Полный текст (6 264 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إنّى لأذكره يوما فأحسبه ... أو فى البرية عند الله ميزانا
أكرم بقومٍ بطون الطير أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا
قلت: وهذا مذهب الخوارج، فإنهم يكفرون بالمعصية. وفيها توفي يحيى بن يعمر أبو سليمان الليثي البصري، وكان عالماً بالقراءات والعربية، وهو أول من نقط المصاحف، وكان ولاه الحجاج [من بره «١» ] قضاء مرو، وكان يقضى بالشاهد واليمين اهـ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
ذكر ولاية قرة بن شريك على مصر
هو قرة بن شريك بن مرثد بن حازم «٢» بن الحارث بن حبش بن سفيان بن عبد الله ابن ناشب بن هدم «٣» بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان العبسي أمير مصر؛ ولي مصر بعد عزل عبد الله بن عبد الملك بن مروان من قبل الوليد بن عبد الملك بن مروان على صلاة مصر وخراجها، ودخلها يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة تسعين.
قال العلامة شمس الدين يوسف بن قرأوغلى في تاريخه «مرآة الزمان» : كان قرة من أمراء بني أمية وولاه الوليد مصر، وكان سيئ التدبير خبيثاً ظالماً غشوماً فاسقاً منهمكاً، وهو من أهل قنسرين، قدم مصر سنة تسع وثمانين أو سنة تسعين، وكان الوليد عزل أخاه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وولى قرة وأمره ببناء جامع مصر والزيادة فيه سنة اثنتين وتسعين، فأقام في بنائه سنتين. قلت: وقد قدمنا في ترجمة عمرو بن العاص عند ذكر بنائه جامعه نبذة من ذلك اهـ.
стр. 247
قال: وكان الناس يصلون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ قرة من بنائه، وكان الصناع إذا انصرفوا من البناء دعا بالخمور والزمور والطبول فيشرب الخمر في المسجد طول الليل، ويقول: لنا الليل ولهم النهار؛ وكان أشر خلق الله؛ وتحالفت الأزارقة على قتله فعلم فقتلهم؛ وكان عمر بن عبد العزيز يعتب على الوليد لتوليته مصر. ومات قرة في سنة خمس وتسعين بمصر. وورد على الوليد البريد في يوم واحد بموت الحجاج بن يوسف وموت قرة، فصعد المنبر وهو حاسر شعثان الرأس فنعاهما إلى الناس، وقال: والله لأشفعن لهما شفاعة تنفعهما؛ فقال عمر بن العزيز ﵁ وهو ابن عم الوليد المذكور: انظروا إلى هذا الخبيث، لا أناله الله شفاعة محمد ﷺ وألحقه بهما، فاستجاب الله دعاءه وأهلك الوليد بعدهما بثمانية أشهر أو أقل. انتهى كلام صاحب «مرآة الزمان» بعد ما ساق وفاته في سنة خمس وتسعين؛ والأصح ما سنذكره في وفاته من قول الذهبي وغيره من المؤرخين.
وأما قوله: إن الوليد مات بعد وفاة قرة بثمانية أشهر، فليس كذلك؛ لأن وفاة قرة في ليلة الخميس لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين؛ ووفاة الوليد في نصف جمادى الآخرة، قاله خليفة بن خيّاط اهـ.
وقيل: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار أيام الوليد بن عبد الملك، فقال: الحجاج بالعراق! والوليد بالشأم! وقرة بن شريك بمصر! وعثمان بالمدينة! وخالد بمكة! اللهم قد امتلأت الدنيا ظلماً وجوراً فأرح؟؟؟ الناس!. فلم يمض غير قليل حتى توفّى الحجاج وقرّة بن؟؟؟ في شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، وعزل عثمان وخالد، فاستجاب الله لعمر.
стр. 248
قال ابن الأثير: وما أشبه هذه القصة بقصة ابن عمر مع زياد بن أبيه حيث كتب إلى معاوية يقول: قد ضبطت العراق بشمالي؛ ويميني فارغة- يعرض بذلك أن شماله للعراق وتكون يمينه بإمارة الحجاز- فقل ابن عمر لما بلغه ذلك: اللهم أرحنا من يمين زياد وأرح أهل العراق من شماله؛ فكان أول خبر جاءه موت زياد.
ولما كان قرة على مصر أمره الوليد بهدم ما بناه عمه عبد العزيز بن مروان لما كان أمير مصر ففعل قرة ذلك؛ ثم أخذ بركة «١» الحبش وأحياها وغرس بها القصب، فقيل لها «إسطبل قرة» .
وقال الحافظ أبو سعيد بن يونس، بعد ما ذكر نسبه بنحو مما ذكرناه، كان أمير مصر للوليد بن عبد الملك وكان خليعاً، روى عن سعيد بن المسيب حديثاً واحداً، رواه عنه حكيم بن عبد الله بن قيس. وتوفي قرة بمصر وهو وال عليها في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين، وكان الوليد بن عبد الملك ولى قرة مصر وعزل عنها أخاه عبد الله ابن عبد الملك؛ فقال رجل من أهل مصر شعراً وكتب به إلى الوليد بن عبد الملك:
عجباً ما عجبت حين أتانا ... أن قد أمرت قرة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا ... ثم فيلت «٢» فيه رأي أبيك
стр. 249
ثم قال ابن يونس: حدثني أبو أحمد بن يونس بن عبد الأعلى وكهمس ابن معمر وعيسى بن أحمد الصدفي وغيرهم، قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ابن عبد الله بن قيس عن قرة بن شريك: أنه سأل ابن المسيب عن الرجل ينكح عبده وليدته ثم يريد أن يفرق بينهما؛ قال: ليس له أن يفرق بينهما. قال ابن يونس: ليس لقرة بن شريك غير هذا الحديث الواحد. انتهى كلام ابن يونس.
قلت: وكانت ولاية قرة على مصر ست سنين إلا أياماً. وتولى إمرة مصر بعده عبد الملك بن رفاعة الآتي ذكره؛ وكان من عظماء أمراء الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد عند أهل الشأم من أفضل خلفائهم، بنى المساجد: مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنابر، وأعطى المجذمين أموالاً ومنعهم من سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوحات عظاما: منها الأندلس وكاشعر والهند؛ وكان يمر بالبقال فيقف عليه ويأخذ منه حزمة بقل فيقول:
بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها. وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع؟؟؟
والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضاً عن البناء. وكان سليمان ابن عبد الملك صاحب طعام ونكاح. فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً عن النكاح والطعام. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضاً في أيامه: ما وزدك الليلة، وكم تحفظ من القرآن، وما تصوم من الشهر؟
قلت: ولم أذكر هذا كله إلا لما قدمناه من الحط على الوليد من أقوال المؤرخين، فأردت أن أذكر من محاسنه أيضا ما نقله غيرهم اهـ.
стр. 250
*** السنة الأولى من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة تسعين- فيها غزا قتيبة بن مسلم «وردان «١» خذاه» الغزوة الثانية، فاستصرخ وردان خذاه على قتيبة بالترك، فالتقاهم قتيبة وهزمهم الله تعالى وفض جمعهم. ثم غزا قتيبة أيضاً في السنة أهل الطالقان بخراسان فقتل منهم مقتلة عظيمة. وفيها غزا العباس ابن الخليفة الوليد ابن عبد الملك بن مروان فبلغ إلى أرزن «٢» ثم رجع. وفيها توفي خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، أبو هاشم الأموي الدمشقي أخو معاوية الرجل الصالح وعبد الله.
قيل: إن خالداً هذا بويع بالخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد بن معاوية فلم يتم أمره، ووثب مروان بن الحكم على الأمر وخلع خالداً هذا وتزوج بأمه، وقد مر ذكر قتلها له في ترجمة مروان. وكان خالد المذكور موصوفاً بالعلم والعقل والشجاعة، وكان مولعاً بالكيمياء. وقيل: إنه هو الذي وضع حديث السفياني «٣» «إنه يأتي في آخر الزمان ... » لما سمع بحديث المهدي. انتهى. وفيها توفي عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكان فقيهاً شاعراً. وفيها توفي أبو الخير مرثد «٤» بن عبد الله اليزني. وفيها فتحت بخارا على يد قتيبة، ثم صالح قتيبة أهل الصغد ورجع بهم ملكهم طرخون إلى بلاده.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم وافتتح الحصون الخمسة [التي بسورية «٥» ] .
