Полный текст (6 264 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الزبير. وفيها توفي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي، أبو العباس ابن عم النبي ﷺ وأبو الخلفاء العباسيين. ولد في شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي ﷺ بالجنة مرتين. وكان يسمى الحبر لكثرة علومه، ومات وله سبعون سنة، ﵁.
وفيها توفي عابس بن سعيد الغطيفي قاضي مصر، ولى القضاء والشرطة بمصر لمسلمة ابن مخلد عدة سنين. وفيها توفي قيس بن ذريح وقيس مجنون ليلى، وقد تقدم ذكرهما في سنة خمس وستين. وفيها توفي ملك الروم قسطنطين. وفيها توفي عبد الرحمن بن حاطب «١» بن أبي بلتعة. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي، وأبو واقد الليثي، وقد تقدم ذكرهما في الماضية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعاً.
وفي درر التيجان: وأربعة وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأربعة أصابع.
*** السنة الرابعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة تسع وستين- فيها كان بالبصرة طاعون الجارف. قال المدائني: حدثني من أدرك الجارف قال:
كان ثلاثة أيام مات فيها في كل يوم سبعون ألفاً. وقال خليفة قال أبو اليقظان:
مات لأنس بن مالك ثمانون ولداً ويقال سبعون ولداً؛ وقيل مات لعبد الرحمن بن أبي بكرة في الطاعون المذكور أربعون ولداً. وقل الناس بالبصرة جداً حتى إنه ماتت أم أمير البصرة فلم يجدوا من يحملها إلا أربعة بالجهد. ومات لصدقة بن عامر العامري في يوم واحد سبعة بنين، فقال: اللهم إني مسلم مسلم. ولما كان يوم الجمعة
стр. 212
خطب الخطيب وليس في المسجد إلا سبعة أنفس وامرأة، فقال الخطيب:
ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب. وقيل: إنه توفي في هذا الطاعون عشرون ألف عروس. وقد اختلف في سنة هذا الطاعون فمنهم من قال في هذه السنة، وقال بعضهم: في سنة سبعين، وقال آخر: في سنة اثنتين وسبعين، وقيل غير ذلك. وهذا الطاعون يكون سابع طاعون في الإسلام، فإن الأول كان على عهد النبي ﷺ ، والثاني طاعون عمواس في عهد عمر ﵁، والثالث بالكوفة في زمن أبي موسى الأشعري، والرابع بالكوفة أيضاً في زمن المغيرة ابن شعبة، والخامس الطاعون الذي مات فيه زياد، ثم الطاعون بمصر فى سنة ست وستين. وفيها شرع الخليفة عبد الملك بن مروان في عمارة القبة على صخرة بيت المقدس وعمارة جامع الأقصى، وقيل: بل كان شروعه في ذلك سنة سبعين. وفيها عزل عبد الله بن الزبير ابنه حمزة عن إمرة العراق وأعاد أخاه مصعب بن الزبير، فقدمها مصعب وتجهز وخرج يريد الشام لقتال عبد الملك بن مروان، وخرج عبد الملك أيضاً من الشام يريد مصعب بن الزبير، فسار كل منهما إلى آخر ولايته وهجم عليهما الشتاء، فرجع كل منهما إلى ولايته. قال خليفة: وكانا يفعلان ذلك في كل سنة حتى قتل مصعب. وفيها عقد عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة لحسان الغساني على غزو إفريقية. وفيها اجتمعت الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح الخليفة عبد الملك بن مروان [ملكهم «١» ] على أن يؤدي إليه في كل جمعة ألف دينار خوفاً منه على المسلمين. هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة في هذه السنة، وقال غيره: إنها في غير السنة. وفيها توجه مصعب بن الزبير إلى مكة ومعه
стр. 213
أموال كثيرة ودواب كثيرة، فقسم في قومه وغيرهم ونحر بدناً كثيرة. وفيها «١» حكم رجل من الخوارج بمًنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله بأيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. وفيها حج بالناس مصعب بن الزبير؛ وكان على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وفيها توفي الأحنف بن قيس التميمي البصري أبو بحر؛ واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن الحصين، وكان أحنف الرجلين (والحنف: الميل) ، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، أدرك النبي ﷺ ولم يره. قلت: وأخبار الأحنف مشهورة تغني عن الإطناب في ذكره، وقد تقدم ذكر وفاته، والصحيح في هذه السنة. وفيها توفي أبو الأسود الدؤلي البصري الكناني واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، وهو من الطبقة الأولى من تابعي البصرة، وهو أول من وضع علم النحو، ومات بالطاعون. وفيها قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد «٢» أبي أحيحة بن العاص بن أمية الأشدق، سمي الأشدق لأنه كان خطيباً مفلقاً، وقيل: لاتساع شدقه، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وفيها توفي قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك أبو العلاء الأسدي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وكانت أرضعته هند أم معاوية بن أبي سفيان. وفيها توفي مالك بن يخامر «٣» السكسكي الألهانى الحمصي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقيل: له صحبة ورواية.
وفيها توفي يزيد بن ربيعة بن مفرغ أبو عنان الحميري البصري، كان شاعراً مجيداً، والسيد الحميري من ولده.
стр. 214
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعاً وستة أصابع.
*** السنة الخامسة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبعين- فيها كان الوباء بمصر، وقيل فيها كان طاعون الحارف؟؟؟ المقدّم ذكره فى الماضية. وفيها تحول عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة من مصر إلى حلوان حسبما ذكرناه في أول ترجمته، واشتراها من القبط بعشرة آلاف دينار. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير. وفيها كانت مقتلة عمير بن الحباب بن جعدة السلمي.
وفيها تحركت الروم على أهل الشام وعجز عبد الملك بن مروان عنهم لاشتغاله بقتال عبد الله بن الزبير، فصالح ملك الروم على أن يؤدي له في كل جمعة ألف دينار.
وفيها وفد مصعب بن الزبير على أخيه عبد الله بن الزبير بأموال العراق. وفيها بعث عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العاص بن أمية إلى البصرة ليأخذها في غيبة مصعب بن الزبير. وفيها توفي الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد الهمداني الكوفي الأعور، راوية علي ﵁، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، وقيل: توفي سنة ثلاث وستين. وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمه جميلة أخت «١» عاصم بن ثابت بن أبى أقلح الأنصاري، وكان اسمها عاصمة، فسماها رسول الله ﷺ جميلة. وعاصم هذا هو جدّ عمر ابن عبد العزيز الأموي لأمه.
стр. 215
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وواحد وعشرون إصبعاً. وفي درر التيجان: ثمانية عشر إصبعاً.
*** السنة السادسة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة إحدى وسبعين- فيها حج بالناس أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وعرف «١» بمصر عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة، وهو أول من عرف بها فقام من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وعرف بمصر.
قلت: ومن خلافة مروان بن الحكم إلى هذه الأيام والممالك مقسومة بين خليفتين: عبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان: أما الحرمان والعراق كله فبيد عبد الله بن الزبير؛ والشام ومصر وما يليهما بيد عبد الملك بن مروان، والفتن قائمة بينهما والحروب واقعة في كل سنة. وفيها افتتح الخليفة عبد الملك بن مروان قيسارية الروم في قول الواقدي. وفيها نزع عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود ابن عوف عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة، فدام على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو مولى عثمان، فهرب طلحة وأقام طارق بها حتى سار إلى مكة لقتال ابن الزبير. وفيها توفي شتير بن شكل القيسي الكوفي من أصحاب علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄.
