← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ففتح مدينة يقال لها رسلة «١» . وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك. وفيها ولّى عبد الواحد بن عبد الله النضرىّ «٢» الطائف بعد عزل عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد عنه وعن مكة. وفيها حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك، وكان أمير العراق في هذه السنة عمر بن هبيرة، وعلى خراسان الحرشي. وفيها توفي يحيى بن وثاب الأسدىّ مولاهم قارئ الكوفة أحد القراء، أخذ القراءة عرضاً عن علقمة والأسود وعبيد ومسروق وغيرهم. قال الأعمش: كان يحيى بن وثاب لا يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم في عرض ولا في غيره. وفيها توفي أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وكان فقيهاً عالماً يفتي أهل البصرة في غيبة الحسن البصري وفي حضوره. وفيها توفي خالد بن معدان بن أبي كريب «٣» ، أبو عبد الله الكلاعي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم كان عابداً ورعاً، وكان يكره الشهرة. وفيها توفي سليمان «٤» بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وقيل: إنه كان مكاتباً لها فأدى وعتق، ووهبت ميمونة ولاءه لابن عباس، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكنيته أبو أيوب، وقيل أبو محمد، وهو أحد الفقهاء السبعة، وكانوا يفضلونه على سعيد بن المسيب. وفيها توفي أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وولي قضاء الكوفة بعد شريح، وكان سعيد بن جبير قتيل الحجاج كاتبه.

стр. 282

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وستة أصابع. السنة الثانية من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة أربع ومائة- فيها كانت وقعة نهر أران «١» ، فالتقى المسلمون والكفار وكان أمير المسلمين الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى الكفار ابن الخاقان، وكانت الوقعة بقرب باب الأبواب، ونصر الله المسلمين وركبوا أقفية الترك قتلاً وأسراً وسبياً. وفيها عزل الخليفة يزيد ابن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة ومكّة وولّى عليهما عبد الواحد النّضرىّ «٢» . وفيها توفي أبان بن عثمان بن عفان، وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو، وكنيته أبو سعيد، وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكان فقيهاً، وولي إمرة المدينة لعبد الملك بن مروان. وفيها توفي الشعبي واسمه عامر بن شراحيل أبو عمرو الشعبي، شعب همدان، كان علامة أهل الكوفة في زمانه، ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وروى عن علي يسيراً وعن المغيرة بن شعبة وعائشة وأبي هريرة وغيرهم. وقال أبو بكر بن عياش عن الحسن قال: ما رأيت أفقه من الشعبي؛ قلت: ولا شريح؟ قال: تريد أن تكذبني!. وفيها توفي ربعي بن حراش بن جحش الغطفاني الكوفي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وكان لا يكذب قط؛ وكان له ابنان عاصيان على الحجاج بن

стр. 283

يوسف الثقفىّ، فقيل للحجاج: إن أباهما لا يكذب قط فسله عنهما؛ فأرسل إليه الحجاج قال: أين ابناك؟ فقال: في البيت، قال الحجاج: قد عفونا عنهما بصدقك. وفيها توفي أبو قلابة الجرمي واسمه عبد الله بن زيد، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وكان فقيهاً عابداً طلب إلى القضاء فهرب إلى الشأم وأقام به. وفيها حج بالناس عبد الواحد بن عبد الله النّضرىّ عامل الطائف، وكان عامل العراق كله في هذه السنة عمر بن هبيرة مضافاً للمشرق كله، وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي، وعلى قضاء البصرة أبو قلابة الجرمي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأحد عشر إصبعاً. *** السنة الثالثة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة خمس ومائة- فيها أيضاً زحف الخاقان ملك الترك وخرج من الباب «١» في جمع عظيم من الترك وقصد أرمينية، فسار إليه الجراح الحكمي فاقتتلوا أياماً ثم كانت الهزيمة على الكفار، وكان ذلك في شهر رمضان. وفيها غزا سعيد بن عبد الملك بن مروان بلاد الروم فقتل وسبى. وفيها غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وأصاب غنائم كثيرة. وفيها غزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم وكماخ «٢» . وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فأرسل

стр. 284

إلى عطاء متى أخطب؟ قال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر وقال: أخبرني رسولي عن عطاء؛ فقال عطاء: ما أمرته إلا بعد الظهر، فاستحيا إبراهيم. وفيها توفي الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، أبو خالد القرشي الأموي الدمشقي. ولي الخلافة بعد ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان بعهد من أخيه سليمان معقود في تولية عمر بن عبد العزيز؛ ولهذا قلنا في ترجمة عمر ابن عبد العزيز: «بحيلة من سليمان» ، فإن سليمان كان عهد لعمر بن عبد العزيز بالخلافة فخاف من إخوته ومن الناس، فأخفى ذلك وبايع الناس لما هو مكتتب، فقالوا: نبايع على أن يكون فيه ولد عبد الملك، فبايعوا فإذا فيه عمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد وهشام، فتمت البيعة؛ وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية، ومولده سنة إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين. ودام في الخلافة إلى أن مات في الخامس والعشرين من شعبان بسواد الأردن. وكانت خلافته أربع سنين وشهراً، وتولى الخلافة بعده أخوه هشام بن عبد الملك. وكان سبب موته أنه كان يحب جارية من جواريه يقال لها حبابة، وكانت مغنية، وكان يزيد صاحب لهو وطرب، فلما ولي يزيد الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز أقام يسير بسيرة عمر أربعين يوماً وترك اللهو والشرب، فقالت حبابة المذكورة لخصي ليزيد، وهو صاحب أمره،: ويحك! قربني منه حيث يسمع كلامي ولك عشرة آلاف درهم، ففعل، فلما مرّ بها يزيد أنشدت: بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا وأبياتاً أخر بالألحان، والشعر للأحوص، فلما سمعها يزيد قال: ويحك يا خصي! قل لصاحب الشرطة يصلي بالناس، ودخل إليها وعاد إلى انهماكه ولذاته. فلما كان بعض الليالي شرقت حبابة فماتت، فحزن عليها يزيد حزنا عظما،

стр. 285

وخلاها يزيد ثلاثة أيام لم يدفنها وهو ينظر إليها، ثم دفنها خمسة أيام فلم يطق ذلك، فنبشها وأخرجها من القبر وجعل يقلبها ويبكي؛ فقوي عليه الحزن حتى قتله بعد سبعة عشر يوماً. وفيها توفي كثير عزة، واسمه كثير بن عبد الرحمن بن الأسود، وهو من الطبقة الثانية من شعراء المدينة، وكان شيعياً، قال ابن ماكولا: كان يتقلب في المذاهب. قلت: ولولا تقلبه في المذاهب ما قربه بنو أمية فإنهم كانوا يكرهون الشيعة. قلت: وهو أحد العشاق وصاحب عزة. قيل: إن عزة دخلت على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز وزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، فقالت لها أم البنين: ما معنى قول كثيّر: قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ما كان هذا الدين؟ قالت: وعدته بقبلة ثم رجعت عنها، فقالت: أنجزيها وعلي إثمها، فأنجزته، فأعتقت أم البنين أربعين عبداً عند الكعبة، وقالت: اللهم إني أبرأ إليك مما قلته لعزة. وفيها توفي سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكنيته أبو عمير، وقيل أبو عبد الله، من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة وأمه أم ولد، وكان من خيار قريش وفقهائهم وزهّادهم. وفيها توفى محمد بن شعيب بن شابور- بالمعجمة- القرشي، وكان جده مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان. ومحمد هذا من الطبقة الخامسة، وقيل السادسة من تابعي أهل الشأم، وكان أحد الأئمة، وذكره يحيى بن معين بالإرجاء «١» . قاله صاحب المرآة. والصحيح أن مولده سنة ست عشرة ومائة، وتوفي سنة مائتين، وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائة، وقيل غير ذلك.

