Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الموصلىّ [المنصورىّ «١» ] نائب طرابلس والفتوحات الطرابلسيّة فى أوّل صفر مسموما. وكان من أجلّ الأمراء وله مواقف مشهورة.
وفيها توفّى قتيلا الأمير سيف الدين طغجى بن عبد الله الأشرفىّ. أصله من مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون. وقتل أيضا الأمير سيف الدين كرجى.
والأمير نوغاى الكرمونى السلاح دار، وهؤلاء الذين قتلوا السلطان الملك المنصور حسام الدين لاچين ومملوكه منكوتمر، ثم قتلوا بعده بثلاثة أيام حسب ما تقدّم ذكر ذلك كلّه فى آخر ترجمة الملك المنصور لاچين مفصّلا، وقتل معهم تمام اثنى عشر نفرا من الأمراء والخاصّكيّة ممّن تألبّوا على قتل لاچين.
وفيها توفّى الأمير بدر الدين بدر [الحبشىّ «٢» ] الصّوابىّ [الخادم «٣» ] فى ليلة الخميس تاسع جمادى الأولى بقرية الخيارة «٤» ، كان خرج إليها فمرض بها ومات، وقيل بل مات فجأة وهو الأصحّ فحمل منها إلى جبل قاسيون، ودفن بتربته التى أعدّها لنفسه.
وكان أميرا مباركا صالحا ديّنا خيّرا. قال عزّ الدين بن عبد الدائم: أقام أمير مائة ومقدّم ألف أكثر من أربعين سنة، وولى إمرة الحاجّ بدمشق غير مرّة. ﵀.
وفيها توفّى العلّامة حجّة العرب الإمام الأستاذ بهاء الدين أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبىّ النحوىّ المعروف بابن النحّاس، مات بالقاهرة فى يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الملك المنصور لاچين، ومولده فى سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب، وكان إماما عالما علّامة بارعا فى العربيّة، نادرة عصره فى فنون كثيرة. وله نظم ونثر.
стр. 2697
قال العلّامة أثير الدين أبو حيّان «١» : قال حدّثنا الشيخ بهاء الدين ابن النحاس قال: اجتمعت أنا والشّهاب مسعود السنبلىّ والضياء «٢» المناوىّ فأنشد كلّ منا له بيتين، فكان الذي أنشده السّنبلى فى مليح مكارى:
علقته مكاريا ... شرّد عن عينى الكرى
قد أشبه البدر فلا ... يملّ من طول السّرى
وأنشد المناوىّ فى مليح اسمه جمرىّ:
أفدى الذي يكبت بدر الدّجى ... لحسنه الباهر من عبده
سمّوه جمريّا وما أنصفوا ... ما فيه جمرىّ سوى خدّه
وأنشد الشيخ بهاء الدين هذا فى مليح مشروط:
قلت لما شرطوه وجرى ... دمه القانى على الوجه اليقين
غير بدع ما أتوا فى فعلهم ... هو بدر ستروه بالشّفق
قلت: ونظم الثلاثة نظم متوسّط ليس بالطبقة العليا. وأحسن من الأوّل قول من قال:
أفدى مكاريّا تراه إذا سعى ... كالبرق ينتهب العيون ويخطف
أخذ الكرا منّى وأحرمنى الكرى ... بينى وبينك يا مكارى الموقف
وأحسن من الأخير قول من قال، وهو نجم الدين عبد المجيد بن محمد التّنوخىّ:
أنظر إليه وسلّ قل ... بك عن محبته لعلّك
ملك الفؤاد بغير شر ... ط حسنه والشّرط أملك
стр. 2698
غيره فى المعنى:
شرّطوه فبكى من ألم ... فغدا ما بين دمع ودم
ناثرا من ذا ومن ذا لؤلؤا ... وعقيقا ليس بالمنتظم
وفيها توفّى الصاحب تقىّ الدين أبو البقاء [الربعىّ «١» ] توبة بن علىّ بن مهاجر بن شجاع بن توبة التّكريتىّ [المعروف بالبيع «٢» ] فى ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة ودفن بقاسيون. وكان رئيسا فاضلا ولى الوزر بدمشق لخمسة سلاطين: أوّلهم المنصور قلاوون، ثانيهم ابنه الأشرف خليل، ثم لأخيه الناصر محمد، ثم للعادل كتبغا، ثم للمنصور لاچين. انتهى. وكان مولده سنة عشرين وستمائة.
وفيها فى أوّل ذى القعدة وقيل فى شوّال توفّى بالقاهرة الأمير الكبير بدر الدين بيسرى بن عبد الله الشّمسىّ الصالحىّ النّجمىّ بالسّجن بقلعة الجبل، ودفن بتربته «٣» بالقاهرة. كان أميرا جليلا معظّما فى الدّول؛ كان الظاهر بيبرس يقول: هذا ابن سلطاننا فى بلادنا! وعرضت عليه السلطنة لما قتل الملك الأشرف خليل ابن قلاوون فامتنع، وكانت قد عرضت عليه قبل ذلك بعد الملك السّعيد بن الظاهر فلم يقبل، وهو آخر من بقى من أكابر مماليك الملك الصالح نجم الدين أيّوب، وترقّى حتى صار أمير مائة ومقدّم ألف، وعظم فى الدّول حتّى قبض عليه خشداشه المنصور قلاوون وحبسه تسع سنين إلى أن أطلقه ابنه الأشرف خليل وأعاده إلى رتبته، فاستمر إلى أن قبض عليه المنصور لاچين وحبسه إلى أن قتل لاچين، وأعيد الناصر محمد بن قلاوون فكلّموه فى إطلاقه فأبى إلا حبسه إلى أن مات فى الحبّ «٤» . وكانت له
стр. 2699
دار «١» عظيمة ببين القصرين وقد تغيّرت رسومها الآن. وكان عالى الهمّة كثير الصدقات والمعروف، كان عليه فى أيام إمرته رواتب لجماعة من مماليكه وحواشيه وخدمه، فكان يرتّب لبعضهم فى اليوم من اللّحم سبعين رطلا وما تحتاج إليه من التّوابل وسبعين عليقة، ولأقلّهم خمسة «٢» أرطال وخمس علائق وما بين ذلك، وكان ما يحتاج إليه فى كلّ يوم لسماطه ولدوره والمرتّب عليه ثلاثة آلاف رطل لحم وثلاثة آلاف عليقة فى كلّ يوم؛ وكانت صدقته على الفقير ما فوق الخمسمائة ولا يعطى أقلّ من ذلك، وكان إنعامه ألف اردبّ غلّة وألف قنطار عسل وألف دينار وأشياء يطول شرحها.
وفى الجملة أنّه كان من أعظم أمراء مصر بلا مدافعة. (وبيسرى: اسم مركب من لفظتين: تركية وعجمية) وصوابه فى الكتابة (پاى سرى) فپاى فى اللغة التركية بالتفخيم هو السعيد، وسرى بالعجمى الرأس، فمعنى الاسم سعيد الرأس.
стр. 2700
قلت: وكان سعيد الرأس كما قيل. وهذا بخلاف مذهب النّجاة فإنّ هذا الاسم عين المسمّى. انتهى.
