Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
رحل نوغيه بأصحابه وسار مجدّا ليله ونهاره حتى وصل قطيا «١» ، فوجد واليها قد جمع العربان لقتاله، لأنّ البطاقة وردت عليه من مصر بذلك، والعربان الذين جمعهم الوالى نحو ثلاثة آلاف فارس؛ فلما رآهم نوغاى قال لأصحابه: احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطّمع فيكم (يعنى لقلّتهم) وتأتى الخيل التى وراءكم، فحملوا عليهم وكان مقدّم العرب نوفل [بن «٢» حابس] البياضى، وفيهم نحو الخمسمائة نفر بلبوس، فحملت الأتراك أصحاب نوغاى عليهم وتقاتلا قتالا عظيما حتى ولّت العرب، وانتصر نوغيه عليهم هو وأصحابه، وولّت العرب الأدبار طالبين البرّيّة، ولحق نوغيه والى قطيا فطعنه وألقاه عن فرسه وأخذه أسيرا. ثم رجعت الترك من خلف العرب وقد كسبوا منهم شيئا كثيرا.
وأمّا سمك فإنه لم يزل يتبعهم بعساكر مصر منزلة بعد منزلة حتى وصلوا إلى قطيا فوجدوها خرابا، وسمعوا ما جرى من نوغيه على العرب، فقال الأمراء: الرأى أننا نسير إلى غزّة ونشاور نائب غزّة فى عمل المصلحة، فساروا إلى غزّة فلاقاهم نائب غزّة وأنزلهم على ظاهر غزّة وخدمهم، فقال له سمك: نحن ما جئنا إلّا لأجل نوغاى، وأنّه من العريش «٣» سار يطلب الكرك، فما رأيك؟ نسير إلى الكرك أو نرجع إلى مصر؟
فقال لهم نائب غزة: رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة، وأنتم من حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم فى الطريق فما قدرتم عليهم، وقد وصلوا إلى الكرك وانضمّوا إلى الملك الناصر، والرأى «٤» عندى أنكم ترجعون إلى مصر وتقولون للسلطان ما وقع وتعتذرون له، فرجعوا وأخبروا الملك المظفّر بالحال فكاد يموت غيظا، وكتب
стр. 2767
من وقته كتابا للملك الناصر فيه: إنّ ساعة وقوفك على هذا الكتاب وقبل وضعه من يدك ترسل لنا نوغاى ومغلطاى ومماليكهما، وتبعث المماليك الذين عندك ولا تخلّ منهم عندك سوى خمسين مملوكا، فإنك اشتريت الكلّ من بيت المال، وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك وأنفك راغم! وسيّر الكتاب مع بدوىّ «١» إلى الملك الناصر.
وأمّا نوغاى فإنه لما وصل إلى الكرك وجد الملك الناصر فى الصيد، فقال نوغيه لمغلطاى: انزل أنت ها هنا وأسير أنا للسلطان، وركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك وسار إلى ناحية عقبة أيلة «٢» ، وإذا بالسلطان نازل فى موضع وعنده خلق كثير من العرب والترك، فلما رأوا نوغيه وقد أقبل من صدر البرّيّة، أرسلوا إليه خيلا فكشفوا خبره، فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان فرجعوا وأعلموا السلطان أنه نوغاى، فقال السلطان: الله أكبر! ما جاء هذا إلّا عن أمر عظيم، فلّما حضر نزل وباس الأرض بين يدى الملك الناصر ودعا له، فقال له الملك الناصر: أراك ما جئت لى فى مثل هذا الوقت إلى هذا المكان إلا لأمر؟ فحدثنى حقيقة أمرك، فأنشأ نوغيه يقول:
أنت المليك وهذه أعناقنا ... خضعت لعزّ علاك يا سلطانى
أنت المرجّى يا مليك فمن لنا ... أسد سواك وما لك البلدان
فى أبيات أخر، ثم حكى له ما وقع له منذ خرج الملك الناصر من مصر إلى يوم تاريخه، فركب الملك الناصر وركب معه نوغيه وعادا إلى الكرك، وخلع عليه وعلى رفقته وأنزلهم عنده ووعدهم بكلّ خير.
стр. 2768
ثم إنّ الملك الناصر جمع أمراءه ومماليكه وشاورهم فى أمره، فقال نوغيه:
من ذا الذي يعاندك أو يقف قدّامك والجميع مماليكك! والذي خلق الخلق إذا كنت أنت معى وحدى ألتقى بك كلّ من خرج من مصر والشام! فقال السلطان:
صدقت فيما قلت، ولكن من لم ينظر فى العواقب، ما الدهر له بصاحب. انتهى.
وقال ابن كثير فى تاريخه: وصل المتوجّهون إلى الكرك إلى الملك الناصر فى الحادى والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة فقبلهم الناصر أحسن قبول، وكان حين وصلوا إلى قطيا أخذوا ما بها من المال، ووجدوا أيضا فى طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان «١» نائب البيرة «٢» فأخذوها بكمالها وأحضروا الجميع بين يدى الملك الناصر محمد، ولمّا وصلت إليه الأمراء المذكورون أمر الملك الناصر بالخطبة لنفسه، ثم كاتب النوّاب فاجتمعوا وأجابوه بالسمع والطاعة. ولما عاد الأمراء من غزّة إلى مصر اشتدّ خوف السلطان الملك المظفّر وكثر خياله من أكثر عسكر مصر، فقبض على جماعة تزيد على ثلثمائة مملوك، وأخرج أخبازهم وأخباز المتوجّهين مع نوغيه إلى الكرك لمماليكه، وتحلّقوا عليه البرجيّة وشوّشوا فكره بكثرة تخيّله بمخامرة العسكر المصرىّ عليه، وما زالوا به حتّى أخرج الأمير بينجار والأمير صارم الدين الجرمكىّ فى عدّة من الأمراء مجرّدين، وأخرج الأمير آقوش الرومىّ بجماعته إلى طريق السّويس ليمنع من عساه يتوّجّه من الأمراء والمماليك إلى الملك الناصر. ثم قبض الملك المظفّر على أحد عشر مملوكا وقصد أن يقبض على آخرين فاستوحش الأمير بطرا «٣» فهرب، فأدركه الأمير جركتمر بن بهادر رأس نوبة فأحضره فحبس؛ وعند إحضاره
стр. 2769
طلع الأمير ألديكز السّلاح دار بملطّف من عند الملك الناصر محمد، وهو جواب الكتاب الذي كان أرسله الملك المظفر للملك الناصر يطلب نوغيه وأصحابه. وقد ذكرنا معناه وما أغلظ فيه وأفحش فى الخطاب للملك الناصر، وكان فى وقت وصول كتاب المظفّر حضر إلى الملك الناصر الأمير أسندمر نائب طرابلس كأنّهما كان على ميعاد، فأخذ الناصر الكتاب وأسندمر إلى جانبه، وعليه لبس العربان، وقد ضرب اللّثام فقرأ الناصر الكتاب، ثم ناوله إلى أسندمر فقرأه وفهم معناه، ثم أمر الملك الناصر الناس بالانصراف وبقى هو وأسندمر، وقال لأسندمر: ما يكون الجواب؟
فقال له أسندمر: المصلحة أن تخادعه فى الكلام وتترقّق له فى الخطاب حتى نجهّز أمرنا ونستظهر، فقال له السلطان: اكتب له الجواب مثل ما تختاره، فكتب أسندمر:
«المملوك محمد بن قلاوون يقبّل اليد العالية المولوية السلطانيّة المظفّريّة أسبغ الله ظلّها، ورفع قدرها ومحلّها، وينهى بعد رفع دعائه، وخالص عبوديته وولائه أنه وصل إلىّ المملوك نوغيه ومغلطاى وجماعة من المماليك، فلمّا علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة ولم يمكّن أحدا منهم يعبر إليه، وسيّرت إليهم ألومهم على ما فعلوه، وقد دخلوا على المملوك بأن يبعث ويشفع فيهم، فأخذ المملوك فى تجهيز تقدمة لمولانا السلطان ويشفع فيهم، والذي يحيط به علم مولانا السلطان أنّ هؤلاء من مماليك السلطان، خلّد الله ملكه، وأنّ الذي قيل فيهم غير صحيح، وإنما هربوا خوفا على أنفسهم، وقد استجاروا بالمملوك، والمملوك يستجير بظلّ الدولة المظفّريّة، والمأمول «١» ألّا يخيّب سؤاله ولا يكسر قلبه، ولا يردّه فيما قصده «٢» . وفى هذه الأيام يجهّز المملوك
стр. 2770
تقدمة مع المماليك الذين طلبهم مولانا السلطان، وأنا ما لى حاجة بالمماليك فى هذا المكان، وإن رسم مولانا ما لك الرّقّ أن يسيّر نائبا له ينزل «١» المملوك بمصر ويلتجئ بالدولة المظفريّة ويحلق رأسه ويقعد فى تربة الملك المنصور.
والمملوك قد وطّن نفسه على مثل هذا؛ وقد قال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه: «ما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النّعم والموت من الحياة» . وقال بعضهم: إيّاك وما يسخط سلطانك، ويوحش إخوانك؛ فمن أسخط سلطانه فقد تعرّض للمنيّة، ومن أوحش إخوانه فقد تبرّأ عن الحرية «٢» .
والمملوك يسأل كريم العفو والصفح الجميل! والله تعالى قال فى كتابه الكريم وهو أصدق القائلين: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
والمملوك ينتظر الأمان والجواب. أنهى المملوك ذلك» .
فلمّا قرأ الملك المظفّر الكتاب خفّ ما كان عنده، وكان سلّار حاضرا فقال له سلّار: ما قلت لك إنّ الملك الناصر ما بقيت له قدرة على المعاندة! وقد أصبح ملك الشام ومصر طوع يدك، ولكن عندى رأى: وهو أن تسيّر إلى الأفرم بأن يجعل بآله من الأمراء، فإنّهم ربّما يهربون إلى بلاد التّتار فاستصوب المظفّر ذلك، وكتب إلى الأفرم فى الحال بالغرض، فلمّا وصل الكتاب إلى الأفرم اجتهد فى ذلك غاية الاجتهاد.