(وشتير بضم الشين المعجمة وفتح التاء فوقها نقطتان وبعدها ياء تحتها نقطتان، وشكل بفتح الشين المعجمة والكاف وآخره لام) . وفيها خرج عبد الله بن ثور أحد بنى قيس
стр. 216
ابن ثعلبة من جهة مصعب بن الزبير بالبحر، فانتدب لقتله عبد الرحمن الإسكاف والتقوا [بجواثا «١» ] فانهزم عبد الرحمن. وفيها توفي البراء بن عازب بن الحارث بن عدي أبو عمارة، وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار من الصحابة، مات بالكوفة في أيام مصعب بن الزبير. وفيها توفي عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت السلمي أبو صالح أمير خراسان، صحب رسول الله ﷺ وروى عنه، وكان مشهوراً بالشجاعة، وأصله من البصرة. (وخازم بالخاء المعجمة والزاي) . وفيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي «٢» الصحابي، من الطبقة الثانية من المهاجرين، فأول مشهد شهده مع رسول الله ﷺ الحديبية ثم خيبر وما بعدها. وفيها كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان وبين مصعب بن الزبير، وقتل مصعب في المعركة، وكان مصعب من أجمل الناس وأشجعهم، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكنيته أبو عبد الله والمشهور أبو عيسى، وكان مصعب يجالس أبا هريرة؛ ورآه جميل بثينة بعرفات فقال: إن هاهنا لشابا أكره أن تراه بثينة (أعني لجماله) . ولما قتل مصعب بن الزبير أخذ أمر أخيه عبد الله بن الزبير في إدباره. وقيل: إن قتلة مصعب كانت في سنة اثنتين وسبعين، وهو الأشهر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وتسعة عشر إصبعاً. وفي درر التيجان: وسبعة عشر إصبعاً.
стр. 217
*** السنة السابعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة اثنتين وسبعين- فيها بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة بالقدس والجامع الأقصى، وقد ذكرناه في الماضية، والأصح أنه في هذه السنة. وسبب بناء عبد الملك أن عبد الله بن الزبير لما دعا لنفسه بمكة فكان يخطب في أيام منى وعرفة وينال من عبد الملك ويذكر مثالب بني أمية، ويذكر أن جده الحكم كان طريد رسول الله ﷺ ولعينه، فمال أكثر أهل الشأم إلى ابن الزبير؛ فمنع عبد الملك الناس من الحج فضجوا، فبنى لهم القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليصرفهم «١» بذلك عن الحج والعمرة، فصاروا يطوفون حول الصخرة كما يطوفون حول الكعبة وينحرون يوم العيد ضحاياهم؛ وصار أخوه عبد العزيز بن مروان صاحب مصر يعرف بالناس بمصر ويقف بهم يوم عرفة. وفيها ولّى عبد الملك ابن مروان طارق بن عمرو مولى عثمان على المدينة، فسار إليها وغلب عليها وأخرج منها طلحة بن عبد الله بن عوف عامل ابن الزبير، وقد تقدم ذلك في الماضية.
وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة لقتال عبد الله ابن الزبير فتوجه إلى مكة وحاصر ابن الزبير إلى أن قتل ابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين، على ما يأتي ذكره في محله. وفيها كان العامل على المدينة طارقاً لعبد الملك بن مروان، وعلى الكوفة بشر بن مروان، وعلى قضائها عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وكان على خراسان- في قول بعضهم- بكير بن وشاح.
стр. 218
وفيها توفي عبيدة بن عمرو السلماني «١» المرادي، أسلم في حياة النبي ﷺ وكان من كبار الفقهاء، أخذ عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود.
(وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة) . وفيها على الصحيح مقتلة مصعب ابن الزبير، طعنه زائدة الثقفي وقتل معه ابنه عيسى وإبراهيم بن الأشتر ومسلم ابن عمرو الباهلي، وقد مر من أخباره في الماضية ما يغني عن ذكره هنا ثانية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وتسعة عشر إصبعاً. وفي درر التيجان: سبعة عشر ذراعاً وستة عشر إصبعاً.
*** السنة الثامنة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهى سنة ثلاث وسبعين- فيها قتل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر، وقيل أبو خبيب، القرشي الأسدي، أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، له صحبة ورواية، حاصره الحجاج بن يوسف الثقفي بالبيت الحرام أشهراً ونصب على الكعبة المنجنيق ورمى به على البيت غير مرة حتى قتل ابن الزبير وصلبه. قيل: إن الحسن البصري سئل عن عبد الملك بن مروان، فقال الحسن: ما أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته. وقتل مع عبد الله بن الزبير هؤلاء الثلاثة: وهم عبد الله ابن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فهؤلاء من الأشراف، وأما غيرهم
стр. 219
فكثير. ومن يوم قتل عبد الله بن الزبير صار في الإسلام خليفة واحد وهو عبد الملك ابن مروان. قلت: ومناقب عبد الله بن الزبير كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكرها.
وفيها توفيت أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن الزبير المذكور بعد ابنها عبد الله بمدة يسيرة. وفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة في أربعة آلاف، فساروا إليه في ستين ألفاً فهزمهم محمد واستباح عسكرهم، وقيل: إن هذا كان من ناحية أرمينية.
وفيها توفي إياس بن قتادة بن أوفى، من الطبقة الأولى من التابعين، وكان لأبيه قتادة صحبة. وفيها توفى سلم بن زياد بن أبيه أمير خراسان، وكان جواداً ممدحاً يعطي ألف ألف الدرهم، مات بالبصرة. وفيها توفي مالك بن أوس بن الحدثان أحد بني نصر ابن معاوية بن هارون، قيل له صحبة، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين.
وفيها استعمل عبد الملك بن مروان أخاه محمداً على الجزيرة وأرمينية «١» ، وكانت [بحيرة «٢» الطريخ التي بأرمينية] مباحة لم يتعرض إليها أحد بل كان يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليها من يأخذه [ويبيعه «٣» ] ويأخذ ثمنه، وصارت بعده لابنه مروان؛ ثم أخذت منه لما انتقلت الدولة الأموية، وهي الآن على ذلك الحجر. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. وهذا الطريخ «٤» من عجائب الدنيا فإنه سمك صغار له كل سنة موسم يخرج من هذه البحيرة في نهر يصب إليها كثيراً يؤخذ بالأيدي وغيرها، فإذا انقضى موسمه لا يوجد منه شيء. وفيها عزل عبد الملك خالد بن عبد الله
стр. 220
عن البصرة وولاها أخاه بشراً في قول. وفيها توفي مالك بن مسمع «١» بن غسان الربعي البصري، من الطبقة الأولى من التابعين، ولد على عهد رسول الله ﷺ .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وتسعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وثلاثة أصابع.
*** السنة التاسعة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة أربع وسبعين- فيها سار الحجاج من مكّة، بعد ما بنى البيت الحرام، إلى المدينة، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعنت «٢» أهلها، وبنى بها مسجداً في بني سلمة يعرف به، وأخذ بعض الصحابة وختم عليهم في أعناقهم. روى الواقدي عن ابن أبي ذؤيب عمن رأى جابر بن عبد الله مختوماً [في «٣» يده ورأى أنس بن مالك مختوما] في عنقه، يذلهما بذلك. قال الواقدي: وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد الساعدي فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان؟ فقال: قد فعلت؛ قال: كذبت، ثم أمر به فختم في عنقه برصاص.
وفيها توفي بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وهو متولي البصرة، وكان ولي العراق والكوفة قبل ذلك، وقحط الناس أيام بشر فاستسقى فمطروا؛ ثم مر بشر بسراقة، وكان سراقة قد عمل فيها أبياتاً، فرأى سراقة يحول الماء من داره؛
стр. 221
فقال بشر: ما هذا يا سراقة؟ فقال: هذا ولم ترفع يديك في الدعاء، فلو رفعتهما لجاءنا الطوفان. ومات بشر المذكور من البلاذر، فإنه شربه بطوس فاعتل ولزم الفراش حتى مات. وفيها توفي رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأنصاري الصحابي من الطبقة الثالثة من الأنصار، شهد أحداً وما بعدها مع رسول الله ﷺ ، وكنيته أبو عبد الله، وأمه حليمة بنت عروة بن مسعود. وفيها توفي أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الصحابي من الطبقة الثالثة من الأنصار، واستصغر يوم أحد فرد. قال أبو سعيد: فخرجنا نتلقّى رسول الله عليه وسلم حين أقبل من أحد ببطن قباء، فنظر إلي وقال: «سعد بن مالك» ؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، فدنوت منه وقبلت ركبته «١» ، فقال: «آجرك الله في أبيك» ، وكان قتل يومئذ شهيداً. وفيها توفي سلمة بن الأكوع، وكنيته أبو مسلم «٢» ، الصحابي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. قال سلمة: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات. وفيها توفي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب، وهو شقيق حفصة زوج النبي ﷺ ، أسلم عبد الله قديماً بمكة قبل البلوغ، وهو من العبادلة الأربعة: وهم عبد الله ابن عمر هذا، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهو من المكثرين في رواية الحديث.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعا.
