Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
ابن حسّان التميمىّ، والثانى ابن دينار، والثالث البصرىّ، والرابع ابن علىّ ابن أبى طالب، رضى الله عنهما.
وفيها توفّيت خديجة بنت محمد بن علىّ بن عبد الله الواعظة الشّاهجانيّة. كانت عظيمة مشهورة بالصدق والورع والزهد والدّين المتين. ولدت «١» سنة ستّ وسبعين وثلثمائة. وكانت تسكن قطيعة الربيع «٢» . وصحبت ابن «٣» سمعون الواعظ. ولمّا ماتت دفنت إلى جانبه.
وفيها توفّى عبد الملك بن محمد بن يوسف أبو منصور البغدادىّ، كان إماما بارعا لم يكن فى زمانه من يخاطب بالشيخ الأجلّ سواه. ولد سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وكان أوحد زمانه فى فعل المعروف، والقيام بأمور العلماء، وقمع أهل البدع.
وفيها توفّى أبو جعفر الطّوسىّ «٤» فقيه الإماميّة الرافضة وعالمهم. وهو صاحب «التفسير الكبير» وهو عشرون مجلّدا، وله تصانيف أخر. مات بمشهد علىّ- رضى الله عنه- وكان مجاورا بضريحه. كان رافضيّا قوىّ التشيّع.
وفيها توفّى أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال أبو عمر القرطبىّ المعروف بابن القطّان المالكىّ المغربىّ شيخ المالكيّة فى زمانه وعالمهم. مات فى هذه السنة وله سبعون سنة.
وفيها توفّى أحمد بن الفضل أبو بكر الباطرقانىّ «٥» المقرئ فى صفر وله ثمان وثمانون سنة. كان إماما عالما بالقراءات ﵀.
стр. 1437
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وستّ أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦١]
السنة الرابعة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وستّين وأربعمائة.
فيها خرج ناصر الدولة بن حمدان من عند الوزير أبى عبد الله [الماسكىّ «١» ] وزير المستنصر بمصر؛ فوثب عليه رجل صيرفىّ وضربه بسكّين؛ فأمسك الصيرفىّ وشنق فى الحال، وحمل ناصر الدولة بن حمدان إلى داره جريحا، فعولج فبرىء بعد مدّة.
وقيل: إنّ المستنصر ووالدته كانا دسّا الصيرفىّ عليه. وفى هذه الأيام اضمحلّ أمر المستنصر بالديار المصريّة لتشاغله باللهو والشرب والطّرب. فلمّا عوفى ابن حمدان اتّفق مع مقدّمى المشارقة، مثل سنان الدولة وسلطان الجيوش وغيرهما، فركبوا وحصروا القاهرة. فاستنجد المستنصر وأمّه بأهل مصر، وأذكرهم حقوقه عليهم، ووعدهم بالإحسان؛ فقاموا معه ونهبوا دور أصحاب ابن حمدان وقاتلوهم. فخاف ابن حمدان وأصحابه، ودخلوا تحت طاعة المستنصر، بعد أمور كثيرة صدرت بين الفريقين.
وفيها أبيع القمح بمصر بمائة دينار الإردبّ، ثمّ عدم وجوده. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى أوّل ترجمة المستنصر مفصّلا.
стр. 1438
وفيها توفّى عبد الرحيم بن أحمد بن نصر الحافظ أبو زكريّا البخارىّ التميمىّ، سمع الحديث وطاف البلاد فى طلب الحديث، وسمع بعدّة أقطار واتّفقوا على صدقه وثقته. وكانت وفاته فى المحرّم بمصر.
وفيها توفّى محمد بن مكّى بن عثمان الحافظ أبو الحسين الأزدىّ المصرىّ فى جمادى الأولى، وكان إماما فاضلا محدّثا، سمع الحديث ورحل البلاد.
وفيها توفّى نصر بن عبد العزيز أبو الحسين الشّيرازىّ الفارسىّ المقرئ، كان إماما فى علم القراءات، وله سماع ورواية.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وأربع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٢]
السنة الخامسة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وستّين وأربعمائة.
فيها كان معظم الغلاء بالديار المصريّة حتّى خربت وخرب غالب أعمالها. وأبطل صاحب مكّة و [صاحب «١» ] المدينة خطبة المستنصر، وخطبا للقائم بأمر الله العبّاسىّ؛ فلم يلتفت المستنصر لذلك لشغله بنفسه ورعيّته من عظم الغلاء.
وفيها وقف الوزير نظام الملك الأوقاف على مدرسته النظاميّة ببغداد.
стр. 1439
وفيها توفّى الحسن بن علىّ بن محمد أبو الجوائز الواسطىّ الكاتب، ولد سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة؛ وسكن بغداد دهرا طويلا. وكان شاعرا ماهرا. ومن شعره- رحمه الله تعالى-:
[الرجز]
واحربا «١» من قولها: ... خان عهودى ولها
وحقّ من صيّرنى ... وقفا عليها ولها
ما خطرت بخاطرى ... إلا كستنى ولها
وفيها توفّى الشريف حيدرة بن إبراهيم أبو طاهر بن أبى الجنّ، الشريف العلوىّ. كان عالما قارئا محدّثا وكان عدوّا لبدر الجمالىّ؛ فلمّا دخل بدر الجمالىّ دمشق هرب منها حيدرة المذكور إلى عمّان «٢» البلقاء؛ فغدر به بدر بن حازم وبعث به إلى بدر الجمالىّ بعد أن أعطاه بدر الجمالىّ اثنى عشر ألف دينار وخلعا كثيرة؛ فقتله بدر الجمالىّ أقبح قتله ثمّ سلخ جلده. وقيل: سلخه حيّا. وأظنّ القاضى شهاب الدين أحمد قاضى دمشق وكاتب مصر فى زماننا هذا كان من ذرّيّة ابن أبى الجنّ هذا. والله أعلم.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن سهل أبو غالب بن بشران النحوىّ الواسطىّ الحنفىّ ويعرف بابن الخالة. كان إماما عالما فاضلا عارفا بالأدب والنّحو واللّغة والحديث وللفقه، وكان شيخ العراق ورحلته. وابن بشران جدّه لأمّه. ومات بواسط.
ومن شعره:
[المتقارب]
يقول الحبيب غداة الوداع ... كأن قد رحلنا فما تصنع
فقلت أواصل سفح «٣» الدموع ... وأهجر نومى فما أهجع
стр. 1440
وله أيضا:
[البسيط]
لمّا رأيت سلوّى غير متّجه ... وأنّ عزم اصطبارى عاد مفلولا
دخلت بالرّغم منّى تحت طاعتكم ... ليقضى الله أمرا كان مفعولا
وفيها توفّى هزار سب بن تنكر «١» بن عياض أبو كاليجار تاج الملوك الكردىّ. كان قدم على السلطان ألب أرسلان السلجوقىّ بأصبهان ثمّ عاد إلى خوزستان، ونزل بموضع يعرف بخرندة «٢» . وكان قد تجبّر وتكبر «٣» وتسلط وتفرعن وتزوّج بأخت السلطان ألب أرسلان، فلحقه مرض الذّرب حتى مات منه.
وفيها توفّى محمد بن عتّاب الإمام الفقيه أبو عبد الله القرطبىّ المالكىّ مفتى قرطبة وعالمها، انتهت إليه رياسة مذهبه فى زمانه ببلاد قرطبة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٣]
السنة السادسة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهذه سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
فيها كانت الواقعة العظيمة بين السلطان ألب أرسلان بن طغرلبك السّلجوقىّ وبين ملك الرّوم، وانتصر المسلمون ولله الحمد. ثم سار ألب أرسلان إلى ديار بكر وافتتح بها عدّة حصون، ثم نزل على الفرات؛ ولم يخرج إليه محمود صاحب حلب
стр. 1441
فغاظه ذلك، فقدم حلب فسار إليها ووصلها، وأخربت عساكره حلب ونهبوها، ووصلت عساكره إلى القريتين «١» من أعمال حمص؛ ثم شفع فيه الخليفة القائم بأمر الله، فقبل ألب أرسلان الشّفاعة واصطلحا.
