← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وفيها توفّى سلطان شاه بن قاورد بك بن داود بن ميكائيل السّلجوقىّ صاحب كرمان وابن عمّ السلطان ملكشاه؛ فقدمت أمّه على ملكشاه بهدايا وأموال، فأكرمها وأقرّ ولدها الآخر مكانه. وفيها تغيّرت نيّة السلطان ملكشاة على وزيره نظام الملك، ثمّ أصلح نظام الملك أمره معه. وفيها توفّى إبراهيم بن علىّ بن يوسف أبو إسحاق الفيروزابادىّ الشيرازىّ الشافعىّ. ولد سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وتفقّه بفارس على أبى عبد الله «١» البيضاوىّ، وببغداد على أبى الطّيب الطّبرىّ. وسمع الحديث، وكان إماما فقيها عالما زاهدا. ولما قدم خراسان فى الرسالة تلقّاه الناس وخرجوا إليه من نيسابور، فحمل إمام الحرمين أبو المعالى الجوينىّ غاشيته «٢» ومشى بين يديه كالخدم وقال: أنا أفتخر بهذا «٣» . قال أبو المظفر فى المرآة: وما عيب عليه شىء إلّا دخوله النّظاميّة «٤» ، وذكره الدروس

стр. 1472

[بها «١» ] ، لأنّ حاله فى الزهد والورع خلاف ذلك. ثم ساق له أشعارا كثيرة. منها فى غريق فى الماء: [الطويل] غريق كأنّ الموت رقّ لأخذه ... فلان له فى صورة الماء جانبه أبى الله أن أنساه دهرى فإنّه ... توفّاه فى الماء الذي أنا شاربه وله: [الوافر] سالت الناس عن خلّ وفى ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسّك إن ظقرت بود «٢» حرّ ... فإنّ الحرّ فى الدنيا قليل وكانت وفاته ببغداد من الجانب الشرقى. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو طاهر بن أبى الصقر «٣» الأنبارىّ، كان محدّثا فاضلا ثقة صدوقا صاحب صيام وقيام. وله شعر. وأنشد لابن الرومىّ: [الكامل] يا دهر صافيت اللئام مواليّا ... أبدا وعاديت الأكارم عامدا فغدرت كالميزان ترفع ناقصا ... أبدا وتخفض لا محالة زائدا أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. وفتح الخليج فى ثانى النسىء. وكان الوفاء فى ثامن توت. وكان مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. ونقص فى تاسع بابة. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٧] السنة الخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وسبعين وأربعمائة.

стр. 1473

فيها بنى أمير الجيوش بدر الجمالىّ جامع العطّارين «١» بالإسكندرية. وسببه أنّ ولد بدر الجمالىّ عصى عليه وتحصّن بالإسكندرية. فسار إليه أبوه بدر الجمالىّ حتى نزل على الإسكندرية وحاصرها شهرا حتّى طلب أهلها الأمان وفتحوا له الباب، فدخلها وأخذ ابنه أسيرا ثم بنى هذا الجامع. وفيها توفّى عبد السعيد بن محمد بن عبد الواحد أبو نصر بن الصبّاغ الفقيه الشافعىّ. ولد سنة أربعمائة، وتفقّه وبرع حتّى صار فقيه العراق، وكان يقدّم على أبى إسحاق الشيرازىّ فى معرفة مذهبه. وصنّف الكتب فى الفقه، منها: «الشامل» و «الكامل» و «تذكرة العالم» و «الطريق السالم» . وولى تدريس النّظاميّة قبل أبى إسحاق عشرين يوما. ومات فى جمادى الأولى. وفيها توفّى مسلم بن قريش بن بدران الأمير أبو البركات شرف الدولة أمير بنى عقيل صاحب الموصل والجزيرة وحلب. وزوّجه السلطان ألب أرسلان السلجوقى أخته. وكان شجاعا جوادا ذا همّة وعزم، احتاج إليه الخلفاء والملوك والوزراء، وخطب له على المنابر من بغداد إلى العواصم والشام. وأقام حاكما على البلاد نيّفا وعشرين سنة. ولمّا مدحه ابن حيّوس بقصيدته التى أوّلها: [الكامل] ما أدرك الطّلبات «٢» مثل مصمّم ... إن أقدمت أعداؤه لم يحجم فأعطاه الموصل جائزة له، فأقامت فى حكمه ستة أشهر. وقتل مسلم هذا فى وقعة كانت بينه و [بين سليمان «٣» بن] قتلمش فى هذه السنة.

стр. 1474

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. وفتح الخليج فى رابع عشرين مسرى، والماء على اثنتى عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. وكان الوفاء آخر أيام النسىء. ووقف مدّة ثم نقص فى العشرين من توت بعد ما بلغ سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٨] السنة الحادية والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. فيها وقع طاعون عظيم بالعراق ثم عمّ الدنيا؛ فكان الرجل قاعدا فى شغله فتثور به الصفراء فتصرعه فيموت من وقته. ثم هبّت ريح سوداء ببغداد، أظلمت الدنيا، ولاحت نيران فى أطراف السماء وأصوات هائلة، فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والبهائم. فكان أهل الدرب يموتون فيسدّ الدرب عليهم. قاله صاحب مرآة الزمان- ﵀. وفيها اتّفق جماعة بمصر مع ولد أمير الجيوش بدر الجمالىّ على قتل والده وينفرد الولد بالملك، ففطن به أبوه فقتل الجماعة وعفّى أثر ولده؛ ويقال: إنّه دفنه حيّا، وقيل: غرّقه، وقيل: جوّعه حتى مات. وكان بدر الجمالىّ أرمنىّ الجنس، فاتكا جبّارا، قتل خلقا كثيرا من العلماء وغيرهم، وأقام الأذان ب «حىّ على خير العمل» ، وكبّر على الجنائز خمسا، وكتب سبّ الصحابة على الحيطان. قلت: وبالجملة إنّه كان من مساوئ الدنيا، جزاه الله. وغالب من كان بمصر فى تلك الأيام كان رافضيّا خبيثا بسبب ولاة مصر بنى عبيد إلّا من ثبّته الله تعالى على السنّة.

стр. 1475

وفيها توفّى أحمد بن الحسن «١» بن محمد بن إبراهيم أبو بكر سبط ابن فورك وختن أبى القاسم القشيرىّ على ابنته، وكان يعظ فى النّظاميّة، وكان قبيح السّيرة. وفيها توفّى عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالى الجوينىّ الفقيه الشافعىّ المعروف بإمام الحرمين. وجوين: قرية من قرى نيسابور. ولد سنة سبع عشرة وأربعمائة، وتفقّه على والده فأقعد مكانه وله دون العشرين من العمر، فأقام الدرس، وسمع بالبلاد، وحجّ وجاور؛ ثم عاد إلى نيسابور، ودرّس بها ثلاثين سنة، وإليه المنبر والمحراب، ويجلس للوعظ، وتخرّج به جماعة، وصنّف «نهاية المطلب [فى رواية «٢» المذهب] » . وصنّف فى الكلام الكتب الكثيرة: «الإرشاد» وغيره. قال صاحب مرآة الزمان: وقال محمد بن علىّ تلميذ أبى المعالى الجوينىّ: دخلت عليه فى مرضه الذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه ويسقط منها الدود، لا يستطاع شمّ فيه؛ فقال: هذه عقوبة اشتغالي بالكلام فاحذروه! وكانت وفاته ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الأوّل عن تسع وخمسين سنة. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد أبو علىّ المتكلّم المعتزلىّ شيخ المعتزلة والفلاسفة والداعية إلى مذهبهم. وهو من أهل الكرخ، وكان يدرّس هذه العلوم، فآضطرّه أهل السّنة إلى أنّه لزم بيته خمسين سنة لا يتجاسر أن يظهر. ومات فى ذى الحجة. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن محمد بن الحسن بن عبد الملك «٣» بن عبد الوهّاب بن حمويه، الإمام أبو عبد الله الدّامغانىّ القاضىّ الحنفىّ. ولد بالدامغان فى شهر ربيع الآخر

стр. 1476

سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وتفقّه ببلده، ثم قدم بغداد وتفقّه أيضا بالصّيمرىّ والقدورىّ، وسمع منهما الحديث، وبرع فى الفقه، وخصّ بالفضل الوافر والتواضع الزائد، وارتفع وشيوخه أحياء، وانتهت إليه رياسة المذهب فى زمانه. وكان فصيح العبارة مليح الإشارة غزير العلم سهل الأخلاق معظّما عند الخلفاء والملوك. ولى قضاء القضاة ببغداد سنة سبع وأربعين، وصار رأس علماء عصره فى كلّ مذهب. وحسنت سيرته فى القضاء حتّى أقام فيه ثلاثين سنة. ومات ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر رجب. وكانت جنازته عظيمة، نزع العلماء طيالستهم ومشوا فيها، وكثر أسف الناس عليه. رحمه الله تعالى. وفيها توفّى منصور بن دبيس بن علىّ بن مزيد الأمير الرافضىّ أبو كامل بهاء الدولة صاحب الحلّة. مات فيها فى شهر رجب، وكانت ولايته ستّ سنين. وقام بعده ولده سيف الدولة صدقة. قلت: والجميع رافضة، كلّ واحد أنجس من الآخر، عاملهم الله بما يستحقّونه. وفيها توفّى هبة الله بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن السّيبىّ «١» البغدادىّ. سمع الحديث وتفقّه، وكان أديبا شاعرا فصيحا. مات فى المحرّم. ومن شعره: [المتقارب] رجوت الثمانين من خالقى ... لما جاء فيها عن المصطفى فبلّغنيها وشكرا له ... وزاد ثلاثا بها أردفا وهأنا منتظر وعده ... لينجزه فهو أهل الوفا