стр. 222
*** السنة العاشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة خمس وسبعين- فيها حج بالناس الخليفة عبد الملك بن مروان وخطب على منبر رسول الله ﷺ ، وأظنها أول حجته في الخلافة. وفيها ولى الخليفة عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف على العراق. وفيها خرج عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة من مصر وافداً على أخيه الخليفة عبد الملك بن مروان بالشام واستخلف على مصر زياد بن حنظلة التجيبي، وتوفي زياد بعد ذلك بمدة يسيرة في شوال؛ وتخلف على مصر الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان حتى قدم أبوه عبد العزيز من الشام. وفيها ولى عبد الملك المدينة يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. وفيها خرج ملك الروم بجيوشه ونزل على مرعش من أعمال حلب، فندب عبد الملك لقتاله أخاه محمد بن مروان فهزم محمد الروم وغلبهم. وفيها ضرب عبد الملك بن مروان على الدينار والدرهم اسم الله تعالى، وسببه أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بثلاثمائة سنة أو بأربعمائة سنة مكتوب عليها: باسم الأب والابن وروح القدس. قال الزهري:
كانت الدراهم على ثلاثة أصناف: الوافية وزن الدرهم مثقال، والبغلية «١» وزن الدرهم نصف مثقال، والزيادية وزن العشرة ستة مثاقيل، فجمع عبد الملك هذه الأصناف وضربها على ما هي الآن عليه. وفيها توفي توبة بن الحمير بن عقيل بن كعب بن ربيعة الخفاجي أحد عشاق العرب صاحب ليلى الأخيلية بنت عبد الله ابن الرحال بن شداد بن كعب، وكانت أشعر نساء زمانها لا يقدم عليها غير الخنساء.
стр. 223
قيل: إن ليلى هذه دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها: ما رأى منك توبة حتى عشقك؟ فقالت: ما رأى الناس منك حين جعلوك خليفة!. وقال الشعبي:
ودخلت «١» ليلى الأخيلية على الحجاج وأنا حاضر، فقال: ما الذي أقدمك علينا؟
فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم؛ وكلب البرد، وشدة الجهد، وأنت لنا بعد الله الرفد؛ فقال لها: صفي حال البلاد؛ فقالت: أما الفجاج فمغبرة، وأما الأرض فمقشعرة، ثم ذكرت أشياء من هذه المقولة إلى أن قالت: وقد أصابتنا سنون لم تدع لنا هبعاً «٢» ، ولا ربعاً؛ ولا عافطةً، ولا نافطةً؛ ذهبت الأموال، ونزحت الرجال اهـ.
وأما أشعار توبة المذكور فيها وتشبيبه بها فكثيرة ليس هذا موضع ذكرها. وفيها توفي أبو ثعلبة الخشني «٣» القضاعي، واسمه جرثوم، قدم على رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى غزوة حنين، وقيل: إنه شهد بيعة الرضوان وحنيناً ونزل الشام وتوفي بها. وفيها توفي سليم بن عتر «٤» التجيبي المصري أبو سلمة عالم مصر وقاضيها، من الطبقة الأولى من التابعين، وهو أول من قضى بمصر في سنة تسع وثلاثين وشهد فتح مصر. وفيها توفي «٥» شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية ابن عامر أبو أمية قاضي الكوفة، من الطبقة الأولى من التابعين الكوفيين، وقيل إنه صحابي. وفيها كان وقوع الطاعون بالكوفة. وفيها توفي صلة بن أشيم العدوي أبو الصهباء، من الطبقة الأولى من تابعي الصحابة بالبصرة. وفيها توفي العرباض
стр. 224
ابن سارية أبو نجيح السلمي، من الطبقة الثالثة من الصحابة المهاجرين. وفيها توفي عمرو بن ميمون الأودي (أود بني صعب بن سعد) من الطبقة الأولى من التابعين، أدرك رسول الله ﷺ ولم يلقه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعاً وتسعة أصابع.
*** السنة الحادية عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ست وسبعين- فيها خرج صالح بن مسرح التميمي وكان رجلاً صالحاً ناسكاً لكنه كان يحط على الخليفتين عثمان وعلي رضى الله عنهما كهيئة الخوارج، فوقع له حروب في هذه السنة إلى أن توفي من جرح أصابه فى حروبه بعد مدّة فى حمادى الآخرة وعهد لشبيب بن يزيد؛ فوقع لشبيب المذكور مع الحجاج بن يوسف حروب ووقائع كثيرة أكثرها لشبيب على الحجاج حتى دخل شبيب في هذه السنة الكوفة ومعه امرأته غزالة، وكانت غزالة المذكورة تدخل مع زوجها في الحروب، وربما قصدت الحجاج فهرب منها. وفيها وفد يحيى بن الحكم على الخليفة عبد الملك بن مروان. وفيها كان الحجاج على العراق وفعل تلك الأفعال القبيحة، وكان على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة ابن أوفى. وفيها غزا محمد بن مروان الروم من ناحية ملطية. وفيها توفي حبة بن جوين العرني صاحب علي (وحبة بالحاء المهملة والباء الموحدة) وهو منسوب إلى عرنة (بالعين المهملة المضمومة والراء المهملة والنون) . وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة بعد أن ولاه عبد الملك إمرتها في أول السنة. وفيها
стр. 225
ولد مروان بن محمد الجعدي المعروف بالحمار آخر خلفاء بني أمية الآتي ذكره في محله. وفيها استشهد زهير بن قيس البلوي المصرى أبو شداد في واقعة الروم، وقد تقدم ذكره في واقعة إفريقية مع كسيلة وغيره.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة أصابع، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وسبعة أصابع.
*** السنة الثانية عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة سبع وسبعين- فيها قتل شبيب بن يزيد بن نعيم بعد أن وقع له وقائع مع الحجاج وعماله، وهو شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت الشيباني الخارجي، خرج بالموصل فبعث إليه الحجاج خمسة قواد فقتلهم واحداً بعد واحد، ثم قاتل الحجاج وحاصره وكسره غير مرة، وكانت امرأة شبيب غزالة من الشجعان الفرسان حتى إنها قصدت الحجاج فهرب منها، فعيّره بعض الناس بقوله:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وفيها خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان من الخلافة وحارب الحجاج إلى أن قتل. وفيها عبر أمية نهر بلخ للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك ورجعوا إلى مرو. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان وهو أمير المدينة، وكان على البصرة والكوفة الحجّاج ابن يوسف الثقفي، وعلى خراسان أمية المذكور. وفيها غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك بن مروان. وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري في قول. وفيها
стр. 226
توفي عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي أبو عاصم، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل مكة، قال عطاء: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضى الله عنها فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير، قالت: أفمن أهل مكة؟ قال: نعم، قالت: خفف فإن الذكر ثقيل. قال مجاهد «١» : كنا نفتخر بفقيهنا ابن عباس، وقاضينا عبيد بن عمير. وفيها توفي قطري بن الفجأة المازنىّ وقيل التميمىّ، كان أحد رءوس الخوارج، حارب المهلب بن أبي صفرة سنين، وسلم عليه بأمير المؤمنين.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً.
*** السنة الثالثة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثمان وسبعين- فيها ولي المهلب بن أبي صفرة خراسان نيابة عن الحجاج وهو يوم ذاك أمير البصرة والكوفة وخراسان وكرمان. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد «٢» القاري، وله ثمان وسبعون سنة، ومسح النبي ﷺ برأسه (والقاري بالياء المشددة) . وفيها غزا محرز بن أبي محرز أرض الروم وفتح ارقدة «٣» ، فلما رجع بعسكره، أصابهم مطر شديد من وراء درب «٤» الحدث فأصيب منه ناس كثيرة.
