Полный текст (6 264 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
*** السنة الثامنة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة خمس وخمسين- فيها عزل معاوية عن البصرة عبد الله الثقفي وولاها لعبيد الله بن زياد. وفيها حج بالناس مروان بن الحكم أمير المدينة. وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة وولّاها الضحّاك بن قيس. وفيها توقى أبو اليسر (بفتح الياء المثناة من تحت والسين) السّلمىّ (بفتحتين أيضا) اسمه كعب بن عمرو، وهو من أعيان الصحابة الأنصار، وهو الذي أسر العباس يوم بدر وشهد العقبة مع النّبيّ ﷺ وله عشرون سنة. وفيها توفي سعد بن أبي وقاص وأسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مرة، كنيته أبو إسحاق الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد السابقين الأوّلين، كان يقال له: فارس الإسلام، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكأن مقدم الجيوش في فتح العراق، وكان مجاب الدعوة كثير المناقب وشهد بدراً. وروى عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها سعد بن أبي وقاص إلى رابغ وهي من جانب الجحفة، فانكفأ المشركون على المسلمين فحماهم سعد يومئذ بسهامه، وهو أول قتال كان فى الإسلام؛ فقال سعد:
ألا هل «١» آتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
فما يعتد رامٍ في عدو ... بسهمٍ يا رسول الله قبلي
وفيها توفي الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهو الذي كان النبي ﷺ يختفي في داره بمكة، وكان عمره ثمانين سنة وزيادة، وقيل مات يوم مات أبو بكر الصديق ﵁.
стр. 177
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وستة أصابع.
*** السنة التاسعة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ست وخمسين- فيها عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن خراسان وولى عليها سعيد بن عثمان بن عفان، فغزا سعيد سمرقند ومعه المهلب بن أبي صفرة الأزدي وطلحة الطلحات وأوس بن ثعلبة، وخرج إليه الصّغد «١» فقاتلوه فألجأهم إلى مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهائن. وفيها شتى المسلمون بأرض الروم. وفيها توفيت أم المؤمنين جويرية المصطلقية، وقيل: إنها ماتت في سنة خمسين، وهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقي، سباها النبي ﷺ يوم المريسيع في السنة الخامسة، وكان اسمها برة فغير النبي ﷺ اسمها وتزوجها وجعل صداقها عتق جماعة من قومها، ثم قدم أبوها الحارث بن أبي ضرار على النبي ﷺ .
وعن جويرية قالت: تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت عشرين سنة، وكانت قبل النبى ﷺ عند ابن عمّهاصفوان ذى «٢» الشفر. وفيها غزا يزيد بن شجرة في البحر، وفي البر عياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب.
وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها كانت البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد. وفيها توفي عبد الله بن قرط الأزدي الصحابي أمير حمص.
стр. 178
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبعان.
*** السنة العاشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة سبع وخمسين- فيها وجه معاوية حسان بن النعمان الغساني إلى إفريقية، فصالحوه «١» من يليه من البربر وضرب عليهم الخراج وبقي عليها حتى توفي معاوية وتخلف ابنه يزيد. وفيها عزل معاوية الضحاك عن الكوفة وولاها عبد الرحمن بن أم الحكم. وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.
وفيها عزل معاوية سعيد بن عثمان عن خراسان وأعاد عليها عبيد الله بن زياد.
وفيها شتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. وفيها توفي السائب بن أبي وداعة السهمي الصحابي وكان أسر يوم بدر وأسلم بعد ذلك. وفيها توفى عثمان بن طلحة ابن شيبة العبدري، وقيل في سنة تسع وخمسين وهو جد بني شيبة حجبة الكعبة، وأسلم يوم الفتح، وقيل يوم حنين. وفيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد «٢» الجهني في البحر، وقيل جنادة بن أبي أمية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعاً.
стр. 179
*** السنة الحادية عشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ثمان وخمسين- فيها غزا عقبة بن نافع من قبل مسلمة بن مخلد القيروان واختط عقبة مدينة القيروان وابتناها. وفيها توفيت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ فقيهة نساء هذه الأمة، وكنيتها أم عبد الله التيمية، دخل بها النبي ﷺ في شوال بعد بدر ولها من العمر تسع سنين، وهي أحب نساء النبي ﷺ «١» إليه بعد خديجة، روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة. قال رسول الله ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، وقالت: قال رسول الله ﷺ يوماً: «يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام» فقالت: ﵇ ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى. وعن عائشة: أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. رواه الترمذي وحسنه.
قلت: وفضل ومناقب عائشة كثيرة وكانت وفاتها في شهر رمضان، وقال الواقدي: في ليلة سابع عشر رمضان ودفنت بالبقيع ليلا، فلم ترليلة أكثر ناساً منها، وصلى عليها أبو هريرة، وماتت ولها ست وستون سنة ﵂. وفيها عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة وأستعمل عوضه عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي وهو ابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية، وفي عمله في هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم، فجمعهم حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين
стр. 180
الطائي فخطباهم وحثاهم على الجهاد، فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا [إلى بانقيا «١» ] فسار الجيش إليهم من الكوفة فقتلوهم جميعاً؛ ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة لسوء سيرته فلحق بخاله معاوية فولاه مصر فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر فقال: ارجع إلى خالك فلا «٢» تسرفينا سيرتك في إخواننا أهل الكوفة، فرجع إلى معاوية؛ ثم توجه ابن حديج إلى معاوية في السنة يعاتبه كما نذكره إن شاء الله تعالى بعد وفاة أبي هريرة. وفيها توفي أبو هريرة وقيل في التي بعدها، والأكثر على أن وفاته في هذه السنة. وفي اسم أبي هريرة واسم أبيه أقوال كثيرة.
قال أبو عبد الله الذهبي: أشهرها عبد الرحمن بن صخر، وكان اسمه قبل الإسلام عبد شمس. وقال: كناني أبي بأبي هريرة لأني كنت أرعى غنماً فوجدت أولاد هرة وحشية فأخذتها «٣» ، فقال: أنت أبو هريرة. وهو من المكثرين من الصحابة، وهو دوسي، ودوس: قبيلة من الأزد، ومات وله ثمان وسبعون سنة. وفيها وفد معاوية ابن حديج على معاوية بن أبي سفيان الخليفة، وكان إذا قدم معاوية على معاوية زينت له الطرق [بقباب «٤» الريحان] تعظيماً لشأنه، فدخل على معاوية وعنده أخته أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: بخٍ بخٍ! هذا معاوية بن حديج؛ فقالت: لا مرحبا «سماعك بالمعيدي خير من أن تراه» ؛ فسمعها معاوية ابن حديج فقال: على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت
стр. 181
فما أنجبت «١» ، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في أهل الكوفة! ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعله لضربناه ضربا يطأطئ منه ولو كره هذا القاعد (يعني خاله معاوية) ؛ فالتفت إليها معاوية وقال لها: كفي، فكفت عن الكلام.
وفيها توفي عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، أحد الأجواد وله صحبة ورواية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعاً. وفي درر التيجان: وأربعة وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأحد عشر إصبعاً.
*** السنة الثانية عشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة تسع وخمسين- فيها شتى عمرو بن مرة بأرض الروم في البر. وفيها حج بالناس الوليد بن عتبة، وقيل عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وفيها غزا أبو المهاجر دينار فنزل على قرطاجنة وخرج إليه أهلها فالتقوا وكثر القتل بين الفريقين حتى حجز الليل بينهم، وانحاز المسلمون من ليلتهم فنزلوا جبلاً في قيلة بولس، ثم عاودوهم وصالحوهم على أن يخلوا لهم الجزيرة، ثم افتتح أبو المهاجر المذكور ميلة «٢» ، وكانت إقامته بها في هذا الغزو نحواً من سنتين. وفيها توفي عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس القرشي العبشمي أبو عبد الرحمن. قال الذهبي:
رأى النبي ﷺ ، وله حديث، وهو: «من قتل دون ماله فهو شهيد» ، وروى عنه حنظلة بن قيس. وأسلم والده يوم الفتح. وفيها توفي مرة بن كعب البهزي السلمي «٣» له صحبة. وفيها توفي سعيد بن العاص بن أبى أحيحة بن سعيد
стр. 182
ابن العاص بن أمية، أمير الكوفة لعثمان، وكان فصيحاً سخياً، ولد بعيد الهجرة، وهلك أبوه يوم بدر. وفيها توفي شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري حاجب الكعبة ابن أخت مصعب بن عمير، شهد خيبر كافراً ونيته اغتيال النبي ﷺ ثم أسلم يومئذ. وفيها توفي أبو محذورة، واسمه الياس وقيل سمرة ابن معير الجمحي، مؤذن النبي ﷺ وكان من أندى الناس صوتاً.
