Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
والمقدّمين، واجتمعنا جميعا بالدّهليز المنصور، وقد شملنا الابتهاج، وزال عنّا الازعاج، وأفاض السلطان على الأمراء التشاريف الجليلة على طبقاتهم، والحوائص «١» الذهب الثمينة لصلاتهم، فلم يترك أميرا إلّا وصله، ولا مقدّما حتى شرّفه بالخلع وجمّله، وجدّدنا استعطاف السلطان، فيما سأله الركن من «٢» الأمان، وكلّ من الأمراء لحاضرين بين يديه يتلطّف فى سؤاله، ويتضرّع فى مقاله؛ حتّى أجاب، وعدنا بالجواب. ورحل السلطان على الأثر قاصدا الديار المصرية؛ فوصلنا إلى القلعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان، واجتمعنا بالأمير سيف الدين سلّار ووجدنا الجاشنكير قد تجاوز موضع الميعاد، وأخذ فى الإصعاد، وحمله الإجفال على الإبعاد، ولم يدعه الرّعب يستقرّ به قرار، ولا تلقّته معه أرض ولا دار؛ فاقتضى الحال أن أرسلنا إليه الكتب الشريفة الواردة على أيدينا، وعدت أنا وسيف الدين بهادر آص إلى الخدمة السلطانية، فوجدنا الدّهليز على منزلة السعيدية» . «٣» انتهى كلام بيبرس الدوادار باختصار.
قلت: ولمّا تكاملت العساكر بغزّة سار الملك الناصر يريد الديار المصريّة، فوافاه أصلم دوادار سلّار بالنّمچاه، ثم وصل «٤» رسلان الدّوادار فسّر السلطان بنزوله.
وسار حتى نزل بركة الحجّاج «٥» فى سلخ شهر رمضان، وقد جهّز إليه الأمير سلّار الطلب
стр. 2802
السلطانى والأمراء والعساكر، ثم خرج الأمير سلّار إلى لقائه، وصلّى السلطان صلاة العيد بالدّهليز ببركة الحاج فى يوم الأربعاء مستهلّ شوّال، وخرج الناس إلى لقاء السلطان الملك الناصر. وأنشد الشعراء مدائحهم بين يديه؛ فمن ذلك ما أنشده الشيخ شمس الدين محمد بن على بن موسى الداعى أبياتا منها:
الملك عاد إلى حماه كما بدا ... ومحمد بالنصر سرّ محمدا
وإيابه كالسيف عاد لغمده ... ومعاده كالورد عاوده النّدى
الحقّ مرتجع إلى أربابه ... من كفّ غاصبه وإن طال المدى
ومنها:
يا وارث الملك العقيم تهنّه ... واعلم بأنك لم تسد فيه سدى
عن خير أسلاف ورثت سريره ... فوجدت منصبه السّرىّ ممهّدا
يا ناصرا من خير منصور أتى ... كمهنّد خلف الغداة مهنّدا
آنست ملكا كان قبلك موحشا ... وجمعت شملا كان منه مبدّدا
ومنها:
فالناس أجمع قد رضوك مليكهم ... وتضرّعوا ألا تزال مخلّدا
وتباركوا بسناء غرّتك التى ... وجدوا على أنوار بهجتها هدى
الله أعطاك الذي لم يعطه ... ملكا سواك برغم آناف العدا
لا زلت منصور اللّواء مؤيّد ال ... عزمات ما هتف الحمام وغرّدا
ثم قدّم الأمير سلّار سماطا جليلا بلغت النفقة عليه اثنى عشر ألف درهم؛ وجلس عليه السلطان والأمراء والأكابر والعساكر، فلما انقضى عزم السلطان على المبيت هناك والركوب بكرة النهار يوم الخميس، فبلغه أن الأمير برلغى والأمير آقوش نائب الكرك قد اتّفقا مع البرجية على الهجوم عليه وقتله، فبعث السلطان إلى الأمراء
стр. 2803
عرّفهم بما بلغه وأمرهم بالركوب، فركبوا وركبت المماليك ودقت الكوسات وسار وقت الظهر من يوم الأربعاء، وقد احتفّت به مماليكه كى لا يصل إليه أحد من الأمراء حتى وصل إلى القلعة، وخرج الناس بأجمعهم إلى مشاهدته. فلما وصل بين العروستين «١» ترجّل سلّار عن فرسه، وترجّل سائر الأمراء ومشوا بين يديه إلى باب السّرّ «٢» من القلعة، وقد وقف جماعة من الأمراء بمماليكهم وعليهم السّلاح، حتى عبر السلطان إلى القلعة، ثم أمر السلطان الأمراء بالانصراف إلى منازلهم، وعيّن جماعة من الأمراء الذين يثق بهم أن يستمرّوا على ظهور خيولهم حول القلعة
стр. 2804
طول الليل فباتوا على ذلك، وأصبحوا من الغد وفد جلس السلطان الملك الناصر على كرسىّ الملك وهو يوم الخميس ثانى شوّال. وحضر الخليفة أبو الربيع سلمان والقضاة والأمراء وسائر أهل الدولة للهناء «١» ، فقرأ الشيخ شمس الدين محمد بن علىّ ابن موسى الداعى: «قل اللهمّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء» الآية. وأنشد بعض الشعراء هذه الأبيات:
تهنّأت الدنيا بمقدمه الذي ... أضاءت له الآفاق شرقا ومغربا
وأمّا سرير الملك فاهتز رفعة ... ليبلغ فى التشريف قصدا ومطلبا
وتاق إلى أن يعلو الملك فوقه ... كما قد حوى من قبله الأخ والأبا
وكان ذلك بحضرة الأمراء والنوّاب والعساكر، ثم حلّف السلطان الجميع على طبقاتهم ومراتبهم الكبير منهم والصغير.
ولمّا تقدّم الخليفة ليسلّم على السلطان نظر إليه وقال له: كيف تحضر وتسلّم على خارجىّ؟ هل كنت أنا خارجيّا؟ وبيبرس من سلالة بنى العباس؟ فتغيّر وجه الخليفة ولم ينطق.
قلت: والخليفة هذا، كان الملك الناصر هو الذي ولّاه الخلافة بعد موت أبيه الحاكم بأمر الله.