وفيها ملكت الفرنج جزيرة صقلّيّة. وسببه أنّه كان بها وال، فبعث إليه المستنصر صاحب مصر يطلب منه المال، وكان عاجزا عمّا طلب منه، فبعث إلى الفرنج وفتح لهم باب البلد فدخلوا وقتلوا «٢» وملكوا الجزيرة.
وفيها ظهر أتسز بن أوق مقدّم الأتراك، وفتح الرّملة وبيت المقدس، وضايق دمشق، وأخرب الشام.
وفيها توفّى أحمد بن علىّ بن ثابت بن أحمد بن مهدى أبو بكر الخطيب البغدادىّ.
ولد سنة إحدى وتسعين وثلثمائة بدرزيجان (قرية من قرى العراق) ثمّ انتقل إلى بغداد، ورحل وسمع الحديث، وصنّف الكتب الكثيرة. ويروى عن أبى «٣» الحسين ابن الطيورىّ أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصورىّ «٤» (يعنى أخذها برقتها) . منها: «تاريخ بغداد» الذي تكلّم فيه فى غالب علماء الإسلام بالألفاظ القبيحة بالرّوايات الواهية الأسانيد المنقطعة، حتى امتحن فى دنياه بأمور قبيحة- نسأل الله السلامة وحسن العاقبة- ورمى بعظائم. وأمر صاحب دمشق بقتله لولا [أنه] استجار بالشريف ابن أبى الجنّ «٥» فأجاره. وقصته مع الصبىّ الذي عشقه
стр. 1442
مشهورة. ومن أراد شيئا من ذلك فلينظر فى تاريخ الإمام الحافظ الحجة أبى الفرج ابن الجوزى المسمّى ب «المنتظم» ؛ وأيضا ينظر فى تاريخ العلّامة شمس الدين يوسف ابن قزأوغلى (أعنى مرآة الزمان) وما وقع له من الأمور والمحن. وما ربّك بظلّام للعبيد. أضربت عن ذكر [ذلك] كلّه لكونه متخلّقا بأخلاق الفقهاء، وأيضا من حملة الحديث الشريف. غير أنّنى أذكر من شعره ما تغزّل «١» به فى محبوبه المذكور. فمن ذلك قوله من قصيدة أوّلها:
[البسيط]
تغيّب الناس عن عينى سوى قمر ... حسبى من الناس طرّا ذلك القمر
وكلّه على هذه الكيفيّة.
وفيها توفّى أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون أبو الوليد المخزومىّ الأندليسىّ القرطبىّ الشاعر المشهور المعروف بابن زيدون، حامل لواء الشعراء فى عصره. كانت وفاته فى شهر رجب بمدينة إشبيلية. ومن شعره:
[السريع]
أيّتها النفس إليه اذهبى ... فما لقلبى عنه من مذهب
مفضّض الثغر له نقطة ... من عنبر فى خدّه المذهب
أنسانى التّوبة من حبّه ... طلوعه شمسا من المغرب
وله القصيدة التى سارت بها الركبان الموسومة بالزيدونية التى أوّلها «٢» :
[البسيط]
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفّت مآقينا
стр. 1443
وفيها توفّى محمد بن علىّ بن محمد بن حباب أبو عبد الله الصّورىّ الشاعر المشهور.
كان فاضلا فصيحا. مات بطرابلس. ومن شعره أوّل قصيدة:
[الكامل]
صبّ جفاه حبيبه ... فحلا له تعذيبه
وفيها توفّى محمد بن وشاح بن عبد الله أبو علىّ. ولد سنة تسع وسبعين وثلثمائة.
وكان فاضلا كاتبا شاعرا فصيحا مترسّلا. ﵀.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع.
*** ا
[ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٤]
لسنة السابعة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربع وستين وأربعمائة.
فيها بعث الخليفة القائم بأمر الله الشريف أبا طالب الحسن بن محمد أخا طرّاد الزّينبىّ إلى أبى هاشم محمد أمير مكّة بمال وخلع، وقال له: غيّر الأذان وأبطل «حىّ على خير العمل» . فناظره أبو هاشم المذكور مناظرة طويلة، وقال له: هذا أذان أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب. فقال له أخو الشريف: ما صحّ عنه، وإنّما عبد الله بن عمر بن الخطّاب روى عنه أنه أذّن به فى بعض أسفاره، وما أنت وابن عمر! فأسقطه من الأذان.
وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن عثمان القاضى أبو طالب أمير الدولة، الحاكم على طرابلس الشأم والمتولّى عليها. وكان كريما، كثير الصدقة، عظيم المراعاة للعلويّين.
مات فى نصف شهر رجب.
стр. 1444
وفيها توفّى عيسون «١» بن علىّ الشيخ أبو بكر الصّقلّى الزاهد المشهور. كان كثير العبادة والزّهد والورع. صنّف كتابا سماه «دليل القاصدين» فى اثنى عشر مجلدا.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصّمد ابن الخليفة المهتدى بالله أبو الحسين «٢» الهاشمىّ العبّاسىّ، خطيب جامع المنصور ببغداد. كان صالحا عالما زاهدا ثقة.
وفيها توفّى المعتضد «٣» بالله عبّاد بن محمد بن إسماعيل بن عبّاد الملك الجليل صاحب إشبيلية من بلاد الغرب، فى قول الذهبىّ. كان من أجلّ ملوك المغرب وأعظمهم؛ وكان محبّا للعلماء والشعراء، وعنده فضيلة ومشاركة. وكان ابن زيدون الشاعر- المقدّم ذكره- عنده فى صورة وزير. رحمه الله تعالى.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وعشر أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٥]
السنة الثامنة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمس وستين وأربعمائة.
فيها قتل الحسن بن الحسين بن حمدان الأمير أبو محمد ناصر الدولة التّغلبىّ ذو المجدين المقدّم ذكره فى أوّل ترجمة المستنصر هذا. وقع له أمور آل أمره بعدها إلى أن تزوج ببنت إلدكز، واتّفق معه. واتفق لهما أمور كثيرة مع المستنصر صاحب
стр. 1445
الترجمة. ولما اتّفقا قوى أمر ناصر الدولة هذا ودخل إلى مصر واستولى عليها، ولقّب نفسه بسلطان الجيوش، وأمن إلدكز وناصر الدولة هذا كلّ منهما إلى الآخر.
ووقع لهما أمور، إلى أن دخل ناصر الدولة مصر ثالث مرّة، فغدر إلدكز به وقتله، حسب ما ذكرناه مفصّلا فى ترجمة المستنصر. ثمّ خرج إلدكز بمن معه إلى محمود بن ذبيان أمير بنى سنبس فقتلوه، وكان عنده الأمير شاور فقتلوه أيضا، وخرجوا إلى خيمة تاج المعالى بن حمدان أخى ناصر الدولة فقتلوه بعد أن هرب منهم. ثم قطع ابن حمدان المذكور قطعا وأنفذ كلّ قطعة إلى بلد. قلت: وهذا ناصر الدولة آخر من بقى من أولاد بنى حمدان ملوك حلب وغيرها.
وفيها توفّى عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد أبو القاسم القشيرىّ النيسابورىّ. ولد سنة ستّ وسبعين وثلثمائة فى شهر ربيع الأوّل؛ وربّى يتيما فقرأ واشتغل بالأدب والعربية. وكان أوّلا من أبناء الدنيا، فجذبه أبو علىّ «١» الدّقّاق فصار من الصوفيّة. وتفقّه على بكر «٢» بن محمد الطّوسىّ، وأخذ الكلام عن ابن «٣» فورك، وصنّف «التفسير الكبير» و «الرسالة» . وكان يعظ ويتكلّم بكلام الصوفيّة.