وفيها توفّى الأستاذ جمال الدين أبو المجد ياقوت بن عبد الله المستعصمىّ الرّومىّ الطّواشىّ صاحب الخطّ البديع الذي شاع ذكره شرقا وغربا، كان خصيصا عند أستاذه الخليفة المستعصم بالله العبّاسىّ آخر خلفاء بنى العبّاس ببغداد، ربّاه وأدّبه وتعهّده حتّى برع فى الأدب، ونظم ونثر وانتهت إليه الرياسة فى الخط المنسوب.
وقد سمّى بهذا الاسم جماعة كثيرة قد ذكر غالبهم فى هذا التاريخ، منهم كتّاب وغير كتّاب، وهم: ياقوت أبو الدرّ [الكاتب «١» مولى أبى المعالى أحمد بن على بن النجار] التاجر الرومى، وفاته بدمشق سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وياقوت الصّقلبىّ الجمالى أبو الحسن مولى الخليفة المسترشد العباسىّ، وفاته سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
وياقوت أبو سعيد مولى أبى عبد الله عيسى بن هبة الله بن النّقّاش، وفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وياقوت [بن عبد الله «٢» ] الموصلى الكاتب أمين الدين المعروف بالملكى نسبة إلى أستاذه السلطان ملكشاه السّلجوقىّ، وياقوت هذا أيضا ممن انتشر خطّه فى الآفاق، ووفاته بالموصل سنة ثمانى عشرة وستمائة. وياقوت [بن عبد الله «٣» ] الحموىّ الرومى شهاب الدين أبو الدرّ كان من خدّام بعض التّجّار ببغداد يعرف بعسكر الحموىّ، وياقوت هذا هو صاحب التصانيف والخط أيضا، ووفاته سنة ستّ وعشرين وستمائة. وياقوت [بن عبد الله «٤» ] مهذّب الدّين الرّومى مولى أبى منصور التاجر الجيلىّ، وياقوت هذا كان شاعرا ماهرا وهو صاحب القصيدة التى أوّلها:
إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكلّ ما تدّعى زور وبهتان
стр. 2701
ووفاته سنة اثنتين وعشرين وستمائة. فهؤلاء الذين تقدّموا ياقوت المستعصمىّ صاحب الترجمة بالوفاة، وكلّ منهم له ترجمة وفضيلة وخطّ وشعر. وقد تقدّم ذكر غالبهم فى هذا الكتاب، وإنما ذكرناهم هنا جملة لكون جماعات كثيرة من الناس مهما رأوه من الخطوط والتصانيف يقرءوه لياقوت المستعصمىّ، وليس الأمر كذلك بل فيهم من رجّح خطّه ابن خلّكان على ياقوت هذا.
قلت: وقد خرجنا عن المقصود لكثرة الفائدة ولنعد إلى بقية ترجمة ياقوت المستعصمىّ. فمن شعره قوله:
تجدّد الشمس شوقى كلّما طلعت ... إلى محيّاك يا سمعى ويا بصرى
وأسهر اللّيل ذا أنس بوحشته ... إذ طيب ذكرك فى ظلمائه سمرى
وكلّ يوم مضى [لى «١» ] لا أراك به ... فلست محتسبا ماضيه من عمرى
ليلى نهارى إذا ما درت فى خلدى ... لأنّ ذكرك نور القلب والبصر
وله أيضا:
صدّقتم فىّ الوشاة وقد مضى ... فى حبّكم عمرى وفى تكذيبها
وزعمتم أنّى مللت حديثكم ... من ذا يملّ من الحياة وطيبها
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى السلطان الملك المنصور حسام الدين لاچين المنصورىّ. ومن الغد قتل نائبه منكوتمر. ثم قتلوا الأميرين كرجى وطغجى الأشرفيّين. وأحضر السلطان الملك الناصر وعاد إلى السلطنة.
وفيها توفى الإمام جمال الدين محمد بن سليمان بن النقيب الحنفىّ صاحب التفسير بالقدس فى المحرّم. والعلّامة بهاء الدين محمد [بن إبراهيم «٢» بن محمد بن إبراهيم] أبو عبد الله الحلبىّ ابن النحاس فى جمادى الأولى. والصاحب تقىّ الدّين توبة بن علىّ
стр. 2702
[ابن مهاجر «١» ] التّكريتىّ فى جمادى الآخرة. والزاهد الملقّن علىّ بن محمد [بن علىّ «٢» ] ابن بقاء الصالحىّ فى شوّال. والمسند ناصر الدين عمر بن عبد المنعم بن عمر [ابن عبد الله بن غدير «٣» ] بن القوّاس فى ذى القعدة. وصاحب حماة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن المنصور محمد [بن محمود بن محمد «٤» بن عمر بن شاهنشاه] . والملك الأوحد يوسف ابن الملك الناصر داود بن المعظّم عيسى. والعماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسىّ فى ذى الحجّة، وقد قارب التسعين.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٩٩]
السنة الثانية من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة تسع وتسعين وستمائة.
فيها كانت وقعة السلطان الملك الناصر محمد المذكور مع قازان على حمص.
وقد تقدّم ذكرها.
وفيها توفى القاضى علاء الدين أحمد بن عبد الوهّاب بن خلف بن محمود [بن علىّ «٥» ] ابن بدر العلامىّ المعروف بابن بنت الأعزّ. كان لطيف العبارة جميل الصورة لطيف المزاج، تولّى حسبة القاهرة ونظر الأجباس، ودرّس بعدّة مدارس وحجّ
стр. 2703
ودخل اليمن ثم عاد إلى القاهرة ومات بها فى شهر ربيع الآخر، وكان له نظم ونثر.
ومن شعره قصيدة أوّلها:
إن أومض البرق فى ليل بذى سلم ... فإنّه ثغر سلمى لاح فى الظّلم
وفيها توفّى الشيخ المسند المعمّر شرف الدين أحمد بن هبة الله ابن تاج الأمناء أحمد بن محمد [بن الحسن «١» بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين] بن عساكر بدمشق، وبها دفن بمقابر الصوفيّة بتربة الشيخ فخر الدين «٢» بن عساكر، وكان من بقايا المسندين تفرّد سماعا وإجازة.
ذكر من عدم فى هذه السنة فى وقعة حمص مع التّتار
قاضى القضاة حسام «٣» الدّين الحنفىّ. والشيخ عماد الدين إسماعيل ابن تاج الدين [أحمد بن سعيد «٤» ] بن الأثير الكاتب. والأمير جمال الدين المطروحى «٥» . والأمير سيف الدين كرت «٦» . والأمير ركن «٧» الدين الجمالى نائب غزّة، ولم يظهر للجميع خبر، غير أنّهم ذكروا أن قاضى القضاة حسام الدين المذكور أسروه التتار وباعوه للفرنج، ووصل قبرص وصار بها حكيما، وداوى صاحب قبرص من مرض مخيف فشفى فأوعده أن بطلقه، فمرض القاضى حسام الدين المذكور ومات. كذا حكى بعض أجناد الإسكندرية.