وأخذ الملك الناصر فى تدبير أمره، وبينما المظفّر فى ذلك ورد عليه الخبر من الأفرم بخروج الملك الناصر من الكرك، فقلق المظفّر من ذلك وزاد توهّمه ونفرت قلوب جماعة من الأمراء والمماليك منه وخشوا على أنفسهم واجتمع كثير
стр. 2771
من المنصوريّة والأشرفية والأويراتيّة «١» وتواعدوا على الحرب، وخرج منهم مائة وعشرون فارسا بالسلاح، وساروا على حميّة إلى الملك الناصر، فخرج فى أثرهم الأمير بينجار والصارم الجرمكىّ بمن معهم، وقاتلوا المماليك وجرح الجرمكىّ بسيف فى خدّه «٢» سقط منه إلى الأرض، ومضى المماليك إلى الكرك ولم يستجرئ أحد أن يتعرّض إليهم؛ فعظم بذلك الخطب على الملك المظفّر، واجتمع عنده البرجيّة وقالوا: هذا الفساد كلّه من الأمير سلّار، ومتى لم تقبض عليه خرج الأمر من يدك، فلم يوافق على ذلك وجبن من القبض على سلّار لشوكته ولاضطراب دولته، ثم طلب الملك المظفّر الأمير سلّار وغيره من الأمراء واستشارهم فى أمر الملك الناصر، فاتّفق الرأى على خروج تجريدة لقتال الملك الناصر.
وأمّا الملك الناصر فإنّه أرسل الأمير أيتمش المحمّدىّ الناصرىّ إلى الأمير قبجق نائب حماة، فأحال الأمير قبجق الأمر على الأمير قرا سنقر نائب حلب، فاجتمع أيتمش بقرا سنقر فأكرمه ووافق على القيام مع الملك الناصر، ودخل فى طاعته وأعلن بذلك، وهو أكبر المماليك المنصوريّة، وواعد الملك الناصر على المسير إلى دمشق فى أوّل شعبان. ثم كتب قرا سنقر إلى الأفرم نائب الشام يحثّه على طاعة الملك الناصر ويرغّبه فى ذلك ويحذّره مخالفته؛ وأشار قراسنقر على الملك الناصر أنه يكاتب الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد، والأمير كراى المنصورىّ نائب القدس. ثم عاد أيتمش إلى أستاذه الملك الناصر وأخبره بكلّ ما وقع، فسرّ الملك الناصر بذلك هو وكلّ من عنده
стр. 2772
غاية السرور، وتحقّق كلّ أحد من حواشى الملك الناصر بإتمام أمره. وكان نوغيه منذ قدم على الملك الناصر بالكرك لا يبرح يحرّضه على المسير إلى دمشق حتّى إنّه ثقل على الملك الناصر من مخاشنته فى المخاطبة بسبب توجّهه إلى دمشق، وغضب منه وقال له: ليس لى بك حاجة، ارجع حيث جئت، فترك نوغاى الخدمة وانقطع وحقد له الملك الناصر ذلك حتّى قتله بعد عوده إلى الملك بمدّة حسب ما يأتى ذكره من كثرة ما وبّخه نوغيه المذكور، وأسمعه من الكلام الخشن.
ولمّا قدم أيتمش بالأجوبة على الملك الناصر قوى عزم الملك الناصر على الحركة؛ ثم إنّ الملك الناصر أيضا أرسل مملوكه أيتمش المحمدى المذكور إلى الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد حسب ما أشار به قرا سنقر، فسار أيتمش إليه واجتمع بالأمير محمد بن بكتمر الجوكندار، فجمع محمد المذكور بين أيتمش وبين أبيه ليلا فى مقابر صفد، فعتبه أيتمش على ردّه أوّلا قاصد السلطان الملك الناصر فاعتذر له بكتمر بالخوف من بيبرس وسلّار كما كان وقع له مع الناصر أوّلا بالديار المصريّة حين اتّفقا على قبض بيبرس وسلّار ولم يتمّ لهم ذلك، وأخرج بكتمر بسبب ذلك من الديار المصريّة، وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه. انتهى. ثم قال له بكتمر: ولولا ثقتى بك ما اجتمعت عليك، فلمّا عرّفه أيتمش طاعة الأمير قراسنقر والأمير قبجق والأمير أسندمر أجاب بالسمع والطاعة، وأنّه على ميعاد النوّاب إلى المضى إلى الشام، وعاد أيتمش إلى الملك الناصر بجواب بكتمر فسرّ به غاية السرور.
وأمّا السلطان الملك المظفّر بيبرس هذا فإنّه أخذ فى تجهيز العساكر إلى قتال الملك الناصر محمد حتّى تمّ أمرهم وخرجوا من الديار المصريّة فى يوم السبت تاسع شهر رجب وعليهم خمسة أمراء من مقدّمى الألوف، وهم: الأمير برلغى الأشرفىّ، والأمير جمال الدين آقوش الأشرفى نائب الكرك كان، والأمير عزّ الدين أيبك
стр. 2773
البغدادىّ، والأمير سيف الدين طغريل الإيغانىّ، والأمير سيف الدين الدكز «١» السلاح دار، ومعهم نحو ثلاثين أميرا من أمراء الطبلخاناه بعد ما أنفق فيهم الملك المظفّر، فأعطى برلغى عشرة آلاف دينار، وأعطى لكل مقدّم ألفى دينار، ولكلّ من الطبلخاناه ألف دينار، ولكلّ واحد من مقدّمى الحلقة ألف درهم، ولكل واحد من أجناد الحلقة خمسمائة درهم، ونزلوا بمسجد التّبن «٢» خارج القاهرة ولم يتقدّموا، ثم عادوا بعد أربعة أيّام إلى القاهرة. وكان الباعث على عودهم أن كتب آقوش الأفرم نائب الشام وردت على الملك المظفّر: تتضمّن وصول الملك الناصر إلى البرج «٣» الأبيض، ثم عاد إلى الكرك فاطمأنّ الملك المظفر وأرسل إلى برلغى ومن معه من المجرّدين بالعود فعادوا بعد أربعة أيام. فلم يكن إلا أيّام وورد الخبر ثانيا بمسير الملك الناصر محمد من الكرك إلى نحو دمشق، فتجهّز العسكر المذكور فى أربعة آلاف فارس وخرجوا من القاهرة فى العشرين من شعبان إلى العبّاسة. فورد البريد من دمشق بقد أيتمش المحمّدى من قبل الملك الناصر بمشافهة إلى الأفرم ذكرها للمظفّر. ثم إنّ الأفرم بعد قدوم أيتمش بعث الأمير علاء الدين أيدغدى شقير الحسامىّ، والأمير جوبان لكشف خبر الملك الناصر، وأنهما توجّها من الشام إلى جهة الكرك، فوجدا الملك الناصر يتصيّد وأنّه عوّق أيتمش عنده، فسرّ المظفّر بذلك، وكان الأمر بخلاف ذلك، وهو أن أمرهما: أنّه لمّا سيّرهما الأفرم لكشف خبر الملك الناصر قدما على الملك الناصر، ودخلا تحت طاعته، وعرّفاه أنهما جاءا لكشف خبره وحلفا له على القيام بنصرته سرّا، وعادا إلى الأفرم بالجواب المذكور. وكان الناصر هو الذي أمرهما بهذا القول، فظنّ
стр. 2774
الأفرم أنّ أخبارهما على الصدق، فكتب به إلى المظفّر. ثم إنّ الأفرم خاف أن يطرق الملك الناصر دمشق على غفلة فجرّد إليه ثمانية أمراء من أمراء دمشق، وهم:
الأمير سيف الدين قطلوبك المنصورىّ، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبىّ الحاجب، والأمير جوبان، والأمير كجكن، والأمير علم الدين سنجر الجاولى وغيرهم ليقيموا على الطّرقات لحفظها على من يخرج من الشام وغيره إلى الملك الناصر. وكتب إلى الملك المظفّر يستحثّه على إخراج عساكر مصر لتجتمع عنده مع عساكر دمشق على قتال الملك الناصر، وأنّه قد جدّد اليمين للمظفّر وحلّف أمراء دمشق ألّا يخونوه ولا ينصروا الملك الناصر. فلمّا قرأ المظفّر كتاب الأفرم اضطرب وزاد قلقه.
ثم ورد عليه كتاب الأمير برلغى من العبّاسة بأنّ مماليك الأمير آقوش الرومىّ تجمّعوا عليه وقتلوه وساروا ومعهم خزائنه إلى الملك الناصر، وأنّه لحق بهم بعض أمراء الطبلخاناه فى جماعة من مماليك الأمراء وقد فسد الحال، والرأى أن يخرج السلطان بنفسه.
فلمّا سمع الملك المظفّر ذلك أخرج تجريدة أخرى فيها عدّة أمراء أكابر، وهم:
الأمير بجاس «١» وبكتوت وكثير من البرجيّة، ثم بعث إلى برلغى بألفى دينار ووعده بأنه عازم على التوجّه إليه بنفسه.
فلمّا ورد كتاب الملك المظفر بذلك وبقدوم التجريدة إليه عزم على الرحيل إلى جهة الكرك، فلمّا كان الليل رحل كثير ممّن كان معه يريدون الملك الناصر، فثنى عزمه عن الرحيل ثانيا، وكتب إلى المظفّر يقول: بأنّ نصف العسكر سار إلى الملك الناصر وخرج عن طاعة الملك المظفّر، ثم حرّض الملك المظفّر على الخروج
стр. 2775
بنفسه. وقبل أن يطلع الفجر من اليوم المذكور وصل إلى القاهرة الأمير بهادر جك «١» بكتاب الأمير برلغى المذكور وطلع إلى السلطان، فلمّا قضى الملك المظفّر صلاة الصبح تقدّم إليه بهادرجك وعرّفه بوصول أكثر العسكر إلى الملك الناصر وناوله الكتاب، فلمّا قرأه بيبرس تبسّم وقال: سلّم على الأمير برلغى، وقل له لا تخش من شىء، فإنّ الخليفة أمير المؤمنين قد عقد لنا بيعة ثانية وجدّد لنا عهدا، وقد قرئ على المنابر، وجدّدنا اليمين على الأمراء، وما بقى أحد يجسر أن يخالف ما كتب به أمير المؤمنين! ثم دفع إليه العهد الخليفتى وقال: امض به إليه حتى يقرأه على الأمراء والجند ثم يرسله إلىّ، فإذا فرغ من قراءته يرحل بالعساكر إلى الشام وجهّز له بألفى دينار أخرى، وكتب جوابه بنظير المشافهة، فعاد بهادر جك إلى برلغى.