ومات بنيسابور. ومن شعره:
[السريع]
إن نابك الدهر بمكروهه ... فقل بتهوين تخاويفه
فعن قريب ينجلى غمّه ... وتنقضى كلّ تصاريفه
стр. 1446
وقد روينا رسالته عن حافظ العصر قاضى القضاة شهاب الدّين أحمد بن علىّ ابن حجر انا أبو الحسن «١» بن أبى المجد شفاها انا أبو محمد القاسم «٢» بن مظفّر بن عساكر إجازة إن لم يكن سماعا انا محمد بن على بن محمود العسقلانىّ سماعا انا أمّ المؤيّد «٣» زينب بنت عبد الرحمن الشّعريّة سماعا انا أبو الفتوح عبد الوهاب بن شاه الكرمانىّ انا المؤلّف ﵀.
وفيها توفّى السلطان ألب أرسلان عضد الدولة أبو شجاع محمد الملقّب بالملك العادل ابن جغرى بك داود بن ميكائيل بن سلجوق السلجوقىّ التركىّ، ثانى ملوك بنى سلجوق، كان اسمه بالعربىّ محمدا. وبالتركىّ ألب أرسلان. وأصل هؤلاء السّلجوقية من الأتراك فيما وراء النهر، فى موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخا، وكانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان حتّى صار من أمرهم ما صار. وهو ابن أخى السلطان طغرلبك محمد، وبعده تولّى السلطنة. وألب أرسلان هذا هو أوّل من أسلم من إخوته، وأوّل من لقّب بالسلطان من بنى سلجوق، وذكر على منابر بغداد. وكانت سلطنته بعد عمّه طغرلبك فى سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
ونازعه أخوه قاورد بك فلم يتمّ [له] أمر. وكان ملكا مطاعا شجاعا. مات وهو أجلّ ملوك بنى سلجوق وأعد لهم فى الرعيّة. وهو الذي أنشأ وزيره نظام الملك. وتولّى السلطنة من بعده ولده ملكشاه. ومات ألب أرسلان وعمره أربعون سنة قتلا؛ وكان سبب موته أنه سار فى سنة خمس وستّين وأربعمائة فى مائتى ألف فارس إلى نحو
стр. 1447
بلاد الروم، ثم عاد إلى ديار بكر، ثمّ إلى جهة حلب وقصد شمس الملك تكين. فلمّا دخل إليه أتاه أعوانه بوالى قلعة من قلاع شمس الملك، واسم الوالى يوسف الخوارزمى، وقرّبوه إلى سرير السلطان ألب أرسلان، فأمر ألب أرسلان أن يضرب له أربعة أوتاد وتشدّ أطرافه الأربعة إليها. فقال يوسف المذكور للسلطان: يا مخنّث، مثلى يقتل هذه القتلة! فغضب السلطان وأخذ القوس والنّشّاب وقال: خلّوه، فرماه فأخطأه، ولم يكن يخطئ له سهم قبل ذلك، فأسرع يوسف المذكور وهجم على السلطان على السرير، فنهض السلطان ونزل فعثر وخرّ على وجهه؛ فوصل يوسف إليه وبرك عليه وضربه بسكّين فى خاصرته؛ وقتل يوسف فى الحال، وحمل السلطان فمات بعد أيّام يسيرة- وقيل فى يومه- وكان ذلك فى جمادى الآخرة من السنة. وألب أرسلان بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها باء موحدة وبقية الأسم معروف.
وفيها توفّى قاوردبك بن داود بن ميكائيل السّلجوقىّ أخو السلطان ألب أرسلان المقدّم ذكره. ولمّا مات أخوه ألب أرسلان نازع ابن أخيه ملكشاه وقاتله، فظفر به ملكشاه بعد حروب وأسره وأمر بقتله؛ فحنقه رجل أرمنىّ بوترقوس، وتولّى سعد الدولة كوهرائين «١» على قتله، وكان ذلك فى شعبان بهمذان. وأمر قاورد بك المذكور من العجائب؛ فإنّه كان يتمنّى موت ألب أرسلان ويتصوّر أنّه يملك الدنيا بعده، فكان هلاكه مقرونا بهلاكه. قلت: وكذلك كان أمر قتلمش مع أخيه طغرلبك عمّ ألب أرسلان وقاورد بك؛ فإنّه كان ينظر فى النجوم ويتحقّق أنه يملك بعده، وكان هلاكه أيضا مقرونا بهلاكه.
стр. 1448
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن المسلمة الحافظ أبو جعفر. كان إماما حافظا محدّثا عالما. مات ببغداد فى جمادى الأولى من السنة.
وفيها توفّى علىّ بن الحسن «١» بن علىّ بن الفضل الرئيس أبو منصور الكاتب المعروف بصرّدرّ «٢» الشاعر المشهور. كان أحد نجباء الشّعراء فى عصره، جمع بين جودة السّبك وحسن المعنى. ومن شعره:
[البسيط]
أكلّف القلب أن يهوى وألزمه ... صبرا وذلك جمع بين أضداد
وأكتم الركب أو طارى وأسأله ... حاجات نفسى لقد أتعبت روّادى
وله أيضا:
[الكامل]
لم أبك أن رحل الشباب وإنّما ... أبكى لأن يتقارب الميعاد
شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى ... جفّت على آثاره الأعواد
وله أيضا فى جارية سوداء:
[السريع]
علقتها سوداء «٣» مصقولة ... سواد قلبى صفة فيها
ما انكسف البدر على تمّه ... ونوره إلا ليحكيها
لأجلها الأزمان أوقاتها ... مؤرّخات بلياليها «٤»
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع أصابع.
стр. 1449
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٦]
السنة التاسعة والثلاثون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ستّ وستّين وأربعمائة.
فيها خرج عساكر غزنة وتعرّضوا لبلاد السلطان ملكشاه السّلجوقى؛ فخرج إليهم إلياس بن ألب أرسلان أخو ملكشاه، فقاتلهم واستأمن إليه سبعمائة منهم، وانهزم من بقى إلى غزنة، وأوغل خلفهم إلياس. وكان سلطان غزنة يوم ذاك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين. ثم عاد إلياس من الوقعة وقد كفى ملكشاه أمر الغزنويّة. ولمّا وصل إلياس إلى بلخ مات بعدها بثلاثة أيّام، وسرّ أخوه ملكشاه بموته، فإنّه كان منحرفا على ملكشاه. فقال له وزيره نظام الملك: لا تظهر الشماتة واقعد فى العزاء؛ ففعل وأظهر الجزن عليه.
وفيها بنى حسّان بن مسمار الكلبىّ قلعة صرخد «١» ، وكتب على بابها: أمر بعمارة هذا الحصن المبارك الأمير الأجلّ مقدّم العرب عزّ الدّين فخر الدولة عدّة أمير المؤمنين (يعنى المستنصر صاحب مصر) وذكر عليها اسمه ونسبه.
وفيها قال ابن الصابئ: ورد إلى مكّة إنسان عجمىّ يعرف بسلار من جهة جلال الدولة ملكشاه، ودخل وهو على بغلة بمركب ذهب، وعلى رأسه عمامة سوداء، وبين يديه الطّبول والبوقات، ومعه للبيت كسوة ديباج أصفر، وعليها اسم محمود بن سبكتكين وهى من استعماله؛ وكانت مودعة بنيسابور من عهد محمود ابن سبكتكين عند إنسان يعرف بأبى القاسم الدّهقان، فأخذها الوزير نظام الملك منه وأنفذها مع المذكور.
стр. 1450
وفيها توفّى أحمد «١» بن محمد بن عقيل أبو العباس الشّهرزورىّ. كان محدّثا وسمع الكثير، وكان فاضلا فقيها شاعرا. مات ببيت المقدس فى ذى القعدة. ومن شعره من قصيدة طويلة قوله:
[البسيط]
سألت طيفك عن تلفيق «٢» إفكهم ... فقال معتذرا لا كان ما قالوا
سعى الوشاة بقطع الودّ بينكما ... وللمودّات بين الناس آجال
وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان أبو محمد الخفاجىّ «٣» الحلبىّ الشاعر المشهور. كان فصيحا فاضلا. أخذ الأدب عن أبى العلاء المعرّى وغيره، وسمع الحديث وبرع فيه. ومات بقلعة اعزاز من أعمال حلب. ومن شعره قوله:
[الرمل]
أترى طيفكم لمّا سرى ... أخذ النّوم وأعطى السّهرا
يا عيونا بالغضا «٤» راقدة ... حرّم الله عليكن الكرى
ومنها:
سل فروع البان عن قلبى فقد ... وهم البارق فيما ذكرا
قال فى الرّبع وما أحسبه ... فارق الأظعان حتّى انفطرا «٥»
وفيها توفّى عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علىّ بن سليمان أبو محمد الكتّانىّ الصوفىّ الحافظ الدّمشقىّ أحد الرّحّالين فى طلب العلم. كان من المكثرين فى الحديث كتابة وسماعا مع الصدق والأمانة.
