← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وفيها توفّى الحافظ شرف الدين أبو محمد «١» عبد المؤمن بن خلف بن أبى الحسن ابن شرف بن الخضر بن موسى الدّمياطىّ الشافعىّ أحد الأئمة الأعلام والحفّاظ والثقات. مولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة بتونة «٢» وهى بلدة فى بحيرة تنّيس «٣» من عمل دمياط، وقيل فى سنة عشر وستمائة، واشتغل بدمياط وحفظ التنبيه «٤» فى الفقه، وسمع بها وبالقاهرة من الحافظ عبد العظيم «٥» المنذرىّ وأخذ عنه علم الحديث، وقرأ القرآن بالروايات، وبرع فى عدّة فنون وسمع من خلائق؛ استوعبنا أسماء غالبهم فى ترجمته فى المنهل الصافى. ورحل إلى الحجاز ودمشق وحلب وحماة وبغداد، وحدّث وسمع منه خلائق مثل اليونينىّ «٦» والقونوىّ «٧» والمزّىّ «٨»

стр. 2732

وأبى «١» حيّان والبرزالىّ «٢» والذهبىّ «٣» وابن «٤» سيّد الناس وخلق سواهم، وصنّف مصنّفات كثيرة ذكرنا غالبها فى المنهل الصافى، [وله «٥» كتاب فضل الخيل، وقد سمعت أنا هذا الكتاب بقراءة الحافظ قطب الدين «٦» الخيضرىّ فى أربعة مجالس آخرها فى سلخ شعبان سنة خمس وأربعين وثمانمائة بالقاهرة فى منزل المسمع بحارة برجوان «٧» ] على الشيخ الإمام العلّامة مؤرّخ الديار المصريّة تقىّ الدين أحمد [بن «٨» علىّ بن عبد القادر] المقريزىّ بسماعه جميعه على الشيخ ناصر الدين محمد «٩» بن علىّ بن الطّبردار الحرّاوى بسماعه جميعه على الشيخ مؤلّفه الحافظ شرف الدين الدّمياطىّ صاحب الترجمة- ﵀ وكانت وفاته فجأة بالقاهرة بعد أن صلّى العصر غشى عليه فى موضعه، فحمل إلى منزله فمات من ساعته فى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة. ومن شعره: روينا بإسناد عن ابن مغفّل «١٠» ... حديثا شهيرا صحّ من علّة القدح بأنّ رسول الله حين مسيره ... لثامنة وافته من ليلة الفتح وفيها توفّى الملك الأوحد، وقيل الزاهر «١١» ، تقي الدين شادى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شير كوه الصغير ابن الأمير ناصر الدين

стр. 2733

محمد ابن الملك المنصور اسد الدين شير كوه الكبير ابن شادى بن مروان الأيّوبى فى ثالث صفر وهو يوم ذاك أحد أمراء دمشق. وفيها توفى المسند أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبى بكر الحرّانى الحنبلىّ. مولده بحرّان سنة ثمانى عشرة وستمائة، وسمع من ابن روزبة «١» والمؤتمن بن قميرة «٢» ، وسمع بمصر من ابن الجميزىّ «٣» وغيره وتفرّد بأشياء، وكان فيه دعابة ودين، وتلا بمكّة ألف ختمة. وفيها توفّى قاضى قضاة الشافعيّة بحلب شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام بها فى أوّل جمادى الأولى، وكان فقيها فاضلا. وفيها توفّى الشيخ الإمام شرف الدين أبو زكريّا يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الجذامىّ الإسكندرانى المالكىّ شيخ القراءات بها فى هذه السنة، وكان إماما عالما بالقراءات، وله مشاركة فى فنون. ﵀. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرّر، وزاد البحر حتى بلغ ثمانى أذرع ونصفا ثم توقّف إلى ثامن مسرى، ثم زاد حتّى أوفى فى رابع توت. وبلغ ست عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٦] السنة التاسعة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة ست وسبعمائة.

стр. 2734

فيها وقع بين الأميرين: علم الدين سنجر البروانىّ وسيف الدين الطشلاقىّ على باب قلعة الجبل مخاصمة بحضرة الأمراء لأجل استحقاقهما فى الإقطاعات، لأنّ الطشلاقىّ نزل على إقطاع البروانىّ، وكان كل منهما فى ظلم وعسف. والبروانىّ من خواصّ بيبرس الجاشنكير، والطشلاقىّ من ألزام سلّار لأنه خشداشه، كلاهما مملوك الملك الصالح على ابن الملك المنصور قلاوون. ومات فى حياة والده قلاوون. فسطا الطشلاقىّ على البروانىّ وسفه عليه، فقام البروانىّ إلى بيبرس واشتكى منه فطلبه بيبرس وعنّفه، فأساء الطشلاقىّ فى ردّ الجواب وأفحش فى حقّ البروانىّ، وقال: أنت واحد منفىّ تجعل نفسك مثل مماليك السلطان! فاستشاط بيبرس غضبا وقام ليضرب، فجرّد الطشلاقىّ سيفه يريد ضرب بيبرس، فقامت قيامة بيبرس وأخذ سيفه ليضربه، فترامى عليه من حضر من الأمراء وأمسكوه عنه، وأخرجوا الطشلاقىّ من وجهه بعد ما كادت مماليك بيبرس وحواشيه تقتله بالسيوف، وفى الوقت طلب بيبرس الأمير سنقر الكمالىّ الحاجب وأمر بنفى الطشلاقىّ إلى دمشق، فخشى سنقر من النائب سلّار ودخل عليه وأخبره، فأرسل سلّار جماعة من أعيان الأمراء إلى بيبرس، وأمرهم بملاطفته حتى يرضى عن الطشلاقىّ وأنّ الطشلاقىّ يلزم داره، فلمّا سمع بيبرس ذلك من الذين حضروا صرخ فيهم وحلف إن بات الطشلاقىّ الليلة بالقاهرة عملت فتنة كبيرة، فعاد الحاجب وبلّغ سلّار ذلك فلم يسعه إلّا السكوت لأنّهما (أعنى بيبرس وسلّار) كانا غضبا على الملك الناصر محمد وتحقّق كلّ منهما متى وقع بينهما الخلف وجد الملك الناصر طريقا لأخذهما واحدا بعد واحد، فكان كلّ من بيبرس وسلّار يراعى الآخر وقد اقتسما مملكة مصر، وليس للناصر معهما إلّا مجرّد الاسم فى السلطنة فقط. انتهى. وأحرج الطشلاقىّ من وقته وأمر سلّار الحاجب بتأخيره فى بلبيس حتّى يراجع بيبرس فى أمره، فعند

стр. 2735

ما اجتمع سلّار مع بيبرس فى الخدمة السلطانية من الغد بدأ بيبرس سلّار بما كان من الطشلاقىّ فى حقّه من الإساءة، وسلّار يسكّنه ولا يسكن بل يشتدّ فأمسك سلار عن الكلام على حقد فى الباطن، وصار السلطان يريد إثارة الفتنة بينهما فلم يتمّ له ذلك. وتوجّه الطشلاقى إلى الشام منفيّا. وفيها قدم البريد على الملك الناصر من حماة بمحضر ثابت على القاضى بأن ضيعة تعرف ببارين «١» بين جبلين فسمع للجبلين فى اللّيل قعقعة عظيمة فتسارع الناس فى الصباح إليهما، وإذا أحد الجبلين قد قطع الوادى وانتقل منه قدر نصفه إلى الجبل الآخر، والمياه فيما بين الجبلين تجرى فى الوادى فلم يسقط من الجبل المنتقل شىء من الحجارة، ومقدار النصف المنتقل من الجبل مائة ذراع وعشر أذرع، ومسافة الوادى الذي قطعه هذا الجبل مائة ذراع، وأن قاضى حماة خرج بالشهود حتى عاين ذلك وكتب به محضرا. فكان هذا من الغرائب. وفيها وقعت الوحشة بين بيبرس الجاشنكير وسلّار بسبب كاتب بيبرس التاج ابن سعيد الدولة، فإنّه كان أساء السيرة «٢» ، ووقع بين هذا الكاتب المذكور وبين الأمير سنجر الجاولى، وكان الجاولى صديقا لسلّار إلى الغاية؛ فقام بيبرس فى نصرة كاتبه، وقام سلّار فى نصرة صاحبه الجاولى، ووقع بينهما بسبب ذلك أمور؛ وكان بيبرس من عادته أنّه يركب لسلّار عند ركوبه وينزل عند نزوله، فمن يومئذ لم يركب معه وكادت الفتنة أن تقع بينهما، ثم استدركا أمرها خوفا من الملك الناصر واصطلحا بعد أمور يطول شرحها؛ وتكلّما فى أمر الوزر ومن يصلح لها، فعيّن سلار

стр. 2736

كاتب بيبرس التاج بن سعيد الدولة المقدّم ذكره تقرّبا لخاطر بيبرس بذلك، فقال بيبرس: ما يرضى، فقال سلّار: دعنى وإيّاه، فقال بيبرس: دونك، وتفرّقا. فبعث سلّار للتاج المذكور وأحضره فلمّا دخل عليه عبّس وجهه وصاح بإزعاج هاتوا خلعة الوزارة فأحضروها، وأشار إلى تاج الدولة المذكور بلبسها فتمنّع فصرخ فيه وحلف لئن لم يلبسها ضرب عنقه فخاف الإخراق به لما يعلمه من بغض سلار له فلبس التشريف، وكان ذلك يوم الخميس خامس عشر المحرّم من السنة وقبّل يد سلّار فشّ فى وجهه ووصاه؛ وخرج تاج الدولة بخلعة الوزارة من دار النيابة بقلعة الجبل إلى قاعة الصاحب بها، وبين يديه النّقباء والحجّاب، وأخرجت له دواة الوزارة والبغلة فعلّم على الأوراق وصرّف الأمور إلى بعد العصر ثم نزل الى داره. وهذا كلّه بعد أن أمسك بيبرس سنجر الجاولى وصادره ثم نفاه إلى دمشق على إمرة طبلخاناه، وولّى مكانه أستادارا الأمير أيدمر «١» الخطيرىّ صاحب الجامع «٢» ببولاق.