стр. 1477

وفيها توفّى يحيى بن محمد بن طباطبا الشريف أبو المعمّر بقيّة «١» شيوخ الطالبيّين. كان هو وأخوه من نسّابيهم، وكان فاضلا شاعرا فقيها فى مذهب الشّيعة. ومات فى شهر رمضان. وهو آخر من بقى من أولاد طباطبا بالعراق ولم يعقب. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة يأتى ذكره؛ لأنّ النيل لم يزد فى هذه السنة إلى أوّل مسرى إلا ثلثى ذراع فقط، ثم زاد فى ثانى عشرين مسرى أذرعا حتى صار فى يوم النوروز على ثلاث عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا. ثم نقص إصبعين ثم ثمانيا، ثم زاد فى خامس توت ستّ أصابع؛ وخرج الناس إلى الجبل واستسقوا، فزاد حتّى بلغ ثلاث عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا، ثم نقص سبع أصابع- وقيل: ثمانيا- ثم زاد فى عيد الصليب حتّى صار على أربع عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ونقص تسع أصابع، ثم زاد فى أوّل بابة حتّى بلغ خمس عشرة ذراعا وخمس أصابع. وكان ذلك منتهى زيادته فى هذه السنة. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٧٩] السنة الثانية والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة تسع وسبعين وأربعمائة. فيها صاد السلطان ملكشاه أربعة آلاف غزال- وقيل: عشرة آلاف وبنى بقرونها منارة سمّاها أمّ القرون. وفيها توفّى ختلغ بن كنتكين «٢» الأمير أبو منصور أمير الكوفة والحاج. ذمّه محمد ابن هلال الصابئ وذمّ سيرته فى تاريخه، إلّا أنّه كان شجاعا، وله وقائع مع العرب

стр. 1478

فى البرّيّة. وكان محافظا على الصلوات فى الجماعة، ويختم القرآن فى كلّ يوم، ويختصّ بالعلماء والقرّاء، وله آثار جميلة بطريق الحجاز والمشاهد والمساجد. ومكث فى إمارة الحاج اثنتى عشرة سنة. وفيها قتل سليمان بن قتلمش، هو ابن عمة السلطان ملكشاه السّلجوقىّ. كان أميرا شجاعا، فتح عدّة بلاد، وآخر ما فتحه أنطاكية، وكان قد حاصر حلب ورجع. وقتل مسلم بن قريش فى حربه؛ فجاءه تاج الدولة تتش والأمير أرتق بك من دمشق، والتّقوا معه واقتتلوا فجاء سليمان هذا سهم فى وجهه فوقع عن فرسه ميتا، فدفن إلى جانب مسلم بن قريش الذي قتل فى محاربته قبل ذلك بأيام. وفيها توفّى علىّ بن فضّال بن علىّ أبو الحسن المغربىّ الفيروانىّ. كان فاضلا أديبا، له نظم ونثر. ومات بغزنة فى شهر ربيع الأوّل. ومن شعره قوله: [السريع] إن تلقك الغربة فى معشر ... قد أجمعوا فيك على بغضهم فدارهم ما دمت فى دارهم ... وأرضهم ما دمت فى أرضهم وفيها توفّى علىّ بن المقلّد بن نصر بن منقذ بن محمد بن مالك الأمير أبو الحسن الكنانىّ. كان بينه وبين ابن عمّار قاضى طرابلس وصاحبها مودّة، وكان شجاعا فاضلا نحويّا لغويّا شاعرا، وكان صاحب شيزر وبها توفّى. وتولّى شيزر بعده ابنه نصر بن علىّ. وكان له ديوان شعر مشهور. ومن شعره: [البسيط] إذا ذكرت أياديك التى سلفت ... وسوء فعلى وزلّاتى ومجترمى أكاد أقتل نفسى ثم يمنعنى ... علمى بأنّك مجبول على الكرم وفيها توفى أبو سعيد «١» أحمد بن محمد بن دوست النيسابورىّ الفقيه المحدّث الصوفىّ شيخ الشيوخ ببغداد.

стр. 1479

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وتسع عشرة إصبعا. وزاد فى نصف بشنس، ثم نقص نصف ذراع، ثم زاد فى أوانه حتى أوفى فى ثالث أيام النسىء. وكان مبلغ الزيادة فى هذه السنة سبع عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٠] السنة الثالثة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثمانين وأربعمائة. فيها بعث تتش أخو السلطان ملكشاه يقول لأخيه: قد استولى المصريّون على الساحل وضايقوا دمشق، وأسأل السلطان أن يأمر آق سنقر وبوزان «١» أن ينجدانى. فكتب ملكشاه إليهما أن ينجداه. وكان الأمير بوزان بالرّهاء وآق سنقر بحلب. وسبب ذلك أنّ أمير الجيوش بدرا الجمالىّ لمّا قوى أمره بمصر، وصار هو المتحدّث عن المستنصر صاحب الترجمة بهذه البلاد، واسترجع كثيرا مما كان ذهب من ممالكهم، جهّز «٢» جيشا إلى الساحل. فعظم ذلك على تتش صاحب دمشق. وفيها بنى تاج الملك أبو الغنائم «٣» ببغداد المدرسة التاجيّة بباب أبرز «٤» وضاهى بها النّظاميّة. قلت: ومن باب أبرز هذا أصل بنى البارزى كتّاب سرّ زماننا هذا. كان جدّهم مسلم يسكن فى بغداد بباب أبرز المذكور، ثم خرج من بغداد فى جفلة التتار إلى حلب فسمّى الأبرزىّ، ثم خفّف فسمّى البارزىّ. ويأتى ذكر جماعة منهم فى هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

стр. 1480

وفيها توفّى شافع بن صالح بن حاتم أبو محمد الفقيه الحنبلىّ «١» . كان إماما عالما، تفقّه على أبى يعلى، ومات فى صفر ودفن بباب حرب، وكان صالحا زاهدا ثقة. وفيها توفّى محمد بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابئ أبو الحسن الملقّب بغرس النعمة صاحب التاريخ المسمّى ب «عيون التواريخ» ذيّله على تاريخ أبيه، وأبوه ذيّله على تاريخ ثابت بن سنان، وثابت ذيّل على تاريخ محمد بن جرير الطّبرىّ. وكان تاريخ الطبرىّ انتهى إلى سنة اثنتين أو ثلاث وثلثمائة. وتاريخ ثابت انتهى إلى سنة ستين وثلثمائة. وتاريخ هلال انتهى إلى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وتاريخ غرس النعمة هذا انتهى إلى سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكان غرس النعمة هذا فاضلا أديبا مترسّلا، وله صدقة ومعروف، محترما عند الخلفاء والملوك والوزراء. وجدّ أبيه إبراهيم الصابئ هو صاحب «الرسائل» فى أيام عضد الدولة بن بويه. وقد تقدّم ذكره فى محلّه من هذا الكتاب. وفيها توفّى أمير الملثّمين «٢» بمرّاكش وغيرها من بلاد المغرب الأمير أبو بكر بن عمر. أصله من ولد تاشفين. كان أميرا جليلا يجاهدا فى سبيل الله تعالى. ركب فى بعض غزواته فى خمسمائة ألف مقاتل من رجال الديوان والمطّوّعة. وكان يخطب فى بلاده للدولة العباسيّة، وكان يصلّى بالناس الصلوات الخمس، ويقيم الحدود، ويلبس الصوف، وينصف المظلوم، ويعدل فى الرعيّة، وكان بين رعيّته كواحد منهم. رحمه الله تعالى.

стр. 1481

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وخمس أصابع. وكان الوفاء فى آخر أيّام النسىء. وكان مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع أصابع. ونقص فى رابع بابة. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨١] السنة الرابعة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. فيها توفّى أحمد بن محمد بن الحسن بن الخضر الحافظ أبو طاهر الجواليقىّ والد أبى منصور موهوب. كان شيخا صالحا متعبّدا، من أهل البيوتات القديمة ببغداد، وكان جدّه صاحب دنيا واسعة. ومات هو فجأة فى شهر رجب. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن علىّ بن محمد بن متّ بن أحمد بن علىّ بن جعفر ابن منصور بن متّ الحافظ شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصارىّ الهروىّ. هو من ولد أبى أيّوب الأنصارىّ رضى الله عنه. سمع الكثير وروى عنه جماعة. وكان إماما حافظا بارعا فى اللغة إمام وقته. قال المؤتمن: وكان يدخل على الأمراء والجبابرة فما كان يبالى بهم. ومات فى ذى الحجة وقد جاوز أربعا وثمانين سنة. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن ماجة أبو بكر الأبهرىّ الأصبهانىّ الإمام العالم المشهور. مات بأصبهان عن خمس وتسعين سنة، وقد انتهت إليه رياسة العلم بها. وفيها توفّى عثمان بن محمد بن عبيد الله أبو عمرو المحمىّ «١» . مات فى صفر. وكان إماما عالما مفتنّا.