стр. 286

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ذكر ولاية محمد بن عبد الملك على مصر هو محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير مصر. وليها بعد عزل حنظلة بن صفوان من قبل أخيه الخليفة هشام بن عبد الملك على الصلاة، ودخل إليها يوم الأحد «١» لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال من سنة خمس ومائة المقدم ذكرها. ومحمد هذا هو أخو سعيد ابن عبد الملك لأبويه، وهو من الطبقة الرابعة من تابعي أهل دمشق، وكان ناسكاً كثير العبادة حسن السيرة جواداً، كان يكره من أخيه هشام وغيره حتى يلي الأعمال، ولما ولي مصر جعل على شرطته حفص بن الوليد الحضرمي. وحدث عن رجل عن أبي هريرة وسمع من المغيرة بن شعبة. وقال أبو حاتم: روى عمن سمع معاوية وعن المغيرة مرسلاً، وروى عنه الأوزاعي وغيره، وكان ثقة مأموناً. وحين وصوله «٢» إلى مصر وقع بها وباء ففر منها محمد إلى الصعيد فلم تطل مدته بالصعيد وعاد بعد أيام إلى مصر؛ ثم خرج منها بسرعة إلى الأردن واستعفى فأعفي، وصرف عن إمرة مصر بالحر بن يوسف، فكانت ولايته شهراً واحداً؛ وسكن الأردن، ودام في دولة أخيه هشام على ذلك إلى أن حج بالناس في سنة ثلاثين ومائة، وعاد من الحج فوجد الفتن قائمة بالشأم من جهة بني العباس، فاستمر عند ابن عمه مروان بن محمد بن مروان المعروف بالحمار إلى أن

стр. 287

هزم مروان المذكور في وقعة العراق من أبي مسلم الخراساني، وقبض على محمد هذا وعلى أخيه مع مروان الحمار، فقتلهما عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس؛ قتلهما بنهر أبي فطرس «١» ، وقيل: إنه صاحب الواقعة مع عبد الله بن علي العباسي يوم هزم مروان عند نهر الزاب، وهو أنه لما كانت الهزيمة على بني أمية رأى عبد الله بن علي فتى عليه أبهة الشرف يقاتل مستقتلاً، فناداه عبد الله: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد، فقال الفتى: إن لم أكنه فلست بدونه؛ قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعاماً وبيلا فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيراً إلى الموت سيراً جميلا ثم قاتل حتى قتل، فإذا هو محمد بن عبد الملك، وقيل: ابن لمسلمة بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم، عفا الله عنه. ذكر ولاية الحر بن يوسف على مصر هو الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير مصر (والحر بضم الحاء المهملة وتشديد الراء المهملة) . وليها بعد عزل محمد بن عبد الملك من قبل هشام بن عبد الملك على الصلاة؛ وكان المتولي على خراج مصر في هذه السنين كلها عبيد الله «٢» بن الحبحاب، فدخل الحر بن يوسف هذا إلى مصر لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة وباشر أمورها، وأقرّ

стр. 288

حفص بن الوليد على شرطة مصر على عادته. وفى أيامه تناقض القبط بمصر في سنة سبع ومائة ووقع له معهم أمور طويلة، ثم خرج من مصر مرابطاً إلى دمياط، فأقام بها ثلاثة أشهر مغازياً؛ ثم عاد إلى مصر وأقام بها أياماً، ثم خرج منها ووفد على الخليفة هشام بن عبد الملك بالشأم، واستخلف حفص بن الوليد على الصلاة بمصر. فأقام عند الخليفة مدة يسيرة وعاد إلى مصر في ذي القعدة من سنة سبع ومائة وقد انكشف أراضيها من النيل، فأخذ في إصلاح أحوالها وتدبير أمورها. ودام بها إلى ذي القعدة من سنة ثمان ومائة، وصرف عنها في ذي القعدة باستعفائه لمغاضبة وقعت بينه وبين عبيد الله بن الحبحاب متولي خراج مصر. فكانت ولاية الحر هذا على مصر ثلاث سنين سواء. وتولى من بعده على مصر حفص بن الوليد الذي كان استخلفه الحر هذا على الصلاة لما وفد على الخليفة هشام. ولما عزل الحر عن إمرة مصر ولاه هشام الموصل، وهو الذي بنى المنقوشة داراً ليسكنها، وإنما سميت المنقوشة لأنها كانت منقوشة بالساج والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها. وهو الذي عمل النهر الذي كان بالموصل. وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرة فيها ماء، وهي تحملها ساعة ثم تستريح قليلاً لبعد [الماء «١» ] ، فلما رأى الحر ذلك كتب إلى هشام بذلك فأمره أن يحفر نهراً إلى البلد، فحفره؛ فكان أكثر شرب أهل البلد منه؛ وعليه كان الشارع المعروف بشارع النهر «٢» ، وبقي العمل فيه عدة سنين. ومات الحر هذا في سنة ثلاث عشرة ومائة، وكان أجل أمراء بني أمية شجاعة وكرماً وسؤدداً.

стр. 289

*** السنة الأولى من ولاية الحر بن يوسف الأموي على مصر، وهي سنة ست ومائة- فيها عزل الخليفة هشام متولي العراق عمر بن هبيرة الفزارىّ بخالد ابن عبد الله القسري، فدخل خالد بغتة وبها ابن هبيرة يتهيأ لصلاة الجمعة ويسرح لحيته، فقال عمر بن هبيرة: هكذا تقوم الساعة بغتةً. فقيده خالد القسري وألبسه مدرعة من صوف وحبسه؛ ثم إن غلمان ابن هبيرة اكتروا داراً إلى جانب السجن فنقبوا سرداباً إلى السجن وأخرجوه منه، فهرب إلى الشأم واستجار بالأمير مسلمة ابن عبد الملك بن مروان فأجاره، وكلم أخاه هشاماً في أمره فعفا عنه، فلم تطل أيام عمر بن هبيرة ومات بعد مدة يسيرة. وفيها غزا مسلمة بن سعيد بن أسلم فرغانة فلقيه ابن خاقان ملك الترك في جمع كبير، فكانت بينهم وقعة قتل فيها ابن خاقان في طائفة كبيرة من الترك. وفيها حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك. وفيها استعمل خالد القسري أخاه أسد بن عبد الله على إقليم خراسان نيابةً عنه. وفيها توفي طاوس بن كيسان أبو عبد الرحمن اليماني الجندي أحد الأعلام، كان من أبناء الفرس الذين سيرهم كسرى إلى اليمن، وهو من فقهاء التابعين. قال سفيان الثّورىّ عن رجل قال: كان من دعاء طاوس: اللهم اخرمنى المال والولد وارزقني الإيمان والعمل. وفيها توفي أبو مجلز لاحق بن حميد في قول الذهبي. وفيها «١» حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك فلقيه إبراهيم بن محمد بن طلحة في الحجر فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذي خرجت معظماً له إلا رددت علي ظلامتي، قال هشام: أي ظلامة؟ قال: داري؛ قال: فأين كنت من أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمني، قال: فالوليد وسليمان؟ قال: ظلماني، قال: فعمر؟ قال: [﵀ «٢» ] ردها علي، قال: فيزيد بن عبد الملك؛ قال: ظلمني وقبضها مني بعد قبضي لها فهى

стр. 290

في يدك؛ فقال هشام: لو كان فيك ضرب لضربتك! فقال: في والله ضرب بالسيف والسوط، فانصرف هشام [والأبرش «١» خلفه فقال: أبا مجاشع] ، كيف سمعت هذا اللسان؟ قال: ما أجوده! قال: هي قريش وألسنتها. ولا يزال في الناس بقايا! ما رأيت مثل هذا!. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وأربعة أصابع. *** السنة الثانية من ولاية الحر بن يوسف على مصر وهي سنة سبع ومائة- فيها عزل الجراح الحكمي عن إمرة أذربيجان بالأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فغزا مسلمة قيسارية الروم وافتتحها بالسيف. وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري متولي خراسان بلاد سجستان، فانكسر المسلمون واستشهد طائفة ورجع الجيش مجهودين «٢» . وفيها كان بالشأم طاعون شديد فخاف الناس كثيراً. وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري جبال الطالقان والغور، وكان أهلها خرجوا بأموالهم وأهلهم إلى كهف عظيم في جبل [شاهق «٣» ] شامخ ليس فيه طريق مسلوك، فعمل أسد توابيت وربطها بالسلاسل ودلاها عليهم، فظفر بهم وعاد سالماً غانماً، فنزل بلخ وبنى مدينتها وولاها برمك أبا خالد البرمكي ونقل إليها الجند والأمراء. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح قيسارية وهي مدينة مشهورة. وفيها غزا معاوية بن هشام الخليفة ومعه أهل الشأم وصحبته ميمون بن مهران فقطعوا البحر إلى قبرس. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. وفيها توفّى موسى بن محمد

