← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

مثل ذلك، وخمسمائة فرس، وعشرة آلاف قوس، ومن السيوف ألوف، ومن الرماح والنّشّاب «١» شىء كثير» . يعنى قبل هذه الواقعة؛ ولهذا قلنا: لو دام المستنصر على عطائه للبساسيرىّ لكان افتتح له عدّة بلاد. قلت: ولله الحمد على ما فعله المستنصر من التقصير فى حقّ البساسيرىّ، وإلّا فكانت السّنّة تذهب بالعراق، وتملكها الرافضة بأجمعها كما كان وقع بمصر فى أيّام دولة الفاطميّين (أعنى صاحب الترجمة وآباءه) . ولمّا خطب البساسيرىّ فى بغداد باسم المستنصر معدّ هذا غنّته مغنّية «٢» بقولها: [الرمل] يا بنى العبّاس صدّوا «٣» ... ملك الأمر معدّ ملككم كان «٤» معارا ... والعوارى تستردّ فطرب المستنصر لذلك ووهبها أرضا بمصر رزقة لها جائزة لإنشادها هذا الشعر، وتلك الأرض الآن تعرف بأرض «٥» الطّبّالة بالقرب من بركة الرّطلىّ لكونها غنّته بهذه الأبيات وهى تطبّل بدفّ كان فى يدها، فعرفت بأرض الطّبّالة، وحكرت الأرض

стр. 1367

المذكورة وبنيت. وكان ما وقع للمستنصر هذا تمام سعده. ومن حينئذ أخذ أمره فى إدبار من وقوع الغلاء والوباء بالديار المصريّة. وقاسى النّاس شدائد، واختلّ أمر مصر- على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فى وقته من هذه الترجمة- من استيلاء ناصر الدولة بن حمدان على ممالك الديار المصريّة، وزاد ابن حمدان فى عطاء الجند حتّى نفدت الخزائن، وقلّت الارتفاعات. واتّفق ابن حمدان مع الشريف أبى طاهر حيدرة بن الحسن الحسينىّ، وكان قد نفاه بدر الجمالىّ من دمشق، وكان محبّبا للناس، وتلقّبه العامّة بأمير المؤمنين، وكان لمّا نفاه بدر الجمالى من دمشق دخل إلى مصر شاكيا إلى ابن حمدان من بدر الجمالىّ- فاتّفق ابن حمدان والشريف وحازم «١» وحميد ابنا بحرّاح وهما من أمراء عرب الشام، وكان لهما فى حبس المستنصر نيّف وعشرون سنة، فأخرجهما ابن حمدان واتّفقوا على الفتك ببدر الجمالىّ، فأعطاهم ابن حمدان أربعين ألف دينار ينفقونها فى هذا الوجه. وتحدّث ابن حمدان بأن يرتّب الشريف إذا عاد مكان المستنصر فى الخلافة لنسبه الصحيح. وانقسم عسكر مصر قسمين: قسما مع ابن حمدان، وقسما عليه؛ وزادت مطالبة ابن حمدان بالأموال «٢» حتى استوعبها وأخرج جميع ما فى القصر من ثياب وأثاث وباعها بالثمن البخس. وحالف الأتراك سرّا على المستنصر. وعلم المستنصر بما فعله مضافا لما سمع عنه من أمر الشّريف، فقلق وأرسل لابن حمدان يقول: بأنّك قدمت علينا زائرا وجئتنا ضيفا؛ فقا بلناك بالإحسان وأكرمناك، فقابلتنا بما لا نستحقّه منك؛ ونحن عليك صابرون، وعنك مغضون. وقد انتهت بك الحال إلى محالفة العسكر علينا والسعى فى إتلافنا، وما ذاك مما يهمّك؛ ونحبّ أن تنصرف عنّا موفورا فى نفسك ومالك، وإلّا قابلناك على قبيح

стр. 1368

أفعالك. فأغلظ ابن حمدان فى الجواب واستهزأ بالرسول. فبعث المستنصر إلى «١» إلدكز الملقّب بأسد الدولة، وكان شيخ الأتراك والمقدّم عليهم، وكان من المخالفين على ابن حمدان؛ فاستحضره واستحلفه وتوثّق منه ومن جماعة ممّن جرى مجراه، وجمع الأتراك الذين معه والمغاربة وكتامة إلى باب القصر. وعرف ابن حمدان بذلك فبرز بخيمة إلى بركة الحبش «٢» ، وأخرج المستنصر خيمته الحمراء، وتسمّى خيمة الدّم، فضربها بين القصرين من القاهرة. واجتمع الناس على المستنصر، وركب وسار إلى حرب ابن حمدان. والتقوا بمكان يعرف بالباب الجديد «٣» ، فورد أكثر من كان مع ابن حمدان بالأمان إلى المستنصر. وكان فى جملة من ورد الأمير أبو علىّ ابن الملك أبى طاهر ابن بويه، ثمّ قتل المذكور بعد ذلك بمدّة. ووقع القتال فانكسر ابن حمدان وهرب

стр. 1369

بنفسه إلى الإسكندريّة، ونهبت دوره وأمواله ودور أصحابه. ومضى ابن حمدان إلى حىّ من العرب وتزوّج منهم وقوى بهم، فصار يشنّ الغارات على أعمال مصر؛ ويبعث إليه المستنصر فى كلّ وقت جيشا فيهزمه ابن حمدان. ولا زال على ذلك حتّى جمع ابن حمدان جمعا كبيرا ونزل الصالحيّة «١» ؛ فخرج إليه من كان يهواه من المشارقة، وامتدّت عسكره نحو عشرة فراسخ وحاصر مصر؛ فضعف المستنصر عن مقاومته وانحصر بالقاهرة. وطال الحصار وغلت الأسعار حتّى بلغت الرّاوية الماء ثلاثة عشر قيراطا، وكلّ ثلاثة عشر رطلا من الخبز دينارا، وعدمت الأقوات، فضجّ العوامّ، فخاف المستنصر أن يسلّموه إليه، فراسله وصالحه. واقترح عليه ابن حمدان إبعاد الدكز ومن يعاديه من المشارقة، وأن ينفرد ابن حمدان بالبلاد «٢» وتدبير الأمور والعساكر، فرضى المستنصر بذلك كلّه؛ ورفع الحصار عن مصر، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه. فهرب غالب من كان مع المستنصر إلى الشام، ووفدوا على صاحبها بدر الجمالىّ. وكان بدر الجمالىّ يكره ابن حمدان والشريف المذكور. ثمّ ظفر الجمالىّ بالشريف المذكور وقتله خنقا. على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وصار المستنصر فى قصره كالمحجور عليه ولا حكم له. هذا والغلاء بمصر يتزايد، حتّى إنّه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحدّ، والجوع الذي لم يعهد مثله فى الدنيا، فإنّه مات أكثر أهل مصر، وأكل بعضهم بعضا. وظهروا على بعض الطبّاخين أنّه ذبح عدّة من الصّبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها. وأكلت الدوابّ بأسرها، فلم يبق

