← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وفيها توفّى محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان بن عبد الله بن غيلان بن حكيم أبو طالب الهمذانىّ البغدادىّ البزّاز أخو غيلان المقدّم «١» ذكره. سمع من أبى بكر الشافعىّ أحد عشر جزءا معروفة بالغيلانيّات، وتفرّد فى الدنيا عنه. قال أبو بكر الخطيب: «كتبنا عنه، وكان صدوقا ديّنا صالحا» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤١] السنة الرابعة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. فيها كانت فتنة بين أهل السنّة والرافضة. قال القاضى أبو القاسم علىّ بن المحسّن التنوخىّ: «أهل الكرخ طائفة نشأت على سبّ الصحابة، وليس للخلافة عليها أمر» . قلت: وعدم أمر الخليفة عليهم لميل بنى بويه إليهم فى الباطن، فإنهم أيضا من كبار الشيعة، وهم يوم ذلك سلاطين بغداد؛ غير أنهم كانوا لا يظهرون ذلك خوفا على الملك. وفيها هبّت ريح سوداء ببغداد أظلمت الدنيا وقلعت رواشن دار الخلافة ودار المملكة ودور الناس، واقتلعت من الشجر والنخل شيئا كثيرا. وفيها نزل طغرلبك السّلجوقىّ الرّىّ ولم يتحقّق موت أبى كاليجار بن بويه، ثمّ فحص عن ذلك حتّى تحقّق وفاته.

стр. 1402

وفيها دخل السلطان مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد الهند، ووصل إلى الأماكن التى كان وصل إليها جدّه محمود. وفيها توفّى أحمد بن حمزة بن محمد بن حمزة بن خزيمة أبو إسماعيل الهروىّ الصوفىّ. كان يعرف بعمّويه وكان شيخ الصوفية بهراة. سمع الكثير بالعراق والشام. ومات بهراة فى شهر رجب. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن عبد الله أبو عبد الله الصّورىّ الحافظ. ولد بصور «١» سنة ست وسبعين وثلثمائة وقدم بغداد، وسمع الحديث على كبر السنّ وعنى به. وكان إماما صحيح النقل دقيق الخطّ صائما قائما لا يفطر إلّا فى العيدين وأيام التشريق. وكان حسن المحاضرة. وله شعر على طريق القوم؛ فمن ذلك من قصيدة: [المجتث] نعم الأنيس كتاب ... إن خانك الأصحاب تنال منه فنونا ... تحظى بها وتثاب أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٢] السنة الخامسة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.

стр. 1403

فيها كان من العجائب أنّه وقع الصلح بين أهل السّنّة والرافضة وصارت كلمتهم واحدة. وسبب ذلك أنّ أبا محمد النّسوىّ ولّى شرطة بغداد وكان فاتكا، فاتّفقوا على أنّه متى رحل إليهم قتلوه، واجتمعوا وتحالفوا، وأذّن بباب البصرة ب «- حىّ على خير العمل» وقرىء فى الكرخ فضائل الصحابة، ومضى أهل السّنة والشّيعة إلى مقابر قريش، فعدّ ذلك من العجائب؛ فإنّ الفتنة كانت قائمة والدماء تسكب، والملوك والخلفاء يعجزون عن ردّهم، حتّى ولىّ هذا الشرطة، فتصالحوا على هذا الأمر اليسير. فلله الأمر من قبل ومن بعد. وفيها توفّى علىّ بن عمر بن محمد بن الحسن أبو الحسن الزاهد المعروف بابن «١» القزوينىّ. ولد بالحربيّة» ببغداد فى المحرّم سنة ستّين وثلثمائة؛ وكان إماما فاضلا زاهدا، قرأ النّحو وسمع الحديث الكثير؛ وكان صاحب كرامات وصلاح، يقصد للزيارة. ومات فى شعبان. وفيها توفّى الأمير قرواش بن المقلّد أبو المنيع صاحب الموصل والكوفة والأنبار. وقرواش بفتح «٣» القاف والراء المهملة والواو وبعد الألف شين معجمة ساكنة. ومعناه باللغة التركية عبد أسود. وكان قرواش هذا قد خلع عليه الخليفة القادر بالله ولقّبه معتمد الدولة. وكان قد جمع بين أختين، فلامه النّاس على ذلك؛ فقال لهم: خبّرونى، ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة! فهذا من ذاك. وكان الحاكم بأمر الله استماله فحطب له ببلاده ثمّ رجع عن ذلك. ولمّا مات قرواش ولى مكانه

стр. 1404

ابن أخيه قريش بن بدران بن المقلّد المقدّم ذكره فى ترجمة المستنصر أنّه كان مع البساسيرىّ. ويأتى ذلك أيضا فى محلّه مختصرا. وفيها توفّى السلطان مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وغيرها من بلاد الهند وغيره. ومات بغزنة، وقام مقامه عمّه عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين؛ اختاره أهل المملكة فأقاموه. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٣] السنة السادسة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. فيها فى صفر عادت الفتنة بين أهل السّنّة والرافضة ببغداد، وكتب أهل الكرخ على برج الباب: «محمد وعلىّ خير البشر، فمن رضى فقد شكر، ومن أبى فقد كفر» . وثارت الفتنة بينهم، ولم يقدر على منعهم الخليفة ولا السلطان. واستنجد الخليفة بعيّار من أهل درب ريحان، فأحضر إلى الديوان واستتيب عن الحرام، وسلّط على أهل الكرخ فقتل منهم جماعة كثيرة. وفيها أقام ابن المعزّ «١» بن باديس الصنهاجىّ ملك الغرب الدعوة بالمغرب للقائم بأمر الله العباسىّ، وأبطل دعوة بنى عبيد خلفاء مصر من الغرب. وكان المعزّ لدين

стр. 1405

الله معدّ لمّا خرج من المغرب وقصد الديار المصريّة سلّمها إلى المعزّ بن باديس. فأقام بها سنين إلى أن توفّى، وملكها ابنه من بعده؛ فأقام مدّة سنين يخطب لبنى عبيد إلى هذه السنة؛ فأبطل الدعوة لهم وخطب لبنى العبّاس، ودعا للقائم بأمر الله وهو ببغداد. فلم تزل دعوة العباسية بعد ذلك بالمغرب حتى ظهر محمد بن تومرت «١» بالمغرب وتلقّب بالمهدىّ، وقام بعده عبد المؤمن بن علىّ فقطع الدعوة لبنى العبّاس فى أيام المقتفى العبّاسىّ، على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. وفيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من مصر وغيرها. وفيها توفّى أحمد بن عثمان بن عيسى أبو نصر الجلّاب «٢» ، كان محدّثا ثقة؛ وأخرج له أبو بكر الخطيب حديثا عن ابن عمر: أنّ النّبيّ ﷺ قرئت عنده سورة الرحمن فقال: «مالى أرى «٣» الجنّ أحسن جوابا لردّها منكم» . قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلّا قالت الجنّ ولا بشىء من نعمك يا ربنّا نكذّب» . وفيها توفّى إسماعيل بن علىّ بن الحسين زنجويه أبو سعد الحافظ الرازىّ «٤» الحنفىّ؛ كان إماما فاضلا طاف الدنيا ولقى الشيوخ وأثنى عليه العلماء؛ وكان ورعا زاهدا فاضلا، إمام أهل زمانه [بغير مدافعة «٥» ] ، [و] ما رأى مثل نفسه [فى كلّ فنّ «٦» ] ،

стр. 1406

وكان يقال له: شيخ العدليّة «١» ومات بالرّىّ، ودفن بجنب الإمام محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة. وكان قرأ على ألف وثلثمائة شيخ، وقرأ عليه ثلاثة آلاف. قال ابن عساكر: سمع نحوا من أربعة آلاف «٢» شيخ، ومات وله أربع وتسعون سنة. وفيها توفّى محمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن البصروىّ «٣» ؛ كان شاعرا فصيحا فاضلا ظريفا صاحب نوادر. ومن شعره: [الوافر] ترى الدنيا وزهرتها فتصبو ... وما يخلو من الشّبهات قلب فضول العيش أكثرها هموم ... وأكثر ما يضرّك ما تحبّ وفيها توفّى المفضّل بن محمد بن مسعود «٤» أبو المحاسن التّنوخىّ المعزى الفقيه الحنفى. تفقّه على القدورىّ، وأخذ الأدب عن أبى عيسى الرّبعىّ وبرع فى فنون، وناب فى القضاء بدمشق، وولى قضاء بعلبكّ؛ وصنّف تاريخ النحاة وأهل اللغة. ومات بدمشق، ولم يخلف بعده مثله. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٤] السنة السابعة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربع وأربعين وأربعمائة.