стр. 291

ابن علي بن عبد الله بن عباس ببلاد الروم غازياً، وكان عمره سبعاً وعشرين سنة، قاله ابن الأثير؛ والأصح أنه مات في القابلة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وإصبعان. *** السنة الثالثة من ولاية الحر بن يوسف على مصر وهي سنة ثمان ومائة- في ذي الحجة منها حكم بمصر حفص بن الوليد. وفيها غزا ولد الحليفة معاوية بن هشام أرض الروم وجهز بين يديه الأبطال «١» الى حنجر «٢» فافتتحها. وفيها غزا أخو الخليفة مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فافتتح قيسارية «٣» . وفيها وقع حريق عظيم بدابق، احترقت المواشي والدواب والرجال. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي. وفيها توفي موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو عيسى الهاشمي وهو أخو السفاح والمنصور لأبيهما وأخو إبراهيم لأمه وأبيه، مات في حياة أبيه محمد غازياً في بلاد الروم وله ثمان عشرة سنة. وفيها توفي نصيب بن رباح أبو محجن الشاعر المشهور مولى عبد العزيز بن مروان، وأمه نوبية فجاءت به أسود فباعه عمه وكان من العرب من بنى الحاف بن قضاعة، وقيل: إنه هرب فدخل على عبد العزيز ومدحه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: أنا عبد «٤» ، فقال عبد العزيز للمقومين: قوموه، فقالوا: عبد أسود ليس له قيمة، قيمته مائة دينار، قال أبو محجن عن نفسه: إنه راعي إبل يحسن القيام عليها، قالوا: مائتا دينار، قال: إنه يبري النّبل ويريشها، قالوا: ثلثمائة دينار، قال: إنه يرمي ويصيب، قالوا: أربعمائة دينار،

стр. 292

قال: إنه راوية الأشعار، قالوا: خمسمائة دينار، قال: أصلح الله الأمير، أين جائزتي؟ فأعطاه ألف دينار، فاشترى أمه وأهله وأعتقهم. وذكره محمد بن سلام في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام. وفيها توفي عطاء بن يسار أبو محمد المدني الفقيه، مولى «١» ميمونة أم المؤمنين؛ وعطاء أخو سليمان وعبد الله وعبد الملك، وكان قاصاً «٢» واعظاً ثقةً جليل القدر، وقال الذهبي: إنه مات في الماضية. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام المقدم ذكره. وفيها توفي عكرمة البربري ثم المدني أبو عبد الله مولى ابن عباس أحد العلماء الربانيين، روى عن ابن عباس وعائشة وعلي بن أبي طالب وغيرهم؛ قال الهيثم بن عدي وغيره: مات سنة ست ومائة. وقال أبو نعيم وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة: سنة سبع ومائة؛ وقال يحيى بن معين والمدائني: سنة خمس عشرة ومائة، وقال غيرهم: في هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأربعة أصابع. ذكر ولاية حفص بن الوليد الأولى على مصر هو حفص بن الوليد بن سيف «٣» بن عبد الله بن الحارث بن جبل بن كليب ابن عوف بن معاهر «٤» بن عمرو بن زيد بن مالك بن زيد بن الحارث بن عمرو بن حجر ابن قيس بن كعب بن سهل بن زيد بن حضرموت، الأمير أبو بكر الحضرمي القاري أمير مصر، وليها بعد عزل الحر بن يوسف من قبل هشام بن عبد الملك على الصلاة مكرهاً على ذلك. وكان حفص وجيهاً عند بني أمية ومن أكابر أمرائهم، وكان

стр. 293

فاضلاً ثقة، روى عن الزهري وغيره، وروى عنه الليث بن سعد وجماعة أخر، ولم تطل مدته على ولاية مصر في هذه المرة وعزل بعد جمعتين يوم عيد الأضحى وقيل آخر ذي الحجة سنة ثمان ومائة. قلت: وعلى القولين لم تطل ولايته بل ولا وصلت إلى أربعين يوماً، وكان سبب عزله عن إمرة مصر بسرعة شكوى عبيد الله بن الحبحاب صاحب خراج مصر عليه للخليفة هشام بن عبد الملك، وشكوى جماعة أخر من أوباش المصريين، فعزله هشام عن مصر بعبد الملك بن رفاعة، ثم ندم أهل مصر على عزله وطلبوا منه إعادته عليهم، يأتي ذكر ذلك كله في ولايته الثانية على مصر فإنه وليها بعد ذلك ثانياً وثالثاً حتى قتله الحوثرة في سنة ثمان وعشرين ومائة. وكان حفص شريفاً مطاعاً محبباً للناس ولديه معرفة وفضيلة، واستقدمه هشام بعد عزله عن مصر وأراد أن يوليه خراسان عوضاً عن أسد بن عبد الله القسري، فامتنع حفص من ذلك. وكان سبب عزل أسد عن خراسان أنه خطبهم يوماً فقال: قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد، اللهم فرق بيني وبينهم وأخرجني إلى مهاجري ووطني؛ فبلغ قوله هشاماً، فكتب إلى خالد بن عبد الله القسري: اعزل أخاك، فعزله. وأراد هشام أن يولي حفصاً فامتنع، فولى خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، ثم عزله هشام واستعمل عليها أشرس بن عبد الله وأمره أن يكاتب خالدا، وكان الأشرس فاضلا خيرا، كان يسمونه الكامل لفضله، فلما قدم خراسان فرحوا. وقد خرجنا عن المقصود استطرادا. ذكر ولاية عبد الملك بن رفاعة الثانية على مصر قلت: تقدم التعريف بعبد الملك هذا في أول ولايته على مصر بعد موت قرّة ابن شريك سنة ست وتسعين. وكانت ولاية عبد الملك أيضاً على الصلاة لا غير،

стр. 294

والخراج عليه عبيد الله بن الحبحاب على عادته، فقدم عبد الملك المذكور من الشأم إلى مصر عليلاً في أول المحرم، وقيل: اثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة تسع ومائة [والأول أصح] «١» وكان أخوه الوليد بن رفاعة يخلفه على الصلاة بمصر من أول المحرم السنة المذكورة (أعني من أول يوم ولايته) ، فلما دخل عبد الملك إلى مصر لم يطق الصلاة بالناس لشدة «٢» مرضه، فاستمر أخوه الوليد بن رفاعة يصلي بالناس وعبد الملك ملازم الفراش إلى أن توفي نصف المحرم من السنة المذكورة، فكانت ولايته هذه الثانية على مصر خمس عشرة ليلة على أنه دخل مصر في أول المحرم؛ وتولى مصر بعده أخوه الوليد بن رفاعة. ذكر ولاية الوليد بن رفاعة على مصر هو الوليد بن رفاعة بن خالد بن ثابت [بن ظاعن «٣» ] الفهمي المصري أمير مصر، وليها باستخلاف أخيه عبد الملك إليه فأقره الخليفة هشام بن عبد الملك على إمرة مصر وعلى الصلاة. وجعل الوليد هذا على شرطة مصر عبد الله بن [أبي «٤» ] سمير الفهمي ثم عزله وولى خالد بن عبد الرحمن الفهمي؛ واستمر على إمرة مصر وطالت أيامه ووقع له بها أمور ووقعت في أيامه حوادث. وفي أيامه نقلت قيس إلى مصر ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك. وفي أيامه أيضاً خرج وهيب اليحصبي من مصر في سنة سبع عشرة ومائة من أجل أن الوليد هذا أذن للنصارى في عمارة كنيسة يوحنا «٥» بالحمراء، فلم يكن بعد أيام قليلة إلا ومرض الوليد ولزم الفراش حتى مات في يوم الثلاثاء في مستهل جمادى الآخرة سنة سبع عشرة ومائة، واستخلف عبد الرحمن بن خالد على الصلاة