ثم التفت السلطان إلى القاضى علاء الدين علىّ بن عبد الظاهر الموقّع وكان هو الذي كتب عهد المظفّر بيبرس عن الخليفة، وقال له: يا أسود الوجه، فقال ابن عبد الظاهر من غير توقّف: يا خوند، أبلق خير من أسود. فقال السلطان:
ويلك! حتّى لا تترك رنكه «٢» أيضا، يعنى أنّ ابن عبد الظاهر كان ممّن ينتمى
стр. 2805
إلى سلّار، وكان رنك سلّار أبيض وأسود. ثم التفت السلطان إلى قاضى القضاة بدر الدين [محمد «١» ] بن جماعة وقال له: يا قاضى، كنت تفتى المسلمين بقتالى؟ فقال: معاذ الله! أن تكون الفتوى كذلك، وإنّما الفتوى على مقتضى كلام المستفتى. ثم حضر الشيخ صدر الدين محمد بن عمر [بن مكّى بن عبد الصمد «٢» الشهيربا] ن المرحّل وقبّل يد السلطان، فقال له السلطان: كنت تقول فى قصيدتك:
ما للصبىّ وما للملك يكفله
فخلف ابن المرحّل بالله ما قال هذا، وإنّما الأعداء أرادوا إتلافى فزادوا فى قصيدتى هذا البيت، والعفو من شيم الملوك فعفا عنه. وكان ابن المرحّل قد مدح المظفّر بيبرس بقصيدة عرّض فيها بذكر الملك الناصر محمد، من جملتها:
ما للصّبىّ وما للملك يكفله ... شأن الصبىّ بغير الملك مألوف
ثم استأذن شمس الدين «٣» محمد بن عدلان للدخول على السلطان، فقال السلطان للدّوادار، قل له: أنت أفتيت أنّه خارجىّ وقتاله جائز، مالك عنده دخول، ولكن عرّفه هو وأبن المرحّل يكفيهما ما قال الشّارمساحىّ «٤» فى حقّهما، وكان من خبر ذلك أن الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الشّارمساحىّ الماجن مدح السلطان الملك الناصر بقصيدة يهجو فيها المظفّر بيبرس ويعرّض لصحبته ابن المرحّل وابن عدلان، منها «٥» :
стр. 2806
ولّى المظفّر لمّا فاته الظّفر ... وناصر «١» الحقّ وافى وهو منتصر
وقد طوى الله من بين الورى فتنا ... كادت على عصبة الإسلام تنتشر
فقل لبيبرس إنّ الدهر ألبسه ... أثواب عارية فى طولها قصر
لمّا تولّى تولّى الخير عن أمم ... لم يحمدوا أمرهم فيها ولا شكروا
وكيف تمشى به الأحوال فى زمن ... لا النّيل وافى ولا وافاهم مطر
ومن يقوم ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحّل قل لى كيف ينتصر
وكان المطر لم يقع فى تلك السنة بأرض مصر وقصّر النيل، وشرقت البلاد وارتفع السعر. واتّفق أيضا يوم جلوس السلطان الملك الناصر أنّ الأمراء لمّا اجتمعوا قبل خروج السلطان إليهم بالإيوان، أشار الأفرم نائب الشام لمنشد يقال له مسعود أحضره معه من دمشق، فقام مسعود وأنشد أبياتا لبعض عوام القاهرة، قالها عند توجّه الملك الناصر من الديار المصرية إلى الكرك: منها:
أحبّة قلبى إنّنى لوحيد ... أريد لقاكم والمزار بعيد
كفى حزنا أنّى مقيم ببلدة ... ومن شفّ» قلبى بالفراق فريد
أجول بطرفى فى الديار فلا أرى ... وجوه أحبّائى الذين أريد
فتواجد الأفرم وبكى وحسر عن رأسه [ووضع «٣» ] الكلفتاة على الأرض، فأنكر الأمراء ذلك، وتناول الأمير قراسنقر الكلفتاة ووضعها بيده على رأس الأفرم، ثم خرج السلطان فقام الجميع، وصرخ الجاويشية فقبّل الأمراء الأرض وجرى ما ذكرناه، وانقضت الخدمة، ودخل السلطان إلى الحريم.
стр. 2807
ثم بعد الخدمة قدّم الأمير سلّار النائب عدّة من المماليك والخيول والجمال وتعابى «١» القماش ما قيمته مائتا ألف درهم، فقبل السلطان شيئا وردّ الباقى. وسأل سلّار الإعفاء من الإمرة والنيابة وأن ينعم عليه بالشّوبك فأجيب إلى ذلك، بعد أن حلف أنّه متى طلب حضر، وخلع السلطان عليه، وخرج سلّار من مصر عصر يوم الجمعة ثالث شوّال مسافرا إلى الشّوبك، فكانت مدّة نيابة سلّار على مصر إحدى عشرة سنة، وكانت الخلعة التى خلعها السلطان عليه بالعزل عن النيابة أعظم من خلعة الولاية؛ وأعطاه حياصة من الذهب مرصّعة، وتوجّه معه الأمير نظام الدين آدم مسفّرا له، واستمرّ أمير علىّ بن سلّار بالقاهرة، وأعطاه السلطان إمرة عشرة بمصر. ثم فى خامس شوّال قدم رسول المظفّر بيبرس يطلب الأمان فأمّنه السلطان.
وفيه خلع السلطان على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورىّ باستقراره فى نيابة دمشق، عوضا عن الأمير آقوش الأفرم بحكم عزله. وخلع على الأمير سيف الدين قبجق المنصورىّ بنيابة حلب عوضا عن قراسنقر. وخلع على أسندمر كرجى بنيابة حماة عوضا عن قبجق، وخلع على الحاج بهادر الحلبىّ بنيابة طرابلس عوضا عن أسندمر كرجى. وخلع على قطلوبك المنصورىّ بنيابة صفد عوضا عن بكتمر الجوكندار. واستقرّ [سنقر «٢» ] الكمالىّ حاجب الحجّاب بديار مصر على عادته، وقرالاچين أمير مجلس على عادته. وبيبرس الدوادار على عادته، وأضيف إليه نيابة دار العدل «٣» ونظر الأحباس. وخلع على الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نائب الشام كان بنيابة صرخد على خبز مائة فارس. وأنعم السلطان على نوغاى القبچاقىّ بإقطاع الأمير قطلوبك المنصورىّ، وهو إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. ونوغاى هذا هو صاحب الواقعة مع المظفّر والخارج من مصر إلى الكرك. انتهى.