стр. 1482

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع أصابع. فهلكت الزروع والغلّات والمخازن من كثرة الماء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٢] السنة الخامسة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. فيها جهّز بدر الجمالىّ أمير الجيوش عسكرا من مصر مع نصير الدولة الجيوشىّ، فنزل على صور وبها القاضى عين الدولة بن أبى عقيل، فسلّمها إليه لمّا لم يكن له به طاقة. وفتح نصير الدولة صيداء وعكّا. وكان لتتش بهذه البلاد ذخائر وأموال، فأخذها نصير الدولة المذكور، ثم نزل على بعلبكّ، وجاءه ابن ملاعب وخطب للمستنصر صاحب الترجمة (أعنى أنه دخل تحت طاعة المصريّين) . وبعث تتش إلى آق سنقر وبوزان وقال لهما: هذه البلاد كان لى فيها ذخائر وقد أخذت، وطلب منهما النجدة، فبعثا له عسكرا. وفيها توفّى طاهر بن بركات «١» بن إبراهيم الحافظ أبو الفضل القرشىّ الخشوعىّ. كان عظيم الشأن، من أكابر شيوخ دمشق. قال ابن عساكر: سألت ولده إبراهيم ابن طاهر: لم سمّيتم الخشوعيّين؟ فقال: لأنّ جدّنا الأعلى كان يؤمّ الناس فمات بالمحراب. انتهى. وكانت وفاة طاهر هذا بظاهر دمشق. وكان ثقة صدوقا عالما. وفيها توفى عاصم بن الحسن بن محمد بن على بن عاصم أبو الحسين. كان ظريفا أديبا شاعرا فصيحا حافظا للشعر.

стр. 1483

وفيها توفّى علىّ بن أبى يعلى بن زيد الشيخ أبو القاسم الدّبوسىّ من أهل دبوسية، وهى بلدة بين بخارى وسمرقند. كان إماما عالما. أقدمه الوزير نظام الملك إلى بغداد للتدريس [فى] مدرسته النظاميّة. وكان عارفا بالفقه والجدل والمناظرة. ومات ببغداد فى شعبان. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن صاعد رئيس نيسابور وعالمها وقاضيها أبو نصر النيسابورىّ الحنفىّ. كان إمام وقته ووحيد دهره علما وزهدا وفضلا ورياسة وعفّة. انتهت إليه رياسة السادة الحنفيّة فى زمانه. وفيها توفّى الشيخ الإمام أبو حامد أحمد بن محمد السّرخسىّ الشّجاعىّ البلخىّ الفقيه العالم المشهور. كان إماما عالما فاضلا، سمع الحديث الكثير وتفقّه وبرع فى فنون. وفيها توفّى إبراهيم بن سعيد الحافظ أبو إسحاق النّعمانىّ مولاهم الحبّال. كان إماما فاضلا حافظا، سمع الكثير ورحل البلاد وحدّث وسمع منه خلائق، ثمّ سكن مصر، وبها كانت وفاته، ومات وله تسعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وثمانى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٣] السنة السادسة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.

стр. 1484

فيها نزل تتش على حصن بعلبكّ «١» وبها ابن ملاعب ومع تتش آق سنقر وبوزان فقاتلوه مدّة، وقالوا له: أنت توجّهت إلى مصر وخطبت للمستنصر. فلمّا أخافوه طلب الأمان فأعطوه؛ فنزل من القلعة وتوجّه إلى مصر؛ وملك تتش بعلبكّ «٢» . وأقام ابن ملاعب بمصر مدّة، وأحسن إليه المستنصر صاحب الترجمة، ثمّ عاد إلى الشام ودبّر الحيلة على حصن فامية حتّى ملكه. وفيها توفّى الشيخ الإمام علىّ بن محمد القيروانىّ. كان فقيها عالما شاعرا. ومن شعره- وأجاد إلى الغاية-: [الكامل] ما فى زمانك ماجد ... لو قد تأمّلت الشواهد «٣» فاشهد بصدق مقالتى ... أو لا فكذّبنى بواحد قلت: لله درّه! لقد عبّر عن زماننا هذا كأنّه قد رآه. وفيها توفّى محمد بن محمد بن جهير الوزير أبو نصر فخر الدولة. أصله من الموصل وبها ولد، وقدم ميّافارقين. وكتب للخليفة القائم بأمر الله العبّاسىّ يسأله أن يستوزره، فأجابه ثم نقم عليه ونفاه إلى الحلّة ثم أعاده. ولما تولّى المقتدى الخلافة وزرله، ثم عزل ونفى؛ فمضى إلى السلطان ملكشاه وانتمى إليه، وفتح له ديار بكر وأتحفه بالأموال. ثم تغيّر عليه السلطان؛ فاستأذن فى الإقامة بالموصل فأذن له؛ فتوجّه إليه فلم يقم به إلّا اليسير، ومرض ومات ودفن بالموصل. وكان سخيّا كريما شجاعا مدبّرا عارفا.

стр. 1485

وفيها توفّى الشيخ المسند أبو الحسين «١» عاصم بن الحسن العاصمىّ الكرخىّ. كان إماما محدّثا، سمع الكثير وروى عنه خلق كثير، وكان أديبا شاعرا ثقة. وفيها توفّى الحافظ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علىّ التّرياقىّ «٢» . مات بمدينة هراة وله أربع وتسعون سنة. وكان عالما محدّثا فقيها فاضلا. وفيها توفّى الشيخ الإمام العارف بالله أبو بكر محمد بن إسماعيل التّفليسىّ الصوفىّ النّيسابورىّ. مات فى شوّال بنيسابور، وكان إماما محدّثا فقيها صوفيا معدودا من أعيان الصوفيّة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وست وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٤] السنة السابعة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة أربع وثمانين وأربعمائة. فيها فى صفر كتب الوزير أبو شجاع إلى الخليفة يعرّفه باستطالة أهل الذمّة على المسلمين، وأنّ الواجب تمييزهم عنهم؛ فأمره الخليفة أن يفعل ما يراه. فألزمهم الوزير لبش الغيّار «٣» والزّنانير وتعليق الدراهم الرّصاص فى أعناقهم مكتوب على الدراهم [ذمىّ «٤» ] ، وتجعل هذه الدراهم أيضا فى أعناق نسائهم فى الحمّامات ليعرفن بها، وأن يلبسن الخفاف فردا أسود وفردا أحمر، وجلجلا فى أرجلهنّ. فذلّوا وانقمعوا

стр. 1486

بذلك. وأسلم حينئذ أبو سعد بن الموصّلايا «١» ، كاتب الإنشاء للخليفة وابن أخته «٢» أبو نصر هبة الله. وفيها فى جمادى الأولى قدم أبو حامد الطّوسىّ الغزالىّ إلى بغداد مدرّسا بالنظاميّة ومعه توقيع نظام الملك. وفيها وقع بالشام زلزلة عظيمة ووافق «٣» ذلك تشرين الأوّل، وخرج الناس من دورهم هاربين، وانهدم معظم أنطاكية ووقع من سورها نحو من تسعين برجا. وفيها نزل آق سنقر على فامية فأخذها من ابن ملاعب. وفيها فى شهر رمضان خرج توقيع الخليفة المقتدى بالله العبّاسىّ بعزل الوزير أبى شجاع من الوزارة؛ وكان له أسباب، منها أنّ نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقىّ كان يسعى عليه لابنه. فلمّا أتاه الخبر بعزله قام من الديوان ولم يتأثر؛ وأنشد: [الوافر] تولّاها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق وفيها حاصر تتش أخو السلطان ملكشاه طرابلس ومعه آق سفر وبوزان وبها قاضيها، وهو صاحبها، واسمه جلال الملك بن عمّار، ونصب عليها المجانيق. فاحنجّ عليهم ابن عمّار بأن معه منشور السلطان ملكشاه بإقراره على طرابلس؛ فلم يقبل منه تتش ذلك، وتوقّف آق سنقر عن قتاله. فقال له تتش: أنت تبع لى، فكيف تخالفنى فقال: أنا تبع لك إلّا فى عصيان السلطان. فغضب تاج الدولة تتش

стр. 1487

ورجع إلى دمشق، ومضى آق سنقر إلى حلب، ومضى بوزان إلى الرّهاء (أعنى كلّ واحد إلى بلده) . وفيها ملك يوسف بن تاشفين الأندلس ونفى ابن عبّاد عنها. وفيها توفّى محمد بن أحمد بن علىّ بن حامد أبو نصر المروزىّ. كان إماما فى القراءات، وصنّف فيها التصانيف، وانتهت إليه الرياسة فيها. وكانت وفاته فى ذى القعدة. وفيها توفّى محمد بن علىّ بن محمد أبو عبد الله التّنوخىّ الحلبىّ، ويعرف بابن العظيمىّ «١» . كان إماما شاعرا فصيحا بليغا. ومن شعره قوله: [البسيط] يلقى العدا بجنان ليس يرعبه ... خوض الحمام ومتن ليس ينقصم فالبيض تكسر والأوداج دامية ... والخيل تعرم والأبطال تلتطم والنقع غيم ووقع المرهفات به ... لمع البوارق والغيث الملثّ دم أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٥] السنة الثامنة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة خمس وثمانين وأربعمائة. فيها ورد الأمير تاج الدولة تتش على السلطان ملكشاه شاكيّا من «٢» آق سنقر فلم يلتفت السلطان إليه؛ فترك ابنه عند السلطان وعاد إلى دمشق.