стр. 1407

فيها برز محضر من ديوان الخليفة القائم بأمر الله العبّاسىّ بالقدح فى أنساب خلفاء مصر وأنّهم ديصانيّة «١» خارجون عن الإسلام، من جنس المحضر الذي برز فى أيام للقادر بالله، وقد ذكرناه فى وقته، وأخذ فيه خطوط القضاة والشهود والأشراف وغيرهم. وفيها كانت فى مدينة أرّجان والأهواز زلازل عظيمة ارتجّت منها الأرض، وقلّعت الجبال وخرّبت القلاع، وامتدّت هذه الزلازل إلى بلاد كثيرة. وفيها استولى طغرلبك محمد بن ميكائيل السّلجوقىّ على همذان ونواحيها، وطمع فى قصد العراق. وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن محمد بن علىّ أبو علىّ التميمىّ الواعظ، سمع الحديث الكثير وروى عنه مسند الإمام أحمد عن القطيعىّ «٢» . وفيها توفّى سهل بن محمد بن الحسن أبو الحسن الفاسىّ «٣» الصوفىّ، سمع الكثير وحدّث بالعراق ودمشق وصور، وتوجه إلى مصر فمات بها. وكان أديبا شاعرا على طريق القوم. فمن ذلك قوله: [الطويل] إذا كنت فى دار يهنيك أهلها ... ولم تك محبوبا بها فتحوّل وأيقن بأن الرّزق يأتيك أينما ... تكون ولو فى قعر بيت مقفّل

стр. 1408

وفيها توفّى عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الإمام أبو عمرو الأموى مولاهم القرطبىّ المقرئ الحافظ المعروف بآبن الصيرفىّ «١» أوّلا، ثم بأبى عمرو الدّانى «٢» ؛ صاحب التصانيف. كان أحد الأئمة فى علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه، وجمع فى ذلك كلّه تواليف حسانا مفيدة يطول تعدادها. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ: وبلغنى أن مصنّفاته مائة وعشرون مصنفا. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٥] السنة الثامنة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمس وأربعين وأربعمائة. فيها وقف طغرلبك السّلجوقىّ على مقالات الأشعرىّ، وكان طغرلبك حنفيّا، فأمر بلعن الأشعرىّ على المنابر، وقال: هذا يشعر بأن ليس لله فى الأرض كلام. فعزّ ذلك على أبى القاسم القشيرىّ «٣» ، وعمل رسالة سمّاها «شكاية أهل السّنّة ما نالهم من المحنة» . ووقع بعد ذلك أمور، حتّى دخل القشيرىّ وجماعة من الأشعريّة إلى السلطان طغرلبك المذكور وسألوه رفع «٤» اللّعنة عن الأشعرىّ. فقال طغرلبك: الأشعرىّ عندى مبتدع يزيد على المعتزلة، لأنّ المعتزلة أثبتوا أنّ القرآن فى المصحف وهذا نفاه. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزىّ ﵀: لو أنّ القشيرىّ لم يعمل

стр. 1409

فى هذه رسالة كان أستر للحال، لأنّه إنّما ذكر فيها أنّه وقع اللعن على الأشعرىّ، وأنّ السلطان سئل أن يرفع ذلك فلم يجب؛ ثمّ لم يذكر له حجّة، ولا دفع للخصم شبهة. وذكر ابن الجوزىّ من هذا النوع أشياء كثيرة، حتّى قال: وذكر مثل هذا نوع تغفّل. انتهى. وفيها توفّى إبراهيم بن عمر بن أحمد أبو إسحاق الفقيه الحنبلىّ ويعرف بالبرمكىّ، لأنّ أهله كانوا يسكنون بالبرمكيّة «١» ؛ كان إماما عارفا بمذهبه، وله حلقة للفتوى بجامع المنصور، وسمع خلقا كثيرا، وروى عنه الخطيب وغيره؛ وكان صالحا زاهدا ورعا ديّنا صدوقا ثقة. وفيها توفّى أحمد بن عمر بن روح أبو الحسين «٢» النّهروانىّ؛ كان فاضلا شاعرا قال: كنت على شاطئ «٣» دجلة، فمرّبى إنسان فى سفينة وهو يقول: [الوافر] وما طلبوا سوى قتلى ... فهان علىّ ما طلبوا فقلت له: قف، ثم قلت بديها: أضف إليه: على قلبى الأحبّة بالت ... مادى فى الجفا غلبوا وبالهجران طيب النّو ... م من عينىّ قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلى ... فهان على ما طلبوا

стр. 1410

وفيها توفّى مطهّر «١» بن محمد بن إبراهيم أبو عبد الله الصوفىّ الشّيرازىّ أحد أعيان مشايخ الصوفيّة، جاور بمدينة النّبيّ ﷺ أربعين سنة، ورحل إلى بغداد، ثمّ عاد إلى دمشق فمات بها فى شهر رجب. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٦] السنة التاسعة عشرة من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ستّ وأربعين وأربعمائة. فيها استوحش الخليفة القائم بأمر الله من الأمير أبى الحارث أرسلان البساسيرىّ واستوحش البساسيرىّ منه. وهذا أوّل الفتنة التى ذكرناها فى ترجمة المستنصر هذا من أنه خطب له على منابر بغداد. وكتب الخليفة القائم بأمر الله إلى طغرلبك السّلجوقىّ فى الباطن يستنهضه إلى السير إلى العراق، وكان بنواحى خراسان. وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن إبراهيم أبو علىّ الأهوازىّ المقرئ، كان إماما فى القراءات، وصنّف فى علوم القرآن كتبا كثيرة، وانتهت إليه الرياسة بالشام فى القراءة، وسمع الحديث الكثير، وكان يكره مذهب الأشعرىّ ويضعفه، ومن أجله صنّف ابن عساكر كتابه المسمّى «تبيين «٢» [كذب] المفترى، [فيما نسب] إلى أبى الحسن الأشعرىّ» .

стр. 1411

وفيها توفّى الحسين بن جعفر بن محمد «١» بن جعفر بن داود أبو عبد الله السّلماسىّ «٢» الفقيه الصالح، كان مشهورا بأفعال البرّ والصدقات، ينفق ماله على الفقراء والصالحين، وأخذ منه السلطان عشرة آلاف دينار قرضا، ثمّ أراد ردّها فلم يقبلها، وقال: إننى رجل يأكل من مالى قوم لو علموا أنّنى أخذت من مال السلطان لأمتنعوا. وفيها توفى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأصبهانىّ الفقيه المحدّث، كان زاهدا عالما ورعا، وكنيته أبو محمد «٣» ، ويعرف بابن اللبّان. أثنى على علمه وفضله جماعة من العلماء. وكانت وفاته فى جمادى الآخرة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٧] السنة العشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وأربعين وأربعمائة. فيها دخل طغرلبك السّلجوقىّ بغداد، وهرب منها أبو الحارث أرسلان البساسيرىّ إلى الرّحبة «٤» ، وكاتب البساسيرىّ المستنصر صاحب مصر، ومشت الرّسل بينهما.