وخرجت هذه السنة والوالي على الكوفة النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة الوليد بن عتبة، وعلى خراسان عبد الرحمن «١» بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وسبعة عشر إصبعاً.
وفي كتاب درر التيجان: وسبعة وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وأحد عشر إصبعاً.
*** السنة الثالثة عشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة ستين- فيها توفي الخليفة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، واسم أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية بن عبد شمس أبو عبد الرحمن القرشي الأموي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة، وأسلم معاوية قبل أبيه في عمرة القضاء، وبقي يخاف من الخروج إلى النبي ﷺ من أبيه، ولي إمرة الشام لعمر ثم لعثمان، ثم نازع علياً الخلافة حتى وليها من بعده في سنة أربعين من الهجرة بعد موت علي بن أبي طالب وبعد أن سلم إليه الحسن بن علي الأمر، بعد أمور وقعت مع علي وابنه الحسن رضي الله
стр. 183
عنهما. قال الذهبي: وأظهر إسلامه يوم الفتح، وكان رجلاً طويلاً أبيض جميلاً مهيلاً «١» إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب بالصفرة اهـ.
قلت: وهو كاتب النبي ﷺ وأخو زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان المقدم ذكرها. وكانت وفاة معاوية في شهر رجب وله سبع وسبعون سنة، وتولى ابنه يزيد الخلافة من بعده. وفيها كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية.
وفيها أيضاً كان دخول جنادة رودس وهدم بيوتها في قول بعضهم. وفيها توفي أبو عبد الرحمن بلال بن الحارث المزني الذي أقطعه النبي ﷺ معادن القبلية «٢» ، عاش ثمانين سنة. وفيها توفي أبو حميد الساعدي المدني الصحابي أحد من نزل البصرة من الصحابة، وهو الذي وصف صلاة النبي ﷺ . وفيها توفي سمرة بن جندب الصحابي الفزاري. وفيها حج بالناس عمرو بن سعيد الأشدق، وكان العامل على مكة والمدينة. وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي ﷺ لما تزوجها ففارقها، وكان قد أصابها جنون.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وثلاثة أصابع
*** السنة الرابعة عشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة إحدى وستين- فيها كانت مقتلة السيد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ ريحانة النبي ﷺ وابن بنته فاطمة بكربلاء في يوم عاشوراء، وقصته
стр. 184
طويلة يجرح ذكرها القلوب، غير أننا نختصر منها ما نعرف به وفاته وكيفية خروجه حتى ظفر به.
وهو أنه لما ولي يزيد بن معاوية الخلافة بعد موت أبيه بايع الناس السيد الحسين بالخلافة وخرج في جموعه بعد أن خلع الفاسق يزيد المذكور من الخلافة، فانتدب لقتاله بأمر يزيد ابن مرجانة (أعني عبيد الله بن زياد) وقاتله حتى ظفر به وقتله بعد أمور وحروب. وكان قاتل الحسين ﵁ الشمر «١» اللعين الطريد من رحمة الله، قتله بكربلاء. وقتل مع الحسين من إخوته لأبيه جعفر وعتيق ومحمد والعباس الأكبر بنو علي، وابن الحسين الأكبر علي، وهو غير علي زين العابدين، وابنه عبد الله، وابن أخيه القاسم بن الحسن، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأخوه عون، وقتل معه أيضاً عبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل ﵃ أجمعين.
ولما جيء برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد جعل ينكت بقضيب على ثناياه وقال: إن كان لحسن الثغر! فقال له أنس «٢» : لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبل موضع قضيبك من فيه. ثم بعث بالرأس إلى يزيد بن معاوية، فلما حضروا برأس الحسين عند يزيد أنشد.
نفلّق هاماً من أناس أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
وفيها توفي عثمان بن زياد بن أبيه أخو عبيد الله بن زياد المذكور، مات شاباً وسنه ثلاث وثلاثون سنة. وفيها توفيت أم المؤمنين أم سلمة، واسمها هند بنت
стр. 185
أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، زوجة النبي ﷺ وهي بنت عم أبي جهل وبنت عم خالد بن الوليد، بنى بها النبي ﷺ في سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند الرجل الصالح أبي سلمة بن عبد الأسد وهو أخو النبي ﷺ ، وكانت من أجمل النساء، وطال عمرها وعاشت تسعين سنة وأكثر، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة، وقد حزنت على الحسين وبكت عليه كثيرا. وفيها توفى حمزة بن عمرو الأسلمىّ المدني الذي له صحبة. وفيها حج بالناس الوليد بن عتبة. وفيها توفي جابر بن عتيك الأنصاري، وقيل جبر، «١» وله إحدى وتسعون سنة وشهد بدراً. وفيها توفي علقمة بن قيس النخعىّ صاحب عبد الله ابن مسعود على خلف في وفاته. وفيها توفي خالد بن عرفطة العذري الصحابي له صحبة ورواية، روى عنه عبد الله بن يسار وأبو إسحاق، وكان ولي الكوفة لزياد ابن أبيه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وأربعة أصابع. وفي درر التيجان: وثمانية أصابع.
*** السنة الخامسة عشرة من ولاية مسلمة بن مخلد على مصر وهي سنة اثنتين وستين- وهي التي مات فيها مسلمة بن مخلد صاحب الترجمة. وفيها توفي أبو مسلم الخولاني اليماني «٢» الزاهد سيد التابعين بالشأم، واسمه عبد الله بن ثوب، وقيل ابن عبيد، وقيل ابن مشكم «٣» ، وقيل اسمه يعقوب بن عوف؛ قدم المدينة من
стр. 186
اليمن في خلافة أبي بكر الصديق، وكان أسلم في زمن النبي ﷺ . وفيها ولى عبيد الله بن زياد أمير العراق المنذر بن الجارود العبدي على السند. وفيها غزا سالم خوارزم فصالحوه على مال. وفيها حج بالناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان بن حرب، وقال ابن الأثير: الوليد بن عتبة. وفيها توفي علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك أبو شبل النخعي الكوفي الفقيه المشهور خال إبراهيم النخعي، قال الذهبي:
أدرك الجاهلية وسمع عمر وعثمان وعلياً وابن مسعود وأبا الدرداء وسعد بن أبي وقاص وعائشة وجماعة أخر، وقد ألقاه الأسود الكذاب في النار فلم تضرّه. قاله إسماعيل ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم. قلت: الأسود الذي «١» كان ادعى النبوة. وفيها ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور. وفيها توفي بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي مات بمرو، وكان أسلم قبل بدر. وفيها توفى عبد المطلب ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ابن ابن عم النبي ﷺ ، له صحبة، وأخرج له مسلم.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
ذكر ولاية سعيد بن يزيد على مصر
هو سعيد بن يزيد بن علقمة بن يزيد بن عوف الأزدي أمير مصر من أهل فلسطين، ولي إمرة مصر بعد موت مسلمة بن مخلد من قبل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ودخلها في مستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستين من الهجرة، وتلقاه أهل مصر ووجوه الناس وفيهم عمرو الخولاني، فلما رآه قال: يغفر الله
стр. 187
لأمير المؤمنين، أما كان فينا مائة شاب كلهم مثلك يولي علينا أحدهم! ثم دخلوا معه. ولم يزل أهل مصر على الشنآن له والإعراض عنه والتكبر عليه حتى توفي يزيد ابن معاوية ودعا عبد الله بن الزبير الناس لبيعته وقامت أهل مصر بدعوته وسار منهم جماعة كثيرة إليه، فبعث عبد الله بن الزبير عبد الرحمن بن جحدم أميراً على مصر، واعتزل سعيد المذكور، فكانت ولايته سنتين إلا شهراً واحداً.