стр. 2704
وفيها توفى الشيخ الصالح الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرج بن أحمد بن اللّخمىّ الإشبيلى بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، وكان حافظا ديّنا خيّرا زاهدا متورّعا، عرض عليه جهات كثيرة فأعرض عنها، وهو صاحب القصيدة المشتملة على صفات «١» الحديث:
غرامى صحيح والرّجا فيك معضل ... وحزنى ودمعى مرسل ومسلسل
وصبرى عنكم يشهد العقل أنّه ... ضعيف ومتروك وذلّى أجمل
فلا حسن إلا سماع حديثكم ... مشافهة تملى علىّ فأنقل
وأمرى موقوف عليك وليس لى ... على أحد إلّا عليك المعوّل
ولو كان مرفوعا إليك لكنت لى ... على رغم عذّالى ترقّ وتعدل
وعذل عذول منكر لا أسيغه ... وزور وتدليس يردّ ويهمل
أقضّى زمانى فيك متّصل الأسى ... ومنقطعا عمّا به أتوصّل
وهأنا فى أكفان هجرك مدرج ... تكلّفنى ما لا أطيق فأحمل
وهى أطول «٢» من ذلك.
وفيها توفّى قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضى القضاة محيى الدين يحيى ابن محمد بن علىّ بن الزكىّ فى يوم الأحد حادى عشر ذى الحجّة. وكان من أعيان الدمشقيين، ودرّس بعدّة مدارس وانتفع به الناس. ﵀.
وفيها توفى الشيخ الإمام العالم مفتى المسلمين القاضى شمس الدين محمد ابن الشيخ الإمام العلّامة شيخ المواهب «٣» قاضى القضاة صدر الدين أبى الربيع سليمان
стр. 2705
ابن أبى العزّ وهيب الحنفى الدّمشقى فى يوم الجمعة سادس عشر ذى الحجة بالمدرسة النورية «١» بدمشق، ودفن بتربة والده بقاسيون، وكان فقيها عالما مفتيا بصيرا بالأحكام متصدّيا للفتوى والتدريس، أفتى مدّة أربع وثلاثين سنة وقرأ عليه جماعة كثيرة وانتفع الناس به، وكان نائبا فى القضاء عن والده وسئل بالمناصب الجليلة فامتنع من قبولها. ﵀.
قلت: وبنو العز بيت كبير بدمشق مشهورون بالعلم والرياسة.
وفيها توفّى صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله محمد «٢» بن محمد بن يوسف المعروف بابن الأحمر ملك الأندلس وما ولاها بعد موت والده سنة إحدى وسبعين وستمائة، وامتدت أيامه وقوى سلطانه، ومات فى عشر الثمانين رحمه الله تعالى.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: فيها توفّى الإمام شمس الدين محمد بن عبد القوىّ المقدسىّ النحوىّ. وعماد الدين يوسف بن أبى نصر الشقارىّ «٣» ، وقاضى القضاة إمام الدين عمر بن عبد الرحمن القزوينىّ بمصرفى ربيع الآخر.
وعبد الدائم بن أحمد المحجّى [القبّانى] الوزّان «٤» . وعلى بن أحمد بن عبد الدائم وأخوه عمر. وأحمد بن زيد [بن أبى الفضل الصالحى الفقير المعروف «٥» ] بالجمّال:
وشرف الدين أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد بن عساكر فى جمادى الأولى.
وعيسى بن بركة بن والى. ومحمد بن أحمد بن نوال الرصافى. وعلى بن مطر المحجّى
стр. 2706
البقّال «١» . وصفيّة بنت عبد الرحمن بن عمرو الفرّاء، وابن عمها إبراهيم بن أبى الحسن [بن «٢» عمرو بن موسى أبو إسحاق الفرّاء] . وأحمد بن محمد الحدّاد. وخديجة بنت [التّقىّ محمد بن محمود «٣» بن عبد المنعم] المراتبىّ. والحافظ شهاب الدين أحمد بن فرج اللّخمىّ الإشبيلىّ فى جمادى الآخرة. وأبو العبّاس أحمد بن سليمان بن أحمد المقدسىّ الحرّانى.
والشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد الحقّ. والخطيب موفّق الدين محمد بن محمد [المعروف «٤» ب] ابن حبيش فى جمادى الآخرة بدمشق. والمعمّرة زينب بنت عمر ابن كندى «٥» ببعلبكّ. والأمير علم الدين [سنجر «٦» البرنلى] الدّوادارى فى رجب بحصن «٧» الأكراد. والمؤيّد علىّ «٨» بن إبراهيم بن يحيى ابن خطيب عقرباء «٩» . وشمس الدين محمد ابن على بن أحمد بن فضل الواسطىّ فى رجب، وله أربع وثمانون سنة. والعلّامة نجم الدين أحمد بن مكّى فى جمادى «١٠» الآخرة. والإمام شمس الدين محمد بن سلمان «١١» بن حمائل سبط «١٢» غانم. والشيخ بدر الدين حسن بن على بن يوسف بن هود المرسىّ فى رجب «١٣» .
والإمام شمس الدين محمد ابن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلبكّىّ فى رمضان.
والشريف شمس الدين محمد بن هاشم بن عبد القاهر العباسىّ العدل فى رمضان،
стр. 2707
وله أربع وتسعون سنة. والشيخ بهاء الدين أيّوب بن أبى بكر [بن «١» إبراهيم بن هبة الله أبو صابر] بن النحاس مدرس القليجيّة «٢» فى شوّال. والمفتى جمال الدين عبد الرحيم بن عمر الباجربقي «٣» . والعدل بهاء الدين محمد بن يوسف البرزالىّ عن اثنتين وستين سنة. والأديب جمال الدين عمر بن إبراهيم بن العقيمىّ الرّسعنىّ «٤» ، وله أربع وتسعون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعدة أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وستّ أصابع، وكان الوفاء ثالث عشر توت.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٠]
السنة الثالثة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة سبعمائة من الهجرة.
فيها توفّى الأمير سيف الدّين بلبان الطّبّاخىّ بالعسكر المنصور على الساحل، وكان من أعيان الأمراء وأحشمهم وأشجعهم وأكثرهم عدّة ومماليك وحاشية.
وولى نيابة حلب قبل ذلك بمدّة، ثم ولى الفتوحات بالساحل ودام عليها سنين.
وكان جميل السّيرة والطريقة وله المواقف المشهورة والنّكاية فى العدوّ. رحمه الله تعالى.
وفيها توفّى الأديب البارع شهاب الدين أبو جلنك «٥» الحلبىّ الشاعر المشهور صاحب النوادر الطّريفة، كان بارعا ماهرا وفيه همّة وشجاعة. ولما كانت وقعة التّتار فى هذه السنة نزل أبو جلنك المذكور من قلعة حلب لقتال التّتار، وكان ضخما
стр. 2708
سمينا فوقع عن فرسه من سهم أصاب الفرس فبقى راجلا، فأسروه وأحضروه بين يدى مقدّم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين، فرفع شأنهم فغضب مقدّم التتار، عليه اللعنة، من ذلك فضرب عنقه. رحمه الله تعالى. ومن شعر أبى جلنك المذكور قوله:
وشادن يصفع مغرى به ... براحة أندى من الوابل
فصحت فى الناس ألا فاعجبوا ... بحر غدا يلطم فى الساحل
قال الشيخ صلاح الدين الصفدىّ ﵀: وكان أبو جلنك قد مدح قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلّكان فوقّع له برطلى خبز، فكتب أبو جلنك على بستانه:
لله بستان حللنا دوحه ... كجّنة قد فتّحت أبوابها «١»
والبان تحسبه سنانيرا رأت ... قاضى القضاة فنفّشت أذنابها
قلت: لعل الصلاح الصّفدىّ وهم فى ابن خلّكان، والصواب أنّ القصّة كانت مع قاضى القضاة كمال الدين بن الزّملكانىّ «٢» . انتهى.