стр. 1412

وفيها استولى أبو كامل «١» علىّ بن محمد الصّليحىّ على اليمن، وانتمى إلى المستنصر صاحب مصر، وخطب له باليمن، وأزال دعوة بنى العبّاس منها، وكان يدعى بها للقائم بأمر الله، فصار يدعو للمستنصر هذا صاحب الترجمة. وفيها توفّى الحسين [بن علىّ» ] بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف أبو عبد الله العجلىّ القاضى، وكان يعرف بآبن ماكولا، ولى قضاء البصرة وبغداد، وكان قاضيا نزها عفيفا ديّنا أديبا شاعرا. وفيها توفّى على بن المحسّن بن علىّ بن محمد بن أبى الفهم أبو القاسم التّنوخىّ القاضى، تقلّد القضاء فى عدّة بلاد، وسمع الحديث الكثير، وصنف الكتب المفيدة؛ ومات فى بغداد فى المحرّم. وكان صدوقا محتاطا فى الحديث. وقيل: إنّه كان معتزليّا يميل إلى الرّفض. وفيها توفّى محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ فى حياة والده، كان قد نشأ نشوءا حسنا، ورشّحه أبوه القائم بأمر الله للخلافة، ولقّبه «ذخيرة الدين» . وكانت وفاته فى ذى القعدة، وحزن عليه أبوه القائم حزنا شديدا، وخرج حتّى صلّى عليه بنفسه، فصلّى عليه وبينه وبين الناس سرادق وهم يصلّون خلفه بصلاته؛ وجلس الوزير رئيس الرؤساء للعزاء ثلاثة أيّام، ومنع من ضرب الطّبول ثلاثة أيّام، فلمّا كان اليوم الرابع حضر عميد الملك وزير السلطان بين يدى القائم بأمر الله، وأدّى عن السلطان رسالة تتضمّن التعزية والسؤال بقيام الوزير والجماعة من مجلس التّعزية فقاموا، ثم حمل تابوته بعد ذلك إلى الرّصافة فدفن هناك.

стр. 1413

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وستّ عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٨] السنة الحادية والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. فيها عم الوباء والقحط بغداد والشام ومصر والدنيا، وكان الناس يأكلون الميتة. وبلغت الرّمانة والسفرجلة دينارا، وكذا الخيارة واللّينوفرة، وانقطع ماء النيل بمصر، وكان يموت بها فى كلّ يوم عشرة آلاف إنسان. وباع عطّار واحد فى يوم واحد ألف قارورة شراب. ووقع بمصر أنّ ثلاثة لصوص نقبوا نقبا فوجدوا عند الصّباح موتى: أحدهم على باب النقب، والثانى على رأس الدرجة، والثالث على الكارة التى سرقها. وهذا الوباء والغلاء خلاف الغلاء الذي ذكرناه فى ترجمة المستنصر؛ ويأتى ذكر ذلك أيضا فى محلّه. غير أنّه كان ينذر عن ذاك بأمور استرسلت إلى أن عظم الأمر. وفيها أقيم الأذان فى مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ ب «الصلاة خير من النوم» على رغم أنف الشّيعة، وأزيل ما كانوا يقولونه فى الأذان من «حىّ على خير العمل» . وفيها توفّى جعفر بن محمد بن عبد الواحد أبو طالب الجعفرىّ الشريف الطّوسىّ شيخ الصوفية، كان محدّثا فاضلا، سافر [إلى] البلاد فى طلب الحديث، وسمع بالعراقين والشام وخراسان وغيرها.

стр. 1414

وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن علىّ أبو الحسن المؤدّب. أصله من قرية ببلاد خوزستان يقال لها «فالة» (بفاء) ثم قدم البصرة وسمع الحديث، ثم قدم بغداد ومات بها، وكان محدّثا شاعرا أديبا فصيحا ثقة. وفيها توفّى هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال أبو الحسين الكاتب الصابئ صاحب التاريخ- قلت: نقلنا عنه كثيرا فى هذا التاريخ- وكان مولده فى سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وجدّه إبراهيم هو صاحب الرسائل المقدّم ذكر وفاته، وأن الشريف الرضى رثاه، وعيب عليه من كونه من الأشراف ورثى صابئا. وكان أبو هلال هذا المحسّن صابئا، وأسلم هو متأخرا؛ وكان قبل أن يسلم سمع جماعة من النحاة، منهم أبو علىّ الفارسىّ وعلىّ بن عيسى الرّمّانىّ وغيرهما. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٤٩] السنة الثانية والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة تسع وأربعين وأربعمائة. فيها استعفى ابن النّسوىّ من ولاية الشّرطة ببغداد لأستيلاء الحراميّة واللصوص عليها بحيث إنه أقيم جماعة لحفظ قصر الخليفة والطّيّار الذي للخليفة من الحريق، لأنّ «١» اللصوص كانوا إذا امتنع عليهم موضع حرّقوه. وفيها كان الطاعون العظيم ببخارى، حتّى إنه خرج منها فى يوم واحد ثمانية عشر ألف إنسان. وحصر من مات فيه فكان ألف ألف وستمائة ألف وخمسين ألف

стр. 1415

شخص. ثمّ وقع فى أذربيجان والأهواز وواسط والبصرة، حتّى كانوا يحفرون التّربة الواحدة ويلقون فيها العشرين والثلاثين. ثمّ وقع بسمرقند وبلخ، فكان يموت فى كلّ يوم ستة آلاف وأكثر. وذكر صاحب المرآة فى هذا الطاعون أشياء مهولة يطول الشرح فى ذكرها، منها أن مؤدّب «١» أطفال كان عنده تسعمائة صغير فلم يبق منهم واحد. ومات من عاشر شوّال إلى سلخ ذى القعدة بسمرقند خاصّة مائتا ألف وستة وثلاثون ألفا. وكان ابتداء هذا الطاعون من تركستان إلى كاشغر وفرغانة انتهى. وفيها توفّى أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان ابن داود بن المطهّر بن زياد بن ربيعة [بن الحارث «٢» ] بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النّعمان بن عدىّ بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة «٣» بن تيم الله بن أسد بن وبرة ابن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أبو العلاء المعرّىّ التّنوخىّ اللغوىّ الأعمى الشاعر المشهور صاحب التصانيف المشهورة. قال الذهبىّ: وصاحب الزندقة المأثورة. وقال أبو المظفّر فى مرآة الزمان: وتنوخ قبيلة من اليمن. وتوفّى أبو العلاء بمعرّة النّعمان فى يوم الجمعة ثالث عشر [شهر] ربيع الأوّل. ومولده يوم الجمعة لثلاث بقين من [شهر] ربيع الأوّل سنة ثلاث وستين وثلثمائة. وأصابه جدرىّ بعد ثلاث سنين من عمره فعمى منه. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. قلت: وقد اختلف الناس فى أبى العلاء المذكور، فمن الناس

стр. 1416

من جعله زنديقا وهم الأكثر، ومن الناس من أوّل كلامه ودفع عنه. وممّا يستشهد عليه من المقالة الأولى قوله: [الوافر] عقول «١» تستخفّ بها سطور ... ولا يدرى الفتى لمن الثّبور كتاب محمد وكتاب موسى ... وإنجيل ابن مريم والزّبور وله فى غير هذا المعنى أشياء كثيرة، وتصانيف مشهورة، منها «سقط الزّند» وشرحه بنفسه وسماه «ضوء السقط» . وله غير ذلك. وفيها توفّى إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد بن عامر أبو عثمان الواعظ المفسر الصّابونىّ النيسابورىّ شيخ الإسلام. قال أبو عبد الله المالكىّ: أبو عثمان ممن شهد له أعيان الرجال بالكمال فى الحفظ والتفسير وغيرهما. وقال البيهقىّ: أنبأنا إمام المسلمين حقّا، وشيخ الإسلام صدقا أبو عثمان الصابونىّ. وفيها توفّى علىّ بن هندىّ القاضى أبو الحسن قاضى حمص. ولد سنة أربعمائة. كان عالما فاضلا نزها عفيفا فصيحا، مات بدمشق. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة دراعا وثلاث أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٠] السنة الثالثة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمسين وأربعمائة. فيها أقام أبو الحارث أرسلان البساسيرىّ الدعوة للمستنصر ببغداد وخطب له على منابرها. وقد استوعبنا واقعته مع الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ فى أوّل ترجمة المستنصر هذا، فيطلب هناك.