وقال صاحب كتاب «البغية والاغتباط فيمن ملك الفسطاط» : ولاه يزيد ابن معاوية على مصر «١» فقدمها في استهلال شهر رمضان سنة اثنتين وستين، فأقر عابساً على الشرطة؛ ثم ساق نحواً مما قلناه، إلى أن قال: وكانت مدّته على مصر سنتين وأشهرا.
قلت: وفي مدة هاتين السنتين وقع له حروب كثيرة شرقاً وغرباً، فأما من جهة الشرق فكانت الفتن ثائرة بين ابن الزبير وبين الأموية حتى قدم ابن جحدم إلى مصر وملكها منه ودعا بها لابن الزبير، هذا مع الفتن التي كانت ببلاد المغرب من خروج كسيلة البربري وتجرد بسببه غير مرة إلى برقة وغيرها.
وأمر كسيلة البربري: أنه كان أسلم لما ولي أبو المهاجر إفريقية وحسن إسلامه، فكان من أكابر البربر وصحب أبا المهاجر، فلما ولي عقبة بن نافع إفريقية عرفه أبو المهاجر محل كسيلة وأمره بحفظه، فلم يقبل واستخف به، وأتى عقبة بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها مع السلّاخين؛ فقال كسيلة: هؤلاء غلمانى يكفوننى المؤونة؛ فشتمه عقبة وأمره بسلخها ففعل؛ فنصح أبو المهاجر عقبة فلم يسمع؛ فقال: وإن كان لا بد فأوثقه فإني أخاف عليك منه فتهاون به عقبة فأضمر كسيلة
стр. 188
الغدر، فلمّا كان الآن ورأى القوم «١» قلة مع عقبة توثب، وكان في عسكر عقبة جماعة وافقوا كسيلة، ثم راسلته الروم فأظهر كسيلة منذ ذلك ما كان أضمر وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة؛ فقال أبو المهاجر لعقبة: عاجله قبل أن يقوى جمعه، وكان أبو المهاجر موثقاً في الحديد مع عقبة، فزحف عنه عقبة إلى كسيلة، فتنحى كسيلة عن طريقه ليكثر جمعه ويتعب عقبة؛ فلما رأى أبو المهاجر ذلك تمثل بقول أبي محجن الثقفىّ:
كفى حزناً أن تطعن «٢» الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصارع من دوني تصم المناديا
فبلغ عقبة ذلك، فأطلقه وقال له: الحق بالمسلمين فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة؛ فلم يفعل وقال «٣» : وأنا أيضاً أريد الشهادة؛ فكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم حتى قتل المسلمون جميعهم ولم يفلت منهم أحد، وأسر محمد بن أوس الأنصاري في نفر يسير فخلصهم صاحب قفصة وبعث بهم إلى القيروان، فعزم زهير بن قيس البلوي على القتال فلم يوافقه جيش الصنعاني وعاد إلى مصر وتبعه أكثر الناس من العساكر المصرية من جند سعيد صاحب مصر، فاضطر زهير إلى العود معهم فسار إلى برقة وأقام بها، وبعث يستمد المصريين، ووقع له أمور إلى أن ملك إفريقية في سنة تسع وستين.
стр. 189
وأما كسيلة فاجتمع إليه جميع أهل إفريقية وقصد القيروان، وبها أصحاب الأثقال «١» والذراري من المسلمين، فطلبوا الأمان من كسيلة فآمنهم، ودخل القيروان واستولى على إفريقية وأقام بها من غير مدافع إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان وندب زهيراً ثانية وأمده بالعساكر حتى استولى على إفريقية ودعا بها لعبد الملك ابن مروان. وكان زهير بن قيس المذكور في هذه المدة مرابطاً ببرقة ومن ولي من أمراء مصر يعضده إلى أن كان ما كان.
*** السنة الأولى من ولاية سعيد بن يزيد على مصر وهى سنة ثلاث وستين- فيها غزا عقبة بن نافع القيروان وسار حتى دخل السوس «٢» الأقصى وغنم وسلم ورد من القيروان، فلفيه كسيلة النصراني فدافعه عقبة بمن معه فاستشهد عقبة بن نافع المذكور في الوقعة وأبو المهاجر مولى الأنصار وعامة أصحابهما، ثم سار كسيلة فخرج لحربه زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة على القيروان وواقعه، فانهزم زهير إلى برقة وأقام بها سنين إلى أن ندبه عبد الملك بن مروان لقتاله ثانياً، فتوجه إليه وواقعه، فقتل اللعين كسيلة وهزم جنوده وقتلت منهم مقتلة عظيمة، وقد مر ذلك كله في أول الترجمة مفصلاً. وفيها بعث سالم بن زياد بن أبيه طلحة بن عبد الله الخزاعي والياً على سجستان وأمره أن يفدي إخاه من الآسر ففداه بخمسمائة ألف وأقدمه على أخيه. وفيها كانت وقعة الحرة على باب طيبة، وهو أن يزيد بن معاوية بعث إليها جيشا عليهم مسلم بن عقبة حين خالفوا عليه وأمره بهتك حرمة المدينة،
стр. 190
وكان مع مسلم اثنا عشر ألفاً، فوصل مسلم المذكور إلى المدينة وفعل فيها ما لا يفعله مسلم، فإنه قتل في هذه الوقعة خلقاً من المهاجرين والأنصار وانتهكت حرمة المدينة وآنتهبت وآفتضت فيها ألف عذراء، واستشهد فيها عبد الله بن حنظلة الغسيل «١» في ثمانية من بيته، وله صحبة ورواية، وقتل فيها أيضاً معقل بن سنان الأشجعي صبراً، وأستشهد أيضاً عبد الله بن زيد بن عاصم المازني النجاري، وله صحبة ورواية، وأستشهد فيها أيضاً أفلح مولى أبي أيوب، ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ولد في حياة النبي ﷺ ، ومحمد بن ثابت بن قيس بن شماس حنكه رسول الله ﷺ بريقه، ومعاذ بن الحارث الأنصاري أبو حليمة القاري الذي أقامه عمر يصلّى التراويح، وتوفي رسول الله ﷺ وله ست سنين، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة، ومحمد بن أبي حذيفة العدوي؛ كل هؤلاء قتلوا يومئذ؛ وهذا مما اختصرته من مقالة الذهبي.
وقد ذكر هذه الواقعة أيضاً أبو المظفر، وساق فيها أموراً شنيعة إلى الغاية، وفيها ذكرناه كفاية يعرف منها حال مسلم بن عقبة المذكور. ويكفيك أنه من يومئذ سمي مسلم المذكور «مسرف بن عقبة» . وقيل: إنه أدرك النبي ﷺ ، يأتي ذكر ذلك في وفاته قريباً. انتهى أمر مسرف بن عقبة. وقال خليفة: جميع من أصيب من قريش والأنصار يوم الحرة ثلاثمائة وستة رجال، ثم سرد أسماءهم في ثلاث أوراق. وفيها توفي مسروق بن الأجدع، واسم الأجدع عبد الرحمن بن مالك بن أمية أبو عائشة الهمداني ثم الوداعي الكوفي مخضرم (أعني أنه ولد في زمان النبي ﷺ وأسلم بعد ذلك) وسمع أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم.
стр. 191
وممن قتل أيضاً في الحرة زيد بن عاصم وليس هو بصاحب الأذان، ذاك زيد بن ثعلبة، والزبير بن عبد الرحمن بن عوف. وحج بالناس عبد الله بن الزبير. وفيها توفي ربيعة بن كعب الأسلمي من أهل الصفة، روى له مسلم.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
*** السنة الثانية من ولاية سعيد بن يزيد على مصر وهي سنة أربع وستين- فيها حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان عامله على المدينة أخوه عبيدة «١» بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وولى قضاءها سعيد بن نمران، وأبى شريح أن يقضي في الفتنة، وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم. وفيها توفي مسلم بن عقبة المسمى مسرفاً المقدم ذكره في وقعة الحرة. قال محمد بن جرير الطبري: ولما فرغ مسلم من وقعة الحرة توجه إلى مكة، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامىّ، فأدرك مسلماً الموت فعهد بالأمر إلى الحصين بن نمير.