стр. 2737

وفيها توفّى الصاحب شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عطاء «١» الله الأذرعىّ الدمشقىّ الحنفى محتسب دمشق ووزيرها، وكان رئيسا فاضلا حسن السّيرة. وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك بن عبد الله الطويل الخازندار المنصورىّ فى حادى عشر شهر ربيع الأوّل بدمشق، وكان ديّنا كثير البرّ والصدقات والمعروف. وفيها توفّى الأمير بدر الدين بكتاش بن عبد الله الفخرىّ الصالحىّ النجمىّ أمير سلاح. أصله من مماليك الأمير فخر الدين «٢» يوسف بن شيخ الشيوخ، ثم نقل إلى ملك الملك الصالح نجم الدين أيّوب، فترقّى فى الخدم حتّى صار من أكابر الأمراء، وغزا غير مرّة وعرف بالخير وعلوّ الهمّة وسداد الرأى وكثرة المعروف. ولمّا قتل الملك المنصور لاچين أجمعوا على سلطنته فامتنع وأشار بعود السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وبعدها ترك الإمرة فى حال مرضه الذي مات فيه. رحمه الله تعالى. وفيها توفّى الأمير سيف الدين كاوركا «٣» المنصورىّ أحد أعيان الأمراء بالديار المصريّة. وفيها توفّى الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورىّ، وكان ولى نيابة قلعة صفد وشدّ دواوين دمشق ثم نيابة قلعتها، ثم نقل إلى نيابة حمص فمات بها، وكان مشكور السيرة. وفيها توفّى القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله بن مجلّى العمرىّ الدمشقى أخو كاتب السرّ القاضى شرف الدين عبد الوهاب ومحيى الدين يحيى وقد جاوز سبعين سنة. وهذا أوّل بدر الدين من بنى فضل الله، ويأتى ذكر ثان وثالث، والثالث هو كاتب السر بمصر.

стр. 2738

وفيها توفّى الأمير فارس الدين أصلم الردّادىّ «١» فى نصف ذى القعدة، وكان رئيسا حشيما من أعيان الدولة الناصرية. وفيها توفّى الأمير بهاء الدين يعقوبا الشّهرزورىّ بالقاهرة فى سابع عشر ذى الحجّة، وكان أميرا حشيما شجاعا وهو من حواشى بيبرس الجاشنكير. وفيها توفّى الطواشى عزّ الدين دينار العزيزى الخازندار الظاهرىّ فى يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأوّل، وكان ديّنا خيّرا كثير الصدقات والمعروف. وفيها توفّى ملك الغرب أبو يعقوب يوسف [بن يعقوب «٢» ] بن عبد الحقّ، وثب عليه سعادة الخصىّ أحد مواليه فى بعض حجره وقد خضّب رجليه بالحنّاء وهو مستلق على قفاه فطعنه طعنات قطع بها أمعاءه، وخرج فأدرك وقتل، ومات السلطان من جراحه فى آخر يوم الأربعاء سابع ذى القعدة، وأقيم بعده فى الملك أبو ثابت عامر ابن الأمير أبى عامر [عبد الله «٣» ] ابن السلطان أبى يعقوب هذا أعنى حفيده. وكان مدّة ملكه إحدى وعشرين سنة. وفيها توفّى الطّواشى شمس الدين صواب السّهيلى بالكرك عن مائة سنة، وكان مشكور السيرة. وفيها توفّى الشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن محمد بن على الطوسىّ الفقيه الشافعىّ بدمشق فى تاسع عشرين جمادى «٤» الأولى، وكان فقيها نحويّا مصنّفا شرح «الحاوى» فى الفقه و «مختصر ابن الحاجب» وغير ذلك.

стр. 2739

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعدّة أصابع. مبلغ الزيادة سبع «١» عشرة ذراعا وسبع أصابع، وكان الوفاء فى رابع عشر مسرى. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٧] السنة العاشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة سبع وسبعمائة. فيها ورد الخبر عن ملك اليمن هزبر الدين داود بأمور تدلّ على عصيانه، فكتب السلطان والخليفة بالإنذار، ثم رسم السلطان للأمراء أن يعمل كلّ أمير مركبا يقال لها: جلبة «٢» ، وعمارة قيّاسة يقال لها: فلوة برسم حمل الأزواد وغيرها لغزو بلاد اليمن. وفيها عمّر الأمير بيبرس الجاشنكير الخانقاه «٣» الرّكنيّة داخل باب «٤» النصر موضع دار الوزارة «٥» برحبة «٦» باب العيد من القاهرة، ووقف عليها أوقافا جليلة ومات قبل فتحها، فأغلقها الملك الناصر فى سلطنته الثالثة مدّة، ثم أمر بفتحها ففتحت. وفيها عمّر الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم الصغير نائب دمشق جامعا بالصالحية «٧» ، وبعث يسأل فى أرض يوقفها عليه فأجيب إلى ذلك. وفيها وقع الاهتمام على سفر اليمن وعوّل الأمير سلّار أن يتوجّه إليها بنفسه خشية من السلطان الملك الناصر، وذلك بعد أن أراد السلطان القبض عليه وعلى بيبرس الجاشنكير عند ما اتّفق السلطان مع بكتمر الجوكندار، وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه

стр. 2740

فى أصل هذه الترجمة، وأيضا أنه شقّ عليه ما صار إليه بيبرس الجاشنكير من القوّة والاستظهار عليه بكثرة خشداشيته البرجيّة، والبرجية كانت يوم ذاك مثل مماليك الأطباق الآن، وصار غالب البرجية أمراء، فاشتد شوكة بيبرس بهم بحيث إنّه أخرج الأمير سنجر الجاولى وصادره بغير اختيار سلّار، وعظمت مهابته وانبسطت يده بالتحكّم وانفرد بالركوب فى جمع عظيم، وقصد البرجية فى نوبة بكتمر الجوكندار إخراج الملك الناصر محمد إلى الكرك وسلطنة بيبرس، لولا ما كان من منع سلّار لسياسة وتدبير كانا فيه. فلمّا وقع ذلك كلّه خاف سلّار عواقب الأمور من السلطان ومن بيبرس وتحيّل فى الخلاص من ذلك بأنه يحجّ فى جماعته، ثم يسير إلى اليمن فيملكها ويمتنع بها، ففطن بيبرس لهذا فدسّ عليه جماعة من الأمراء من أثنى عزمه عن ذلك، ثم اقتضى الرأى تأخير السفر حتى يعود جواب صاحب اليمن. وفيها حبس الشيخ تقىّ الدين «١» بن تيميّة بعد أمور وقعت له. وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيدمر السنانىّ بدمشق، وكان فاضلا وله شعر وخبرة بتفسير المنامات. ومن شعره: تجد النّسيم إلى الحبيب رسولا ... دنف حكاه رقّة ونحولا تجرى العيون من العيون صبابة ... فتسيل فى إثر الغريق سيولا وتقول من حسد له يا ليتنى: ... كنت اتّخذت مع الرّسول سبيلا وفيها توفّى الأمير ركن الدين بيبرس العجمىّ الصالحى المعروف بالجالق، و (الجالق باللّغة التركيّة: اسم للفرس الحادّ المزاج الكثير اللّعب) ، وكان أحد البحريّة

стр. 2741

وكبير الأمراء بدمشق، ومات فى نصف جمادى الأولى بمدينة الرملة «١» عن نحو الثمانين سنة، وكان ديّنا فيه مروءة وخير. (وجالق بفتح الجيم وبعد الألف لام مكسورة وقاف ساكنة) . وفيها توفّى «٢» الأمير الطّواشى شهاب الدين فاخر المنصورىّ مقدّم المماليك السلطانية، وكانت له سطوة ومهابة على المماليك السلطانية بحيث إنّه كان لا يستجرئ أحد منهم أن يمرّ من بين يديه كائنا من كان بحاجة أو بغير حاجة، وحيثما وقع بصره عليه أمر بضربه. قلت: لله درّ ذلك الزمان وأهله! ما كان أحسن تدبيرهم وأصوب حدسهم من جودة تربية صغيرهم وتعظيم كبيرهم! حتى ملكوا البلاد، ودانت لهم العباد، واستجلبوا خواطر الرعيّة، فنالوا الرتب السنية. وأما زماننا هذا فهو بخلاف ذلك كلّه، فالمقدّم مؤخّر والصغير متنمّر «٣» ، والقلوب متنافرة، والشرور متظاهرة، وإن شئت تعلم صدق مقالتى حرّك تر. انتهى. وفيها توفّى الشيخ المعتقد عمر «٤» بن يعقوب بن أحمد [السعودى «٥» فى جمادى الآخرة] . [وفيها «٦» توفّى الشيخ فخر الدين عثمان] بن جوشن السّعودىّ فى يوم الأربعاء من شهر رجب، وكان رجلا صالحا معتقدا. وفيها توفّى الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين علىّ بن محمد بن سليم بن حنّا، ومولده فى تاسع شعبان سنة أربعين وستمائة،

стр. 2742

وجدّه لأمّه الوزير شرف «١» الدين صاعد الفائزىّ. وكانت له رياسة ضخمة وفضيلة، ومات بالقاهرة فى يوم السبت خامس جمادى الآخرة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبع واحدة. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٨] السنة الحادية عشرة من ولاية السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية على مصر، وهى سنة ثمان وسبعمائة، وهى التى خلع فيها الملك الناصر المذكور من ملك مصر وأقام بالكرك وتسلطن من بعده بيبرس الجاشنكير حسب ما تقدّم ذكره. فيها أفرج عن الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ من البرج بقلعة الجبل، وأسكن بدار الأمير عزّ الدين «٢» الأفرم الكبير بمصر، وذلك فى شهر ربيع الأوّل. وفيها كان خروج الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة من القاهرة قاصدا الحجّ وسار إلى الكرك وخلع نفسه. وفيها توفّى الشيخ علم الدين إبراهيم بن الرشيد بن أبى الوحش رئيس الأطباء بالديار المصريّة والبلاد الشاميّة، وكان بارعا فى الطبّ محظوظا عند الملوك، ونالته السعادة من ذلك، حتّى إنّه لمّا مات خلّف ثلثمائة ألف دينار غير القماش والأثاث. وفيها توفّى الأمير عز الدين أيبك الشجاعىّ الأشقر شادّ الدواوين بالقاهرة فى المحرّم.