стр. 1488

وفيها فى يوم الاثنين منتصف شهر ربيع الأوّل وقت الظهر، وهو السادس من نيسان، اقترن زحل والمرّيخ فى برج السّرطان، وذكر أهل صناعة النجوم أن هذا القران لم يحدث مثله فى هذا البرج منذ بعث النّبيّ ﷺ إلى هذه السنة. قال صاحب مرآة الزمان: وكان تأثير هذا القران هلاك ملكشاه السلجوقىّ سيّد الملوك، ومقتل نظام الملك سيّد الوزراء. انتهى. وفيها فى شهر رمضان توجّه السلطان ملكشاه من أصبهان إلى بغداد بنيّة غير مرضيّة فى حقّ الخليفة المقتدى بالله وعزم على تغييره، وكان معه وزيره نظام الملك، فقتل فى شهر رمضان فى الطريق، على ما سيأتى ذكره؛ إن شاء الله. ووصل ملكشاه إلى بغداد فى ثامن عشر شهر رمضان. فأوّل ما وصل بعث يقول للخليفة: لا بدّ أن تترك لى بغداد وتذهب إلى أىّ بلد شئت. فانزعج الخليفة وبعث إليه يقول: أمهلنى شهرا؛ فقال: ولا ساعة. فأرسل الخليفة إلى تاج الملك أبى الغنائم، وكان السلطان ملكشاه استوزره بعد قتل نظام الملك، فقال: سله بأن يؤخّرنا عشرة أيّام. فدخل تاج الملك على السلطان وقال له: لو أنّ بعض العوامّ أراد أن ينتقل من دار إلى دار لم يقدر على النّقلة فى أقلّ من عشرة أيام، فكيف بالخليفة! فأمر السلطان له بالمهلة عشرة أيام. ثم اشتغل بنفسه من مرض حصل له ومات منه بعد أيام. ذكر وفاته- هو السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان [بن «١» ] محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقمان «٢» التركىّ السلجوقىّ. تسلطن

стр. 1489

بعد موت أبيه بوصية منه إليه فى سنة خمس وستين وأربعمائة، وجعل وزيره نظام الملك وزيرا له ومتكلّما فى الدولة، وفرّق البلاد على أولاده وجعل مرجعهم إلى ملكشاه هذا. فلمّا تسلطن ملكشاه خرج عليه عمّه قاورد بك صاحب كرمان؛ فواقعه فأخذه ملكشاه أسيرا. فلمّا مثل بين يدى ملكشاه قال: أمراؤك كاتبونى، وأظهر مكاتبات. فأخذها ملكشاه وأعطاها للوزير نظام الملك، فأخذها نظام الملك وألقاها فى موقد «١» نار كان بين يدى ملكشاه فاحترقت. فسكنت قلوب الأمراء، وبذلوا الطاعة؛ وثبت ملكه بهذه الفعلة. ثم خنق عمّه قاورد بك المذكور بوتر، وتمّ له الأمر. وملك من الأقاليم ما لم يملكه أحد من السلاطين؛ فكان فى مملكته جميع بلاد ما وراء النهر، وبلاد الهياطلة «٢» ، وباب الأبواب، وبلاد الروم والجزيرة والشام؛ حتّى إنّه ملك من مدينة كاشغر، وهى أقصى مدينة للترك، إلى بيت المقدس طولا، ومن القسطنطينيّة إلى بلاد الخزر وبحر الهند عرضا. وكان من أحسن الملوك سيرة، ولذلك كان يلقّب بالسلطان العادل. وكان منصورا فى حروبه، مغرى بالعمائر، حفر الأنهار وعمّر الأسوار والقناطر وعمّر جامع السلطان ببغداد ولم يتمّه، وأبطل المكوس فى جميع بلاده، وصنع بطريق مكة مصانع الماء، غرم عليها أموالا كثيرة. وكان مغرى بالصيد، حتى إنّه صاد مرّة فى حلقة واحدة عشرة آلاف صيد؛ وقد تقدّم ذكر ذلك. وكانت وفاته فى شوّال. قيل: إنّه سمّ فى خلال تخلّل به. ولم يشهده «٣» الدولة ولا عمل له عزاء. وحمل فى تابوت إلى أصبهان فدفن بها. وقام فى السلطنة بعده أكبر أولاده بركياروق «٤» ، ولقّب بركن الدولة. وخالفه عمّه، ووقع له معه وقائع.

стр. 1490

وفيها توفّى الوزير نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقىّ المقدّم ذكره. واسمه الحسن بن إسحاق بن العبّاس الوزير أبو على الطّوسىّ. كان من أولاد الدّهاقين بناحية بيهق «١» ، وكان فقيرا مشغولا بسماع الحديث، ثم بعد حين اتّصل بداود بن ميكائيل السلجوقىّ، فأخذه بيده وسلّمه إلى ولده ألب أرسلان، وقال له: يا محمد، هذا حسن الطوسىّ اتّخذه والدا ولا تخالفه. فلمّا وصل الملك إلى ألب أرسلان استوزره، فدبّر ملكه عشر سنين. ومات ألب أرسلان، فازدحم أولاده على الملك، فقام بأمر ملكشاه حتّى تمّ أمره وتسلطن. ولمّا دخل نظام الملك على الخليفة المقتدى أمره بالجلوس، وقال له: يا حسن، رضى الله عنك لرضا أمير المؤمنين عنك. وكان نظام الملك عالى الهمّة، وافر العقل، عارفا بتدبير الأمور، محبّا للعلماء والصلحاء، على ظلم وجور كان عنده، على عادة الوزراء. ولمّا خرج من أصبهان بعد مخدومه ملكشاه قاصدا بغداد نزل «٢» قرية من قرى نهاوند مكان الوقعة التى كانت فى زمان عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فقال: هذا موضع مبارك؛ قتل فيه جماعة من الصحابة، طوبى لمن كان منهم. وكان جالسا والأمراء بين يديه، وكان صائما، فإنّه كان يوم الخميس؛ فقدّم الأكل فأكل الناس؛ ثم ركب محفّته إلى خيمة النساء، وكان به مرض النّقرس، فاعترضه صبىّ ديلمىّ فى زىّ الصوفيّة وبيده قصّة، فدعا له وسأله أن يناوله إيّاها من يده إلى يده؛ فقال: هات؛ فمدّ يده ليأخذها فضربه بسكّين فى فؤاده، فحمل الى مضربه ومات؛ فهرب الديلمى فعثر بطنب خيمة فقطّع قطعا. وكانت وزارة نظام الملك لبنى سلجوق

стр. 1491

أربعا وثلاثين سنة- وقيل أربعين سنة- وكان عمره ستا وسبعين سنة. ومن شعره: [البسيط] بعد الثمانين ليس قوّه ... لهفى «١» على قوّة الصّبوّه كأننى والعصا بكفّى ... موسى ولكن بلا نبوّه وفيها توفّى مالك بن أحمد الإمام أبو عبد الله البانياسىّ «٢» ثم البغدادىّ المعروف بالفرّاء فى جمادى الآخرة شهيدا فى الحريق. وكان معدودا من العلماء الفضلاء. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. وأوفى فى سابع توت، ونقص فيه أيضا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٦] السنة التاسعة والخمسون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة ستّ وثمانين وأربعمائة. فيها خطب تاج الدولة تتش السلجوقىّ لنفسه بعد موت أخيه ملكشاه، وأرسل إلى الخليفة بأن يخطب له ويوعده؛ فما التفت إليه فى الجواب، غير أنّه أرسل يقول له: إنما تصلح للخطبة إذا حصلت «٣» الدنيا بحكمك، والخزائن التى بأصبهان معك، وتكون صاحب الشرق وخراسان، ولم يبق من أولاد أخيك ملكشاه من يخالفك؛ وأمّا فى هذا الحال فلا سبيل إلى ما التمسته. فلمّا وقف تتش على ذلك سار إلى الموصل وبها إبراهيم بن قريش؛ فخرج إليه فى بنى عقيل والتقوا معه فقتل

стр. 1492

إبراهيم وقتل عليه أعيان بنى عقيل. وكان علىّ بن مسلم بن قريش عند بركياروق ابن ملكشاه، فأخبره بمصاب عمّه، فعزّ عليه فكتب إلى تتش يلومه. وفيها فتح عسكر مصر صور وحمل صاحبها إلى مصر ومعه أصحابه. فضرب بدر الجمالىّ رقاب الجميع، وقطع على أهل صور ستين ألفا «١» عقوبة لهم. وفيها بطل مسير الحاجّ من العراق خوفا عليهم، وسار حجّاج دمشق، ولم يوصّلوا إلى أمير مكة ما يرضيه. فلمّا رحلوا خرج ونهبهم، وعاد من سلم منهم على أقبح حال، وتخطّفهم العرب فى الطريق. وفيها توفّى عبد القادر بن عبد الكريم بن الحسين أبو البركات. كان شيخا صالحا، خطّب بدمشق لبنى العباس وللمصريّين؛ وأنشد لبعضهم: [الطويل] يعدّ رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن فى قومه بحسيب فإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل فى بلدة بغريب وفيها توفّى علىّ بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة الحافظ الفقيه الهكّارىّ. كان ينعت بشيخ الإسلام- والهكّاريّة: جبال فوق الموصل فيها قرّى وبنّى- وكنيته أبو الحسن. كان إماما عالما فقيها، سمع الحديث ورواه، وبنى أربطة، وقدم بغداد. وكان صالحا متعبّدا شيخ بلاده فى التصوّف، وكان من أهل السنة والجماعة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع.