وذكر الذهبي ﵀: أن مسلماً هذا أدرك النبي ﷺ . قلت:
ولهذا أمسكنا عن الكلام في أمره. وشهد مسلم صفين مع معاوية وكان على الرجالة.
وفيها توفي الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وقد تقدم نسبه في ترجمة أبيه معاوية، مات في نصف شهر ربيع الأوّل، وكان بويع بالخلافة بعد موت أبيه
стр. 192
معاوية في شهر رجب سنة ستين، فكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر وأياماً، وكان فاسقاً قليل الدين مدمن الخمر، وهو القائل:
أقول لصحبٍ ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنّم
خذوا بنصيبٍ من نعيم ولذةٍ ... فكل وإن طال المدى يتصرم
وله أشياء كثيرة غير ذلك غير أننى أضربت عنها لشهرة فسمه ومعرفة الناس بأحواله. وقد قيل: إن رجلاً قال في مجلس عمر بن عبد العزيز عن يزيد هذا أمير المؤمنين؛ فقال له عمر بن عبد العزيز: تقول: أمير المؤمنين! وأمر به فضرب عشرين سوطاً تعزيراً له. ولما مات يزيد هذا ولي الخلافة من بعده ابنه معاوية ابن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثالث خلفاء بنى أميّة، وكان رجلاً صالحاً فلم يرد الخلافة وخلع نفسه منها، ومات بعد قليل.
ذكر خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ثالث خلفاء بني أمية ووفاته
كنيته أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يزيد. بويع بالخلافة بعد موت أبيه يزيد بعهد منه إليه، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين، وكان مولده سنة ثلاث وأربعين فلم تطل مدته في الخلافة.
قال أبو حفص الفلاس «١» : ملك أربعين ليلة ثم خلع نفسه، فإنه كان رجلاً صالحاً؛ ولهذا يقال في حق أبيه: يزيد شر بين خيرين، يعنون بذلك بين
стр. 193
أبيه معاوية بن أبي سفيان وابنه معاوية هذا. وقيل: إن معاوية هذا لما أراد خلع نفسه جمع الناس وقال: أيها الناس، ضعفت عن أمركم فاختاروا من أحببتم؛ فقالوا: ول أخاك خالداً؛ فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم فلا أتقلد وزرها، ثم صعد المنبر فقال: أيها الناس، إن جدي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه لقرابته من رسول الله ﷺ وهو علي بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بخطاياه؛ ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك، وركب هواه وأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل. وصار في قبره رهيناً بذنوبه، وأسيراً بجرمه؛ ثم بكى حتى جرت دموعه على خديه ثم قال: إن من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله ﷺ وأباح الحرم وخرب الكعبة، وما أنا بالمتقلّد ولا بالمتحمل تبعاتكم، فشأنكم أمركم؛ والله لئن كانت الدنيا خيراً فلقد نلنا منها حظاً ولئن كانت شراً فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها، ألا فليصل بالناس حسان ابن مالك، وشاوروا في خلافتكم رحمكم الله. ثم دخل منزله وتغيب حتى مات في سنته بعد أيام.
وفيها توفي شداد بن أوس بن ثابت وهو ابن أخي حسان بن ثابت. وفيها توفّى المسور بن مخزمة بمكة في اليوم الذي ورد فيه خبر موت يزيد بن معاوية، وكان سبب موته أنه أصابه حجر منجنيق في جانب وجهه فمرض أياما ومات. وفيها وثب مروان ابن الحكم على الأمر وبويع له بالخلاقة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
стр. 194
ذكر ولاية عبد الرحمن بن جحدم على مصر
هو عبد الرحمن بن عقبة «١» بن إياس بن الحارث بن عبد [بن] «٢» أسد بن جحدم (بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الدال المهملة أيضاً وبعدها ميم ساكنة) الفهري أمير مصر، وليها من قبل عبد الله بن الزبير بن العوام لما بويع بالخلافة في مكة وبايعه المصريون وتوجه إليه منهم جماعة كثيرة وبايعوه، فأرسل إليهم عبد الرحمن هذا فوصل إلى مصر في شعبان سنة أربع وستين التي ذكرنا حوادثها فى إمرة سعيد ابن يزيد المقدم ذكره، ودخل معه مصر جماعة كثيرة من الخوارج وأظهروا دعوة عبد الله بن الزبير بمصر ودعوا الناس لبيعته، فتابعهم الناس والجند على ما في قلوبهم من الحب في الباطن لبني أمية.
ولما دخل عبد الرحمن المذكور إلى مصر وتم أمره أقرّ عابسا على الشّرطة والقضاء بمصر، فبينما هم في ذلك وصل الخبر من الشأم ببيعة مروان بن الحكم بالخلافة وأن أمره تم، فصارت مصر معه في الباطن، وفي الظاهر لابن الزبير، حتى جهز مروان بن الحكم جيشاً مع ابنه عبد العزيز إلى أيلة ليدخل مصر من هناك، ثم ركب مروان بن الحكم في جيوشه وجموعه وقصد مصر؛ فلما بلغ عبد الرحمن بن جحدم ذلك استعدّ لحربه وحفر خندقاً في شهر، أو قريب من شهر، وهو الذي بالقرافة، وسار مروان حتى نزل مدينة عين شمس (أعني المطرية خارج القاهرة) فخرج إليه عبد الرحمن، فتحاربوا يوماً أو يومين، فكانت بين الفريقين مقتلة كبيرة، ثم آل الأمر بينهما إلى الصلح واصطلحا على أن مروان يقر عبد الرحمن ويدفع إليه مالاً وكسوة؛ ودخل مروان مصر في غرة جمادى الأولى سنة خمس وستين.
стр. 195
وقال صاحب البغية في آخر جمادى الأولى من السنة: ومدة مقام ابن جحدم فيها إلى أن دخل مروان «١» تسعة أشهر، وبايعه الناس إلا قليلاً فضرب أعناقهم، وجعل على الشرطة في مدة مقامه عمرو بن سعيد بن العاص، وخرج منها (يعني مروان) لهلال رجب سنة خمس وستين. انتهى كلام صاحب البغية.
وقال غيره: وعزل مروان عبد الرحمن بن جحدم عن إمرة مصر، وكانت مدة ولايته عليها تسعة أشهر وأياماً، وفتح مروان خزائنه ووضع العطاء، فبايعه الناس إلا نفراً من المعافر قالوا: لا نخلع بيعة عبد الله بن الزبير، فضرب مروان أعناقهم وكانوا ثمانين رجلاً، وذلك في نصف جمادى الآخرة. وكان في ذلك اليوم موت عبد الله بن عمرو بن العاص فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة، فدفنوه بداره لشغب الجند على مروان، ثم ضرب مروان عنق الأكدر «٢» بن حمام اللخمي سيد لخم، وكان من قتلة عثمان ﵁، ثم ولى مروان ابنه عبد العزيز بن مروان على مصر وجمع له الصلاة والخراج معاً، ثم خرج منها مروان يريد الشأم بعد أن أوصى ولده عبد العزيز بوصايا كثيرة مضمونها الرفق بأهل مصر، وكان خروج مروان من مصر في أول يوم من شهر رجب.
وقال ابن كثير: وفيها (يعني سنة خمس وستين) دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدق إلى مصر فأخذاها من نائبها لعبد الله بن الزبير. وكان سبب ذلك أن مروان قصدها فخرج إليه نائبها عبد الرحمن بن جحدم، فقابله مروان ليقاتله فاشتغل به وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن
стр. 196
جحدم، فدخل مصر وملكها وهرب عبد الرحمن بن جحدم، ودخل مروان إلى مصر فتملكها وجعل عليها ولده عبد العزيز بن مروان. انتهى كلام ابن كثير برمته.
وقال ابن الأثير في كتابه الكامل «١» : (ذكر فتح مروان مصر) ، قال: ولما قتل الضحاك وأصحابه وأستقر «٢» الشأم لمروان سار إلى مصر، فقدمها وعليها عبد الرحمن ابن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه حتى دخل مصر، فقيل لابن جحدم ذلك فرجع، وبايع الناس مروان ورجع إلى دمشق؛ فلما دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث إليه أخاه مصعباً في جيش، فأرسل إليه مروان عمرو بن سعيد قبل أن يدخل الشأم [فقاتله «٣» ] فانهزم مصعب وأصحابه، وكان مصعب شجاعاً، ثم عاد مروان إلى دمشق فاستقر بها.