ومن شعر أبى جلنك فى أقطع.
وبى أقطع ما زال يسخو بماله ... ومن جوده ما ردّ فى الناس سائل
تناهت يداه فاستطال عطاؤها ... وعند التّناهى يقصر المتطاول
قلت: ووقع فى هذا المعنى عدّة مقاطيع جيّدة فى كتابى المسمى ب «حلية الصفات فى الأسماء والصناعات» فمن ذلك:
أفديه أقطع يشدو ... ساروا ولا ودّعونى
ما أنصفوا أهل ودى ... واصلتهم قطعونى
стр. 2709
ولشمس «١» الدين بن الصائغ الحنفىّ:
وأقطع قلت له ... هل أنت لصّ أوحد
فقال هذى صنعة ... لم يبق لى فيها يد
وفى المعنى هجو:
تجنّب كلّ أقطع فهو لصّ ... يريد لك الخيانة كلّ ساعه
وما قطعوه بعد الوصل لكن ... أرادوا كفّه عن ذى الصّناعه
غيره فى المعنى:
من يكن فى الأصل لصّا ... لم يكن قطّ أمينا
فثقوا منه برهن ... أو خذوا منه يمينا
وفيها توفّى الشيخ الصالح المسند عزّ الدين أبو الفدى إسماعيل بن عبد الرحمن ابن عمر بن موسى بن عميرة المعروف بابن الفرّاء المرداوىّ ثم الصالحىّ الحنبلىّ، مولده سنة عشر «٢» وستّمائة وسمع الكثير وحدّث، وخرّج له الحافظ شمس الدين الذّهبىّ مشيخة، وكان ديّنا خيّرا وله نظم. من ذلك قوله:
أين من عهد آدم وإلى الآ ... ن ملوك وسادة وصدور
مزّقتهم أيدى الحوادث واستو ... لت عليهم رحى المنون تدور
وله فى المعنى وقيل هما لغيره:
ثم انقضت تلك السّنون وأهلها ... فكأنّها وكأنّهم أحلام
وكذاك من يأتى وحقّك بعدهم ... أمضاه ربّ قادر علّام
стр. 2710
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى عزّ الدين أحمد ابن العماد عبد الحميد بن عبد الهادى فى المحرّم، وله ثمان وثمانون سنة. وعماد الدين أحمد [بن محمد «١» ] بن سعد «٢» المقدسىّ وله ثلاث وثمانون سنة. وعز الدين إسماعيل ابن عبد الرحمن بن عمر «٣» الفرّاء فى جمادى الآخرة، وله تسعون سنة. وأبو «٤» على يوسف ابن أحمد بن أبى بكر الغسولىّ «٥» فى الشهر، وله نحو من تسعين سنة. والحافظ شمس الدين أبو العلاء محمود بن أبى بكر البخارىّ الفرضىّ بماردين «٦» فى ربيع الأوّل، وله ستّ وخمسون سنة. وشمس الدين أبو القاسم الخضر بن عبد الرحمن [بن «٧» الخضر بن الحسين ابن الخضر بن الحسين] بن عبد الله بن عبدان الأزدىّ فى ذى الحجة. والمقرئ شمس الدين محمد بن منصور الحاضرىّ فى صفر.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم والحديث (أعنى مجموع النيل) فى هذه السنة ستّ عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠١]
السنة الرابعة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة إحدى وسبعمائة.
فيها فى ثالث عشر من شهر ربيع الأوّل سافر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير إلى الإسكندريّة وصحبته جماعة كثيرة من الأمراء بسبب الصّيد، ورسم
стр. 2711
له السلطان أنّ مدّة مقامه بالإسكندريّة يكون دخلها له، ثم أعطى السلطان لجميع الأمراء دستورا لمن أراد السفر لإقطاعه لعمل مصالح بلاده، وكان إذ ذاك يربّعون خيولهم شهرا واحدا لأجل العدوّ المخذول.
وفيها توفّى مسند العصر شهاب الدين أحمد بن رفيع الدّين إسحاق بن محمد بن المؤيّد الأبرقوهىّ «١» بمكّة فى العشرين من ذى الحجّة. ومولده سنة خمس عشرة وستمائة بابرقوه «٢» من أعمال شيراز، وكان سمع الكثير وحدّث وطال عمره وتفرّد بأشياء.
وفيها توفّى الحافظ شرف الدين أبو الحسين على ابن الإمام أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليونينىّ فى يوم الخميس حادى «٣» عشر شهر رمضان ببعلبكّ. ومولده فى حادى عشر شهر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة ببعلبك.
وفيها توفّى الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله المعروف بأرجواش المنصورىّ نائب قلعة دمشق فى ليلة السبت ثانى عشرين ذى الحجّة وكان شجاعا. وهو الذي حفظ قلعة دمشق فى نوبة غازان وأظهر من الشجاعة ما لا يوصف على تغفّل كان فيه؛ حسب ما قدّمنا من ذكره فى أصل ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون ما فعله وكيف كان حفظه لقلعة دمشق. وأمّا أمر التّغفّل الذي كان به:
стр. 2712
قال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك فى تاريخه: حكى لى عنه عبد الغنى الفقير المعروف قال: لمّا مات الملك المنصور قلاوون (أعنى أستاذه) قال لى:
أحضر لى مقرئين يقرءون ختمة للسلطان، فأحضرت إليه جماعة فجعلوا يقرءون على العادة، فأحضر دبوسا وقال: كيف تقرءون للسلطان هذه القراءة! تقرءون عاليا، فضجّوا بالقراءة جهدهم، فلمّا فرغوا منها، قلت: يا خوند فرغت الختمة، فقال: يقرءون أخرى فقرءوها وقفزوا ما أرادوا، فلمّا فرغوا أعلمته، قال ويلك «١» ! السماء ثلاثة، والأرض ثلاثة، والأيام ثلاثة، والمعادن ثلاثة، وكل ما فى الدنيا ثلاثة، يقرءون أخرى! فقلت: اقرءوها واحمدوا الله تعالى على أنّه ما علم أن هذه الأشياء سبعة سبعة، فلمّا فرغوا [من «٢» ] الثلاثة وقد هلكوا من صراخهم، قال:
دعهم عندك فى التّرسيم إلى بكرة، ورح اكتب عليهم حجّة بالقسامة الشريفة بالله تعالى، وبنعمة السلطان أنّ ثواب هذه الختمات لمولانا السلطان الملك المنصور قلاوون؛ ففعلت ذلك وجئت إليه بالحجّة، فقال: هذا جيّد، أصلح الله أبدانكم وصرف لهم أجرتهم. وحكى عنه عدّة حكايات من هذا تدلّ على تغفّل كبير.
قلت: ويلحق أرجواش هذا بعقلاء المجانين فإنّ تدبيره فى أمر قلعة دمشق وقيامه فى قتال غازان له المنتهى فى الشجاعة وحسن التدبير. انتهى.
وفيها توفّى شمس «٣» الدين سعيد بن محمد بن سعيد بن الأثير فى سابع عشر ذى القعدة بدمشق، وكان رئيسا فاضلا كاتبا، كتب الإنشاء بدمشق سنين.
