبراهيم ينّال وقتله، وكرّ راجعا إلى العراق، ليس له همّ إلّا إعادة الخليفة إلى رتبته.
وفى الجملة أنّ الذي حصل للمستنصر فى هذه الواقعة من الخطبة باسمه فى العراق وبغداد لم يحصل ذلك لأحد من آبائه وأجداده. ولولا تخوّف المستنصر من البساسيرىّ وترك تحريضه على ما هو بصدده وإلا «٣» كانت دعوته تتمّ بالعراق زمانا طويلا، فإنّه كان أوّلا أمدّ البساسيرىّ بجمل مستكثرة. فلو دام المستنصر على ذلك لكان البساسيرىّ يفتتح له عدّة بلاد. قال الحسن بن محمد العلوىّ «٤» : «إنّ الذي وصل إلى البساسيرىّ من المستنصر من المال خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ما قيمته
стр. 1366
مثل ذلك، وخمسمائة فرس، وعشرة آلاف قوس، ومن السيوف ألوف، ومن الرماح والنّشّاب «١» شىء كثير» . يعنى قبل هذه الواقعة؛ ولهذا قلنا: لو دام المستنصر على عطائه للبساسيرىّ لكان افتتح له عدّة بلاد. قلت: ولله الحمد على ما فعله المستنصر من التقصير فى حقّ البساسيرىّ، وإلّا فكانت السّنّة تذهب بالعراق، وتملكها الرافضة بأجمعها كما كان وقع بمصر فى أيّام دولة الفاطميّين (أعنى صاحب الترجمة وآباءه) .
ولمّا خطب البساسيرىّ فى بغداد باسم المستنصر معدّ هذا غنّته مغنّية «٢» بقولها:
[الرمل]
يا بنى العبّاس صدّوا «٣» ... ملك الأمر معدّ
ملككم كان «٤» معارا ... والعوارى تستردّ
فطرب المستنصر لذلك ووهبها أرضا بمصر رزقة لها جائزة لإنشادها هذا الشعر، وتلك الأرض الآن تعرف بأرض «٥» الطّبّالة بالقرب من بركة الرّطلىّ لكونها غنّته بهذه الأبيات وهى تطبّل بدفّ كان فى يدها، فعرفت بأرض الطّبّالة، وحكرت الأرض
стр. 1367
المذكورة وبنيت. وكان ما وقع للمستنصر هذا تمام سعده. ومن حينئذ أخذ أمره فى إدبار من وقوع الغلاء والوباء بالديار المصريّة. وقاسى النّاس شدائد، واختلّ أمر مصر- على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فى وقته من هذه الترجمة- من استيلاء ناصر الدولة بن حمدان على ممالك الديار المصريّة، وزاد ابن حمدان فى عطاء الجند حتّى نفدت الخزائن، وقلّت الارتفاعات. واتّفق ابن حمدان مع الشريف أبى طاهر حيدرة بن الحسن الحسينىّ، وكان قد نفاه بدر الجمالىّ من دمشق، وكان محبّبا للناس، وتلقّبه العامّة بأمير المؤمنين، وكان لمّا نفاه بدر الجمالى من دمشق دخل إلى مصر شاكيا إلى ابن حمدان من بدر الجمالىّ- فاتّفق ابن حمدان والشريف وحازم «١» وحميد ابنا بحرّاح وهما من أمراء عرب الشام، وكان لهما فى حبس المستنصر نيّف وعشرون سنة، فأخرجهما ابن حمدان واتّفقوا على الفتك ببدر الجمالىّ، فأعطاهم ابن حمدان أربعين ألف دينار ينفقونها فى هذا الوجه. وتحدّث ابن حمدان بأن يرتّب الشريف إذا عاد مكان المستنصر فى الخلافة لنسبه الصحيح. وانقسم عسكر مصر قسمين:
قسما مع ابن حمدان، وقسما عليه؛ وزادت مطالبة ابن حمدان بالأموال «٢» حتى استوعبها وأخرج جميع ما فى القصر من ثياب وأثاث وباعها بالثمن البخس. وحالف الأتراك سرّا على المستنصر. وعلم المستنصر بما فعله مضافا لما سمع عنه من أمر الشّريف، فقلق وأرسل لابن حمدان يقول: بأنّك قدمت علينا زائرا وجئتنا ضيفا؛ فقا بلناك بالإحسان وأكرمناك، فقابلتنا بما لا نستحقّه منك؛ ونحن عليك صابرون، وعنك مغضون. وقد انتهت بك الحال إلى محالفة العسكر علينا والسعى فى إتلافنا، وما ذاك مما يهمّك؛ ونحبّ أن تنصرف عنّا موفورا فى نفسك ومالك، وإلّا قابلناك على قبيح
стр. 1368