стр. 2808
ثم رسم السلطان لشهاب الدين بن عبادة بتجهيز الخلع والتشاريف لسائر أمراء الشام ومصر فجهّزت، وخلع عليهم كلّهم فى يوم الاثنين سادس شوّال، وركبوا بالخلع والتشاريف فكان لركوبهم يوم عظيم. وفى يوم الأحد ثانى عشر شوّال استقرّ فخر الدين «١» عمر بن الخليلىّ فى الوزارة عوضا عن ضياء الدين النشائىّ. ثم رسم السلطان للنوّاب بالسفر، فأوّل من سافر منهم الأمير قبجق نائب حلب، وخرجت معه تجريدة من العساكر المصريّة خوفا من طارق يطرق البلاد. والذي تجرّد مع قبجق من أمراء مصرهم: الأمير جبا أخو سلّار، وطرنطاى البغدادىّ، وعلاء الدين أيدغدى، و [سيف الدين «٢» ] بهادر الحموىّ، و [سيف الدين «٣» ] بلبان الدّمشقىّ، وسابق الدين بوزنا «٤» الساقى، وركن الدين بيبرس الشجاعىّ، و [سيف الدين «٥» ] كورى السلاح دار، و [علاء الدين «٦» ] آقطوان الأشرفىّ، و [سيف الدين «٧» ] بهادر الجوكندار، و [سيف الدين «٨» ] بلبان الشمسىّ، و [علاء الدين «٩» ] أيدغدى الزّرّاق، و [سيف الدين «١٠» ] كهرداش الزّرّاق، و [سيف الدين «١١» ] بكتمر أستادار، و [عز الدين «١٢» ] أيدمر الإسماعيلىّ، و [فارس الدين «١٣» ] أقطاى الجمدار، وجماعة من أمراء العشرات. فلمّا وصلوا إلى حلب رسم بإقامة جماعة منهم بالبلاد الشاميّة، عدّتهم ستة من أمراء الطبلخاناه، وعادت البقيّة.
وفى يوم الخميس سادس عشر شوّال حضر الأمراء للخدمة على العادة، وقد قرّر السلطان مع مماليكه القبض على عدّة من الأمراء، وأنّ كل عشرة يقبضون أميرا ممّن عينهم، بحيث يكون العشرة عند دخول الأمير محتفّة به، فإذا رفع السّماط واستدعى السلطان أمير جاندار قبض كلّ جماعة على من عيّن لهم، فلمّا حضر الأمراء
стр. 2809
فى الخدمة أحاط بهم المماليك ففهموا القصد وجلسوا على السّماط، فلم يتناول أحد منهم لقمة، وعند ما نهضوا أشار السلطان إلى أمير جاندار فتقدّم إليه وقبض المماليك على الأمراء المعيّنين، وعدّتهم اثنان وعشرون أميرا فلم يتحرّك أحد منهم، فبهت الجميع ولم يفلت منهم سوى جركتمر بن بهادر رأس نوبة، فإنّه لما فهم القصد وضع يده على أنفه كأنّه رعف وخرج من غير أن يشعر به أحد؛ واختفى عند الأمير قراسنقر، وكان زوج أخته فشفع قرا سنقر فقبل السلطان شفاعته.
وكان الأمراء المقبوض عليهم: الأمير باكير «١» وأيبك البغدادىّ وقينغار «٢» التّقوىّ وقجماس وصاروجا وبيبرس، وبيدمر وتينوا «٣» ، ومنكوبرس، وإشقتمر، والسّيواسىّ و [سنقر] الكمالىّ الحاجب، والحاجّ بيليك [المظّفرىّ «٤» ] ، والغتمى، وإكبار، وحسن الرّدادىّ، وبلاط وتمربغا، وقيران، ونوغاى الحموىّ وهو غير نوغاى القبجاقىّ صاحب الواقعة «٥» ، وجماعة أخر تتمّة الاثنين وعشرين أميرا. وفى ثالث عشرين شوّال استقرّ الأمير [سيف الدين «٦» ] بكتمر الجوكندار المنصورىّ فى نيابة السلطنة بديار مصر عوضا عن سلّار. وفيه أمّر السلطان اثنين وثلاثين أميرا من مماليكه، منهم: تنكز الحسامىّ الذي ولى نيابة الشام بعد ذلك، وطغاى «٧» ، وكستاى «٨» ، وقجليس «٩» ، وخاصّ ترك،
стр. 2810
وطط قرا «١» ، وأقتمر «٢» ، وأيدمر الشّيخىّ، وأيدمر الساقى «٣» ، وبيبرس أمير آخور، وطاجار [الماردينى الناصرى «٤» ] وخضر بن نوكاى، وبهادر قبجق «٥» ، والحاج أرقطاى، وأخوه [سيف الدين»
] أيتمش المحمّدى، وأرغون الدّوادار الذي صار بعد ذلك نائب السلطنة بمصر، وسنقر المرزوقى «٧» ، وبلبان الجاشنكير، وأسنبغا [بن عبد الله «٨» المحمودىّ الأمير سيف الدين] ، وبيبغا «٩» المكىّ، وأمير علىّ بن قطلوبك، ونوروز أخو جنكلى، وألجاى الحسامى، وطيبغا حاجّى، ومغلطاى العزىّ «١٠» صهر نوغاى، وقرمشى الزينى، وبكتمر قبجق «١١» ، وتينوا الصالحىّ، ومغلطاى البهائى، وسنقر السّلاح دار، ومنكلى بغا، وركبوا الجميع بالخلع والشرابيش من المنصوريّة «١٢» ببين القصرين «١٣» وشقّوا القاهرة، وقد أوقدت الحوانيت كلّها إلى الرّميلة «١٤» وصفّت المغانى وأرباب الملاهى فى عدّة أماكن، ونثرت عليهم الدراهم فكان يوما مشهودا. وكان المذكورون منهم أمراء طبلخاناه وعشراوات. وفيه قبض السلطان على برلغى الأشرفى وجماعة أخر. ثمّ بعد أيام أيضا قبض السلطان على الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ الأستادار، والأمير [بدر الدين «١٥» ] بكتوت الفتاح أمير جاندار بعد ما حضرا من عند الملك المظفّر بيبرس؛ وخلع عليهما، وذلك بعد الفتك بالمظفّر بيبرس حسب