стр. 1417

وفيها ولّى المستنصر الأمير ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن حمدان على دمشق، فدام بها إلى أن أمره المستنصر أن يتوجّه إلى حلب فى سنة اثنتين وخمسين لقتال العرب الذين استولوا عليها؛ فتوجّه إليها ودافع العرب بظاهرها فكانت بينهم وقعة هائلة انكسر فيها ناصر الدولة المذكور وعاد جريحا، واستولت العرب على أثقاله وما كان معه. وفيها توفّى داود جغرى بك أخو السلطان طغرلبك السّلجوقى، وداود كان الأكبر. ولم يقدم بغداد، وكان مقيما بخراسان بإزاء أولاد محمود بن سبكتكين. وهو حمو الخليفة القائم بأمر الله. وكان ملكا شجاعا عاقلا جوادا مدبّرا حكيما. مات ببلخ. وتوجّه ولداه ياقوتى «١» بك وقاورد «٢» بك إلى عند أخيهما متملّك الأمر بعد أبيهما، واسمه ألب أرسلان، وقرّر عمّهما السلطان طغرلبك أمورهما، وكان بأصبهان وقد عزم على قصد العراق. وفيها توفّى طاهر بن عبد الله بن طاهر أبو الطيّب الطّبرىّ القاضى الشافعىّ. تفقّه بخراسان وبالعراق، وولى القضاء بربع الكرخ. ومولده سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، ومات يوم السبت عشرين [شهر] ربيع الأوّل، وقد بلغ مائة سنة وسنتين وهو صحيح العقل ثابت الفهم سليم الأعضاء والحواسّ. وفيها توفّى عبد الله بن علىّ بن عياض أبو محمد الصّورىّ، كان يلقّب بعين الدولة، كان جليلا نبيلا، ولى القضاء بصور، وسمع الكثير، وخرّج له أبو بكر الخطيب فوائد فى أربعة أجزاء وقرأها عليه بصور. وهو الذي أخذ الخطيب مصنّفاته وادّعاها لنفسه. ومات فجأة فى الزّيب (قرية بين عكّا وصور) فى شوّال. وكان صدوقا ثقة.

стр. 1418

وفيها قتل الوزير رئيس الرؤساء علىّ بن الحسين بن أحمد بن محمد الوزير ابو القاسم، كان من بيت رياسة ومكانة، استكتبه القائم بأمر الله العبّاسىّ، ثمّ استوزره ولقّبه «رئيس الرؤساء شرف الوزراء» . ومولده فى شعبان سنة تسع وتسعين وثلثمائة. وكان عالما بفنون كثيرة مع سداد رأى ووفور عقل. قتله أبو الحارث أرسلان البساسيرىّ. حسب ما ذكرناه فى أوّل ترجمة المستنصر صاحب الترجمة. وفيها توفّى علىّ بن محمد بن حبيب أبو الحسن «١» الماوردىّ البصرىّ الإمام الفاضل الفقيه الشافعىّ صاحب التصانيف الحسان، منها «التفسير» و «كتاب الحاوى» و «الأحكام السلطانية» و «قوانين الوزارة» و «الأمثال» . وولى القضاء ببلدان كثيرة. وكان محترما عند الخلفاء والملوك. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥١] السنة الرابعة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. فيها انصرف أبو الأغرّ دبيس بن مزيد عن بغداد على غضب من البساسيرىّ. وفيها كان بمكة رخص لم يعهد مثله «٢» ، حتّى بلغ البرّ والتمر مائتى رطل بدينار. وفيها قتل أبو الحارث أرسلان التركىّ المعروف بالبساسيرىّ صاحب الدعوة للمستنصر ببغداد، كان يلقّب بالمظفّر. وكان فى مبدأ أمره مقدّما على الأتراك

стр. 1419

خصيصا عند القائم بأمر الله العباسىّ، لا يقطع القائم أمرا دونه. فتجبّر وطغى، فجفاه القائم واستنصر عليه بالسلطان طغرلبك السّلجوقىّ حتّى خرج من بغداد على غضب. وصار يسعى فى زوال الخلافة عن القائم، ولا زال يدبّر عليه حتى فعل تلك الأمور، ودخل بغداد وقاتل الخليفة القائم وقطع خطبته وخطب للمستنصر صاحب الترجمة، وقتل الوزير رئيس الرؤساء المقدّم ذكره- وقد ذكرنا ذلك كلّه فى أوّل ترجمة المستنصر هذا- وملك بغداد ودام بها حتّى ظفره «١» السلطان طغرلبك السّلجوقىّ وقتله شرّ قتلة. وأعاد الخليفة القائم بأمر الله من حديثة «٢» عانة إلى بغداد، وأعيدت الخطبة باسمه، وأبطل طغرلبك اسم المستنصر هذا من بغداد والعراق، ومهّد أمورها (أعنى العراق) حتّى عادت كما كانت عليه، وكان قتله فى آخر السنة. وفيها توفّى الحسن بن أبى «٣» الفضل الإمام أبو علىّ الشّرمقانىّ «٤» - والشّرمقان: قرية من قرى نيسابور- كان إماما فاضلا حافظا للقرآن ووجوه القراءات، زاهدا عابدا ورعا سليم الصدر. وكان لا يقبل من أحد، ويقنع بورق الخسّ. فاتفق أنّ ابن العلّاف خرج يوما متوجّها على دجلة «٥» فرأى الشّرمقانىّ هذا يأخذ ما يرمى به أصحاب الخسّ فيأكله، فشقّ عليه ذلك، فحكى أمره للوزير رئيس الرؤساء؛ فقال: نبعث له شيئا؛ فقال: لا يقبل. فقال الوزير: تحيّل فيه. فقال لغلام له: اذهب إلى مسجد الشّرمقانىّ واعمل لغلقه «٦» مفتاحا من حيث لا يشعر ففعل. فقال:

стр. 1420

احمل له فى كلّ يوم ثلاثة أرطال خبز، ودجاجة مشوية، وقطعة حلوى سكّر. فكان الغلام يرصده، فإذا خرج من المسجد فتح الباب وترك ذلك فى خلوته وخرج؛ فيقول الشّرمقانىّ: المفتاح معىّ، من أين ذلك! وما هو إلّا من الجنّة! وسكت ولم يخبر أحدا خوفا من أن ينقطع، فأخصب جسمه وسمن؛ فقال له ابن العلّاف: قد سمنت، فإيش تأكل؟ فأنشد الشّرمقانىّ يقول: [البسيط] من أطلعوه على سرّ فباح به ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأخذ يورّى ولم يصرّح بما يقع له، فقال: هذا كرامة. فقال له بعضهم: ينبغى أن تدعو للوزير؛ ففهم وانكسر قلبه وامتنع من أكل ذلك. وتوفّى بعد ذلك بمدّة يسيرة. وفيها توفّى سعيد بن محمد بن أحمد الشيخ أبو عثمان النّجيرمىّ «١» النيسابورىّ العدل. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٢] السنة الخامسة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. فيها فى صفر دخل عطيّة «٢» صاحب بالس «٣» إلى الرّحبة وحصرها وافتتحها. فلمّا دخلها أحسن معاملة أهلها، وخطب بها للمستنصر هذا صاحب الترجمة، بعد أن كانوا خطبوا فيها بأمر السلطان طغرلبك السّلجوقىّ للقائم بأمر الله العبّاسىّ.