стр. 1370

لصاحب مصر- أعنى المستنصر- سوىّ ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابّة. وبيع الكلب بخمسة دنانير، والسّنّور بثلاثة دنانير. ونزل الوزير أبو المكارم «١» وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلّا غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه، ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها، فأخذوا وصلبوا، فأصبح الناس فلم يروا إلّا عظامهم، أكل الناس فى تلك الليلة لحومهم. ودخل رجل الحمّام فقال له الحمّامىّ: من تريد أن يخدمك سعد الدولة أو عزّ الدولة أو فخر الدولة؟ فقال له الرجل: أتهزأ بي! فقال: لا والله، انظر إليهم، فنظر فإذا أعيان الدّولة ورؤساؤها صاروا يخدمون الناس فى الحمّام لكونهم باعوا جميع موجودهم فى الغلاء واحتاجوا إلى الخدمة. وأعظم من هذا أنّ المستنصر الخليفة صاحب الترجمة باع جميع موجوده وجميع ما كان فى قصره حتّى أخرج ثيابا كانت فى القصر من زمن الطائع الخليفة العباسىّ، لمّا نهب بهاء الدولة دار الخليفة فى إحدى وثمانين وثلثمائة، وأشياء أخر أخذت فى نوبة البساسيرىّ، وكانت هذه الثياب التى لخلفاء بنى العباس عند خلفاء مصر يحتفظون بها لبغضهم لبنى العبّاس، فكانت هذه الثياب عندهم بمصر بسبب المعيرة لبنى العبّاس. فلمّا ضاق الأمر على المستنصر أخرجها وباعها بأبخس «٢» ثمن لشدّة الحاجة. وأخرج المستنصر أيضا طستا وإبريقا بلّورا يسع الإبريق رطلين ماء، والطّست أربعة أرطال، وأظنّه بالبغدادىّ، فبيعا باثنى عشر درهما فلوسا، ثمّ باع المستنصر من هذا البلور ثمانين ألف قطعة. وأمّا ما باع من الجواهر واليواقيت والخسروانىّ «٣» فشىء لا يحصى. وأحصى من الثياب التى أبيعت فى هذا الغلاء من

стр. 1371

قصر الخليفة ثمانون ألف ثوب، وعشرون ألف درع، وعشرون ألف سيف محلّى؛ وباع المستنصر حتّى ثياب جواريه وتخوت المهود، وكان الجند يأخذون ذلك بأقلّ ثمن. وباع رجل دارا بالقاهرة كان اشتراها قبل ذلك بتسعمائة «١» دينار بعشرين رطل دقيق. وبيعت البيضة بدينار، والإردبّ القمح بمائة دينار فى الأوّل، ثمّ عدم وجود القمح أصلا. وكان السّودان يقفون فى الأزقّة يخطفون النساء بالكلاليب ويشرّحون لحومهنّ ويأكلونها، واجتازت امرأة بزقاق «٢» القناديل بمصر وكانت سمينة، فعلّقها السّودان بالكلاليب وقطعوا من عجزها قطعة، وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها، فخرجت من الدار واستغاثت، فجاء الوالى وكبس الدار فأخرج منها ألوفا من القتلى، وقتل السّودان. واحتاج المستنصر فى هذا الغلاء حتّى إنّه أرسل فأخذ قناديل الفضّة والستور من مشهد إبراهيم الخليل ﵇. وخرجت امرأة من القاهرة فى هذا الغلاء ومعها مدّ جوهر، فقالت: من يأخذ هذا ويعطينى عوضه دقيقا أو قمحّا؟ فلم يلتفت إليها أحد؛ فألقته فى الطريق وقالت: هذا ما ينفعنى وقت حاجتى فلا حاجة لى به بعد اليوم؛ فلم يلتفت إليه أحد وهو مبدّد فى الطريق! فهذا أعجب من الأوّل. وقيل: إنّ سبب ما حصل لمصر من الخلل فى أوّل الأمر «٣» الفتنة التى كانت بمصر فى أيّام المستنصر هذا بين «٤» الأتراك والعبيد، وهو أنّ المستنصر كان من عادته

стр. 1372

فى كلّ سنة أن يركب على النّجب مع النساء والحشم إلى جبّ عميرة «١» ، وهو موضع نزهة، فيخرج إليه بهيئة أنّه خارج إلى الحجّ على سبيل الهزء والمجانة، ومعه الخمر فى الرّوايا عوضا عن الماء ويسقيه الناس، كما يفعل بالماء فى طريق مكّة. فلمّا كان فى جمادى الآخرة خرج على عادته المذكورة، فاتّفق أنّ بعض الأتراك جرّد سيفا فى سكرته على بعض عبيد الشّراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد فقتلوه؛ فاجتمع الأتراك بالمستنصر هذا وقالوا له: إن كان هذا عن رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان عن غير رضاك فلا نرضى بذلك، فأنكر المستنصر ذلك؛ فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد أن حصل بينهم وبين العبيد قتال شديد على كوم شريك «٢» وانهزم العبيد من الأتراك. وكانت أمّ المستنصر تعين العبيد بالأموال والسّلاح؛ فظفر بعض الأيام أحد الأتراك بذلك، فجمع طائفة الأتراك ودخلوا على المستنصر وقاموا عليه وأغلظوا له فى القول، فحلف لهم أنّه لم يكن عنده خبر. وصار السيف قائما بينهم. ثمّ دخل المستنصر على والدته وأنكر عليها. ودامت الفتنة بين الأتراك والعبيد إلى أن سعى وزير الجماعة أبو الفرج بن المغربىّ- وأبو الفرج هذا هو أوّل من ولى كتابة الإنشاء بمصر- ولا زال الوزير أبو الفرج هذا يسعى بينهم

стр. 1373

حتى اصطلحوا صلحا يسيرا، فآجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرى دمنهور «١» . فكانت هذه الواقعة أوّل الاختلاف بديار مصر؛ فإنّه قتل من «٢» الأتراك والعبيد خلائق كثيرة، وفسدت الأمور فطمع كلّ أحد. وكان سبب كثرة السودان ميل أمّ المستنصر إليهم؛ فإنّها كانت جارية سوداء لأبى سعد «٣» التّسترىّ اليهودىّ. فلمّا ولى المستنصر الخلافة ومات الوزير صفىّ «٤» الدين الجرجرائيّ فى سنة ستّ وثلاثين «٥» حكمت والدة المستنصر على الدولة، واستوزرت سيّدها أبا سعد المذكور، ووزر لابنها المستنصر الفلّاحىّ، فلم يمش له مع أبى سعد حال؛ فاستمال الأتراك وزاد فى واجباتهم حتّى قتلوا أبا سعد المذكور؛ فغضبت لذلك أمّ المستنصر وقتلت أبا منصور «٦» الفلّاحىّ، وشرعت فى شراء العبيد السّود، وجعلتهم طائفة واستكثرت منهم. فلمّا وقع بينهم وبين الأتراك قامت فى نصرهم. وقال الشيخ شمس الدين بن قزأوغلى فى المرآة: «وكلّ هذه الأشياء كان ابن حمدان سببها، ووافق ذلك انقطاع النيل؛ وضاقت يد أبى هاشم محمد أمير مكّة

стр. 1374

بانقطاع ما كان يأتيه من مصر، فأخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب والميزاب، وصادر أهل مكّة فهربوا. وكذا فعل أمير المدينة مهنأ، وقطعا الخطبة للمستنصر، وخطبا لبنى العبّاس الخليفة القائم بأمر الله، وبعثا إلى السلطان ألب أرسلان السّلجوقىّ حاكم بغداد بذلك، وأنهما أذّنا بمكّة والمدينة الأذان المعتاد، وتركا الأذان ب «حىّ على خير العمل» ؛ فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكّة أبى هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار، وإلى صاحب المدينة بعشرين ألف دينار. وبلغ الخبر بذلك المستنصر، فلم يلتفت إليه لشغله بنفسه ورعيّته من عظم الغلاء. وقد كاد الخراب أن يستولى على سائر الإقليم. ودخل ابن الفضل على القائم بأمر الله العبّاسىّ ببغداد، وأنشده فى معنى الغلاء الذي شمل مصر قصيدة، منها: [الطويل] وقد علم المصرىّ أنّ جنوده ... سنو يوسف منها وطاعون عمواس أحاطت «١» به حتى استراب بنفسه ... وأوجس منها خيفة أىّ إيجاس قلت: وهذا شأن أرباب المناصب، إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ولو هلك العالم معه. وهذا البلاء من تلك الأيّام إلى يومنا هذا. ثمّ فى سنة ستّ وستين سار بدر الجمالىّ أمير الجيوش من عكّا إلى مصر، ومعه عبد الله بن المستنصر باستدعاء المستنصر بعد قتل ابن حمدان بمدّة. واسم ابن حمدان الحسن بن الحسين بن حمدان أبو محمد التغلبىّ الأمير ناصر الدولة ذو المجدين.