فلمّا قرأ عليه الكتاب وانتهى إلى قوله: وأنّ أمير المؤمنين ولّانى تولية جديدة وكتب لى عهدا وجدد لى بيعة ثانية، وفتح العهد فإذا أوّله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
فقال برلغى: ولسليمان الريح! ثم التفت إلى بهادر جك وقال له، قل له: يا بارد الذقن، والله ما بقى أحد يلتفت إلى الخليفة، ثم قام وهو مغضب. وكان سبب تجديد العهد للملك المظفّر هذا أنّ الأفرم نائب الشام لمّا ورد كتابه على المظفّر أنه حلّف الأمراء بدمشق ثانيا، وبعث بالشيخ صدر الدين محمد ابن عمر [بن مكّى بن عبد الصمد الشهير «٢» بابن] المرحّل إلى الملك المظفّر فى الرسليّة، صار صدر الدين يجتمع به هو وابن عدلان «٣» وصار الملك المظفّر يشغل وقته بهما، فأشارا عليه بتجديد العهد والبيعة وتحليف الأمراء، وأنّ ذلك يثبّت به قواعد ملكه
стр. 2776
ففعل الملك المظفّر ذلك، وحلف الأمراء بحضور الخليفة، وكتب له عهدا جديدا عن الخليفة أبى الربيع سليمان العباسىّ. ونسخة العهد:
«إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله وخليفة رسول الله ﷺ أبى الربيع سليمان بن أحمد العبّاسىّ لأمراء المسلمين وجيوشها، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
وإنّى رضيت لكم بعبد الله تعالى الملك المظفّر ركن الدين نائبا عنى لملك الديار المصرية والبلاد الشاميّة، وأقمته مقام نفسى لدينه وكفاءته وأهليّته ورضيته للمؤمنين، وعزلت من كان قبله بعد علمى بنزوله عن الملك، ورأيت ذلك متعيّنا علىّ، وحكمت بذلك الحكّام الأربعة؛ واعلموا، رحمكم الله، أنّ الملك عقيم ليس بالوراثة لأحد خالف عن سالف ولا كابر عن كابر؛ وقد استخرت الله تعالى وولّيت عليكم الملك المظفّر، فمن أطاعه فقد أطاعنى، ومن عصاه فقد عصانى، ومن عصانى فقد عصى أبا القاسم ابن عمّى ﷺ . وبلغنى أنّ الملك الناصر ابن السلطان الملك المنصور شقّ العصاة على المسلمين وفرّق كلمتهم وشئت شملهم وأطمع عدوّهم فيهم، وعرّض البلاد الشاميّة والمصريّة إلى سبى الحريم والأولاد وسفك الدماء، فتلك دماء قد صانها الله تعالى من ذلك. وأنا خارج إليه ومحاربه إن استمرّ على ذلك، وأدافع عن حريم المسلمين وأنفسهم وأولادهم لهذا الأمر العظيم، وأقاتله حتّى يفىء إلى أمر الله تعالى، وقد أوجبت عليكم يا معاشر المسلمين كافّة الخروج تحت لوائى اللّواء الشريف، فقد أجمعت الحكّام على وجوب دفعه وقتاله إن استمرّ على ذلك، وأنا مستصحب معى الملك المظفّر فجهّزوا أرواحكم والسلام» .
стр. 2777
وقرئ هذا العهد على منابر الجوامع بالقاهرة، فلمّا «١» بلغ القارئ إلى ذكر الملك الناصر صاحت العوامّ: نصره الله نصره الله! وكررت ذلك. وقرأ، فلمّا وصل إلى ذكر الملك المظفّر صاحوا: لا، ما نريده! ووقع فى القاهرة ضجّة وحركة بسبب ذلك.
انتهى.
ثم قدم على الملك المظفّر من الشام على البريد الأمير بهادر آص يحثّ الملك المظفر على الخروج إلى الشام بنفسه، فإن النوّاب قد مالوا كلّهم إلى الملك الناصر، فأجاب أن لا يخرج، واحتجّ بكراهيته للفتنة «٢» وسفك الدماء، وأنّ الخليفة قد كتب بولايته وعزل الملك الناصر فإن قبلوا وإلّا ترك الملك. ثم قدم أيضا الأمير بلاط بكتاب الأمير برلغى، وفيه أن جميع من خرج معه من أمراء الطبلخاناه لحقوا بالملك الناصر وتبعهم خلق كثير، ولم يتأخر غير برلغى وآقوش نائب الكرك وأيبك البغدادىّ، وألدكز والفتّاح، وذلك لأنّهم خواصّ الملك المظفّر.
وأمّا الملك الناصر فإنّه سار من الكرك بمن معه فى أوّل شعبان يريد دمشق بعد أمور وقعت له؛ نذكرها فى أوائل ترجمته الثالثة. فلمّا سار دخل فى طاعته الأمير قطلوبك المنصورىّ والحاج بهادر وبكتمر الحسامىّ حاجب حجّاب دمشق وعلم الدين سنجر الجاولى. وصار الملك الناصر يتأنّى فى مسيره من غير سرعة حتّى يتبيّن ما عند أمراء دمشق الذين أخرجهم الأفرم لحفظ الطرقات قبل ذلك، فكتبوا أمراء دمشق المذكورون إلى الأفرم أنّه لا سبيل لهم إلى محاربة الملك الناصر، وأرادوا بذلك إمّا أن يخرج بنفسه فيقبضوه أو يسير عن دمشق إلى جهة أخرى فيأتيهم بقيّة الجيش وكان كذلك. فإنّه لما قدم كتابهم عليه بدمشق شارع بين الناس مجىء الملك
стр. 2778
الناصر من الكرك فثارت العوامّ وصاحوا. نصر الله الملك الناصر! وتسلّل عسكره من دمشق طائفة بعد طائفة إلى الملك الناصر، وانفرط الأمر من الأفرم واتّفق الأمير بيبرس العلائى «١» والأمير بيبرس «٢» المجنون بمن معهما على الوثوب على الأفرم والقبض عليه، فلم يثبت عند ما بلغه ذلك، واستدعى علاء الدين [علىّ «٣» ] بن صبيح، وكان من خواصّه وخرج ليلا وتوجّه إلى جهة الشّقيف «٤» ، فركب قطلو بك والحاجّ بهادر عند ما سمعا خبر الأفرم، وتوجّها إلى الملك الناصر، وكانا كاتباه بالدخول فى طاعته قبل ذلك، فسّر بهما وأنعم على كل واحد منهما بعشرة آلاف درهم؛ وقدم على الناصر أيضا الجاولى وجوبان وسائر من كان معهم، فسار بهم الملك الناصر حتى نزل الكسوة، وخرج إليه بقيّة الأمراء والأجناد. وقد عمل له سائر شعار السلطنة من السناجق الخليفتيّة والسلطانيّة والعصائب والجتر «٥» والغاشية «٦» ، وحلف العساكر وسار يوم الثلاثاء ثانى «٧» عشر شعبان يريد مدينة دمشق، فدخلها من غير مدافع بعد ما زيّنت له زينة عظيمة، وخرج جميع الناس إلى لقائه على اختلاف طبقاتهم حتى صغار الكتّاب، وبلغ كراء البيت من البيوت التى بميدان الحصى إلى قلعة دمشق للتفرّج على السلطان من خمسمائة درهم إلى مائة درهم، وفرشت الأرض بشقاق الحرير الملوّنة، وحمل الأمير قطلوبك المنصورىّ الغاشية، وحمل الأمير الحاج بهادر الجتر، وترجّل الأمراء والعساكر بأجمعهم ومشوا بين يديه حتّى نزل بالقصر [الأبلق «٨» ] ؛ وفى وقت نزوله قدم مملوك الأمير قرا سنقر نائب حلب لكشف الخبر
стр. 2779
وأنّ قراسنقر خرج من حلب وقبجق خرج من حماة فخلع عليه وكتب لهما بسرعة الحضور إليه. ثم كتب إلى الأفرم أمانا وتوجّه به علم الدين سنجر الجاولى، فلم يثق بذلك لما كان وقع منه فى حقّ الناصر لمّا قدم عليه تنكز «١» ، وطلب يمين السلطان فحلف السلطان له وبعث إليه نسخة الحلف. وكان قبل ذلك بعث الملك الناصر خازنداره وتنكز مملوكه إلى الأفرم هذا صحبة عثمان الركاب يستدعيه إلى طاعته بكلّ ما يمكن، ثم أمره الملك الناصر إن لم يطع يخشّن له فى القول، وكذلك كتب فى المطالعة التى على يد تنكز: أوّلها وعد وآخرها وعيد، فلمّا قرأ الأفرم الكتاب المذكور اسودّ وجهه من الغضب، ثم التفت إلى تنكز وقال: أنت وأمثالك الذين حمّقوا هذا الصبىّ حتى كتب لى هذا الكتاب، ويلك! من هو الذي وافقه من أمراء دمشق على ذلك! وكان الناصر قد كتب له فى جملة الكلام «٢» أنّ غالب أمراء البلاد الشاميّة أطاعونى، وكان الأفرم لما حضر إليه تنكز قبل أن يقرأ الكتاب جمع أمراء دمشق ثم قرا الكتاب، فلمّا وصل إلى ذلك، قال الأفرم، قل لى: من هو الذي أطاعه حتى أقبض عليه وأرسله إلى مصر؟ فنظر أمراء دمشق بعضهم إلى بعض وأمعن الأفرم فى الكلام؛ فقام الأمير بيبرس المجنون وقال: ما هذا الكلام مصلحة، تجاوب ابن استاذك بهذا الجواب! ولكن لاطفه وقل له: أنت تعلم أنّنا متّبعون مصر وما يبرز منها، فإن أردت الملك فاطلبه من مصر، ولا تبتلش «٣» بنا وارجع عنّا، وذكر له أشياء من هذا النّمط؛ فقال الأفرم: أنا ما أقول هذا الكلام، وليس له عندى إلّا السيف إن جاءنا! ثم طلب الأفرم تنكز فى خلوة وقال له: سر إلى أستاذك وقل له: يرجع، وإلّا يسمع الملك المظفّر فيمسكك ويحبسك، فتبقى تمنّى أن تشبع
стр. 2780
الخبز! ولا ينفعك حينئذ أحد، فإن كان لك رأى فاقبض على نوغيه ومن معه وسيّرهم للملك المظفّر، فإن فعلت ذلك يصلح حالك، ولا تفعل غير هذا تهلك. وكتب له كتابا بمعنى هذا ودفعه إلى تنكز، فلم يخرج تنكز من دمشق إلى أثناء الطريق حتى خرج فى أثره جماعة من أمراء دمشق إلى طاعة الناصر. وكان كلام الأفرم لتنكز أكبر الأسباب لخروج الملك الناصر من الكرك إلى دمشق، فلما قدم الناصر دمشق وكتب الأمان للافرم فتخوف الأفرم مما كان وقع منه من القول لمّا قدم عليه تنكز وطلب الحلف. انتهى.