وفيها توفّى الشريف نجم الدين أبو نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علىّ بن عبد الله
стр. 2713
ابن محمد بن موسى بن عبد الله المحض «١» بن موسى [بن عبد الله] بن الحسن بن الحسن بن علىّ ابن أبى طالب الحسنىّ المكىّ صاحب مكّة المشرّفة فى يوم الأحد «٢» رابع صفر بعد أن أقام فى إمرة مكّة أربعين سنة، وقدم القاهرة مرارا، وكان يقال لولا أنّه زيدىّ لصلح للخلافة لحسن صفاته.
أمر النيل فى هذه السنة الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٢]
السنة الخامسة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة اثنتين وسبعمائة.
فيها فى أوّل المحرّم قدم الأمير بيبرس الجاشنكير من الحجاز ومعه الشريفان حميضة «٣» ورميثة «٤» فى الحديد فسجنا بقلعة الجبل.
وفيها فى رابع جمادى الآخرة «٥» ظهر بالنيل دابّة كلون الجاموس بغير شعر، وأذناها كأذن الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، ويغطّى فرجها ذنب طوله شبر ونصف،
стр. 2714
طرفه كذنب السّمك، ورقبتها مثل ثخن التّلّيس «١» المحشوّ تبنا، وفمها وشفتاها مثل الكربال، ولها أربع أنياب [اثنتان فوق «٢» اثنتين] فى طول نحو شبر وعرض إصبعين، وفى فمها ثمانية وأربعون ضرسا وسنّا مثل بيادق الشّطرنج، وطول يدها من باطنها شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل أظافير الجمل، وعرض ظهرها قدر ذراعين ونصف، ومن فمها إلى ذنبها خمس عشرة قدما، وفى بطنها ثلاث كروش، ولحمها أحمر له ذفرة السّمك، وطعمه مثل لحم الجمل، وثخانة جلدها أربع أصابع، لا تعمل فيه السّيوف؛ وحمل جلدها على خمسة جمال فى مقدار ساعة من ثقله، وكان ينقل من جمل إلى جمل وقد حشى تبنا حتّى وصل إلى قلعة الجبل.
وفيها كان بمصر والقاهرة زلزلة عظيمة أخربت عدّة منائر ومبان كثيرة من الجوامع والبيوت حتّى أقامت الأمراء ومباشرو الأوقاف مدّة طويلة ترمّ وتجدّد ما تشعّث فيها من المدارس والجوامع حتّى منارة «٣» الإسكندريّة.
стр. 2715
وفيها أبطل الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عيد الشهيد بمصر، وهو أنّ النصارى كان عندهم تابوت فيه اصبع يزعمون أنّها من أصابع بعض شهدائهم، وأنّ النيل لا يزيد ما لم يرم فيه هذا التابوت، فكان يجتمع النصارى من سائر النواحى إلى شبرا «١» ، ويقع هناك أمور يطول الشرح فى ذكرها، حتى إنّ بعض النصارى باع
стр. 2716
فى أيّام هذا العيد باثنى عشر ألف درهم خمرا من كثرة الناس التى تتوجّه إليه للفرجة، وكان تثور فى هذا العيد فتن وتقتل خلائق. فأمر الأمير بيبرس ﵀ بإبطال ذلك، وقام فى ذلك قومة عظيمة، فشقّ ذلك على النصارى، واجتمعوا بالأقباط الذين أظهروا الإسلام، فتوجّه الجميع إلى التاج بن سعيد الدولة كاتب بيبرس، وكان خصيصا به وأوعدوا بيبرس بأموال عظيمة، وخوّفه من عدم طلوع النيل ومن كسر الخراج، فلم يلتفت إلى ذلك وأبطله إلى يومنا هذا.
وفيها توفّى الشيخ كمال الدين «١» أحمد بن أبى الفتح «٢» محمود بن أبى الوحش أسد ابن سلامة بن سليمان بن فتيان المعروف بابن العطّار، أحد كتّاب الدّرج بدمشق فى رابع عشر «٣» ذى القعدة. ومولده سنة ستّ وعشرين وستمائة، وكان كثير التلاوة محبّا لسماع الحديث وسمع وحدّث، وكان صدرا كبيرا فاضلا وله نظم ونثر، وأقام يكتب الدّرج أربعين سنة.
وفيها توفّى الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ القدوة برهان الدين إبراهيم ابن معضاد الجعبرىّ بالقاهرة؛ وقد تقدم ذكر وفاة والده، ودفن بزاويته «٤» خارج باب النصر من القاهرة.
стр. 2717
وفيها توفّى الأمير فارس الدين ألبكى الساقى أحد مماليك الملك الظاهر بيبرس، كان من أكابر أمراء الديار المصريّة، ثم اعتقل إلى أن أفرج عنه الملك المنصور قلاوون وأنعم عليه بإمرة؛ ثم نقله إلى نيابة صفد فأقام بها عشر سنين، وفرّ مع الأمير قبجق إلى غازان وتزوّج بأخته، ثم قدم مع غازان ولحق بالسلطان، فولّاه نيابة حمص حتى مات بها فى يوم الثلاثاء ثامن ذى القعدة. وكان مليح الشكل كثير الأدب ما جلس قطّ بلا خفّ، وإذا ركب ونزل حمل جمداره شاشه، فإذا أراد الركوب لفّه مرّة واحدة بيده كيف كانت.
وفيها استشهد بوقعة شقحب «١» الأمير عزّ الدين أيدمر العزّى نقيب المماليك السلطانيّة [فى أيّام لاچين «٢» ] ، وأصله من مماليك الأمير عزّ الدين أيدمر [الظاهرى «٣» ] نائب الشام وكان كثير الهزل، وإليه تنسب سويقة «٤» العزّى خارج القاهرة بالقرب من جامع «٥» ألجاى اليوسفىّ.
стр. 2718
وفيها استشهد الأمير سيف الدين أيدمر الشمسى القشّاش، وكان قد ولى كشف الغربية والشرقية جميعا واشتدّت مهابته، وكان يعذّب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب، منها: أنّه كان يغرس خازوقا بالأرض ويجعل عوده «١» قائما ويرفع الرّجل ويسقطه عليه! وأشياء كثيرة ذكرناها فى ترجمته فى تاريخنا المنهل الصافى، ولم يجسر أحد من الفلّاحين فى أيّامه أن يلبس مئزرا أسود ولا يركب فرسا ولا يتقلّد بسيف ولا يحمل عصا مجلّبة حتى ولا أرباب الإدراك، ثم استعفى من الولاية ولزم داره، وخرج لغزوة شقحب فى محفّة إلى وقت القتال لبس سلاحه وركب فرسه وهو فى غاية الألم، فقيل له: أنت لا تقدر تقاتل، فقال: والله لمثل هذا اليوم أنتظر، وإلّا بأىّ شىء يتخلّص القشّاش من ربّه بغير هذا! وحمل على العدوّ وقاتل حتّى قتل ورئى فيه- بعد أن مات- ستّة جراحات.
وفيها أيضا استشهد الأمير أوليا بن قرمان «٢» أحد أمراء الظاهريّة وهو ابن أخت قرمان، وكان شجاعا مقداما.
стр. 2719
وفيها استشهد أيضا الأمير عزّ الدين أيبك الأستادار، وكان من كبار الأمراء المنصوريّة.