стр. 1493

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٧] السنة الستون من ولاية المستنصر معدّ على مصر وهى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وهى التى مات فيها المستنصر معدّ صاحب الترجمة حسب ما تقدّم ذكره. وفيها أيضا توفّى الخليفة المقتدى بالله العباسىّ وبدر الجمالى أمير الجيوش بمصر، وآق سنقر صاحب حلب قتيلا، وبوزان بالشأم، وأمير مكة. وتسمّى هذه السنة سنة موت الخلفاء والأمراء؛ فعدّ الناس هذا كلّه من القران المقدّم ذكره فى سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ويأتى كلّ واحد من هؤلاء على حدته فى هذه السنة. وفيها كانت زلزلة عظيمة [ببغداد «١» ] بين العشاءين فى المحرّم. وفيها حدث فتن وحروب وغلاء بسائر الأقاليم وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين أبو القاسم المقتدى بالله عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدّين أبى العباس محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بأمر الله أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن الأمير طلحة الموفّق ابن الخليفة المتوكّل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدى بالله محمد ابن الخليفة أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس العباسى الهاشمى. بويع بالخلافة بعد موت جدّه القائم بأمر الله فى ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو ابن تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر. وكان توفّى أبوه الذخيرة محمد، والمقتدى هذا حمل فى بطن أمّه، وكان اسم أمّه أرجوان- وقيل قرّة العين- وكانت أرمينيّة، فولدته بعد موت أبيه بستة أشهر. وكان المقتدى من رجال بنى العباس

стр. 1494

له همّة عالية، وشجاعة وافرة، وظهرت فى أيامه خيرات؛ وخطب له فى الشرق بأسره وما وراء النهر والهند وغزنة والصين والجزيرة والشام واليمن؛ وعمّرت فى أيامه بغداد، واسترجع المسلمون الرّهاء. وأنطاكية ومات فجأة فى ليلة السبت خامس عشر المحرّم، وكان عمره ثمانيا وثلاثين «١» سنة وثمانية أشهر ويومين. وتخلّف بعده ابنه أبو العبّاس أحمد. وكانت خلافة المقتدى تسع عشرة سنة وثمانية أشهر. وفيها توفّى الشريف أمير مكة محمد بن أبى هاشم. كان ظالما جبّارا فاتكا سفّا كاللدّماء مسرفا رافضيّا سبّابا خبيثا متلؤنا، تارة مع الخلفاء العباسيّين، وتارة مع المصريّين، وكان يقتل الحجّاج ويأخذ أموالهم. وهلك بمكة وقد ناهز السبعين. وفرح المسلمون وأهل مكّة بموته، وقام بعده ابنه هاشم. وفيها توفّى المستنصر صاحب الترجمة العبيدىّ خليفة مصر، وقد تقدّم ذكر وفاته فى ترجمته. وفيها توفّى الحسن بن أسد أبو نصر الفارقىّ الشاعر المشهور. كان فصيحا فاضلا عارفا باللغة والأدب، وهو الذي سلّم ميّافارقين إلى [منصور «٢» بن] مروان. فلمّا دخلها تتش السلجوقىّ اختفى، ثم ظّهر لمّا عاد تتش، ووقف بين يديه وأنشده قصيدة، منها: [البسيط] واستحلبت حلب جفنىّ فانهملا ... وبشّرتنى بحرّ القتل حرّان فقال تتش: من هذا؟ فقيل له: هذا الفارقىّ؛ فأمر بضرب عنقه من وقته. فكان قوله: وبشّرتنى بحرّ القتل حرّان فألا عليه.

стр. 1495

ومن شعره: [المنسرح] كم ساءنى الدّهر ثم سرّ فلم ... يدم لنفسى همّا ولا فرحا ألقاه بالصبر ثم يعركنى ... تحت رحا من صروفه فرحا وفيها توفّى الأمير آق سنقر بن عبد الله قسيم الدولة التّركىّ. كان شجاعا عادلا منصفا، وكان الملوك السلجوقيّة يحترمونه، ولم يكن له ولد غير زنكى. وآق سنقر هذا هو جدّ الملك العادل نور الدين محمود المعروف بالشهيد. ولمّا قتل آق سنقر انضمّ على ولده زنكى مماليك أبيه وصار معهم، واستفحل أمره، على ما يأتى ذكره إن شاء الله فى عدّة مواطن. وفيها توفّى أمير الجيوش بدر الجمالىّ الأرمنىّ وزير مصر للمستنصر بل صاحب أمرها وعقدها وحلّها. كان أوّلا ولى الشام والسواحل للمستنصر، ثم خالفه مدّة وأقام بعكّا، إلى أن استدعاه المستنصر المذكور إلى مصر بعد أن اختلّ أمرها من الغلاء والفتن؛ وفوّض إليه أمور مصر والشام وجميع ممالكه؛ فاستقامت الأمور بتدبيره وسكنت الفتن، وصار الأمر كلّه له؛ وليس للخليفة المستنصر معه سوى الاسم لا غير. ومات قبل المستنصر بأشهر. ولمّا مات بدر الجمالىّ أقام المستنصر ابنه أبا القاسم شاهنشاه «١» ، ولقّبه الأفضل؛ فأحسن الأفضل السّيرة فى الرعيّة، لكنه عظم فى الدولة أضعاف مكانة أبيه. وخلّف بدر الجمالىّ أموالا كثيرة يضرب بها المثل. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.

стр. 1496

ذكر ولاية المستعلى بالله على مصر المستعلى بالله خليفة مصر اسمه أحمد وكنيته أبو القاسم بن المستنصر بالله معدّ ابن الظاهر بالله علىّ بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين الله معدّ بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن المهدىّ عبيد الله، السادس من خلفاء مصر الفاطميّين بنى عبيد، والتاسع ممّن ولى من أجداده الخلافة بالمغرب. بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستنصر معدّ فى يوم عيد الغدير، يوم ثامن عشر ذى الحجة سنة سبع وثمانين. ومولده بالقاهرة فى المحرّم سنة سبع وستين وأربعمائة. ولمّا ولى الخلافة كانت سنه يوم ذاك نيّفت على عشرين سنة. وقال ابن خلّكان: مولده لعشر ليال بقين من المحرّم، وذكر السنة. وكان القائم بأمره الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالىّ؛ فإنّ المستنصر كان قد أجلس بعده ابنه أبا منصور نزارا أكبر أولاده، وجعل إليه ولاية العهد بالخلافة. فلمّا مرض المستنصر أراد أخذ البيعة له فتقاعد الأفضل شاهنشاه ودافع المستنصر من يوم إلى يوم حتّى مات المستنصر؛ وكان ذلك كراهة من الأفضل فى نزار ولد المستنصر. وسببه أن نزارا خرج ذات يوم فى حياة أبيه المستنصر فإذا الأفضل راكب وقد دخل من أحد أبواب القصر، فصاح به نزار المذكور: انزل يا أرمنىّ يا نجس!. فحقدها عليه الأفضل وصار كلّ منهما يكره الآخر. فاجتمع الأفضل بعد موت المستنصر بالأمراء والخواصّ وخوّفهم من نزار وأشار عليهم بولاية أخيه الصغير أبى القاسم أحمد، فرضوا بذلك ما خلا محمود بن مصال اللّكّىّ «١» فإنّ نزارا كان وعده بالوزارة والتّقدمة على الجيوش مكان الأفضل. فلمّا علم ابن مصال الحال أعلم نزارا بذلك،

стр. 1497

وبادر الأفضل بإخراج أبى القاسم أحمد هذا وبايعه ونعته بالمستعلى بالله، وذلك بكرة يوم الخميس لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، وأجلسه على سرير الخلافة، وجلس الأفضل شاهنشاه على دكّة الوزارة، وحضر قاضى القضاة المؤيّد بنصر الأنام علىّ بن نافع بن الكحّال والشهود معه، وأخذوا البيعة على مقدّمى الدولة ورؤسائها وأعيانها. ثم مضى الأفضل إلى إسماعيل وعبد الله ابنى المستنصر وهما بالمسجد بالقصر والموكّلون عليهما، فقال لهما: إنّ البيعة تمّت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما: تبايعان أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة؛ إنّ الله اختاره علينا؛ وقاما وبايعاه. فكتب الأفضل بذلك سجلّا قرأه الشريف سناء الملك محمد بن محمد الحسينىّ الكاتب بديوان الإنشاء على الأمراء. وأمّا أمر نزار فإنّه بادر وخرج من وقته وأخذ معه أخاه عبد الله الذي بايع وابن مصال اللّكّىّ وتوجّهوا إلى الإسكندريّة، وكان الوالى بها ناصر الدولة أفتكين التركىّ أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالىّ (أعنى والد الأفضل هذا) ، فعرّفوه الحال ووعده نزار بالوزارة، فطمع أفتكين فى ذلك، وبايع نزارا المذكور، وبايع أيضا جميع أهل الإسكندرية، ولقّب المصطفى لدين الله. ثم وقع لنزار هذا أمور وحروب مع الأفضل نذكر منها نبذة من أقوال جماعة من المؤرخين. قال العلّامة شمس الدين يوسف بن قزأوغلى فى تاريخه مرآة الزمان- بعد ما ساق نسبه بنحو ما ذكرناه وأقلّ- قال: وكان المتصرّف فى دولته الأفضل ابن أمير الجيوش (يعنى عن المستعلى) . قال: وكان هرب أخوه نزار بن المستنصر إلى الإسكندريّة وبها أفتكين مولى أبيه. قلت: وهذا بخلاف ما ذكره غيره من أنّ أفتكين كان مولى لبدر الجمالىّ والد الأفضل شاهنشاه. قال: وزعم نزار أنّ أباه عهد إليه، فقام له بالأمر أفتكين ولقّبه ناصر الدولة. وأخذ له البيعة على