وقال بيبرس فى تاريخه: وأرسل السلطان إلى الأفرم رسلا «١» بالأمان والأيمان، وهما الأميران عزّ الدين أيدمر الزّردكاش والأمير سيف الدين جوبان. وقال غيره: بعث إليه السلطان نسخة الحلف مع الأمير الحاج أرقطاى الجمدار، فما زال به حتى قدم معه هو وابن صبيح «٢» ، فركب السلطان إلى لقائه حتى قرب منه نزل كلّ منهما عن فرسه، فاعظم الأفرم نزول السلطان له وقبل الأرض، وكان الأفرم قد لبس كامليّة وشدّ وسطه وتوشّح بنصفيه (يعنى أنه حضر بهيئة البطالين من الأمراء) وكفنه تحت إبطه، وعند ما شاهدته الناس على هذه الحالة صرخوا بصوت واحد: يا مولانا السلطان، بتربة والدك الملك الشهيد قلاوون لا تؤذه ولا تغيّر عليه! فبكى سائر من حضر، وبالغ السلطان فى إكرامه وخلع عليه وأركبه وأقرّه على نيابة دمشق، فكثر الدعاء له وسار إلى القصر. فلما كان من الغد أحضر الأفرم خيلا وجمالا وثيابا بمائتى ألف درهم تقدمة إلى السلطان الملك الناصر. وفى يوم الجمعة «٣» ثانى عشرين
стр. 2781
شعبان خطب للملك الناصر بدمشق وانقطع منها اسم المظفّر، وصليت الجمعة بالميدان فكان يوما مشهودا؛ وفى ذلك اليوم قدم الأمير قراسنقر نائب حلب، والأمير قبجق نائب حماة، والأمير أسندمر كرجى نائب طرابلس، وتمر السّاقى نائب حمص، فركب السلطان إلى لقائهم وترجّل إلى قراسنقر وعانقه وشكر الأمراء وأثنى عليهم؛ ثم قدم الأمير كراى المنصورىّ نائب القدس والأمير بكتمر الجو كندار نائب صفد، ثم قدّم كلّ من الأمراء والنوّاب تقدمته بقدر حاله ما بين ثياب أطلس وحوائص ذهب وكلفتاة «١» زركش وخيول مسرجة، فى عنق كل فرس كيس فيه ألف دينار وعليه مملوك، وعدّة بغال وجمال بخاتىّ وغير ذلك. وشرع الملك الناصر فى النفقة على الأمراء والعساكر الواردة عليه مع النوّاب. فلما انتهت النفقة قدم بين يديه الأمير كراى المنصورىّ على عسكره إلى غزّة فسار إليها، وصار كراى يمدّ فى كلّ يوم سماطا عظيما للمقيمين والواردين عليه، فأنفق فى ذلك أموالا جزيلة من حاصله، واجتمع عليه بغزّة عالم كثير وهو يقوم بكلفهم ويعدهم عن السلطان بما يرضيهم.
وأما الملك المظفّر فإنه قدم عليه الخبر فى خامس عشرين شعبان باستيلاء الملك الناصر على دمشق بغير قتال، فعظم ذلك على الملك المظفّر وأظهر الذلّة، وخرجت عساكر مصر شيئا بعد شىء تريد الملك الناصر حتى لم يبق عنده بالديار المصرية سوى خواصّه من الأمراء والأجناد.
وأمّا الأمير برلغى ومن معه من الأمراء صار عساكرهم تتسلّل واحدا بعد واحد حتى بقى برلغى فى مماليكه وجماعة من خواصّ الملك المظفّر بيبرس، فتشاور برلغى مع جماعته حتى اقتضى رأيه ورأى آقوش نائب الكرك اللّحاق بالملك الناصر أيضا،
стр. 2782
فلم يوافق على ذلك البرجية، وعاد أيبك البغدادىّ وبكتوت الفتّاح وقجقار «١» ببقية البرجية إلى القاهرة، وصاروا مع الملك المظفّر بيبرس، وسار برلغى وآقوش إلى الملك الناصر فيمن بقى من الأمراء والعساكر، فاضطربت القاهرة لذلك.
وكان الملك المظفّر قد أمّر فى مستهلّ شهر رمضان سبعة وعشرين أميرا ما بين طبلخاناه وعشرات، منهم من مماليكه: صديق وصنقيجى «٢» وطوغان وقرمان وإغزلو وبهادر؛ ومن المماليك السلطانية سبعة وهم: قراجا الحسامىّ وطرنطاى المحمّدى وبكتمر الساقى وبهادر قبجاق وانكبار «٣» وطشتمر أخو بتخاص ولاچين؛ وممن عداهم جركتمر «٤» بن بهادر وحسن بن الردادى، ونزلوا الجميع إلى المدرسة «٥» المنصورية ليلبسوا الخلع على جارى العادة، واجتمع لهم النقباء والحجّاب والعامّة بالأسواق ينتظرون طلوعهم القلعة، وكلّ منهم بقى لابس الخلعة، فاتّفق أن شخصا من المنجّمين كان بين يدى النائب سلّار، فرأى الطالع غير موافق، فقال: هذا الوقت ركوبهم غير لائق، فلم يلتفت بعضهم ولبس وركب فى طلبه، فاستبردوهم العوامّ وقالوا:
ليس له حلاوة، ولا عليه طلاوة؛ وصار بعضهم يصيح ويقول: يا فرحة لا تمّت.
ثم أخرج الملك المظفّر عدّة من المماليك السلطانية إلى بلاد الصعيد وأخذ أخبازهم، وظنّ الملك المظفّر أنه ينشئ له دولة، فلما بلغه مسير برلغى وآقوش نائب الكرك إلى الملك الناصر سقط فى يده وعلم زوال ملكه، فإن برلغى كان زوج ابنته وأحد خواصّه وأعيان دولته، بحيث إنّه أنعم عليه فى هذه الحركة بنيّف وأربعين
стр. 2783
ألف دينار مصريّة، وقيل: سبعين ألف دينار. وظهر عليه اختلال الحال، وأخذ خواصّه فى تعنيفه على إبقاء سلّار النائب وأنّ جميع هذا الفساد منه، وكان كذلك.
فإنّه لما فاتته السلطنة وقام بيبرس فيها حسده على ذلك ودبّر عليه، وبيبرس فى غفلة عنه، فإنّه كان سليم الباطن لا يظنّ أنّ سلّار يخونه. ثم قبض الملك المظفّر ليلة الجمعة على جماعة من العوامّ، وضربوا وشهّروا لإعلانهم بسبّ الملك المظفّر بيبرس؛ فما زادهم ذلك إلّا طغيانا! وفى كلّ ذلك تنسب البرجية فساد الأمور لسلّار، فلمّا أكثر البرجية الإغراء بسلّار قال لهم الملك المظفّر: إن كان فى خاطركم شىء فدونكم وإياه إذا جاء سلّار للخدمة؛ وأما أنا فلا أتعرّض له بسوء قطّ، فاجتمعت البرجيّة على قبض سلار إذا حضر الخدمة فى يوم الاثنين خامس عشره، فبلغ سلّار ذلك، فتأخّر عن حضور الخدمة واحترس على نفسه، وأظهر أنّه قد توعّك، فبعث الملك المظفّر يسلّم عليه ويستدعيه ليأخذ رأيه، فاعتذر بأنه لا يطيق الحركة لعجزه عنها.
فلمّا كان يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان استدعى الملك المظفّر الأمراء كلّهم واستشارهم فيما يفعل، فأشار الأمير بيبرس الدّوادار المؤرّخ والأمير بهادر آص بنزوله عن الملك والإشهاد عليه بذلك كما فعله الملك الناصر، وتسيّر إلى الملك الناصر بذلك وتستعطفه وتخرج إلى إطفيح بمن تثق به وتقيم هناك حتى يرد جواب الملك الناصر عليك، فأعجبه ذلك وقام ليجهّز أمره، وبعث بالأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المذكور إلى الملك الناصر محمد يعرّفه بما وقع. وقيل: إنّه كتب إلى الملك الناصر يقول مع غير بيبرس الدوادار: والذي أعرّفك به أنّى قد رجعت أقلّدك بغيك، فإن حبستنى عددت ذلك خلوة، وإن نفيتنى عددت ذلك سياحة، وإن قتلتنى
стр. 2784
كان ذلك لى شهادة؛ فلمّا سمع الملك الناصر ذلك، عيّن له صهيون على ما نذكره.
وأمّا ما كتبه المظفّر على يد بيبرس الدوادار يسأله فى إحدى ثلاث: إمّا الكرك وأعمالها، أو حماة وبلادها، أو صهيون ومضافاتها.