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد.
стр. 251
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وتسعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً واثنان وعشرون إصبعاً.
*** السنة الثانية من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة إحدى وتسعين- فيها سار قتيبة بن مسلم الى أن وصل الى فارياب «١» فخرج إليه ملكها سامعاً مطيعاً، فاستعمل عليها قتيبة عامر بن مالك ورجع. وفيها عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاها أخاه مسلمة بن عبد الملك بن مروان؛ فقدم مسلمة وانتدب إلى الغزو فغزا إلى أن وصل في هذه السنة إلى الباب من بحر أذربيجان، فافتتح مدائن وحصوناً كثيرة. وفيها افتتح قتيبة بن مسلم أمير خراسان شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فارياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى طرخون ملك تلك البلاد، فجرت له معه حروب ومواقف؛ ثم صالحه عبد الرحمن وأعطاه «٢» طرخون أموالاً، وتقهقر إلى أخيه قتيبة إلى بخارا، فانصرفوا حتى قدموا مرو؛ فقالت الصغد لطرخون ملكهم: إنك رضيت بالذل والجزية وأنت شيخ كبير لا حاجة لنا فيك، وعزلوه عنهم. وفيها غزا موسى بن نصير طليطلة (مدينة بالأندلس من بلاد الغرب) بعد ما أستولي على الجزيرة وأفتتح حصونها، ودخل طليطلة عنوةً، فوجد في دار المملكة مائدة سليمان بن داود ﵉؛ وهي من خليطين ذهب وفضة وعليها ثلاثة أطواق من لؤلؤ وجوهر. وقال الهيثم: افتتحها طارق في سنة اثنتين وتسعين، وقيل غير ذلك. وفيها أيضاً قتل قتيبة طرخان ملك الترك وبعث برأسه الى الحجاج ابن يوسف الثقفي. وفيها قدم محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج من اليمن بهدايا
стр. 252
عظيمة، فأرسلت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد وبنت عمه تطلبها منه؛ فقال محمد أخو الحجاج: حتى يراها أمير المؤمنين فغضبت، ثم رآها الوليد وبعث بها إلى أم البنين فلم تقبلها، وقالت: قد غصبها من أموال الناس؛ فسأله الوليد؛ فقال: معاذ الله! فأحلقه الوليد بين الركن والمقام خمسين يميناً أنه ما ظلم أحداً ولا غصبه حتى قبلتها أم البنين. وكان محمد هذا عامل صنعاء، وكان يسب علي بن أبي طالب ﵁ على المنابر؛ ولهذا كان يقول عمر بن عبد العزيز: «الحجاج بالعراق! وأخوه محمد باليمن! وعثمان بن حيان بالحجاز! والوليد بالشأم! وقرة بن شريك بمصر! امتلأت بلاد الله جورا!. وفيها حج بالناس الوليد ابن عبد الملك، فلما دخل إلى المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه وأخرج الناس منه ولم يبق غير سعيد بن المسيب، فلم يجسر أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له:
لو قمت! فقال: لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي أقوم فيه؛ قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين! قال: والله لا أقوم إليه؛ قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة فقال: من ذلك الشيخ؟
أهو سعيد؟ قال عمر: نعم، ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر؛ فقال الوليد: قد علمنا حاله ونحن نأتيه، فدار في المسجد ثم أتاه، فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ - فو الله ما تحرك سعيد- فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ فانصرف الوليد وهو يقول: هذا بقية الناس. وصلى الوليد الجمعة بالمدينة فخطب الناس الخطبة الأولى جالساً. ثم قام فخطب الثانية قائماً.
قال إسحاق بن يحيى: فقلت لرجاء بن حيوة وهو معه: أهكذا يصنعون؟ قال:
هكذا صنع معاوية وهلم جرا؛ قال فقلت: ألا تكلمه! قال: أخبرني قبيصة بن
стр. 253
ذؤيب أنه كلم عبد الملك فلم يترك القعود وقال: هكذا خطب عثمان؛ قال فقلت: والله ما خطب إلا قائماً؛ قال رجاء: روى لهم شىء فأخذوا به. وفيها توفي أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم «١» بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري النجاري الخزرجىّ خادم رسول الله ﷺ وآخرهم موتاً، وهو من المكثرين، مات في هذه السنة؛ قاله الإمام أحمد، وكذا قال الهيثم بن عدي وسعيد بن عفير وأبو عبيد.
وقال الواقدي: سنة اثنتين وتسعين، وتابعه معن بن عيسى عن ابن لأنس ابن مالك. وقال سعيد بن عامر وإسماعيل بن علية وأبو نعيم والمدائني والفلاس وخليفة وقعنب وغيرهم: سنة ثلاث وتسعين. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري:
اختلف علينا مشيختنا في سن أنس: فقال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين، وقال بعضهم: بلغ مائة وسبع سنين، وقال يحيى بن بكير: توفي أنس وهو ابن مائة وسنة، ومات له في الطاعون الجارف ثمانون ولداً.
قلت: وهذا بدعاء النبي ﷺ ، فإنه دعا له: «اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك له فيه» . قال أنس: فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدّثنى ابنتي آسية «٢» أنه دفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة تسعة وعشرون ومائة. وفيها توفى محمد ابن يوسف الثقفي أخو الحجاج عامل صنعاء باليمن، وقد تقدم ذكر هديته إلى الوليد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وسبعة عشر إصبعاً.
стр. 254
*** السنة الثالثة من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة اثنتين وتسعين- فيها حج بالناس الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز. وفيها غزا عمر بن الوليد ومسلمة ابن عبد الملك بلاد الروم وفتح مسلمة حصوناً كثيرة، يقال: إنه بلغ إلى الخليج وفتح سوسنة. وفيها توفي إبراهيم بن يزيد بن شريك من تيم الرباب «١» ، أبو أسماء، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وكان يقصّ على الناس. وفيها توفّى بلال ابن أبي الدرداء أبو محمد الأنصاري، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشأم، كان قاضياً على دمشق في زمان يزيد بن معاوية وبعده إلى أن عزله عبد الملك بن مروان بأبي إدريس الخولاني. وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن جارية «٢» بن عامر بن مجمع أبو محمد «٣» الأنصاري، من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وأمه جميلة بنت ثابت ابن أبي الأقلح، وأخوه لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب؛ وولد على عهد رسول الله ﷺ . وفيها توفي طويس المغني صاحب الألحان، وهو أول من غنى بالألحان في الإسلام، وهو تصغير طاوس. وفيها فتحت جزيرة الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير. وفيها فتحت جزيرة سردانية على يد جيش موسى بن نصير، وهذه الجزيرة في بحر الروم، وهى من أكبر الجزائر ما عدا جزيرة صقلّيّة وأقريطش، وهي كثيرة الفواكه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرة أصابع.
стр. 255
*** السنة الرابعة من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة ثلاث وتسعين- فيها افتتح قتيبة خوارزم وسمرقند، وكان ساكنها الصغد، وبنى بها مسجداً وخطب بنفسه فيه، وأخذ من أهلها عن رقبتهم ستة آلاف ألفٍ وثلاثين ألفاً، ووجد في سمرقند جارية من ولد يزدجرد فبعث بها إلى الحجاج فأرسلها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك فأولدها يزيد بن الوليد. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم وفتح حصن الحديد وقلعة غزالة. وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سميساط «١» وطرسوس والمرزبان «٢» . وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة بسبب أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بظلم الحجاج وسفكه الدماء وما يفعل بأهل العراق وخوفه عواقبه.
وفيها توفي وضاح اليمن، واسمه عبد الله بن إسماعيل بن عبد كلال، كان من أهل صنعاء من الأنبار، وقيل: اسمه عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال؛ ووضاح اليمن لقب له لجمال وجهه، وهو صاحب القصة مع أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك بن مروان التي ذكرها ابن خلكان في تاريخه. وفيها فتحت طليطلة.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غضب موسى بن نصير على مولاه طارق، فسار إليه في رجب منها، واستخلف على إفريقيّة ابنه عبد الله بن موسى، وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف، فتلقاه طارق وترضاه فرضي عنه وقبل عذره وسيره إلى طليطلة، وهي من عظام مدائن الأندلس، وهي من قرطبة على خمسة «٣» أيام، ففتحها وأصاب فيها مائدة سليمان بن داود ﵉، وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به.