стр. 2743

وفيها توفّى الأمير علاء الدين ألطبرس «١» المنصورىّ والى باب القلعة والملقّب بالمجنون المنسوب إليه العمارة فوق قنطرة المجنونة «٢» على الخليج الكبير خارج القاهرة، عمّرها للشيخ شهاب «٣» الدين العابر ولفقرائه وعقدها قبوا. وفى ذلك يقول علم الدين ابن الصاحب: ولقد عجبت من الطبرس وصحبه ... وعقولهم بعقوده مفتونه عقدوه عقدا لا يصح لأنهم ... عقدوا لمجنون على مجنونه وكان ألطبرس المذكور عفيفا ديّنا غير أنه كان له أحكام قراقوشية من تسلطه على النساء ومنعهنّ من الخروج إلى الأسواق وغيرها، وكان يخرج أيام الموسم إلى القرافة وينكّل بهن فامتنعن من الخروج فى زمانه إلا لأمر مهم مثل الحمّام وغيره. وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيدمر الرشيدىّ أستادار الأمير سلّار نائب السلطنة بالديار المصرية فى تاسع عشر شوال، وكان عاقلا رئيسا وله ثروة واسعة وجاه عريض. وفيها توفّى الشيخ المعتقد عبد الغفّار [بن «٤» أحمد بن عبد المجيد بن نوح] القوصىّ القائم بخراب الكنائس بقوص وغيرها فى ليلة الجمعة سابع ذى القعدة، وكان له أتباع ومريدون وللناس فيه اعتقاد.

стр. 2744

وفيها توفّى ظهير «١» الدين أبو نصر بن الرشيد بن أبى النصر السّامرىّ الدمشقى الكاتب فى حادى عشرين شهر رمضان بدمشق، ومولده سنة اثنتين وعشرين وستمائة، كان أوّلا سامريّا ثم أسلم فى أيام الملك المنصور قلاوون، وتنقّل فى الخدم حتّى ولى نظر جيش دمشق إلى أن مات. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبع واحدة مثل السنة الماضية.

стр. 2745

[ما وقع من الحوادث سنة ٧٠٩] ذكر سلطنة الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير على مصر السلطان الملك المظفّر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصورىّ الجاشنكير، أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون البرجيّة، وكان جركسىّ الجنس، ولم نعلم أحدا ملك مصر من الجراكسة قبله إن صحّ أنه كان جركسيّا. وتأمّر فى أيّام أستاذه المنصور قلاوون، وبقى على ذلك إلى أن صار من أكابر الأمراء فى دولة الملك الأشرف خليل بن قلاوون. ولما تسلطن الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد قتل أخيه الأشرف خليل صار بيبرس هذا أستادارا «١» إلى أن تسلطن الملك العادل زين الدين كتبغا عزله عن الأستادارية بالأمير بتخاص، وقيل: إنّه قبض على بيبرس هذا وحبسه مدّة، ثم أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصريّة. واستمرّ على ذلك حتّى قتل الملك المنصور حسام الدين لاچين فكان بيبرس هذا أحد من أشار بعود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك. فلمّا عاد الناصر إلى ملكه تقرّر بيبرس هذا أستادارا على عادته وسلّار نائبا، فأقاما على ذلك سنين إلى أن صار هو وسلّار كفيلى الممالك الشريفة الناصرية، والملك الناصر محمد معهما آلة فى السلطنة إلى أن ضجر الملك الناصر منهما وخرج إلى الحجّ فسار إلى الكرك وخلع نفسه من الملك. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى ترجمة الملك الناصر محمد. فعند ذلك وقع الاتّفاق على سلطنة بيبرس هذا بعد أمور نذكرها؛ فتسلطن وجلس على تخت الملك فى يوم السبت الثالث والعشرين من شوّال من سنة ثمان وسبعمائة. وهو السلطان الحادى

стр. 2746

عشر من ملوك الترك والسابع ممن مسّهم الرّقّ، والأوّل من الجراكسة إن صحّ أنه جركسىّ الجنس، ودقّت البشائر وحضر الخليفة أبو الربيع سليمان وفوّض إليه تقليد السلطنة، وكتب له عهدا وشمله بخطّه، وكان من جملة عنوان التقليد: إنّه من سليمان وإنّه بسم الله الرحمن الرحيم. ثم جلس الأمير بتخاص والأمير قلّى والأمير لاچين الجاشنكير لاستحلاف الأمراء والعساكر، فحلفوا الجميع وكتب بذلك إلى الأقطار. والآن نذكر ما وعدنا بذكره من سبب سلطنة بيبرس هذا مع وجود سلار وآقوش قتّال السّبع وهما أكبر منه وأقدم وأرفع منزلة، فنقول: لمّا خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصريّة إلى الحجّ ثم ثنى عزمه عن الحج وتوجّه إلى الكرك خلع نفسه، فلمّا حضر كتابه الثانى «١» بتركه السلطنة، وقد تقدّم ذكر ذلك فى أواخر ترجمة الناصر بأوسع من هذا، أثبت الكتاب على القضاة. فلمّا أصبح نهار السبت الثالث والعشرين من شوّال جلس الأمير سلّار النائب بشبّاك دار النيابة بالقلعة وحضر إلى عنده الأمير بيبرس الجاشنكير هذا وسائر الأمراء واشتوروا فيمن يلى السلطنة، فقال الأمير آقوش قتّال السّبع، والأمير بيبرس الدّوادار، والأمير أيبك الخازندار وهم أكابر الأمراء المنصوريّة: ينبغى استدعاء الخليفة والقضاة وإعلامهم بما وقع، فخرج الطّلب لهم وحضروا وقرئ عليهم كتاب السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وشهد عند قاضى القضاة زين الدين بن مخلوف «٢» الأميران: عز الدين أيدمر الخطيرىّ والأمير الحاج آل ملك ومن كان توجّه معهم إلى الكرك فى الرسليّة بنزول الملك الناصر عن الملك

стр. 2747

وتركه مملكة مصر والشام فأثبت ذلك، وأعيد الكلام فيمن يصلح للسلطنة من الأمراء، فأشار الأمراء الأكابر بالأمير سلّار، فقال سلّار: نعم على شرط، كلّ ما أشير به لا تخالفوه، وأحضر المصحف وحلّفهم على موافقته وألّا يخالفوه فى شىء، فقلق البرجيّة من ذلك ولم يبق إلّا إقامتهم الفتنة، فكفّهم الله عن ذلك وانقضى الحلف، فعند ذلك قال الأمير سلّار: والله يا أمراء، أنا ما أصلح للملك ولا يصلح له إلّا أخى هذا، وأشار إلى بيبرس الجاشنكير ونهض قائما إليه، فتسارع البرجيّة بأجمعهم: صدق الأمير سلّار وأخذوا بيد الأمير بيبرس، وأقاموه كرها وصاحوا بالجاويشية فصرخوا باسمه، وكان فرس النوبة عند الشباك فألبسوه تشريف السلطنة الخليفتى، وهى فرجيّة أطلس سوداء وطرحة سوداء وتقلّد بسيفين، ومشى سلّار والأمراء بين يديه من عند سلّار من دار النيابة بالقلعة وهو راكب، وعبر من باب القلعة «١» إلى الإيوان «٢» بالقلعة، وجلس على تخت الملك وهو يبكى بحيث يراه الناس. وذلك فى يوم السبت المذكور، ولقّب بالملك المظفر. وقبّل الأمراء الأرض بين يديه طوعا وكرها، ثم قام إلى القصر وتفرّق الناس بعد ما ظنّوا كلّ الظنّ من وقوع الفتنة بين السّلّاريّة والبيبرسيّة. وقيل فى سلطنته وجه آخر وهو أنّه لما اشتوروا الأمراء فيمن يقوم بالملك، فاختار الأمراء سلّار لعقله وتؤدته، واختار البرجيّة