ثم اضطربت أحوال المظفّر وتحيّر وقام ودخل الخزائن وأخذ من المال والخيل ما أحبّ، وخرج من يومه من باب الإسطبل فى مماليكه وعدّتهم سبعمائة مملوك، ومعه من الأمراء: الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ الأستادار، والأمير بكتوت الفتّاح والأمير سيف الدين قجماس والأمير سيف الدين تاكز فى بقية ألزامه من البرجيّة، فكأنّما نودى فى الناس بأنّه خرج هاربا، فاجتمع العوامّ، وعند ما برز من باب الإسطبل صاحوا به وتبعوه وهم يصيحون عليه بأنواع الكلام، وزادوا فى الصياح حتّى خرجوا عن الحدّ، ورماه بعضهم بالحجارة. فشقّ ذلك على مماليكه وهمّوا بالرجوع إليهم ووضع السيف فيهم فمنعهم الملك المظفّر من ذلك، وأمر بنثر المال عليهم ليشتغلوا بجمعه عنه، فأحرج كلّ من المماليك حفنة من الذهب ونثرها، فلم يلتفت «١» العامّة لذلك وتركوه وأخذوا فى العدو خلفه وهم يسبّون ويصيحون، فشهر المماليك حينئذ سيوفهم ورجعوا إلى العوامّ فانهزموا منهم. وأصبح الحرّاس بقلعة الجبل فى يوم الأربعاء سابع عشر شهر رمضان يصيحون باسم الملك الناصر، وأسقط اسم الملك المظفّر بإشارة الأمير سلّار بذلك، فإنّه أقام بالقلعة ومهّد أمورها بعد خروج المظفّر إلى إطفيح. وفى يوم الجمعة تاسع عشره خطب على منابر القاهرة ومصر باسم الملك الناصر، وأسقط اسم الملك المظفّر بيبرس هذا وزال ملكه.
стр. 2785
وأمّا الملك المظفّر فإنّه لما فارق القلعة أقام بإطفيح يومين ثم اتّفق رأيه ورأى أيدمر الخطيرى وبكتوت الفتّاح إلى المسير إلى برقة «١» وقيل بل إلى أسوان «٢» ، فأصبح حاله كقول القائل:
موكّل ببقاع الأرض يذرعها ... من خفّة الرّوع لا من خفّة الطّرب
ولمّا بلغ مماليك الملك المظفّر هذا الرأى عزموا على مفارقته. فلمّا رحل من إطفيح رجع المماليك عنه شيئا بعد شىء إلى القاهرة، فما وصل المظفّر إلى إخميم «٣» حتّى فارقه أكثر من كان معه، فعند ذلك انثنى عزمه عن التوجّه إلى برقة، وتركه «٤» الخطيرىّ والفتّاح وعادا نحو القاهرة. وبينما هو سائر قدم عليه الأميران: بيبرس الدّوادار وبهادر آص من عند الملك الناصر ليتوجّه إلى صهيون بعد أن يدفع ما أخذه من الخزائن، فدفع المظفّر المال بأجمعه إلى بيبرس الدّوادار، فأخذ بيبرس المال وسار به فى النيل إلى الملك الناصر وهو بقلعة الجبل، وقدم بهادر آص فى البرّ بالملك المظفّر ومعه كاتبه كريم «٥» الدين أكرم، وسأل المظفّر فى يمين السلطان مع من يثق به، فحلف له الملك الناصر بحضرة الأمراء وبعث إليه بذلك مع أيتمش المحمّدى؛ فلمّا قدم عليه أيتمش بالغ المظفّر فى إكرامه وكتب الجواب بالطاعة وأنّه يتوجّه إلى ناحية
стр. 2786
السّويس «١» ، وأنّ كريم الدين يحضر بالخزانة والحواصل التى أخذها، فلم يعجب السلطان ذلك، وعزم على إخراج تجريدة إلى غزّة ليردّوه، وأطلع على ذلك بكتمر الجوكندار النائب وقراسنقر نائب دمشق «٢» والحاج بهادر وأسندمر نائب طرابلس.
فلمّا كان يوم الخميس الذي قبض فيه الملك الناصر على الأمراء- على ما سيأتى ذكره مفصّلا فى أوّل ترجمة الملك الناصر الثالثة إن شاء الله تعالى- جلس بعض المماليك الأشرفيّة خارج القلعة، فلمّا خرج الأمراء من الخدمة قال: وأىّ ذنب لهؤلاء الأمراء الذين قبض عليهم! وهذا الذي قتل أستاذنا الملك الأشرف، ودمه الآن على سيفه، قد صار اليوم حاكم المملكة (يعنى عن قراسنقر) ، فقيل هذا لقراسنقر، فخاف على نفسه وأخذ فى عمل الخلاص من مصر، فالتزم للسلطان أنّه يتوجّه ويحصّل الملك المظفّر بيبرس هو والحاج بهادر نائب طرابلس من غير إخراج تجريدة فإن فى بعث الأمراء لذلك شساعة، فمشى ذلك على السلطان ورسم بسفرهما، فخرج قراسنقر ومعه سائر النوّاب إلى ممالكهم، وعوّق السلطان عنده أسندمر كرجى وقد استقرّ به فى نيابة حماة، وسار البقية. ثم جهّز السلطان أسندمر كرجى لإحضار المظفّر مقيّدا. واتّفق دخول قراسنقر والأمراء إلى غزّة قبل وصول المظفّر إليها؛ فلمّا بلغهم قربه ركب قراسنقر وسائر النوّاب والأمراء ولقوه شرقىّ غزّة وقد بقى معه عدّة من مماليكه وقد تأهّبوا للحرب، فلبس الأمراء السلاح ليقاتلوهم،
стр. 2787
فأنكر المظفّر على مماليكه تأهّبهم للقتال وقال: أنا كنت ملكا، وحولى أضعافكم ولى عصبة كبيرة من الأمراء، وما اخترت سفك الدماء! وما زال بهم حتّى كفّوا عن القتال، وساق هو بنفسه حتّى بقى مع الأمراء وسلّم نفسه إليهم؛ فسلّموا عليه وساروا به إلى معسكرهم وأنزلوه بخيمة، وأخذوا سلاح مماليكه ووكّلوا بهم من يحفظهم؛ وأصبحوا من الغد عائدين بهم معهم إلى مصر، فأدركهم أسندمر كرجى بالخطّارة «١» فأنزل فى الحال المظفّر عن فرسه وقيّده بقيد أحضره معه، فبكى وتحدّرت دموعه على شيبته، فشقّ ذلك على قراسنقر وألقى الكلفتاة عن رأسه إلى الأرض وقال: لعن الله الدنيا، فيا ليتنا متنا ولا رأينا هذا اليوم! فترجّلت الأمراء وأخذوا كلفتاته ووضعوها على رأسه. هذا مع أنّ قراسنقر كان أكبر الأسباب فى زوال دولة المظفّر المذكور! وهو الذي جسّر الملك الناصر حتّى كان من أمره ما كان.
ثم عاد قراسنقر والحاج بهادر إلى محلّ كفالتهما، وأخذ بهادر يلوم قراسنقر كيف خالف رأيه! فإنّه كان أشار على قراسنقر فى اللّيل بعد القبض على المظفّر بأن يخلّى عن المظفّر حتّى يصل إلى صهيون، ويتوجّه كلّ منهما إلى محلّ ولايته، ويخيفا الملك الناصر بأنّه متى تغيّر عمّا كان وافق الأمراء عليه بدمشق قاموا بنصرة المظفّر وإعادته إلى الملك، فلم يوافق قراسنقر، وظنّ أنّ الملك الناصر لا يستحيل عليه ولا على المظفّر. فلمّا رأى ما حلّ بالمظفر ندم على مخالفة بهادر. وبينما هما فى ذلك بعث أسندمر كرجى إلى قراسنقر مرسوم السلطان بأن يحضر صحبة المظفّر إلى القلعة، وكان عزم الناصر أن يقبض عليه: ففطن قراسنقر بذلك وامتنع من التوجّه إلى مصر، واعتذر بأنّ العشير «٢» قد تجمّعوا ويخاف على دمشق منهم، وجدّ فى السير وعرف أنّه ترك الرأى فى مخالفة بهادر! فقدم أسندمر بالمظفّر إلى القلعة فى ليلة
стр. 2788
الأربعاء الرابع عشر من ذى القعدة «١» ، فلمّا مثل المظفّر بين يدى السلطان قبّل الأرض، فأجلسه وعنّفه بما فعل به وذكّره بما كان منه إليه، وعدّد ذنوبه، وقال له: تذكر وقد صحت علىّ يوم كذا بسبب فلان! ورددت شفاعتى فى حقّ فلان! واستدعيت بنفقة فى يوم كذا من الخزانة فمنعتها! وطلبت فى وقت حلوى بلوز وسكّر فمنعتنى، ويلك! وزدت فى أمرى حتّى منعتنى شهوة نفسى، والمظفّر ساكت. فلما فرغ كلام السلطان قال له المظفّر: يا مولانا السلطان، كلّ ما قلت فعلته، ولم يبق إلّا مراحم السلطان، وإيش يقول المملوك لأستاذه! فقال له:
يا ركن، أنا اليوم أستاذك! وأمس تقول لما طلبت إوزّا مشويّا: إيش يعمل بالإوزّ! الأكل هو عشرون مرّة فى النهار! ثم أمر به إلى مكان وكان ليلة الخميس، فاستدعى المظفّر بوضوء وقد صلّى العشاء. ثم جاء السلطان الملك الناصر فخنق بين يديه بوتر حتى كاد يتلف، تم سيّبه حتى أفاق وعنّفه وزاد فى شتمه، ثم خنقه ثانيا حتى مات وأنزل على جنوية «٢» إلى الإسطبل السلطانىّ فغسل ودفن خلف قلعة الجبل، وذلك فى ليلة الجمعة خامس عشر ذى القعدة «٣» سنة تسع وسبعمائة. وكانت أيام المظفّر هذا فى سلطنة مصر عشرة «٤» أشهر وأربعة وعشرين يوما لم يتهنّ فيها من الفتن والحركة.
وكان المظفّر لمّا خرج من مصر هاربا قبل دخول الملك الناصر. قال بعض الأدباء:
تثنّى عطف مصر حين وافى ... قدوم الناصر الملك الخبير
فذلّ الجشنكير بلا لقاء ... وأمسى وهو ذو جأش نكير
إذا لم تعضد الأقدار شخصا ... فأوّل ما يراع من النّصير
стр. 2789
وقال النّويرىّ فى تاريخه: ولمّا وصلوا بالمظفّر بيبرمن إلى السلطان الناصر أوقفه بين يديه وأمر بدخوله الحمّام، وخنق فى بقية من يومه ودفن بالقرافة وعفّى أثر قبره مدّة، ثم أمر بانتقاله إلى تربته بالخانقاه «١» التى أنشأها فنقل إليها. وكان بيبرس هذا ابتدأ بعمارة الخانقاه والتربة داخل باب النصر موضع دار الوزارة «٢» فى سنة ست «٣» وسبعمائة، وأوقف عليها أوقافا جليلة، ولكنّه مات قبل تمامها، فأغلقها الملك الناصر مدّة ثم فتحها. انتهى كلام النّويرىّ.