وكان الحصين بن نمير ومالك بن هبيرة قد اشترطا على مروان شروطاً لهما ولخالد ابن يزيد، فلما توطد ملكه قال ذات يوم ومالك عنده: إن قوماً يدعون شروطاً منهم عطارة مكحلة (يعني مالكاً فإنه كان يتطيب ويتكحل) ، فقال مالك هذا:
ولما تردي تهامة ويبلغ الحزام الطّبيين! فقال مروان: مهلا أبا سليمان إنما داعبناك «٤» ؛ فقال: هو ذاك. انتهى كلام ابن الأثير برمته.
قلت: وكانت أيام عبد الرحمن هذا على مصر مع قصر مدته كثيرة الفتن والحروب من أولها إلى آخرها، غير أنه حج بالناس من مصر فى أيامه، وبنى عبد الله ابن الزبير الكعبة ولم يحج أحد من الشأم في هذه السنة.
стр. 197
قال ابن الأثير: لما احترقت الكعبة حين غزا أهل الشأم عبد الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية تركها ابن الزبير يشنع بذلك على أهل الشأم، فلما مات يزيد واستقر الأمر لابن الزبير شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى التحقت بالأرض وكانت قد مالت حيطانها من حجارة المنجنيق، وجعل «الحجر الأسود» عنده، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس وضرب عليها السور «١» وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: «لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم- ﵇ وأزيد فيها من الحجر» . فحفر ابن الزبير فوجد أساسا أمثال الجبال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة؛ فقال: أقروها على أساسها وبنائها، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وقيل كانت عمارتها سنة أربع وستين.
*** السنة التي حكم فيها عبد الرحمن بن جحدم على مصر من قبل عبد الله بن الزبير وهي سنة خمس وستين- فيها وقع الطاعون الجارف بالبصرة في قول ابن الأثير وعليها عبد الله بن عبيد الله بن معمر، فهلك خلق كثير وماتت أم عبيد الله فلم يجدوا لها من يحملها. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير وعلى الكوفة ابن مطيع وعلى البصرة الحارث بن أبي ربيعة المخزومي وعلى خراسان عبد الله بن خازم. وفيها وجه مروان بن الحكم الخليفة حبيش ابن دلجة في أربعة آلاف إلى المدينة وقال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة، فسار حبيش ومعه عبيد الله بن الحكم أخو مروان وأبو الحجاج يوسف الثقفي وابنه الحجاج وهو شاب، فجهز متولي البصرة من جهة ابن الزبير، وهو عبيد الله التيمي، جيشاً
стр. 198
من البصرة، فالتقوا مع حبيش بن دلجة في أول شهر رمضان فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم وأكثر الجيش، وهرب من بقي وهرب يوسف وابنه الحجاج.
وفيها دعا عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى محمد فحصره في شعب بني هاشم في جماعته وتوعدهم. وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة إلى خراسان أميراً عليها من قبل ابن الزبير وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق وقاتلهم حتى كسرهم وقتل منهم أربعة آلاف وثمانمائة. قال الذهبي: ووقع أيضاً في هذه السنة بين مروان وبين ابن الزبير حروب كثيرة حتى توفي مروان حسبما يأتي ذكره. وفيها توفي مالك بن هبيرة السكوني، له صحبة برسول الله ﷺ . وفيها توفي الخليفة مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الملك القرشي الأموي، ويقال أبو القاسم وأبو الحكم؛ ولد بمكة بعد عبد الله بن الزبير بأربعة أشهر. قال الذهبي: ولم يصح له سماع عن رسول الله ﷺ ، لكن له رؤية إن شاء الله. اهـ.
قلت: وهو ابن عم عثمان بن عفان وكاتبه؛ ومن أجله كان ابتداء فتنة عثمان ﵁ وقتله، ثم انضم إلى ابن عمه معاوية بن أبي سفيان وتولى عدة أعمال، إلى أن وثب على الأمر بعد أولاد يزيد بن معاوية (أعني معاوية وخالداً) وبويع بالخلافة فلم تطل مدته ومات في أول شهر رمضان. وفي سبب موته خلاف كثير؛ وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه عبد الملك، ثم من بعده إلى ابنه عبد العزيز أمير مصر؛ وكان أولاً أراد أن يعهد لخالد بن يزيد بن معاوية فإنه كان خلعه من الخلافة وتزوج بأمه، ثم بدا له أن يعهد لولديه عبد الملك وعبد العزيز؛ ثم ما كفاه
стр. 199
فزبره «١» وقال: تنح يا بن رطبة الإست! والله مالك عقل؛ وبلغ أم خالد ذلك فأضمرت له السوء؛ فدخل مروان عليها وقال لها: هل قال لك خالد شيئاً؟
فأنكرت فنام عندها، فوثبت هي وجواريها فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه وغمرته هي والجواري حتى مات، ثم صرخن وقلن: مات فجأة. وقال الهيثم: إنه مات مطعوناً بدمشق. والله أعلم. وفي حدودها توفي قيس بن ذريح أبو زيد الليثي الشاعر المشهور، كان من بادية الحجاز، وهو الذي كان يشبب بأم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية ثم إنه تزوج بها، وقيل: إنه كان أخا الحسين بن علي ﵄ من الرضاعة، ثم أمر قيساً هذا أبوه بطلاق لبنى فطلقها وفارقها، ثم قال فيها تلك الأشعار الرائقة؛ من ذلك قوله:
ولو أنّنى أسطيع صبراً وسلوةً ... تناسيت لبنى غير ما مضمرٍ حقدا
ولكن قلبى قد تقسمه الهوى ... شتاتاً فما ألفى صبوراً ولا جلدا
وله بيت مفرد:
وكل ملمات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وفي حدودها أيضاً توفي قيس بن معاذ المجنون، ومن ثم يقاس الجنون بمجنون ليلى، وقيل اسمه البختري «٢» بن الجعد وقيل غير ذلك. وليلى محبوبته: هي ليلى بنت مهدي أم مالك العامرية الربعية. وهو من بني عامر بن صعصعة وقيل من بنى كعب ابن سعد، قيل إنه علق بليلى علاقة الصبا لأنهما كانا صغيرين يرعيان أغناماً لقومهما، فعلق كل واحد منهما بالآخر، فلما كبرا احتجبت عنه ليلى فزال عقله؛ وفي ذلك يقول:
стр. 200
تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابةٍ «١» ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
ثم عظم الأمر به إلى أن صار أمره إلى ما هو أشهر من أن يذكر. وقيل إنهما ماتا في سنة ثمانٍ وستين. وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، وقد تقدم بقية نسبه في ترجمة أبيه عمرو بن العاص الأموي الصحابي، وكنيته أبو محمد، ويقال أبو عبد الرحمن، القرشي السهمي، كان من نجباء الصحابة وعلمائهم، وهو من المكثرين لحديث النبي ﷺ ؛ ذكرنا يوم وفاته في دخول مروان بن الحكم الى مصر عند ما أزال عنها عبد الرحمن بن جحدم. وفيها توفي النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة أبو عبد الله، ويقال أبو محمد، الأنصاري الخزرجي الصحابي، ابن أخت عبد الله بن رواحة. ولد سنة اثنتين من الهجرة وحفظ عن النبي ﷺ أحاديث، وولي قضاء دمشق لمعاوية بن أبي سفيان.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعاً.
وفي درر التيجان: خمسة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً.
ذكر ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر
هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي أمير مصر، كنيته أبو الأصبغ، مولده بالمدينة، ثم دخل الشام مع أبيه مروان
стр. 201
وكانت داره بدمشق، هى الدار التى الصوفيّة الآن المعروفة بالسميساطية «١» ثم كانت لابنه عمر بن عبد العزيز بعده. وولي إمرة مصر لأبيه مروان في غرة شهر رجب سنة خمس وستين على الصلاة والخراج معاً بعد ما عهد له بالخلافة بعد أخيه عبد الملك.