стр. 1375

ذكر سبب قتل ابن حمدان المذكور وسببه أنّه كان ابن حمدان اتّفق مع إلدكز التركىّ، وكان إلدكز تزوّج بابنته؛ فاتّفقا اتفاقا كليّا وتحالفا وأمن أحدهما للآخر. ووصل ناصر الدولة إلى مصر- أعنى بعد توجهه إلى الإسكندرية حسب ما ذكرناه- على طمأنينة مرتّبا للمواكب والعساكر، فركب إلدكز يوم الجمعة مستهلّ شهر رمضان فى خمسين فارسا، وكان له غلام يقال له: أبو منصور كمشتكين ويلقّب حسام «١» الدولة؛ وكان يثق به. فقال له الدكز: أريد أن أطلعك على أمر لم أر له أهلا غيرك؛ قال: وما هو؟ قال: قد علمت ما فعل ابن حمدان بالمسلمين من سفك الدماء والغلاء والجلاء، وقد عزمت على قتله، فهل فيك موافقة ومشاركة وأريح الإسلام منه؟ فقال نعم، ولكن أخاف أن يفلت فتتبرّأ منّى؛ قال لا، وقصدوا ابن حمدان قبل أن يلحقه أصحابه واستأذنوا عليه، فأذن لهم فدخلوا والفرّاشون ينفّضون البسط ليقعد عليها ابن حمدان، وهو يتمشّى فى صحن الدار، ومشى الدكز معه، ثم تأخّر عنه وضربه ب «يافروت» كان معه، وهو سكّين مغربىّ فى خاصرته، وضربه كمشتكين فقطع رجليه، فصاح: فعلتموها! فحزّوا رأسه. وكان محمود بن ذبيان أمير بنى سنبس «٢» فى خزانة الشّراب، فدخلوا عليه وقتلوه. ثم خرجوا إلى دار كان فيها فخر العرب ابن حمدان وقد شرب دواء وعنده الأمير شاور فقتلوهما. وخرجوا إلى خيمة الأمير تاج المعالى بن حمدان أخى ناصر الدولة، وكان على عزم المسير إلى الصعيد، فهرب إلى خراب مقابل خيمته، فكمن فيه فرآه بعض العبيد فأعطاه معضدة» فيها مائة دينار، وقال له: اكتم علىّ؛

стр. 1376

فأخذها العبد وجاء إلى الدكز ونمّ عليه، فدخل وقتله. وانهزم ابن أخى ابن المدبر «١» فى زىّ المكدّين «٢» فأخذ، وكان قد تزوّج بإحدى بنات نزار بن المستنصر الخليفة، فقطع ذكره وجعل فى فمه ثمّ قتل. وقطّع ابن حمدان قطعا، وأنفذ كلّ قطعة إلى بلد. وجاءوا إلى القصر إلى الخليفة المستنصر هذا ومعهم الرءوس، وأرسلوا إلى الخليفة وقالوا: قد قتلنا عدوّك وعدوّنا، من أخرب البلاد وقتل العباد، ونريد من المستنصر الأموال. فقال المستنصر: أمّا المال فما نزك ابن حمدان عندى مالا. وأمّا ابن حمدان فما كان عدوّى، وإنّما كانت الشّحنة «٣» بينك وبينه يا إلدكز، فهلكت الدنيا بينكما، وإنّى ما اخترت ما فعلت من قتله ولا رضيته، وستعلم غبّ الغدر، ونقض العهد. ووقع بينهما كلام كثير. وآل الأمر إلى بيع المستنصر قطع مرجان وعروضا وحمل إلى إلدكز ورفقته مالا من أثمان ذلك وغيره. ثمّ علم المستنصر أنّ أمره يؤول مع إلدكز إلى شرّ حال؛ فلذلك أرسل أحضر بدرا الجمالىّ المقدّم ذكره. ولما حضر بدر الجمالىّ إلى مصر وجد إلدكز تغلّب عليها. ووصل إلى دمياط وبها ابن المدبّر، وكان قد هرب منه، فقتله وصلبه، وعاد «٤» إلى مصر، واتفق مع بدر الجمالىّ وتحالفا وتعاهدا. فلم يكن إلّا مدّة يسيرة وقبض بدر الجمالىّ على إلدكز وأهانه وعذّبه وطالبه بالمال؛ فلم يظهر سوى اثنى عشر ألف دينار، وكان له من الأموال والجواهر شىء كثير إلّا أنّه لم يقرّبه، فقتله بدر الجمالىّ، وقيل: هرب إلى الشام. وأخذ بدر الجمالىّ فى إصلاح امور الديار المصريّة: انتزع الشرقية من أيدى عرب لواتة «٥» ، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر أمراءهم، وأخذ منهم أموالا جمّة. وعمّر

стр. 1377

الريف فرخصت الأسعار ورجعت إلى عادتها القديمة. ثمّ أخذ الإسكندرية وسلّمها إلى القاضى ابن المحيرق. وأصلح أموال الصعيد واستدعى أكابرهم إليه، فجاءه منهم الكثير. وصلح الحال لهلاك الأضداد، ورفعت الفتن، وانفرد أمير الجيوش بدر الجمالىّ بالأمر إلى أن مات فى خلافة المستنصر. وتولّى بعده ابنه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالىّ المذكور. ويأتى ذكر ذلك وغيره مما ذكرنا من الغلاء والفناء والحروب فى الحوادث المتعلّقة بالمستنصر من سنين خلافته على سبيل الاختصار، كما هو عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ودام المستنصر فى الخلافة وهو كالمحجور عليه مع بدر الجمالىّ؛ ثم من بعده مع ولده الأفضل شاهنشاه إلى أن توفّى بالقاهرة فى يوم عيد الفطر، وهو يوم الخميس سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وبايع الناس ابنه أحمد من بعده، ولقّب بالمستعلى بالله. وقام الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالى بتدبير ملكه. وقد تقدّم مدّة إقامة المستنصر فى الخلافة، وكم عاش من السنين فى أوّل ترجمته فيطلب هناك. وممّا رثى به المستنصر قول حظّى الدولة أبى المناقب عبد الباقى بن علىّ التنوخىّ الشاعر: [الطويل] وليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى ... ولا أمره أمر يقاس به أمر لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحّى ... ففاجأه ليلا ولم يطلع الفجر فأجرى عليه حين مات دموعنا ... سماء فقال الناس لا بل هو القطر وقد بكت الخنساء صخرا وإنّه ... ليبكيه من فرط المصاب به الصخر وقلّدها المستعلى الظّهر حسب ما ... عليه قديما نصّ والده الطّهر

стр. 1378

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٨] السنة الأولى من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. فيها فى المحرّم خلع الخليفة القائم بأمر الله على الأفضل أبى تمّام محمد بن محمد ابن علىّ الزينبىّ الحنفىّ العلوىّ وفوّض إليه نقابة الهاشميّين والصلاة، وأمره باستخلاف أبى منصور محمد على ذلك؛ وأحضر الخليفة القضاة والأعيان وقال لهم: قد عوّلنا على محمد بن محمد بن علىّ الزينتى فى نقابة أهله من العباسيّين رعاية لحقوق سالفة. فقبّل أبو تمّام الأرض؛ وخلع عليه السّواد والطيلسان، ولقّب عميد الرؤساء. وفيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان الإمام العلّامة أبو الحسين الحنفىّ الفقيه البغدادى المشهور بالقدورىّ- قال أبو بكر «١» الخطيب: لم يحدّث إلّا شيئا يسيرا؛ كتبت عنه، وكان صدوقا، انتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أبى حنيفة، وعظم [عندهم] «٢» قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة فى النظر، جرىء اللسان مديما للتلاوة. قلت: والفضل ما شهدت به الأعداء، ولولا أنّ شأن هذا الرجل كان قد تجاوز الحدّ فى العلم والزّهد ما سلم من لسان الخطيب، بل مدحه مع عظم تعصّبه على السادة الحنفية وغيرهم؛ فإنّ عادته ثلم أعراض العلماء والزّهّاد بالأقوال الواهية، والروايات المنقطعة، حتّى أشحن تاريخه من هذه القبائح. وصاحب الترجمة هو مصنّف «مختصر القدّورىّ» فى فقه الحنفية، و «شرح مختصر الكرخىّ»