أفعالك. فأغلظ ابن حمدان فى الجواب واستهزأ بالرسول. فبعث المستنصر إلى «١» إلدكز الملقّب بأسد الدولة، وكان شيخ الأتراك والمقدّم عليهم، وكان من المخالفين على ابن حمدان؛ فاستحضره واستحلفه وتوثّق منه ومن جماعة ممّن جرى مجراه، وجمع الأتراك الذين معه والمغاربة وكتامة إلى باب القصر. وعرف ابن حمدان بذلك فبرز بخيمة إلى بركة الحبش «٢» ، وأخرج المستنصر خيمته الحمراء، وتسمّى خيمة الدّم، فضربها بين القصرين من القاهرة. واجتمع الناس على المستنصر، وركب وسار إلى حرب ابن حمدان. والتقوا بمكان يعرف بالباب الجديد «٣» ، فورد أكثر من كان مع ابن حمدان بالأمان إلى المستنصر. وكان فى جملة من ورد الأمير أبو علىّ ابن الملك أبى طاهر ابن بويه، ثمّ قتل المذكور بعد ذلك بمدّة. ووقع القتال فانكسر ابن حمدان وهرب
стр. 1369
بنفسه إلى الإسكندريّة، ونهبت دوره وأمواله ودور أصحابه. ومضى ابن حمدان إلى حىّ من العرب وتزوّج منهم وقوى بهم، فصار يشنّ الغارات على أعمال مصر؛ ويبعث إليه المستنصر فى كلّ وقت جيشا فيهزمه ابن حمدان. ولا زال على ذلك حتّى جمع ابن حمدان جمعا كبيرا ونزل الصالحيّة «١» ؛ فخرج إليه من كان يهواه من المشارقة، وامتدّت عسكره نحو عشرة فراسخ وحاصر مصر؛ فضعف المستنصر عن مقاومته وانحصر بالقاهرة. وطال الحصار وغلت الأسعار حتّى بلغت الرّاوية الماء ثلاثة عشر قيراطا، وكلّ ثلاثة عشر رطلا من الخبز دينارا، وعدمت الأقوات، فضجّ العوامّ، فخاف المستنصر أن يسلّموه إليه، فراسله وصالحه. واقترح عليه ابن حمدان إبعاد الدكز ومن يعاديه من المشارقة، وأن ينفرد ابن حمدان بالبلاد «٢» وتدبير الأمور والعساكر، فرضى المستنصر بذلك كلّه؛ ورفع الحصار عن مصر، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه.
فهرب غالب من كان مع المستنصر إلى الشام، ووفدوا على صاحبها بدر الجمالىّ. وكان بدر الجمالىّ يكره ابن حمدان والشريف المذكور. ثمّ ظفر الجمالىّ بالشريف المذكور وقتله خنقا. على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وصار المستنصر فى قصره كالمحجور عليه ولا حكم له.
هذا والغلاء بمصر يتزايد، حتّى إنّه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحدّ، والجوع الذي لم يعهد مثله فى الدنيا، فإنّه مات أكثر أهل مصر، وأكل بعضهم بعضا. وظهروا على بعض الطبّاخين أنّه ذبح عدّة من الصّبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها. وأكلت الدوابّ بأسرها، فلم يبق
стр. 1370
لصاحب مصر- أعنى المستنصر- سوىّ ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابّة. وبيع الكلب بخمسة دنانير، والسّنّور بثلاثة دنانير.
ونزل الوزير أبو المكارم «١» وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلّا غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه، ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها، فأخذوا وصلبوا، فأصبح الناس فلم يروا إلّا عظامهم، أكل الناس فى تلك الليلة لحومهم. ودخل رجل الحمّام فقال له الحمّامىّ: من تريد أن يخدمك سعد الدولة أو عزّ الدولة أو فخر الدولة؟ فقال له الرجل: أتهزأ بي! فقال: لا والله، انظر إليهم، فنظر فإذا أعيان الدّولة ورؤساؤها صاروا يخدمون الناس فى الحمّام لكونهم باعوا جميع موجودهم فى الغلاء واحتاجوا إلى الخدمة.
وأعظم من هذا أنّ المستنصر الخليفة صاحب الترجمة باع جميع موجوده وجميع ما كان فى قصره حتّى أخرج ثيابا كانت فى القصر من زمن الطائع الخليفة العباسىّ، لمّا نهب بهاء الدولة دار الخليفة فى إحدى وثمانين وثلثمائة، وأشياء أخر أخذت فى نوبة البساسيرىّ، وكانت هذه الثياب التى لخلفاء بنى العباس عند خلفاء مصر يحتفظون بها لبغضهم لبنى العبّاس، فكانت هذه الثياب عندهم بمصر بسبب المعيرة لبنى العبّاس. فلمّا ضاق الأمر على المستنصر أخرجها وباعها بأبخس «٢» ثمن لشدّة الحاجة. وأخرج المستنصر أيضا طستا وإبريقا بلّورا يسع الإبريق رطلين ماء، والطّست أربعة أرطال، وأظنّه بالبغدادىّ، فبيعا باثنى عشر درهما فلوسا، ثمّ باع المستنصر من هذا البلور ثمانين ألف قطعة. وأمّا ما باع من الجواهر واليواقيت والخسروانىّ «٣» فشىء لا يحصى. وأحصى من الثياب التى أبيعت فى هذا الغلاء من
следующие страницы →