стр. 1498

أهل البلد، وساعده ابن عمّار «١» قاضى الإسكندرية. فتوجّه الأفضل إلى الإسكندرية وضايقها؛ فخرج إليه أفتكين فهزمه وعاد الأفضل إلى القاهرة (يعنى مهزوما) فحشد وعاد إليها ونازلها وافتتحها عنوة وقتل أعيان أهلها، واعتقل أفتكين وابن عمّار. فكتب ابن عمّار إلى الأفضل ورقة من الحبس يقول فيها: [البسيط] هل أنت منقذ شلوى من يدى زمن ... أضحى يقدّ أديمى قدّ منتهس دعوتك الدّعوة الأولى وبى رمق ... وهذه دعوة والدهر مفترسى فلم تصل إليه الورقة حتّى قتل. فلمّا وقف عليها قال: والله لو وقفت عليها قبل ذلك ما قتلته. وكان ابن عمّار المذكور من حسنات الدهر. وقدم الأفضل بأفتكين ونزار إلى القاهرة، وكان أفتكين يلعن المستعلى والأفضل بن أمير الجيوش على المنابر؛ فقتله المستعلى بيده وبنى على أخيه نزار حائطا فهو تحته إلى الآن. وكان للمستعلى أخ اسمه عبد الله [فظفر «٢» به الأفضل] . انتهى كلام صاحب مرآة الزمان بآختصار. وقال غيره: ولمّا استهلّت سنة ثمان وثمانين خرج الأفضل بعساكر مصر إلى الإسكندريّة، وهناك نزار وأفتكين، فكانت بينهم حرب شديدة بظاهر الإسكندرية، انكسر فيها الأفضل بمن معه، ورجع إلى القاهرة منهزما؛ فخرج نزار ونهب أكثر البلاد بالوجه البحرىّ. وأخذ الأفضل فى التجهّز لقتال نزار، ودسّ إلى جماعة ممّن كان مع نزار من العربان واستمالهم عنه، ثمّ خرج بالعساكر ثانيا إلى نحو الإسكندريّة، فكانت بينهم أيضا وقعة بظاهر الإسكندريّة انكسر فيها نزار بمن معه إلى داخل الإسكندرية؛ فحاصرهم الأفضل حصارا شديدا إلى ذى القعدة.

стр. 1499

فلمّا رأى ذلك ابن مصال جمع ماله وفرّ إلى الغرب. وكان سبب فرار ابن مصال أنّه رأى فى منامه أنه راكب فرسا وسار والأفضل ماش فى ركابه؛ فقال له المعبّر: الماشى على الأرض أملك لها؛ فلمّا سمع ذلك فرّ. ولمّا فرّ ابن مصال صعفت قوى نزار وأفتكين وخافا وطلبا من الأفضل الأمان فأمّنهما ودخل البلد؛ ثم قبض على نزار وأفتكين وبعث بهما إلى مصر، وكان ذلك آخر العهد بنزار. وكان مولد نزار فى يوم الخميس العاشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. وقيل: إنّ الأفضل بنى لنزار حائطين وجعله بينهما إلى أن مات. وأمّا أفتكين نائب الإسكندريّة فإنّه قتله بعد ذلك. ولم يزل الأفضل يؤمّن ابن مصال حتّى حضر إليه بالقاهرة ولزم داره حتّى رضى عنه الأفضل. انتهى ذكر نزار وكيفيّة قتله. وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبىّ: وفى أيّامه وهنت دولتهم (يعنى المستعلى صاحب الترجمة) . قال: وانقطعت دعوتهم من أكثر مدن الشام، واستولى عليها الأتراك والفرنج، ونزل الفرنج على أنطاكية وحصروها ثمانية أشهر، وأخذوها فى سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وأخذوا المعرة سنة اثنتين وتسعين، ثم أخذوا القدس فيها أيضا فى شعبان، واستولى الملاعين على كثير من مدن الساحل. ولم يكن المستعلى مع الأفضل بن أمير الجيوش حكم. وفى أيّامه هرب أخوه نزار إلى الإسكندريّة، فأخذ له البيعة على أهل الثغر أفتكين، وساعده قاضى الثغر ابن عمّار، وأقاموا على ذلك سنة. فجاء الأفضل سنة ثمان وثمانين وحاصر الثغر وخرج إليه أفتكين فهزمه، ثم نازلها ثانيا وافتتحها عنوة وقتل جماعة، وأتى القاهرة بنزار وأفتكين، فذبح أفتكين صبرا، وبنى المستعلي على أخيه حائطا، فهو تحته إلى

стр. 1500

الآن: انتهى كلام الذهبىّ. قلت: ومن حينئذ نذكر كيفيّة أخذ الفرنج للسواحل فى أيام المستعلى هذا، وهو كالشرح لمقالة الذهبىّ وغيره: كان أوّل حركة الفرنج لأخذ السواحل وخروجهم إليها فى سنة تسعين وأربعمائة، فساروا إليها، فأوّل ما أخذوا نيقية «١» ، وهو أوّل بلد فتحوه وأخذوه من المسلمين. ثمّ فتحوا حصون الدروب شيئا بعد شىء، ووصلوا إلى البارة «٢» وجبل السّمّاق «٣» وفامية وكفر طاب «٤» ونواحيها. وفى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ساروا إلى أنطاكية ولم ينازلوها، وجاءوا إلى المعرّة فنصبوا عليها السّلا لم فنزلوا إليها فقتلوا من أهلها مائة ألف إنسان، قاله أبو المظفّر سبط ابن الجوزىّ؛ قال: وسبوا مثلها. ثمّ دخلوا كفر طاب وفعلوا مثل ذلك، وعادوا إلى أنطاكية، وكان بها الأمير شعبان «٥» . وقيل شقبان، وقيل فى اسمه غير ذلك- وكان على الفرنج صنجيل، فحاصرها مدّة؛ فنافق رجل من أنطاكية يقال له فيروز «٦» وفتح لهم فى الليل شبّاكا فدخلوا منه، ووضعوا السيف، وهرب شعبان وترك أهله وأمواله وأولاده بها. فلما بعد عن البلد «٧» ندم على ذلك، فنزل عن فرسه فحثى التّراب على رأسه وبكى ولطم، وتفرّق عنه أصحابه وبقى وحده؛ فمرّ به رجل أرمنىّ حطّاب فعرفه فقتله وحمل رأسه إلى صنجيل ملك الفرنج.

стр. 1501

وقال أبو يعلى [بن] القلانسىّ: فى جمادى الأولى ورد الخبر بأنّ قوما من أهل أنطاكية عملوا عليها وواطئوا الفرنج على تسليمها إليهم لإساءة تقدّمت من حاكم البلد فى حقّهم ومصادرته لهم، ووجدوا الفرصة فى برج من الأبراج التى للبلد مما يلى الجبل، فباعوهم إيّاه، وأصعدوا منه فى السّحر وصاحوا «١» ، فانهزم ياغى سيان وخرج فى خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص؛ فسقط الأمير عن فرسه عند معرّة مصرين، فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وسقط ثانيا فمات. وأمّا أنطاكية فقتل منها وسبى من الرجال والنساء والأطفال ما لا يدركه حصر، وهرب إلى القلعة قدر ثلاثة آلاف تحصّنوا بها. وكان أخذ المعرّة فى ذى الحجّة بعد أخذ أنطاكية. ولمّا وقع ذلك اجتمع ملوك الإسلام بالشام، وهم رضوان صاحب حلب وأخوه دقماق وطغتكين وصاحب «٢» الموصل وسكمان «٣» بن ارتق صاحب ماردين وأرسلان شاه صاحب سنجار «٤» - ولم ينهض الأفضل بإخراج عساكر مصر. وما أدرى ما كان السبب فى عدم إخراجه مع قدرته على المال والرجال- فاجتمع الجميع ونازلوا أنطاكية وضيّقوا على الفرنج حتّى أكلوا ورق الشجر. وكان صنجيل مقدّم الفرنج عنده دهاء ومكر، فرتّب مع راهب حيلة وقال: اذهب فآدفن هذه الحربة فى مكان كذا، ثم قل للفرنج بعد ذلك: رأيت المسيح فى منامى وهو يقول: فى المكان الفلانىّ حربة مدفونة فآطلبوها، فإن