стр. 1379

فى عدّة مجلّدات، وأملى «التجريد فى الخلافيّات» أملاه فى سنة خمس وأربعمائة، وأبان فيه عن حفظه لما عند الدار قطنىّ من أحاديث الأحكام وعللها، وصنّف كتاب «التقريب الأوّل» فى الفقه فى خلاف أبى حنيفة وأصحابه فى مجلد، و «التقريب الثانى» فى عدّة مجلّدات. وكانت وفاته فى منتصف «١» رجب من السنة. ومولده سنة اثنتين وستين وثلثمائة. وقد روينا جزأه المشهور عن الشيخ رضوان بن محمد العقبىّ «٢» عن أبى الطاهر بن الكويك «٣» عن محمد بن «٤» البلوىّ انا «٥» عبد الله بن عبد الواحد بن علّاق انا فاطمة بنت سعد الخير الأنصارية انا أبو بكر بن أبى طاهر انا العلّامة أبو الحسين القدورىّ رحمه الله تعالى. وفيها توفّى الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علىّ بن سينا الرئيس أبو علىّ صاحب الفلسفة والتصانيف الكثيرة. كان إمام عصره فى الحكمة وعلوم الأوائل، بل كان إماما فى سائر العلوم. وتصانيفه كثيرة فى فنون العلوم، حتّى قيل عنه: إنّه ليس فى الإسلام من هو فى رتبته. قال أبو عبد الله الذهبىّ: كان ابن سينا آية فى الذكاء، وهو رأس الفلاسفة الإسلاميّين الذين مشوا خلف العقول، وخالفوا الرسول- قلت-: لم يكن ابن سينا بهذه المثابة بل كان حنفىّ المذهب، تفقّه على

стр. 1380

الإمام أبى بكر بن أبى عبد الله الزاهد الحنفى- وتاب فى مرض موته، وتصدّق بما كان معه، وأعتق مماليكه، وردّ المظالم على من عرفه، وجعل يختم فى كلّ ثلاثة أيّام ختمة إلى أن توفّى يوم الجمعة فى شهر رمضان. قلت: ومن يمشى حلف العقول، ويخالف الرسول لا يقلّد الأحكام الشرعية، ولا يتقرّب بتلاوة القرآن العظيم. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن أبى موسى أبو علىّ الهاشمىّ البغدادىّ شيخ الحنابلة وعالمهم، وصاحب التصانيف الكثيرة. مات فى شهر ربيع الاخر. وفيها توفّى مهيار بن مرزويه الدّيلمىّ أبو الحسن «١» الكاتب الشاعر المشهور، كان مجوسيّا فأسلم على يد الشريف الرضىّ، وهو أستاذه فى الأدب والنّظم والتشيع. اشتغل حتّى مهر فى الأدب والكتابة والتشيّع حتّى صار من كبار الشعراء الروافض «٢» . قال أبو القاسم «٣» بن برهان النحوىّ: كان مجوسيّا فأسلم فى سنة أربع وتسعين وثلثمائة؛ فقلت له: يا أبا الحسن، انتقلت [بإسلامك «٤» ] من زاوية إلى زاوية فى جهنّم؛ قال: وكيف؟ قلت: لأنّك كنت مجوسيّا ثمّ صرت تتعرّض لأصحاب رسول الله ﷺ ، والمجوسىّ والرافضىّ فى النار. انتهى. قلت: وأمّا شعر مهيار ففى غاية الجودة. فمن ذلك قوله: [البسيط] أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ... وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب وأبتغى عندكم قلبا سمحت به ... وكيف يرجع شىء وهو موهوب

стр. 1381

وله فى إنجاز وعد: [الطويل] أظلّت «١» علينا منك يوما غمامة ... أضاء لها برق وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلى فيبأس طامع ... ولا غيثها يأتى فيروى عطاشها وفيها توفّى الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة أبو المطاع التّغلبىّ ويعرف بدى القرنين ووجيه الدولة. ولى إمرة دمشق للحاكم بأمر الله ثمّ عزل عنها بلؤلؤ، ثمّ أعيد إليها سنة خمس عشرة وأربعمائة من قبل الظاهر بن الحاكم؛ ومات بها وقيل بمصر. وكان شاعرا أديبا شجاعا فصيحا. ومن شعره: [الرمل] موعدى بالبين ظنّا «٢» ... أننى بالبين أشقى ما أرى بين مماتى ... وفراقى لك فرقا لا تهدّدنى ببين ... لست منه أنوقّى إنّما يشقى ببين ... منك من بعدك يبقى أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثمانى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٢٩] السنة الثانية من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فيها توفّى عبد الرحمن بن عبد الله بن علىّ أبو علىّ العدل، ويعرف بابن أبى العجائز، ولد سنة أربعين وثلثمائة بدمشق وبها مات فى المحرّم؛ وكان ثقة سمع الحديث ورواه،

стр. 1382

روى عنه غير واحد؛ قال: وحدّثنا محمد بن سليمان الرّبعىّ عن محمد بن تمّام الحرّانى «١» . عن محمد بن قدامة قال: أتينا سفيان بن عيينة فحجبنا «٢» ، فجاء خادم لهارون الرشيد يقال له حسين فى طلبه فأخرجه، فقمنا إليه فقلنا: أمّا أهل الدنيا فيصلون إليك، وأمّا نحن فلا نصل! فنظر إلينا وقال: لا أفلح صاحب عيال؛ ثم أنشد: [البسيط] اعمل بعلمى ولا تنظر إلى عملى ... ينفعك علمى ولا يضررك تقصيرى ثم قال: بم تشبّهون قوله عليه [الصلاة «٣» و] السلام إخبارا عن ربّه تعالى: «ما أشغل عبدى ذكرى عن مسألتى إلّا أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» ؟ فقلنا: قل يرحمك الله؛ فقال قول القائل: [الكامل] وفتى «٤» خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال أعطاك قبل سؤاله ... وكفاك مكروه السؤال وفيها توفّى أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله العلوىّ الطّلمنكىّ «٥» الحافظ، كان إماما حافظا محدّثا. مات فى ذى الحجة وله تسعون سنة. وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن الصّقر «٦» الإمام الكاتب المقرئ صاحب زيد بن أبى بلال الكوفىّ، كان فاضلا قرأ القراءات بالرّوايات وبرع فى فنون.

стр. 1383

وفيها توفّى أبو الوليد يونس بن «١» عبد الله بن محمد بن مغيث المقرئ القرطبىّ الفقيه المعروف بابن الصفّار قاضى الجماعة، كان من أوعية العلم، كان فقيها محدّثا عالما زاهدا. مات فى شهر رجب. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٠] السنة الثالثة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاثين وأربعمائة. فيها سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يلقّب ابنه لقبا، فلقّبه «الملك العزيز» وكان مقيما بواسط. قلت: وهذا أوّل لقب سمعناه من ألقاب ملوك الأتراك وغيرهم من ملوك زماننا. وفيها استولى بنو سلجوق «٢» على خراسان والجبال، وهرب منهم السلطان مسعود ابن محمود بن سبكتكين إلى غزنة، واقتسموا البلاد. وهذا أوّل ظهور بنى سلجوق الآتى ذكرهم فى عدّة أماكن. وأصلهم أتراك من [ما] وراء النهر، فزوّج سلجوق ابنته من رجل يعرف بعلىّ تكين، فأفسدوا على محمود بن سبكتكين البلاد بالنهب والغارات، فقصدهم محمود بن سبكتكين فقبض على سلجوق المذكور وهرب علىّ تكين وطغرلبك، واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق، وبقى طغرلبك فى أربعة آلاف خركاه، إلى أن توفّى محمود بن سبكتكين، واشتغل ابنه مسعود بن محمود