стр. 295

بمصر، وكانت إمرته على مصر تسع سنين وخمسة أشهر، وولي مصر بعده عبد الرحمن ابن خالد المذكور. ولم تطل مدة الوليد هذا على مصر إلا لخروج عبيد الله بن الحبحاب المتولي على خراج مصر منها، وقد تقدم عزل جماعة كبيرة من العمال بمصر بسبب عبيد الله المذكور، فدبر عليه الوليد هذا حتى أخرجه هشام من مصر واستعمله على إفريقية، فسار إليها عبيد الله بن الحبحاب واشتغل بها عن خراج مصر، فإنه في أول خروجه سير جيشاً إلى صقلية، «١» فلقيهم مراكب الروم فاقتتلوا قتالاً شديداً وانهزم الروم، وكانوا قد أسروا جماعةً من المسلمين فيهم عبد الله بن زياد فبقي أسيراً إلى سنة إحدى وعشرين ومائة، ثم استعمل عبيد الله بن الحبحاب عقبة بن الحجاج العبسي على الأندلس فسار إليها وملكها، ثم سير عبيد الله جيشاً إلى السوس «٢» وأرض السودان فغنموا وظفروا وعادوا. ولما خرج عبيد الله بن الحبحاب من مصر جمع له الخليفة خراج مصر وصلاتها وعظم أمره ومهد البلاد وساس الناس ومالت إليه الرعية، ثم عزل عن الخراج أيضاً واستقل بصلاة مصر على عادته أولاً إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. *** السنة التي حكم في محرمها عبد الملك بن رفاعة على مصر ثم في باقيها الوليد بن رفاعة وهي سنة تسع ومائة- فيها غزا أسد بن عبد الله القسري الترك فهزم خاقان وافتتح قزوين «٣» . وفيها غزا معاوية ابن الخليفة أمير المؤمنين هشام بن

стр. 296

عبد الملك الروم وفتح حصناً يقال له: الطينة «١» . وفيها توفي لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري في قول الفلاس وهو أبو مجلز المقدم ذكره، وهو من الطبقة الثانية، وكان بمرو لما قتل قتيبة بن مسلم، فولاه أهل مرو أمرهم حتى قدم وكيع ابن أبي سود «٢» ، وكان لاحق هذا يركب مع قتيبة في موكبه فيسبح الله اثنتي عشرة ألف تسبيحة يعدها على أصابعه لا يعلم به أحد. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام وهو عامل مكة والمدينة والطائف، وخطب الناس وقال: سلونى فإنكم لا تسألون أحداً أعلم مني؛ فسأله رجل من أهل العراق [عن] «٣» الأضحيّة [أ] «٤» واجبة هي؟ فما درى ولا أجاب ونزل ولم يتكلم. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعاً مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة أصابع. *** السنة الثانية من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة عشر ومائة- فيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الخزر، وتسمى هذه الغزوة غزوة الطين، والتقى مسلمة مع ملك الخزر واقتتلوا أياماً وكانت ملحمة عظيمة هزم الله فيها الكفار في سابع جمادى الآخرة. وفيها افتتح معاوية ابن الخليفة هشام بن عبد الملك حصنين كبيرين من أرض الروم. وفيها توفي الحسن بن أبي الحسن يسار أبو سعيد المعروف بالحسن البصري، كنيته أبو سعيد مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى حميد بن قحطبة. وكان الحسن إمام أهل البصرة، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة؛ قال

стр. 297

الذهبي: بل كان إمام أهل العصر، ولد بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، وكانت أمه مولاةً لأم سلمة أم المؤمنين، فكانت تذهب أمه لأم سلمة في الحاجة فتشاغله أم سلمة بثديها فربما در عليه. قال: وقد سمع من عثمان وهو يخطب وشهد يوم الدار «١» ، ورأى طلحة وعلياً، وروى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بكرة والنعمان بن بشير وخلق كثير من الصحابة وغيرهم؛ ومناقب الحسن كثيرة ومحاسنه غزيرة وعلومه مشهورة. وفيها توفي محمد بن سيرين أبو بكر الأنصاري البصري الإمام الرباني، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، مولى أنس بن مالك، وهو صاحب التعبير، وكان أبوه سيرين من سبي جرجرايا «٢» فكاتب أنساً على مال جزيل فوفاه له؛ ومولده لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁. وفيها جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرطة والقضاء بالبصرة لبلال ابن أبي بردة وعزل ثمامة عن القضاء. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام. وفيها توفي الفرزدق مقدم شعراء عصره، وكنيته أبو فراس، واسمه همّام بن غالب بن صعصعة ابن ناجية التميمي البصري، روى عن علي بن أبي طالب وغيره، وكان يرسل «٣» ، وروى عن أبي هريرة وعن جماعة، وكان يقال: الفرزدق أشعر الناس عامة وجرير أشعر الناس خاصة. قال محمد بن سلام: أتى الفرزدق إلى الحسن البصري فقال: إني قد هجوت إبليس فاسمع، قال: لا حاجة لنا بما تقول، قال: لتسمعن أو لأخرجن فلأقولن للناس إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، قال: فاسكت فإنك عن لسانه تنطق. وللفرزدق هذا مع زوجته النّوار حكايات ظريفة. ومن شعره:

стр. 298

إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه وفيها توفى جرير [بن] الخطفي، وهو جرير بن عطية بن حذيفة «١» بن بدر بن سلمة أبو حزرة التميمي البصري الشاعر المشهور، هو من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام، مدح يزيد بن معاوية ومن بعده من الأمويين. قال محمد بن سلام: ذاكرت مروان بن أبي حفصة فقال: ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القريض ومره لجرير وعن هشام بن الكلبي عن أبيه: أن أعرابياً مدح عبد الملك بن مروان فأحسن فقال له عبد الملك: [هل] تعرف أهجى بيتٍ في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا قال: أصبت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير: إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا قال: أحسنت؛ فهل تعرف جريراً؟ قال: لا والله؟ وإني إلى رؤيته لمشتاق، قال: فهذا جرير وهذا الأخطل وهذا الفرزدق، فأنشأ الأعرابي يقول: فحيا الإله أبا حزرةٍ ... وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به ... ودقّ خياشيمه الجندل فأنشأ الفرزدق يقول: بل أرغم الله أنفا أنت حامله ... ياذا الخنا ومقال الزور والخطل

стр. 299

ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل فغضب جرير وقال أبياتاً، ثم وثب وقبل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت كل سنة خمسة عشر ألفاً، فقال له عبد الملك: وله مثلها مني. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وستة عشر إصبعاً. *** السنة الثالثة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة إحدى عشرة ومائة- فيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله السّلمىّ عن خراسان وولاها الجنيد بن عبد «١» الرحمن المرّىّ، وسبب عزل أشرس لما فعله بالمدينة وكيف انتقضت عليه السّغد، وتخلف أهل بخارا واستجاشوا عليه بخاقان ملك الترك، وفتح على المسلمين باباً واسعاً ذهبت فيه الأموال وضعفت العساكر من سوء تدبيره. وفيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام الصائفة ووغل في بلاد الروم، وغزا أيضاً أخوه سعيد بن هشام فوصل إلى قيسارية. وفيها ولى هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام. وفيها توفي يزيد بن عبد الله بن الشّخّير أبو العلاء من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وكان من كلامه يقول: لأن أعافى فأشكر، أحبّ إلىّ من أن أبتلى فأصبر. وفيها غزا في البحر عبد الله بن أبي مريم. وفيها سارت الترك إلى أذربيجان فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم بعد قتال كثير واستباح عسكرهم. وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن عامل إفريقيّة عثمان ابن أبي نسعة عن الأندلس واستعمل عليها الهيثم بن عبد الله «٢» الكناني.

стр. 300

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع سواء، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وستة عشر إصبعاً. *** السنة الرابعة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة اثنتا عشرة ومائة- فيها زحف الجراح بن عبد الله الحكمي بالمسلمين من برذعة «١» إلى ابن خاقان ليدفعه عن أردبيل «٢» ، فالتقى الجمعان وعظم القتال واشتد البلاء وانكسر المسلمون وقتل منهم خلق، منهم أمير الجيش الجراح بن عبد الله الحكمي المذكور، وكان أحد الأبطال، وغلبت الخزر على أذربيجان وحصل وهن عظيم على الإسلام. وفيها توفي رجاء بن حيوة أبو المقدام الكندي الأزدي، كان ثقةً فاضلاً كثير الحديث وكان سيد أهل زمانه؛ قال ابن عون: ثلاثة لم أر مثلهم كأنهم التقوا فتواصوا: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشأم. وكان رجاء عظيما عند بنى أميّة لا سيما عند عمر بن عبد العزيز، كان إذا قدمت لعمر بن عبد العزيز حلل يعزل منها حلة ويقول: هذه لخليلي رجاء بن حيوة. وفيها توفي شهر بن حوشب أبو عبد الله الأشعري وقيل أبو الجعد «٣» ، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم، قرأ القرآن على عبد الله بن عباس سبع مرات. وفيها توفي طلحة بن مصرف بن عمرو أبو عبد الله وقيل أبو محمد، الكوفي الهمداني، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة، كان قارئ أهل الكوفة يقرءون عليه، فلما كثروا عليه كأنه كره ذلك، فمشى إلى الأعمش وقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوه. وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة

стр. 301

فافتتح مدينة خرشنة «١» . وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام بن عبد الملك، أعني ابن الخليفة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة سنة عشر ذراعاً وأربعة عشر إصبعاً. *** السنة الخامسة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهى سنة ثلاث عشرة ومائة- فيها غزا الجنيد المري ناحية طخارستان، فجاشت الترك بسمرقند فالتقاهم الجنيد بقرب سمرقند فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكتب الجنيد من البحر إلى سورة الدّارمىّ، بنجدة على سمرقند، فخرج سورة في جنده، فلقيته الترك على غرة فقتلته، فعاد الجنيد أيضاً لقتال الترك بعد قتل سورة ثانياً وقاتلهم حتى هزمهم ودخل سمرقند. وفيها توفي مكحول الشامي أبو عبد الله، من الطبقة الثانية «٢» من تابعي أهل الشأم، قال: كنت مولى لعمرو بن سعيد بن العاص فوهبني لرجل من هذيل، فأنعم علي بها، فما خرجت من مصر حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا سمعته، ثم أتيت المدينة، وقال كما قال أوّلا، ثم أتيت الشعبي ولم أر مثله. وفيها حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك. وفيها دخل جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان فأخذهم الجنيد ومثل بهم وقتلهم. وفيها توفي أبو محمد «٣» البطال وقيل: أبو يحيى «٤» ، واسمه عبد الله، أحد الموصوفين بالشجاعة والإقدام، ومن سارت بذكره الركبان، كان أحد أمراء

стр. 302

بني أمية، وكان على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية، شهد عدة حروب وأوطأ الروم خوفاً وذلاً. قلت: والعامة تكذب على أبي محمد هذا بأقوال كثيرة، ويسمونه البطال، في سير كثيرة لا صحة لها. وفيها حج بالناس سليمان بن [هشام «١» بن] عبد الملك وقيل إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي. وفيها توفي حرام بن سعد بن محيصة أبو سعيد، وعمره سبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع سواء، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً سواء. *** السنة السادسة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة أربع عشرة ومائة- فيها عزل الخليفة هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك عن إمرة أذربيجان والجزيرة بابن عمه مروان بن محمد المعروف بالحمار آخر خلفاء بني أمية الأتي ذكره، فسار مروان بن محمد المذكور بجيشه حتى جاوز الروم فقتل وسبى من الترك. وفيها غزا الجنيد بلاد الصّغانيان «٢» من الترك فرجع ولم يلق كيداً. وفيها ولي إمرة المغرب عبيد الله بن الحبحاب السكوني «٣» صاحب خراج مصر، فتوجه إليها وبقي عليها تسع سنين. وفيها توفي عطاء بن أبي رباح المكي أبو محمد بن أسلم «٤» مولى قريش أحد أعلام التابعين، ولد في خلافة عثمان، وسمع من كبار الصحابة. وفيها توفي محمد الباقر، وكنيته أبو جعفر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي العلوي

стр. 303

سيد بني هاشم في زمانه، روى عن ابن عباس وغيره، وهو أحد [الأئمة «١» ] الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتهم، مولده في سنة ست وخمسين. ولمحمد هذا إخوة أربعة «٢» ، وهم: زيد الذي صلب، وعمر، وحسين «٣» ، وعبد الله، الجميع بنو زين العابدين، ﵃. وفيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن إمرة المدينة وولاها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص؛ وإبراهيم المعزول هو خال الخليفة هشام بن عبد الملك. وفيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام ابن عبد الملك الصائفة اليسرى فأصاب شيئاً كثيراً، وأن عبد الله البطال التقى هو وقسطنطين في جمع فهزمهم البطال وأسر قسطنطين. وفيها غزا سليمان ابن الخليفة هشام الصائفةٍ اليمنى فبلغ قيساريّة. وفي هذه «٤» السنة عزل هشام إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي عن إمرة المدينة واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث ابن الحكم في ربيع الأول، وكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثمان سنين، وعزل إبراهيم أيضاً عن مكة وعن الطائف، واستعمل عليها محمد بن هشام المخزومىّ. وفيها وقع الطاعون بواسط. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً. *** السنة السابعة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة خمس عشرة ومائة- فيها خرج الحارث بن سريج «٥» عن طاعة الخليفة وتغلب على مرو وجوزجان «٦» ،

стр. 304

فسار إليه أسد بن عبد الله القسري، فالتقوا فآنهزم الحارث، وأسر أسد عدة من أصحاب الحارث وبدع فيهم. وفيها وقع بخراسان قحط شديد ومجاعة عظيمة. وفيها توفي عمرو بن مروان بن الحكم الأمير أبو حفص، وأمه زينب بنت عمر بن أبي سلمة المخزومىّ؛ كان عمرو من خيار بني أمية، ولم يكن بمصر في أيام بني أمية أفضل منه. وفيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام أرض الروم وافتتح حصوناً. وفيها وقع الطاعون بالشأم. وفيها حج بالناس محمد بن هشام المخزومىّ، وكان الأمير بخراسان الجنيد. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً. *** السنة الثامنة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة ست عشرة ومائة- فيها بعث عبيد الله بن الحبحاب أمير إفريقية ببلاد المغرب جيشاً إلى بلاد السودان فغنموا وسبوا. وفيها غزا المسلمون في البحر مما يلي صقلية فأصيبوا. وفيها تزوج الجنيد فاضلة بنت المهلب بن أبي صفرة، وبلغ [ذلك] الخليفة هشاماً فغضب وعزل الجنيد عن خراسان وولاها عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، وقال له: إن أدركته حياً فأزهق نفسه، فقدم عاصم خراسان وقد مات الجنيد، وكان بالجنيد مرض البطن. وفيها توفيت حفصة بنت سيرين أخت محمد بن سيرين؛ وكانت زاهدةً عابدة، قرأت القرآن وهي بنت اثنتي عشرة سنة وماتت وهي بنت تسعين سنة. وفيها توفي نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من الطبقة الثالثة من التابعين، وكان عبد الله بن جعفر أعطى ابن عمر فيه اثني عشر ألف درهم فأبى وأعتقه، وكان نافع عند عبد الله بن عمر كبعض ولده، وكان نافع ثقة كثير الحديث. وفيها غزا

стр. 305

معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم الصائفة. وفيها كان الطاعون بالعراق وكان أشده بمدينة واسط وسواحلها. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً ونصف إصبع. *** السنة التاسعة من ولاية الوليد بن رفاعة على مصر وهي سنة سبع عشرة ومائة- فيها جاشت الترك بخراسان، ومعهم الحارث بن سريج الخارجي، وعليهم الخاقان الكبير، فعاثوا وأفسدوا ووصلوا إلى بلد مرو الروذ، فسار إليهم أسد القسرىّ فالتقاهم وقاتلهم حتى هزمهم، وكانت وقعة هائلة قتل فيها من الترك خلائق. وفيها افتتح مروان بن محمد المعروف بالحمار متولي أذربيجان ثلاثة حصون، وأسر تومانشاه «١» وبعث به إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فمن عليه وأعاده إلى مملكته. وفيها غزا عبيد الله بن الحبحاب أمير إفريقية عدة بلاد من المغرب فغنم وسلم. وفيها توفيت سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، واسمها آمنة، وأمّها الرّباب بنت امرئ القيس بن عدي، وكانت من أجمل نساء عصرها. وفيها توفي عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى محمد بن ربيعة، وكنيته أبو داود، من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وذكر الذهبي في هذه السنة وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي سعيد بن يسار، وقد ذكره عبد الله بن أبي زكريا الخزاعىّ، وتوفى شريح ابن صفوان بمصر، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وعائشة بنت سعد، وعمر ابن الحكم بن ثوبان، وفاطمة بنت علي بن أبي طالب، وقتادة بن دعامة المفسر