стр. 227
وفيها ولي إمرة الغرب كلها موسى بن نصير اللخمي، فسار إليه وقدم إلى طنجة وقدم على مقدمته طارق بن زياد الصدفي مولاهم الذي افتتح الأندلس، وأصاب فيها المائدة التي يزعم أهل الكتاب أنها مائدة سليمان ﵇. وفيها حج بالناس الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقيل أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة. وفيها فرغ الحجاج بن يوسف من بناء واسط، وإنما سمّيت واسط لأنها بين الكوفة بناء واسط والبصرة، منها إلى الكوفة خمسون فرسخاً وإلى البصرة كذلك. وفيها عزل عبد الملك عامل خراسان وضم ولايتها وولاية سجستان إلى الحجاج، فسار الحجاج إلى البصرة واستخلف عليها المغيرة بن عبد الله بن [أبي «١» ] عقيل. وفيها قدم المهلب على الحجاج فأجلسه معه على سريره وأعطى أصحابه الأموال وقال: هؤلاء حماة الثغور. وفيها توفّى جابر ابن عبد الله بن عمرو الأنصاري الصحابي أبو عبد الله، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة الثانية مع الأنصار وكان أصغرهم سناً، وأسلم قبل العقبة الأولى بعام، وأراد أن يشهد بدراً فخلفه أبوه على إخوته. وفيها توفّى عبد الرحمن ابن غنم بن كريب «٢» الأشعري، اختلفوا في صحبته، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أنصار أهل الشام بعد الصحابة، وقيل: هو تابعي ثقة، وقيل: إنه أسلم على عهد رسول الله ﷺ ولم يلقه. قال ابن الأثير: أدرك الجاهلية وليست له صحبة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً.
стр. 228
*** السنة الرابعة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة تسع وسبعين- فيها استولى الحجاج بن يوسف على البحرين واستعمل عليها محمد ابن صعصعة الكلابي وضم إليه عمان، فخرج عليه الريان البكري فهرب محمد وركب البحر حتى قدم على الحجاج. وفيها غزا الوليد بن عبد الملك بن مروان ملطية فغنم وسبى وعاد إلى أبيه عبد الملك. وفيها كان الطاعون العظيم بالشام. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة. وفيها قتل الخليفة عبد الملك بن مروان الحارث ابن عبد الرحمن بن سعد الدمشقي الذي ادعى النبوة، وكان انضم عليه جماعة كبيرة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، كان من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، روى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود. وفيها أصاب الناس طاعون شديد حتى كادوا يفنون فلم يغز أحد تلك السنة فيما قيل.
وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم. وفيها استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجاج واستعمل على القضاء أبا بردة بن أبي موسى الأشعري.
وفيها توفي النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن عديس، وقيل عبد الله ابن قيس، وقيل حسان بن قيس، وكنيته أبو ليلى، وكان من شعراء الجاهلية ولحق الأخطل ونازعه بالشعر، وله صحبة ووفادة على رسول الله ﷺ .
قال الذهبي: وقال يعلى بن الأشدق- وليس بثقة-: سمعت النابغة يقول:
أنشد ف؟؟؟ النّبيّ ﷺ :
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال: «أين المظهر يا أبا ليلى» ؟ فقلت: الجنة، قال: «أجل إن شاء الله» ثم قلت أيضاً:
стр. 229
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال النبي ﷺ : «لا يفضض الله فاك» مرتين. ومات النابغة بأصبهان وله مائة وعشرون سنة، وقيل مائة وستون سنة، وقيل مائتا سنة. وفيها توفّى محمود ابن الربيع، وكنيته أبو إبراهيم، ولد على عهد رسول الله ﷺ .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً.
*** السنة الخامسة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثمانين- فيها كان سيل الجحاف بمكة وهلك فيه خلق كثير من الحجاج، فكان يحمل الإبل وعليها الأحمال والرجال والنساء ما لأحد منهم حيلة، وغرقت بيوت مكة وبلغ السيل الركن، فسمي ذلك العام عام الجحاف. وفيها كان طاعون الجارف بالبصرة في قول بعضهم. وفيها خرج عبد الواحد بن أبي الكنود من الإسكندرية وركب البحر وغزا الفرنج حتى وصل إلى قبرس. وفيها هلك أليون عظيم الروم وملكها. وفيها صلب عبد الملك سعيد بن عبد الله بن عليم الجهني على إنكاره القدر، قاله سعيد بن عفير. وفيها توفي جبير بن نفير بن مالك أبو عبد «١» الله اليحصبي الحضرمي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام؛ أسلم في خلافة الصديق ﵁. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية الأزدي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وفيها توفي حسان بن النعمان الغساني من أولاد ملوك غسان، ويقال:
стр. 230
إنه ابن المنذر، صاحب الفتوحات بالمغرب، ولاه معاوية بن أبي سفيان إفريقية.
وفيها توفي زيد «١» بن وهب بن خالد أبو سليمان الجهني، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. وفيها توفي السائب بن يزيد بن سعيد الكندي أبو يزيد، من الطبقة الخامسة من المخضرمين، مات رسول الله ﷺ وهو حدث الأسنان. وفيها توفي شريح بن هانئ بن يزيد بن نهبك «٢» بن دريد بن الحارث بن كعب، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، كان من أصحاب علي ﵁ وشهد معه مشاهده، وكان قاضي الكوفة وبه يضرب المثل. قال الذهبي: إنه مات سنة ثمان وسبعين. وفيها حج بالناس أمير المدينة أبان بن عثمان، وكان على العراق والشرق الحجاج. وفيها قتل معبد بن عبد الله بن عليم الذي يروي حديث الدباغ، وهو أول من قال بالقدر في البصرة، قتله الحجاج وقيل قتله عبد الملك الخليفة بدمشق.
وفيها توفي شقيق بن سلمة الأزدي أبو وائل، أدرك رسول الله ﷺ ولم يره، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. وفيها توفي أبو إدريس الخولاني، واسمه عائذ الله بن عبد الله، وقيل عبد الله بن إدريس بن عائذ الله، قاضي دمشق في أيام معاوية وغيره، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل الشام. وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر وقيل أبو محمد، وأمه أسماء بنت عميس ولدته بالحبشة في الهجرة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بالحبشة، وهو من الطبقة الخامسة، توفي رسول الله ﷺ وهو حدث الأسنان، وقيل إنه كان له يوم توفي رسول الله ﷺ عشر سنين. وفيها توفي
стр. 231
عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، وكنيته أبو حاتم، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل البصرة، وأمه هولة بنت غليظ من بني عجل، وهو أول من قرأ القرآن بالألحان، وولي قضاء البصرة، وأوفده الحجاج على الخليفة عبد الملك فسأله أن يولي الحجاج خراسان وسجستان. وفيها توفي العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي، وهو من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، وكان من العباد الخائفين. وفيها توفي معاوية ابن قرة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة، كان زاهداً عابداً ورعاً.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً.
*** السنة السادسة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة إحدى وثمانين- فيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك بن مروان وحجّت معه أمّ الدرداء. وفيها خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج بن يوسف وخلع عبد الملك بن مروان من الخلافة، ووقع له بسبب ذلك مع الحجاج حروب، ووافقه جماعة كثيرة على ذلك وكاد أمره أن يتم. وفيها غزا عبد الله بن عبيد الله بلاد الروم ووصل إلى قاليقلا ففتحها، ويقال: إن أصل الفرات من عندها يجتمع.
وفيها توفى محمد بن علىّ بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية، والحنفية اسم أمه، ولها اسم آخر: خولة بنت جعفر بن قيس، ومحمد هذا من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وكنيته أبو القاسم؛ ولد في خلافة أبي بكر، وقيل لثلاث سنين أو لسنتين بقين من خلافة عمر، وهي السنة التي ولد فيها سعيد بن المسيب، وكان ديناً عابداً
стр. 232
صاحب رأي وقوة شديدة إلى الغاية. وفيها كانت مقتلة بحير بن ورقاء الصريمي.