стр. 1384

ابن سبكتكين باللهو. فصار أمر طغرلبك ينمو إلى أن واقع مسعودا وهزمه واستولى على خراسان، وولّى أخاه داود مرو وسرخس وبلخ، وولّى ابن عمّه الحسن بن موسى هراة وبوشنج وسجستان، وولّى أخاه لأمّه إبراهيم ينّال دهستان «١» . وعظم أمر طغرلبك إلى أن كان من أمره ما سنذكره فى عدّة أماكن إن شاء الله تعالى. وفيها توفّى أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الحافظ أبو نعيم الأصبهانىّ الصوفىّ والأحول سبط الزاهد محمد بن يوسف البنّاء؛ كان أحد الأعلام، جمع بين علوّ الرواية وكثرة الدّراية، ورحل إليه من الأقطار، وألحق الصغار بالكبار؛ وولد سنة ستّ وثلاثين وثلثمائة بأصبهان. واستجاز له أبوه طائفة من شيوخ العصر حتّى تفرّد فى آخر عمره فى الدنيا عنهم. وفيها توفّى عبد الملك بن محمد بن عبد الله الشيخ أبو القاسم البغدادىّ الواعظ. كان مسند العراق فى زمانه، سمع الحديث وروى الكثير. قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة ثبتا صالحا؛ ولد فى شوّال سنة تسع وثلاثين وثلثمائة. وفيها توفّى موسى بن عيسى بن أبى حاجّ الفاسىّ المقرئ الإمام أبو عمران، الفاسىّ الدار الغفجومىّ «٢» النسب- وغفجوم: قبيلة من زناتة- البربرىّ الفقيه المالكىّ نزيل القيروان وإليه انتهت رياسة العلم بها. تفقّه على أبى الحسن «٣» القابسىّ وهو أجل أصحابه؛ ودخل الأندلس فتفقّه على أبى محمد «٤» الأصيلىّ، وسمع وحدّث وحجّ غير مرّة، وكان من كبار العلماء.

стр. 1385

وفيها توفّى الفضل بن منصور أبو الرضا البغدادىّ المعروف بابن الظّريف، كان شاعرا أديبا. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣١] السنة الرابعة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. فيها توفّى محمد بن علىّ بن أحمد بن يعقوب بن مروان القاضى أبو العلاء الواسطىّ، أصله من فم الصّلح، ونشأ بمدينة واسط. وكان فقيها فاضلا محدّثا، سمع الحديث، وولى القضاء. ومات ببغداد فى جمادى الآخرة من السنة. وفيها توفّى محمد بن الفضل بن نظيف أبو عبد الله المصرىّ الفرّاء مسند الديار المصريّة فى زمانه، سمع الكثير وتفرّد بأشياء، وروى عنه خلائق كثيرة. ومات فى شهر ربيع الآخر، وله تسعون سنة. وفيها شغب الأتراك وخرجوا بالخيم [إلى شاطىء» دجلة] وشكوا من تأخّر النفقة ووقوع الاستيلاء على إقطاعاتهم، [فعرف السلطان «٢» هذا] ، فكاتب دبيس [بن علىّ «٣» ] ابن مزيد [و «٤» ] أبا الفتح [بن ورّام «٥» ] وأبا الفوارس بن سعد «٦» ؛ ثمّ كتب إلى الأتراك يلومهم. وحاصل الأمر أنّ الناس ماجوا وانزعجوا، ووقع النهب وغلت الأسعار وزاد الخوف، حتّى إنّ الخطيب صلّى صلاة الجمعة بجامع براثا «٧» وليس وراءه إلا ثلاثة

стр. 1386

أنفس، ونودى فى الجمعة المقبلة من أراد الصلاة بجامع براثا فكلّ ثلاثة أنفس بدرهم خفارة. وفيها توفّى القاضى أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائىّ «١» الحنفىّ قاضى نيسابور وفقيهها وعالمها، كان إماما فقيها عالما عفيفا ورعا كثير العلم، كان المعوّل على فتواه بنيسابور فى زمانه. ومات فى هذه السنة. قاله الذهبىّ ﵀. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى القاضى أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائىّ الحنفىّ قاضى نيسابور وفقيهها. والقاضى أبو العلاء محمد بن على الواسطى المقرئ. وأبو الحسن محمد بن عوف المزنىّ فى [شهر] ربيع الآخر. وأبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف المصرىّ الفرّاء فى [شهر] ربيع الآخر، وله تسعون سنة. وأبو المعمّر مسدّد بن علىّ الأملوكىّ «٢» خطيب حمص. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٢] السنة الخامسة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة. فيها اتّفق جلال الدولة مع قرواش وتحالفا وسكنت الفتنة بينهما.

стр. 1387

وفيها توفّى القاضى أبو العلاء صاعد المقدّم ذكره فى السنة الماضية، فى قول صاحب مرآة الزمان. وفيها توفّى أبو بكر محمد بن عمر بن بكير «١» بن النّجّار، كان إماما عالما محدّثا. مات فى هذه السنة. وفيها توفّى عبد الباقى بن محمد الحافظ أبو القاسم الطحّان، كان إماما فاضلا فقيها محدّثا. مات ببغداد فى جمادى الأولى من هذه السنة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ أبو العبّاس جعفر بن محمد بن المعتزّ المستغفرىّ. وأبو القاسم عبد الباقى بن محمد الطحّان ببغداد فى جمادى الأولى. وأبو بكر محمد بن عمر بن بكير النحّار. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع مثل الخالية. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٣] السنة السادسة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. فيها توفّى محمد بن جعفر أبو الحسين البغدادىّ المقرئ، كان فاضلا قارئا أديبا شاعرا محدّثا. ومن شعره: [الكامل] يا ويح قلبى من تقلّبه ... أبدا يحنّ إلى معذّبه قالوا كتمت هواه عن جلد ... لو كان لى جلد لبحت به

стр. 1388

وفيها توفّى السلطان مسعود ابن السلطان محمود بن سبكتكين أبو سعيد صاحب خراسان وغزنة وغيرهما. كان ملكا عادلا حسن السّيرة فى الرعيّة، سلك طريق أبيه فى الغزو وفتح البلاد، إلّا أنّه كان عنده محبّة فى اللهو والطّرب. وكان ولى الملك بعد موت أبيه السلطان محمود فى ذى الحجّة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، فكانت مدّة حكمه «١» على بلاد الهند وغيرها اثنتى عشرة سنة إلّا أشهرا. وفيها توفّى الأمير أنوشتكين الدّزبرىّ «٢» قسيم الدولة نائب الشام للمستنصر صاحب الترجمة، كان خصيصا عند المستنصر يندبه إلى المهمّات، وكان شجاعا مقداما عظيم الهيبة حسن السياسة؛ طرد العرب من الشام وأباد المفسدين، ومهّد أمور الشام حتى أمنت السّبل فى أيّامه. وقد قدّمنا من ذكره نبذة فى ترجمة المستنصر فى هذا المحلّ. ولمّا مات ولى دمشق بعده الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ابن عبد الله بن حمدان. وفيها توفّى الأمير أبو جعفر علاء الدولة بن كاكويه «٣» صاحب أصبهان. ولى بعده منصور «٤» ، وأقام الدعوة والسّكة للملك أبى كاليجار فى جميع بلاد أبيه. وفيها توفّى سعيد بن العبّاس الحافظ أبو عثمان القرشىّ الهروىّ، كان إماما فاضلا محدّثا فقيها. مات فى المحترم من هذه السنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.