стр. 306

وقيل بعدها، ومحمد بن كعب القرظي في قول الواقدي، وتوفي موسى بن وردان القاضي بمصر، وميمون بن مهران أو فى عام أول. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً ونصف إصبع. ذكر ولاية عبد الرحمن بن خالد على مصر هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، الأمير أبو خالد، وقيل أبو الوليد، الفهمي المصري، أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان، وكان استخلفه الوليد بن رفاعة قبل موته على صلاة مصر، وكان قبل ذلك أيضاً ولي شرطتها مدة سنين، فلما مات الوليد بن رفاعة أقره الخليفة هشام على إمرة مصر عوضاً عن الوليد بن رفاعة على الصلاة، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة سبع عشرة ومائة، ولما تم أمره جعل على شرطته عبد الله بن بشار الفهمي. وكان في عبد الرحمن هذا لين. وفي ولايته على مصر نزلت الروم بنواحى مصر وأسروا منها خاتما كثيراً، فلما بلغ هشاماً ذلك عزله عن إمرة مصر وأعاد حنظلة بن صفوان ثانياً على مصر، وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة، فكانت مدة ولايته على مصر سبعة أشهر وخمسة أيام. وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في كتابه «تذهيب التهذيب» بعد ما قال أمير مصر لهشام: والليث بن سعد أحد مواليه، قال: روى عن الزهري وروى عنه الليث بن سعد ويحيى بن أيوب. قال ابن معين: كان عنده عن الزهرىّ كتاب فيه مائتا حديث أو ثلثمائة حديث كان الليث يحدث بها عنه. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن يونس: ولي مصر سنة ثمان عشرة ومائة وعزل سنة تسع عشرة ومائة. قلت: والذي ذكرناه في تاريخ ولايته وعزله هو الأشهر. قال: وكان ثبتاً في الحديث، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. اهـ.

стр. 307

وقيل: إن سبب عزله عن مصر أن دعاة بني العباس أرسلوا إليه سراً، فأكرمهم ووعدهم، فبلغ ذلك هشاماً فعزله. وكان من أمر دعاة بني العباس أنه وجه بكير ابن ماهان عمار بن زيد «١» إلى خراسان والياً عليها على شيعة بني العباس، فنزل مرو وغير اسمه وتسمى بخداش ودعا الناس إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فتسارع الناس إليه وأطاعوه، ثم غير ما دعاهم إليه وأظهر دين الخرمية «٢» ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وإن تأويل الصوم أن يضام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة: الدعاء له، والحج: القصد إليه؛ وكان يتأول من القرآن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، فنفر من كان أطاعه عنه. وكان خداش المذكور نصرانياً بالكوفة وأسلم ولحق بخراسان، وكان ممّن اتبعه على مقالته مالك بن الهيثم والحريش بن سليم الأعجمي وغيرهما وأخبرهم أن محمد بن علي أمره بذلك، فبلغ خبره أسد بن عبد الله القسري فظفر به، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه وسمل عينيه بعد أن سأله عمن وافقه، فذكر جماعةً، منهم أمير مصر عبد الرحمن هذا، وليس ذلك بصحيح، ثم أمر أسد بيحيى بن نعيم الشّيبانىّ فصلب، ثم أتى أسد بحزوّر «٣» مولى المهاجر بن دارة الضّبىّ فضرب عتقه بشاطئ النهر.

стр. 308

*** ذكر السنة التي حكم في أولها عبد الرحمن بن خالد ثم في باقيها حنظلة بن صفوان وهي سنة ثمان عشرة ومائة- فيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام أرض الروم وقتل وسبى. وفيها غزا مروان الحمار ناحية ورتنيس «١» وظفر بملكهم وقتل وسبى. وفيها حج بالناس محمد ابن هشام بن إسماعيل وهو أمير المدينة، وقيل: كان هذه السنة على المدينة خالد بن عبد الملك. وفيها توفي علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو محمد الهاشمي المدني العباسي المعروف بالسجاد، كان يصلي كل يوم ألف ركعة، وهو والد الخلفاء العباسية، وكانت كنيته أبا الحسن، فكناه عبد الملك بن مروان أبا محمد، وقال: لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعاً. وكان لعلي هذا أولاد كثيرة وهم: محمد والد الخلفاء، وعيسى وداود وسليمان وإسماعيل وعبد الصمد وصالح وعبد الله. وولد علي هذا في أيام قتل علي بن أبي طالب ﵁ فسمي باسمه. وفيها توفي عبد الله ابن عامر بن يزيد بن تميم أبو عمران اليحصبىّ مقرئ أهل الشأم، قيل: إنه قرأ القرآن على أبي الدرداء وتولى قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني، ومات يوم عاشوراء وله سبع وتسعون سنة. وفيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك خالد ابن عبد الله القسري عن المدينة واستعمل عليها محمد بن هشام. وفيها توفي ثابت بن أسلم البناني، وبنانة اسم امرأة كانت تحت سعد بن لؤي بن غالب بن فهر، وهو من الطبقة الثالثة (أعني ثابتاً) من أهل البصرة؛ وكان ثابت من أعبد أهل زمانه، وبه يضرب المثل في العبادة.

стр. 309

قال أنس بن مالك ﵁: «إن لكل شيء مفتاحاً وإن ثابتاً من مفاتيح الخير» وكانت عيناه تشبه عيني رسول الله ﷺ ؛ فقال له أنس ابن مالك: ما أشبه عينيك بعيني رسول الله ﷺ ! فما زال يبكي حتى عمشت. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي في هذه السنة أبو صخرة جامع ابن شداد، وحكيم بن عبد الله بن قيس، وأبو عشانة حي بن يؤمن المعافري، وعبادة بن نسي الكندي، وعبد الله بن عامر مقرئ الشأم. قلت: هو الذي ذكرناه آنفاً. قال: وعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، وعبد الرحمن بن سابط الجمحي (بضم الجيم نسبة لبني جمح) وعثمان بن عبد الله بن سراقة المدني، وعلي بن عبد الله بن العباس الهاشمي. قلت: وقد تقدم ذكره في غير هذه السنة. قال: ومعاذ بن عبد الله الجهني، ومعبد بن خالد الجدلي الكوفي، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر في قول ابن معين. قلت: وقد تقدم ذكره في غير هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وعشرون إصبعا. ذكر ولاية حنظلة بن صفوان الثانية على مصر قلت: تقدم التعريف به في ولايته الأولى على مصر في سنة اثنتين ومائة، وكان سبب ولايته هذه على مصر ثانياً أنه لما ضعف أمر عبد الرحمن بن خالد أمير مصر المقدم ذكره شكا منه أهل مصر إلى هشام بن عبد الملك، وكان شكواهم من لينه لا لسوء سيرته، فعزله الخليفة هشام لهذا المقتضى وغيره وولى حنظلة

стр. 310

ابن صفوان هذا ثانياً على إمرة مصر على صلاتها، فقدمها حنظلة في خامس المحرم سنة تسع عشرة ومائة، وتم أمره ورتب أمور الديار المصرية ودام بها إلى سنة إحدى وعشرين ومائة، [و] فيها انتقض عليه قبط مصر، فحاربهم حنظلة المذكور حتى هزمهم، ثم في سنة اثنتين وعشرين ومائة قدم عليه بمصر رأس زيد بن علي زين العابدين فأمر حنظلة بتعليقها وطيف بها؛ ثم استمر على إمرة مصر إلى أن عزله عنها الخليفة هشام بن عبد الملك وولاه إفريقية، فاستخلف حنظلة على صلاة مصر حفص بن الوليد الحضرمىّ المعزول عن إمرة مصر قبل تاريخه، وخرج حنظلة من مصر لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فكانت ولايته على مصر في هذه المرة الثانية خمس سنين وثمانية أشهر. وذكر صاحب كتاب «البغية والاغتباط، فيمن ولي الفسطاط» قال بعد ما سماه: ولي ثانياً من قبل هشام على الصلاة، فقدم يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم سنة تسع عشرة ومائة، وجعل على شرطته عياض بن خترمة «١» بن سعد الكلبي. ثم ذكر نحواً مما ذكرناه من عزله وخروجه إلى إفريقية. ولما ولي حنظلة إفريقية أمره الخليفة هشام بتولية أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي إمرة الأندلس، فولاه في شهر رجب. وكان أبو الخطار لما تتابع ولاة الأندلس من قيس قال شعراً وعرض فيه بيوم مرج «٢» راهط، وما كان من بلاء كلب فيه مع مروان بن الحكم، وقيام القيسية مع الضحاك بن قيس الفهري على مروان، فلما بلغ شعره هشام ابن عبد الملك سأل عنه فأعلم أنه رجل من كلب، فأمر هشام بن عبد الملك حنظلة أن يولي أبا الخطار الأندلس فولاه وسيّره اليها، فدخل قرطبة فرأى ثعلبة