стр. 1502

وجدتموها فالظّفر لكم، وهى حربتى، فصوموا ثلاثة أيّام وصلّوا وتصدّقوا ثم قام وهم معه إلى المكان ففتّشوه «١» فظهرت الحربة؛ فصاحوا وصاموا وتصدّقوا وخرجوا إلى المسلمين، وقاتلوهم حتى دفعوهم عن البلد؛ فثبت جماعة من المسلمين فقتلوا عن آخرهم، رحمهم الله تعالى. والعجب أنّ الفرنج لمّا خرجوا إلى المسلمين كانوا فى غاية الضعف من الجوع وعدم القوت حتّى إنهم أكلوا الميتة وكانت عساكر الإسلام فى غاية القوّة والكثرة، فكسروا المسلمين وفرّقوا جموعهم، وانكسر أصحاب الجرد السوابق، ووقع السيف فى المجاهدين والمطّوّعين. فكتب دقماق ورضوان والأمراء إلى الخليفة (أعنى المستظهر العباسىّ) يستنصرونه؛ فأخرج الخليفة أبا نصر ابن الموصلايا إلى السلطان بركياروق ابن السلطان ملكشاه السلجوقىّ يستنجده. كلّ ذلك وعساكر مصر لم تهيّأ للخروج. وأمّا أخذ بيت المقدس فكان فى يوم الجمعة ثالث عشرين شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وهو أنّ الفرنج ساروا من أنطاكية ومقدّم الفرنج كندهرى فى ألف ألف، منهم خمسمائة ألف مقاتل فارس، والباقون رجّالة وفعلة وأرباب آلات من مجانيق وغيرها، وجعلوا طريقهم على الساحل وكان بالقدس افتخار الدولة من قبل المستعلى خليفة مصر صاحب الترجمة، فأقاموا يقاتلون أربعين يوما، وعملوا برجين مطلّين على السور؛ أحدهما بباب صهيون، والآخر بباب العمود وباب الأسباط، وهو برج الزاوية؛ ومنه فتحها السلطان صلاح الدّين بن أيوب، على ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى. فأحرق المسلمون البرج الذي كان بباب صهيون وقتلوا من فيه. وأمّا الآخر فزحفوا به حتّى ألصقوه بالسور، وحكموا به على البلد، وكشفوا من كان عليه من المسلمين؛ ثم رموا بالمجانيق والسّهام رمية رجل واحد،

стр. 1503

فانهزم المسلمون فنزلوا إلى البلد، وهرب الناس إلى الصخرة والأقصى واجتمعوا بها، فهجموا عليهم وقتلوا فى الحرم مائة ألف وسبوا مثلهم، وقتلوا الشيوخ والعجائز وسبوا النساء، وأخذوا من الصخرة والأقصى سبعين قنديلا، منها عشرون ذهبا فى كلّ قنديل ألف مثقال، ومنها خمسون فضّة فى كلّ قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم بالشامىّ، وأخذوا تنّورا من فضّة زنته أربعون رطلا بالشامىّ، وأخذوا من الأموال ما لا يحصى. وكان بيت المقدس منذ افتتحه عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فى سنة ستّ عشرة من الهجرة، لم يزل بأيدى المسلمين إلى هذه السنة. هذا كلّه وعسكر مصر لم يحضر، غير أنّ الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالىّ صاحب أمر مصر لمّا بلغه أنّ الفرنج ضايقوا بيت المقدس خرج فى عشرين ألفا من عساكر مصر وجدّ فى السير، فوصل إلى القدس يوم ثانى فتحه ولم يعلم بذلك. فقصده الفرنج وقاتلوه، فلم يثبت لهم ودخل عسقلان بعد أن قتل من أصحابه عدد كثير؛ فأحرق الفرنج ما حول عسقلان وقطعوا أشجارها، ثم عادوا إلى القدس. ثم عاد الأفضل إلى مصر بعد أمور وقعت له مع الفرنج. واستمرّ بيت المقدس مع الفرنج، فلا قوّة إلّا بالله. وقال ابن القلانسىّ: إنّ أخذ المعرّة كان فى هذه السنة أيضا، وإنّه كان قبل أخذ بيت المقدس. قال: وزحف الفرنج فى محرم هذه السنة إلى سور المعرّة من الناحية الشرقيّة والشمالية، وأسندوا البرج إلى سورها، فكان أعلى منه. ولم يزل الحرب عليها إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من المحرّم، وصعدوا السور، وانكشف أهل البلد بعد أن تردّدت إليهم رسل الفرنج، وأعطوهم الأمان على نفوسهم وأموالهم وألّا يدخلوا إليهم، بل يبعثوا إليهم شحنة «١» فمنع من ذلك الخلف

стр. 1504

بين أهلها، فملكت الفرنج البلد بعد المغرب بعد أن قتل من الفريقين خلق كثير، ثم أعطوهم الأمان. فلمّا ملكوها غدروا بهم وفعلوا تلك الأفعال القبيحة وأقاموا عليها، إلى أن رحلوا عنها فى آخر شهر رجب إلى القدس. وانجفل الناس بين أيديهم، فجاءوا إلى الرملة فأخذوها عند إدراك الغلّة، ثم انتهوا إلى القدس. وذكر فى أمر القدس نحوا مما قلناه، غير أنّه زاد فقال: ولمّا بلغهم (يعنى الفرنج) خروج الأفضل من مصر جدّوا فى القتال ونزلوا من السور وقتلوا خلقا كثيرا، وجمعوا اليهود فى الكنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المشاهد وقبر الخليل- ﵇ وتسلّموا محراب داود بالأمان. ووصل الأفضل بالعساكر وقد فات الأمر، فنزل عسقلان فى يوم رابع عشر شهر رمضان ينتظر الأسطول فى البحر والعرب؛ فنهض إليه مقدّم الفرنج فى خلق عظيم، فانهزم العسكر المصرىّ إلى ناحية عسقلان؛ ودخل الأفضل عسقلان، ولعبت سيوف الفرنج فى العسكر والرجال والمطّوّعة وأهل البلد، وكانوا زهاء عن عشرة آلاف نفس، ومضى الأفضل. وقرّر الفرنج على أهل البلد عشرين ألف دينار تحمل إليهم، وشرعوا فى جبايتها من أهل البلد؛ فاختلف المقدّمون فرحلوا ولم يقبضوا من المال شيئا. ثم قال: وحكى أنّه قتل من أهل عسقلان من شهودها وتجارها وأحداثها سوى أجنادها ألفان وسبعمائة نفس. ولما تمّت هذه الحادثة خرج المستنفرون من دمشق مع قاضيها زين الدين أبى سعد الهروىّ، فوصلوا بغداد وحضروا فى الديوان وقطّعوا شعورهم واستغاثوا وبكوا، وقام القاضى فى الديوان وأورد كلاما أبكى الحاضرين، وندب من الديوان من يمضى إلى العسكر السلطانىّ ويعرّفهم بهذه المصيبة؛ فوقع التقاعد لأمر يريده

стр. 1505

الله. فقال القاضى الهروىّ- وقيل: هى لأبى «١» المظفّر الأبيوردىّ- القصيدة التى أوّلها: [الطويل] مزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم «٢» ومنها: وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات «٣» أيقظت كلّ ناتم وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم ... ظهور المذاكى «٤» أو بطون القشاعم «٥» ومنها: وكاد لهنّ المستجنّ بطيبة ... ينادى بأعلى الصوت يا آل هاشم أرى أمتى لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم والدين واهى الدعائم ومنها: وليتهم إذ لم يذودوا حميّة ... عن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم وإذ زهدوا فى الأجر إذ حمى «٦» الوغى ... فهلّا أتوه رغبة فى الغنائم وقال آخر: [الوافر] أحلّ الكفر بالإسلام ضيما ... يطول عليه للدين النّحيب فحقّ ضائع وحمّى مباح ... وسيف قاطع ودم صبيب وكم من مسلم أمسى سليبا ... ومسلمة لها حرم سليب

стр. 1506

وكم من مسجد جعلوه ديرا ... على محرابه نصب الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوق ... وتحريق المصاحف فيه طيب أمور لو تأملهنّ طفل ... لطفّل «١» فى عوارضه المشيب أتسبى المسلمات بكلّ ثغر ... وعيش المسلمين إذا يطيب أمّا لله والإسلام حقّ ... يدافع عنه شبّان وشيب فقل لذوى البصائر حيث كانوا ... أجيبوا الله ويحكم أجيبوا وقال الناس فى هذا المعنى عدّة مراث. والمقصود أنّ القاضى ورفقته عادوا من بغداد إلى الشام بغير نجدة. ولا قوة إلّا بالله!. ثم إنّ الأفضل بن أمير الجيوش جهّز من مصر جيشا كثيفا وعليه سعد الدولة القواسىّ فى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، فخرج سعد الدولة المذكور من مصر بعسكره فالتقى مع الفرنج بعسقلان؛ ووقف سعد الدولة فى القلب، فقاتل قتالا شديدا، فكبا به فرسه فقتل. وثبت المسلمون بعد قتله وحملوا على الفرنج فهزموهم إلى قيسارية «٢» . فيقال: إنّهم قتلوا من الفرنج ثلثمائة ألف، ولم يقتل من المسلمين سوى مقدّم عسكرهم سعد الدولة القواسىّ المذكور ونفر يسير. قاله صاحب مرآة الزمان. وقال الذهبىّ فى تاريخه: هذه مجازفة عظيمة (يعنى كونه قال قتل ثلثمائة ألف من الفرنج) . انتهى. قلت: ومن يومئذ بدأت الفرنج فى أخذ السواحل حتّى استولوا على الساحل الشامى بأجمعه إلى أن استولت الدولة الأيوبيّة والتركيّة واسترجعوها شيئا بعد شىء، حسب ما يأتى ذكره إن شاء الله فى هذا الكتاب.