стр. 2811
ما ذكرناه فى ترجمة المظفّر بيبرس، وسكتنا عنه هنا لطول قصّته، ولقصر مدّة حكايته، فإنّه بالأمس ذكر فليس لتكراره محلّ، ومن أراد ذلك فلينظر فى ترجمة المظفّر بيبرس. انتهى. وفيه سفّر الأمراء المقبوض عليهم إلى حبس الإسكندريّة، وكتب بالإفراج عن المعتقلين بها، وهم: آقوش المنصورىّ قاتل الشجاعىّ، والشيخ على التّتارىّ، ومنكلى التّتارى، وشاورشى «١» [قنقر] وهو الذي كان أثار فتنة الشجاعىّ، وكتبغا، وغازى وموسى أخوا حمدان بن صلغاى، فلمّا حضروا خلع عليهم وأنعم عليهم بإمريات فى الشام. ثم أحضر شيخ الإسلام تقىّ الدين أحمد ابن تيميّة من سجن الإسكندرية وبالغ فى إكرامه، وكان حبسه المظفّر لأمر وقع بينه وبين علماء دمشق ذكرناه فى غير هذا الكتاب، وهو بسبب الاعتقاد وما يرمى به أو باش الحنابلة. وفى يوم الثلاثاء تاسع عشرين صفر سنة عشر وسبعمائة عزل السلطان قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى عن قضاء الديار المصرية بقاضى القضاة جمال الدين أبى داود سليمان ابن مجد الدين أبى حفص عمر الزرعىّ، وعزل قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم السّروجىّ الحنفىّ، فأقام بعد عزله ستة «٢» أيام ومات.
ثم كتب السلطان الملك الناصر بالقبض على الأمراء الذين كان أطلقهم من حبس الإسكندرية وأنعم عليهم بإمريات بالبلاد الشاميّة خوفا من شرّهم.
ثم استقر السلطان بالأمير بكتمر الحسامى حاجب دمشق فى نيابة غزّة عوضا عن بلبان البدرىّ. ثم قبض السلطان على قطقطو، والشيخ علىّ وضروط، مماليك سلّار،
стр. 2812
وأمّر عوضهم جماعة من مماليكه وحواشيه، منهم: بيبغا الأشرفىّ، و [سيف الدين «١» ] جفتاى «٢» ، وطيبغا الشمسىّ، وأيدمر الدوادار، وبهادر «٣» النقيب.
وفيها حضر ملك العرب حسام الدين مهنّا أمير آل فضل فأكرمه السلطان وخلع عليه، وسأل مهنّا السلطان فى أشياء وأجابه، منها: ولاية حماة للملك المؤيّد إسماعيلى ابن الملك الأفضل [علىّ «٤» ابن المظفّر محمود ابن المنصور محمد تقي الدين] الأيّوبىّ، فأجابه إلى ذلك ووعده بها بعد أسندمر كرجى، ومنها الشفاعة فى أيدمر الشّيخىّ فعفا عنه وأخرجه إلى قوص «٥» ، ومنها الشفاعة فى الأمير برلغى الأشرفىّ، وكان فى الأصل مملوكه قد كسبه مهنّا هذا من التتار ثم أهداه إلى الملك المنصور قلاوون، فورثه منه ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون، فعدّد السلطان الملك الناصر ذنوبه فما زال به مهنّا حتى خفّف عنه، وأذن للناس فى الدخول عليه، ووعده بالإفراج عنه بعد شهر، فرضى بذلك وعاد إلى بلاده وهو كثير الشكر والثناء على الملك الناصر.
ولما فرغ السلطان الملك الناصر من أمر المظفّر بيبرس وأصحابه ولم يبق عنده ممّن يخشاه إلّا سلّار، ندب إليه السلطان الأمير ناصر الدين محمد ابن أمير سلاح بكتاش الفخرىّ وكتب على يده كتابا بحضوره إلى مصر، فاعتذر سلّار عن الحضور إلى الديار المصرية بوجع فى فؤاده، وأنّه يحضر إذا زال عنه، فتخيّل السلطان من تأخّره وخاف أن يتوجّه إلى التتار؛ فكتب إلى قراسنقر نائب الشام وإلى أسندمر نائب حماة بأخذ الطّرق على سلّار لئلّا يتوجّه إلى التتار. ثم بعث الملك الناصر بالأميرين: بيبرس الدوادار وسنجر الجاولى إلى الأمير سلّار، وأكّد عليهما إحضاره
стр. 2813
وأن يضمنا له عن السلطان أنه يريد إقامته عنده يستشيره فى أمور المملكة، فقدما على سلّار وبلّغاه عن السلطان ما قال، فوعدهما أنه يحضر، وكتب الجواب بذلك، فلما رجعا اشتد قلق السلطان وكثر خياله منه.
وأمّا سلّار فإنه تحيّر فى أمره واستشار أصحابه فاختلفوا عليه، فمنهم: من أشار بتوجّهه إلى السلطان، ومنهم من أشار بتوجّهه إلى قطر من الأقطار: إمّا إلى التتار أو إلى اليمن أو إلى برقة، فعوّل على المسير إلى اليمن، ثم رجع عن ذلك وأجمع على الحضور إلى السلطان، وخرج من الشّوبك وعنده ممّن سافر معه [من مصر «١» ] أربعمائة وستون فارسا، فسار إلى القاهرة، فعند ما قدم على الملك الناصر قبض عليه وحبسه بالبرج «٢» من قلعة الجبل، وذلك فى سلخ شهر «٣» ربيع الأوّل سنة عشر وسبعمائة. ثم ضيّق السلطان على الأمير برلغى بعد رواح الأمير مهنّا، وأخرج حريمه من عنده؛ ومنع ألّا يدخل إليه أحد بأكل ولا شرب حتى أشفى على الموت ويبست أعضاؤه وخرس لسانه من شدّة الجوع، ومات ليلة الأربعاء ثانى شهر رجب.