стр. 1451
وفيها توفّى محمد بن إبراهيم بن علىّ الحافظ أبو بكر العطار الأصبهانىّ. كان عظيم الشأن ببلده، عارفا بالرجال والمتون، وكان إماما ثقة.
وفيها توفّى محمد بن عبيد الله بن أحمد [بن محمد] «١» بن أبى الرّعد الفقيه الحنفىّ قاضى عكبرا. كان إماما فقيها صادقا ثقة. مات بعكبرا يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر.
وفيها توفّيت الماورديّة البصرية. كانت زاهدة عابدة صالحة، تجتمع إليها النساء فتعظهنّ وتؤدّبهنّ، قاربت الثمانين سنة، أقامت منها خمسين سنة لا تفطر النهار ولا تنام الليل، ولا تأكل خبزا ولا رطبا ولا تمرا، وإنّما يطحن لها الباقلاء فتتقوّت به. وماتت بالبصرة فلم يبق بالبلد إلّا من شهد جنازتها.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا.
ولمّا كان ليلة النّوروز نقص أصابع، ثم زاد حتى أوفى. ونودى عليه فى سابع عشرين توت: إصبع من سبع عشرة ذراعا. وانتهت زيادته فى هذه السنة إلى ستّ عشرة ذراعا وثلاث أصابع (أعنى أنه زاد بعد الوفاء إصبعين لاغير) .
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٧]
السنة الأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وستين وأربعمائة.
فيها أعيدت الخطبة بمكّة للمستنصر صاحب الترجمة.
وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد
стр. 1452
ابن الأمير طلحة الموفّق ابن الخليفة المتوكّل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدى بالله محمد ابن الخليفة أبى جعفر.
المنصور عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس، أمير المؤمنين أبو جعفر الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ. وأمّه أمّ ولد روميّة تسمّى قطر النّدى. ماتت فى خلافته، حسب ما ذكرناه فى هذا الكتاب فى محلّه. ومولده فى سنة إحدى وتسعين وثلثمائة.
وبويع بالخلافة بعد موت أبيه وعمره إحدى وثلاثون سنة فى ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وكان جميلا مليح الوجه أبيض اللّون مشربا بحمرة أبيض الرأس واللّحية، متديّنا ورعا زاهدا عالما، فى وجهه أثر صفار من قيام اللّيل، وكان يسرد الصوم، وكان قليل الجماع، ولهذا قلّ نسله. وكان سبب تركه الجماع أنّه جامع ليلة وبين يديه شمعة فصار صورته على الحائط صورة شنيعة، فقام عنها وقال:
لاعدت إلى مثلها. وكانت وفاته فى يوم الخميس ثالث عشر شعبان من هذه السنة، وله خمس وسبعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما، وقيل غير ذلك.
وأقام فى الخلافة أربعا وأربعين سنة. قلت: ومن الغرائب أن القائم هذا كان معاصرا للمستنصر العبيدى صاحب الترجمة وهو خليفة مصر، وكلاهما مكث فى الخلافة ما لم يمكثه غيره من آبائه وأجداده من طول المدّة؛ فالقائم هذا كانت مدّته أربعا وأربعين سنة، والمستنصر ستّين سنة؛ فما وقع للقائم لم يقع لأحد من العباسيّين، وما وقع للمستنصر لم يقع لأحد من الفاطميّين. وبويع بالخلافة بعد القائم حفيده عبد الله بن محمد الذّخيرة بن القائم المذكور. ومولده بعد وفاة أبيه الذخيرة بستّة أشهر، وتولّى تربيته جدّه القائم، ولقّب بالمقتدى «١» بالله.
стр. 1453
وفيها توفّى عبد الرحمن بن محمد بن المظفّر بن محمد بن داود أبو الحسن بن أبى طلحة الداوودىّ الحافظ. ولد سنة أربع وسبعين وثلثمائة، وسمع الحديث وقرأ الفقه ودرس وأفتى، ووعظ وصنّف، وكان له حظّ من النظم والنثر. ومن شعره:
[الخفيف]
كان فى الاجتماع للناس نور ... فمضى النّور وادلهمّ الظلام
فسد الناس والزمان جميعا ... فعلى الناس والزمان السلام
وفيها توفّى أبو الحسن علىّ بن الحسن بن علىّ بن أبى الطيّب الباخرزىّ «١» . كان إماما فاضلا شاعرا، صنّف «دمية القصر فى شعراء «٢» أهل العصر» . والعماد «٣» الكاتب حذا حذوه. وكان الباخرزىّ فريد عصره، وديوان شعره مشهور بأيدى الناس.
ومن شعره قوله:
[الطويل]
زكاة رءوس الناس فى عيد فطرهم ... بقول رسول الله صاع من البرّ
ورأسك أغلى قيمة فتصدّقى ... بفيك علينا فهو صاع من الدّرّ
стр. 1454
وفيها توفّى علىّ بن الحسين بن أحمد بن الحسين أبو الحسن الثّعلبى، ويعرف بابن صصرى. ذكره الحافظ ابن عساكر وأثنى عليه. حدّث عن تمّام بن محمد وغيره، وكان ثقة. وأصل بنى صصرى من قرية بالموصل. ومات بدمشق.
وفيها توفّيت كوهر خاتون عمّة السلطان ملكشاه السّلجوقىّ أخت السلطان ألب أرسلان. كانت ديّنة عفيفة، صادرها نظام الملك لمّا مات أخوها ألب أرسلان وأخذ منها أموالا عظيمة. فخرجت إلى الرىّ لتمضى إلى المباركيّة «١» تستنجدهم على قتال الوزير نظام الملك، فأشار نظام الملك على ملكشاه بقتلها فقتلها. فلما وصل خبر قتلها إلى بغداد ذمّ الناس نظام الملك وقالوا: ما كفاه بناء هذه المدرسة النظاميّة وغصبه لأراضى الناس وأخذ أنقاضهم حتى دخل فى الدماء من قتله هذه المرأة! وأيضا أنّه أشار على ملكشاه بقتل عمّه قاورد بك المقدّم ذكره، ثم أشار على ملكشاه بكحل أولاد عمّه. وهجا نظام الملك جماعة من أهل العراق؛ فلمّا بلغ نظام الملك قال: ما أقام هذه الشناعة علىّ إلّا فخر الدولة بن جهير «٢» .
وفيها توفّى محمود بن نصر بن صالح صاحب حلب ويعرف بابن الروقليّة. كان عمّه عطيّة قد أخذ حلب منه، فتجهّز محمود هذا وأتاه وحصره حتّى استعادها منه.
ومات بها فى ليلة الخميس ثالث عشر شعبان، وهى الليلة التى مات فيها الخليفة القائم بأمر الله العباسىّ. وسبب موته أنه عشق جارية لزوجته، وكانت تمنعه منها، فماتت الجارية فحزن عليها حتّى مات بعد يومين. ولمّا مات وقع بين العسكر الخلاف.
وكان محمود هذا قد أوصى إلى ولده أبى المعالى شبل وأسكنه القلعة والخزائن عنده؛
стр. 1455
وأسكن ولده نصرا البلد، وكان يكره نصرا ويحبّ شبلا، والعساكر تحب نصرا؛ فلا زالوا حتّى ملك نصر وخلع شبل.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وتسع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٨]
السنة الحادية والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وستين وأربعمائة.