стр. 2748

بيبرس؛ فلم يجب سلّار إلى ذلك وانفضّ المجلس، وخلا كلّ من أصحاب بيبرس وسلّار بصاحبه، وحسّن له القيام بالسلطنة وخوّفه عاقبة تركها، وأنه متى ولى غيره لا يوافقوه بل يقاتلونه. وبات البرجية فى قلق خوفا من ولاية سلّار، وسعى بعضهم إلى بعض، وكانوا أكثر جمعا من أصحاب سلّار، وأعدّوا السلاح وتأهّبوا للحرب. فبلغ ذلك سلّار فخشى سوء العاقبة، واستدعى الأمراء إخوته وحفدته ومن ينتمى إليه، وقرّر معهم سرا موافقته على ما يشير به، وكان مظاعا فيهم فأجابوه؛ ثم خرج فى شباك النيابة ووقع نحو ممّا حكيناه من عدم قبوله السلطنة وقبول بيبرس الجاشنكير هذا، وتسلطن حسب ما ذكرناه وتمّ أمره واجتمع الأمراء على طاعته ودخلوا إلى الخدمة على العادة فى يوم الاثنين خامس عشرين شوّال، فأظهر بيبرس التغمّم بما صار إليه. وخلع على الأمير سلار خلعة النيابة على عادته بعد ما استعفى وطلب أن يكون من جملة الأمراء، وألحّ فى ذلك حتى قال له الملك المظفّر بيبرس: إن لم تكن أنت نائبا فلا أعمل أنا السلطنة أبدا، فقامت الأمراء على سلّار إلى أن قبل ولبس خلعة النيابة، ثم عيّنت الأمراء للتوجّه إلى النوّاب بالبلاد الشامية وغيرها، فتوجّه إلى نائب دمشق، وهو الأمير جمال الدين آقوش الأفرم الصغير المنصورىّ، الأمير أيبك البغدادىّ ومعه آخر يسمّى شادى «١» ومعهما كتاب، وأمرهما أن يذهبا إلى دمشق ويخلّفا نائبه المذكور وسائر الأمراء بدمشق، وتوجّه إلى حلب الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدىّ وطيبرس الجمدار وعلى يليهما كتاب مثل ذلك، وتوجّه إلى حماة الأمير سيف الدين بلاط الجوكندار وطيدمر الجمدار، وتوجّه إلى صفد عزّ الدين أزدمر الإسماعيلىّ وبيبرس بن عبد الله، وتوجّه إلى طرابلس

стр. 2749

عزّ الدين أيدمر اليونسى وأقطاى الجمدار. وخطب له بالقاهرة ومصر فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوّال المذكور، وتوجه الأمراء المذكورون إلى البلاد الشامية. فلما قرب من سار إلى دمشق خرج النائب آقوش الأفرم ولاقاهما خارج دمشق وعاد بهما، فلما قرأ الكتاب بسلطنة بيبرس كاد أن يطير فرحا لأنه كان خشداش بيبرس، وكان أيضا جاركسىّ الجنس، وكانا يوم ذاك بين الأتراك كالغرباء، وزيّنت دمشق زينة هائلة كما زيّنت القاهرة لسلطنته. ثم أخرج كتاب السلطان بالحلف وفيه أن يحلفوا ويبعثوا لنا نسخة الأيمان، فأجاب جميع الأمراء بالسمع والطاعة وسكت منهم أربعة أنفس ولم يتحدّثوا بشىء، وهم: بيبرس العلائىّ وبهادر آص وآقجبا «١» الظاهرى وبكتمر الحاجب بدمشق، فقال لهم الأفرم: يا أمراء، كلّ الناس ينتظرون كلامكم فتكلّموا، فقال بهادر آص: نريد الخطّ الذي كتبه الملك الناصر بيده وفيه عزل نفسه، فأخرج النائب خطّ الملك الناصر فرآه بهادر ثم قال: يا مولانا ملك الأمراء، لا تستعجل فممالك الشام فيها أمراء غيرنا، مثل الأمير قراسنقر نائب حلب، وقبجق نائب حماة، وأسندمر نائب طرابلس وغيرهم، فنرسل إليهم ونتّفق معهم على المصلحة، فإذا شاورناهم تطيب خواطرهم، وربّما يرون من المصلحة ما لا نرى نحن، ثم قام بهادر المذكور وخرج فخرجت الأمراء كلّهم فى أثره، فقال الأمير أيبك البغدادىّ القادم من مصر للأفرم: لو مسكت بهادر آص لانصلح الأمر على ما نريد! فقال له الأفرم: والله العظيم لو قبضت عليه لقامت فتنة عظيمة تروح فيها روحك، وتغيير الدول يا أيبك ما هو هين! وأنا ما أخاف من أمراء الشام من أحد إلّا من قبجق المنصورىّ، فإنّه ربّما يقيم فتنة من خوفه على روحه.

стр. 2750

قلت: وقبجق هذا هو الذي كان نائب دمشق فى أيّام المنصور لاچين، وتوجّه إلى غازان وأقدمه إلى الشام. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه. ولمّا كان اليوم الثانى طلب الأفرم هؤلاء الأمراء الأربعة واختلى بهم، وقال لهم: اعلموا أنّ هذا أمر انقضى، ولم يبق لنا ولا لغيرنا فيه مجال، وأنتم تعلمون أنّ كلّ من يجلس على كرسىّ مصر كان هو السلطان ولو كان عبدا حبشيّا، فما أنتم بأعظم من أمراء مصر، وربّما يبلّغ هذا اليه فيتغيّر قلبه عليكم، ولم يزل يتلاطف بهم حتّى حلفوا له، فلمّا حلفوا حلف باقى الأمراء، وخلع الأفرم على جميع الأمراء والقضاة خلعا سنيّة، وكذلك خلع على الأمير أيبك البغدادىّ وعلى رفيقه شادى وأعطاهما ألفى دينار وزوّدهما وردّهما فى أسرع وقت. وكتب معهما كتابا يهنّئ بيبرس بالملك، ويقول: عن قريب تأتيك نسخة الأيمان. وقدما القاهرة وأخبرا الملك المظفّر بيبرس بذلك، فسرّ وانشرح صدره بذلك: ثمّ إنّ الأفرم نائب الشام أرسل إلى قراسنقر وإلى قبجق شخصا «١» من مماليكه بصورة الحال، فأمّا قرا سنقر نائب حلب فإنّه لمّا سمع الواقعة وقرأ كتاب الأفرم، قال: إيش الحاجة إلى مشاورتنا! أستاذك بعثك بعد أن حلف، وكان ينبغى أن يتأنّى فى ذلك، وأمّا قبجق نائب حماة فإنه لمّا قرأ كتاب الأفرم، قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلى العظيم، إيش جرى على ابن أستاذنا حتّى عزل نفسه! والله لقد دبرتم أنحس تدبير، هذه والله نوبة لاچين. ثم قال لمملوك الأفرم: اذهب إلى أستاذك وقل له: الآن بلغت مرادك، وسوف تبصر من يصبح ندمان، وفى أمره حيران! وكذلك لمّا بعث الأفرم لأسندمر نائب طرابلس، فلما «٢» قرأ كتابه أطرق رأسه إلى الأرض؛ ثم قال:

стр. 2751

اذهب لأستاذك وقل له: يا بعيد الذّهن وقليل العلم بعد أن دبرت أمرا، فما الحاجة إلى مشاورتنا! فو الله ليكوننّ عليك أشأم التدبير وسيعود وباله عليك، ولم يكتب له جوابا. وأمّا قراسنقر نائب حلب فإنه أرسل إلى قبجق وإلى أسندمر يعلمهما أنّ الأفرم حلّف عساكر دمشق على طاعة بيبرس، ولا نأمن أن يعمل الأفرم علينا، فهلمّوا نجتمع فى موضع واحد فنتشاور ونرى أمرا يكون فيه المصلحة، فاتّفقوا الجميع على أن يجتمعوا فى حلب عند قراسنقر، وعيّنوا ليلة يكون اجتماعهم فيها. فأمّا قبجق فإنه ركب إلى الصيد بمماليكه خاصّة، وتصيّد إلى الليل فسار إلى حلب. وأمّا أسندمر أظهر أنّه ضعيف وأمر ألّا يخلّى أحدا يدخل عليه، وفى الليل ركب بمماليكه الذين يعتمد عليهم وقد غيّروا ملابسهم، وسار يطلب حلب. واجتمع الجميع عند قرا سنقر، فقال لهم قراسنقر: ما تقولون فى هذه القضيّة التى جرت؟ فقال قبجق: والله لقد جرى أمر عظيم، وإن لم نحسن التدبير نقع فى أمور! يعزل ابن أستاذنا ويأخذها بيبرس! ويكون الأفرم هو مدبّر الدولة! وهو على كلّ حال عدوّنا ولا نأمن شرّه، فقالوا: فما نفعل؟ قال: الرأى أن نكتب إلى ابن أستاذنا فى الكرك ونطلبه إلى حلب ونركب معه، فإما نأخذ له الملك، وإما أن نموت على خيولنا! فقال أسندمر: هذا هو الكلام، فحلف كلّ من الثلاثة على هذا الاتّفاق، ولا يقطع واحد منهم أمرا إلّا بمشورة أصحابه، وأنّهم يموت بعضهم على بعض، ثم إنّهم تفرّقوا فى اللّيل كلّ واحد إلى بلده. وأمّا الأمراء الذين خرجوا من مصر إلى النوّاب بالبلاد الشاميّة بالخلع وبسلطنة بيبرس، فإنهم لمّا وصلوا إلى دمشق قال لهم الأفرم: أنا أرسلت إليهم مملوكى، فردّوا علىّ جوابا لا يرضى به مولانا السلطان. وكان الأفرم أرسل إلى الملك المظفّر

стр. 2752

بيبرس نسخة اليمين التى حلّف بها أمراء دمشق مع مملوكه مغلطاى، فأعطاه الملك المظفّر إمرة طبلخاناه «١» وخلع عليه، وأرسل معه خلعة لأستاذه الأفرم بألف دينار، وأطلق له شيئا كثيرا كان لبيبرس فى الشام قبل سلطنته من الحواصل والغلال، فسّر الأفرم بذلك غاية السرور، ثم قال الأميران اللذان وصلا إلى دمشق للافرم: ما تشير به علينا؟ فقال لهما: ارجعا إلى مصر ولا تذهبا إلى هؤلاء، فإنّ رءوسهم قويّة، وربّما يثيرون فتنة، فقالا: لاغنى لنا [من] أن نسمع كلامهم، ثم إنّهما ركبا من دمشق وسارا إلى حماة، ودخلا على قبجق ودفعا له كتاب الملك المظفّر، فقرأه ثم قال: وأين كتاب الملك الناصر؟ فأخرجا له الكتاب، فلمّا وقف عليه بكى، ثم قال: من قال إنّ هذا خطّ الملك الناصر؟ والله واحد يكون وكيلا فى قرية ما يعزل نفسه منها بطيبة من خاطره! ولا بدّ لهذا الأمر من سبب، اذهبا إلى الأمير قراسنقر فهو أكبر الأمراء وأخبرهم بالأحوال، فركبا وسارا إلى حلب واجتمعا بقراسنقر؛ فلمّا قرأ كتاب المظفّر قال: يا إخوتى إنّا على أيمان ابن أستاذنا لا نخونه ولا نحلف لغيره ولا نواطئ عليه ولا نفسد ملكه، فكيف نحلف لغيره! والله لا يكون هذا أبدا ودعوا «٢» يجرى ما يجرى، وكلّ شىء ينزل من السماء تحمله الأرض. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم! فخرجا من عنده وسارا إلى طرابلس ودخلا على أسندمر فقال لهما: مثل مقالة قبجق وقرا سنقر، فخرجا وركبا وسارا نحو الديار المصريّة، ودخلا على الملك المظفر بيبرس وأعلماه بما كان، فضاق صدر المظفّر وأرسل خلف الأمير سلّار النائب وقصّ عليه القصّة، فقال له سلّار: هذا أمر هيّن ونقدر (أن) نصلح هؤلاء، فقال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قال: تكتب إلى