وأمّا أمر سلّار فإنه لما حضر بين يدى الملك الناصر عاتبه عتابا كثيرا وطلب منه الأموال، وأمر الأمير سنجر الجاولى أن ينزل معه ويتسلّم منه ما يعطيه من الأموال، فنزل معه إلى داره ففتح سلّار سربا تحت الأرض، فأخرج منه سبائك ذهب وفضّة وجرب من [الأديم «٤» ] الطائفىّ، فى كل جراب عشرة آلاف دينار، فحملوا من ذلك السّرب أكثر من [حمل «٥» ] خمسين بغلا من الذهب والفضة، ثم طلع سلّار إلى الطارمة «٦» التى كان يحكم عليها فخفروا تحتها، فأخرجوا سبعا وعشرين خابية مملوءة
стр. 2814
ذهبا، ثم أخرج من الجواهر «١» شيئا كثيرا، منها: حجر بهرمان زنته أربعون مثقالا، وأخرج ألفى حياصة ذهب مجوهرة بالفصوص، وألفى قلادة من الذهب، كلّ قلادة تساوى مائة دينار، وألفى كلفتاة زركش وشيئا كثيرا؛ يأتى ذكره أيضا بعد أن نذكر وفاته. منها: أنهم وجدوا له لجما مفضّضة فنكتوا الفضّة عن السيور ووزنوها، فجاء وزنها عشرة قناطير بالشامى. ثم إنّ السلطان طلبه وأمر أن يبنى عليه أربع حيطان فى مجلسه، وأمر ألّا يطعم ولا يسقى؛ وقيل: إنه لما قبض عليه وحبسه بقلعة الجبل أحضر إليه طعاما فأبى سلّار أن يأكل وأظهر الغضب، فطولع السلطان بذلك، فأمر بألّا يرسل إليه طعام بعد هذا، فبقى سبعة أيام لا يطعم ولا يسقى وهو يستغيث الجوع، فأرسل إليه السلطان ثلاثة أطباق مغطّاة بسفر الطعام، فلما أحضروها بين يديه فرح فرحا عظيما وظنّ أنّ فيها أطعمة يأكل منها، فكشفوها فإذا فى طبق ذهب، وفى الآخر فضّة، وفى الآخر لؤلؤ وجواهر، فعلم سلّار أنه ما أرسل إليه هذه الأطباق إلا ليقابله على ما كان فعله معه، فقال سلّار: الحمد لله الذي جعلنى من أهل المقابلة فى الدنيا! وبقى على هذه الحالة اثنى عشر يوما ومات، فأعلموا الملك الناصر بموته فجاءوا إليه، فوجدوه قد أكل ساق خفّه، وقد أخذ السّرموجة «٢» وحطّها فى فيه وقد عضّ عليها بأسنانه وهو ميّت؛ وقيل: إنهم دخلوا عليه قبل موته وقالوا: السلطان قد عفا عنك، فقام من الفرح ومشى خطوات ثم خرّ ميّتا، وذلك فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة؛ وقيل: فى العشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة.
فأخذه الأمير علم الدين سنجر الجاولى بإذن السلطان وتولّى غسله وتجهيزه، ودفنه
стр. 2815
بتربته «١» التى أنشأها بجانب مدرسته على الكبش خارج القاهرة بالقرب من جامع ابن طولون، لصداقة كانت بين الجاولى وسلّار قديما وحديثا. وكان سلّار أسمر اللون أسيل الخدّ لطيف القدّ صغير اللّحية تركىّ الجنس، وكان أصله من مماليك الملك الصالح علىّ بن قلاوون الذي مات فى حياة والده قلاوون؛ وكان سلّار أميرا جليلا شجاعا مقداما عاقلا سيوسا، وفيه كرم وحشمة ورياسة، وكانت داره «٢» ببين القصرين بالقاهرة. وقيل: إنّ سلار لما حج المرّة الثانية فرّق فى أهل الحرمين أموالا كثيرة وغلالا وثيابا، تخرج عن حدّ الوصف حتى إنه لم يدع بالحرمين فقيرا، وبعد هذا مات، وأكبر شهواته رغيف خبز، وكان فى شونته يوم مات من الغلال ما يزيد على أربعمائة ألف إردب. وكان سلّار ظريفا لبّيسا كبير الأمراء فى عصره،
стр. 2816
اقترح أشياء من الملابس كثيرة مثل السّلّارى وغيره، ولم يعرف لبس السّلّارىّ قبله، وكان شهد وقعة شقحب «١» مع الملك الناصر وأبلى فى ذلك اليوم بلاء حسنا وثخنت «٢» جراحاته، وله اليد البيضاء فى قتال التتار. وتولّى نيابة السلطنة بديار مصر، فاستقلّ فيها بتدبير الدولة الناصرية نحو عشر سنين. ومن جملة صدقاته أنه بعث إلى مكة فى سنة اثنتين وسبعمائة فى البحر المالح عشرة آلاف إردب قمح ففرّقت فى أهل مكة، وكذا فعل بالمدينة. وكان فارسا، كان إذا لعب بالكرة لا يرى فى ثيابه عرق، وكذا فى لعب الرمح مع الإتقان فيهما.
وأمّا ما خلّفه من الأموال فقد ذكرنا منه شيئا ونذكر منه أيضا ما نقله بعض المؤرّخين. قال الجزرىّ «٣» : وجد لسلّار بعد موته ثمانمائة ألف ألف دينار، وذلك غير الجوهر والحلىّ والخيل والسلاح. قال الحافظ أبو عبد الله الذّهبىّ: هذا كالمستحيل، وحسب زنة الدينار وجمله بالقنطار فقال: يكون ذلك حمل خمسة آلاف بغل، وما سمعنا عن أحد من كبار السلاطين أنه ملك هذا القدر، ولا سيما ذلك خارج عن الجوهر وغيره. انتهى كلام الذهبىّ.
قلت: وهو معذور فى الجزرىّ، فإنه جازف وأمعن.