واستشهد الأمير جمال الدين آقوش الشمسى الحاجب. والأمير سيف الدين بهادر أحد الأمراء بحماة. والأمير صلاح الدين بن الكامل «١» . والأمير علاء الدين [على «٢» ] ابن الجاكى. والشيخ نجم الدين [أيّوب «٣» ] الكردىّ. والأمير شمس الدين سنقر الشمسى [الحاجب «٤» ] . والأمير شمس الدين سنقر الكافرى «٥» . والأمير سنقر شاه أستادار بيبرس الجالق. والأمير حسام الدين علىّ بن باخل. والأمير لاچين الرومىّ [المنصورى «٦» ] أستادار الملك المنصور قلاوون ويعرف بالحسام.
قلت: ورأيت أنا من ذريّته الصارمى إبراهيم بن الحسام. وكلّ هؤلاء استشهدوا فى نوبة غازان بشقحب بيد التتار.
وفيها توفّى الملك العادل كتبغا المنصورىّ نائب حماة بها وهو فى الكهوليّة فى ليلة الجمعة يوم عيد الأضحى. وقد تقدّم ذكره فى ترجمته من هذا الكتاب عند ذكر سلطنته بالديار المصريّة، وما وقع له حتى خلع وتوجّه لنيابة صرخد، ثم نقل إلى نيابة حماة فمات بها.
وفيها توفّى قاضى القضاة تقىّ الدين محمد ابن الشيخ مجد الدين علىّ بن وهب ابن مطيع بن أبى الطاعة القشيرىّ المنفلوطىّ الفقيه المالكىّ ثم الشافعىّ المعروف بابن دقيق العيد قاضى قضاة الشافعيّة بالديار المصريّة. كان إماما عالما، كان مالكيّا ثم انتقل إلى مذهب الشافعىّ. ومولده فى عشرين شعبان سنة خمس وعشرين
стр. 2720
وستمائة، ومات فى يوم الجمعة حادى عشر صفر، وكان تفقّه بأبيه ثم بالشيخ عزّ «١» الدين ابن عبد السلام وغيره، وسمع من ابن المقيّر «٢» وابن رواح «٣» وابن عبد الدئم «٤» وغيرهم، وخرّج لنفسه تساعيات، وصار من أئمة العلماء فى مذهبى مالك والشافعىّ مع جودة المعرفة بالأصول والنحو والأدب، إلّا أنّه كان قهره الوسواس فى أمر المياه والنّجاسات، وله فى ذلك حكايات ووقائع عجيبة. وروى عنه الحافظ فتح الدين بن سيد الناس، وقاضى القضاة علاء الدين «٥» القونوىّ، وقاضى القضاة علم الدين الإخنائى»
وغيرهم وكان أبو «٧» حيّان النحوىّ يطلق لسانه فى حقّ قاضى القضاة المذكور، وقد أوضحنا ذلك فى ترجمته فى المنهل الصافى باستيعاب. ومن نظمه قصيدته المشهورة فى مدح النّبيّ ﷺ التى أوّلها «٨» :
يا سائرا نحو الحجاز مشمّرا ... اجهد فديتك فى المسير وفى السّرى
وإذا سهرت اللّيل فى طلب العلا ... فحذار ثم حذار من خدع الكرى
وله أيضا:
سحاب فكرى لا يزال هاميا ... وليل همّى لا أراه راحلا
قد أتعبتنى همّتى وفطنتى ... فليتنى كنت مهينا جاهلا
стр. 2721
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرّر. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء، وكان الوفاء فى سابع عشرين مسرى «١» .
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٣]
السنة السادسة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاون الثانية على مصر، وهى سنة ثلاث وسبعمائة.
فيها انتدب الأمراء لعمارة ما خرب من الجوامع بالزّلزلة فى السنة الماضية، وأنفقوا فيها مالا جزيلا.
وفيها كملت عمارة المدرسة الناصريّة «٢» ببين القصرين، ونقل الملك الناصر محمد ابن قلاوون أمّه من التّربة المجاورة «٣» للمشهد النّفيسىّ «٤» إليها. وموضع هذه المدرسة
стр. 2722
الناصريّة كان دارا تعرف بدار سيف الدين بلبان الرشيدىّ فاشتراها الملك العادل زين الدين كتبغا وشرع فى بنائها مدرسة، وعمل بوّابتها من أنقاض مدينة عكّا وهى بوّابة كنيسة بها ثم خلع كتبغا، فاشتراها الملك الناصر محمد هذا على يد قاضى القضاة زين «١» الدين علىّ بن مخلوف وأتمّها وعمل لها أوقافا جليلة، من جملتها:
قيساريّة أمير علىّ «٢» بالشرابشيين «٣» .
стр. 2723
والرّبع المعروف بالدهيشة «١» قريبا من باب زويلة «٢» ، وحوانيت باب الزّهومة «٣»
стр. 2724
والحمّام «١» المعروفة بالفخرية بجوار المدرسة «٢» الفخرية، وعدّة أوقاف أخرى فى مصر والشام.
стр. 2725
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ كان أصله من مماليك الملك المنصور «١» صاحب حماة، فطلبه منه الملك الظاهر بيبرس هو وأبو خرص [علم الدين سنجر «٢» ] من الملك المنصور، فسيّرهما إليه فرقّاهما ثم أمّرهما، ثم ولّى الملك الأشرف خليل أيبك هذا نيابة دمشق بعد سنجر الشجاعىّ حتّى عزله الملك العادل كتبغا بمملوكه إغزلوا العادلىّ، وولى بعد ذلك نيابة صرخد ثم حمص وبها مات فى تاسع «٣» عشر ربيع الآخر.
وفيها توفى الأمير ركن الدين بيبرس التّلاوىّ وكان يلى شدّ دمشق، وكان فيه ظلم وعسف، وتولّى عوضه شدّ دمشق الأمير قيران [المنصورى «٤» ] الدوادارى.
وفيها توفّى القاضى شمس الدين سليمان «٥» بن إبراهيم بن إسماعيل الملطىّ «٦» ثم الدّمشقىّ الحنفىّ أحد نوّاب الحكم بدمشق ومصر، كان فقيها عالما ديّنا مباركا حسن السّيرة.
وفيها توفّى القان إيل خان معزّ الدين «٧» قازان، وقيل غازان، وكلاهما يصح معناه ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى خان بن چنكز خان ببلاد قزوين «٨» فى ثانى عشر شوال «٩» وحمل إلى تربته وقبّته التى أنشأها خارج تبريز «١٠» . وكان جلوسه على تخت
стр. 2726
الملك فى سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وأسلم فى سنة أربع وتسعين؛ ونثر الذهب والفضّة واللؤلؤ على رءوس الناس، وفشا الإسلام بإسلامه فى ممالك التتار، وأظهر العدل وتسمّى محمودا، وكان أجلّ ملوك المغل من بيت هولاكو، وهو صاحب الوقعات مع الملك الناصر محمد بن قلاوون والذي ملك الشام. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه فى أصل هذه الترجمة.
وفيها توفّى القاضى فتح الدين أبو محمد عبد الله ابن الصاحب عزّ الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد القيسرانىّ فى يوم الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر بالقاهرة، وقد وزر جدّه موفّق الدين «١» خالد للملك العادل نور الدين محمود بن زنكى المعروف بالشهيد، وكانت لديه فضيلة وعنى بالحديث وجمع وألّف كتابا فى معرفة الصحابة، وكان له نظم ونثر، وخرّج لنفسه أربعين حديثا، وروى عنه الدّمياطىّ من شعره، وأخذ عنه الحافظ فتح الدين ابن سيّد الناس، والبرزالىّ والذهبىّ.