وفيها كان دخول الديلم قزوين، وسببه أن العساكر كانت لا تبرح مرابطة بها، فلما كان في هذه السنة كان من جملة من رابط بها محمد بن أبي سبرة الجعفي، وكان فارساً شجاعاً، فلما قدم قزوين رأى الناس لا ينامون الليل، فقال لهم: أتخافون أن يدخل عليكم العدو؟ قالوا: نعم، قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا الأبواب ففتحوها؛ وبلغ ذلك الديلم فبيتوهم وهجموا [على] البلد وتصايح الناس، فقال محمد بن أبي سبرة: أغلقوا الأبواب فقد أنصفونا، فأغلقوا الأبواب التي للمدينة فقاتلوهم.
وأبلى محمد بلاء حسنا حتى ظفر بهم المسلمون ولم يفلت من الديلم أحد، ولم يعد الديلم بعدها؛ فصار محمد فارس ذلك الثغر، وكان يدمن شرب الخمر، وبقي كذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز فأمر بتسييره إلى داره، وهى دار الفسّاق بالكوفة، فسيّر إليها، فأغارت الديلم بعده على قزوين ونالت من المسلمين وظهر الخلل بعده حتى طلب ثانية وأعيد الى قزوين. وفيها توفى سويد بن غفلة، وكنيته أبو أمية كناه بها عمر بن الخطاب، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، أدرك رسول الله ﷺ ووفد عليه فوجده قد قبض، وأدرك دفنه وهم ينفضون أيديهم من التراب.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وثمانية أصابع.
*** السنة السابعة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة اثنتين وثمانين- فيها كانت وقعة الزاوية بين محمد بن الأشعث وبين الحجاج بالبصرة، وكان لابن الأشعث مع الحجاج في السنة الماضية وفي هذه السنة عدّة
стр. 233
وقائع منها: وقعة دجيل يوم عيد الأضحى، وهي وقعة دير الجماجم، ثم وقعة الأهواز، ويقال: إنه خرج مع ابن الأشعث ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل، فيهم علماء وفقهاء وصالحون. وقيل: إنه كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، فكانت منها ثلاث وثمانون على الحجاج وواحدة له، فعند ما انكسر ابن الأشعث خرج إلى الملك زنبيل «١» والتجأ إليه حتى مات بعد ذلك في سنة أربع وثمانين، وفي موته أقوال كثيرة. وفيها عزل الخليفة عبد الملك بن مروان أبان بن عثمان بن عفان عن المدينة في جمادى الآخرة واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومىّ، فعزل هشام ابن مساحق عن القضاء بالمدينة وولى عوضه عمرو بن خالد الزّرقىّ.
وفيها غزا محمد بن مروان بن الحكم أخو الخليفة عبد الملك أرمينية، فهزم أهلها فسألوه الصلح فصالحهم، وولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله فغدروا به وقتلوه. وقيل بل قتل سنة ثلاث وثمانين. وفيها توفي أسماء بن خارجة بن مالك الفزاري الكوفي أحد الأجواد، وفد على الخليفة عبد الملك فقال له عبد الملك: بلغني عنك خصال شريفة فأخبرني بها؛ قال أسماء: ما سألني أحد حاجة إلا وقضيتها، ولا أكل رجل من طعامي إلا رأيت له الفضل علي، ولا أقبل علي رجل بحديث إلا وأقبلت عليه بسمعي وبصري؛ فقال له عبد الملك: حق لك أن تشرف وتسود. وفيها توفي أبو الشعثاء سليم «٢» بن أسود بن حنظلة المحاربي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. وقيل: إن وفاة أبي الشعثاء في غير هذه السنة والأصح فيها. وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، كان يسجد على كور عمامته قد حالت بين جبهته والأرض. وفيها توفى
стр. 234
المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، واسم أبي صفرة ظالم بن سراقة، وكنيته أبو خداش، كان خليفة أبيه على مرو فمات فى شهر رجب، وكان المغبرة جواداً سيداً شجاعأ، ولما وصل الخبر إلى أبيه وجد عليه وجداً عظيماً أثر فيه ذلك، ثم استناب ابنه يزيد بن المهلب على مرو.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً.
*** السنة الثامنة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة ثلاث وثمانين- فيها حج بالناس أمير المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي.
وفيها توفي أبو الجوزاء «١» أوس بن خالد الربعي البصري، وقيل خالد بن سمير، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة. وفيها توفي روح بن زنباع أبو زرعة الجذامي الشامي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وكان متميزاً عند الناس فخاف منه معاوية فعزم على قتله ثم خلى عنه، وكان عظيم دولة عبد الملك بن مروان، وهو الذي قدم الحجاج بن يوسف الثقفي عند عبد الملك حتى صار من أمره ما صار، وقصته مع الحجاج المذكور مشهورة من قتل عبيده وإحراق خيامه عند ما ولي الحجاج حرب مصعب بن الزبير. وروح هذا هو زوج هند بنت النعمان بن بشير، وكانت تكرهه، وهى القائلة:
وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراسٍ تجللها «٢» بغل
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى ... وإن يك إقراف فمن قبل الفحل «٣»
стр. 235
وقد شاع ذلك في زمانها حتى قال بعض الشعراء فى صاحب سأّلة:
لي صاحب مثل داء البطن صحبته ... يودني كوداد الذّيب للبرأعى
يثني علي جزاه الله صالحةً ... ثناء هندٍ على روح بن زنباع
وفيها توفي زاذان «١» الكوفي أبو عبد الله مولى كندة، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وكان صالحاً صاحب نسك وعبادة وكان بزازاً. وفيها توفي عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث «٢» بن عبد المطلب، أبو محمد الهاشمي، من الطبقة الأولى من التابعين، وأمه هند بنت أبي سفيان؛ ولد في زمان رسول الله ﷺ فأتت به أمه إلى أختها أم حبيبة زوجة النبي ﷺ ، ثم دخل رسول الله ﷺ عليها فقال: «من هذا» ؟ فقالت: ابن عمك وابن أختي، فتفل في فيه ودعا له. وفيها توفي عبد الله بن شداد بن الهاد «٣» ، واسم الهاد عمرو الليثي، وسمي الهاد لأنه كان يوقد ناره للأضياف ليلاً ولمن سلك الطريق، وهو من الطبقة الأولى من تابعي المدينة، وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية أخت أسماء.
وفيها توفي عبد الرحمن بن يسار أو بلال أبي ليلى، صحب أبوه رسول الله ﷺ وشهد معه أحداً وما بعدها. وأما عبد الرحمن هذا فإنه تابعي من أهل الكوفة، من الطبقة الأولى، وكان عالماً زاهداً خرج على الحجاج بن يوسف، قتل بدجيل وقيل بل غرق في نهر دجيل مع ابن الأشعث. وفيها توفي معبد الجهني من أهل البصرة وهو أول من تكلم في القدر، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وحضر التحكيم بدومة الجندل. وفيها توفي المهلب بن أبي صفرة اسمه ظالم
стр. 236
ابن سراق بن صبح الأزدي العتكي «١» البصري، وفي اسم المهلب أقوال كثيرة، قيل:
اسمه سارق بن ظالم، وقيل بالعكس، وقيل طارق بن سارق، وقيل قاطع بن سارق وقيل الذي ذكرناه أولاً؛ الأمير أبو سعيد أحد أشراف أهل البصرة ووجوههم وفرسانهم، ولد عام الفتح في حياة النبي ﷺ وولي الأعمال الجليلة، وله مواقف مع الروم وغيرها إلى أن توفي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم سبعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعاً.