стр. 1421

وفيها دخل السلطان طغرلبك بغداد وفى خدمته أبو كاليجار من ملوك بنى بويه، واسمه هزارسب، والأمير أبو الأغرّ بن مزيد، والأمير أبو الفتح بن ورّام، وصدقة ابن منصور بن الحسين؛ ونزل بدار الملك ببغداد. وانقرضت دولة بنى بويه من بغداد بسلطنة طغرلبك السلجوقىّ هذا. وفيها توفّى أحمد بن عبد الله «١» بن فضالة أبو الفتح الموازينىّ الحلبىّ «٢» الشاعر. كان يعرف بالماهر. سكن دمشق وبها توفّى. ومن شعره: [الكامل] يا من توقّد فى الحشا بصدوده ... نار بغير وصاله لا تنطفى وظننت جسمى أن سيخفى بالضّنا ... عن عاذلىّ فقد ضنيت وما خفى وفيها توفّيت الترنجان «٣» زوجة السلطان طغرلبك السّلجوقىّ وأمّ أنو شروان التى تزوّجها خوارزم شاه؛ كانت أمّ ولد، وفيها دين وافر، ومعروف ظاهر، وصدقات كثيرة، وكانت صاحبة رأى وتدبير وحزم وعزم؛ وكان زوجها السلطان طغرلبك سامعا لها ومطيعا، والأمور مردودة إلى عقلها، وكانت تسير بالعساكر وتنجده وتقاتل أعداءه. وفيها توفّيت أمّ الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ، وهى أرمينيّة أمّ ولد. تسمّى قطر الندى- وقيل بدر الدجى، وقيل علم- وهى التى حبسها البساسيرىّ لمّا ملك بغداد. وكانت وفاتها فى شهر رجب ببغداد، وصلّى عليها ابنها الخليفة القائم بأمر الله. وقد جاوزت التسعين سنة من العمر.

стр. 1422

وفيها توفّى الحسن بن أبى الفضل الأمير أبو محمد النّسوىّ صاحب شرطة بغداد الذي اصطلح أهل السنّة والرافضة خوفا منه فيما تقدّم ذكره. وكان صار ما فاتكا ظالما، يقتل الناس ويأخذ أموالهم. وشهد عليه الشهود عند القاضى أبى الطيب «١» فحكم بقتله، فصالح بمال فسلم، وعزل من الشّرطة ثم أعيد؛ فاتّفقت أهل السّنة والرافضة عليه فقتلوه. وفيها وقع الطاعون بالحجاز واليمن، وخربت قرى كثيرة، وصار من يدخلها هلك من ساعته. وفيها توفّى محمد بن عبيد الله بن أحمد أبو الفضل المالكىّ المعروف بابن عمروس، انتهت إليه رياسة المالكية ببغداد فى زمانه، وكان من القرّاء المجوّدين ثقة دينّا؛ أخرج له الخطيب حديثا عن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ : «من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتّى يعمله «٢» » . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٣] السنة السادسة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.

стр. 1423

فيها توفّى الأمير أحمد «١» بن مروان بن دوستك نصر الدولة الكردىّ صاحب ميّافارقين وديار بكر، ملك البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد منصور. وكان نصر الدولة هذا عالى الهمّة، قوىّ الحرمة، مقبلا على اللّذّات، عادلا فى الرعيّة. قيل: لم تفته صلاة الصبح مع الجماعة مع انهما كه فى اللهو. وكان له ثلثمائة وستّون جارية، يخلو كلّ ليلة بواحدة على عدد أيّام السنة. وخلّف عدّة أولاد. وقد وزر له أبو القاسم الحسين بن على المغربىّ صاحب الرسائل. وكان أوّلا وزير صاحب مصر، فقدم عليه فوزر له مرّتين. ومات نصر الدولة فى شوّال بظاهر ميّافارقين وله سبع وسبعون سنة. وكانت سلطنته إحدى وخمسين سنة. وملك بعده ولده نظام الدين أبو القاسم نصر بن أحمد. وفيها توفّى علىّ بن رضوان بن علىّ بن جعفر أبو الحسن المصرىّ صاحب المصنّفات. كان من كبار الفلاسفة فى الإسلام، وكان له دار بمدينة مصر على قصر الشّمعة «٢» تعرف بدار ابن رضوان. وقد تهدّمت الآن. كان إماما فى الطّبّ والحكمة، كثير الردّ على أرباب «٣» فنّه. وكان فيه سعة خلق عند بحثه، وله مصنّفات كثيرة.

стр. 1424

وفيها توفّى علىّ بن محمد بن يحيى بن محمد أبو محمد وأبو القاسم السلمىّ الدّمشقىّ المعروف بالسّميساطىّ «١» واقف خانقاه «٢» دمشق وغيرها. سمع الحديث، وكان مقدّما فى علم الهندسة والهيئة، وروى عنه أبو بكر الخطيب وغيره. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٤] السنة السابعة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربع وخمسين وأربعمائة. فيها قبض المستنصر على وزيره أبى الفرج ابن المغربىّ، واستوزر أبا الفرج «٣» البابلىّ، ثمّ ردّ ابن المغربىّ إلى كتابة الجيش، وهى كانت رتبته قبل الوزارة؛ ولم يكن قبله وزير يعزل فيعود إلى قديم تصرفه. وفيها كانت وقعة بين أبى المكارم مسلم بن قريش بن بدران وبين عمّه مقبل ابن بدران. وكان مقبل قد طلب الأمر لنفسه واجتمع إليه خلق من الأكراد وغيرهم، والتقيا على الخابور «٤» فانهزم مسلم، وملك مقبل الجزيرة. فبذل مسلم المال وجمع وعاد إلى عمّه مقبل فهزمه. ثمّ اتّفقا واجتمعا واصطلحا على أمر مشى بينهما. وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن محمد بن الحسن أبو محمد الجوهرىّ ثم الشّيرازىّ ثمّ البغدادىّ، مسند العراق فى عصره. ولد فى شعبان سنة ثلاث وستّين وثلثمائة،

стр. 1425

وسمع الكثير وتفرّد بأشياء عوال. وكان يعرف بالمقنّعى «١» لأنّه كان يتطيلس ويلتفّ بها تحت حنكه. ومات فى ذى القعدة، وكان له شعر. فمن ذلك قوله: [السريع] يا موت «٢» ما أجفاك من زائر ... تنزل بالمرء على رغمه وتأخذ العذراء من خدرها ... وتسلب الواحد من أمّه وفيها توفّى عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن بندار أبو الفضل العجلىّ الرّازىّ المقرئ الإمام الزاهد. أصله من الرّىّ، وولد بمكّة، وكان يتنقّل من بلد إلى بلد. وكان مقرئا، جليل القدر، كثير التصانيف، حسن السّيرة، زاهدا متعبّدا. وفيها توفّى المعزّ بن باديس بن منصور بن بلكّين الحميرىّ الصّنهاجىّ سلطان إفريقيّة وما والاها من الغرب. كان الحاكم صاحب مصر قد لقبّه شرف الدولة، وأرسل إليه خلعة فى سنة سبع وأربعمائة، وعاش المعزّ إلى هذا الوقت. وكان ملكا رئيسا جليلا عالى الهمّة، وهو الّذى حسم مادّة الخلاف ببلاد الغرب. وكان مذهب أبى حنيفة ظاهرا بإفريقيّة، فحمل أهل مملكته بالاشتغال بمذهب مالك وترك ما دونه من المذاهب. وكان المعزّ شيخا جوادا ممدّحا. وهو الذي خلع طاعة خلفاء مصر من بنى عبيد، وأبطل دعوتهم من الغرب، وخطب للقائم بأمر الله العبّاسىّ، فكتب إليه المستنصر هذا يتهدّده، فما التفت إلى ذلك. ثمّ وقع بين عساكره وعساكر المستنصر حروب بسبب ذلك.