стр. 311

ابن سلامة «١» أميرها قد أحضر الألف الأسارى من البربر ليقتلهم، فلما دخل أبو الخطار دفع الأسارى إليه، فكانت ولايته سبباً لحياتهم. ومهد أبو الخطار بلاد الأندلس. وفي ولايته خرج عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع بالأندلس، فأرسل إليه حنظلة رسالة يدعوه إلى مراجعة الطاعة فقبضهم «٢» وأخذهم معه إلى القيروان «٣» ، وقال: إن رمي أحد من أهل القيروان بحجر قتلت من عندي أجمعين فلم يقاتله أحد، واستفحل أمره. وكان حنظلة لا يرى القتال إلا لكافر أو خارجي. فلما قوي أمر عبد الرحمن خرج حنظلة إلى الشأم ودعا على عبد الرحمن وأهل إفريقية فاستجيب له، فوقع الوباء والطاعون ببلادهم سبع سنين لم يفارقهم إلا في أوقات متفرقة، وثار على عبد الرحمن هذا جماعة من العرب والبربر ثم قتل بعد ذلك. هذا بعد أن وقع له مع أبي الخطار حروب ووقائع. وكان ممن خرج على عبد الرحمن عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس، وثابت الصنهاجي بناحية أخرى، وأما حنظلة فإنه أستمر بالشأم إلى «٤» أن مات. السنة الأولى من ولاية حنظلة الثانية على مصر وهي سنة تسع عشرة ومائة- فيها حج بالناس مسلمة بن عبد الملك أخو الخليفة هشام. وفيها غزا مروان بن محمد المعروف بالحمار غزوة السابحة «٥» فدخل بجيشه من باب اللان، فلم يزل حتى خرج من بلاد الخزر، ثم انتهى إلى البيضاء مدينة الخاقان. وفيها جهز عبيد الله بن الحبحاب

стр. 312

أمير إفريقية جيشاً، عليهم قثم بن عوانة، فأخذوا قلعة سردانية من بلاد المغرب ورجعوا، فغرق قثم بن عوانة وجماعته في البحر. وفيها توفّى عبد الله بن كثير مقرئ أهل مكة أبو معبد مولى عمرو بن علقمة الكناني، أصله فارسي، ويقال له: الداري (والداري: العطار، نسبة إلى عطر دارين) ، وقال البخاري: هو مولى قريش من بني عبد الدار، وقال أبو بكر بن أبي داود: الدار: بطن من لخم، منهم تميم الداري، قرأ القرآن على مجاهد وغيره، وقيل: إن وفاته سنة عشرين، وهو الأصح. وفيها قصد خاقان أسد بن عبد الله القسري بجموع الترك، فالتقاهم أسد بن عبد الله وواقعهم فقتل خاقان وأصحابه، وغنم أسد أموالاً عظيمة وفتح بلاداً لم يصل إليها غيره. وفيها خرج المغيرة بن سعيد بالكوفة، وكان ساحراً متشيعاً، فحكى عنه الأعمش أنه كان يقول: لو أراد علي بن أبي «١» طالب أن يحيي عاداً وثموداً «٢» وقروناً بين ذلك كثيراً لفعل. وبلغ خالد بن عبد الله القسري خبره، فأرسل إليه فجيء به وأمر خالد بالنار والنفط وأحرقه ومن كان معه. وفيها غزا أسد بن عبد الله الختل «٣» وقتل ملكها بدير «٤» طرخان. وفيها توفي حبيب بن محمد العجمي، ويعرف بالفارسي، البصري، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، وهو أحد الزهاد الذي يضرب بزهده المثل. وفيها حج بالناس مسلمة بن عبد الملك. وأما الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة فهم جماعة كثيرة، قال: وتوفي إياس بن سلمة بن الأكوع، وحبيب بن أبي ثابت في قولٍ، وحماد بن أبي سليمان

стр. 313

الفقيه في قولٍ، وسليمان بن موسى الفقيه بدمشق، وقيس بن سعد الفقيه بمكة، ومعاوية بن هشام الأمير بأرض الروم. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع ونصف، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وستة أصابع. *** السنة الثانية من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة عشرين ومائة- فيها عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمرة العراق بيوسف بن عمر الثقفي، وكانت مدة ولاية خالد على العراق أربع عشرة سنة، فلما استخلف الوليد ابن يزيد بن عبد الملك بعد موت عمه هشام بن عبد الملك بعث بخالد إلى يوسف هذا فقتله. وفيها توفي أسد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر البجلي القسري، وهو أخو خالد بن عبد الله القسري المقدم ذكره أعلاه. وكان أسد هذا ولي خراسان مرتين، وغزا عدة غزوات وافتتح البلاد، وبنى مدينة بلخ، وتوفي قبل عزل أخيه خالد بن عبد الله القسري بيسير. وفيها توفي حماد بن أبي سليمان فقيه أهل الكوفة، وقد ذكر الذهبي وفاته في الخالية، وهو من الطبقة الثالثة من التابعين. قيل لإبراهيم النخعي: من نسأل بعدك؟ قال: حماد بن أبي سليمان. وعنه أخذ أبو حنيفة العلم، وهو أول من حلق حلقة للاشتغال «١» . وفيها توفي سليمان بن ثابت الداراني الدمشقي المحاربي من الطبقة الثالثة من التابعين، كان يقال له: قاضي الخلفاء لأنه أقام قاضياً على دمشق ثلاثين سنة، قضى لتسعة من خلفاء بني أمية، وقيل لسبعة، وهو الأصح. وفيها توفي محمد بن واسع بن جابر أبو عبد الله الأزدي، من الطبقة

стр. 314

الثالثة من تابعي أهل البصرة، كان لا يقدم عليه أحد في زمانه في العبادة والزهد والورع، كان يصوم الدهر ويخفيه. قيل: إنه دخل هو ومالك بن دينار إلى دار الحسن البصري فلم يجداه في الدار، فرأى محمد بن واسع طعاماً للحسن فأكل منه من غير إذن الحسن، وعزم على مالك فلم يوافقه مالك وقال: حتى يأذن لي صاحبه، وبينما هما في ذلك دخل الحسن البصري فأعجبه فعل محمد بن واسع وقال: هكذا كنا نفعل مع أصحاب رسول الله ﷺ حتى جئتنا يامويلك. وذكر الذهبي جماعة أخر وفيهم من تكرر ذكره لاختلاف المؤرخين، قال: وتوفي أنس بن سيرين على الصحيح، وأسد بن عبد الله القسري الأمير، والجلاح أبو «١» كثير القاضي، والجارود «٢» الهذلي، وحماد بن أبي سليمان في قولٍ، وأبو معشر «٣» زياد ابن كليب الكوفي، وعاصم بن عمر بن قتادة الظّفرىّ، وعبد «٤» الله بن كثير مقرئ أهل مكة، وعبد الرحمن بن ثروان الأودي «٥» ، وعدي بن عدي بن عميرة الكندي، وعلقمة بن مرثد الكوفي، وعلي بن مدرك النخعي الكوفي، وقيس بن مسلم الجدلي الكوفي، ومحمد بن إبراهيم التيمي المدني الفقيه في قول، ومحمد بن كعب القرظي في قولٍ، ومسلمة بن عبد الملك، وواصل الأحدب، ويزيد «٦» بن رومان على الصحيح، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم على الصحيح. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع سواء، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبعان ونصف.