فيها خرج مؤيّد الملك بن نظام الملك الوزير من بغداد يريد والده، وكان أبوه قد مرض، وخرج معه أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد البيضاوىّ «١» الشاهد رسولا من الديوان إلى السلطان إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، يخبره بوفاة الخليفة القائم بأمر الله وإقامة ولده المقتدى بعده فى الخلافة.
وفيها لبس بدر الجمالىّ أمير الجيوش من المستنصر خلعة الوزارة بمصر، وكانت منزلته قبل ذلك أجلّ من الوزارة، ولكن لبسها حتّى لا يترتّب أحد فى الوزارة فينازعه فى الأمر.
وفيها أيضا قبض بدر الجمالىّ على قاضى الإسكندرية ابن المحيرق وعلى جماعة من فقهائها وأعيانها، وأخذ منهم أموالا عظيمة.
وفيها استولى أتسز التّركمانىّ على دمشق وخطب بها للمقتدى العباسىّ، وكتب إلى المقتدى يذكر له تسليمها إليه وغلوّ الأسعار بها وموت أهلها، وأنّ الكارة
стр. 1456
الطعام بلغت فى دمشق نيّفا وثمانين دينارا مغربيّة، وبقيت على ذلك أربع سنين «١» .
والكارتان ونصف غرارة بالشامىّ. فتكون الغرارة بمائتى دينار. وهذا شىء لم يعهد مثله فى سالف الأعصار. قلت «٢» : ولا بعده. وقد تقدّم ذكر هذا الغلاء بمصر والشام فى ترجمة المستنصر هذا.
وفيها توفّى أحمد بن علىّ بن محمد القاضى أبو الحسين جلال الدولة الشريف العلوىّ، كان ولى قضاء دمشق للمستنصر، وهو آخر قضاة المصريّين الرافضة، وهو الذي أجار الخطيب البغدادىّ لمّا أمر أمير دمشق بقتله. قال يوما وعنده [أبو] الفتيان بن حيّوس: وددت أنّى فى الشجاعة مثل جدّى علىّ، وفى السخاء مثل حاتم. فقال له [أبو] الفتيان بن حيّوس: وفى الصدق مثل أبى ذرّ-[الغفارىّ «٣» ] .
فخجل الشريف، فإنّه كان يتزيّد فى كلامه.
وفيها توفّى إسماعيل بن علىّ أبو محمد «٤» العين زربىّ الشاعر الفصيح. كان يسكن دمّشق وبها مات. ومن شعره:
[الطويل]
وحقّكم لا زرتكم فى دجنّة ... من الليل تخفينى كأنّى سارق
ولا زرت إلّا والسيوف شواهر «٥» ... علىّ وأطراف الرماح لواحق
стр. 1457
وله أيضا:
[الطويل]
ألا يا حمام الأيك «١» عيشك آهل ... وغصنك ميّال وإلفك حاضر
أتبكى وما امتدّت اليك يد النّوى ... ببين «٢» ولم يذعر جناحك ذاعر
قلت: وهذا يشبه قول القائل فى أحد معانيه:
[الخفيف]
نسب الناس للحمامة حزنا ... وأراها فى الحزن ليست هنالك
خضبت كفّها وطوّقت الجي ... د وغنّت وما الحزين كذلك
وفيها توفّى مسعود [بن عبد العزيز] «٣» بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق أبو جعفر البياضىّ الشاعر البغدادىّ. كان أديبا فاضلا شاعرا. مات ببغداد فى ذى القعدة. ومن شعره:
[الخفيف]
ليس لى صاحب معين سوى اللّي ... ل إذا طال بالصدود عليّا
أنا أشكو همّ الحبيب إليه ... وهو يشكو بعد الصّباح إليّا
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. وأوفى يوم نصف توت.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٦٩]
السنة الثانية والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة تسغ وستّين وأربعمائة.
стр. 1458
فيها فى صفر غلب على المدينة النبويّة محيط العلوىّ وأعاد خطبة المستنصر هذا بها، وطرد عنها أميرها الحسين بن مهنّا فقصد الحسين ملكشاه السّلجوقىّ.
وفيها توفّى- والصحيح فى التى قبلها- علىّ بن أحمد بن محمد بن علىّ أبو الحسن الواحدىّ النيسابورىّ. كان من أولاد التجار من ساوة، وكان «١» أوحد عصره فى التفسير. كان إماما عالما بارعا محدّثا، صنف التفاسير الثلاثة: «البسيط» و «الوجيز» و «الوسيط» . والغزالىّ أخذ هذه الأسماء برمّتها وسمّى بها تصانيفه.
وصنّف الواحدىّ أيضا «أسباب النزول» فى مجلّد و «شرح الأسماء الحسنى» وكتبا كثيرة غير ذلك. وكان له أخ اسمه عبد الرحمن قد تفقّه وحدّث أيضا.
وفيها توفّى إسفهدوست «٢» بن محمد بن الحسن أبو منصور الدّيلمىّ الشاعر. كان أوّلا يهجو الصحابة- رضى الله عنهم- والناس، ثم تاب وحسنت توبته.
وقال فى ذلك قصيدة طنّانة أولها:
[الكامل]
لاح الهدى فجلا عن الأبصار ... كاللّيل يجلوه ضياء نهار
ورات سبيل الرشد عينى بعد ما ... غطّى عليها الجهل بالأستار
ومنها:
وعدلت عما كنت معتقدا له ... فى الصحب صحب نبيّك «٣» المختار
السيد الصدّيق والعدل الرّضى ... عمر وعثمان شهيد الدار
وهى طويلة جدّا.
стр. 1459
وفيها توفّى طاهر بن أحمد بن باب شاذ «١» أبو الحسن النحوىّ المصرىّ صاحب «المقدّمة «٢» » المشهورة. كان عالما فاضلا وله تصانيف فى النحو. سمع الحديث ورواه، وقرىء عليه الأدب بجامع «٣» مصر سنين. تردّى من سطح جامع مصر فى شهر رجب فمات من ساعته.
وفيها توفّى عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة- واسم مندة إبراهيم بن الوليد- الحافظ أبو القاسم ابن الحافظ أبى عبد الله العبدىّ الأصبهانىّ. كان كبير الشأن، جليل القدر، حسن الخطّ واسع الرّواية. ولد سنة إحدى «٤» وثمانين وثلثمائة، وهو أكبر إخوته- ﵀ ومات فى شوّال.
وقال الذهبىّ: مات فى سبعين وأربعمائة.
وفيها كان الطاعون العظيم بالشام، ومات خلائق لا تحصر.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. وأوفى بأواخر توت.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٠]
السنة الثالثة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبعين وأربعمائة.
стр. 1460
فيها ورد كتاب أرتق «١» بك على الخليفة المقتدى العباسىّ بأخذه بلاد القرامطة.
وفيها توفّيت بنت الوزير نظام الملك وزوجة الوزير عميد الدولة «٢» ، وجلس الوزير وولده للعزاء. ونظام الملك وزير السلطان ملكشاه، وعميد الدولة وزير الخليفة المقتدى بالله؛ وكان عميد الدولة فى المحلّ أعظم، ونظام الملك فى المال أكثر.
وفيها توفّى أحمد بن عبد الملك بن علىّ الحافظ أبو صالح النيسابورىّ المؤذّن.
ولد سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، وسمع الحديث الكثير، وصنّف الأبواب والشيوخ؛ وكان يؤذّن ويعظ، وكان شيخ الصوفيّة فى وقته علما وعملا وصدقا وثقة وأمانة.
وفيها توفّى عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد أبو جعفر ابن أبى موسى، الشريف الهاشمى، إمام الحنابلة وعالمهم فى زمانه. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وكان عالما ورعا فاضلا، تفقّه على القاضى أبى يعلى.
وكان يشهد ثمّ ترك الشهادة. وكان صدوقا ثقة زاهدا عابدا مصنّفا. مات بنيسابور فى شهر رمضان.