стр. 1426

وفيها توفّى سبكتكين [بن عبد الله «١» ] التّركى أبو منصور تمام «٢» الدولة. تولى إمارة دمشق من قبل المستنصر صاحب الترجمة، ومات بها فى شهر ربيع الأول. وكان صالحا عفيفا، سمع الحديث ورواه. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٥] السنة الثامنة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمس وخمسين وأربعمائة. فيها دخل الصّليحىّ «٣» إلى مكّة، واستعمل الجميل مع أهلها، وأظهر العدل والإحسان، وطابت قلوب الناس له ورخصت الأسعار؛ وكان شابّا أشقر اللّحية أزرق العينين، وليس كان باليمن أشقر أزرق غيره. وكان متواضعا، إذا اجتاز بقوم سلّم عليهم بيده؛ وكسا البيت الحرام بثياب بيض، وردّ بنى شيبة عن قبيح أفعالهم. وفيها كانت واقعة بين قاورد بك بن داود وبين فضلويه الشونكارىّ على فرسخين من شيراز، فانهزم فضلويه وغنم قاورد بك أمواله. وكان فضلويه فى عشرين ألفا من الدّيلم وغيرهم؛ وكان قاورد بك فى أربعة آلاف من الترك لا غير.

стр. 1427

وفيها ثار أهل همذان على العميد فقتلوه مع سبعمائة رجل من أصحاب السلطان، وقتلوا أيضا شحنة «١» البلد. وفيها قصد قتلمش الرّىّ ومعه خمسون ألفا من التركمان، فدفعه عميد الملك عنها. وفيها توفّى السّلطان طغرلبك. واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق أبو طالب السّلجوقىّ. قدم بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وخلع عليه الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ، وخاطبه بملك المشرق والمغرب. قلت: وهذا أوّل ملوك السلجوقيّة، وهو الذي مهّد لهم الدولة، وردّ ملك بنى العباس بعد أن كان اضمحلّ وزالت دعوتهم من العراق، وخطب لبنى عبيد خلفاء مصر لمّا استولى أبو الحارث أرسلان البساسيرىّ على بغداد. وقد تقدّم ذكر ذلك. فما زال طغرلبك هذا حتّى ردّ الخليفة القائم بأمر الله من الحديثة إلى بغداد، وأعاد الخطبة باسمه، وقتل البساسيرىّ. وكان شجاعا مقداما حليما، عصى عليه جماعة فظفر بهم وعفا عنهم. وهو الذي أزال ملك بنى بويه من العراق وغيره. وكانت وفاته بالرّىّ فى يوم الجمعة ثامن شهر رمضان من هذه السنة. وكانت مدّة ملكه خمسا وعشرين سنة؛ وقيل ثلاثون سنة. ومات وعمره سبعون سنة- وقيل جاوز الثمانين- والأول أشهر. وطغرلبك (بضم الطاء المهملة وكسر «٢» الراء المهملة وسكون اللام وفتح الباء ثانية الحروف وسكون الكاف) . وفيها توفّى مسلم بن إبراهيم أبو الفضل السلمىّ البزّاز، ويعرف بابن الشّويطر، كان أديبا فاضلا. ومن شعره: [البسيط] ما فى زمانك من ترجو مودّته ... ولا صديق إذا خان الزمان وفا فعش فريدا ولا تركن إلى أحد ... فقد نصحتك فيما قلته وكفى

стр. 1428

وفيها توفّى منصور بن إسماعيل بن أبى قرّة القاضى أبو المظفّر الفقيه الهروىّ الحنفىّ قاضى هراة وخطيبها ومسندها، سمع الكثير وحدّث. وهو أحد أعيان فقهاء الحنفيّة فى زمانه. كان إماما حافظا مفتنّا. مات فى ذى القعدة عن قريب تسعين سنة. وفيها كان الطاعون العظيم بمصر وقراها فمات بمصر فى عشرة أشهر كلّ يوم ألف إنسان. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٦] السنة التاسعة والعشرون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ستّ وخمسين وأربعمائة. فيها وقعت فتنة عظيمة بين عبيد مصر والتّرك؛ ووصل ناصر الدولة بن حمدان إلى الإسكندرية، والتقى مع العبيد بموضع يعرف بالكرم؛ فقتل من العبيد ألف رجل، وهرب من بقى. ثم تردّدت الرسل فى إصلاح ذات البين فتمّ. وقد تقدّم شىء من ذلك فى ترجمة المستنصر هذا. وفيها جرت مراسلة بين قاورد بك ابن [أخى] «١» طغرلبك السّلجوقىّ وبين أخيه ألب أرسلان، وسببه أن ألب أرسلان لمّا ملك الرىّ واستولى على الأموال. كان قاورد بك على أصبهان فرجع إلى كرمان وخطب لألب أرسلان المذكور ولنفسه من بعده؛ فلم يحصل له إنصاف من ألب أرسلان؛ فوقع بسبب ذلك ما وقع.

стр. 1429

وفيها توفّى الحسن بن عبد الله بن أحمد أبو الفتح الحلبىّ الشاعر المعروف بآبن أبى حصينة. كان فاضلا شجاعا فصيحا، يخاطب بالأمير. وفيها توفّى عبد الواحد بن علىّ بن برهان «١» أبو القاسم النحوىّ. كان إماما فاضلا نحويّا وفيه شراسة خلق؛ ولم يلبس سراويل قطّ ولا غطّى رأسه أبدا. ومات ببغداد فى جمادى الأولى. وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف ابن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبى سفيان بن حرب بن أميّة الأموى الفارسىّ الأصل، ثمّ الأندلسىّ القرطبىّ أبو محمد المعروف بآبن حزم المحدّث صاحب التصانيف المشهورة. كان ظاهرىّ المذهب. وقد تكلّم فيه كلّ أحد ما خلا أهل الحديث، فإنّهم أثبتوا «٢» على حفظه. كان إماما عارفا بفنون الحديث، إلا أنّه كان صاحب لسان خبيث، ويقع فى حقّ العلماء الأعلام حتّى صار مثلا، فيقال: «نعوذ بالله من سيف الحجّاج ولسان ابن حزم» . وكان له شعر جيّد. فمن ذلك قوله: [الوافر] لئن أصبحت مرتحلا بجسمى ... فقلبى عندكم أبدا مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث أصابع.