стр. 1389

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٤] السنة السابعة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. فيها ورد الخبر من تبريز «١» أنّ زلزلة عظيمة وقعت بها هدمت قلعتها وسورها وكثيرا من دورها ومساكنها، ونجا أميرها بنفسه. وأحصى من مات تحت الهدم فكانوا خمسين ألفا، ولبس الناس بها السّواد وجلسوا على المسوح لعظم هذه المصيبة. ثمّ زلزلت تدمر «٢» أيضا وبعلبك، فمات تحت الهدم معظم أهل تدمر. وفيها توفّى حمزة بن الحسن بن العبّاس الشريف العلوىّ أبو يعلى فخر الدولة ولى قضاء دمشق عن الظاهر العبيدىّ، وهو الذي أجرى الفوّارة يجيرون «٣» ، وبنى قيساريّة الأشراف «٤» وتعرف بالفخريّة. قال الشريف أبو الغنائم عبد الله بن الحسين: أنشدنى لقسّ بن ساعدة فى النجوم: [الكامل] علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شىء لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شىء أغلقت ... من دونه الأبواب والأقفال افهم فما أحد بغامض فطنة ... يدرى متى الأرزاق والآجال إلّا الذي من فوق سبع عرشه ... فلوجهه الإكرام والإفضال

стр. 1390

وفيها توفّى عبيد الله «١» بن هشام بن عبد الله بن سوار أبو الحسين من أهل داريّا بدمشق، كان إماما فاضلا متديّنا. وفيها توفّى عبد «٢» بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير «٣» أبو ذرّ الأنصارىّ الهروىّ المالكىّ الحافظ، كان يعرف فى بلده بابن السمّاك، سمع الحديث ورحل [إلى] البلاد، وكان إماما عالما فاضلا سخيّا صوفيّا. قال القاضى عيّاض: ولأبى ذرّ كتاب كبير مخرّج «٤» على الصحيحين [و] «كتاب السنة والصفات» . رحمه الله تعالى. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٥] السنة الثامنة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. فيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها توفّى الحسين بن عثمان بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبد العزيز أبى دلف أبو سعد العجلىّ، كان إماما محدّثا، سافر إلى خراسان ثمّ عاد إلى بغداد وحدّث بها، ثم انتقل إلى مكّة فتوفّى بها فى شوّال.

стр. 1391

وفيها توفّى عبيد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو القاسم الصّيرفىّ «١» المحدّث، كان صالحا ثقة مكثرا فى الحديث. وفيها توفّى السلطان أبو طاهر جلال الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه. ولد سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة. وكان ملكا محبّبا للرعيّة حسن السيرة، وكان يحبّ الصالحين. ولقى فى سلطنته من الأتراك شدائد. ومات ليلة الجمعة خامس شعبان، وغسّله أبو القاسم بن شاهين الواعظ وأبو محمد عبد القادر بن السمّاك، ودفن بداره فى دار المملكة فى بيت كان دفن فيه عضد الدولة وبهاء الدولة قبل نقلهما إلى الكوفة، ثم نقل بعد سنة إلى مقابر قريش. وكان عمره لمّا مات إحدى وخمسين سنة وشهرا؛ ومدّة ولايته على بغداد ستّ عشرة سنة وأحد عشر شهرا. ولمّا مات كان ابنه الملقّب بالملك العزيز بواسط، فكتب إليه الخليفة القائم بأمر الله يعزّيه فيه. قلت: وجلال الدولة هذا أحسن بنى بويه حالا إن لم يكن رافضيّا على قاعدتهم النّجسة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وستّ أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٦] السنة التاسعة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ست وثلاثين وأربعمائة. فيها دخل أبو كاليجار بغداد ولم يخرج الخليفة القائم بأمر الله إلى لقائه، فنزل فى دار المملكة وأخرج منها عيال جلال الدولة، وضرب الدّبادب على بابه

стр. 1392

فى أوقات الصلوات الخمس؛ فروسل بالاقتصار على ثلاثة أوقات، كما كانت العادة، فلم يلتفت إلى رسول الخليفة، واستمرّت الدّبادب فى خمسة أوقات. وفيها توفّى الحسين بن علىّ بن محمد بن جعفر أبو عبد الله الصّيميرىّ «١» العلّامة. ولد سنة إحدى وخمسين وثلثمائة، وكان أحد الفقهاء الحنفيّة الأعلام؛ كان جيّد النظر حسن العبارة وافر العقل صدوقا ثقة، انتهت إليه رياسة الحنفية ببغداد، وولى القضاء بالمدائن وغيرها؛ وكان فى ولايته نزها عفيفا ديّنا ورعا. مات ليلة الأحد حادى عشرين شوّال ودفن فى داره بدرب الزرّادين «٢» . وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو محمد الأصبهانىّ ويعرف بابن اللبّان، كان صائما قائما صدوقا ثقة أحد أوعية العلم، وله التصانيف الحسان. وفيها توفّى علىّ بن الحسن بن إبراهيم أبو الحسن الصوفىّ الوكيل، كان ديّنا خيّرا، سكن مصر، وبها كانت وفاته فى شعبان. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن بكير أبو بكر التّنوخىّ الخيّاط الدمشقى، كان يؤمّ بمسجد أبى صالح خارج الباب الشرقىّ بدمشق، وكان صالحا ثقة. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن الطيّب أبو الحسين البصرىّ المتكلم، سكن بغداد ودرس بها على مذهب المعتزلة، وله تصانيف كثيرة «٣» : منها «المعتمد فى أصول الفقه «٤» » لم يصنّف فى فنه مثله.

стр. 1393

وفيها توفّى محسّن بن محمد بن العبّاس الشريف الحسينىّ، كان نقيب الطالبيّين بدمشق، وولى القضاء بها بعد أخيه لأمّه فخر الدولة «١» نيابة عن أبى [محمد القاسم «٢» بن] النّعمان قاضى قضاة خليفة مصر. ومات بدمشق فى المحرّم. وفيها توفّى علىّ بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، الشريف أبو طالب العلوىّ الموسوىّ المعروف بالشريف المرتضى نقيب الطالبيّين ببغداد، وهو أخو الشريف الرضى. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ: وكلّ منهما رافضىّ، وكان المرتضى أيضا رأسا فى الاعتزال كثير الاطلاع والجدل. ثمّ ذكر كلاما عن ابن حزم فى هذا المعنى، أنّزه الشريف عن ذكره «٣» مراعاة لسلفه الطاهر لا لاعتقاده القبيح فى الصحابة. وكان الشريف المرتضى عالما فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره من جملة قصيدة قوله: [الخفيف] والتقينا «٤» كما اشتهينا ولا عي ... ب سوى أنّ ذاك فى الأحلام وإذا كانت الملاقاة ليلا ... فالليالى خير من الأيام وكانت وفاة الشريف فى يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأوّل. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن أحمد أبو الوليد المرسى يعرف بابن منقذ «٥» ، حدّث عن سهل بن إبراهيم وغيره، وكان عالما فاضلا ورعا محدّثا صدوقا ثقة.

стр. 1394

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٧] السنة العاشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. فيها مات بواسط نصرانىّ يقال له ابن سهل، وأخرجت جنازته نهارا، فثارت العامّة بالنّصارى وجزدوا الميّت وأحرقوه، ومضوا إلى الدّير فنهبوه. وكان الملك العزيز بن جلال الدولة بن بويه بواسطّ، وعمّه الملك أبو كاليجار ببغداد، ولم يكن له تلك الهيبة، وكانوا قد أحسّوا بانقراض دولة بنى بويه بظهور طغرلبك السّلجوقىّ صاحب خراسان، فلم ينتطح فى ذلك شاتان. وفيها جهّز المستنصر صاحب الترجمة جيشا من مصر إلى حلب، فحصروا ابن مرداس فيها واستظهروا عليه، فاستنجد بالرّوم فلم ينجدوه. وقد تقدّم ذكر هذه الواقعة فى ترجمة المستنصر. وفيها لم يحج أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها توفى الحسن بن محمد بن أحمد أبو محمد الدمشقىّ المعروف بابن «١» السّكن؛ كان عابدا زاهدا صام الدهر وله اثنتا «٢» عشرة سنة من العمر، وعاش سبعا وثمانين سنة. وكان لا يشرب الماء فى الصيف، وأقأم سنة وخمسة أشهر لا يشربه. فقال له طبيب «٣» : معدتك تشبه الآبار، فى الصيف باردة وفى الشتاء حارّة.