وكان السبب في بيعتهما أن عمرو بن سعيد بن العاص لما هزم مصعب بن الزبير، حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين، رجع إلى مروان وهو بدمشق، فبلغ مروان أن عمراً يقول: إن الأمر لي بعد مروان، فدعا مروان حسان بن ثابت فأخبره بما بلغه عن عمرو؛ فقال: أنا أكفيك عمراً؛ فلما اجتمع الناس عند مروان عشياً قام حسان فقال: إنه بلغنا أن رجالاً يتمنون أماني، قوموا فبايعوا لعبد الملك ثم لعبد العزيز من بعده، فبايعوا إلى آخرهم. ومات أبوه بعد مدة يسيرة حسبما تقدم ذكره، واستقر أخوه عبد الملك بن مروان في الخلافة من بعده، فأقر عبد العزيز هذا على عمل مصر على عادته. وقد روى عبد العزيز هذا الحديث عن أبيه وعبد الله بن الزبير وعقبة بن عامر وأبي هريرة، وروى عنه ابنه عمر بن عبد العزيز والزهري وعلي بن رباح وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال غيره: كان يلحن في كلامه ثم تعلم العربية فأحسن تعلمها، وكان فصيحاً جواداً ذا مروءة وكرم؛ وكان أبوه مروان عقد له البيعة بعد عبد الملك ثم ولاه مصر؛ وهو معدود من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وكان عبد العزيز هذا قد حده عمرو بن سعيد
стр. 202
الأشدق في شراب شربه فوجد عليه ابنه عمر بن عبد العزيز؛ فلما ولي عمر المدينة وجد إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر في بيت خليدة العرجاء، فحدّه عمر حدّ الخمر؛ فقال إسحاق: يا عمر، كل الناس جلدوا فى الخمر؛ يعرّض بأبيه عبد العزيز. اهـ.
ولما أقام عبد العزيز بمصر وقع بها الطاعون في سنة سبعين، فخرج عبد العزيز من مصر ونزل بحلوان فأعجبته فاتخذها سكناً، وجعل بها الحرس والأعوان وبنى بها الدور والمساجد وعمرها أحسن عمارة وغرس نخلها وكرمها، ثم جهز البعث لقتال ابن الزبير في البحر في سنة اثنتين وسبعين. ثم لما طالت أيام عبد الملك في الخلافة بعد قتل عبد الله بن الزبير ثقل عليه أمر عبد العزيز هذا وأراد أن يخلعه من ولاية العهد ويجعلها عبد الملك لولديه الوليد وسليمان من بعده؛ فمنعه قبيصة بن ذؤيب من ذلك، وكان قبيصة على خاتم عبد الملك، وقال له: لا تفعل ذلك، فإنك باعث على نفسك صوتاً، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه؛ فكف عن ذلك ونفسه تنازعه، حتى دخل عليه روح بن زنباع الجذامي، وكان أجل الناس عند عبد الملك، فشاوره في ذلك، فقال روح: لو خلعته ما انتطح فيها عنزان؛ فبينما هما على ذلك، وقد نام عبد الملك وروح تلك الليلة عنده، إذ دخل عليهما قبيصة ليلاً، وكان لا يحجب عن عبد الملك، وكانت الأخبار والكتب تأتيه فيقرؤها قبل عبد الملك؛ فقيل له: قد جاء قبيصة؛ فدخل قبيصة فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز، فاسترجع عبد الملك وقال لروح: يا أبا زرعة، كفانا الله ما أجمعنا عليه؛ فقال له قبيصة:
فداك ما أردت ولم تقطع رحم أبيك، ولم تأت ما تعاب به، ولم يظهر عليك غدر.
وقيل غير ذلك: وهو أن عبد الملك كتب لأخيه عبد العزيز هذا: يا أخي، إن رأيت أن تصير الأمر لابن أخيك الوليد فافعل؛ فأبى عبد العزيز؛ فكتب إليه عبد الملك ثانية: فاجعله من بعدك، فإنه أعز الخلق إلي؛ فكتب إليه عبد العزيز:
стр. 203
إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز (يعني ابنه) ما تراه في الوليد؛ فكتب عبد الملك إليه ثالثة: فاحمل خراج مصر إلي؛ فكتب إليه عبد العزيز: إني وإياك قد بلغنا سناً لم يبلغها أحد من أهلنا، وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أوّلا، فإن رأيت ألّا تغثث «١» علي بقية عمري ولا يأتيني الموت إلا وأنت واصل فافعل؛ فرق له عبد الملك وقال:
لا أغثّث «٢» عليه بقية عمره، وقال لابنيه الوليد وسليمان: إن يرد الله أن يعطيكماها لم يقدر أحد من الخلق على ردها عنكما، ثم قال لهما: هل قارفتما حراماً قط؟ قالا: لا والله؛ فقال عبد الملك: نلتماها ورب الكعبة. وقيل: إنّ عبد العزيز لما ردّ كلام عبد الملك، قال عبد الملك: اللهم إنه قد قطعني فاقطعه. فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه فاستجيب له فيه.
قلت: وكانت وفاة عبد العزيز في ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين من الهجرة، وقيل سنة خمس وثمانين؛ فكانت ولايته على مصر عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوماً. وتولى مصر من بعده عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وقال محمد بن الحارث المخزوميّ: دخل رجل على عبد العزيز في ولايته على مصر يشكو إليه صهراً له، فقال: إن ختني ظلمني؛ فقال له عبد العزيز: من ختنك؟
فقال: الرجل الختان الذي يختن الناس؛ فقال عبد العزيز لكاتبه: ما هذا الجواب؟
стр. 204
فقال: أيها الأمير، إنك لحنت والرجل يعرف اللحن، وكان ينبغي أن تقول: من ختنك (بالضم) ؛ فقال عبد العزيز: أتراني أتكلم بكلام لا تعرفه العرب؟ والله لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن؛ فأقام في بيتٍ جمعةً لا يظهر ومعه من يعلمه النحو فصلى بالناس الجمعة الأخرى وهو أفصح الناس.
وقال الذهبي في كتابه «تذهيب التهذيب» بعد أن ساق نبذة من نسبه وولايته وروايته بنحو ما قلناه إلى أن قال: «روى ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى ابن عمر: ارفع إلي حاجتك؛ فكتب إليه ابن عمر (يعني عبد الله) : إن رسول الله ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى.
وابدأ بمن تعول» ، ولست أسألك شيئاً ولا أرد رزقاً رزقنيه الله . وقال؟؟؟ نريد ابن أبي حبيب عن سويد بن قيس: بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار لابن عمر فجئته بها ففرقها. وقال محمد بن هانئ الطائي عن محمد بن أبي سعيد قال: قال عبد العزيز بن مروان: ما نظر إلي رجل قط فتأملني إلا سألته عن حاجته. ثم قال بعد كلام آخر: وكان يقول عبد العزيز بن مروان: وا عجبا من مؤمن يوقن أن الله يرزقه ويوقن أن الله يخلف عليه، كيف يدخر مالاً عن عظيم أجر أو حسن سماع!.
قلت: وكان عبد العزيز جواداً ممدحاً سيوساً حازماً. قال ابن سعد: مات بمصر سنة خمس وثمانين قبل أخيه عبد الملك بسنة. وقال الحافظ بن يونس:
ولي مصر عشرين سنة. وقال الليث بن سعد: توفي في جمادى الآخرة سنة ست وثمانين، وله حديث وهو: سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : «شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع» انتهى كلام الذهبي باختصار.