ومن شعره:
بوجه معذّبى آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشى
ونسخة حسنه قرئت فصحّت ... وها خطّ الكمال على الحواشى
وفيها توفّى القاضى كمال «٢» الدين أبو الفتح موسى ابن قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن شهاب الدين محمد بن خلّكان، كان فاضلا اشتغل فى حياة والده ودرس، وكانت سيرته غير مشكورة، وهو كان أكبر الأسباب فى عزل والده، ومات فى شهر ربيع»
الأوّل.
стр. 2727
وفيها توفّى الشريف أبو فارس عبد العزيز بن عبد الغنى بن سرور بن سلامة «١» المنوفىّ أحد أصحاب أبى «٢» الحجّاج الأقصرىّ. مات فى ليلة الاثنين خامس عشر ذى الحجة بمصر عن مائة وعشرين سنة.
وفيها توفّى الشريف جمّاز بن شيحة [بن هاشم بن قاسم بن مهنّا «٣» ] أمير المدينة النبويّة مصروفا عن ولايتها، والأصح وفاته فى القابلة.
وفيها توفّى الإمام المحدّث تاج الدين علىّ بن أحمد بن عبد المحسن الحسينىّ الغرّافى «٤» الإسكندرانىّ فى سابع ذى الحجّة.
وفيها توفّى الأمير الوزير ناصر الدين محمد، ويقال ذبيان «٥» ، الشيخىّ، تحت العقوبة فى سابع ذى القعدة.
وفيها توفّى الشريف شمس الدين أبو عبد الله «٦» محمد بن الحسين بن محمد الأرموىّ نقيب الأشراف فى تاسع عشر شوّال، وكان فاضلا رئيسا. وقيل وفاته فى الآتية، وهو الأقوى.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعدّة أصابع.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا. وكان الوفاء أوّل أيام النّسىء.
стр. 2728
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٤]
السنة السابعة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة أربع وسبعمائة.
فيها توجّه الأمير بيبرس الجاشنكير إلى الحجاز مرّة ثانية ومعه علاء الدين أيدغدى الشّهرزورىّ رسول ملك الغرب، والأمير بيبرس المنصورىّ الدّوادار، والأمير بهاء الدين يعقوبا وجماعة كثيرة من الأمراء، وخرج ركب الحاجّ فى عالم كثير من الناس مع الأمير عزّ الدين أيبك الخازندار زوج بنت الملك الظاهر بيبرس.
وفيها ظهر فى معدن الزّمرّد قطعة زنتها مائة «١» وخمسة وسبعون مثقالا فأخفاها الضامن ثم حملها إلى بعض «٢» الملوك، فدفع فيها مائة ألف وعشرين ألف درهم فأبى يبيعها، فأخذها «٣» الملك منه غصبا وبعث بها إلى السلطان فمات الضامن غمّا.
وفيها توفّى القاضى فتح الدين أحمد بن محمد بن سلطان «٤» القوصىّ الشافعىّ وكيل بيت المال بقوص وأحد أعيانها، كان من الرؤساء ومات بها فى حادى عشر المحرّم.
وفيها توفّى القاضى زين الدين أحمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين علىّ بن محمد بن سليم بن حنّا فى ليلة الخميس ثامن صفر، وكان فقيها فاضلا متديّنا وافر الحرمة.
стр. 2729
وفيها توفّى شمس الدين أحمد بن علىّ بن هبة الله بن السّديد الإسنائىّ خطيب إسنا «١» ونائب الحكم بها وبأدفو «٢» وقوص «٣» فى شهر رجب، وكانت قد انتهت إليه رياسة الصعيد، وبنى بقوص مدرسة، وكان قوىّ النفس كثير العطاء مهابا ممدوحا يبذل فى بقاء رياسته الآلاف الكثيرة، يقال إنه بذل فى نيابة الحكم بالصعيد مائتى «٤» ألف، وصادره الأمير كراى المنصورىّ وأخذ منه مائة وستين ألف درهم، فقدم القاهرة ومات بها.
وفيها توفّى الأمير بيبرس الموفّقى «٥» المنصورىّ أحد الأمراء بدمشق بها فى يوم الأربعاء ثالث عشر «٦» جمادى الآخرة مخنوقا وهو سكران. نسأل الله حسن الخاتمة بمنّه وكرمه.
стр. 2730
وفيها توفّى الأمير الشريف عزّ الدين جمّاز بن شيحة أمير المدينة، وقد تقدّم فى الماضية. والأصح أنّه فى هذه السنة.
وفيها توفّى الأمير شمس الدين محمد ابن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبى سعيد «١» بن التّيتىّ الآمدىّ أحد الأمراء ونائب دار العدل بقلعة الجبل، كان رئيسا فاضلا.
وفيها توفّى الأمير مبارز الدين سوار «٢» الرومىّ المنصورىّ أمير شكار، وكان من أعيان الأمراء وفيه شجاعة وحشمة ورياسة، وكان معظّما فى الدول.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المنصورىّ المعروف بسمز «٣» (أعنى سمينا) مقتولا بأيدى عرب الشام بعد أن قتل منهم مقتلة كبيرة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا، وكان الوفاء رابع توت.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٥]
السنة الثامنة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة خمس وسبعمائة.
فيها قدمت هدية الملك المؤيّد هزبر الدين داود صاحب اليمن فوجدت قيمتها أقلّ من العادة؛ فكتب بالإنكار عليه والتهديد.
وفيها استسقى أهل دمشق لقلّة الغيث فسقوا بعد ذلك، ولله الحمد.
وفيها توفّى خطيب دمشق شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سباع الفزارىّ الفقيه المقرئ النحوى المحدّث الشافعى فى شوّال عن خمس وسبعين سنة.
стр. 2731
وفيها توفّى الحافظ شرف الدين أبو محمد «١» عبد المؤمن بن خلف بن أبى الحسن ابن شرف بن الخضر بن موسى الدّمياطىّ الشافعىّ أحد الأئمة الأعلام والحفّاظ والثقات. مولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة بتونة «٢» وهى بلدة فى بحيرة تنّيس «٣» من عمل دمياط، وقيل فى سنة عشر وستمائة، واشتغل بدمياط وحفظ التنبيه «٤» فى الفقه، وسمع بها وبالقاهرة من الحافظ عبد العظيم «٥» المنذرىّ وأخذ عنه علم الحديث، وقرأ القرآن بالروايات، وبرع فى عدّة فنون وسمع من خلائق؛ استوعبنا أسماء غالبهم فى ترجمته فى المنهل الصافى. ورحل إلى الحجاز ودمشق وحلب وحماة وبغداد، وحدّث وسمع منه خلائق مثل اليونينىّ «٦» والقونوىّ «٧» والمزّىّ «٨»
стр. 2732
وأبى «١» حيّان والبرزالىّ «٢» والذهبىّ «٣» وابن «٤» سيّد الناس وخلق سواهم، وصنّف مصنّفات كثيرة ذكرنا غالبها فى المنهل الصافى، [وله «٥» كتاب فضل الخيل، وقد سمعت أنا هذا الكتاب بقراءة الحافظ قطب الدين «٦» الخيضرىّ فى أربعة مجالس آخرها فى سلخ شعبان سنة خمس وأربعين وثمانمائة بالقاهرة فى منزل المسمع بحارة برجوان «٧» ] على الشيخ الإمام العلّامة مؤرّخ الديار المصريّة تقىّ الدين أحمد [بن «٨» علىّ بن عبد القادر] المقريزىّ بسماعه جميعه على الشيخ ناصر الدين محمد «٩» بن علىّ بن الطّبردار الحرّاوى بسماعه جميعه على الشيخ مؤلّفه الحافظ شرف الدين الدّمياطىّ صاحب الترجمة- ﵀ وكانت وفاته فجأة بالقاهرة بعد أن صلّى العصر غشى عليه فى موضعه، فحمل إلى منزله فمات من ساعته فى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة.