وكان الملك المظفّر ملكا ثابتا كثير السكون والوقار، جميل الصفات، ندب إلى المهمّات مرارا عديدة، وتكلّم فى أمر الدولة مدّة سنين، وحسنت سيرته، وكان يرجع إلى دين وخير ومعروف، تولّى السلطنة على كره منه، وله أوقاف على وجوه البرّ والصدقة، وعمّر ما هدم من الجامع «٤» الحاكمى داخل باب النصر، بعد ما شعّثته الزلازل. وكان من أعيان الأمراء فى الدولة المنصوريّة قلاوون أستاذه، ثم فى الدولة الأشرفية خليل، والدولة الناصرية محمد بن قلاوون.
وكان أبيض اللون أشقر مستدير اللّحية، وهو جاركسىّ الجنس على ما قيل.
ولم يتسلطن أحد من الجراكسة قبله ولا بعده إلى الملك الظاهر برقوق؛ وقبل إنه كان تركيّا، والأقوى عندى أنه كان جاركسيّا، لأنه كان بينه وبين آقوش الأفرم نائب الشام مودّة ومحبّة زائدة، وقيل قرابة، وكان الأفرم جاركسىّ الجنس. انتهى.
واستولى السلطان الملك الناصر على جميع تعلّقاته، واستقدم كاتبه كريم الدين أكرم بن المعلّم بن السديد، فقدم على الملك الناصر بأموال المظفّر بيبرس وحواصله،
стр. 2790
فقرّبه السلطان وأثنى عليه ووعده بكلّ جميل إن أظهره على ذخائر المظفّر بيبرس.
فنزل كريم الدين إلى داره وتتبّع أموال بيبرس وبذل جهده فى ذلك، ثم انتمى كريم الدين إلى طغاى وكستاى وأرغون الدّوادار الناصرية، وبذل لهم مالا كثيرا حتى صاروا أكبر أعوانه، وحموه من أستاذهم الملك الناصر، ثم قدم من كان مع المظفّر بيبرس من المماليك ومعهم الهجن والخيل والسلاح، ومبلغ مائتى ألف درهم «١» وعشرين ألف دينار، وستون بقجة من أنواع الثياب، فأخذ السلطان جميع ذلك، وفرّق المماليك على الأمراء ما خلا بكتمر الساقى لجمال صورته وطوغان الساقى وقراتمر.
ثم استدعى الملك الناصر القضاة وأقام عندهم البيّنة بأن جميع مماليك المظفّر بيبرس وسلّار، وجميع ما وقفاه من الضّياع والأملاك اشترى من بيت المال. فلمّا ثبت ذلك ندب السلطان جمال الدين آقوش الأشرقىّ نائب الكرك، وكريم الدين أكرم لبيع تركة المظفّر بيبرس وإحضار نصف ما يتحصّل، ودفع النصف الآخر لابنة المظفّر زوجة الأمير برلغى الأشرفىّ، فإنّ المظفّر لم يترك من الأولاد سواها، فشدّد كريم الدين الطلب على زوجة المظفّر وابنته حتى أخذ منهما جواهر عظيمة القدر، وذخائر نفيسة؛ ثم تابع موجود المظفّر فوجد له شيئا كثيرا.
السنة التى حكم فى أوّلها الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير على مصر إلى شهر رمضان «٢» ، ثم حكم فى باقيها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهى سنة تسع وسبعمائة، على أن الملك المظفّر بيبرس حكم من السنة الماضية أياما.
стр. 2791
فيها (أعنى سنة تسع وسبعمائة) كانت الفتنة بين السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون وبين الملك المظفّر بيبرس. حسب ما تقدّم ذكره مفصّلا حتى خلع المظفّر وأعيد الناصر.
وفيها كانت الفتنة أيضا بالمدينة النبوية بين الشريف مقبل بن جمّاز بن شيحة وبين [كبيش «١» ابن] أخيه منصور بن جمّاز، وكان مقبل «٢» قدم القاهرة فولّاه المظفّر نصف إمرة المدينة شريكا لأخيه منصور، فتوجّه إليها فوجد منصورا بنجد وقد ترك ابنه كبيشة «٣» بالمدينة، فأخرجه مقبل فحشد كبيشة وقاتل مقبلا حتى قتله، وانفرد منصور بإمرة المدينة.
وفيها كتب السلطان الملك الناصر لقرا سنقر نائب الشام بقتال العشير.
وفيها أظهر خربندا ملك التّتار الرّفض فى بلاده وأمر الخطباء ألّا يذكروا فى خطبهم إلّا علىّ بن أبى طالب وولديه وأهل البيت.
وفيها حجّ بالناس من القاهرة الأمير شمس الدين إلدكز السلاح دار ولم يحجّ أحد من الشام لاضطراب الدولة.
وفيها توفّى الأمير الوزير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورىّ بالقاهرة فى شهر ربيع الأوّل ودفن خارج باب النصر بعد ما استعفى ولزم داره مدّة.
وفيها توفى قاضى القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الغنى بن يحيى [بن محمد بن أبى «٤» بكر] بن عبد الله بن نصر [بن «٥» محمد] بن أبى بكر الحرّانىّ الحنبلىّ فى ليلة
стр. 2792
الجمعة الرابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل ودفن بالقرافة. ومولده بحرّان فى سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الحديث وتفقّه وقدم مصر فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحيّة «١» ثم أضيف إليه قضاء الحنابلة، فباشره وحمدت سيرته.
وفيها توفّى الشيخ نجم الدين محمد بن إدريس بن محمد القمولىّ «٢» الشافعىّ بقوص فى جمادى الأولى، وكان صالحا عالما بالتفسير والفقه والحديث.
وفيها توفّى الأمير سيف الدين طغريل بن عبد الله الإيغانىّ بالقاهرة فى عاشر شهر رمضان، وكان من كبار الأمراء وأعيان الديار المصريّة.
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك الخازندار فى سابع شهر رمضان بالقاهرة، وكان من أعيان أمراء مصر.
وفيها توفّى متملّك تونس من بلاد الغرب الأمير أبو عبد الله محمد المعروف بأبى عصيدة بن يحيى الواثق ابن محمد المستنصر ابن يحيى بن عبد الواحد بن أبى حفص فى عاشر شهر ربيع الآخر. وكانت مدّة ملكه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر، وتولّى بعده الأمير أبو بكر بن أبى يزيد «٣» عبد الرحمن بن أبى بكر بن يحيى بن عبد الواحد المدعوّ بالشهيد، لأنّه قتل ظلما بعد ستة عشر يوما من ملكه، وبويع بعده أيضا أبو البقاء خالد بن يحيى بن إبراهيم.
وفيها توفّى الوزير التاج أبو الفرج بن سعيد الدولة فى يوم السبت ثانى شهر رجب، وكان عند الملك المظفّر بيبرس بمكانة عظيمة، ولمّا تسلطن بيبرس قرّره
стр. 2793
مشيرا، فكانت تحمل إليه فوطة العلامة فيمضى منها ما يختاره، ويكتب عليه «عرض» فإذا رأى المظفّر خطّه علّم وإلّا فلا، ولم يزل على ذلك حتى بعث إليه الأمير آقوش الأفرم نائب الشام يهدّده بقطع رأسه فامتنع. وكان الأفرم صار يدبّر غالب أمور الديار المصريّة وهو بدمشق، لأنه كان خشداش المظفّر بيبرس وخصيصا به والقائم بدولته، والمعاند للناصر وغيره من نوّاب البلاد الشاميّة، وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه فى ترجمة الملك المظفّر بيبرس.
وفيها توفّى الشيخ القدوة العارف بالله تعالى تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد ابن عبد الكريم بن عطاء الله السّكندرىّ المالكىّ الصوفى الواعظ المذكّر المسلّك بالقاهرة فى جمادى الآخرة ودفن بالقرافة، وقبره «١» معروف بها، يقصد للزيارة. وكان رجلا صالحا عالما يتكلّم على كرسىّ ويحضر ميعاده خلق كثير، وكان لوعظه تأثير فى القلوب، وكان له معرفة تامّة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق، وكان له نظم حسن على طريق القوم، وكانت جنازته مشهودة حفلة إلى الغاية. ومن شعره قصيدة أوّلها:
يا صاح إنّ الركب قد سار مسرعا ... ونحن فعود ما الذي أنت صانع
أترضى بأن تبقى المخلّف بعدهم ... صريع الأمانى والغرام ينازع
وهذا لسان الكون ينطق جهرة ... بأنّ جميع الكائنات قواطع
وفيها توفّى القاضى عزّ الدين عبد العزيز ابن القاضى شرف الدين محمد [بن فتح «٢» الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد] بن القيسرانىّ أحد كتّاب الدّرج
стр. 2794
ومدرس الفخرية «١» فى ثامن صفر بالقاهرة، ودفن عند والده بالقرافة، وكان من أعيان الموقّعين هو ووالده وجدّه، ومات وله دون الأربعين سنة، وكان له فضيلة ونظم ونثر. ومن شعره فى ردّ جواب:
جاء الكتاب ومن سواد مداده ... مسك ومن قرطاسه الأنوار
فتشرّف الوادى به وتعطّرت ... أرجاؤه وأنارت الأقطار
قلت وأين هذا من قول البارع جمال الدين محمد بن نباتة المصرىّ، حيث يقول فى هذا المعنى:
أفديه من ملك يكاتب عبده ... بأحرفه اللّاتى حكتها الكواكب
ملكت بها رقّى وأنحلنى الأسى ... فهأنذا عبد رقيق مكاتب
والشيخ علاء الدين علىّ بن محمد [بن عبد «٢» الرحمن] العبىّ ﵀:
أهلتنى لجواب ... ما كان ظنّى أجاوب
لكنّنى عبد رقّ ... مدبّر ومكاتب
وفيها توفّى القاضى بهاء الدين عبد الله ابن نجم الدين أحمد بن على ابن المظفّر المعروف بابن الحلّى ناظر ديوان الجيش المنصور، واستقرّ عوضه القاضى فخر الدين صاحب ديوان الجيش.