стр. 256
وفيها غزا العباس بن الوليد الروم ففتح سميساط والمرزبان «١» . وفيها حج بالناس عبد العزيز بن الوليد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وإصبعان، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً.
*** السنة الخامسة من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة أربع وتسعين- فيها غزا قتيبة بن مسلم بلد كابل فحصرها حتى فتحها، ثم افتتح أيضاً فرغانة بعد أن حصرها وأخذها عنوة، وبعث جيشاً فافتتحوا الشاش. وفيها قتل محمد الثقفي صصة بن ذاهر. قيل: إن صصة هذا هو الذي اقترخ الشّطرنج. وفيها افتتح مسلمة ابن عبد الملك سندرة «٢» من أرض الروم. وفيها غزا العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الروم وافتتح أنطاكية. وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند. وفيها حج بالناس مسلمة بن عبد الملك. وفي أيام الوليد بن عبد الملك فتح الله على الإسلام فتوحاً عظيمة، وعاد الجهاد شبيهاً بأيام عمر ﵁. وفيها كانت بالشأم زلازل عظيمة دامت في غالب البلاد أربعين يوماً، وكان أولها من عشرين من آذار فهدمت الأبنية ووقع معظم أنطاكية. وفيها هرب يزيد بن المهلب وإخوته من حبس الحجاج إلى الشأم. وفيها غزا قتيبة ما وراء النهر وفتح فرغانة وخجندة. وفيها توفى الحسن ابن محمد بن الحنفية، وأمه جمال بنت قيس بن مخرمة، وكنيته أبو محمد، وهو من الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة، وكان من ظرفاء بني هاشم، وكان يقدم على أخيه
стр. 257
أبي هاشم عبد الله بن محمد في الفضل والهيبة. وفيها قتل الحجاج سعيد بن جبير مولى بني والبة، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، كان من كبار العلماء الزهاد، وكان ابن عباس يعظمه، وكان خرج مع محمد بن الأشعث على الحجاج، ثم انحاز بعد قتل ابن الأشعث إلى أصبهان، وكان عامل أصبهان ديناً، فأمر سعيدا بالخروج من بلده بما ألح عليه الحجاج في طلبه، فخرج إلى أذربيجان مدة ثم توجه إلى مكة مستجيراً بالله وملتجئاً إلى حرم الله، فبعث به خالد القسري إلى الحجاج.
وكان الحجاج كتب إلى الوليد أنّ جماعة من التابعين قد التجئوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى عامل مكة خالد القسري: احملهم إلى الحجاج، وكانوا خمسة: سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وطلق بن حبيب، فأما عمرو وعطاء فأطلقا، وأما طلق فمات في الطريق، وأما مجاهد فحبس حتى مات الحجاج، لا عفا الله عنه، وأما سعيد بن جبير فقتل. وقصة قتلته طويلة وهي أشهر من أن تذكر. وفيها توفي سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن «١» عائذ بن عمران بن مخزوم، وأمه أم سعيد بنت عثمان بن حكيم السلمي، وكنيته أبو محمد- أعني ابن المسيب- وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكان يقال له فقيه الفقهاء وعالم العلماء، وهو أحد الفقهاء السبعة، وقد نظمهم بعض الشعراء:
ألا كل من لا يقتدي بأئمةٍ ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم: عبيد الله، عروة، قاسم ... سعيد، سليمان، أبو بكر، خارجة
وفيها توفي عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله الأسدي، هو أيضاً أحد الفقهاء السبعة وهو المشار إليه في ثاني اسم من البيت الثاني، وهو من الطبقة
стр. 258
الثانية من تابعي أهل المدينة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهو شقيق عبد الله بن الزبير ﵃؛ وبينه وبين عبد الله المذكور عشرون سنة، وكان ابتلى بالأكلة فى رجله فقطعنت وهو صائم، فصبر على ذلك وحمد الله عليه، ﵁؛ وفي سنة وفاته اختلاف كثير. وفيها توفي عطاء بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ ﷺ ، وكنيته أبو محمد، وقيل أبو يسار، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة.
قال ابن «١» بكير: كان بالمدينة ثلاثة إخوة لا ندري أيهم أفضل: عطاء وسليمان وعبد الله بنو يسار، وثلاثة إخوة: محمد وأبو بكر وعمر بنو المنذر، وثلاثة إخوة:
بكير ويعقوب وعمر بنو عبد الله الأشج «٢» . وفيها توفي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين، وكنيته أبو محمد، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وأمه أم ولد يقال لها غزالة، وقيل سلامة، وقيل سلافة، وقيل شاه زنان، وكانت سندية، وكان علي هذا باراً بها، ﵁ وعن أسلافه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وإصبع واحد.
*** السنة السادسة من ولاية قرة بن شريك على مصر وهي سنة خمس وتسعين- فيها وفد موسى بن نصير من بلاد المغرب على الوليد بالشأم ومعه الأموال وثلاثون ألف رأس من الرقيق. وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك مدينة الباب من إرمينية وخربها ثم بناها بعد ذلك مسلمة المذكور. وفيها ولد أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء
стр. 259
بني العباس. وفيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم ففتح هرقلة وغيرها. وفيها حج بالناس بشر بن الوليد بن عبد الملك. وفيها توفي جعفر بن عمرو بن أمية الضّمرىّ وهو أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة. وفيها توفي الخبيث الحجاج بن يوسف ابن الحكم بن [أبي «١» ] عقيل بن مسعود بن عامر، أبو محمد الثقفي.
قال الشعبي: كان بين الحجاج وبين الجلندا الذي ذكره [الله] في كتابه العزيز في قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
سبعون جداً. وقيل:
إنه كان من ولد عبد «٢» من عبيد الطائف لبني ثقيف ولد أبي رغال دليل أبرهة إلى الكعبة.
قلت: هو مشبئوم؟؟؟ هو وأجداده، وعليهم اللعنة والخزي، فإنه كان مع ظلمه وإسرافه فى القتل مشئوم الطلعة؛ [ «٣» وكان فى أيامه طاعون الإسراف، مات فيه خلائق لا تحصر؛ حتى قيل: لا يكون الطاعون والحجاج! وكان معظم الطاعون بواسط] .
وقيل: كان اسم الحجاج أولاً كليب، ومولده سنة تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين، وقيل سنة إحدى وأربعين، بمصر بدرب «٤» السراجين، ثم خرج به أبوه يوسف مع
стр. 260
مروان بن الحكم إلى الشأم. ولم أدر ما أذكر من مساوئ هذا الخبيث في هذا المختصر، فإن مساوئه لا تحصر، غير أنني أكتفي فيه بما شاع عنه في الآفاق من قبيح الفعال، وسوء الخصال.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعاً.
ذكر ولاية عبد الملك بن رفاعة الأولى على مصر
هو عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي المصري أمير مصر، ولي مصر بعد موت قرة بن شريك من قبل الوليد بن عبد الملك بن مروان، وليها في شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين على الصلاة، فلم يكن بعد ولايته إلا أيام ومات الوليد ابن عبد الملك وتخلف أخوه سليمان بن عبد الملك، فأقر عبد الملك هذا على عمل مصر، فدام على ذلك وحسنت سيرته، فإنه كان عفيفاً عن الأموال ديناً وفيه عدل في الرعية، وكان ثقة أميناً فاضلاً، روى عنه الليث بن سعد وغيره.
قال الليث بن سعد: كان يقول عبد الملك بن رفاعة: «إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الطاق» يعني بهذا الكلام في حق كل عامل على بلد.
قلت: وهذا أيضاً في حق كل حاكم كائن من كان. وفى الجملة فبينه «١» وبين قرّة لبن شريك زحام. وكان المتولي في أيام عبد الملك بن رفاعة على خراج مصر أسامة ابن زيد التنوخي، وعلى الشرطة أخاه الوليد بن رفاعة.
قال الكندي: كتب سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى أسامة: احلب الدر حتى ينقطع، وأحلب الدم حتى ينصرم. قال: فذلك أول شدة دخلت على أهل مصر. وقال يوماً سليمان بن عبد الملك- وقد أعجبه فعل أسامة بن زيد المذكور-:
стр. 261
هذا أسامة لا يرتشي ديناراً ولا درهماً؛ فقال له ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان: أنا أذلّك على من هو شر من أسامة ولا يرتشي ديناراً ولا درهماً؛ قال سليمان: ومن هو؟ قال عمر: عدو الله إبليس؛ فغضب سليمان وقام من مجلسه.