ومن شعره:
روينا بإسناد عن ابن مغفّل «١٠» ... حديثا شهيرا صحّ من علّة القدح
بأنّ رسول الله حين مسيره ... لثامنة وافته من ليلة الفتح
وفيها توفّى الملك الأوحد، وقيل الزاهر «١١» ، تقي الدين شادى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شير كوه الصغير ابن الأمير ناصر الدين
стр. 2733
محمد ابن الملك المنصور اسد الدين شير كوه الكبير ابن شادى بن مروان الأيّوبى فى ثالث صفر وهو يوم ذاك أحد أمراء دمشق.
وفيها توفى المسند أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبى بكر الحرّانى الحنبلىّ.
مولده بحرّان سنة ثمانى عشرة وستمائة، وسمع من ابن روزبة «١» والمؤتمن بن قميرة «٢» ، وسمع بمصر من ابن الجميزىّ «٣» وغيره وتفرّد بأشياء، وكان فيه دعابة ودين، وتلا بمكّة ألف ختمة.
وفيها توفّى قاضى قضاة الشافعيّة بحلب شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام بها فى أوّل جمادى الأولى، وكان فقيها فاضلا.
وفيها توفّى الشيخ الإمام شرف الدين أبو زكريّا يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الجذامىّ الإسكندرانى المالكىّ شيخ القراءات بها فى هذه السنة، وكان إماما عالما بالقراءات، وله مشاركة فى فنون. ﵀.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرّر، وزاد البحر حتى بلغ ثمانى أذرع ونصفا ثم توقّف إلى ثامن مسرى، ثم زاد حتّى أوفى فى رابع توت. وبلغ ست عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٦]
السنة التاسعة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة ست وسبعمائة.
стр. 2734
فيها وقع بين الأميرين: علم الدين سنجر البروانىّ وسيف الدين الطشلاقىّ على باب قلعة الجبل مخاصمة بحضرة الأمراء لأجل استحقاقهما فى الإقطاعات، لأنّ الطشلاقىّ نزل على إقطاع البروانىّ، وكان كل منهما فى ظلم وعسف. والبروانىّ من خواصّ بيبرس الجاشنكير، والطشلاقىّ من ألزام سلّار لأنه خشداشه، كلاهما مملوك الملك الصالح على ابن الملك المنصور قلاوون. ومات فى حياة والده قلاوون. فسطا الطشلاقىّ على البروانىّ وسفه عليه، فقام البروانىّ إلى بيبرس واشتكى منه فطلبه بيبرس وعنّفه، فأساء الطشلاقىّ فى ردّ الجواب وأفحش فى حقّ البروانىّ، وقال:
أنت واحد منفىّ تجعل نفسك مثل مماليك السلطان! فاستشاط بيبرس غضبا وقام ليضرب، فجرّد الطشلاقىّ سيفه يريد ضرب بيبرس، فقامت قيامة بيبرس وأخذ سيفه ليضربه، فترامى عليه من حضر من الأمراء وأمسكوه عنه، وأخرجوا الطشلاقىّ من وجهه بعد ما كادت مماليك بيبرس وحواشيه تقتله بالسيوف، وفى الوقت طلب بيبرس الأمير سنقر الكمالىّ الحاجب وأمر بنفى الطشلاقىّ إلى دمشق، فخشى سنقر من النائب سلّار ودخل عليه وأخبره، فأرسل سلّار جماعة من أعيان الأمراء إلى بيبرس، وأمرهم بملاطفته حتى يرضى عن الطشلاقىّ وأنّ الطشلاقىّ يلزم داره، فلمّا سمع بيبرس ذلك من الذين حضروا صرخ فيهم وحلف إن بات الطشلاقىّ الليلة بالقاهرة عملت فتنة كبيرة، فعاد الحاجب وبلّغ سلّار ذلك فلم يسعه إلّا السكوت لأنّهما (أعنى بيبرس وسلّار) كانا غضبا على الملك الناصر محمد وتحقّق كلّ منهما متى وقع بينهما الخلف وجد الملك الناصر طريقا لأخذهما واحدا بعد واحد، فكان كلّ من بيبرس وسلّار يراعى الآخر وقد اقتسما مملكة مصر، وليس للناصر معهما إلّا مجرّد الاسم فى السلطنة فقط. انتهى. وأحرج الطشلاقىّ من وقته وأمر سلّار الحاجب بتأخيره فى بلبيس حتّى يراجع بيبرس فى أمره، فعند
стр. 2735
ما اجتمع سلّار مع بيبرس فى الخدمة السلطانية من الغد بدأ بيبرس سلّار بما كان من الطشلاقىّ فى حقّه من الإساءة، وسلّار يسكّنه ولا يسكن بل يشتدّ فأمسك سلار عن الكلام على حقد فى الباطن، وصار السلطان يريد إثارة الفتنة بينهما فلم يتمّ له ذلك. وتوجّه الطشلاقى إلى الشام منفيّا.
وفيها قدم البريد على الملك الناصر من حماة بمحضر ثابت على القاضى بأن ضيعة تعرف ببارين «١» بين جبلين فسمع للجبلين فى اللّيل قعقعة عظيمة فتسارع الناس فى الصباح إليهما، وإذا أحد الجبلين قد قطع الوادى وانتقل منه قدر نصفه إلى الجبل الآخر، والمياه فيما بين الجبلين تجرى فى الوادى فلم يسقط من الجبل المنتقل شىء من الحجارة، ومقدار النصف المنتقل من الجبل مائة ذراع وعشر أذرع، ومسافة الوادى الذي قطعه هذا الجبل مائة ذراع، وأن قاضى حماة خرج بالشهود حتى عاين ذلك وكتب به محضرا. فكان هذا من الغرائب.
وفيها وقعت الوحشة بين بيبرس الجاشنكير وسلّار بسبب كاتب بيبرس التاج ابن سعيد الدولة، فإنّه كان أساء السيرة «٢» ، ووقع بين هذا الكاتب المذكور وبين الأمير سنجر الجاولى، وكان الجاولى صديقا لسلّار إلى الغاية؛ فقام بيبرس فى نصرة كاتبه، وقام سلّار فى نصرة صاحبه الجاولى، ووقع بينهما بسبب ذلك أمور؛ وكان بيبرس من عادته أنّه يركب لسلّار عند ركوبه وينزل عند نزوله، فمن يومئذ لم يركب معه وكادت الفتنة أن تقع بينهما، ثم استدركا أمرها خوفا من الملك الناصر واصطلحا بعد أمور يطول شرحها؛ وتكلّما فى أمر الوزر ومن يصلح لها، فعيّن سلار
следующие страницы →