стр. 315

*** السنة الثالثة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة إحدى وعشرين ومائة- فيها غزا مروان الحمار من أرمينية إلى أن بلغ قلعة بيت السرير من بلاد الروم فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية فقتل أيضاً وأسر، ثم دخل الحصن الذي فيه سرير الملك فهرب منه الملك حتى صالحوا مروان في السنة على ألف رأس ومائة ألف مديٍ «١» ، ثم سار مروان في السنة حتى دخل أرض أرز «٢» وبلاد بطران «٣» فصالحوه ثم صالحه أهل بلاد تومان، ثم أتى حمزين «٤» فقاتلهم ولازم الحصار عليهم شهرين حتى صالحوه، ثم افتتح مروان مسدار وغيرها. وذكر خليفة بن خياط أن أبا محمد البطال قتل فيها. وفيها غزا الصائفة مسلمة ابن الخليفة هشام بن عبد الملك فسار حتى أتى ملطية، ومات مسلمة هذا في دولة أبيه هشام. وفيها غزا نصر بن سيار ما وراء النهر وقتل ملك الترك كورصول، وكان كورصول المدكور ملكاً عظيماً غزا في المسلمين اثنتين وسبعين غزوة، ولما قبض عليه نصر أراد أن يفدي نفسه بألف جمل بختي وبألف برذون، فلم يقبل نصر وقتله. وفيها خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵃، ووقع له مع جيش الخليفة أمور وحروب وآل أمره إلى أن انكسر واختفى حتى ظفر به وقتل في سنة اثنتين وعشرين ومائة. وفيها توفي الربيع بن أبي راشد أبو عبد الله الزاهد، من الطبقة الثالثة من تابعي

стр. 316

أهل الكوفة، كان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لخشيت أن يفسد علي قلبي. وفيها توفي عطاء السليمي، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، وكان من التابعين المجتهدين، أقام أربعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى ولم يضحك، ورفع رأسه مرة ففتق في بطنه فتق؛ وكان إذا أراد أن يتوضأ ارتعد وبكى، فقيل له: في ذلك، فقال: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم قبل أن أقوم بين يدي الله تعالى. وفيها توفي نمير بن أوس الأشعري قاضي دمشق، من الطبقة الرابعة من التابعين، ولاه الخليفة هشام القضاء ثم استعفاه فأعفاه. وفيها توفّى محارب ابن دثار السدوسي الشيباني أبو المطرف؛ من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة؛ قال: لما أكرهت على القضاء بكيت وبكى عيالي، فلما عزلت عن القضاء بكيت وبكى عيالي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعاً. *** السنة الرابعة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين ومائة- فيها خرج بالمغرب ميسرة الحقير وعبد الأعلى مولى «١» موسى بن نصير متعاضدين ومعهما خلائق [من الصفرية «٢» ] ، فخرج لقتالهم متولي إفريقية عبيد الله بن الحبحاب وقاتلهم واستظهر عليهم والي إفريقية، لكن قتل ابنه إسماعيل، ثم جهز لهم عبيد الله بن الحبحاب جيشاً ثانياً عليه أبو الأصم خالد، فقتل أبو الأصم المذكور

стр. 317

في جماعة من الأشراف في آخر السنة، واستفحل أمر الصفرية وبايعوا الشيخ عبد الواحد بالخلافة، فلم يتم أمره وقتل بعد حروب كثيرة. وقتل في هذه الواقعة وغيرها في هذه السنة خلائق كثيرة. وكان عبيد الله بن الحبحاب قد جهز جيشاً آخر مع حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة الفهري إلى جزيرة صقلية فظفر حبيب المذكور ظفراً ما سمع بمثله، وسار حتى نزل على أكبر مدائن صقلية، وهي مدينة سرقوسة «١» ، وهابته النصارى وذلوا لإعطاء الجزية، ووقع بالمغرب في هذه السنة حروب مهولة متداولة. وفيها توفي شهيداً زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وصلب مدة طويلة، وقد تقدم ذكر واقعته في سنة إحدى وعشرين ومائة. وفيها توفي إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني البصري، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة، وكنيته أبو واثلة، وكان قاضياً على البصرة، وكان سيداً فاضلاً ذكياً، له نوادر غريبة، كان يقول: أذكر ليلة ولدت وضعت أمي على رأسي جفنة. قال إياس: قلت لأمي: ما شيء سمعته عند ولادتي يا أمي «٢» ؟ فقالت: طست وقع من أعلى الدار ففزعت فولدتك في تلك الساعة. قلت: وعلى هذا يكون سماعه لذلك وهو في بطن أمه، فإنها لما سمعت الضجة ولدت من الفزع. فيكون سماع إياس لذلك قبل أن ينزل من بطن أمه. اهـ. وفيها توفي بلال بن سعد بن تميم السكوني «٣» (بفتح السين المهملة) من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشأم، كان بالشأم مثل الحسن البصري في العراق، وكان إمام جامع دمشق، فكان إذا كبر سمع صوته من الأوزاع (قرية على باب الفراديس) ولم يكن البنيان يومئذ متصلاً؛ هكذا نقل أبو المظفر في تاريخه «مرآة الزمان» . وفيها توفي الأمير مسلمة ابن الخليفة عبد الملك

стр. 318

ابن مروان أبو شاكر «١» ، وقيل: أبو سعيد وقيل: أبو الأصبع «٢» ، كان شجاعاً صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة من ولاية أبيه عبد الملك إلى هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً. *** السنة الخامسة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين ومائة- فيها كانت وقعة عظيمة بين البربر وبين كلثوم بن عياض، فقتل كلثوم في المصاف واستبيح عسكره، كسرهم أبو يوسف الأزدي رأس الصّفريّة (والصفرية «٣» هم منسوبون إلى بني المهلب بن أبي صفرة) ، ثم وقعت أمور ووقائع بالمغرب في هذه السنة أيضاً يطول شرحها. وفيها حج بالناس يزيد ابن الخليفة هشام بن عبد الملك وصحبه الزهري بن شهاب، فهناك لقى الزهرىّ مالك بن أنس وسفيان ابن عيينة. وفيها خرج خمسة وعشرون ألفاً من الروم ونزلوا بملطية، فبعث إليهم

стр. 319

هشام بن عبد الملك الجيوش فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، ولله الحمد. وفيها توفيت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق؛ وأول أزواج عائشة عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ثم تزوجها مصعب ابن الزبير فاصدقها مائة ألف «١» دينار. وعن الكلبي قال: قال عبد الملك بن مروان يوماً لجلسائه: من أشجع العرب؟ قيل: شبيب، وقيل: فلان وفلان؛ فقال: إن أشجع العرب رجل ولي العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف وألف ألف وألف ألف، وتزوج سكينة بنت الحسين بن علي وعائشة بنت طلحة، وابنة «٢» الحميد بنت عبد الله بن «٣» عامر بن كريز، وابنة «٤» ريان بن أنيف الكلبي، وأعطي الأمان فأبى ومشى بسيفه حتى مات، ذاك مصعب بن الزبير. وأظنها تزوجت بعد مصعب. وأما الذين ذكر وفاتهم الذهبي في هذه السنة فجماعة مختلف فيهم، قال: توفي ثابت البناني، وقد تقدم ذكره، وتوفي ربيعة بن يزيد القصير بدمشق، وأبو يونس سليم مولى أبي هريرة، وسماك بن حرب الذهلي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وشرحبيل بن سعد المدنىّ، وأبو عمران الجونىّ عبد الملك بن حبيب، وأبن محيصن مقرئ مكة، ومحمد بن واسع عابد البصرة، وقد تقدم ذكره، ومالك بن دينار، يأتي ذكره. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعا.

стр. 320

ذكر ولاية حفص بن الوليد ثانياً على مصر قلت: تقدم التعريف بحفص هذا في أول ترجمته لما ولي مصر في سنة ثمان ومائة. وكان سبب ولايته هذه الثانية على مصر أن حنظلة بن صفوان لما ولي إفريقية أقر حفصاً هذا على صلاة مصر وتوجّه الى إفريقيّة، فأقرّه الخليفة هشام ابن عبد الملك على إمرة مصر على الصلاة، وذلك فى سابع شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة. وقال صاحب «البغية» : فأقره هشام (يعني على إمرة مصر) ، ثم جمع له بين الصلاة والخراج في ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين ومائة، فجعل على شرطته عقبة بن نعيم الرعيني، وجعل على الديوان يحيى بن عمرو العسقلاني، وعلى الزمام «١» عيسى بن عمرو، ثم صرفه الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك عن الخراج وولاه عيسى بن أبي عطاء يوم الثلاثاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائة، وانفرد بالصلاة، ثم استعفى مروان بن محمد بن مروان فأعفاه، فكانت ولايته هذه ثلاث سنين إلا شهرا. اهـ. وقال غيره: جمع له هشام بن عبد الملك الصلاة والخراج معاً، وكان لأمراء مصر مدة سنين [أن] يلي الأمير على الصلاة لا غير، فلما جمع لحفص بين الصلاة والخراج وقع في أيامه شراقي وقحط بالديار المصرية، فاستسقى حفص بالناس وخطب ودعا الله وصلى، ثم عاد إلى منزله، فلم يكن إلا القليل وورد عليه موت الخليفة هشام بن عبد الملك، واستخلف من بعده الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، فأقر الوليد حفصاً هذا على ما كان عليه من إمرة مصر على الصلاة والخراج أياماً قليلة، ثم صرفه عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء في ثالث عشرين شوال سنة خمس وعشرين ومائة وانفرد حفص بالصلاة. ثم خرج حفص
следующие страницы →