ولما مات سليمان بن عبد الملك وتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وجه في عزل أسامة بن زيد المذكور قبل دفن سليمان، وأقر عبد الملك بن رفاعة على عمله بمصر مدة، ثم عزله بأيوب بن شرحبيل في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين. وكانت ولاية عبد الملك بن رفاعة على مصر في هذه المرة ثلاث سنين تخميناً. وتأتي بقية ترجمته في ولايته الثانية إن شاء الله تعالى. وفي أيام عبد الملك هذا قتل عبد العزيز ابن موسى بن نصير، وكان أبوه استعمله على الأندلس لما قدم الشأم، وكان سببه أنه تزوج بامرأة رذريق «١» فحملته على أن يأخذ أصحابه ورعيته بالسجود له عند الدخول عليه كما كان يفعل لزوجها، فقال: إن ذلك ليس في ديننا، وكان ديناً فاضلاً، فلم تزل به حتى أمر بفتح باب قصير «٢» ، فكان أحدهم إذا دخل عليه طأطأ رأسه فيصير كالراكع له، فرضيت به وقالت له: الآن لحقت بالملوك، وبقي أن أعمل لك تاجاً مما عندي من الذهب واللؤلؤ فأبى، فلم تزل به حتى فعل، فانكشف ذلك للمسلمين «٣» ، فقيل: إنه تنصر، فثاروا عليه وقتلوه بدسيسة من عند عبد الملك هذا بآمر سليمان بن عبد الملك، فدخلوا عليه، وهو يصلي الصبح في المحراب وقد قرأ الفاتحة وسورة الواقعة، فضربوه بالسيوف ضربة واحدة واحتزوا رأسه وسيروه إلى سليمان، فعرضه سليمان على أبيه فتجلد للمصيبة وقال: هنيئاً له الشهادة، فقد قتلتموه والله صواماً قواماً. فعد الناس ذلك من زلات سليمان بن عبد الملك اهـ.
стр. 262
*** السنة الأولى من ولاية عبد الملك بن رفاعة الأولى على مصر وهي سنة ست وتسعين- فيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة. وفيها افتتح العباس ابن الوليد بن عبد الملك طرسوس. وفيها عزم الوليد قبل موته بمدة يسيرة على خلع أخيه سليمان بن عبد الملك من ولاية العهد، وكان الوليد قد شاور الحجاج في ذلك فأشار عليه بخلعه، فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك فامتنع، وكان بفلسطين، فعرض عليه الوليد أموالاً كثيرة فأبى، فكتب الوليد إلى عماله أن يخلعوا سليمان ويبايعوا لابنه عبد العزيز بن الوليد، فلم يجبه إلى ذلك سوى الحجاج وقتيبة بن مسلم؛ ثم قال لعمر بن عبد العزيز: بايع لابن أختك عبد العزيز، فإنّ عبد العزيز ابن الوليد كانت أمه أخت عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: إنما بايعناك وسليمان في عقد واحد، فكيف نخلعه ونتركك! فأخذ الوليد منديلا وجعله في عنق عمر بن عبد العزيز ولواه حتى كاد أن يموت، فصاحت أخته أم البنين زوجة الوليد حتى أطلقه وحبسه في بيتٍ ثلاثة أيام إلى أن قالت له أم البنين: أخرج أخي فأخرجه وقد كاد أن يموت، وقد التوى عنقه، فقالت أم البنين: اللهم لا تبلغ الوليد في ولد عبد العزيز ما أمله. وفيها قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين بن أسيد «١» بن زيد ابن قضاعة الباهلي، وهو من التابعين، وكنيته أبو صالح، كان من كبار أمراء بني أمية، ولاه الحجاج خراسان، وفتح الفتوحات؛ فلما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة نقم عليه لكونه كان خلعه في أيام أخيه الوليد، فبعث إليه من قتله بعد أمور وحروب.
وفيها توفي الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل ابن عم الحجاج، كان ولاه الحجاج البصرة وزوجه أخته زينب بنت يوسف. وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن عثمان
стр. 263
ابن عفان، وأمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، كان من الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة. وفيها افتتح قتيبة مدينة كاشغر «١» . وفيها حج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو أمير المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (بفتح الهمزة وكسر السين المهملة) ، وكان على حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن، وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد بن المهلب، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبى مسعود. وفيها توفى الحليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين أبو العباس الأموي الدمشقي، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام، وكان الوليد عند أهل الشأم أفضل خلفائهم من كونه بنى المساجد والجوامع وبنى جامع دمشق ومسجد المدينة، وهو أول من اتخذ دار الضيافة للقادمين، وبنى البيمارستانات للمرضى، وساق المياه إلى مكة والمدينة، ووضع المنابر في الأمصار، غير أنه كان له مساوئ من كونه كان أقر الحجاج على العراق وأشياء غير ذلك؛ وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن عبد الملك.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وثلاثة وعشرون إصبعاً.
*** السنة الثانية من ولاية عبد الملك بن رفاعة على مصر وهي سنة سبع وتسعين- فيها غزا يزيد بن المهلب جرجان. قال المدائني: غزاها ولم تكن يومئذ [مدينة»
] إنما هي جبال محيطة بها. وفيها حج بالناس الخليفة سليمان بن عبد الملك. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك
стр. 264
برجمة وحصن ابن عوف وافتتح أيضاً حصن الحديد وسردا «١» ، وشتى بنواحي الروم. وفيها بعث سليمان بن عبد الملك على الغرب محمد بن يزيد مولى قريش فولي سنتين وعدل، ولكنه عسف على موسى بن نصير وقبض على ابنه عبد الله وسجنه ثم جاء البريد بأن يقتله؛ فتولى قتله عبيد الله بن خالد بن صابي «٢» ، وكان أخوه عبد العزيز بن موسى على الأندلس، ثم ثاروا عليه فقتلوه في سنة تسع وتسعين لكونه خلع طاعة سليمان، قتله وهو في صلاة الفجر حبيب بن أبي عبيد بن عقبة بن نافع الفهرىّ.
ذكر وفاة موسى بن نصير المذكور
هو صاحب فتوحات الغرب، وكنيته أبو عبد الرحمن. قيل: أصله من عين التمر «٣» ، وقيل: هو مولى لبني أمية، وقيل: لامرأة من لخم، مات بطريق مكة مع الخليفة سليمان بن عبد الملك. مولده بقرية كفرتوثا «٤» من قرى الجزيرة في سنة تسع عشرة؛ وولاه معاوية بن أبي سفيان غزو البحر فغزا قبرس وبنى بها حصوناً ثم غزا غيرها؛ وطالت أيامه وفتح الفتوحات العظيمة ببلاد المغرب، وكان شجاعاً مقداماً جواداً. وفيها جهز الخليفة سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية واستعمل ابنه داود على الصائفة فافتتح حصن المرأة. وفيها غزا عمر بن هبيرة أرض الروم في البحر وشتى بها. وفيها عزل سليمان داود بن طلحة الحضرمىّ عن إمرة مكة، وكان عمله «٥» عليها ستة أشهر؛ وولى عوضه عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع.
стр. 265
*** السنة الثالثة من ولاية عبد الملك بن رفاعة على مصر وهي سنة ثمان وتسعين- فيها غزا يزيد بن المهلب بن أبي صفرة طبرستان، فصالحه صاحبها الأصبهبذ «١» على سبعمائة ألف، وقيل: خمسمائة ألف في السنة. وفيها غدر أهل جرجان وقتلوا عاملهم وجماعةً من المسلمين، فسار اليهم يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وقاتلهم شهراً حتى نزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وصلب منهم فرسخين [عن «٢» يمين الطريق ويساره] وقاد منهم اثني عشر ألف نفس إلى وادي جرجان فقتلهم وأجرى الدماء في الوادي.
وفيها غزا داود بن سليمان بن عبد الملك أرض الروم وفتح حصن المرأة مما يلي ملطية.
وفيها عادت الزلازل أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر، فهدمت القلاع والأماكن العالية.
وفيها استعمل سليمان عروة بن محمد بن عطية السعدي على اليمن. وفيها توفي أيوب ابن الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان؛ وأم أيوب المذكور أم أبان بنت سليمان ابن الحكم، وقيل: بنت خالد بن الحكم، وكان شابّا جليلا. وفيها توفى عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكنيته أبو عبد الله، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكان عالماً زاهداً، وهو أحد الفقهاء السبعة المشار إليه في الأبيات السابقة بعبيد الله، وكان الزهري يلازمه ويأخذ عنه. وفيها فتحت مدينة الصقالبة ببلاد المغرب. وفيها حج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد وهو أمير مكة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشرة ذراعاً وستة أصابع.