وقال ابن دقماق «٤» فى تاريخه «٥» : وكان يدخل إلى سلّار فى كل يوم من أجرة أملاكه ألف دينار. وحكى الشيخ محمد «٦» بن شاكر الكتبىّ فيما رآه بخط الإمام العالم
стр. 2817
العلّامة علم الدين «١» البرزالىّ، قال: رفع إلىّ المولى جمال الدين ابن الفويرة «٢» ورقة فيها قبض أموال سلّار وقت الحوطة عليه فى أيام متفرّقة، أولها يوم الأحد: ياقوت أحمر وبهرمان «٣» رطلان. بلخش «٤» رطلان ونصف. زمرّد ربحانىّ «٥» وذبابىّ «٦» تسعة عشر رطلا.
صناديق ضمنها فصوص [وجواهر «٧» ] ستة. ما بين زمرّد وعين «٨» الهرّ ثلثمائة قطعة كبار. لؤلؤ مدوّر من مثقال إلى درهم ألف ومائة «٩» وخمسون حبّة. ذهب عين مائتا ألف دينار وأربعة وأربعون ألف دينار. ودراهم أربعمائة ألف وأحد وسبعون ألف درهم. يوم الاثنين: فصوص مختلفة رطلان. ذهب عين خمسة وخمسون ألف دينار، دراهم ألف ألف درهم. مصاغ وعقود ذهب
стр. 2818
مصرىّ أربع قناطير. فضّيّات طاسات وأطباق وطشوت ستّ قناطير. يوم الثلاثاء: ذهب عين خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم ثلثمائة ألف درهم وثلاثون ألف درهم. قطزيّات «١» وأهلّه وطلعات صناجق فضّة ثلاثة قناطير.
يوم الأربعاء: ذهب عين ألف ألف دينار، دراهم ثلثمائة ألف درهم. أقبية بفرو قاقم «٢» ثلثمائة قباء. أقبية حرير عمل الدار «٣» ملوّنة [بفرو «٤» ] سنجاب «٥» أربعمائة قباء، سروج «٦» ذهب مائة سرج. ووجد له عند صهره أمير موسى ثمانية صناديق لم يعلم ما فيها، حملت إلى الدور السلطانية. وحمل أيضا من عند سلّار إلى الخزانة تفاصيل «٧» طردوحش «٨» ، وعمل الدار ألف تفصيلة. ووجد له خيام «٩» السّفر ستّ عشرة نوبة كاملة.
ووصل معه من الشّوبك ذهب مصرىّ خمسون ألف دينار، ودراهم أربعمائة الف درهم وسبعون ألف درهم، وخلع ملوّنة ثلثمائة خلعة وخركاه «١٠» كسوتها أطلس أحمر
стр. 2819
معدنىّ مبطّن بأزرق مرو زىّ [وستر «١» ] بابها زركش «٢» . ووجد له خيل ثلثمائة فرس، ومائة وعشرون قطار بغال، ومائة وعشرون قطار جمال. هذا خارج عمّا وجد له من الأغنام والأبقار والجواميس والأملاك والمماليك والجوارى والعبيد. ودلّ مملوكه على مكان مبنىّ فى داره فوجدوا حائطين مبنيين بينهما أكياس ما علم عدّتها، وفتح مكان آخر فيه فسقيّة ملانة ذهبا منسبكا بغير أكياس.
قلت: وممّا زاد سلّار من العظمة أنّه لمّا ولى النيابة فى الدولة الناصرية محمد بن قلاوون، وصار إليه وإلى بيبرس الجاشنكير تدبير المملكة حضر إلى الديار المصرية الملك العادل زين الدين كتبغا الذي كان سلطان الديار المصرية وعزل بحسام الدين لاچين، ثم استقرّ نائب صرخد ثم نائب حماة، فقدم كتبغا إلى القاهرة وقبّل الأرض بين يدى الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثمّ خرج من عنده وأتى سلّار هذا ليسلّم عليه، فوجد سلّار راكبا وهو يسير فى حوش داره، فنزل كتبغا عن فرسه وسلّم على سلّار، وسلّار على فرسه لم ينزل عنه، وتحادثا حتى انتهى كلام كتبغا، وعاد إلى حيث نزل بالقاهرة؛ فهذا شىء لم يسمع بمثله! انتهى.
وبعد موت سلّار قدم على السلطان البريد بموت الأمير قبجق المنصورىّ نائب حلب، وكان الملك الناصر عزل أسندمر كرجى عن نيابة حماة وولّى نيابة حماة للملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل، فسار إليه المؤيّد من دمشق فمنعه أسندمر، فأقام المؤيّد بين حماة ومصر ينتظر مرسوم السلطان، فاتّفق موت قبجق نائب حلب، فسار أسندمر من حماة إلى حلب وكتب يسأل السلطان فى نيابة حلب، فأعطاها له، وأسرّ ذلك فى نفسه، لكونه أخذ نيابتها باليد، ثم عزل السلطان بكتمر
стр. 2820
الحسامى الحاجب عن نيابة غزّة وأحضره إلى القاهرة، وولّى عوضه على نيابة غزّة الأمير قطلقتمر «١» ، وخلع على بكتمر الحاجب بالوزارة بالديار المصرية عوضا عن فخر الدين [عمر «٢» ] بن الخليلىّ. ثم قدم البريد بعد مدة- لكن فى السنة- بموت الأمير الحاج بهادر الحلبىّ نائب طرابلس، فكتب السلطان بنقل الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من نيابة صرخد إلى نيابة طرابلس عوضا عن الحاج بهادر المذكور فسار إليها، وفرح السلطان بموت الحاج بهادر فرحا عظيما، فإنّه كان يخافه ويخشى شرّه.
ثم التفت السلطان بعد موت قبجق والحاج بهادر المذكور إلى أسندمر كرجى، وأخرج تجريدة من الديار المصرية، وفيها من الأمراء كراى المنصورىّ وهو مقدّم العسكر، وسنقر الكمالىّ حاجب الحجّاب، وأيبك الرّومىّ وبينجار وكجكن وبهادر آص فى عدّة من مضافيهم من أمراء الطبلخاناه والعشرات ومقدّمى الحلقة «٣» ، وأظهر أنّهم توجهوا لغزو سيس، وكتب لأسندمر كرجى بتجهيز آلات الحصار على العادة، والاهتمام فى هذا الأمر حتى يصل إليه العسكر من مصر. وكتب الملك الناصر إلى المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة بالمسير مع العسكر المصرىّ. ثم خرج الأمير كراى من القاهرة بالعساكر فى مستهلّ ذى القعدة سنة عشر وسبعمائة.