стр. 2753

قرا سنقر كتابا وترقّق له فى الكلام، وأرسل إليه تقليدا بنيابة حلب وبلادها، وأنّه لا يحمل منه الدّرهم الفرد، وكذا لقبجق بحماة، ولأسندمر بطرابلس والسواحل، فقال بيبرس: إذا فرّقت البلاد عليهم ما يساوى ملكى شيئا! فقال له سلّار: وكم [من] يد تقبّل عن ضرورة وهى تستحقّ القطع! فاسمع منّى وأرضهم فى هذا الوقت، فإذا قدرت عليهم بعد ذلك افعل بهم ما شئت؛ فمال المظفّر إلى كلامه وأمر أن يكتب بما قاله سلّار لكلّ واحد على حدته، فكتب ذلك وأرسله مع بعض خواصّه. وأمّا أمر الملك الناصر محمد بن قلاوون فإنّ الملك المظفّر لمّا تسلطن وتمّ أمره كتب له تقليدا بالكرك، وسيّره له على يد الأمير آل ملك، ومنشورا بما عيّن له من الإقطاعات. وأمّا أمر قرا سنقر فإنّه جهّز ولده محمدا إلى الملك الناصر محمد بالكرك، وعلى يده كتابه وكتاب قبجق نائب حماة وكتاب أسندمر نائب طرابلس. ومضمون كتاب قرا سنقر: أنّه يلوم الملك الناصر عن نزوله عن الملك، وكيف وقع له ذلك ولم يشاوره فى أوّل الأمر، ثمّ وعده برجوع ملكه إليه عن قريب، وأنّه هو وقبجق وأسندمر ما حلفوا للمظفر، وأنّهم مقيمون على أيمانهم له. وكذلك كتاب قبجق وكتاب أسندمر، فأخذ الأمير ناصر الدين محمد بن قرا سنقر كتب الثلاثة وسار مسرعا ومعه نجّاب «١» خبير بتلك الأرض، فلم يزالا سائرين فى البريّة والمفاوز إلى أن وصلا إلى الكرك،. وابن قرا سنقر عليه زىّ العرب، فلمّا وقفا على باب الكرك سألوهما من أين أنتما؟ فقالا: من مصر، فدخلوا وأعلموا الملك الناصر محمدا بهما واستأذنوه فى إحضارهما، فأذن لهما بالدخول؛ فلمّا مثلا بين يديه كشف ابن قراسنقر لثامه عن وجهه فعرفه السلطان، وقال له: محمد؟ فقال: لبيّك يا مولانا السلطان، وقبّل الأرض وقال: لا بدّ من خلوة، فأمر السلطان لمن حوله بالانصراف، فعند ذلك حدّث

стр. 2754

ابن قرا سنقر السلطان بما جرى من أبيه وقبجق وأسندمر، وأنهم اجتمعوا فى حلب وتحالفوا بأنّهم مقيمون على الأيمان التى حلفوها للملك الناصر، ثم دفع له الكتب الثلاثة فقرأها، ثم قال: يا محمد، ما لهم قدرة على ما اتّفقوا عليه، فإنّ كلّ من فى مصر والشام قد اتّفقوا على سلطنة بيبرس، فلما سمع ابن قراسنقر ذلك حلف بأنّ كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة كفء لأهل مصر والشام، ومولانا السلطان أخبر بذلك منّى، فتبسّم السلطان وقال صدقت يا محمد، ولكن القائل يقول: كن جريا إذا رأيت جبانا ... وجبانا إذا رأيت جريّا لا تقاتل بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويّا وهذه البلاد كلّها دارت مع بيبرس ولا يتمّ لنا الحال إلّا بحسن التدبير والمداراة والصبر على الأمور. ثم إنّه أنزله فى موضع وأحسن إليه، وقال له: استرح اليوم وغدا ثم سافر، فأقام يومين ثم طلبه الملك الناصر فى صبيحة اليوم الثالث وأعطاه جواب الكتب، وقال له: سلّم على أبى (يعنى على قرا سنقر) وقل له: اصبر، ثم خلع عليه خلعة سنيّة وأعطاه ألف دينار مصريّة، وخلع على معن النّجاب الذي أتى به أيضا وأعطاه ألف درهم؛ فخرج ابن قرا سنقر والنّجاب معه، وأسرعا فى السير إلى أن وصلا إلى حلب، فدخل ابن قرا سنقر إلى أبيه ودفع له كتاب الملك الناصر ففتحه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: حرس الله تعالى نعمة المقرّ العالى الأبوىّ الشمسىّ ومتّعنا بطول حياته، فقد علمنا ما أشار به وما عوّل عليه، وقد علمنا قديما وحديثا أنّه لم يزل على هذه الصورة، وأريد منك أنّك تطوّل روحك علىّ، فهذا الأمر ما ينال بالعجلة لأنّك قد علمت انتظام أمراء مصر والشام فى سلك واحد ولا سيّما الأفرم ومن معه من اللئام، فهذه عقدة لا تنحلّ إلّا بالصبر، وإن حضر إليك أحد

стр. 2755

من جهة المظفّر وطلب منك اليمين له، فقدّم النيّة أنّك مجبور ومغصوب واحلف. ولا تقطع كتبك عنى فى كلّ وقت، وعرّفنى بجميع ما يجرى من الأمور قليلها وكثيرها. وكذلك كتب فى كتاب قبجق وأسندمر، فعرف قرا سنقر مضمون كتابه وسكت. ثم بعد قليل وصل إلى قرا سنقر من الملك المظفّر بيبرس تقليد بنيابة حلب وبلادها دربست «١» على يد أمير «٢» من أمراء مصر. ومن مضمون الكتاب الذي من المظفّر إلى قرا سنقر: أنت خشداشى، ولو علمت أنّ هذا الأمر يصعب عليك ما عملت شيئا حتّى أرسلت إليك وأعلمتك به، لأنّ ما فى المنصوريّة أحد أكبر منك، غير أنّه لما نزل ابن أستاذنا عن الملك اجتمع الأمراء والقضاة وكافّة الناس، وقالوا: ما لنا سلطان إلّا أنت، وأنت تعلم أنّ البلاد لا تكون بلا سلطان، فلو لم أتقدّم أنا كان غيرى يتقدّم [وقد وقع ذلك «٣» ] ! فاجعلنى واحدا منكم ودبّرنى برأيك. وهذه حلب وبلادها دربست لك، وكذا لخشداشيتك: الأمير قبجق والأمير أسندمر. وسيّر الملك المظفّر لكلّ من هؤلاء الثلاثة خلعة بألف دينار، وفرشا قماشه بألف دينار، وعشرة رءوس من الخيل. فعند ذلك حلف قراسنقر وقبجق وأسندمر، ورجع الأمير المذكور إلى مصر بنسخة اليمين. فلمّا وقف عليها الملك المظفّر فرح غاية الفرح، وقال: الآن تمّ لى الملك. ثم شرع من يومئذ فى كشف أمور البلاد وإزالة المظالم والنظر فى أحوال الرعيّة. ثم استهلّت سنة تسع وسبعمائة، وسلطان الديار المصريّة الملك المظفّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصورىّ، والخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، ونائب

стр. 2756

السلطنة بديار مصر الأمير سلّار، ونائب الشام الأمير آقوش الأفرم الصغير، ونائب حلب الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ، ونائب حماة الأمير سيف الدين قبجق المنصورىّ، ونائب طرابلس الأمير سيف الدين أسندمر المنصورىّ. ثم فشا فى الناس فى السنة المذكورة أمراض حادّة، وعمّ [الوباء «١» ] الخلائق وعزّ سائر ما يحتاج إليه المرضى. ثم توقفت زيادة النيل إلى أن دخل شهر مسرى، وارتفع سعر القمح وسائر الغلال، ومنع الأمراء البيع من شونهم إلّا الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ الأستادار، فإنّه تقدّم إلى مباشريه ألّا يتركوا عنده سوى مئونة سنة واحدة، وباع ما عداه قليلا قليلا. والخطيرىّ هذا هو صاحب الجامع «٢» الذي بخطّ بولاق. انتهى. وخاف الناس أن يقع نظير غلاء كتبغا، وتشاءم الناس بسلطنة الملك المظفّر بيبرس المذكور. ثمّ إنّ الخطيب نور الدّين علىّ بن محمد بن الحسن بن علىّ القسطلانيّ «٣» خرج بالناس واستسقى، وكان يوما مشهودا، فنودى من الغد بثلاث أصابع، ثم توقّفت الزيادة مدّة، ثم زاد وانتهت زيادة النيل فيه إلى خمس عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا فى سابع عشرين توت، ثم «٤» نقص فى أيّام النسىء وجاء النّوروز ولم يوفّ النيل ستّ عشرة ذراعا ففتح خليج «٥» السدّ فى يوم الجمعة ثامن توت وهو ثامن عشرين «٦» شهر ربيع الأوّل. وذكر بعضهم أنّه لم يوفّ إلى تاسع عشر بابه، وهو يوم الخميس