وفيها توفّى أحمد بن محمد [بن أحمد «٣» ] بن عبد الله بن النفور «٤» الحافظ أبو الحسن «٥» البزّاز. مات ببغداد فى شهر رجب وله تسعون سنة. وكان إماما محدّثا فاضلا بارعا.
стр. 1461
وفيها توفّى الحسين «١» بن محمد [بن أحمد «٢» ] بن طلّاب أبو نصر خطيب دمشق فى صفر بها وله إحدى وتسعون سنة. وكان إماما بارعا محدّثا فصيحا خطيبا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. وفتح الخليج فى سابع عشر مسرى، والماء على اثنتى عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. وأوفى فى رابع أيام النسىء، وبلغ سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع.
ونقص فى ثالث عشر بابة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧١]
السنة الرابعة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
فيما توفّى إبراهيم بن علىّ بن الحسين أبو إسحاق شيخ الصوفيّة بالشام. سمع الحديث، وكان صاحب رياضات ومجاهدات. أقام بصور «٣» أربعين سنة، ومات بدمشق.
وفيها توفّى الحسن بن أحمد بن عبد الله أبو علىّ بن البنّاء الحنبلىّ. ولد سنة سبع وتسعين وثلثمائة. وبرع فى الفقه وغيره، وصنّف فى كلّ فنّ. وكان يقول: صنّفت خمسين ومائة مصنّف. وكانت وفاته فى شهر رجب هذه السنة.
وفيها توفّى الحسين «٤» بن أحمد بن عقيل بن محمد أبو علىّ بن ريش الدمشقىّ. مات بدمشق فى جمادى الاخرة. وكان ثقة صدوقا فاضلا أديبا.
стр. 1462
وفيها توفّى سعد بن علىّ بن محمد بن علىّ بن الحسين الحافظ أبو القاسم الزّنجانىّ «١» الصّوفىّ. ولد سنة ثمانين وثلثمائة، وطاف البلاد وسمع الكثير. وانقطع فى آخر عمره بمكّة وصار شيخ الحرم.
وفيها توفّى عبد القاهر بن عبد الرحمن أبو بكر الجرجانىّ النحوىّ اللغوىّ شيخ العربيّة فى زمانه. كان إماما بارعا مفتنّا. انتهت إليه رياسة النّحاة فى زمانه.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع وعشرون «٢» إصبعا. وفتح الخليج فى سابع عشرين مسرى والماء على ثمانى عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. وكان الوفاء فى ثالث توت بعد ما توقّف ولم يزد إلى عاشر مسرى. وكان مبلغ الزيادة فى هذه السنة سبع عشرة ذراعا وعشرين إصبعا، ونقص فى خامس بابة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٢]
السنة الخامسة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
فيها توفّى منصور «٣» بن بهرام الأمير نظام الملك صاحب ميّافارقين من ديار بكر، وملك بعده ابنه ناصر الدولة.
стр. 1463
وفيها توفّى هيّاج بن عبيد بن الحسين أبو محمد الحطّينىّ الزاهد- وحطّين: قرية غربىّ طبريّة. ويقال: إن قبر شعيب ﵇ بها، وبنته صفوراء زوجة موسى ﵇ أيضا بها. وحطّين بكسر الحاء المهملة وفتحها-. وكان هيّاج المذكور إماما زاهدا. سمع الحديث وبرع، وجاور بمكّة وصار فقيه الحرم ومفتى مكّة.
وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ويأكل فى كلّ ثلاثة أيام مرّة، ويعتمر فى كلّ يوم ثلاث مرّات على قدميه. وأقام بالحرم «١» أربعين سنة لم يحدث فيه، وكان يخرج إلى الحلّ ويقضى حاجته. وكان يزور النّبيّ ﷺ فى كلّ سنة ماشيا، وكان يزور عبد الله بن عبّاس فى كلّ سنة مرّة بالطائف؛ ويأكل أكلة بالطائف وأخرى بمكة، وما كان يدّخر شيئا، ولم يكن له غير ثوب واحد. وفيه قال بعضهم:
[الوفر]
أقول لمكّة ابتهجى وتيهى ... على الدنيا بهيّاج الفقيه
إمام طلقّ الدنيا ثلاثا ... فلا طمع لها من بعد فيه
وكان سبب موته أنّ بعض الرافضة شكا إلى صاحب مكّة محمد بن أبى هاشم، قال: إنّ أهل السّنة يستطيلون علينا بهيّاج، وكان صاحب مكّة المذكور رافضيا خبيثا، فأخذه وضربه ضربا عظيما على كبر سنّة، فبقى أيّاما ومات، وقد نيّف على الثمانين سنة، ودفن إلى جانب الفضيل بن عياض، رحمة الله عليهما. ولمّا مات قال بعض العلماء: لو ظفرت النصارى بهيّاج لما فعلوا فيه ما فعله به صاحب مكة هذا الخبيث!. قلت: وهم الآن على هذا المذهب سوى أنّ الله تعالى قمعهم بالدولة التركيّة ونصر أهل السنّة عليهم، وجعلهم رعايا ليس لهم بمكّة الآن غير مجرّد الاسم.
стр. 1464
وفيها توفّى الحسن بن عبد الرحمن أبو علىّ الفقيه المكىّ الشافعىّ فى ذى القعدة، وكان من الفضلاء.
وفيها توفّى أبو عبد الله يحيى بن أبى مسعود عبد العزيز بن محمد الفارسىّ بهراة فى شوّال، وكان إماما فقيها نحويّا محدّثا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يتحرّر، «١» فإنّه زاد فى بؤونة خمس أذرع، ثم نقص ثلاث أذرع؛ ولم يزد إلى ثانى عشرين أبيب. وفتح الخليج فى عشرين مسرى والماء على تسع عشرة إصبعا من ستّ عشرة ذراعا. وكثرت زيادته فى توت، وانتهى إلى خمس عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا، ثم نقص فى ثانى بابة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٣]
السنة السادسة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
فيها وصل السلطان ملكشاه السّلجوقىّ إلى الرّىّ لقتال ابن عمّه سلطان شاه بن قاورد بك؛ فخرج إليه سلطان شاه مستأمنا وقبّل الأرض بين يديه. فقام السلطان ملكشاه له وأجلسه بجانبه وتحالفا وزوّجه ابنته، وعاد السلطان ملكشاه إلى أصبهان.
стр. 1465
وفيها ملك جلال الملك أبو الحسن بن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها حصنّ جبلة «١» ، وكان ابن عمّار هذا قاضى طرابلس وصاحبها، غلب على تلك البلاد سنين، وعجز بدر الجمالىّ أمير الجيوش عن مقاومته.
وفيها عزل المقتدى بالله العباسىّ وزيره عميد الدولة واستوزر أبا شجاع «٢» محمد ابن الحسين الرّوذراورىّ «٣» ، وكان صالحا عفيفا دينا. فهجاه الموصلىّ فقال:
[الكامل]
ما استبدلوا ابن جهير «٤» فى ديوانهم ... بأبى شجاع لرفعة وجلال
لكن رأوه أشحّ أهل زمانه ... فاستوزروه لحفظ بيت المال
وفيها توفّى محمد بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشّبلى أبو علىّ الشاعر البغدادىّ، كان شاعرا مجيدا؛ ومات فى المحرّم. ومن شعره:
[الكامل]
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك فى السرّاء والضرّاء
فلرحمة المتوجّعين مرارة ... فى القلب مثل شماته الأعداء
стр. 1466
وفيها توفّى محمد بن سلطان بن محمد بن حيّوس الأمير الشاعر. كان أحد شعراء الشاميّين وفحولهم المجيدين، وكان له ديوان شعر. ومات بدمشق فى شعبان وقد جاوز الثمانين سنة. وأنشد له ابن عساكر قصيدة أولها:
[الطويل]
أسكّان نعمان الأراك تيقّنوا ... بأنكم فى ربع قلبى سكّان
وفيها توفّى علىّ بن محمد بن علىّ أبو كامل «١» الصّليحىّ الخارج باليمن. قال ابن خلّكان: كان أبوه قاضيا باليمن سنّىّ المذهب، ثمّ ذكر عنه فضيلة وأشياء أخر تدلّ على أنّه كان رافضيا خبيثا، إلى أن قال: ثمّ إنه صار يحجّ بالناس على طريق السّراة «٢» والطائف خمس عشرة سنة. انتهى كلام ابن خلّكان. قلت: وتغلّب على اليمن حتّى ملكه، وجعل كرسىّ ملكه بصنعاء، وبنى عدّة قصور، وطالت أيامه، ودخل سنة خمس وخمسين وأربعمائة إلى مكّة واستعمل الجميل مع أهلها، ورخصت الأسعار، وأحبّه الناس لتواضع كان فيه. ودخل معه مكّة زوجته «٣» الحرّة التى كان خطب لها على منابر اليمن؛ وأقام بمكّة شهرا ثمّ رحل. وكان يركب فرسا بألف دينار، وعلى رأسه العصائب. وإذا ركبت زوجته الحرّة ركبت فى مائتى جارية بالحلىّ والجواهر، وبين يديها الجنائب بالسروج الذهب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. وفتح الخليج فى خامس توت والماء على خمس عشرة إصبعا من ستّ عشرة ذراعا. وكان الوفاء فى خامس عشرين توت. وكان مبلغ الزيادة فى هذه السنة ست «٤» عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ونقص فى ثالث بابة.