стр. 1395

وفيها توفّى محمد بن محمد بن علىّ [بن الحسن بن علىّ بن إبراهيم «١» بن علىّ] بن عبد الله ابن الحسين [الأصغر «٢» ] أبو الحسن العلوىّ الحسينىّ البغدادىّ النسابة شيخ الأشراف. كان فريدا فى علم الأنساب، وله تصانيف كثيرة، وله شعر. وفيها توفّى مكّى بن أبى طالب حمّوش «٣» بن محمد بن مختار الإمام أبو محمد القيسىّ القيروانىّ ثم القرطبىّ المقرئ شيخ الأندلس فى زمانه، حجّ وسمع بمكة وغيرها. وكان إماما عالما محدّثا ورعا، صنّف الكثير فى علوم القرآن. ومولده بالقيروان سنة خمس وخمسين وثلثمائة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٨] السنة الحادية عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. فيها أغارت الترك على ما وراء النهر واستولوا على بخارى وسمرقند وخوارزم، فقطع طغرلبك جيحون. وبعث أخاه إبراهيم إلى العراق فاستولى على حلوان ثم عاد إلى الرىّ. والتقى طغرلبك مع الترك فهزمهم وعاد إلى خراسان. وفيها زلزلت أخلاط وديار بكر زلازل هدمت القلاع والحصون وقتلت خلقا كثيرا.

стр. 1396

وفيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر والشام. وفيها توفّى عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن حيّويه «١» الجوينىّ الشافعى والد أبى «٢» المعالى الجوينى. وجوين (بضم الجيم) : بلدة من أعمال نيسابور. وأصلهم من العرب من بنى سنبس «٣» . سمع الحديث، وتفقّه بمرو على القفّال «٤» ، وصنّف التصانيف الكثيرة. ومات بنيسابور. وفيها توفّى محمد بن يحيى بن محمد أبو بكر. كان أصله من قرية بالعراق يقال لها الزيديّة. كان عالما بالقرآن والفرائض وسمع الحديث. ومات فى شهر رمضان. قال أبو بكر الخطيب: «كتبت عنه، وكان ثقة» . وفيها توفّى الحسن بن محمد بن إبراهيم أبو علىّ البغدادىّ المالكىّ المقرئ العالم المشهور، مصنّف «الروضة «٥» » . كان عالما بالقراءات وغيرها، مفتنّا. مات فى هذه السنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٣٩] السنة الثانية عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.

стр. 1397

فيها وقع الغلاء والوباء بالموصل والجزيرة وبغداد، ووصل كتاب من الموصل أنهم أكلوا الميتة، وصلّى الجمعة أربعمائة نفس، ومات الباقون وكانوا زيادة على ثلثمائة «١» إنسان، وبيعت الزمّانة يقيراطين، واللّينوفرة «٢» بقيراطين أيضا، والخيارة بقيراط. قاله صاحب مرآة الزمان. وفيها توفّى أحمد [بن أحمد «٣» ] بن محمد أبو عبد الله القصرىّ (من قصر «٤» ابن هبيرة) . ولد سنة ست وأربعين وثلثمائة. وسمع الحديث، وكان من أهل العلم والقرآن، يختم القرآن فى كلّ يوم مرّة، وكان معروفا بالسنّة. ومات فى شهر رجب، ودفن بباب حرب. وكان صدوقا صالحا ثقة. وفيها توفّى أحمد بن عبد العزيز بن الحسن أبو يعلى الطاهرىّ (من ولد طاهر ابن الحسين الأمير) . ولد سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وقرأ الأدب وسمع الحديث. ومات فى شوّال. وكان فصيحا صدوقا. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد أبو الفضل الهاشمىّ العباسىّ، من ولد هارون الرشيد. ولى النّضاء بسجستان، وسمع الحديث، وكان له شعر وفضل.

стр. 1398

وفيها كان الطاعون العظيم بالموصل والجزيرة وبغداد، وصلّى بالموصل على أربعمائة نفس دفعة واحدة، وبلغت الموتى ثلثمائة ألف إنسان. وفيها توفّى عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيّوب أبو القاسم البغدادىّ الشاعر المشهور، كان يعرف بالمطرّز «١» . مات ببغداد فى جمادى الآخرة. وفيها توفّى محمد بن الحسين بن علىّ بن عبد الرحيم الوزير أبو سعد «٢» وزير جلال الدولة بن بويه. لقى شدائد من المصادرات من الأتراك، حتى آل أمره أنّه خرج من بغداد مستترا وأقام بجزيرة «٣» ابن عمر حتّى مات فى ذى القعدة. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن محمد بن إبراهيم أبو الخطّاب الشاعر الجبّلىّ، أصله من قرية جبّل عند النّعمانيّة ببغداد. كان فصيحا شاعرا. رحل إلى البلاد ثم عاد إلى بغداد، وقد كفّ بصره فمات بها. وكان رافضيّا خبيثا. ومن شعره: [المنسرح] ما حكم الحبّ فهو ممتثل ... وما جناه الحبيب محتمل تهوى وتشكو الضّنى وكلّ هوّى ... لا ينحل الجسم فهو منتحل أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٠] السنة الثالثة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربعين وربعمائة.

стр. 1399

فيها تمت عمارة سور شيراز، ودوره اثنا عشر ألف ذراع، وارتفاع حائطه عشرون «١» ذراعا، وله عشرة أبواب. وفيها ولّى المستنصر صاحب الترجمة خليفة مصر القائد طارقا الصّقلبىّ على دمشق؛ وعزل عنها ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن عبد الله بن حمدان، وقبض عليه واستقدمه إلى مصر؛ ثمّ صرف المستنصر طارقا عن إمرة دمشق فى سنة إحدى وأربعين، وولّى مكانه عدة الدولة المستنصرىّ؛ ثمّ صرفه أيضا عنها وبعث به إلى حلب، وولّى دمشق حيدرة بن الحسين بن مفلح، ويعرف بأبى الكرم «٢» المؤيّد؛ فأقام عليها حيدرة تسع سنين. وفيها فى شعبان ختن الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ ابنه أبا العبّاس محمدا، ولقبه بذخيرة الدين «٣» وذكر اسمه على المنابر. وفيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها توفّى محمد بن جعفر [بن] «٤» أبى الفرج الوزير أبو الفرج ويلقّب ذا «٥» السعادات. وزر لأبى كاليجار بفارس وبغداد. وكان وزيرا فاضلا عادلا شاعرا. ومات فى شهر ربيع الآخر، وقيل: فى جمادى الأولى. ومن شعره: [الوافر] أودّعكم وإنى ذو اكتئاب ... وأرحل عنكم والقلب آبى وإنّ فراقكم فى كل حال ... لأوجع من مفارقة الشباب

стр. 1400

وفيها توفّى السلطان أبو كاليجار، واسمه المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه بن فنّا خسرو الدّيلمىّ. ولد بالبصرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة فى شوّال، ومات ليلة الخميس منتصف جمادى الأولى. وكانت ولايته على العراق أربع سنين وشهرين وأياما، ومدّة ولايته على فارس والأهواز خمسا وعشرين سنة. وكان شجاعا فاتكا مشغولا بالشرب واللهو. ولمّا مات كان ولده أبو نصر ببغداد فى دار الملك نيابة عن أبيه، فلقّبه الخليفة القائم بأمر الله «الملك الرحيم» وخلع عليه خلعة السلطنة. وكانت الخلع سبع جباب كاملة والتاج والطّوق والسوارين واللواءين كما كان فعل بعضد الدولة. وفيها توفّى الفضل- وقيل: فضل الله- بن أبى الخير محمد بن أحمد أبو «١» سعيد الميهنىّ العارف بالله صاحب الأحوال والكرامات. مات بقرية ميهنة من خراسان فى شهر رمضان وله تسع وسبعون سنة بعد أن سمع الحديث، وروى عنه جماعة، وتكلّم فى اعتقاده ابن حزم. والله أعلم بحاله. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن زياد أبو بكر الأصبهانىّ التاجر المعروف بابن ريذة «٢» . روى عن الطّبرانىّ معجميه الكبير والصغير. وطال عمره، وسار ذكره، وتفرّد بأشياء. ذكره أبو زكريّا بن مندة وقال: «الفقيه «٣» الأمين» . كان أحد وجوه الناس، وافر العقل، كامل الفضل.