стр. 2757

حادى عشر جمادى الأولى، وذلك بعد اليأس منه، وهذا القول هو الأشهر. قال: وانحطّ مع ذلك بعد الوفاء السّعر وتشاءم الناس بطلعة الملك المظفّر بيبرس. وغنّت العامّة فى المعنى: سلطاننا ركين ... ونائبنا دقين يجينا الماء من أين يجيبوا لنا الأعرج ... يجى الماء ويدحّرج «١» ومن يومئذ وقعت الوحشة بين المظفّر وبين عامّة مصر، وأخذت دولة الملك المظفّر بيبرس فى اضطراب، وذلك أنّه كثر توهّمه من الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقصد فى أيّامه كل واحد من خشداشيته أن يترقّى إلى أعلى منزلة، واتّهموا الأمير سلار بمباطنة الملك الناصر محمد وحذّروا الملك المظفّر منه، وحسّنوا له القبض على سلّار المذكور، فجبن بيبرس عن ذلك. ثم ما زالوا حتّى بعث الأمير مغلطاى إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون بالكرك ليأخذ منه الخيل والمماليك التى عنده، وتغلّظ فى القول، فغضب الملك الناصر من ذلك غضبا شديدا وقال له: أنا خلّيت «٢» ، ملك مصر والشام لبيبرس، ما يكفيه حتّى ضاقت عينه على فرس عندى ومملوك لى ويكرّر الطلب! ارجع إليه وقل له: والله لئن لم يتركنى، وإلّا دخلت بلاد التّتار وأعلمهم أنّى تركت ملك أبى وأخى وملكى لمملوكى، وهو يتابعنى ويطلب منّى ما أخذته، فجافاه مغلطاى وخشّن له فى القول بحيث اشتدّ غضب الملك الناصر، وصاح به: ويلك وصلت إلى هنا! وأمر أن يجرّ ويرمى من سور القلعة، فثار به المماليك، يسبّونه ويلعنونه وأخرجوه إلى السّور، فلم يزل به أرغون الدّوادار والأمير طغاى

стр. 2758

إلى أن عفا عنه وحبسه ثمّ أخرجه ماشيا، وعظم ذلك على الملك الناصر وكتب ملطّفات إلى نوّاب البلاد الشامية بحلب وحماة وطرابلس وصفد، ثمّ إلى مصر ممّن يثق به، وذكر ما كان به من ضيق اليد وقلّة الحرمة، وأنّه لأجل هذا ترك ملك مصر وقنع بالإقامة بالكرك، وأنّ السلطان الملك المظفّر فى كلّ وقت يرسل يطالبه بالمماليك والخيل التى عنده. ثم ذكر لهم فى ضمن الكتاب: أنتم مماليك أبى وربيّتمونى فإمّا أن تردّوه عنى وإلّا سرت إلى بلاد التّتار، وتلطّف فى مخاطبتهم غاية التلطّف؛ وسيّر لهم بالكتب على يد العربان فأوصلوها إلى أربابها. وكان قد أرسل الملك المظفّر قبل ذلك يطلب منه المال الذي كان بالكرك والخيل والمماليك التى عنده. حسب ما يأتى ذكره فى ترجمة الملك الناصر محمد. فبعث إليه الملك الناصر بالمبلغ الذي أخذه من الكرك فلم يقنع المظفّر بذلك وأرسل ثانيا، وكان الملك الناصر لمّا أقام بالكرك صار يخطب بها للملك المظفّر بيبرس بحضرة الملك الناصر والملك الناصر يتأدّب معه، ويسكت بحضرة مماليكه وحواشيه. وصار الملك الناصر إذا كاتب الملك المظفّر يكتب إليه: «الملكىّ المظفّرىّ» وقصد بذلك سكون الأحوال وإخماد الفتن، والمظفّر يلحّ عليه لأمر يريده الله تعالى حتى كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وأما النّوّاب بالبلاد الشاميّة فإنّ قرا سنقر نائب حلب كتب إلى الملك الناصر الجواب: بأنّى مملوك السلطان فى كلّ ما يرسم به، وسأل أن يبعث إليه بعض المماليك السلطانية، وكذلك نائب حماة ونائب طرابلس وغيرهما ما خلا بكتمر الجوكندار، فإنّه طرد قاصد الملك الناصر ولم يجتمع به. ثم أرسل الملك الناصر مملوكه أيتمش المحمّديّ إلى الشام وكتب معه ملطّفات إلى الأمير قطلوبك المنصورىّ وبكتمر الحسامىّ الحاجب بدمشق ولغيرهما، ووصل أيتمش إلى دمشق خفية

стр. 2759

ونزل عند بعض مماليك قطلوبك المذكور، ودفع إليه الملطّف؛ فلمّا أوصله إلى قطلوبك أنكر عليه وأمره بالاحتفاظ على أيتمش المذكور ليوصّله إلى الأفرم نائب الشام ويتقرّب إليه بذلك؛ فبلغ أيتمش الخبر فترك راحلته التى قدم عليها ومضى إلى دار الأمير بهادر آص فى اللّيل، فاستأذن عليه فأذن له فدخل إليه أيتمش وعرّفه ما كان من قطلوبك فى حقّه، فطيّب بهادر آص خاطره وأنزله عنده وأركبه من الغد معه إلى الموكب، وقد سبق قطلوبك إلى الأفرم نائب الشام وعرّفه قدوم مملوك الملك الناصر اليه وهروبه من عنده ليلا، فقلق الأفرم من ذلك وألزم والى المدينة بتحصيل المملوك المذكور، فقال بهادر آص: هذا المملوك عندى وأشار إليه، فنزل عن فرسه وسلّم على الأفرم وسار معه فى الموكب إلى دار السعادة، وقال له بحضرة الأمراء: السلطان الملك الناصر يسلّم عليك ويقول: ما منكم أحد إلّا وأكل خبز الملك الشهيد قلاوون، وما منكم إلا من إلعامه عليه، وأنتم تربية الشهيد والده، وأنه قاصد الدخول إلى دمشق والإقامة بها، فإن كان فيكم من يقاتله ويمنعه العبور فعرّفوه، فلم يتمّ هذا القول حتى صاح الكوكندى «١» الزرّاق أحد أكابر أمراء دمشق وا ابن أستاذاه! وبكى، فغضب الأفرم نائب الشام عليه وأخرجه، ثم قال الأفرم: لأيتمش قل له (يعنى الملك الناصر) : كيف يجيء إلى الشام أو إلى غير الشام! كأنّ الشام ومصر الآن تحت حكمك. أنا لمّا أرسل إلىّ السلطان الملك المظفر أن أحلف له ما حلفت حتى سيّرت أقول له: كيف يكون ذلك وابن أستاذنا باق! فأرسل يقول: أنا ما تقدّمت عليه حتى خلع ابن أستاذنا نفسه، وكتب خطّه وأشهد عليه بنزوله عن الملك فعند ذلك حلفت له، ثم فى هذا الوقت تقول: من يردّنى عن الشام! ثم أمر به الأفرم فسلّم إلى أستاداره. فلمّا كان اللّيل استدعاه ودفع له

стр. 2760

خمسين دينارا وقال قل له: لا تذكر الخروج من الكرك، وانا أكتب إلى المظفّر وأرجعه عن الطلب «١» ، ثم أطلقه فعاد أيتمش إلى الكرك وأعلم الملك الناصر بما وقع. فأعاده الملك الناصر على البريد «٢» ومعه أركتمر وعثمان الهجّان ليجتمع بالأمير قرا سنقر نائب حلب ويواعده على المسير إلى دمشق، ثم خرج الملك الناصر من الكرك وسار إلى بركة زيزاء «٣» فنزل بها. وأمّا الملك المظفّر بيبرس صاحب الترجمة فإنّه لمّا بلغه أنّ الملك الناصر حبس قاصده مغلطاى المقدّم ذكره قلق من ذلك واستدعى الأمير سلّار وعرّفه ذلك، وكانت البرجيّة قد أغروا المظفّر بيبرس بسلّار واتّهموه أنّه باطن الملك الناصر وحسّنوا له القبض عليه، حسب ما ذكرناه، فجبن الملك المظفّر من القبض عليه. وبلغ ذلك سلّار فخاف من البرجيّة لكثرتهم وقوّتهم وأخذ فى مداراتهم؛ وكان أشدّهم عليه الأمير بيكور «٤» وقد شرق إقطاعه، فبعث إليه سلّار بستة آلاف إردب غلّة وألف دينار فكفّ عنه، ثم هادى خواصّ المظفّر وأنعم عليهم. فلمّا حضر سلّار عند المظفّر وتكلّما فيما هم فيه فاقتضى الرأى إرسال قاصد إلى الملك الناصر بتهديده ليفرج عن مغلطاى. وبينما هم فى ذلك قدم البريد من دمشق بأنّ الملك الناصر سار من الكرك إلى البرج «٥» الأبيض ولم يعرف أحد مقصده، فكتب الجواب فى الحال بحفظ