стр. 1467
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٤]
السنة السابعة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
فيها توفّى داود ولد السلطان ملكشاه السّلجوقىّ فى يوم الخميس حادى عشرين ذى الحجة بأصبهان، وحزن عليه والده ملكشاه حزنا جاوز الحدّ، وفعل فى مصابه ما لم يسمع بمثله، ورام قتل نفسه دفعات وخواصّه تمنعه من ذلك، ولم يمكّن من أخذه وغسله لقلّة صبره على فراقه، حتّى تغيّر وكادت رائحته تظهر، فحينئذ مكّن منه.
وامتنع عن الطعام والشراب. واجتمع الأتراك والتّركمان فى دار المملكة وجزّوا شعورهم، واقتدى بهم نساء الحواشى والحشم والأتباع والخدم، وجزّت نواصى الخيول وقلبت السروج، وأقيمت الخيول مسوّدات، وكذا النساء المذكورات؛ وأقام أهل البلد المأتم فى منازلهم وأسواقهم. وبقيت الحال على هذا سبعة أيام، حتى كلّمه أرباب الدولة فى منع ذلك؛ وأرسل إليه الخليفة يحثّه على الجلوس بالديوان.
وفيها سار تنش صاحب دمشق فافتتح أنطرطوس «١» وغيرها.
وفيها أخذ شرف الدولة صاحب الموصل حرّان «٢» من بنى وثّاب النّميريين، وصالحه صاحب الرّهاء وخطب له بها.
وفيها تملّك الأمير سديد الملك «٣» أبو الحسن علىّ بن مقلّد بن نصر بن منقذ الكنانىّ حصن شيزر، وانتزعه من الفرنج، بعد أن نازلها وتسلّمها بالأمان وبمال
стр. 1468
للأسقف. فلم تزل شيزر بيده وبيد أولاده إلى أن هدمتها الزلزلة وقتلت أكثر من كان بها؛ فعند ذلك أخذها السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد وأصلحها وجدّدها. وأمّا سديد الملك فلم يحيى بعد أن تملّكها إلّا نحو السنة ومات. وكان شجاعا فارسا شاعرا. وملكها بعده ابنه أبو المرهف نصر.
وفيها توفّى سليمان بن خلف بن سعد بن أيّوب بن وارث الإمام أبو الوليد التّجيبيّ القرطبىّ الباجىّ صاحب التصانيف. أصله بطليوسىّ، «١» وانتقل آباؤه إلى باجة، وهى مدينة قريبة من إشبيلية. وولد فى ذى القعدة سنة ثلاث وأربعمائة.
ورحل البلاد وحجّ وسافر إلى الشام وبغداد، وسمع بهما الكثير. قال القاضى عياض: وولى قضاء مواضع من الأندلس، وذكر مصنّفاته وأثنى على علمه وفضله.
وفيها توفّى نور الدولة دبيس بن علىّ بن مزيد أبو الأغرّ صاحب الحلّة «٢» . عاش ثمانين سنة، كان فيها أميرا نيّفا وستّين سنة؛ وكان الطبول تضرب على بابه فى أوقات الصلوات، وكان جوادا ممدّحا، كان محطّ رحال الرافضة- أخزاهم الله- وملك بعده ابنه أبو كامل بهاء الدولة منصور.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وثمانى عشرة إصبعا. وفتح الخليج فى خامس عشرين مسرى، والماء على ثمانى عشرة إصبعا من ستّ عشرة ذراعا. وكان الوفاء أوّل أيّام النسىء. وبلغ ثمانى عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ونقص فى ثالث بابة.
стр. 1469
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٥]
السنة الثامنة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
فيها شفع أرتق بك إلى تاج الدولة تتش صاحب الشام فى مسمار الكلبىّ فأفرج عنه، وسار الأمير أرتق بك إلى القدس.
وفيها فتح ابن قتلمش حصن أنطرطوس من الروم، وبعث إلى ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها يطلب منه قاضيا وخطيبا.
وفيها سار مسلم بن قريش صاحب حلب إلى دمشق وحصر بها صاحبها تتش، ثم عاد عنها ولم يظفر بطائل.
وفيها توفّى ابن ماكولا علىّ بن هبة الله بن علىّ بن جعفر بن علكان بن محمد ابن دلف ابن الأمير أبى دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلىّ.
وعجل: بطن من بكر بن وائل من أمة ربيعة أخى مضر ابنى نزار بن معدّ بن عدنان.
قال شيرويه فى طبقاته: وكان يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، وولد بعكبرا فى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فى شعبان، وكنيته أبو نصر. قال صاحب مرآة الزمان: «الأمير الحافظ أبو نصر العجلىّ» . قال أبو عبد الله «١» الحميدىّ: ما راجعت الخطيب فى شىء إلّا وأحالنى على كتاب «٢» وقال: حتّى أبصره؛ وما راجعت أبا نصر ابن ماكولا فى شىء إلّا وأجابنى حفظا، كأنّه يقرأ من كتاب. قلت: وهو الذي صنّف عن أوهام الخطيب كتابا سماه «مستمرّ الأوهام» . ومات فى هذه
стр. 1470
السنة. وقيل سنة تسع وسبعين، وقيل سنة سبع وثمانين. ومن شعره- ﵀:
[الطويل]
ولمّا توافينا تباكت قلوبنا ... فمسك دمع يوم ذاك كساكبه
فيا كبدى الحرّى البسى ثوب حسرة ... فراق الذي تهوينه قد كساك به
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن عيسى «١» الإمام أبو بكر السّمسار. مات فى شوّال.
كان إماما فاضلا بارعا، سمع الحديث وبرع فى فنون.
وفيها وقع الطاعون ببغداد ثم بمصر وما والاهما، فمات فيه خلق كثير.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى عشرة ذراعا. ثم زاد حتّى كان مبلغ الزيادة فى هذه السنة خمس عشرة ذراعا وعشر أصابع. ثم نقص فى خامس بابة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٦]
السنة التاسعة والأربعون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ستّ وسبعين وأربعمائة.
فيها عزل المقتدى بالله العباسىّ عميد الدولة عن الوزارة.
وفيها سلّم ابن صقيل قلعة بعلبكّ إلى تاج الدولة تتش صاحب الشام، وكان مقيما فيها من قبل المستنصر العبيدىّ صاحب الترجمة، وكان ذلك فى صفر.
وفيها عزم تتش صاحب دمشق على مصاهرة أمير الجيوش بدر الجمالىّ وزير مصر وصاحب عقدها وحلها [على ابنته»
] ، فأشار ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها على تتش بألّا يفعل، فثنى عزمه عن ذلك.