стр. 1401

وفيها توفّى محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان بن عبد الله بن غيلان بن حكيم أبو طالب الهمذانىّ البغدادىّ البزّاز أخو غيلان المقدّم «١» ذكره. سمع من أبى بكر الشافعىّ أحد عشر جزءا معروفة بالغيلانيّات، وتفرّد فى الدنيا عنه. قال أبو بكر الخطيب: «كتبنا عنه، وكان صدوقا ديّنا صالحا» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤١] السنة الرابعة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. فيها كانت فتنة بين أهل السنّة والرافضة. قال القاضى أبو القاسم علىّ بن المحسّن التنوخىّ: «أهل الكرخ طائفة نشأت على سبّ الصحابة، وليس للخلافة عليها أمر» . قلت: وعدم أمر الخليفة عليهم لميل بنى بويه إليهم فى الباطن، فإنهم أيضا من كبار الشيعة، وهم يوم ذلك سلاطين بغداد؛ غير أنهم كانوا لا يظهرون ذلك خوفا على الملك. وفيها هبّت ريح سوداء ببغداد أظلمت الدنيا وقلعت رواشن دار الخلافة ودار المملكة ودور الناس، واقتلعت من الشجر والنخل شيئا كثيرا. وفيها نزل طغرلبك السّلجوقىّ الرّىّ ولم يتحقّق موت أبى كاليجار بن بويه، ثمّ فحص عن ذلك حتّى تحقّق وفاته.

стр. 1402

وفيها دخل السلطان مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد الهند، ووصل إلى الأماكن التى كان وصل إليها جدّه محمود. وفيها توفّى أحمد بن حمزة بن محمد بن حمزة بن خزيمة أبو إسماعيل الهروىّ الصوفىّ. كان يعرف بعمّويه وكان شيخ الصوفية بهراة. سمع الكثير بالعراق والشام. ومات بهراة فى شهر رجب. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن عبد الله أبو عبد الله الصّورىّ الحافظ. ولد بصور «١» سنة ست وسبعين وثلثمائة وقدم بغداد، وسمع الحديث على كبر السنّ وعنى به. وكان إماما صحيح النقل دقيق الخطّ صائما قائما لا يفطر إلّا فى العيدين وأيام التشريق. وكان حسن المحاضرة. وله شعر على طريق القوم؛ فمن ذلك من قصيدة: [المجتث] نعم الأنيس كتاب ... إن خانك الأصحاب تنال منه فنونا ... تحظى بها وتثاب أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٢] السنة الخامسة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.

стр. 1403

فيها كان من العجائب أنّه وقع الصلح بين أهل السّنّة والرافضة وصارت كلمتهم واحدة. وسبب ذلك أنّ أبا محمد النّسوىّ ولّى شرطة بغداد وكان فاتكا، فاتّفقوا على أنّه متى رحل إليهم قتلوه، واجتمعوا وتحالفوا، وأذّن بباب البصرة ب «- حىّ على خير العمل» وقرىء فى الكرخ فضائل الصحابة، ومضى أهل السّنة والشّيعة إلى مقابر قريش، فعدّ ذلك من العجائب؛ فإنّ الفتنة كانت قائمة والدماء تسكب، والملوك والخلفاء يعجزون عن ردّهم، حتّى ولىّ هذا الشرطة، فتصالحوا على هذا الأمر اليسير. فلله الأمر من قبل ومن بعد. وفيها توفّى علىّ بن عمر بن محمد بن الحسن أبو الحسن الزاهد المعروف بابن «١» القزوينىّ. ولد بالحربيّة» ببغداد فى المحرّم سنة ستّين وثلثمائة؛ وكان إماما فاضلا زاهدا، قرأ النّحو وسمع الحديث الكثير؛ وكان صاحب كرامات وصلاح، يقصد للزيارة. ومات فى شعبان. وفيها توفّى الأمير قرواش بن المقلّد أبو المنيع صاحب الموصل والكوفة والأنبار. وقرواش بفتح «٣» القاف والراء المهملة والواو وبعد الألف شين معجمة ساكنة. ومعناه باللغة التركية عبد أسود. وكان قرواش هذا قد خلع عليه الخليفة القادر بالله ولقّبه معتمد الدولة. وكان قد جمع بين أختين، فلامه النّاس على ذلك؛ فقال لهم: خبّرونى، ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة! فهذا من ذاك. وكان الحاكم بأمر الله استماله فحطب له ببلاده ثمّ رجع عن ذلك. ولمّا مات قرواش ولى مكانه

стр. 1404

ابن أخيه قريش بن بدران بن المقلّد المقدّم ذكره فى ترجمة المستنصر أنّه كان مع البساسيرىّ. ويأتى ذلك أيضا فى محلّه مختصرا. وفيها توفّى السلطان مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وغيرها من بلاد الهند وغيره. ومات بغزنة، وقام مقامه عمّه عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين؛ اختاره أهل المملكة فأقاموه. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٣] السنة السادسة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. فيها فى صفر عادت الفتنة بين أهل السّنّة والرافضة ببغداد، وكتب أهل الكرخ على برج الباب: «محمد وعلىّ خير البشر، فمن رضى فقد شكر، ومن أبى فقد كفر» . وثارت الفتنة بينهم، ولم يقدر على منعهم الخليفة ولا السلطان. واستنجد الخليفة بعيّار من أهل درب ريحان، فأحضر إلى الديوان واستتيب عن الحرام، وسلّط على أهل الكرخ فقتل منهم جماعة كثيرة. وفيها أقام ابن المعزّ «١» بن باديس الصنهاجىّ ملك الغرب الدعوة بالمغرب للقائم بأمر الله العباسىّ، وأبطل دعوة بنى عبيد خلفاء مصر من الغرب. وكان المعزّ لدين

стр. 1405

الله معدّ لمّا خرج من المغرب وقصد الديار المصريّة سلّمها إلى المعزّ بن باديس. فأقام بها سنين إلى أن توفّى، وملكها ابنه من بعده؛ فأقام مدّة سنين يخطب لبنى عبيد إلى هذه السنة؛ فأبطل الدعوة لهم وخطب لبنى العبّاس، ودعا للقائم بأمر الله وهو ببغداد. فلم تزل دعوة العباسية بعد ذلك بالمغرب حتى ظهر محمد بن تومرت «١» بالمغرب وتلقّب بالمهدىّ، وقام بعده عبد المؤمن بن علىّ فقطع الدعوة لبنى العبّاس فى أيام المقتفى العبّاسىّ، على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وفيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها توفّى أحمد بن عثمان بن عيسى أبو نصر الجلّاب «٢» ، كان محدّثا ثقة؛ وأخرج له أبو بكر الخطيب حديثا عن ابن عمر: أنّ النّبيّ ﷺ قرئت عنده سورة الرحمن فقال: «مالى أرى «٣» الجنّ أحسن جوابا لردّها منكم» . قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلّا قالت الجنّ ولا بشىء من نعمك يا ربنّا نكذّب» . وفيها توفّى إسماعيل بن علىّ بن الحسين زنجويه أبو سعد الحافظ الرازىّ «٤» الحنفىّ؛ كان إماما فاضلا طاف الدنيا ولقى الشيوخ وأثنى عليه العلماء؛ وكان ورعا زاهدا فاضلا، إمام أهل زمانه [بغير مدافعة «٥» ] ، [و] ما رأى مثل نفسه [فى كلّ فنّ «٦» ] ،
следующие страницы →