وفيها توفّى الأديب إبراهيم بن علىّ بن خليل الحرّانى المعروف بعين بصل. كان شيخا حائكا أناف على الثمانين، وكان عامّيّا مطبوعا، وقصده ابن خلّكان واستنشده من شعره فقال: أمّا القديم فلا يليق إنشاده، وأمّا نظم الوقت الحاضر فنعم، وأنشده بديها:
стр. 2795
وما كلّ وقت فيه يسمح خاطرى ... بنظم قريض رائق اللفظ والمعنى
وهل يقتضى الشرع الشريف تيمّما ... بترب وهذا البحر يا صاحبى معنا
فقال له ابن خلّكان. أنت عين بصر، لا عين بصل. انتهى.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم تأخّر وتأخّرت الزيادة إلى أن دخل شهر مسرى ووقع الغلاء واستسقى الناس، فنودى بزيادة ثلاث أصابع، ثم توقّفت الزيادة ونقص فى أيام النّسىء، ثم زاد حتى بلغ فى سابع عشرين توت خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا، وفتح خليج السدّ، بعد ما كان الوفاء فى تاسع عشر بابه، بعد النّوروز بتسعة وأربعين يوما. وكان مبلغ الزيادة فى هذه السنة ستّ عشرة ذراعا وإصبعين. وكان ذلك فى أوائل سلطنة المظفّر بيبرس الجاشنكير. فتشاءم الناس بكعبه وأبغضته العامّة.
انتهى الجزء الثامن من النجوم الزاهرة، ويليه الجزء التاسع، وأوّله:
ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر ثالث مرّة
تنبيه: التعليقات الخاصة بالأماكن الأثريّة على اختلاف أنواعها، والمدن والقرى القديمة وغيرها مع تعيين وتحديد مواضعها هى من وضع حضرة الأستاذ محمد رمزى بك المفتش بوزارة المالية سابقا وعضو المجلس الأعلى لإدارة حفظ الآثار العربية. كالتعليقات السابقة فى الأجزاء الماضية. فنسدى إليه جزيل الشكر ونسأل الله جلّت قدرته أن يجزيه خير الجزاء عن خدمته للعلم وأهله.
стр. 2796
استدراكات على بعض تعليقات وردت فى الجزء السابع من هذا الكتاب لحضرة الأستاذ محمد رمزى بك
زاوية الشيخ أبى السعود بن أبى العشائر
بما أن الشرح الخاصّ بوصف هذه الزاوية الوارد فى صفحة ٣٨٤ من الجزء السابع من هذه الطبعة جاء غير واف فأضيف إليه ما يأتى:
ذكرت فى التعليق السابق لهذه الزاوية أنها اندثرت، والصواب أنها خربت لأنه لا يزال يوجد من مبانيها بقايا بابها والحائط الشمالى الشرقى والحائط الذي فيه المحراب. ومكانها اليوم أرض مشغولة بالمقابر. وعلاوة على ما سبق ذكره فى التعليق السابق فإن هذه الزاوية واقعة فى الشمال الغربى لجامع السادات الوفائية على بعد مائتى متر منه ويجاورها قاعة بها ضريح الشيخ أبى السعود بن أبى العشائر ﵀.
الحد الذي كان ينتهى عنده النيل على شاطئه الشرقى تجاه مدينتى مصر القديمة والقاهرة وقت فتح العرب لمصر
بيّنت فى الاستدراك الخاصّ بقنطرة عبد العزيز بن مروان الوارد فى صفحة ٣٨٧ من الجزء السابع من هذه الطبعة موقع فم الخليج المصرى، والنقطة التى كان يأخذ منها مياهه من النيل وقت فتح العرب لمصر. وقد فاتنى أن أبيّن لقرّاء النجوم الزاهرة الحد الذي كان ينتهى عنده النيل على شاطئه الشرقى تجاه مدينتى مصر القديمة والقاهرة فى ذاك الوقت، ولهذا أستدرك ما فاتنى إتماما للفائدة المطلوبة من التعليقات فأقول:
стр. 2797
يستفاد مما ذكره المقريزى فى خططه عند الكلام على ساحل النيل بمدينة مصر (ص ٣٤٣ ج ١) وعلى المنشأة (ص ٣٤٥ ج ١) وعلى أبواب مدينة مصر (ص ٣٤٧ ج ١) وعلى منظرة المقس (ص ٣٨٠ ج ١) وعلى ظواهر القاهرة المعزيّة (ص ١٠٨ ج ٢) وعلى برّ الخليج الغربى (ص ١١٣ ج ٢) وعلى اللوق (ص ١١٧ ج ٢) وعلى المقس (ص ١٢١ ج ٢) وعلى بولاق (ص ١٣٠ ج ٢) وعلى قنطرة السد (ص ١٤٦ ج ٢) وعلى قنطرة باب البحر (ص ١٥١ ج ٢) وعلى جزيرة الفيل (ص ١٨٥ ج ٢) ، وعلى صناعة مصر (ص ١٩٧ ج ٢) وعلى الميدان الناصرى (ص ٢٠٠ ج ٢) ، ويستفاد أيضا مما ورد فى حوادث سنة ٦٨٠ هـ المذكورة فى كتاب النجوم الزاهرة لابن تغرى بريد (ص ٣٠٧ ج ٧) ومما هو مبيّن على خريطة الحملة الفرنسية الموضوعة سنة ١٨٠٠؛ يستفاد من كلّ ما سبق ذكره، ومن المباحث التى أجريتها أن شاطىء النيل الشرقى الأصلى القديم تجاه مدينة مصر والقاهرة كان وقت فتح العرب لمصر واقعا فى الأمكنة التى تعرف اليوم بالأسماء الآتية:
كان النيل بعد أن يمرّ على سكن ناحية أثر النّبيّ جنوبى مصر القديمة يسير إلى الشمال بجوار شارع أثر النبي إلى أن يتلاقى بسكة حديد حلوان عند محطة المدابغ، فيسير النيل بجواز هذه السكة إلى أن يتقابل بشارع مارى جرجس فيسير محاذيا له من الجهة الغربية مارّا تحت قصر الشمع (الكنيسة المعلقة بمصر القديمة) وجامع عمرو، ثم يسير محاذيا لشارع سيدى حسن الأنور إلى نهايته ثم يسير شمالا إلى النقطة التى يتقابل فيها شارع السد البرانى بسكة المذبح، ثم يسير بعد ذلك متّجها فى طريقه إلى الشمال فيمر فى حارة المغربى بجنينة قاميش فشارع بنى الأزرق بجنينة لاظ فشارع جنان الزهرى فشارع الشيخ عبد الله فحارة البير قدار فشارع البلاقسة
стр. 2798
فشارع عماد الدين إلى نهايته البحرية، ثم ينعطف النيل مائلا إلى الشرق ويسير بجوار شارع الملكة نازلى حتى يصل إلى ميدان باب الحديد، ومن هناك ينعطف إلى الشمال الشرقى مارا بميدان محطة مصر، ثم يمر بجوار محطة كوبرى الليمون من الجهة البحرية الغربية، ثم يسير فى شارع غمرة بطول مائتى متر، ثم يسير إلى الشمال محاديا لمخازن بضائع محطة مصر من الجهة الشرقية، ثم يسير محاذيا لشارع مهمشة من الجهة الغربية، ثم يسير بعد ذلك محاذيا لجسر السكة الحديدية الذاهبة إلى الإسكندرية من الجهة الشرقية. وعند وصول النيل إلى نقطة واقعة على هذه السكة تجاه عزبة الخمايسة يميل إلى الغرب حتى يصل إلى سكن ناحية منية السيرج، وهناك يسير غربى سكن هذه الناحية، ثم يسير إلى الشمال بدوران خفيف إلى الغرب حتى يتقابل مع مجراه الحالى عند فم الترعة الإسماعيلية.
هذا هو خط سير الشاطئ الأصلىّ القديم للنيل تجاه مدينتى مصر والقاهرة فى سنة ٢٠ هـ ٦٤١ م أى وقت فتح العرب لمصر. وبعد ذلك طرح البحر عدة مرّات ولذلك انتقل الشاطئ الأصلى المذكور من مكانه القديم السابق ذكره إلى مكانه الحالى من مصر القديمة إلى روض الفرج.
стр. 2799
[الجزء التاسع]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحابته والمسلمين الجزء التاسع من كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة
[ما وقع من الحوادث سنة ٧١٠]
ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر ثالث مرّة
وقد تقدّم ذكر نزوله عن الملك وتوجّهه إلى الكرك وخلع نفسه وما وقع له بالكرك من مجىء نوغاى ورفقته، ومكاتباته إلى نوّاب الشام وخروجه من الكرك إلى الشام، طالبا ملك مصر إلى أن دخل إلى دمشق؛ كلّ ذلك ذكرناه مفصّلا فى ترجمة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير. ونسوق الآن ذكر دخوله إلى مصر فنقول:
لمّا كانت الثانية من نهار الثلاثاء السادس عشر من شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة، وهى الساعة التى خلع الملك المظفر بيبرس نفسه فيها من ملك مصر بديار مصر، خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من دمشق يريد الديار المصرية، فانظر إلى هذا الاتّفاق العجيب، وإقبال سعد الناصر وإدبار سعد المظفّر! وسار الملك الناصر يريد الديار المصريّة وصحبته نوّاب البلاد الشاميّة بتمامهم وكمالهم والعساكر الشامية وخواصّه ومماليكه.