*** السنة التاسعة عشرة من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة أربع وثمانين- فيها فتحت المصيصة على يد عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
وفيها افتتح موسى بن نصير ملك درنة من بلاد المغرب، فقتل وسبى حتى قيل:
إن السبي بلغ خمسين ألفاً. وفيها غزا محمد بن مروان أرمينية فهزمهم وحرق كنائسهم، وتسمى سنة الحريق. وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية وكان من فصحاء العرب وبلغائهم وأجوادهم، كان خرج أيضاً مع محمد بن الأشعث، واسمه أيوب ابن زيد بن قيس أبو سليمان الهلالي، ثم ندم الحجاج على قتله. وابن القرية هذا له حكايات كثيرة في الجود والكرم والفصاحة، منها: أنه لما أحضره الحجاج ليقتله، فقال له ابن القرية: أقلني عثرتي، واسقني ريقي فإنه «ليس «٢» جواد إلا له كبوة، ولا شجاع إلا له هبوة، ولا صارم إلا له نبوة» ؛ فقال الحجاج: كلا! والله لأزيرنك «٣»
стр. 237
جهنم؛ قال: فأرحني فإني أجد حرها، فأمر به فضربت عنقه، فلما رآه قتيلاً قال:
لو تركناه حتى نسمع من كلامه!. وفيها ولي إمرة الإسكندرية عياض بن غنم التجيبي. وفيها بعث عبد الملك بن مروان بالشعبي إلى أخيه عبد العزيز صاحب الترجمة إلى مصر بسبب البيعة للوليد بن عبد الملك حسبما ذكرناه في صدر ترجمة عبد العزيز. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل. وفيها ظفر الحجاج برأس محمد بن الأشعث وطيف بها في الأقاليم. وفيها قتل الحجاج حطيطاً الزيات الكوفي، كان عابداً زاهداً يصدع بالحق، قتله الحجاج لتشيعه ولميله لابن الأشعث. قيل: إنه لما أحضره بين يديه قال له الحجاج: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أقول فيهما خيراً، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: ما ولدت في زمانه، فقال له الحجاج: يا بن اللخناء، ولدت في زمان أبي بكر وعمر ولم تولد في زمن عثمان! فقال له حطيط:
يا بن اللخناء، إني وجدت الناس اجتمعوا في أبي بكر وعمر فقلت بقولهم، ووجدت الناس اختلفوا في عثمان فوسعني السكوت، فقال معد لعنه الله (معد صاحب عذاب الحجاج) : إني أريد أن تدفعه إلي، فو الله لأسمعنك صياحه، فسلمه إليه فجعل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت، فلما كان وقت الصبح كسر ساق حطيط، ثم دخل عليه الحجاج لعنه الله فقال له: ما فعلت بأسيرك، فقال: إن رأى الأمير أن يأخذه مني، فقد أفسد علي أهل سجني، فقال له الحجاج: علي به فعذبه بأنواع العذاب وهو صابر، فكان يأتي بالمسال فيغرزها في جسمه وهو صابر، ثم لفه في بارية وألقاه حتى مات. وفيها توفي أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني صاحب العربية وأيام الناس، كان إماماً فيهما، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، شهد القادسية وروى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم.
стр. 238
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع ونصف، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وواحد وعشرون إصبعاً.
*** السنة العشرون من ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر وهي سنة خمس وثمانين- فيها كانت وفاة عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة، حسبما تقدم ذكره، في الطاعون العظيم الذي كان في هذه السنة بمصر وأعمالها، وهو ثامن طاعون كان في الإسلام على قول بعضهم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى في حوادث سنة ست وستين. وفيها غزا محمد بن مروان إرمينية فأقام بها سنة وولى عليها عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، فبنى مدينة أردبيل ومدينة برذعة. وفيها جهز عبد الله بن عبد الملك بن مروان يزيد بن حنين في جيش فلقيه الروم فى جيش كثير فأصيب الناس، وقتل ميمون الجرجاني في ألف نفس من أهل أنطاكية.
وفيها عزل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة عن خراسان، وولي الفضل أخوه مدة يسيرة ثم عزل أيضاً، وولي قتيبة بن مسلم. وفيها قتل موسى بن عبد الله بن خازم «١» السلمي وكان بطلاً شجاعاً وسيداً مطاعاً، كان غلب على ترمذ وما وراء النهر مدة سنين وحارب العرب من هذه الجهة والترك من تلك الجهة، وجرت له وقعات عظيمة، وآخر الأمر أنه خرج ليلة في هذه السنة بعساكره ليغير على جيش فعثر به فرسه فابتدره ناس من ذلك الجيش وقتلوه. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي. وفيها توفي عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني عدي، وكان له لما مات النّبيّ ﷺ أربع سنين. وفيها توفي واثلة بن الأسقع
стр. 239
ابن عبد العزّى بن عبدياليل، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان ينزل ناحية المدينة، فأتى رسول الله ﷺ فصلى معه الصبح وبايعه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا.
ذكر ولاية عبد الله بن عبد الملك على مصر
هو عبد الله ابن الخليفة عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة ابن عبد شمس، القرشي الأموي الأمير أبو [عمر «١» ] ، ولد في حدود سنة ستين ونشأ بدمشق تحت كنف والده عبد الملك، وندبه أبوه في خلافته إلى عدة غزوات، وافتتح المصيصة في سنة أربع وثمانين وقتل وسبى وغنم؛ ثم ولاه أبوه إمرة مصر بعد موت عمه عبد العزيز بن مروان في سنة خمس وثمانين، فتوجه إليها ودخلها في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من سنة خمس وثمانين، وقيل من سنة ست وثمانين. ودخل مصر ابن سبع وعشرين سنة، وكان أبوه عبد الملك أمره أن يعفي آثار عبد العزيز؛ فأول ما دخل عبد الله المذكور استبدل العمال بعمال غيرهم والأصحاب بأصحاب أخر، واستعمل على شرطة مصر عبد الأعلى، ومنع من لبس البرانس، وكان فيه شدة بأس. فلم يكن إلا أشهر وتوفي أبوه عبد الملك بن مروان وولي الخلافة من بعده أخوه الوليد بن عبد الملك، فأقره الوليد على إمرة مصر على عادته؛ فأمر عبد الله المذكور أن تنسخ دواوين مصر بالعربية، وكانت تكتب بالقبطية، ففعل ذلك. ثم وقع في سنة سبع وثمانين الشراقى بمصر وعلت الأشعار بها إلى الغاية، حتى قيل: إن أهل مصر لم يروا في عمرهم مثل
стр. 240
تلك الأيام، وقاست أهل مصر شدائد بسبب الغلاء، فاستشأمت الناس بكعبه.
هذا مع ما كان عليه من الجور؛ فإنه كان يرتشي ويأخذ الأموال من الخراج وغيره.
ولما شاع ذلك عنه طلبه أخوه الوليد من مصر، فخرج عبد الله من مصر إليه بدمشق في صفر سنة ثمان وثمانين، واستخلف على مصر عبد الرحمن بن عمرو بن مخزوم الخولاني. هذا وأهل مصر في شدة عظيمة من عظم الغلاء؛ فأقام عند الوليد مدة يسيرة ثم عاد إلى مصر حتى عزله أخوه الوليد بن عبد الملك عن إمرة مصر في سنة تسعين، وولى عوضه على مصر قرة بن شريك الآتي ذكره. فكانت ولاية عبد الله هذا على مصر ثلاث سنين وعشرة أشهر. وبعد عزله توجه إلى دمشق عند أخيه الوليد. وخرج من مصر بجميع أمواله واستصحب معه الهدايا والتحف إلى أخيه الوليد. فلما وصل إلى الأردن أحيط به من قبل أخيه الوليد فأخذ جميع ما كان معه، وحمل عبد الله المذكور إلى أخيه الوليد. وعبد الله هذا أمه أم ولد لأن أكبر إخوته الوليد ثم سليمان ثم مروان الأكبر- درج «١» - وعائشة، وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن خزيمة؛ ثم يزيد ومروان الأصغر ومعاوية وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان؛ ثم هشام وأمه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومية واسمها عائشة؛ ثم أبو بكر، وكان يعرف ببكار، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله؛ ثم الحكم وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان؛ ثم فاطمة وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة؛ ثم عبد الله هذا صاحب الترجمة، ومسلمة والنّذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج لأمهات الأولاد.