стр. 266
ذكر ولاية أيوب بن شرحبيل على مصر
هو أيوب بن شرحبيل بن أكشوم «١» بن أبرهة بن الصباح أمير مصر.
قال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخه: أيوب بن شرحبيل بن أكشوم بن أبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شرحبيل بن مرثد بن الصبّاح ابن معديكرب بن يعفر بن ينوف «٢» بن شراحيل بن «٣» أبى شمر بن شرحبيل بن ياشر ابن أشغر «٤» بن ملكيكرب بن شراحيل بن يعفر بن عمير بن أبي كرب بن يعفر بن أسعد بن ملكيكرب بن شمير «٥» بن أشغر بن ينوف بن أصبح الأصبحي. وأمه أم أيوب بنت مالك بن نويرة بن الصباح. وأيوب هذا أحد أمراء مصر وليها لعمر بن عبد العزيز. روى عنه أبو قبيل وعبد الرحمن بن مهران، وتوفي في رمضان سنة إحدى ومائة.
حدثني موسى بن هارون بن كامل أخبرنا عبد الله بن محمد البردي حدثنا أبي حدثنا ابن أبي ذئب «٦» حدثنا عبد الرحمن بن مهران عن أيوب بن شرحبيل قال:
كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عامله على مصر: أن خذ من المسلمين من كل أربعين ديناراً، ومن أهل الكتاب من كل عشرين ديناراً إذا قبلوها في كل عام، فإنه حدثني من سمعه عمن سمعه عن رسول الله ﷺ . انتهى كلام ابن يونس باختصار
стр. 267
قلت: وكانت ولاية أيوب هذا على مصر بعد عبد الملك بن رفاعة من قبل عمر ابن عبد العزيز في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين. فلما ولي أيوب هذا مصر جعل الفتيا بمصر إلى جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، وجعل على الشرطة الحسن بن يزيد الرعيني، وزيد في عطايا الناس عامة، وعطلت حانات الخمر وكسرت بإشارة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ونزحت القبط عن الكور، واستعملت [عليها] المسلمون، ونزعت أيديهم أيضاً عن المواريث واستعمل عليها المسلمون، وحسنت أحوال الديار المصرية في أيامه، وأخذ أيوب هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الأمور. وبينما هو في ذلك قدم عليه الخبر بموت الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ في شهر رجب سنة إحدى ومائة وتولية يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة، وأن يزيد أقر أيوب بن شرحبيل المذكور على عمله بمصر على الصلاة على عادته؛ فلم تطل مدة أيوب بعد ذلك، ومات في يوم سابع عشر شهر رمضان من سنة إحدى ومائة المذكورة، وقيل: لإحدى عشرة خلت من شهر رمضان؛ فكانت ولايته على مصر سنتين ونصف سنة؛ وتولى مصر بعده بشر بن صفوان الآتي ذكره.
وقال صاحب كتاب «البغية والاغتباط فيمن ولي الفسطاط» : إنه عزل (يعني أيوب هذا) في التاريخ المذكور من الشهر والسنة؛ غير أنه خالف ما ذكرناه من موته، وقال: «عزل» والله أعلم، ووافقه غيره على ذلك. والصحيح ما نقلناه، أنه توفي. غير أن يزيد لما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز غير غالب ما كان قرره عمر. وسببه أن عمر لما احتضر قيل له: اكتب إلى يزيد ابن عمك وأوصه بالأمة، قال: بماذا أوصيه! إنه من بني عبد الملك؛ ثم كتب إليه: «أما بعد، فاتق الله يا يزيد، واتق الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك
стр. 268
لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام» . فلما ولي يزيد نزع أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن المدينة، واستعمل عبد الرحمن بن الضحّاك بن قيس الفهرىّ عليها، فاستقضى عبد الرحمن بن سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومىّ، وأراد معارضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلاً حتى شكا عثمان بن حيان إلى يزيد من ابن حزم أنه ضربه حدين وطلب منه أن يقيده «١» منه. ثم عمد يزيد إلى كل ما صنعه ابن عمه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافق هواه فرده، ولم يخف شناعةً عاجلةً ولا إثماً آجلاً.
فمن ذلك أن محمد بن يوسف أخا الحجاج بن يوسف كان عاملاً على اليمن، فجعل عليهم خراجاً محدداً «٢» ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله باليمن يأمره بالاقتصار على العشر ونصف العشر وترك ما حدده محمد، وقال: لأن يأتيني من اليمن حفنة ذرة أحب إلي من تقرير هذه الوظيفة. فلما ولي يزيد بعد عمر أمر بردها، وقال لعامله: خذها منهم ولو صاروا حرضاً «٣» ، والسلام. ثم عزل جماعةً من العمال. فمن قال بعزل أيوب عن مصر فهو يستدل بما ذكرناه، والأصح أنه مات في التاريخ المذكور المقدم ذكره.
*** السنة الأولى من ولاية أيوب بن شرحبيل على مصر وهي سنة تسع وتسعين- فيها أغارت الخزر على أرمينية وأذربيجان، وأمير تلك البلاد يوم ذاك عبد العزيز بن حاتم الباهلي، وكان بينهم وقعة قتل الله فيها عامة الخزر، وكتب عبد العزيز الباهلي إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز بذلك. وفيها حج بالناس أبو بكر بن حزم. وفيها استقضى عمر بن عبد العزيز الشّع؟؟؟ ىّ على الكوفة. وفيها قدم يزيد بن المهلب بن أبى
стр. 269
صفرة من خراسان، فما قطع الجسر إلا وهو معزول. وتوجه عدي بن أرطاة والياً من قبل عمر بن عبد العزيز على البصرة، فأبى يزيد بن المهلب أن يسلم عليه، فقبض عليه عدي بن أرطاة وقيده وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فحبسه عمر بن عبد العزيز حتى مات. وفيها أسلم ملك الهند.
قال ابن عساكر: كتب ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز: «من ملك الهند والسند، ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك وتحته ابنة ألف ملك، والذي في مملكته نهران ينبتان العود والكافور والأكرة التي يوجد ريحها من اثني عشر فرسخاً، والذي في مربطه ألف فيل وتحت يده ألف ملك، إلى ملك العرب:
أما بعد، فإن الله قد هداني إلى الإسلام فابعث إلي رجلاً يعلمني الإسلام والقرآن وشرائع الإسلام، وقد أهديت لك هدية من المسك والعنبر والند والكافور فاقبلها، فإنما أنا أخوك في الإسلام، والسلام» .
وفيها توفي سعيد بن أبي الحسن أخو الحسن البصري، وكان أصغر من الحسن، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وحزن على موته أخوه الحسن حزناً عظيماً وأمسك عن الكلام حتى كلم في ذلك، فقال أول ما تكلم:
الحمد لله الذي لم يجعل الحزن عاراً على يعقوب. وفيها توفي الخليفة سليمان بن عبد الملك ابن مروان الأموي الهاشمي، وأمه ولادة بنت العباس، وهي أم الوليد أيضاً، وكنيته أبو أيوب، ولي الخلافة بعد أخيه الوليد بن عبد الملك سنة ست وتسعين، وكان فصيحاً لسناً جميلاً حسن السيرة مفتاحاً للخير، أذهب الله به ظلم الحجاج، وأطلق من كان في حبس الحجاج، فأنصف المظلومين، وبنى مدينة الرملة و؟؟؟؟ ها، ثم ح؟؟؟ م أفعاله باستخلافه ابن عمه عمر بن عبد العزيز على المسلمين قبل أخويه يزيد وهشام،
стр. 270
وكان سليمان هذا أكولاً، وحكاياته في كثرة الأكل مشهورة، منها: أنه حج مرة فنزل بالطائف فأكل سبعين رمّانة، ثم جاءوه بخروف مشوىّ وست دجاجات فأكلها، ثم جاءوه بزبيب فأكل منه شيئاً كثيراً؛ ثم نعس وانتبه فأتاه الطباخ فأخبره أن الطعام استوى، فقال: اعرضه علي قدراً قدراً، فصار يأكل من كل قدرة «١» اللقمة واللقمتين واللحمة واللحمتين، وكانت ثمانين قدراً؛ ثم مد السماط فأكل على عادته كأنه ما أكل شيئا. اهـ، وكانت وفاته بدابق «٢» في صفر سنة تسع وتسعين عن خمس وأربعين سنة. وكانت خلافته دون ثلاث سنين، ﵀. وفيها وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه لهم خيلاً وطعاماً كثيراً، وحث الناس على معونتهم. وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة؛ فوجه عمر بن عبد العزيز حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك، ولم يفلت منهم إلا اليسير. وفيها توفي سهل بن عبد العزيز ابن مروان أخو الخليفة عمر بن عبد العزيز، وكان فاضلاً ديناً زاهداً. وفيها توفي قيس بن أبي حازم عوف بن الحارث الأحمسي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، شهد مع خالد بن الوليد حين صالح أهل الحيرة والقادسيّة. وفيها توفي القاسم بن مخيمرة الهمداني، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وكان يدعو بالموت، فلما نزل به كرهه، وكان ثقةً مع علم وزهد وورع.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً.