стр. 2800
وأمّا أمر الديار المصرية فإنّ الملك المظفّر بيبرس لمّا خلع نفسه وخرج من مصر إلى الإطفيحيّة جلس الأمير سلّار بقاعة النيابة من قلعة الجبل وجمع من بقى من الأمراء واهتم بحفظ القلعة، وأخرج المحابيس الذين كانوا فيها من حواشى الملك الناصر محمد وغيرهم، وركب ونادى فى الناس: ادعوا لسلطانكم الملك الناصر، وكتب إلى الملك الناصر بنزول المظفّر عن الملك وفراره إلى إطفيح «١» ، وسيّر بذلك أصلم الدّوادار ومعه النّمجاه «٢» ، وكان قد توجّه قبل ذلك من القاهرة الأمير بيبرس المنصورىّ الدّوادار، والأمير بهادر آص فى رسالة المظفّر بيبرس أنّه قد ترك السلطنة وأنّه سأل: إمّا الكرك وإمّا حماة وإما صهيون، واتّفق يوم وصولهما إلى غزّة قدوم الملك الناصر أيضا إليها، وقدوم الأمير سيف الدين شاطى السّلاح دار فى طائفة من الأمراء المصريّين إليها أيضا. ثم قدمت العربان وقدم الأمير مهنّا بجماعة كثيرة من آل فضل، فركب السلطان إلى لقائه. ثم قدم الأمير برلغى الأشرفى مقدّم عساكر المظفّر بيبرس وزوج ابنته، والأمير آقوش الأشرفىّ نائب الكرك، فسرّ الملك الناصر بقدومهما، فإنّهما كانا عضدى المظفّر. قال الأمير بيبرس الدّوادار المقدّم ذكره فى تاريخه- ﵀:
«وأمّا نحن فإنّا تقدّمنا على البريد فوصلنا إلى السلطان يوم نزوله على غزّة فمثلنا بين يديه وأعدنا المشافهة عليه، وطالعناه بنزول الرّكن عن السلطنة والتماسه مكانا من بعض الأمكنة، فاستبشر لحقن دماء المسلمين وخمود الفتنة، واتّفق فى ذلك النهار ورود الأمير سيف الدين برلغى والأمير عزّ «٣» الدين البغدادىّ ومن معهما من الأمراء
стр. 2801
والمقدّمين، واجتمعنا جميعا بالدّهليز المنصور، وقد شملنا الابتهاج، وزال عنّا الازعاج، وأفاض السلطان على الأمراء التشاريف الجليلة على طبقاتهم، والحوائص «١» الذهب الثمينة لصلاتهم، فلم يترك أميرا إلّا وصله، ولا مقدّما حتى شرّفه بالخلع وجمّله، وجدّدنا استعطاف السلطان، فيما سأله الركن من «٢» الأمان، وكلّ من الأمراء لحاضرين بين يديه يتلطّف فى سؤاله، ويتضرّع فى مقاله؛ حتّى أجاب، وعدنا بالجواب. ورحل السلطان على الأثر قاصدا الديار المصرية؛ فوصلنا إلى القلعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان، واجتمعنا بالأمير سيف الدين سلّار ووجدنا الجاشنكير قد تجاوز موضع الميعاد، وأخذ فى الإصعاد، وحمله الإجفال على الإبعاد، ولم يدعه الرّعب يستقرّ به قرار، ولا تلقّته معه أرض ولا دار؛ فاقتضى الحال أن أرسلنا إليه الكتب الشريفة الواردة على أيدينا، وعدت أنا وسيف الدين بهادر آص إلى الخدمة السلطانية، فوجدنا الدّهليز على منزلة السعيدية» . «٣» انتهى كلام بيبرس الدوادار باختصار.
قلت: ولمّا تكاملت العساكر بغزّة سار الملك الناصر يريد الديار المصريّة، فوافاه أصلم دوادار سلّار بالنّمچاه، ثم وصل «٤» رسلان الدّوادار فسّر السلطان بنزوله.
وسار حتى نزل بركة الحجّاج «٥» فى سلخ شهر رمضان، وقد جهّز إليه الأمير سلّار الطلب
стр. 2802
السلطانى والأمراء والعساكر، ثم خرج الأمير سلّار إلى لقائه، وصلّى السلطان صلاة العيد بالدّهليز ببركة الحاج فى يوم الأربعاء مستهلّ شوّال، وخرج الناس إلى لقاء السلطان الملك الناصر. وأنشد الشعراء مدائحهم بين يديه؛ فمن ذلك ما أنشده الشيخ شمس الدين محمد بن على بن موسى الداعى أبياتا منها:
الملك عاد إلى حماه كما بدا ... ومحمد بالنصر سرّ محمدا
وإيابه كالسيف عاد لغمده ... ومعاده كالورد عاوده النّدى
الحقّ مرتجع إلى أربابه ... من كفّ غاصبه وإن طال المدى
ومنها:
يا وارث الملك العقيم تهنّه ... واعلم بأنك لم تسد فيه سدى
عن خير أسلاف ورثت سريره ... فوجدت منصبه السّرىّ ممهّدا
يا ناصرا من خير منصور أتى ... كمهنّد خلف الغداة مهنّدا
آنست ملكا كان قبلك موحشا ... وجمعت شملا كان منه مبدّدا
ومنها:
فالناس أجمع قد رضوك مليكهم ... وتضرّعوا ألا تزال مخلّدا
وتباركوا بسناء غرّتك التى ... وجدوا على أنوار بهجتها هدى
الله أعطاك الذي لم يعطه ... ملكا سواك برغم آناف العدا
لا زلت منصور اللّواء مؤيّد ال ... عزمات ما هتف الحمام وغرّدا
ثم قدّم الأمير سلّار سماطا جليلا بلغت النفقة عليه اثنى عشر ألف درهم؛ وجلس عليه السلطان والأمراء والأكابر والعساكر، فلما انقضى عزم السلطان على المبيت هناك والركوب بكرة النهار يوم الخميس، فبلغه أن الأمير برلغى والأمير آقوش نائب الكرك قد اتّفقا مع البرجية على الهجوم عليه وقتله، فبعث السلطان إلى الأمراء
стр. 2803
عرّفهم بما بلغه وأمرهم بالركوب، فركبوا وركبت المماليك ودقت الكوسات وسار وقت الظهر من يوم الأربعاء، وقد احتفّت به مماليكه كى لا يصل إليه أحد من الأمراء حتى وصل إلى القلعة، وخرج الناس بأجمعهم إلى مشاهدته. فلما وصل بين العروستين «١» ترجّل سلّار عن فرسه، وترجّل سائر الأمراء ومشوا بين يديه إلى باب السّرّ «٢» من القلعة، وقد وقف جماعة من الأمراء بمماليكهم وعليهم السّلاح، حتى عبر السلطان إلى القلعة، ثم أمر السلطان الأمراء بالانصراف إلى منازلهم، وعيّن جماعة من الأمراء الذين يثق بهم أن يستمرّوا على ظهور خيولهم حول القلعة
стр. 2804
طول الليل فباتوا على ذلك، وأصبحوا من الغد وفد جلس السلطان الملك الناصر على كرسىّ الملك وهو يوم الخميس ثانى شوّال. وحضر الخليفة أبو الربيع سلمان والقضاة والأمراء وسائر أهل الدولة للهناء «١» ، فقرأ الشيخ شمس الدين محمد بن علىّ ابن موسى الداعى: «قل اللهمّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء» الآية. وأنشد بعض الشعراء هذه الأبيات:
تهنّأت الدنيا بمقدمه الذي ... أضاءت له الآفاق شرقا ومغربا
وأمّا سرير الملك فاهتز رفعة ... ليبلغ فى التشريف قصدا ومطلبا
وتاق إلى أن يعلو الملك فوقه ... كما قد حوى من قبله الأخ والأبا
وكان ذلك بحضرة الأمراء والنوّاب والعساكر، ثم حلّف السلطان الجميع على طبقاتهم ومراتبهم الكبير منهم والصغير.
ولمّا تقدّم الخليفة ليسلّم على السلطان نظر إليه وقال له: كيف تحضر وتسلّم على خارجىّ؟ هل كنت أنا خارجيّا؟ وبيبرس من سلالة بنى العباس؟ فتغيّر وجه الخليفة ولم ينطق.
قلت: والخليفة هذا، كان الملك الناصر هو الذي ولّاه الخلافة بعد موت أبيه الحاكم بأمر الله.
ثم التفت السلطان إلى القاضى علاء الدين علىّ بن عبد الظاهر الموقّع وكان هو الذي كتب عهد المظفّر بيبرس عن الخليفة، وقال له: يا أسود الوجه، فقال ابن عبد الظاهر من غير توقّف: يا خوند، أبلق خير من أسود. فقال السلطان:
ويلك! حتّى لا تترك رنكه «٢» أيضا، يعنى أنّ ابن عبد الظاهر كان ممّن ينتمى
стр. 2805
إلى سلّار، وكان رنك سلّار أبيض وأسود. ثم التفت السلطان إلى قاضى القضاة بدر الدين [محمد «١» ] بن جماعة وقال له: يا قاضى، كنت تفتى المسلمين بقتالى؟ فقال: معاذ الله! أن تكون الفتوى كذلك، وإنّما الفتوى على مقتضى كلام المستفتى. ثم حضر الشيخ صدر الدين محمد بن عمر [بن مكّى بن عبد الصمد «٢» الشهيربا] ن المرحّل وقبّل يد السلطان، فقال له السلطان: كنت تقول فى قصيدتك:
ما للصبىّ وما للملك يكفله
فخلف ابن المرحّل بالله ما قال هذا، وإنّما الأعداء أرادوا إتلافى فزادوا فى قصيدتى هذا البيت، والعفو من شيم الملوك فعفا عنه. وكان ابن المرحّل قد مدح المظفّر بيبرس بقصيدة عرّض فيها بذكر الملك الناصر محمد، من جملتها:
ما للصّبىّ وما للملك يكفله ... شأن الصبىّ بغير الملك مألوف
ثم استأذن شمس الدين «٣» محمد بن عدلان للدخول على السلطان، فقال السلطان للدّوادار، قل له: أنت أفتيت أنّه خارجىّ وقتاله جائز، مالك عنده دخول، ولكن عرّفه هو وأبن المرحّل يكفيهما ما قال الشّارمساحىّ «٤» فى حقّهما، وكان من خبر ذلك أن الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الشّارمساحىّ الماجن مدح السلطان الملك الناصر بقصيدة يهجو فيها المظفّر بيبرس ويعرّض لصحبته ابن المرحّل وابن عدلان، منها «٥» :
следующие страницы →