стр. 241
*** السنة الأولى من ولاية عبد الله بن عبد الملك بن مروان على مصر وهي سنة ست وثمانين- فيها كان طاعون القينات، سمي بذلك لأنه بدأ في النساء، وكان بالشام وواسط والبصرة. وفيها سار قتيبة بن مسلم متوجها إلى ولايته فدخل خراسان وتلقاه دهاقين بلخ وساروا معه، وأتاه أيضاً أهل صاغان بهدايا ومفتاح من ذهب وسلموا له بلادهم بالأمان. وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصن بولق «١» وحصن الأخرم. وفيها توفي الخليفة عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أمير المؤمنين أبو الوليد، القرشي الأموي، والد عبد الله هذا صاحب الترجمة؛ بويع بالخلافة بعهد من أبيه مروان بن الحكم، وكان ذلك بعد أن دعا عبد الله بن الزبير لنفسه بالخلافة، وتم أمر عبد الملك المذكور في الخلافة وبقي على مصر والشام، وابن الزبير على باقي البلاد، مدة سبع سنين والحروب ثائرة بينهم، ثم غلب عبد الملك على العراق وما والاها بعد قتل مصعب بن الزبير، ثم ولى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق ومحاربة عبد الله ابن الزبير حتى قتله، واستوثق الأمر بقتل عبد الله بن الزبير لعبد الملك، ودام في الخلافة حتى توفي بدمشق في شوال. وخلافته المجمع عليها (أعني بعد قتل عبد الله ابن الزبير) من وسط سنة ثلاث وسبعين.
وقال الشعبي: خطب عبد الملك فقال: اللهم إن ذنوبي عظام، وإنها صغار في جنب عفوك، فاغفرها لي يا كريم. وكان مولد عبد الملك سنة ست وعشرين من الهجرة، وكان عابداً ناسكاً قبل الخلافة، فلما أتته الخلافة تغير عن ذلك كله وولى الحجاج على العراق. قيل: إن الحسن البصري سئل عن عبد الملك هذا فقال:
ما أقول في رجلٍ الحجاج سيئة من سيئاته!. وفيها هلك ملك الروم الأحرم بورى
стр. 242
قبل عبد الملك بن مروان بشهر. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي. وفيها توفي بشر بن عقربة الجهني أبو اليمان. قال الواقدي: قتل أبوه عقربة يوم أحد، قال بشر: فلقينى رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: «يا حبيب ما يبكيك» فقلت: قتل أبي، قال: «ما ترضى أن أكون أباك وعائشة أمك» ومسح على رأسي بيده، فكان أثريده من رأسي أسود وسائره أبيض. وفيها توفي عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان ممن بايع تحت الشجرة وشهد مع النّبيّ ﷺ غزوة بني النضير والخندق والقريظة. وفيها توفي أبو أمامة «١» صدي بن عجلان الباهلي، من الطبقة الرابعة من الصحابة. وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان، وعزل عبد الملك عن شرطته، وكان الحجاج أمير العراق كله والشرق في هذه السنة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً.
*** السنة الثانية من ولاية عبد الله بن عبد الملك بن مروان على مصر وهي سنة سبع وثمانين- فيها افتتح قتيبة بن مسلم أمير خراسان بيكند. وفيها شرع الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان في بناء جامع دمشق الأموي وكان نصفه كنيسة النصارى، وعلى ذلك صالحهم أبو عبيدة بن الجراح؛ فقال لهم الوليد: إنا قد أخذنا كنيسة مريم عنوة فأنا أهدمها، فرضوا بهدم هذه الكنيسة وإبقاء كنيسة مريم؛ والمحراب الكبير هو مكان باب الكنيسة. ثم كتب الوليد إلى ابن عمه عمر بن
стр. 243
عبد العزيز بن مروان وهو أمير المدينة ببناء مسجد النبي ﷺ . وكانت ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة في أوائل هذه السنة أيضاً وله من العمر خمس وعشرون سنة بعد أن صرف عنها؟؟؟ بن إسماعيل المخزومي؛ ودام عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة إلى أن عزله الوليد أيضاً بأبي بكر بن [عمرو بن «١» ] حزم.
وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة؛ وكان على قضاء المدينة أبو بكر ابن عمرو بن حزم. وفيها توفي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد «٢» . وفيها قدم نيزك طرخان على قتيبة بن مسلم فصالحه وأطلق ما في يده من أسارى المسلمين.
وفيها غزا قتيبة المذكور نواحي بخارا فكانت ملحمة عظيمة هزم الله فيها المشركين.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك فافتتح قمقم «٣» وبحيرة الفرسان، فقتل وسبى، ويسر الله تعالى في هذا العام بفتوحات كبار على الإسلام. وفيها توفى قبيصة بن ذؤيب ابن حلحلة بن عمرو الخزاعي، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة والثانية من أهل الشام، ولد على عهد رسول الله ﷺ عام الفتح، وكان على خاتم الخليفة عبد الملك بن مروان وصاحب أمره وأقرب الناس إليه. وفيها توفي مطرف بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب، أبو عبد الله الحرشي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وكان له فضل وورع ورواية، وكان بعيداً من الفتن. وفيها توفي أبو الأبيض العنسىّ وهو من التابعين، كان كثير الغزو والجهاد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً.
стр. 244
*** السنة الثالثة من ولاية عبد الله بن عبد الملك بن مروان على مصر وهي سنة ثمان وثمانين- فيها جمع الروم جمعاً عظيماً وأقبلوا فالتقاهم قتيبة بن مسلم ومعه العباس ابن الخليفة الوليد، فهزم الله الروم وقتل منهم خلق كثير، وافتتح المسلمون سوسنة وطوانة. وفيها غزا قتيبة أيضاً الترك فزحفوا إليه ومعهم أهل فرغانة وعليهم ابن أخت ملك الصين، ويقال: بلغ جمعهم مائتي ألف، فكسرهم قتيبة، وكانت ملحمة عظيمة أيضاً. وفيها توفي عبد الله بن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري الخزرجي من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وفيها كان فتح طوانة من أرض الروم على يد مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بن عبد الملك. وفيها حج بالناس أمير المدينة عمر بن عبد العزيز ووصل جماعةً من قريش، وساق معه بدناً وأحرم من ذي الحليفة، فلما كان بالتنعيم أخبر أن مكة قليلة الماء وأنهم يخافون على الحاج العطش، فقال عمر: تعالوا ندع الله تعالى، فدعا ودعا الناس معه، فما وصلوا إلى البيت إلا مع المطر، وسال الوادي فخاف أهل مكة من شدته، ومطرت عرفة ومكة وكثر الخصب. وفيها كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بإدخال حجر أزواج النّبيّ ﷺ في المسجد وأن يشترى ما بنواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع وأن يقدم القبلة، ففعل عمر ذلك. وفيها توفي عبد الله بن بسر المازني (مازن بن منصور) وكان ممن صلى إلى القبلتين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وواحد وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً.
стр. 245
*** السنة الرابعة من ولاية عبد الله بن عبد الملك بن مروان على مصر وهي سنة تسع وثمانين فيها افتتح موسى بن نصير جزيرتى ما يرقة «١» ومنرقة، وهما جزيرتان في البحر بين جزيرة صقلية وجزيرة الأندلس، وتسمى هذه الغزوة غزوة الأشراف لكثرة الأشراف التي كانوا بها (أعني أشراف العرب) . وفيها غزا قتيبة «وردان خذاه» ملك بخارا فلم يطقهم ورجع. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك عمورية فلقي جمعاً من الروم فهزمهم الله. وفيها ولي خالد بن عبد الله القسري مكة وهي أول ولايته. وفيها غزا مسلمة أيضاً والعباس بن الوليد بن عبد الملك الروم، فافتتح مسلمة حصن سورية وافتتح العباس مدينة أذرولية «٢» . وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز. وفيها توفي ظليم مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بإفريقية. وفيها عزل عمران بن عبد الرحمن عن قضاء مصر بعبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وله خمس وعشرون سنة.
وفيها توفي عمران بن حطان «٣» السدوسي الخارجي، كان شاعر الخوارج؛ وروى عن أبي موسى وعائشة ﵄، وكان عمران فصيحاً «٤» قبيح الشكل، وكانت زوجته جميلة، فدخل عليها يوماً وهي بزينتها فأعجبته وعلمت منه ذلك، فقالت: أبشر فإني وإياك في الجنة؛ قال: ومن أين علمت؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وأنا ابتليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة. ومن شعره فى عبد الرحمن ابن ملجم وقومه:
يا ضربةً من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
стр. 246
إنّى لأذكره يوما فأحسبه ... أو فى البرية عند الله ميزانا
أكرم بقومٍ بطون الطير أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا
قلت: وهذا مذهب الخوارج، فإنهم يكفرون بالمعصية. وفيها توفي يحيى بن يعمر أبو سليمان الليثي البصري، وكان عالماً بالقراءات والعربية، وهو أول من نقط المصاحف، وكان ولاه الحجاج [من بره «١» ] قضاء مرو، وكان يقضى بالشاهد واليمين اهـ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ذكر ولاية قرة بن شريك على مصر
هو قرة بن شريك بن مرثد بن حازم «٢» بن الحارث بن حبش بن سفيان بن عبد الله ابن ناشب بن هدم «٣» بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان العبسي أمير مصر؛ ولي مصر بعد عزل عبد الله بن عبد الملك بن مروان من قبل الوليد بن عبد الملك بن مروان على صلاة مصر وخراجها، ودخلها يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة تسعين.