стр. 1430

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٧] السنة الثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. فيها توفّى محمد «١» بن منصور أبو نصر عميد الملك الكندرىّ وزير السلطان طغرلبك السّلجوقى. كان فاضلا مدبّرا حازما عاقلا. وكان طغرلبك فى مبدأ أمره قد بعثه ليخطب له امرأة فتزوّجها هو، فحصاه طغرلبك ثم أقرّه على خدمته، فآستولى عليه إلى أن مات. ووزر بعد موت طغرلبك لابنه ألب أرسلان وهو الذي قتله. وولى الوزارة بعده نظام الملك الذي نشر مذهب الإمام الشافعى بالعجم. وكان عميد الملك المذكور فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره لمّا تحقّق قتله، وأجاد إلى الغاية: [البسيط] إن كان بالناس ضيق عن مزاحمتى ... فالموت قد وسّع الدنيا على الناس قضيت والشامت المغرور يتبعنى ... إنّ المنية كاس كلّنا حاسى وفيها توفّى عبيد «٢» الله بن عمر القاضى أبو زيد الدّبوسىّ «٣» الحنفىّ شيخ الحنفيّة بما وراء النهر «٤» . كان إماما عالما فقيها نحويّا بارعا فى فنون عفيفا مشكور السّيرة،

стр. 1431

انتهت إليه رياسة مذهب أبى حنيفة فى زمانه بما وراء النهر، ومات والمعوّل على فتواه بها. وفيها توفّى عبد الملك «١» بن محمد بن عبد الله بن بشران أبو القاسم الواعظ الفقيه المحدّث فى شهر ربيع الآخر. وكان له لسان حلو فى الوعظ مع دين وزهد وعفّة. وفيها توفّى موسى «٢» بن عيسى بن أبى حاجّ أبو عمران الفقيه المالكىّ القابسىّ، شيخ المالكيّة فى زمانه. كان فقيها نحويّا إماما فاضلا بارعا فى فنون من العلوم. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٨] السنة الحادية والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. فيها شرع أهل الكرخ فى عمل مأتم الحسين فى يوم عاشوراء، فثار عليهم أهل السنّة. فقال القائم بأمر الله: هذا شىء قد كان فلا تعاودوه، ونهى عنه. فانكفّت الرافضة بغيظهم إلى لعنة الله. وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن علىّ بن عبد الله الحافظ أبو بكر البيهقىّ؛ مولده سنة أربع وثمانين. كان أوحد زمانه فى الحديث والفقه، وله تصانيف كثيرة، جمع نصوص الإمام الشافعىّ- رضى الله عنه- فى عشرة مجلّدات. ومات بنيسابور فى جمادى

стр. 1432

الاخرة، ونقل تابوته إلى بيهق «١» . وقد روينا سننه الكبرى عن الشيخ أبى النعيم رضوان العقبىّ ثنا «٢» التقىّ بن حاتم انا علىّ بن عمر الأرموىّ «٣» انا ابن البخارىّ «٤» انا منصور «٥» بن عبد المنعم الفراوىّ انا محمد بن إسماعيل «٦» الفارسىّ انا أبو بكر البيهقىّ. وفيها توفّى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرّاء أبو يعلى القاضى الحنبلىّ. ولد سنة ثمانين وثلثمائة فى المحرّم، وسمع الكثير وتفقّه على جماعة من العلماء، وانتهت إليه رياسة الحنابلة فى زمانه، ومات يوم الاثنين العشرين من شهر رمضان، وكانت جنازته مشهورة مشى فيها الأعيان مثل القاضى الدّامغانىّ الحنفىّ ونقيب الهاشميّين أبى الفوارس طرّاد وغيرهما. وفيها توفّى محمد «٧» بن الفضل بن نظيف أبو عبد الله المصرىّ الفرّاء فى شهر ربيع الآخر وله تسعون سنة، وكان إماما عالما زاهدا ورعا. وفيها توفّى المسدّد «٨» بن علىّ أبو المعمّر الأملوكىّ الإمام المحدّث البارع خطيب حمص. كان إماما فقيها فصيحا، سمع الحديث ورواه.

стр. 1433

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٥٩] السنة الثانية والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة تسع وخمسين وأربعمائة. فيها بعث المستنصر صاحب الترجمة إلى محمود بن الرّوقلية المتغلّب على حلب يطالبه بحمل المال وغزّو الروم، وصرف ابن خاقان «١» ومن معه من الغزّ إن كان على طاعته. فأجاب بأنّنى التزمت على أخذ حلب من عمّى أموالا افترضتها وأنا مطالب بها، وليس فى يدى ما أقضيها فضلا عمّا أصرفه لغيره. وأمّا الرّوم فقد هادنتهم مدّة وأعطيتهم ولدى رهينة على مال اقترضته منهم، فلا سبيل إلى محاربتهم. وأمّا ابن خاقان والغزّ معه فيدهم فوق يدى. فلمّا وصل الجواب إلى المستنصر كتب المستنصر أيضا إلى بدر الجمالىّ أمير الجيوش المقيم بدمشق: إنّ ابن الرّوقلية خلع الطاعة ومال إلى جهة العراقية. ثم ندب بدر الجمالىّ المذكور عطيّة وهو بالرّحبة لقتاله؛ فدخل القاضى ابن عمّار المقيم بطرابلس بينهم وأصلح الحال. وفيها كان بمصر الغلاء والقحط المتواتر الذي خرج عن الحدّ- وقد تقدّم ذكره- ولا زال فى زيادة فى هذه السنة والتى قبلها إلى أن أخذ أمره فى نقص فى سنة إحدى وستّين وأربعمائة. وأبيع القمح فى هذه السنة بثمانين دينارا الإردبّ. وفيها توفّى سعيد بن محمد بن الحسن أبو القاسم إمام جامع صور. كان فاضلا سمع الحديث ورواه، ومن رواياته عن الحسن البصرىّ أنه قال: «لا تشتروا مودّة ألف رجل بعداوة رجل واحد» .

стр. 1434

وفيها توفّى علىّ بن الخضر أبو الحسن العثمانىّ الدمشقىّ الحاسب. كان له تصانيف فى علم الحساب. ومات بدمشق فى شوّال. وفيها كان بالرملة الزّلزلة الهائلة التى أخربتها حتّى طلع الماء من رءوس الآبار، وهلك من أهلها- كما نقل ابن الأثير- خمسة وعشرون ألفا. وقال ابن الصابئ: حدّثنى علوىّ كان بالحجاز: أنّ الزلزلة كانت عندهم فى الوقت المذكور، وهو يوم الثلاثاء حادى عشر جمادى الأولى، فرمت شرفتين من مسجد النّبيّ ﷺ ، وانشقّت الأرض فبان فيها كنوز ذهب وفضّة، وانفجرت فيها عين ماء، وأنها أهلكت أيلة ومن فيها؛ وذكر أشياء كثيرة من هذه المقولة. وأمّا ابن الأثير فإنّه قال: وانشقّت صخرة بيت المقدس وعادت بإذن الله، وأبعد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل النّاس إلى أرضه يلتقطون السمك فرجع الماء عليهم فأهلكهم. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٠] السنة الثالثة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ستّين وأربعمائة. فيها ولّى المستنصر دمشق للأمير بارزطغان قطب الدولة، ووصل معه الشريف أبو طاهر حيدرة، ونزل بدار العقيقىّ «١» ، وانهزم بدر الجمالىّ أمير الجيوش من دمشق، فنهب أهلها خزائنه لأنّه كان مسيئا إليهم؛ ثم ظفر بدر الجمالى بالشريف حيدرة بعد أمور صدرت وسلخه.

стр. 1435

وفيها جاء ناصر الدولة بالأتراك إلى باب المستنصر بالقاهرة- وقيل: بالساحل- وزحف المذكورون إلى باب وزيره ابن كدينة «١» فطالبوه بالمال؛ فقال: وأىّ مال بقى عندى بعد أخذكم الأموال واقتسامكم الإقطاعات! فقالوا: لا بدّ أن تكتب إلى المستنصر. فكتب إليه بما جرى. فكتب المستنصر الجواب على الرّقعة بخطه يقول: [السريع] أصبحت لا أرجو ولا أتّقى ... إلّا إلهى وله الفضل جدّى نبيّى وإمامى أبى ... وقولى التوحيد والعدل المال مال الله، والعبد عبد الله، والإعطاء خير من المنع وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عقيل الشّهرزورىّ «٢» الشاعر الفاضل فى القدس الشريف. وكان إماما فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره: [البسيط] وا حسرتا مات حظّى من قلوبكم ... وللحظوظ كما للناس آجال وفيها توفّى الحسن بن أبى طاهر بن الحسن أبو على الختّلىّ «٣» . كان يسكن دمشق وبها توفّى. ومن رواياته عن الحسن عن الحسن عن الحسن عن الحسن عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ أحسن الحسن الخلق الحسن» فالحسن الأوّل