стр. 2761

الطّرقات عليه. واشتهر بالديار المصريّة حركة الملك الناصر محمد وخروجه من الكرك فماجت الناس؛ وتحرّك الأمير نوغاى القبجاقىّ، وكان شجاعا مقداما حادّ المزاج قوىّ النفس، وكان من ألزام الأمير سلّار النائب، وتواعد مع جماعة من المماليك السلطانية أن يهجم بهم على السلطان الملك المظفّر إذا ركب ويقتله. فلمّا ركب المظفّر ونزل إلى بركة الجبّ استجمع نوغاى بمن وافقه يريدون الفتك بالمظفّر فى عوده من البركة، وتقرّب نوغاى من السلطان قليلا قليلا وقد تغيّر وجهه وظهر فيه أمارات الشرّ، ففطن به خواصّ المظفر وتحلّقوا حول المظفّر، فلم يجد نوغاى سبيلا إلى ما عزم عليه، وعاد الملك المظفّر إلى القلعة فعرّفه ألزامه ما فهموه من نوغاى وحسّنوا له القبض عليه وتقريره على من معه، فاستدعى السلطان الأمير سلّار وعرّفه الخبر، وكان نوغاى قد باطن سلّار بذلك، فحذّر سلّار الملك المظفّر وخوّفه عاقبة القبض على نوغاى وأنّ فيه فساد قلوب جميع الأمراء، وليس الرأى إلّا الإغضاء فقط. وقام سلار عنه فأخذ البرجيّة بالإغراء بسلّار وأنّه باطن نوغاى، ومتى لم يقبض عليه فسد الحال. وبلغ نوغاى الحديث فواعد أصحابه على اللحاق بالملك الناصر، وخرج هو والأمير مغلطاى القازانى وتقطاى الساقى ونحو ستين مملوكا وقت المغرب عند «١» غلق باب القلعة فى ليلة الخميس خامس عشر جمادى الآخرة من سنة تسع وسبعمائة المذكورة. وقيل فى أمر نوغاى وهروبه وجه آخر: قال الأمير بيبرس الدّوادار فى تاريخه: تسحّب من الديار المصريّة إلى الكرك المحروس سيف الدين نوغاى القفجاقىّ أحد المماليك السلطانيّة وسيف الدين تقطاى الساقى وعلاء الدين مغلطاى القازانىّ، وتوجّه معهم من المماليك السلطانية بالقلعة

стр. 2762

مائة وستة وثلاثون نفرا، وخرجوا طلبا واحدا بخيلهم وهجنهم وغلمانهم وتركوا بيوتهم وأولادهم. انتهى. وقال غيره «١» : لمّا ولى الملك المظفر بيبرس السلطنة بقى سلّار هو الملك الظاهر بين الناس والملك المظفّر بيبرس من وراء حجاب، فلمّا كان فى بعض الأيام دخل على الملك المظفّر أميران: أحدهما يسمّى نوغاى والآخر مغلطاى فباسا الأرض بين يديه وشكوا له ضعف أخبازهما، فقال لهما المظفّر: اشكوا إلى سلّار فهو أعلم بحالكما منى، فقالا: خلّد الله ملك مولانا السلطان، أهو مالك البلاد أم مولانا السلطان! فقال: اذهبا إلى سلّار، ولم يزدهما على ذلك، فخرجا من عنده وجاءا إلى سلّار وأعلماه بقول الملك المظفّر، فقال سلّار: والله يا أصحابى أبعدكما بهذا الكلام، وأنتما تعلمان أنّ النائب ما له كلام مثل السلطان. وكان نوغاى شجاعا وعنده قوّة بأس، فأقسم بالله لئن لم يغيّروا خبزه ليقيمنّ شرّا تهرق فيه الدماء، ثم خرجا من عند سلّار. وفى الحال ركب سلّار وطلع إلى عند الملك المظفّر وحدّثه بما جرى من أمر نوغاى ومغلطاى، وقال: هذا نوغاى يصدق فيما يقول، لأنّه قادر على إثارة الفتنة، فالمصلحة قبضه وحبسه فى الحبس، فاتّفقوا على قبضه. وكان فى ذلك الوقت أمير يقال له أنس «٢» فسمع الحديث، فلمّا خرج أعلم نوغاى بذلك، فلمّا سمع نوغاى الكلام طلب مغلطاى وجماعة من مماليك الملك الناصر، وقال لهم: يا جماعة، هذا الرجل قد عوّل على قبضنا، وأمّا أنا فلا أسلّم نفسى إلّا بعد حرب تضرب فيه الرّقاب، فقالوا له: على ماذا عوّلت؟ فقال: عوّلت على أنّى أسير إلى الكرك إلى الملك الناصر أستاذنا، فقالوا له: ونحن معك فحلف كلّ منهم على ذلك، فقال نوغاى، وكان بيته خارج

стр. 2763

باب النصر: كونوا عندى وقت الفجر الأوّل راكبين وأنتم لابسون وتفرّقا، فجهّز نوغاى حاله فى تلك الليلة وركب بعد الثّلث الأخير مع مماليكه وحاشيته، ثم جاءه مغلطاى القازانى بمماليكه ومعه جماعة من مماليك السلطان الملك الناصر والكلّ ملبسون [على «١» ظهر الخيل] . ثم إنّ نوغاى حرّك الطبلخاناه «٢» حربيّا وشقّ من الحسينيّة «٣» فماجت الناس وركبوا من الحسينية وأعلموا الأمير سلّار، فركب سلار وطلع إلى القلعة وأعلم السلطان بذلك. قال ابن كثير: وكان ذلك بمباطنة سلّار مع نوغاى. فلمّا بلغ المظّفر ذلك قال على إيش توجّها! فقال سلّار: على نباح الجراء فى بطون الكلاب «٤» ، والله ما ينظر فى عواقب الأمور ولا يخاف آثار المقدور؛ فقال المظفر: إيش المصلحة؟ فاتفقوا على تجريد عسكر خلف المتسحّبين فجرّد فى أثرهم جماعة من الأمراء صحبة الأمير علاء الدين مغلطاى المسعودىّ «٥» ، والأمير سيف الدين قلّى فى جماعة من المماليك، فساروا سيرا خفيفا قصدا فى عدم إدراكهم وحفظا لسلطانهم وابن سلطانهم الملك الناصر محمد ابن قلاوون فلم يدركوهم، وأقاموا على غزّة أياما وعادوا إلى القاهرة. وقال صاحب نزهة الألباب «٦» : وجرّد السلطان الملك المظفّر وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة الأمير أخى سلّار، وقال له المظفّر: لا ترجع إلّا بهم ولو غاصوا

стр. 2764

فى البحر! وكان فيهم الأمير شمس الدين دباكوز «١» وسيف الدين بجاس وجنكلى «٢» ابن البابا وكهرداش وأيبك البغدادىّ وبلاط وصاروجا «٣» والقرمانى وأمير آخر، وهؤلاء الأمراء هم خيار عسكر مصر فساروا. وكان نوغيه قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له: إن لم تحضر لى فى هذه الساعة خمسة آلاف دينار من مال السلطان وإلّا سلخت جلدك من كعبك [إلى أذنك «٤» ] ، ففى الساعة أحضر الذهب، وكان نوغيه قد أرصد أناسا يكشفون له الأخبار، فجاءوا له وذكروا أنّ عسكرا عظيما قد وصل من القاهرة وهم سائقون؛ فلمّا سمع نوغيه ذلك ركب هو وأصحابه وقالوا لوالى بلبيس قل للامراء الجائين خلفى أنا رائح على مهل حتى تلحقونى، وأنا أقسم بالله العظيم لئن وقعت عينى عليهم لأجعلنّ عليهم يوما يذكر إلى يوم القيامة! ولم يبعد نوغيه حتى وصل أخو سلّار وهو الأمير سمك ومعه العساكر، فلاقاهم والى بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نوغيه وقال لهم: ما ركب إلا من ساعة، فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين الخطّارة «٥»

стр. 2765

والسعيدية «١» ، فإذا بنوغاى واقف وقد صفّ رجاله ميمنة وميسرة وهو واقف فى القلب قدّام الكلّ، فلما رآهم سمك أرسل إليه فارسا من كبار الحلقة، وسار إليه الفارس واجتمع بنوغيه وقال له: أرسلنى سمك إليك وهو يقول: السلطان الملك المظفّر يسلّم عليك ويقول لك: سبحان الله! أنت كنت أكبر أصحابه، فما الذي غيّرك عليه؟ فإن كان لأجل الخبز فما يأكل الخبز أحد أحقّ منك، فإن عدت إليه فكلّ ما تشتهى يفعله لك. فلمّا سمع نوغيه هذا الكلام ضحك وقال: إيش هذا الكلام الكذب! لمّا أمس سألته أن يصلح خبزى بقرية واحدة ما أعطانى، وأنا تحت أمره، فكيف يسمح لى اليوم بما أشتهى وأنا صرت عدوّه! فخلّ عنك هذا الهذيان، ومالكم عندى إلا السيف، فرجع الرسول وأعلم سمك بمقالته، ثم إنّ نوغيه دكس «٢» فرسه وتقدّم إلى سمك وأصحابه وقال له: إن هؤلاء الذين معى أنا الذي أخرجتهم من بيوتهم وأنا المطلوب، فمن كان يريدنى يبرز لى وهذا الميدان! فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قال: يا أمراء، ما أنا عاص على أحد، وما خرجت من بيتى إلا غبنا، وأنتم أغبن منى، ولكن ما تظهرون ذلك، وهأنتم سمعتم منى الكلام فمن أراد الخروج إلىّ فليخرج وإلا احملوا علىّ بأجمعكم، وكان آخر النهار، فلم يخرج اليه أحد فرجع إلى أصحابه ونزل سمك فى ذلك المكان. فلما أمسى الليل