стр. 205
قلت: وعبد العزيز هذا هو الذي أشار على أخيه عبد الملك بضرب الدراهم والدنانير، فضربها في سنة ست وسبعين. وعبد الملك أول «١» من أحدث ضربها في الإسلام فانتفع الناس بذلك. وكان سبب ضربها أنه كتب فى صدر كتاب الى [ملك «٢» ] الروم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وذكر النبي ﷺ مع التاريخ؛ فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم «٣» كذا وكذا فاتركوه وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكر نبيّكم
стр. 206
ما تكرهون؛ فعظم ذلك عليه فأحضر خالد بن يزيد بن معاوية فاستشاره فيه، فقال:
حرم دنانيرهم واضرب للناس سكة وفيها ذكر الله تعالى، ثم استشار أخاه عبد العزيز فأشار عليه أيضاً بذلك؛ فضرب الدنانير والدراهم. ثم إن الحجاج ضرب الدراهم ونقش فيها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فكره الناس ذلك لمكان القرآن، فإن الجنب والحائض يمسها؛ ونهى أن يضرب أحد غيره؛ فضرب سمير اليهودي فأخذه الحجاج ليقتله، فقال له: عيار دراهمي أجود من عيار دراهمك فلم تقتلني؟ فلم يتركه، فوضع للناس سنج الأوزان ليتركه فلم يفعل؛ وكان الناس لا يعرفون الوزن بل يزنون بعضها ببعض، فلما وضع لهم سمير السنج كف بعضهم عن [غبن «١» ] بعض.
وأول من شدد «٢» في أمر الوزن وخلص الفضة أبلغ من تخليص من كان قبله عمر ابن هبيرة أيام يزيد بن عبد الملك وجود الدراهم؛ ثم خالد بن عبد الله القسري أيام هشام بن عبد الملك، فاشتد فيه أكثر من ابن هبيرة. ثم ولي يوسف بن عمر فأفرط في الشدة، وامتحن يوماً العيار فوجد درهماً ينقص حبة، فضرب كل صانع ألف سوط. وكانوا مائة صانع، فضرب فى حبة مائة ألف سوط. وكانت الدراهم الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، ولم يكن أبو جعفر المنصور يقبل في الخراج غيرها، فسميت الدراهم الأولى مكروهة. وقيل: إن الدراهم المكروهة هي الدراهم التي ضربها الحجاج ونقش عليها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فكرهها «٣» العلماء. وكانت دراهم الأعاجم مختلفة كباراً وصغاراً، فكانوا يضربون منها المثقال وزن عشرين قيراطاً واثني عشر قيراطا وعشرة قراريط، فلما ضربوا الدراهم في الإسلام أخذ الوسط من
стр. 207
ثلث هذا العدد، وهو أربعة عشر قيراطاً، فصار الدرهم العربي أربعة عشر قيراطاً، ووزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
*** السنة الأولى من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ست وستين- فيها عزل عبد الله بن الزبير عن الكوفة أميرها وأرسل عليها عبد الله بن مطيع، وفي أثناء هذا الأمر خرج المختار الكذاب من السجن والتف عليه خلق من الشيعة وقويت شوكته وضعف أمر عبد الله بن مطيع معه، ثم إنه توثب بالكوفة فقاتله طائفة من أهل الكوفة فهزمهم وقتل منهم رفاعة بن شداد وعبد الله بن سعد بن قيس وغلب على الكوفة، وهرب منه عبد الله بن مطيع إلى ابن الزبير، وجعل المختار يتتبع قتلة الحسين بن علي، فقتل عمرو بن سعد بن أبي وقاص وشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي؛ ثم افترى المختار على الله أنه يأتيه جبريل بالوحي، فلهذا قيل عنه: المختار الكذاب. وفيه يقول سراقة بن مرداس:
كفرت بوحيكم وجعلت نذراً ... علي هجاءكم «١» حتى الممات
أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات
وفيها أيضاً التقى المختار مع عبيد الله بن زياد فقتل عبيد الله بن زياد وقتل معه شرحبيل بن ذي الكلاع وحصين بن نمير السكوني، واصطلم المختار جيشهم وقتل خلقا كثيرا وطيف برءوس هؤلاء؛ وقيل إن ذلك في الآتية. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير وكان عامله على المدينة أخاه مصعب بن الزبير، وعامله على البصرة عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان بالكوفة المختار متغلباً عليها، وبخراسان
стр. 208
عبد الله بن خازم. وفيها توفي أسماء بن حارثة الأسلمي (وحارثة بالحاء) ، وله صحبة وهو من أصحاب الصفة، وقيل: إنه مات قبل ذلك. وفيها توفي جابر بن سمرة، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، على خلف في وفاته. وفيها توفي أسماء بن خارجة ابن حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري سيد قومه في قول. وفيها كان الطاعون بمصر ومات فيه خلائق عظيمة، وهذا خامس طاعون مشهور في الإسلام.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبعان.
*** السنة الثانية من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبع وستين- فيها كانت الوقعة بين إبراهيم بن الأشتر النخعي وبين عبيد الله ابن زياد، وكان ابن الأشتر من حزب المختار، وكان في ثمانية آلاف من الكوفيين، وكان عبيد الله بن زياد في أربعين ألفاً من الشاميين؛ فأسرع ابن الأشتر إلى أهل الشام قبل أن يدخلوا أرض العراق فسبقهم ودخل الموصل، فالتقوا على خمسة فراسخ من الموصل بالخازر «١» ، فانتهز ابن الأشتر وقتله وقتل من أصحابه خلائق ممن ذكرناهم في الماضية وغيرهم. وكان من غرق منهم في نهر الخازر أكثر ممن قتل؛ ودخل ابن الأشتر الموصل واستعمل عليها وعلى نصيبين وسنجار العمال، ثمّ بعث برءوس عبيد الله بن زياد والحصين وشرحبيل بن ذي الكلاع إلى المختار فأمر بهم المختار فنصبوا بمكّة.
стр. 209
قلت: وعبيد الله بن زياد هذا هو الذي قاتل الحسين بن علي حتى قتله. وفيها عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن العراق وولاه لابنه حمزة بن عبد الله بن الزبير؛ وكان حمزة جوادا مخلّطا يجود أحياناً حتى لا يدع شيئاً يملكه ويمنع أحياناً ما لا يمنع مثله، وظهر منه بالبصرة خفة وضعف؛ فعزله أبوه وأعاد أخاه مصعباً في الثانية. وفيها وجه المختار أربعة آلاف فارس عليهم أبو عبد الله الجدلي وعقبة بن طارق، فكلم الجدلي عبد الله بن الزبير في محمد بن الحنفية، وأخرجوه من الشعب «١» فلم يقدر ابن الزبير على منعهم، وأقاموا في خدمة محمد بن الحنفية ثمانية أشهر حتى قتل المختار وسار محمد بن الحنفية إلى الشام. وأما ابن الزبير فإنه غضب من المختار لكونه انتصر لمحمد بن الحنفية وندب لقتاله أخاه مصعب بن الزبير وولاه جميع العراق، فتوجه مصعب وحصر المختار في قصر الإمارة بالكوفة حتى قتله طريف «٢» وطراف (أخوان من بني حنيفة) في شهر رمضان وأتيا برأسه إلى مصعب.
وقتل في حرب المختار جماعة من الأشراف منهم عمر وعبيد الله ابنا علي بن أبي طالب وزائدة بن عمير الثقفي ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي سبط أبي بكر الصديق.
وفيها توفي عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، أسلم سنة سبع من الهجرة، وكان كبير طيّئ. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي الكعبي الصحابي واسمه، على الأصح، خويلد بن عمرو، أسلم يوم الفتح. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان عامله على الكوفة والبصرة ابنه حمزة، وكان على قضاء البصرة عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلى الكوفة (أعني قاضيها) هشام بن هبيرة، والخليفة بالشام عبد الملك بن مروان
стр. 210
أخو صاحب الترجمة، وبخراسان عبد الله بن خازم. وفيها توفي الأحنف بن قيس بالكوفة مع مصعب بن الزبير، وقيل: مات سنة إحدى وسبعين لما سار مصعب لقتال عبد الملك بن مروان. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية، أدرك الجاهلية وليست له صحبة. وفيها قتل مصعب بن الزبير عبد الرحمن وعبد «١» الرب ابني حجر بن عدي وعمران بن حذيفة بن اليمان، قتلهم صبراً بعد قتل المختار وأصحابه. وفيها توفي أبو واقد الليثي، له صحبة وأحاديث. ويقال فيها أيضاً توفي زيد بن أرقم، وقيل: إن وفاة هؤلاء في السنة الآتية وهو الأصح.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً.