стр. 271
*** السنة الثانية من ولاية أيوب بن شرحبيل على مصر وهي سنة مائة- فيها حج بالناس أبو بكر بن حزم. وفيها غزا الصائفة الوليد بن هشام المعيطي؛ وفيها خرج شوذب الخارجي واسمه بسطام من بني يشكر. وفيها أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة «١» بالقفول عنها إلى ملطية، وكان عبد الله بن عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين، وملطية يومئذ خراب، وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون إلى بلادهم؛ فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز فأمرهم بالعود إلى ملطية وإخلاء طرندة خوفاً على المسلمين [من العدو «٢» ] وأخرب طرندة. وفيها تزوج محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الحارثية، فولدت له السفاح أول خلفاء بني العباس الآتي ذكرهم إن شاء الله تعالى.
وفيها كانت الزلازل، فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار وواعدهم يوماً بعينه، ثم خرج هو بنفسه ﵁ في ذلك اليوم وخرج معه الناس، فدعا عمر وتضرع إلى الله فسكنت الزلازل ببركته. وقيل: إن في أول هذه السنة كانت أول دعوة بني العباس بخراسان لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فلم يظهر أمره غير أنه شاع ذلك في الأقطار، ثم وقعت أمور إلى أن ظهرت دعوتهم في سنة مائة واثنتين وثلاثين، كما سيأتي ذكره في محله. وفيها توفي خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه جميلة بنت سعد بن الربيع الخزرجي، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكذا جميع إخوته، وكنيته أبو زيد، وكان عالماً زاهدا،
стр. 272
وهو أحد الفقهاء السبعة. وفيها توفي الشاب الصالح الناسك عبد الملك ابن الخليفة عمر بن عبد العزيز بن مروان، مات في خلافة أبيه عمر بن عبد العزيز. قال بعض أهل الشام: كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك المذكور هذا. ومات عبد الملك المذكور وله تسع عشرة سنة ﵀.
وفيها كان طاعون عدىّ بن أرطاة، ومات فيه خلائق. وفيها توفي أبو رجاء العطاردي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة، واسمه عمران بن تيم، وقيل:
ابن ملحان، وقيل: عطارد بن ثور «١» . وفيها توفي أبو طفيل عامر بن واثلة بن عبد الله ابن عمرو الليثي الكناني الصحابي، آخر من رأى فى الدنيا النّبيّ ﷺ بالإجماع، وكان من شيعة علي، روى عن النّبيّ ﷺ استلامه الركن.
وفيها كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند «٢» يدعوهم إلى الإسلام على أن يملكهم بلادهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم؛ وقد كانت سيرته بلغتهم، فأسلم جيشبة «٣» بن ذاهر وعده ملوك وتسموا بأسماء العرب. وكان استعمل عمر على ذلك الثغر عمرو بن مسلم أخا قتيبة، فغزا عمرو بعض الهند وظفر حتى بقي ملوك السند مسلمين، فبقوا على ذلك إلى خلافة هشام، [ثم] ارتدوا عن الإسلام لأمر وقع من هشام.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثمانية أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرون «٤» إصبعا.
стр. 273
ذكر ولاية بشر بن صفوان على مصر
هو بشر بن صفوان بن تويل (بفتح التاء المثناة) بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شرحبيل بن عرين «١» بن أبي جابر بن زهير الكلبي، أمير مصر. وليها من قبل يزيد بن عبد الملك بعد موت أيوب بن شرحبيل في سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى ومائة.
قال ابن يونس: وحدث عنه عبد الله بن لهيعة، ويروي عن أبي فراس.
انتهى كلام ابن يونس، ولم يذكر وفاته ولا عزله.
وقال غيره: وفي أيام بشر على مصر نزل الروم تنيس وأقام بعد ذلك مدة، وولاه الخليفة يزيد بن عبد الملك على إفريقية بالغرب، فخرج إليها من مصر في شوال سنة اثنتين ومائة واستخلف أخاه حنظلة بن صفوان على مصر، فأقره يزيد بن عبد الملك على إمرة مصر عوضاً عن أخيه بشر المذكور.
وقال صاحب كتاب «البغية والاغتباط، فيمن ولى الفسطاط» بعد ما ذكر نسبه إلى جده، قال: ولاه يزيد بن عبد الملك، وقدمها (يعني مصر) لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى ومائة، فجعل على شرطته شعيب بن حميد ابن أبى الرّبذاء «٢» البلوي. وفي إمرته نزلت الروم تنيس، وكتب يزيد بمنع الزيادات التي زادها عمر بن عبد العزيز، ودون التدوين الرابع «٣» ، ثم خرج إلى إفريقية بإشارة يزيد بن عبد الملك في شوال سنة اثنتين ومائة، واستخلف أخاه حنظلة. اهـ. وسبب
стр. 274
عزل بشر بن صفوان وتوجهه إلى إفريقية قتل يزيد بن أبي مسلم؛ وكان الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان استعمل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على إفريقية سنة إحدى ومائة، بعد عزل محمد بن يزيد مولى الأنصار، فلما ولي يزيد على إفريقية عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق؛ فإن الحجاج كان ردهم إلى قراهم ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم كفار، فأراد يزيد بن أبي مسلم [أن] يفعل بأهل سواد إفريقية كذلك؛ فكلموه في ذلك فلم يسمع وعزم على ما عزم عليه؛ فلما تحققوا ذلك أجمع رأيهم على قتله، فوثبوا عليه وقاتلوه وقتلوه، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان عليهم قبل يزيد المذكور، وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار، وكان عندهم؛ وكتبوا إلى الخليفة يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا علينا محمد بن يزيد؛ فكتب إليهم يزيد: إني لم أرض بما صنع يزيد بن أبي مسلم، وأقر محمد بن يزيد على عمله مدة أيام، ثم بدا له إرسال بشر بن صفوان هذا إلى إفريقية فكتب إليه بالتوجه، وأقر أخاه حنظلة بن صفوان على إمرة مصر عوضه برغبة أخيه بشر في ذلك. وخرج بشر إلى إفريقية ووقع له بها أمور يطول شرحها إلى أن غزا جزيرة صقلية في سنة تسع ومائة وغنم منها شيئاً كثيراً، ثم رجع من غزاته إلى القيروان فتوفي بها من سنته. فاستعمل هشام بعده عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأغر السلمي. انتهت ترجمة بشر بن صفوان.