وبعد خروج هذا العسكر من مصر توحّش خاطر الأمير بكتمر الجو كندار نائب السلطنة من الملك الناصر وخاف على نفسه، واتّفق مع الأمير بتخاص المنصورىّ على إقامة الأمير مظفّر الدين موسى ابن الملك الصالح علىّ بن قلاوون فى السلطنة، والاستعانة بالمماليك المظفّريّة، وبعث إليهم فى ذلك فوافقوه. ثم شرع النائب
стр. 2821
بكتمر الجوكندار فى استمالة الأمراء ومواعدة المماليك المظفّريّة الذين بخدمة الأمراء، على أنّ كل طائفة تقبض على الأمير الذي هى فى خدمته فى يوم عيّنه لهم، ثم يسوق الجميع إلى قبّة «١» النّصر خارج القاهرة، ويكون الأمير موسى المذكور قد سبقهم هناك، فدبّروا ذلك حتّى انتظم الأمر ولم يبق إلّا وقوعه، فنمّ عليهم إلى الملك الناصر بيبرس الجمدار أحد المماليك المظفّريّة، وهو ممّن اتّفق معهم بكتمر الجوكندار، أراد بذلك أن يتخذ يدا عند السلطان الملك الناصر بهذا الخبر، فعرّف خشداشه قراتمر الخاصّكى بما عزم عليه فوافقه. وكان بكتمر الجوكندار قد سيّر يعرّف الأمير كراى المنصورىّ بذلك، لأنّه كان خشداشه، وأرسل كذلك إلى قطلوبك المنصورىّ نائب صفد ثم إلى قطلقتمر نائب غزّة؛ فأمّا قطلوبك وقطلقتمر فوافقاه، وأمّا كراى فأرسل نهاه وحذّره من ذلك، فلم يلتفت بكتمر، وتمّ على ما هو عليه. فلمّا بلغ السلطان هذا الخبر وكان فى اللّيل لم يتمهّل، وطلب الأمير موسى إلى عنده وكان يسكن بالقاهرة، فلما نزل إليه الطلب هرب، ثم استدعى الأمير بكتمر الجوكندار النائب، وبعث أيضا فى طلب بتخاص، وكانوا إذ ذاك يسكنون بالقلعة، فلما دخل إليه بكتمر أجلسه وأخذ يحادثه حتى أتاه المماليك بالأمير بتخاص، فلما رآه بكتمر علم أنه قد هلك، فقيّد بتخاص وسجن وأقام السلطان ينتظر الأمير موسى، فعاد إليه الجاولى ونائب الكرك وأخبراه بفراره فاشتدّ غضبه عليهما، وما طلع النهار حتّى أحضر السلطان الأمراء وعرّفهم بما قد وقع، ولم يذكر اسم بكتمر النائب، وألزم السلطان الأمير كشدغدى البهادرىّ والى القاهرة بالنداء على الأمير موسى، ومن أحضره من الجند فله إمرته، وإن كان من العامّة فله ألف دينار، فنزل ومعه
стр. 2822
الأمير فخر الدين إياز «١» شادّ الدواوين وأيدغدى شقير، وألزم السلطان سائر الأمراء بالإقامة بالقاعة «٢» الأشرفيّة من القلعة حتى يظهر خبر الأمير موسى. ثم قبض السلطان على حواشى الأمير موسى وجماعته وعاقب كثيرا منهم، فلم يزل الأمر على ذلك من ليلة الأربعاء إلى يوم الجمعة. قبض على الأمير موسى المذكور من بيت «٣» أسنادار الفارقانىّ من حارة «٤» الوزيريّة بالقاهرة، وحمل إلى القلعة فسجن بها، ونزل الأمراء إلى دورهم، وخلّى عن الأمير بكتمر النائب أيضا ونزل إلى داره، ورسم السلطان بتسمير أستادار الفارقانىّ، ثم عفا عنه وسار إلى داره، وتتبّع السلطان المماليك المظفّريّة، وفيهم: بيبرس [الجمدار] الذي نمّ عليهم وعملوا فى الحديد، وأنزلوا ليسمّروا تحت القلعة، وقد حضر نساؤهم وأولادهم، وجاء الناس من كلّ موضع وكثر البكاء والصّراخ عليهم- رحمة لهم- والسلطان ينظر فأخذته الرحمة عليهم فعفا عنهم، فتركوا ولم يقتل أحد منهم، فكثر الدعاء للسلطان والثناء عليه.
وأمّا أمر أسندمر كرجى فإنّ الأمير كراى لما وصل بالعساكر المصرية إلى حمص وأقام بها على ما قرّره السلطان معه حتى وصل إليه الأمير منكوتمر الطبّاخى، وكان السلطان كتب معه ملطّفات إلى أمراء حلب بقبض نائبها أسندمر كرجى
стр. 2823
فى الباطن، وكتب فى الظاهر لكراى وأسندمر كرجى بما أراده من عمل المصالح، فقضى كراى شغله من حمص وركب وتهيّأ من حمص، وجدّ فى السير جريدة حتى وصل إلى حلب فى يوم ونصف، فوقف بمن معه تحت قلعة حلب عند ثلث الليل الآخر، وصاح: «يا لعلى» ، وهى الإشارة التى رتّبها بينه وبين نائب قلعة حلب، فنزل نائب القلعة عند ذلك بجميع رجالها وقد استعدّوا للحرب، وزحف الأمير كراى على دار النيابة ولحق به أمراء حلب وعسكرها، فسلّم الأمير أسندمر كرجى نفسه بغير قتال، فأخذ وقيّد وسجن بقلعتها وأحيط على موجوده، وسار منكوتمر الطبّاخى على البريد بذلك إلى السلطان، ثم حمل أسندمر كرجى إلى السلطان صحبة الأمير بينجار وأيبك الرّومىّ. فخاف عند ذلك الأمير قرا سنقر نائب الشام على نفسه، وسأل أن ينتقل من نيابة دمشق إلى نيابة حلب ليبعد عن الشرّ، فأجيب إلى ذلك، وكتب بتقليده وجهّز إليه فى آخر ذى الحجة من سنة عشر وسبعمائة على يد الأمير أرغون الدّوادار الناصرىّ، وأسرّ له السلطان بالقبض عليه إن أمكنه ذلك. وقدم أسندمر كرجى إلى القاهرة واعتقل بالقلعة، وبعث يسأل السلطان عن ذنبه فأعاد جوابه؛ مالك ذنب، إلا أنك قلت لى لما ودّعتك عند سفرك: أوصيك يا خوند:
لا تبق فى دولتك كبشا كبيرا وأنشئ مماليكك! ولم يبق عندى كبش كبير غيرك.