*** السنة الثالثة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثمان وستين- فيها عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن العراق وولي عليها ابنه حمزة ابن عبد الله بن الزبير وقد مر ذلك في الماضية. وفيها استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود الزهري على المدينة، فأراد جابر أن يبايع سعيد بن المسيب لابن الزبير فامتنع فضربه سبعين سوطاً، قاله خليفة بن خياط. وفي هذه السنة وافى عرفات أربعة ألوية: لواء ابن الزبير وأصحابه، ولواء ابن الحنفية وأصحابه، ولواء بني أمية، ولواء النجدة الحروري، ولم يكن بينهم حرب ولا فتنة. وكان العامل على المدينة لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب، وعلى خراسان عبد الله بن خازم؛ وكان عبد الملك بن مروان مشاقّا لابن
стр. 211
الزبير. وفيها توفي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي، أبو العباس ابن عم النبي ﷺ وأبو الخلفاء العباسيين. ولد في شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي ﷺ بالجنة مرتين. وكان يسمى الحبر لكثرة علومه، ومات وله سبعون سنة، ﵁.
وفيها توفي عابس بن سعيد الغطيفي قاضي مصر، ولى القضاء والشرطة بمصر لمسلمة ابن مخلد عدة سنين. وفيها توفي قيس بن ذريح وقيس مجنون ليلى، وقد تقدم ذكرهما في سنة خمس وستين. وفيها توفي ملك الروم قسطنطين. وفيها توفي عبد الرحمن بن حاطب «١» بن أبي بلتعة. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي، وأبو واقد الليثي، وقد تقدم ذكرهما في الماضية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعاً.
وفي درر التيجان: وأربعة وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
*** السنة الرابعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة تسع وستين- فيها كان بالبصرة طاعون الجارف. قال المدائني: حدثني من أدرك الجارف قال:
كان ثلاثة أيام مات فيها في كل يوم سبعون ألفاً. وقال خليفة قال أبو اليقظان:
مات لأنس بن مالك ثمانون ولداً ويقال سبعون ولداً؛ وقيل مات لعبد الرحمن بن أبي بكرة في الطاعون المذكور أربعون ولداً. وقل الناس بالبصرة جداً حتى إنه ماتت أم أمير البصرة فلم يجدوا من يحملها إلا أربعة بالجهد. ومات لصدقة بن عامر العامري في يوم واحد سبعة بنين، فقال: اللهم إني مسلم مسلم. ولما كان يوم الجمعة
стр. 212
خطب الخطيب وليس في المسجد إلا سبعة أنفس وامرأة، فقال الخطيب:
ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب. وقيل: إنه توفي في هذا الطاعون عشرون ألف عروس. وقد اختلف في سنة هذا الطاعون فمنهم من قال في هذه السنة، وقال بعضهم: في سنة سبعين، وقال آخر: في سنة اثنتين وسبعين، وقيل غير ذلك. وهذا الطاعون يكون سابع طاعون في الإسلام، فإن الأول كان على عهد النبي ﷺ ، والثاني طاعون عمواس في عهد عمر ﵁، والثالث بالكوفة في زمن أبي موسى الأشعري، والرابع بالكوفة أيضاً في زمن المغيرة ابن شعبة، والخامس الطاعون الذي مات فيه زياد، ثم الطاعون بمصر فى سنة ست وستين. وفيها شرع الخليفة عبد الملك بن مروان في عمارة القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة جامع الأقصى، وقيل: بل كان شروعه في ذلك سنة سبعين. وفيها عزل عبد الله بن الزبير ابنه حمزة عن إمرة العراق وأعاد أخاه مصعب بن الزبير، فقدمها مصعب وتجهز وخرج يريد الشام لقتال عبد الملك بن مروان، وخرج عبد الملك أيضاً من الشام يريد مصعب بن الزبير، فسار كل منهما إلى آخر ولايته وهجم عليهما الشتاء، فرجع كل منهما إلى ولايته. قال خليفة: وكانا يفعلان ذلك في كل سنة حتى قتل مصعب. وفيها عقد عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة لحسان الغساني على غزو إفريقية. وفيها اجتمعت الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح الخليفة عبد الملك بن مروان [ملكهم «١» ] على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين. هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة في هذه السنة، وقال غيره: إنها في غير السنة. وفيها توجه مصعب بن الزبير إلى مكة ومعه
стр. 213
أموال كثيرة ودواب كثيرة، فقسم في قومه وغيرهم ونحر بدناً كثيرة. وفيها «١» حكم رجل من الخوارج بمًنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله بأيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. وفيها حج بالناس مصعب بن الزبير؛ وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وفيها توفي الأحنف بن قيس التميمي البصري أبو بحر؛ واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن الحصين، وكان أحنف الرجلين (والحنف: الميل) ، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، أدرك النبي ﷺ ولم يره. قلت: وأخبار الأحنف مشهورة تغني عن الإطناب في ذكره، وقد تقدم ذكر وفاته، والصحيح في هذه السنة. وفيها توفي أبو الأسود الدؤلي البصري الكناني واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، وهو من الطبقة الأولى من تابعي البصرة، وهو أول من وضع علم النحو، ومات بالطاعون. وفيها قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد «٢» أبي أحيحة بن العاص بن أمية الأشدق، سمي الأشدق لأنه كان خطيباً مفلقاً، وقيل: لاتساع شدقه، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وفيها توفي قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك أبو العلاء الأسدي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكانت أرضعته هند أم معاوية بن أبي سفيان. وفيها توفي مالك بن يخامر «٣» السكسكي الألهانى الحمصي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقيل: له صحبة ورواية.
وفيها توفي يزيد بن ربيعة بن مفرغ أبو عنان الحميري البصري، كان شاعراً مجيداً، والسيد الحميري من ولده.
стр. 214
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعاً وستة أصابع.
*** السنة الخامسة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبعين- فيها كان الوباء بمصر، وقيل فيها كان طاعون الحارف؟؟؟ المقدّم ذكره فى الماضية. وفيها تحول عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة من مصر إلى حلوان حسبما ذكرناه في أول ترجمته، واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير. وفيها كانت مقتلة عمير بن الحباب بن جعدة السلمي.
وفيها تحركت الروم على أهل الشام وعجز عبد الملك بن مروان عنهم لاشتغاله بقتال عبد الله بن الزبير، فصالح ملك الروم على أن يؤدي له في كل جمعة ألف دينار.
وفيها وفد مصعب بن الزبير على أخيه عبد الله بن الزبير بأموال العراق. وفيها بعث عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العاص بن أمية إلى البصرة ليأخذها في غيبة مصعب بن الزبير. وفيها توفي الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد الهمداني الكوفي الأعور، راوية علي ﵁، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وقيل: توفي سنة ثلاث وستين. وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمه جميلة أخت «١» عاصم بن ثابت بن أبى أقلح الأنصاري، وكان اسمها عاصمة، فسماها رسول الله ﷺ جميلة. وعاصم هذا هو جدّ عمر ابن عبد العزيز الأموي لأمه.
стр. 215
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وواحد وعشرون إصبعاً. وفي درر التيجان: ثمانية عشر إصبعاً.
*** السنة السادسة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة إحدى وسبعين- فيها حج بالناس أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وعرف «١» بمصر عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة، وهو أول من عرف بها فقام من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وعرف بمصر.
قلت: ومن خلافة مروان بن الحكم إلى هذه الأيام والممالك مقسومة بين خليفتين: عبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان: أما الحرمان والعراق كله فبيد عبد الله بن الزبير؛ والشام ومصر وما يليهما بيد عبد الملك بن مروان، والفتن قائمة بينهما والحروب واقعة في كل سنة. وفيها افتتح الخليفة عبد الملك بن مروان قيسارية الروم في قول الواقدي. وفيها نزع عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود ابن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة، فدام على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو مولى عثمان، فهرب طلحة وأقام طارق بها حتى سار إلى مكة لقتال ابن الزبير. وفيها توفي شتير بن شكل القيسي الكوفي من أصحاب علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄.
(وشتير بضم الشين المعجمة وفتح التاء فوقها نقطتان وبعدها ياء تحتها نقطتان، وشكل بفتح الشين المعجمة والكاف وآخره لام) . وفيها خرج عبد الله بن ثور أحد بنى قيس
следующие страницы →