стр. 1471
وفيها توفّى سلطان شاه بن قاورد بك بن داود بن ميكائيل السّلجوقىّ صاحب كرمان وابن عمّ السلطان ملكشاه؛ فقدمت أمّه على ملكشاه بهدايا وأموال، فأكرمها وأقرّ ولدها الآخر مكانه.
وفيها تغيّرت نيّة السلطان ملكشاة على وزيره نظام الملك، ثمّ أصلح نظام الملك أمره معه.
وفيها توفّى إبراهيم بن علىّ بن يوسف أبو إسحاق الفيروزابادىّ الشيرازىّ الشافعىّ. ولد سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وتفقّه بفارس على أبى عبد الله «١» البيضاوىّ، وببغداد على أبى الطّيب الطّبرىّ. وسمع الحديث، وكان إماما فقيها عالما زاهدا.
ولما قدم خراسان فى الرسالة تلقّاه الناس وخرجوا إليه من نيسابور، فحمل إمام الحرمين أبو المعالى الجوينىّ غاشيته «٢» ومشى بين يديه كالخدم وقال: أنا أفتخر بهذا «٣» .
قال أبو المظفر فى المرآة: وما عيب عليه شىء إلّا دخوله النّظاميّة «٤» ، وذكره الدروس
стр. 1472
[بها «١» ] ، لأنّ حاله فى الزهد والورع خلاف ذلك. ثم ساق له أشعارا كثيرة. منها فى غريق فى الماء:
[الطويل]
غريق كأنّ الموت رقّ لأخذه ... فلان له فى صورة الماء جانبه
أبى الله أن أنساه دهرى فإنّه ... توفّاه فى الماء الذي أنا شاربه
وله:
[الوافر]
سالت الناس عن خلّ وفى ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظقرت بود «٢» حرّ ... فإنّ الحرّ فى الدنيا قليل
وكانت وفاته ببغداد من الجانب الشرقى.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو طاهر بن أبى الصقر «٣» الأنبارىّ، كان محدّثا فاضلا ثقة صدوقا صاحب صيام وقيام. وله شعر. وأنشد لابن الرومىّ:
[الكامل]
يا دهر صافيت اللئام مواليّا ... أبدا وعاديت الأكارم عامدا
فغدرت كالميزان ترفع ناقصا ... أبدا وتخفض لا محالة زائدا
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا.
وفتح الخليج فى ثانى النسىء. وكان الوفاء فى ثامن توت. وكان مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. ونقص فى تاسع بابة.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٧]
السنة الخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
стр. 1473
فيها بنى أمير الجيوش بدر الجمالىّ جامع العطّارين «١» بالإسكندرية. وسببه أنّ ولد بدر الجمالىّ عصى عليه وتحصّن بالإسكندرية. فسار إليه أبوه بدر الجمالىّ حتى نزل على الإسكندرية وحاصرها شهرا حتّى طلب أهلها الأمان وفتحوا له الباب، فدخلها وأخذ ابنه أسيرا ثم بنى هذا الجامع.
وفيها توفّى عبد السعيد بن محمد بن عبد الواحد أبو نصر بن الصبّاغ الفقيه الشافعىّ. ولد سنة أربعمائة، وتفقّه وبرع حتّى صار فقيه العراق، وكان يقدّم على أبى إسحاق الشيرازىّ فى معرفة مذهبه. وصنّف الكتب فى الفقه، منها: «الشامل» و «الكامل» و «تذكرة العالم» و «الطريق السالم» . وولى تدريس النّظاميّة قبل أبى إسحاق عشرين يوما. ومات فى جمادى الأولى.
وفيها توفّى مسلم بن قريش بن بدران الأمير أبو البركات شرف الدولة أمير بنى عقيل صاحب الموصل والجزيرة وحلب. وزوّجه السلطان ألب أرسلان السلجوقى أخته. وكان شجاعا جوادا ذا همّة وعزم، احتاج إليه الخلفاء والملوك والوزراء، وخطب له على المنابر من بغداد إلى العواصم والشام. وأقام حاكما على البلاد نيّفا وعشرين سنة. ولمّا مدحه ابن حيّوس بقصيدته التى أوّلها:
[الكامل]
ما أدرك الطّلبات «٢» مثل مصمّم ... إن أقدمت أعداؤه لم يحجم
فأعطاه الموصل جائزة له، فأقامت فى حكمه ستة أشهر. وقتل مسلم هذا فى وقعة كانت بينه و [بين سليمان «٣» بن] قتلمش فى هذه السنة.
стр. 1474
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا.
وفتح الخليج فى رابع عشرين مسرى، والماء على اثنتى عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. وكان الوفاء آخر أيام النسىء. ووقف مدّة ثم نقص فى العشرين من توت بعد ما بلغ سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٨]
السنة الحادية والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
فيها وقع طاعون عظيم بالعراق ثم عمّ الدنيا؛ فكان الرجل قاعدا فى شغله فتثور به الصفراء فتصرعه فيموت من وقته. ثم هبّت ريح سوداء ببغداد، أظلمت الدنيا، ولاحت نيران فى أطراف السماء وأصوات هائلة، فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والبهائم. فكان أهل الدرب يموتون فيسدّ الدرب عليهم. قاله صاحب مرآة الزمان- ﵀.
وفيها اتّفق جماعة بمصر مع ولد أمير الجيوش بدر الجمالىّ على قتل والده وينفرد الولد بالملك، ففطن به أبوه فقتل الجماعة وعفّى أثر ولده؛ ويقال: إنّه دفنه حيّا، وقيل: غرّقه، وقيل: جوّعه حتى مات. وكان بدر الجمالىّ أرمنىّ الجنس، فاتكا جبّارا، قتل خلقا كثيرا من العلماء وغيرهم، وأقام الأذان ب «حىّ على خير العمل» ، وكبّر على الجنائز خمسا، وكتب سبّ الصحابة على الحيطان. قلت: وبالجملة إنّه كان من مساوئ الدنيا، جزاه الله. وغالب من كان بمصر فى تلك الأيام كان رافضيّا خبيثا بسبب ولاة مصر بنى عبيد إلّا من ثبّته الله تعالى على السنّة.
стр. 1475
وفيها توفّى أحمد بن الحسن «١» بن محمد بن إبراهيم أبو بكر سبط ابن فورك وختن أبى القاسم القشيرىّ على ابنته، وكان يعظ فى النّظاميّة، وكان قبيح السّيرة.
وفيها توفّى عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالى الجوينىّ الفقيه الشافعىّ المعروف بإمام الحرمين. وجوين: قرية من قرى نيسابور. ولد سنة سبع عشرة وأربعمائة، وتفقّه على والده فأقعد مكانه وله دون العشرين من العمر، فأقام الدرس، وسمع بالبلاد، وحجّ وجاور؛ ثم عاد إلى نيسابور، ودرّس بها ثلاثين سنة، وإليه المنبر والمحراب، ويجلس للوعظ، وتخرّج به جماعة، وصنّف «نهاية المطلب [فى رواية «٢» المذهب] » . وصنّف فى الكلام الكتب الكثيرة: «الإرشاد» وغيره. قال صاحب مرآة الزمان: وقال محمد بن علىّ تلميذ أبى المعالى الجوينىّ: دخلت عليه فى مرضه الذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه ويسقط منها الدود، لا يستطاع شمّ فيه؛ فقال:
هذه عقوبة اشتغالي بالكلام فاحذروه! وكانت وفاته ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الأوّل عن تسع وخمسين سنة.
وفيها توفّى محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد أبو علىّ المتكلّم المعتزلىّ شيخ المعتزلة والفلاسفة والداعية إلى مذهبهم. وهو من أهل الكرخ، وكان يدرّس هذه العلوم، فآضطرّه أهل السّنة إلى أنّه لزم بيته خمسين سنة لا يتجاسر أن يظهر.
ومات فى ذى الحجة.
وفيها توفّى محمد بن علىّ بن محمد بن الحسن بن عبد الملك «٣» بن عبد الوهّاب بن حمويه، الإمام أبو عبد الله الدّامغانىّ القاضىّ الحنفىّ. ولد بالدامغان فى شهر ربيع الآخر
следующие страницы →