قال العلامة شمس الدين يوسف بن قرأوغلى في تاريخه «مرآة الزمان» : كان قرة من أمراء بني أمية وولاه الوليد مصر، وكان سيئ التدبير خبيثاً ظالماً غشوماً فاسقاً منهمكاً، وهو من أهل قنسرين، قدم مصر سنة تسع وثمانين أو سنة تسعين، وكان الوليد عزل أخاه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وولى قرة وأمره ببناء جامع مصر والزيادة فيه سنة اثنتين وتسعين، فأقام في بنائه سنتين. قلت: وقد قدمنا في ترجمة عمرو بن العاص عند ذكر بنائه جامعه نبذة من ذلك اهـ.
стр. 247
قال: وكان الناس يصلون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ قرة من بنائه، وكان الصناع إذا انصرفوا من البناء دعا بالخمور والزمور والطبول فيشرب الخمر في المسجد طول الليل، ويقول: لنا الليل ولهم النهار؛ وكان أشر خلق الله؛ وتحالفت الأزارقة على قتله فعلم فقتلهم؛ وكان عمر بن عبد العزيز يعتب على الوليد لتوليته مصر. ومات قرة في سنة خمس وتسعين بمصر. وورد على الوليد البريد في يوم واحد بموت الحجاج بن يوسف وموت قرة، فصعد المنبر وهو حاسر شعثان الرأس فنعاهما إلى الناس، وقال: والله لأشفعن لهما شفاعة تنفعهما؛ فقال عمر بن العزيز ﵁ وهو ابن عم الوليد المذكور: انظروا إلى هذا الخبيث، لا أناله الله شفاعة محمد ﷺ وألحقه بهما، فاستجاب الله دعاءه وأهلك الوليد بعدهما بثمانية أشهر أو أقل. انتهى كلام صاحب «مرآة الزمان» بعد ما ساق وفاته في سنة خمس وتسعين؛ والأصح ما سنذكره في وفاته من قول الذهبي وغيره من المؤرخين.
وأما قوله: إن الوليد مات بعد وفاة قرة بثمانية أشهر، فليس كذلك؛ لأن وفاة قرة في ليلة الخميس لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين؛ ووفاة الوليد في نصف جمادى الآخرة، قاله خليفة بن خيّاط اهـ.
وقيل: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار أيام الوليد بن عبد الملك، فقال: الحجاج بالعراق! والوليد بالشأم! وقرة بن شريك بمصر! وعثمان بالمدينة! وخالد بمكة! اللهم قد امتلأت الدنيا ظلماً وجوراً فأرح؟؟؟ الناس!. فلم يمض غير قليل حتى توفّى الحجاج وقرّة بن؟؟؟ في شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، وعزل عثمان وخالد، فاستجاب الله لعمر.
стр. 248
قال ابن الأثير: وما أشبه هذه القصة بقصة ابن عمر مع زياد بن أبيه حيث كتب إلى معاوية يقول: قد ضبطت العراق بشمالي؛ ويميني فارغة- يعرض بذلك أن شماله للعراق وتكون يمينه بإمارة الحجاز- فقل ابن عمر لما بلغه ذلك: اللهم أرحنا من يمين زياد وأرح أهل العراق من شماله؛ فكان أول خبر جاءه موت زياد.
ولما كان قرة على مصر أمره الوليد بهدم ما بناه عمه عبد العزيز بن مروان لما كان أمير مصر ففعل قرة ذلك؛ ثم أخذ بركة «١» الحبش وأحياها وغرس بها القصب، فقيل لها «إسطبل قرة» .
وقال الحافظ أبو سعيد بن يونس، بعد ما ذكر نسبه بنحو مما ذكرناه، كان أمير مصر للوليد بن عبد الملك وكان خليعاً، روى عن سعيد بن المسيب حديثاً واحداً، رواه عنه حكيم بن عبد الله بن قيس. وتوفي قرة بمصر وهو وال عليها في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين، وكان الوليد بن عبد الملك ولى قرة مصر وعزل عنها أخاه عبد الله ابن عبد الملك؛ فقال رجل من أهل مصر شعراً وكتب به إلى الوليد بن عبد الملك:
عجباً ما عجبت حين أتانا ... أن قد أمرت قرة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا ... ثم فيلت «٢» فيه رأي أبيك
стр. 249
ثم قال ابن يونس: حدثني أبو أحمد بن يونس بن عبد الأعلى وكهمس ابن معمر وعيسى بن أحمد الصدفي وغيرهم، قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ابن عبد الله بن قيس عن قرة بن شريك: أنه سأل ابن المسيب عن الرجل ينكح عبده وليدته ثم يريد أن يفرق بينهما؛ قال: ليس له أن يفرق بينهما. قال ابن يونس: ليس لقرة بن شريك غير هذا الحديث الواحد. انتهى كلام ابن يونس.
قلت: وكانت ولاية قرة على مصر ست سنين إلا أياماً. وتولى إمرة مصر بعده عبد الملك بن رفاعة الآتي ذكره؛ وكان من عظماء أمراء الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد عند أهل الشأم من أفضل خلفائهم، بنى المساجد: مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنابر، وأعطى المجذمين أموالاً ومنعهم من سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوحات عظاما: منها الأندلس وكاشعر والهند؛ وكان يمر بالبقال فيقف عليه ويأخذ منه حزمة بقل فيقول:
بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها. وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع؟؟؟
والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضاً عن البناء. وكان سليمان ابن عبد الملك صاحب طعام ونكاح. فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن النكاح والطعام. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً في أيامه: ما وزدك الليلة، وكم تحفظ من القرآن، وما تصوم من الشهر؟
قلت: ولم أذكر هذا كله إلا لما قدمناه من الحط على الوليد من أقوال المؤرخين، فأردت أن أذكر من محاسنه أيضا ما نقله غيرهم اهـ.
стр. 250
*** السنة الأولى من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة تسعين- فيها غزا قتيبة بن مسلم «وردان «١» خذاه» الغزوة الثانية، فاستصرخ وردان خذاه على قتيبة بالترك، فالتقاهم قتيبة وهزمهم الله تعالى وفض جمعهم. ثم غزا قتيبة أيضاً في السنة أهل الطالقان بخراسان فقتل منهم مقتلة عظيمة. وفيها غزا العباس ابن الخليفة الوليد ابن عبد الملك بن مروان فبلغ إلى أرزن «٢» ثم رجع. وفيها توفي خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، أبو هاشم الأموي الدمشقي أخو معاوية الرجل الصالح وعبد الله.
قيل: إن خالداً هذا بويع بالخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد بن معاوية فلم يتم أمره، ووثب مروان بن الحكم على الأمر وخلع خالداً هذا وتزوج بأمه، وقد مر ذكر قتلها له في ترجمة مروان. وكان خالد المذكور موصوفاً بالعلم والعقل والشجاعة، وكان مولعاً بالكيمياء. وقيل: إنه هو الذي وضع حديث السفياني «٣» «إنه يأتي في آخر الزمان ... » لما سمع بحديث المهدي. انتهى. وفيها توفي عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكان فقيهاً شاعراً. وفيها توفي أبو الخير مرثد «٤» بن عبد الله اليزني. وفيها فتحت بخارا على يد قتيبة، ثم صالح قتيبة أهل الصغد ورجع بهم ملكهم طرخون إلى بلاده.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم وافتتح الحصون الخمسة [التي بسورية «٥» ] .
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد.
следующие страницы →