*** السنة الأولى من ولاية بشر بن صفوان على مصر وهي سنة إحدى ومائة- فيها استخلف يزيد بن عبد الملك بعد موت ابن عمه عمر بن عبد العزيز فى شهر
стр. 275
رجب. وفيها ولى الخليفة يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري على المدينة، وعزل عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فحج عبد الرحمن بالناس، وكان عامل مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان على الكوفة عبد الحميد، وعلى قضائها الشعبي، وكانت البصرة قد غلب عليها [ابن] المهلب، وكان على خراسان عبد الرحمن بن نعيم. وفيها لحق يزيد بن المهلب بن أبي صفرة بالبصرة وغلب عليها وحبس عاملها عدي بن أرطاة الفزاري وخلع يزيد بن عبد الملك من الخلافة وخرج عن طاعته- وكان يزيد هذا من حبسه عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته كما تقدم ذكره- فجهز الخليفة يزيد بن عبد الملك لحرب يزيد بن المهلب الجيوش، ووقع لجيش يزيد بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب وقائع آلت إلى أن قتل يزيد بن المهلب المذكور. وفيها توفي أبو صالح السمان وهو المعروف بالزيات، واسمه ذكوان، مولى غطفان، من الطبقة الثانية من الموالي بالمدينة، أسند عن جماعة من الصحابة وروى عنه خلق كثير. وفيها توفي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي الأموي أبو حفص، ولي الخلافة بعد موت ابن عمه سليمان بن عبد الملك بعهده إليه بحيلة وضعها سليمان بن عبد الملك حتى بايعه يزيد وهشام ابنا عبد الملك وتم أمره. ومولده بالمدينة سنة ستين عام توفي الخليفة معاوية بن أبي سفيان أو بعدها بسنة، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فسار عمر بن عبد العزيز في الخلافة سيرة الخلفاء الراشدين ﵃ من التقلل والتقشف والعدل في الرعية والإنصاف، إلى أن توفي يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب بدير سمعان وصلى عليه ابن عمه يزيد بن عبد الملك بن مروان الذي تخلف بعده؛ ومات عمر بن عبد العزيز وله تسع وثلاثون سنة وستة أشهر.
стр. 276
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: عن يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.
قلت: وفي هذه كفاية عن ذكر شيء من مناقبه ﵀. وفيها توفي عمر ابن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومىّ الشاعر المشهور، وكنيته أبو الخطاب؛ ولد في الليلة التي مات فيها الخليفة عمر بن الخطاب. وكان الحسن البصري يقول: أي حق رفع، وأي باطل وضع. وكانت العرب تقر لقريش بالتقدم عليها في كل شيء إلا في الشعر حتى أتى عمر هذا فأقرت لها بالشعر. قال ابن خلكان: لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة.
قلت: وتشبيبه بالنساء وحكايته مع فاطمة «١» بنت عبد الملك بن مروان مشهورة.
ومن شعره:
حي طيفاً من الأحبة زارا ... بعد ما صرع الكرى السمارا
طارقاً في المنام تحت دجى اللّي ... ل ضنيناً بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا جفينا وكنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا
قال إنا كما عهدت ولكن ... «شغل الحلي أهله أن يعارا «٢» »
стр. 277
وفيها توفي ذو الرمة الشاعر المشهور، وكنيته أبو الحارث، واسمه غيلان بن عقبة، وهو من الطبقة الثانية من شعراء الإسلام.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً واثنان وعشرون إصبعاً.
*** السنة الثانية من ولاية بشر بن صفوان على مصر وهي سنة اثنتين ومائة- فيها وقعة كانت بين يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وبين مسلمة بن عبد الملك بن مروان قتل فيها يزيد بن المهلب المذكور وكسر جيشه وانهزم آل المهلب، ثم ظفر بهم مسلمة فقتل فيهم وبدع وقل من نجا منهم. وفيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية إرمينية وهو على الجزيرة قبل أن بلى العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقاً كثيراً نحو سبعمائة أسير. وفيها غزا العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الروم فافتتح دلسة. وفيها حج بالناس أمير المدينة عبد الرحمن بن الضحاك. وفيها توفي محمد بن مروان بن الحكم والد مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية الآتي ذكره. وفيها توفي الضحاك بن مزاحم الهلالىّ، [و] هو من رهط زينب زوج رسول الله ﷺ ، وكنيته أبو القاسم، وهو من الطبقة الثالثة من تابعى أهل الكوفة. وفيها توفّى يزيد ابن [أبي «١» ] مسلم كاتب الحجاج، وكنيته أبو العلاء «٢» ، وكان على نمط الحجاج في الجبروت وسفك الدماء، ولما مات الحجاج أقره الوليد بن عبد الملك على العراق أربعة أشهر؛ فلما مات الوليد وولي أخوه سليمان الخلافة عزله بيزيد بن المهلب بن أبي صفرة المقدم ذكره؛ وأمره سليمان بمسكه وإرساله إليه، فأرسله إليه فحبسه إلى أن أخرجه
стр. 278
يزيد بن عبد الملك وولاه إفريقية فقتل هناك في هذه السنة. وقد حكينا ترجمته وقتلته في أول ترجمة بشر بن صفوان. وفيها توفي عدي بن زيد بن الخمار «١» العبادي التميمي الشاعر المشهور، وهو جاهلي نصراني من فحول الشعراء، ذكره محمد بن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقال: وهم أربعة فحول: طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد بن الخمار. قال أبو الفرج صاحب الأغاني: الخمار بخاء معجمة مضمومة. وفي وفاته أقوال: قيل إنه مات قبل الإسلام، وقيل في زمن الخلفاء الراشدين، وقيل غير ذلك. ومن شعره:
أين أهل الديار من قوم نوحٍ ... ثم عاد من بعدهم وثمود
أين آباؤنا وأين بنوهم ... أين آباؤهم وأين الجدود
سلكوا منهج المنايا فبادوا ... وأرانا قد كان منا ورود
بينما هم على الأسرّة والأن ... ؟؟؟ اط أفضت إلى التراب الخدود
ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذاك الوعيد والموعود
ومنها:
وصحيح أضحى يعود مريضاً ... هو أدنى للموت ممن يعود
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعأ، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وتسعة عشر إصبعا.
стр. 279
ذكر ولاية حنظلة بن صفوان الأولى على مصر
ولي حنظلة إمرة مصر باستخلاف أخيه بشر بن صفوان له لما ولاه الخليفة يزيد بن عبد الملك إمرة إفريقية وكتب ليزيد بذلك، فأقره يزيد على إمرة مصر وذلك في شوال سنة اثنتين ومائة. وحنظلة هذا من بنى كلب، ولمّا ولى مصر مهد أمورها ودام بها إلى سنة ثلاث ومائة [ثم] خرج إلى الإسكندرية واستخلف على مصر عقبة بن مسلم التجيبي؛ ثم ورد عليه كتاب الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان بكسر الأصنام والتماثيل، فكسرت كلها ومحيت التماثيل من ديار مصر وغيرها في أيامه.
قال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس: حنظلة بن صفوان الكلبي أمير مصر لهشام بن عبد الملك، روى عنه أبو قبيل آخر ما عندنا «١» من أخباره.
وقدومه من الغرب سنة سبع وعشرين ومائة، وكان أخرجه عبد الرحمن بن حبيب الفهرىّ.
قلت: وقوله «أمير مصر» لهشام يعني في ولايته الثانية على مصر. اهـ.
قال: وكان حنظلة حسن السيرة في سلطانه «٢» . حدثني مسلمة «٣» بن عمرو بن حفص المرادي وأبو قرة محمد بن حميد الرعيني حدثني النضر بن عبد الجبار أخبرنا ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل، قال: أرسل إلي حنظلة بن صفوان فأتيته في حديث طويل. هذا ما ذكره ابن يونس في ترجمة حنظلة بتمامه وكماله.
قلت: واستمر حنظلة على عمله بمصر حتى توفي يزيد بن عبد الملك واستقر أخوه هشام بن عبد الملك فى الخلافة، [ثم «٤» ] صرف حنظلة هذا بأخيه محمد بن عبد الملك
стр. 280
ابن مروان، وذلك في شوال سنة خمس ومائة؛ فكانت مدته على مصر ثلاث سنين.
وتأتي بقية ترجمته في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى.
وسبب عزل حنظلة عن مصر أمور، منها: أن هشاماً عزله وأراد أن يولي عقفان على مصر عوضه ثم ثنى عزمه عن ذلك وولى عقفان الصدقة وولى أخاه محمداً مصر. وعقفان المذكور حروري [اسمه عقفان «١» ] ، خرج في أيام يزيد بن عبد الملك في ثلاثين «٢» رجلاً، فأراد يزيد أن يرسل إليه جنداً يقاتلونه، فقيل له: إن قتل عقفان بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرة، والرأي أن تبعث لكل رجل من أصحابه رجلاً من قومه يكلمه فيرده؛ ففعل يزيد ذلك؛ فقال لهم أهلوهم: إنا نخاف أن نؤخذ بكم؛ وأومنوا فرجعوا وبقي عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه ورده. فلما ولي هشام الخلافة. ولاه أمر العصاة بعد أن أراد أن يوليه إمرة مصر، ولما ولي عقفان أمر العصاة وعظم أمره قدم ابنه من خراسان عاصياً، فشده وثاقاً وبعث به إلى الخليفة هشام، فأطلقه هشام لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه عنا، فاستعمله على الصدقة، فبقي عقفان على الصدقة إلى أن مات هشام وولي الخلافة مروان الجعدي الحمار.