стр. 1436

ابن حسّان التميمىّ، والثانى ابن دينار، والثالث البصرىّ، والرابع ابن علىّ ابن أبى طالب، رضى الله عنهما. وفيها توفّيت خديجة بنت محمد بن علىّ بن عبد الله الواعظة الشّاهجانيّة. كانت عظيمة مشهورة بالصدق والورع والزهد والدّين المتين. ولدت «١» سنة ستّ وسبعين وثلثمائة. وكانت تسكن قطيعة الربيع «٢» . وصحبت ابن «٣» سمعون الواعظ. ولمّا ماتت دفنت إلى جانبه. وفيها توفّى عبد الملك بن محمد بن يوسف أبو منصور البغدادىّ، كان إماما بارعا لم يكن فى زمانه من يخاطب بالشيخ الأجلّ سواه. ولد سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وكان أوحد زمانه فى فعل المعروف، والقيام بأمور العلماء، وقمع أهل البدع. وفيها توفّى أبو جعفر الطّوسىّ «٤» فقيه الإماميّة الرافضة وعالمهم. وهو صاحب «التفسير الكبير» وهو عشرون مجلّدا، وله تصانيف أخر. مات بمشهد علىّ- رضى الله عنه- وكان مجاورا بضريحه. كان رافضيّا قوىّ التشيّع. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال أبو عمر القرطبىّ المعروف بابن القطّان المالكىّ المغربىّ شيخ المالكيّة فى زمانه وعالمهم. مات فى هذه السنة وله سبعون سنة. وفيها توفّى أحمد بن الفضل أبو بكر الباطرقانىّ «٥» المقرئ فى صفر وله ثمان وثمانون سنة. كان إماما عالما بالقراءات ﵀.

стр. 1437

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وستّ أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦١] السنة الرابعة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وستّين وأربعمائة. فيها خرج ناصر الدولة بن حمدان من عند الوزير أبى عبد الله [الماسكىّ «١» ] وزير المستنصر بمصر؛ فوثب عليه رجل صيرفىّ وضربه بسكّين؛ فأمسك الصيرفىّ وشنق فى الحال، وحمل ناصر الدولة بن حمدان إلى داره جريحا، فعولج فبرىء بعد مدّة. وقيل: إنّ المستنصر ووالدته كانا دسّا الصيرفىّ عليه. وفى هذه الأيام اضمحلّ أمر المستنصر بالديار المصريّة لتشاغله باللهو والشرب والطّرب. فلمّا عوفى ابن حمدان اتّفق مع مقدّمى المشارقة، مثل سنان الدولة وسلطان الجيوش وغيرهما، فركبوا وحصروا القاهرة. فاستنجد المستنصر وأمّه بأهل مصر، وأذكرهم حقوقه عليهم، ووعدهم بالإحسان؛ فقاموا معه ونهبوا دور أصحاب ابن حمدان وقاتلوهم. فخاف ابن حمدان وأصحابه، ودخلوا تحت طاعة المستنصر، بعد أمور كثيرة صدرت بين الفريقين. وفيها أبيع القمح بمصر بمائة دينار الإردبّ، ثمّ عدم وجوده. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى أوّل ترجمة المستنصر مفصّلا.

стр. 1438

وفيها توفّى عبد الرحيم بن أحمد بن نصر الحافظ أبو زكريّا البخارىّ التميمىّ، سمع الحديث وطاف البلاد فى طلب الحديث، وسمع بعدّة أقطار واتّفقوا على صدقه وثقته. وكانت وفاته فى المحرّم بمصر. وفيها توفّى محمد بن مكّى بن عثمان الحافظ أبو الحسين الأزدىّ المصرىّ فى جمادى الأولى، وكان إماما فاضلا محدّثا، سمع الحديث ورحل البلاد. وفيها توفّى نصر بن عبد العزيز أبو الحسين الشّيرازىّ الفارسىّ المقرئ، كان إماما فى علم القراءات، وله سماع ورواية. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٢] السنة الخامسة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وستّين وأربعمائة. فيها كان معظم الغلاء بالديار المصريّة حتّى خربت وخرب غالب أعمالها. وأبطل صاحب مكّة و [صاحب «١» ] المدينة خطبة المستنصر، وخطبا للقائم بأمر الله العبّاسىّ؛ فلم يلتفت المستنصر لذلك لشغله بنفسه ورعيّته من عظم الغلاء. وفيها وقف الوزير نظام الملك الأوقاف على مدرسته النظاميّة ببغداد.

стр. 1439

وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن محمد أبو الجوائز الواسطىّ الكاتب، ولد سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة؛ وسكن بغداد دهرا طويلا. وكان شاعرا ماهرا. ومن شعره- رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحربا «١» من قولها: ... خان عهودى ولها وحقّ من صيّرنى ... وقفا عليها ولها ما خطرت بخاطرى ... إلا كستنى ولها وفيها توفّى الشريف حيدرة بن إبراهيم أبو طاهر بن أبى الجنّ، الشريف العلوىّ. كان عالما قارئا محدّثا وكان عدوّا لبدر الجمالىّ؛ فلمّا دخل بدر الجمالىّ دمشق هرب منها حيدرة المذكور إلى عمّان «٢» البلقاء؛ فغدر به بدر بن حازم وبعث به إلى بدر الجمالىّ بعد أن أعطاه بدر الجمالىّ اثنى عشر ألف دينار وخلعا كثيرة؛ فقتله بدر الجمالىّ أقبح قتله ثمّ سلخ جلده. وقيل: سلخه حيّا. وأظنّ القاضى شهاب الدين أحمد قاضى دمشق وكاتب مصر فى زماننا هذا كان من ذرّيّة ابن أبى الجنّ هذا. والله أعلم. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن سهل أبو غالب بن بشران النحوىّ الواسطىّ الحنفىّ ويعرف بابن الخالة. كان إماما عالما فاضلا عارفا بالأدب والنّحو واللّغة والحديث وللفقه، وكان شيخ العراق ورحلته. وابن بشران جدّه لأمّه. ومات بواسط. ومن شعره: [المتقارب] يقول الحبيب غداة الوداع ... كأن قد رحلنا فما تصنع فقلت أواصل سفح «٣» الدموع ... وأهجر نومى فما أهجع

стр. 1440

وله أيضا: [البسيط] لمّا رأيت سلوّى غير متّجه ... وأنّ عزم اصطبارى عاد مفلولا دخلت بالرّغم منّى تحت طاعتكم ... ليقضى الله أمرا كان مفعولا وفيها توفّى هزار سب بن تنكر «١» بن عياض أبو كاليجار تاج الملوك الكردىّ. كان قدم على السلطان ألب أرسلان السلجوقىّ بأصبهان ثمّ عاد إلى خوزستان، ونزل بموضع يعرف بخرندة «٢» . وكان قد تجبّر وتكبر «٣» وتسلط وتفرعن وتزوّج بأخت السلطان ألب أرسلان، فلحقه مرض الذّرب حتى مات منه. وفيها توفّى محمد بن عتّاب الإمام الفقيه أبو عبد الله القرطبىّ المالكىّ مفتى قرطبة وعالمها، انتهت إليه رياسة مذهبه فى زمانه ببلاد قرطبة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٣] السنة السادسة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهذه سنة ثلاث وستين وأربعمائة. فيها كانت الواقعة العظيمة بين السلطان ألب أرسلان بن طغرلبك السّلجوقىّ وبين ملك الرّوم، وانتصر المسلمون ولله الحمد. ثم سار ألب أرسلان إلى ديار بكر وافتتح بها عدّة حصون، ثم نزل على الفرات؛ ولم يخرج إليه محمود صاحب حلب
следующие страницы →