стр. 2766

رحل نوغيه بأصحابه وسار مجدّا ليله ونهاره حتى وصل قطيا «١» ، فوجد واليها قد جمع العربان لقتاله، لأنّ البطاقة وردت عليه من مصر بذلك، والعربان الذين جمعهم الوالى نحو ثلاثة آلاف فارس؛ فلما رآهم نوغاى قال لأصحابه: احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطّمع فيكم (يعنى لقلّتهم) وتأتى الخيل التى وراءكم، فحملوا عليهم وكان مقدّم العرب نوفل [بن «٢» حابس] البياضى، وفيهم نحو الخمسمائة نفر بلبوس، فحملت الأتراك أصحاب نوغاى عليهم وتقاتلا قتالا عظيما حتى ولّت العرب، وانتصر نوغيه عليهم هو وأصحابه، وولّت العرب الأدبار طالبين البرّيّة، ولحق نوغيه والى قطيا فطعنه وألقاه عن فرسه وأخذه أسيرا. ثم رجعت الترك من خلف العرب وقد كسبوا منهم شيئا كثيرا. وأمّا سمك فإنه لم يزل يتبعهم بعساكر مصر منزلة بعد منزلة حتى وصلوا إلى قطيا فوجدوها خرابا، وسمعوا ما جرى من نوغيه على العرب، فقال الأمراء: الرأى أننا نسير إلى غزّة ونشاور نائب غزّة فى عمل المصلحة، فساروا إلى غزّة فلاقاهم نائب غزّة وأنزلهم على ظاهر غزّة وخدمهم، فقال له سمك: نحن ما جئنا إلّا لأجل نوغاى، وأنّه من العريش «٣» سار يطلب الكرك، فما رأيك؟ نسير إلى الكرك أو نرجع إلى مصر؟ فقال لهم نائب غزة: رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة، وأنتم من حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم فى الطريق فما قدرتم عليهم، وقد وصلوا إلى الكرك وانضمّوا إلى الملك الناصر، والرأى «٤» عندى أنكم ترجعون إلى مصر وتقولون للسلطان ما وقع وتعتذرون له، فرجعوا وأخبروا الملك المظفّر بالحال فكاد يموت غيظا، وكتب

стр. 2767

من وقته كتابا للملك الناصر فيه: إنّ ساعة وقوفك على هذا الكتاب وقبل وضعه من يدك ترسل لنا نوغاى ومغلطاى ومماليكهما، وتبعث المماليك الذين عندك ولا تخلّ منهم عندك سوى خمسين مملوكا، فإنك اشتريت الكلّ من بيت المال، وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك وأنفك راغم! وسيّر الكتاب مع بدوىّ «١» إلى الملك الناصر. وأمّا نوغاى فإنه لما وصل إلى الكرك وجد الملك الناصر فى الصيد، فقال نوغيه لمغلطاى: انزل أنت ها هنا وأسير أنا للسلطان، وركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك وسار إلى ناحية عقبة أيلة «٢» ، وإذا بالسلطان نازل فى موضع وعنده خلق كثير من العرب والترك، فلما رأوا نوغيه وقد أقبل من صدر البرّيّة، أرسلوا إليه خيلا فكشفوا خبره، فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان فرجعوا وأعلموا السلطان أنه نوغاى، فقال السلطان: الله أكبر! ما جاء هذا إلّا عن أمر عظيم، فلّما حضر نزل وباس الأرض بين يدى الملك الناصر ودعا له، فقال له الملك الناصر: أراك ما جئت لى فى مثل هذا الوقت إلى هذا المكان إلا لأمر؟ فحدثنى حقيقة أمرك، فأنشأ نوغيه يقول: أنت المليك وهذه أعناقنا ... خضعت لعزّ علاك يا سلطانى أنت المرجّى يا مليك فمن لنا ... أسد سواك وما لك البلدان فى أبيات أخر، ثم حكى له ما وقع له منذ خرج الملك الناصر من مصر إلى يوم تاريخه، فركب الملك الناصر وركب معه نوغيه وعادا إلى الكرك، وخلع عليه وعلى رفقته وأنزلهم عنده ووعدهم بكلّ خير.

стр. 2768

ثم إنّ الملك الناصر جمع أمراءه ومماليكه وشاورهم فى أمره، فقال نوغيه: من ذا الذي يعاندك أو يقف قدّامك والجميع مماليكك! والذي خلق الخلق إذا كنت أنت معى وحدى ألتقى بك كلّ من خرج من مصر والشام! فقال السلطان: صدقت فيما قلت، ولكن من لم ينظر فى العواقب، ما الدهر له بصاحب. انتهى. وقال ابن كثير فى تاريخه: وصل المتوجّهون إلى الكرك إلى الملك الناصر فى الحادى والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة فقبلهم الناصر أحسن قبول، وكان حين وصلوا إلى قطيا أخذوا ما بها من المال، ووجدوا أيضا فى طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان «١» نائب البيرة «٢» فأخذوها بكمالها وأحضروا الجميع بين يدى الملك الناصر محمد، ولمّا وصلت إليه الأمراء المذكورون أمر الملك الناصر بالخطبة لنفسه، ثم كاتب النوّاب فاجتمعوا وأجابوه بالسمع والطاعة. ولما عاد الأمراء من غزّة إلى مصر اشتدّ خوف السلطان الملك المظفّر وكثر خياله من أكثر عسكر مصر، فقبض على جماعة تزيد على ثلثمائة مملوك، وأخرج أخبازهم وأخباز المتوجّهين مع نوغيه إلى الكرك لمماليكه، وتحلّقوا عليه البرجيّة وشوّشوا فكره بكثرة تخيّله بمخامرة العسكر المصرىّ عليه، وما زالوا به حتّى أخرج الأمير بينجار والأمير صارم الدين الجرمكىّ فى عدّة من الأمراء مجرّدين، وأخرج الأمير آقوش الرومىّ بجماعته إلى طريق السّويس ليمنع من عساه يتوّجّه من الأمراء والمماليك إلى الملك الناصر. ثم قبض الملك المظفّر على أحد عشر مملوكا وقصد أن يقبض على آخرين فاستوحش الأمير بطرا «٣» فهرب، فأدركه الأمير جركتمر بن بهادر رأس نوبة فأحضره فحبس؛ وعند إحضاره

стр. 2769

طلع الأمير ألديكز السّلاح دار بملطّف من عند الملك الناصر محمد، وهو جواب الكتاب الذي كان أرسله الملك المظفر للملك الناصر يطلب نوغيه وأصحابه. وقد ذكرنا معناه وما أغلظ فيه وأفحش فى الخطاب للملك الناصر، وكان فى وقت وصول كتاب المظفّر حضر إلى الملك الناصر الأمير أسندمر نائب طرابلس كأنّهما كان على ميعاد، فأخذ الناصر الكتاب وأسندمر إلى جانبه، وعليه لبس العربان، وقد ضرب اللّثام فقرأ الناصر الكتاب، ثم ناوله إلى أسندمر فقرأه وفهم معناه، ثم أمر الملك الناصر الناس بالانصراف وبقى هو وأسندمر، وقال لأسندمر: ما يكون الجواب؟ فقال له أسندمر: المصلحة أن تخادعه فى الكلام وتترقّق له فى الخطاب حتى نجهّز أمرنا ونستظهر، فقال له السلطان: اكتب له الجواب مثل ما تختاره، فكتب أسندمر: «المملوك محمد بن قلاوون يقبّل اليد العالية المولوية السلطانيّة المظفّريّة أسبغ الله ظلّها، ورفع قدرها ومحلّها، وينهى بعد رفع دعائه، وخالص عبوديته وولائه أنه وصل إلىّ المملوك نوغيه ومغلطاى وجماعة من المماليك، فلمّا علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة ولم يمكّن أحدا منهم يعبر إليه، وسيّرت إليهم ألومهم على ما فعلوه، وقد دخلوا على المملوك بأن يبعث ويشفع فيهم، فأخذ المملوك فى تجهيز تقدمة لمولانا السلطان ويشفع فيهم، والذي يحيط به علم مولانا السلطان أنّ هؤلاء من مماليك السلطان، خلّد الله ملكه، وأنّ الذي قيل فيهم غير صحيح، وإنما هربوا خوفا على أنفسهم، وقد استجاروا بالمملوك، والمملوك يستجير بظلّ الدولة المظفّريّة، والمأمول «١» ألّا يخيّب سؤاله ولا يكسر قلبه، ولا يردّه فيما قصده «٢» . وفى هذه الأيام يجهّز المملوك

стр. 2770

تقدمة مع المماليك الذين طلبهم مولانا السلطان، وأنا ما لى حاجة بالمماليك فى هذا المكان، وإن رسم مولانا ما لك الرّقّ أن يسيّر نائبا له ينزل «١» المملوك بمصر ويلتجئ بالدولة المظفريّة ويحلق رأسه ويقعد فى تربة الملك المنصور. والمملوك قد وطّن نفسه على مثل هذا؛ وقد قال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه: «ما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النّعم والموت من الحياة» . وقال بعضهم: إيّاك وما يسخط سلطانك، ويوحش إخوانك؛ فمن أسخط سلطانه فقد تعرّض للمنيّة، ومن أوحش إخوانه فقد تبرّأ عن الحرية «٢» . والمملوك يسأل كريم العفو والصفح الجميل! والله تعالى قال فى كتابه الكريم وهو أصدق القائلين: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. والمملوك ينتظر الأمان والجواب. أنهى المملوك ذلك» . فلمّا قرأ الملك المظفّر الكتاب خفّ ما كان عنده، وكان سلّار حاضرا فقال له سلّار: ما قلت لك إنّ الملك الناصر ما بقيت له قدرة على المعاندة! وقد أصبح ملك الشام ومصر طوع يدك، ولكن عندى رأى: وهو أن تسيّر إلى الأفرم بأن يجعل بآله من الأمراء، فإنّهم ربّما يهربون إلى بلاد التّتار فاستصوب المظفّر ذلك، وكتب إلى الأفرم فى الحال بالغرض، فلمّا وصل الكتاب إلى الأفرم اجتهد فى ذلك غاية الاجتهاد. وأخذ الملك الناصر فى تدبير أمره، وبينما المظفّر فى ذلك ورد عليه الخبر من الأفرم بخروج الملك الناصر من الكرك، فقلق المظفّر من ذلك وزاد توهّمه ونفرت قلوب جماعة من الأمراء والمماليك منه وخشوا على أنفسهم واجتمع كثير
следующие страницы →