*** السنة الأولى من ولاية حنظلة بن صفوان الكلبي على مصر وهي سنة ثلاث ومائة- فيها قتل أمير الأندلس السمح بن مالك الخولاني، قتله الروم يوم التروية. وفيها أغارث الترك «٣» على اللان «٤» . وفيها غزا العباس بن الوليد الروم
стр. 281
ففتح مدينة يقال لها رسلة «١» . وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك.
وفيها ولّى عبد الواحد بن عبد الله النضرىّ «٢» الطائف بعد عزل عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد عنه وعن مكة. وفيها حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك، وكان أمير العراق في هذه السنة عمر بن هبيرة، وعلى خراسان الحرشي. وفيها توفي يحيى بن وثاب الأسدىّ مولاهم قارئ الكوفة أحد القراء، أخذ القراءة عرضاً عن علقمة والأسود وعبيد ومسروق وغيرهم. قال الأعمش: كان يحيى بن وثاب لا يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم في عرض ولا في غيره. وفيها توفي أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وكان فقيهاً عالماً يفتي أهل البصرة في غيبة الحسن البصري وفي حضوره. وفيها توفي خالد بن معدان بن أبي كريب «٣» ، أبو عبد الله الكلاعي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم كان عابداً ورعاً، وكان يكره الشهرة.
وفيها توفي سليمان «٤» بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وقيل: إنه كان مكاتباً لها فأدى وعتق، ووهبت ميمونة ولاءه لابن عباس، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكنيته أبو أيوب، وقيل أبو محمد، وهو أحد الفقهاء السبعة، وكانوا يفضلونه على سعيد بن المسيب. وفيها توفي أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وولي قضاء الكوفة بعد شريح، وكان سعيد بن جبير قتيل الحجاج كاتبه.
стр. 282
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وستة أصابع.
السنة الثانية من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة أربع ومائة- فيها كانت وقعة نهر أران «١» ، فالتقى المسلمون والكفار وكان أمير المسلمين الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى الكفار ابن الخاقان، وكانت الوقعة بقرب باب الأبواب، ونصر الله المسلمين وركبوا أقفية الترك قتلاً وأسراً وسبياً. وفيها عزل الخليفة يزيد ابن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكّة وولّى عليهما عبد الواحد النّضرىّ «٢» . وفيها توفي أبان بن عثمان بن عفان، وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو، وكنيته أبو سعيد، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكان فقيهاً، وولي إمرة المدينة لعبد الملك بن مروان. وفيها توفي الشعبي واسمه عامر بن شراحيل أبو عمرو الشعبي، شعب همدان، كان علامة أهل الكوفة في زمانه، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وروى عن علي يسيراً وعن المغيرة بن شعبة وعائشة وأبي هريرة وغيرهم. وقال أبو بكر بن عياش عن الحسن قال: ما رأيت أفقه من الشعبي؛ قلت:
ولا شريح؟ قال: تريد أن تكذبني!.
وفيها توفي ربعي بن حراش بن جحش الغطفاني الكوفي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وكان لا يكذب قط؛ وكان له ابنان عاصيان على الحجاج بن
стр. 283
يوسف الثقفىّ، فقيل للحجاج: إن أباهما لا يكذب قط فسله عنهما؛ فأرسل إليه الحجاج قال: أين ابناك؟ فقال: في البيت، قال الحجاج: قد عفونا عنهما بصدقك.
وفيها توفي أبو قلابة الجرمي واسمه عبد الله بن زيد، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وكان فقيهاً عابداً طلب إلى القضاء فهرب إلى الشأم وأقام به. وفيها حج بالناس عبد الواحد بن عبد الله النّضرىّ عامل الطائف، وكان عامل العراق كله في هذه السنة عمر بن هبيرة مضافاً للمشرق كله، وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي، وعلى قضاء البصرة أبو قلابة الجرمي.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأحد عشر إصبعاً.
*** السنة الثالثة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة خمس ومائة- فيها أيضاً زحف الخاقان ملك الترك وخرج من الباب «١» في جمع عظيم من الترك وقصد أرمينية، فسار إليه الجراح الحكمي فاقتتلوا أياماً ثم كانت الهزيمة على الكفار، وكان ذلك في شهر رمضان. وفيها غزا سعيد بن عبد الملك بن مروان بلاد الروم فقتل وسبى. وفيها غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وأصاب غنائم كثيرة. وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم وكماخ «٢» . وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فأرسل
стр. 284
إلى عطاء متى أخطب؟ قال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر وقال: أخبرني رسولي عن عطاء؛ فقال عطاء: ما أمرته إلا بعد الظهر، فاستحيا إبراهيم. وفيها توفي الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، أبو خالد القرشي الأموي الدمشقي. ولي الخلافة بعد ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان بعهد من أخيه سليمان معقود في تولية عمر بن عبد العزيز؛ ولهذا قلنا في ترجمة عمر ابن عبد العزيز: «بحيلة من سليمان» ، فإن سليمان كان عهد لعمر بن عبد العزيز بالخلافة فخاف من إخوته ومن الناس، فأخفى ذلك وبايع الناس لما هو مكتتب، فقالوا:
نبايع على أن يكون فيه ولد عبد الملك، فبايعوا فإذا فيه عمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد وهشام، فتمت البيعة؛ وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية، ومولده سنة إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين. ودام في الخلافة إلى أن مات في الخامس والعشرين من شعبان بسواد الأردن. وكانت خلافته أربع سنين وشهراً، وتولى الخلافة بعده أخوه هشام بن عبد الملك.
وكان سبب موته أنه كان يحب جارية من جواريه يقال لها حبابة، وكانت مغنية، وكان يزيد صاحب لهو وطرب، فلما ولي يزيد الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز أقام يسير بسيرة عمر أربعين يوماً وترك اللهو والشرب، فقالت حبابة المذكورة لخصي ليزيد، وهو صاحب أمره،: ويحك! قربني منه حيث يسمع كلامي ولك عشرة آلاف درهم، ففعل، فلما مرّ بها يزيد أنشدت:
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وأبياتاً أخر بالألحان، والشعر للأحوص، فلما سمعها يزيد قال: ويحك يا خصي! قل لصاحب الشرطة يصلي بالناس، ودخل إليها وعاد إلى انهماكه ولذاته. فلما كان بعض الليالي شرقت حبابة فماتت، فحزن عليها يزيد حزنا عظما،
стр. 285
وخلاها يزيد ثلاثة أيام لم يدفنها وهو ينظر إليها، ثم دفنها خمسة أيام فلم يطق ذلك، فنبشها وأخرجها من القبر وجعل يقلبها ويبكي؛ فقوي عليه الحزن حتى قتله بعد سبعة عشر يوماً. وفيها توفي كثير عزة، واسمه كثير بن عبد الرحمن بن الأسود، وهو من الطبقة الثانية من شعراء المدينة، وكان شيعياً، قال ابن ماكولا: كان يتقلب في المذاهب.
قلت: ولولا تقلبه في المذاهب ما قربه بنو أمية فإنهم كانوا يكرهون الشيعة.
قلت: وهو أحد العشاق وصاحب عزة. قيل: إن عزة دخلت على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز وزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، فقالت لها أم البنين: ما معنى قول كثيّر:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان هذا الدين؟ قالت: وعدته بقبلة ثم رجعت عنها، فقالت: أنجزيها وعلي إثمها، فأنجزته، فأعتقت أم البنين أربعين عبداً عند الكعبة، وقالت: اللهم إني أبرأ إليك مما قلته لعزة. وفيها توفي سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكنيته أبو عمير، وقيل أبو عبد الله، من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة وأمه أم ولد، وكان من خيار قريش وفقهائهم وزهّادهم. وفيها توفى محمد بن شعيب بن شابور- بالمعجمة- القرشي، وكان جده مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان.
ومحمد هذا من الطبقة الخامسة، وقيل السادسة من تابعي أهل الشأم، وكان أحد الأئمة، وذكره يحيى بن معين بالإرجاء «١» . قاله صاحب المرآة. والصحيح أن مولده سنة ست عشرة ومائة، وتوفي سنة مائتين، وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائة، وقيل غير ذلك.
следующие страницы →