стр. 1507

ومات المستعلى صاحب الترجمة فى يوم الثلاثاء تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقيل: فى ثالث عشر صفر، والأوّل أشهر. ومات وله سبع وعشرون سنة، وكانت خلافته سبع سنين وشهرين وأياما. وتولّى الخلافة بعده ابنه الآمر بأحكام الله منصور. وكان المتصرّف فى دولته وزيره الأفضل سيف الإسلام شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالىّ. فانتظمت أحوال مصر بتدبيره؛ واشتغل بها عن السواحل الشاميّة حتى استولت الفرنج على غالبها؛ وندم على ذلك حين لا ينفع الندم. وكان المستعلى حسن الطريقة فى الرعيّة، جميل السيرة فى كافّة الأجناد، ملازما لقصره كعادة أبيه، مكتفيا بالأفضل فيما يريده، إلا أنّه كان مع تقاعده عن الجهاد وتهاونه فى أخذ البلاد متغاليا فى الرّفض والتشيّع؛ كان يقع منه الأمور الشنيعة فى مأتم عاشوراء، وببالغ فى النّوح والمأتم، ويأمر الناس بلبس المسوح وغلق الحوانيت واللطم والبكاء زيادة عما كان يفعله آباؤه، مع أنّ الجميع رافضة، ولكنّ التفاوت نوع آخر. وأما الذي كان يفعله آباؤه وأجداده من النّوح فى يوم عاشوراء والحزن وترتيبه، فإذا كان يوم العاشر من المحرّم احتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا النهار ركب قاضى القضاة والشهود وقد غيروا زيّهم ولبسوا قماش الحزن، ثم صاروا إلى المشهد الحسينىّ بالقاهرة- وكان قبل ذلك يعمل المأتم بالجامع الأزهر- فإذا جلسوا فيه بمن معهم من الأمراء والأعيان وقرّاء الحضرة والمتصدّرين فى الجوامع، جاء الوزير فجلس صدرا، والقاضى وداعى الدّعاة من جانبيه، والقرّاء يقرءون نوبة بنوبة، ثم ينشد قوم من الشعراء غير شعراء الخليفة أشعارا يرثون بها الحسن والحسين وأهل البيت، وتصيح الناس بالضجيج والبكاء والعويل- فإن كان الوزير رافضيّا على

стр. 1508

مذهب القوم تغالوا فى ذلك وأمعنوا، وإن كان الوزير سنّيّا اقتصروا- ولا يزالون كذلك حتّى تمضى ثلاث ساعات، فيستدعون إلى القصر عند الخليفة بنقباء الرسائل؛ فيركب الوزير وهو بمنديل صغير إلى داره، ويدخل قاضى القضاة والداعى ومن معهما إلى باب الذهب (أحد أبواب القصر) فيجدون الدّهاليز قد فرشت مساطبها بالحصر والبسط «١» ، وينصب فى الأماكن الخالية الدكك لتلحق بالمساطب وتفرش؛ ويجدون صاحب الباب جالسا هناك، فيجلس القاضى والداعى إلى جانبه والناس على اختلاف طبقاتهم؛ فيقرأ القرّاء وينشد المنشدون أيضا. ثم يفرش وسط القاعة بالحصر المقلوبة (ليس على وجوهها، وإنما تخالف مفارشها) ؛ ثمّ يفرش عليها سماط الحزن مقدار ألف زبدية من العدس والملوحات والمخلّلات والأجبان والألبان الساذجة والأعسال النّحل والفطير والخبز المغيّر لونه بالقصد لأجل الحزن. فإذا قرب الظهر وقف صاحب الباب وصاحب المائدة (يعنى الحاجب والمشدّ) وأدخل الناس للأكل من السّماط. فيدخل القاضى والداعى ويجلس صاحب الباب ببابه؛ ومن الناس من لا يدخل من شدّة الحزن، فلا يلزم أحد بالدخول. فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى مكانهم ركبانا بذلك [الزىّ «٢» ] الذي ظهروا فيه من قماش الحزن. وطاف النّوّاح بالقاهرة فى ذلك اليوم، وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى بعد العصر، والنّوح قائم بجميع شوارع القاهرة وأزقّتها. فإذا فات العصر يفتح الناس دكاكينهم ويتصرّفون فى بيعهم وشرائهم؛ فكان [ذلك] دأب الخلفاء الفاطميّين من أولهم المعزّ لدين الله معدّ إلى آخرهم العاضد عبد الله. انتهت ترجمة المستعلى. ويأتى بعض أخباره أيضا فى السنين المتعلّقة به على سبيل الاختصار، كما هو عادة هذا الكتاب.

стр. 1509

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٤٨٨] السنة الأولى من ولاية المستعلى أحمد على مصر وهى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. فيها اصطلح أهل السّنة والرافضة ببغداد وعملوا الدعوات ودخل بعضهم إلى بعض. وفيها قتل تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق أبو سعيد السلجوقىّ أخو السلطان ملكشاه. كان أوّلا فى المشرق، فاستنجده أتسز الخوارزمىّ صاحب الشام فقدم دمشق، وقتل أتسز المذكور واستولى على الشام، وامتدّت أيّامه. وهو الذي قتل آق سنقر وبوزان، ثمّ خالف على ابن أخيه بركيا روق بن ملكشاه، ووقع بينهما أمور آخرها فى هذه السنة؛ كانت بينهما وقعة هائلة على الرّىّ. وكان لمّا قتل آق سنقر وبوزان أخذ جماعة من أمرائهما فقتلتهم بين يديه؛ وكان بكجور من أكابر الأمراء، فقتل أولاده بين يديه صبرا، وهرب بكجور إلى بركيا روق. فلمّا انتصر على الرّىّ جاء بكجور إلى السلطان بركياروق وهو يبكى، فقال: قد قتل عمّك أولادى وأنا قاتله بأولادى؛ فقال: افعل. وكان تش قد وقف بالقلب مقابل ابن أخيه السلطان بركياروق، فقصده الأمير بكجور المذكور وطعنه فألقاه عن فرسه؛ فنزل سنقرجه- وكان أيضا صاحب ثار- فحزّ رأسه، وقيل؛ رماه مملوك بوزان بسهم فى ظهره فوقع منه، وانهزم أصحابه؛ وطيف برأسه. وأسر وزيره فخر الملك علىّ بن نظام الملك، فعفا عنه السلطان بركياروق لأجل أخيه وزيره مؤيّد الملك بن نظام الملك. قلت: كان مؤيّد الملك وزير بركياروق، وفخر الملك وزير تتش، وهما ابنا نظام الملك. ثم وقع أيضا لأولاد تاج الدولة تتش هذا أمور وفتن بعد موت أبيهم؛ وهم رضوان وإخوته، على ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1510

وفيها توفّى عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار أبو يوسف القزوينىّ شيخ المعتزلة. كان إماما فى فنون، فسّر القرآن فى سبعمائة مجلّد- وقيل فى أربعمائة، وقيل ثلثمائة- وكان الكتاب وقفا فى مشهد أبى حنيفة رضى الله عنه. وكان رحل إلى مصر وأقام بها أربعين سنة. وكان محترما فى الدول، ظريفا، حسن العشرة، صاحب نادرة. قيل: إنّه دخل على نظام الملك الوزير وكان عنده أبو محمد التميمىّ ورجل آخر أشعرىّ، فقال له القزوينىّ: أيّها الصدر قد اجتمع عندك رءوس أهل النار. قال نظام الملك: وكيف ذلك؟ قال: أنا معتزلىّ، وهذا مشبّه (يعنى التميمىّ) وذلك أشعرىّ، وبعضنا يكفّر بعضا؛ فضحك النظام. وقيل: إنّه اجتمع مع ابن البراج متكلّم الشّيعة، فقال له ابن البراج: ما تقول فى الشيخين؟ فقال: سفلتين ساقطين. قال: من تعنى؟ قال: أنا وأنت. وكانت وفاة القزوينىّ هذا فى ذى القعدة، وقد بلغ ستّا وتسعين سنة، ودفن بمقابر الخيزران عند أبى حنيفة، رضى الله عنه. وفيها توفّى محمد بن فتوح بن عبد الله بن حميد أبو عبد الله بن أبى نصر الحميدىّ الأندلسىّ. كان من جزيرة «١» ميورقة. ولد قبيل الأربعمائة، وسمع الكثير ورحل إلى الأقطار ثم استوطن بغداد. وكان مختصّا بصحبة ابن حزم الظاهرىّ، وحمل عنه أكثر كتبه. قال ابن ماكولا: «صديقنا أبو عبد الله الحميدىّ من أهل العلم والفضل، ورد بغداد وسمع أصحاب الدارقطنىّ وابن شاهين وغيرهم، وسمع منه خلق كثير، وصنّف «تاريخ الأندلس» ، ولم أر مثله فى عفّته ونزاهته» .
следующие страницы →