ثمّ قبض السلطان على طوغان نائب البيرة، وحمل إلى السلطان فحبس أياما ثم أطلقه وولّاه شدّ الدواوين [بدمشق «١» ] .
وفى مستهلّ سنة إحدى عشرة وسبعمائة وصل الأمير أرغون الدّوادار إلى الشام [لتسفير قراسنقر «٢» المنصورى منها إلى نيابة حلب] فاحترس منه الأمير قراسنقر على نفسه، وبعث إليه عدّة من مماليكه يتلقونه ويمنعون
стр. 2824
أحدا ممن جاء معه أن ينفرد مخافة أن يكون معه ملطّفات إلى أمراء «١» دمشق.
ثم ركب قراسنقر إليه ولقيه بميدان الحصى خارج دمشق، وأنزله عنده بدار السعادة «٢» وكلّ بخدمته من ثقاته جماعة. فلما كان من الغد أخرج له أرغون تقليده فقبّله وقبّل الأرض على العادة، وأخذ فى التجهيز ولم يدع قراسنقر أرغون أن ينفرد عنه، بحيث إنه أراد زيارة أماكن «٣» بدمشق فركب معه قراسنقر بنفسه، حتى قضى أرغون أربه وعاد، وتمّ كذلك إلى أن سافر. فلما أراد قراسنقر السفر بعث إلى الأمراء ألا يركب أحد منهم لوداعه، وألا يخرج من بيته، واستعدّ وقدّم أثقاله أوّلا فى الليل، فلما أصبح ركب يوم الرابع من المحرّم بمماليكه، وعدّتهم ستمائة فارس، وركب أرغون الدوادار بجانبه وبهادر آص فى جماعة قليلة، وسار معه أرغون حتى أوصله إلى حلب ثم عاد. وقلّد الأمير كراى المنصورىّ نيابة الشام عوضا عن قراسنقر، وأنعم كراى على أرغون الدّوادار بألف دينار سوى الخيل والخلع وغير ذلك.
ثم إنّ الملك الناصر عزل الأمير بكتمر الحسامى عن الوزارة وولاه حجوبيّة الحجّاب بالديار المصرية عوضا عن سنقر الكمالىّ. ولا زال السلطان يتربّص فى أمر بكتمر الجوكندار النائب حتى قبض عليه بحيلة دبّرها عليه فى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى من سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقبض معه على عدّة من الأمراء، منهم:
стр. 2825
صهر «١» الجوكندار ألكتمر الجمدار وأيدغدى العثمانى «٢» ، ومنكوتمر الطبّاخىّ وبدر الدين بكمش «٣» الساقى وأيدمر الشّمسى «٤» وأيدمر الشيخى، وسجنوا الجميع إلّا الطباخى فإنه قتل من وقته.
والحيلة التى دبّرها السلطان على قبض بكتمر الجوكندار أنه نزل السلطان إلى المطعم «٥» وبكتمر بإزائه، فخرج السلطان من البرج «٦» ومال إلى بكتمر وقال يا عمى:
ما بقى فى قلبى من أحد إلّا فلان وفلان وذكر له أميرين، فقال له بكتمر: يا خوند، ما تطلع من المطعم إلا وتجدنى قد أمسكتهما، وكان ذلك يوم الثلاثاء، فقال له السلطان: لا، يا عمى إلا دعهما إلى يوم الجمعة؛ تمسكهما فى الصلاة، فقال له:
السمع والطاعة. ثم إنّ السلطان جهّز لبكتمر تشريفا هائلا ومركوبا معظّما، فلما كان يوم الجمعة قال له فى الصلاة: والله يا عمى مالى وجه أراهما! وأستحى منهما، ولكن أمسكهما إذا دخلت أنا إلى الدار، وتوجّه بهما إلى المكان الفلانى تجد هناك منكلى بغا وقجماس فسلّمهما إليهما، ورح أنت، فأمسكهما بكتمر الجوكندار وتوجّه بهما إلى المكان المذكور له، فوجد الأميرين: قجماس ومنكلى بغا هناك، فقاما إليه وقالا له: عليك السمع والطاعة لمولانا السلطان وأخذا سيفه، فقال لهما:
стр. 2826
يا خشداشيتى ما هو هكذا الساعة كما فارقت السلطان، وقال لى: أمسك هؤلاء، فقالا: ما القصد إلا أنت، فأمسكاه وأطلقا الأميرين، وكان ذلك آخر العهد ببكتمر الجوكندار كما يأتى ذكره. انتهى.
ثم أرسل السلطان استدعى الأمير بيبرس الدّوادار المنصورىّ المؤرّخ وولّاه نيابة السلطنة بديار مصر عوضا عن بكتمر الجوكندار، ثم أرسل السلطان قبض أيضا على الأمير كراى المنصورىّ نائب الشام بدار السعادة فى يوم الخميس ثانى عشرين جمادى الأولى، وحمل مقيّدا إلى الكرك فحبس بها. وسبب القبض عليه كونه كان خشداش بكتمر الجوكندار ورفيقه، ثم قبض السلطان على الأمير قطلوبك نائب صفد بها، وكان أيضا ممن وافق بكتمر على الوثوب مع الأمير موسى حسب ما تقدّم ذكره. ثم خلع السلطان على الأمير آقوش الأشرفى نائب الكرك باستقراره فى نيابة دمشق عوضا عن كراى المنصورىّ، واستقر بالأمير بهادرآص فى نيابة صفد عوضا عن قطلوبك، ثم نقل السلطان بكتمر الجوكندار النائب وأسندمر كرجى من سجن الإسكندرية إلى سجن الكرك، فبقى بسجن الكرك جماعة من أكابر الأمراء مثل: بكتمر الجوكندار وكراى المنصورىّ وأسندمر كرجى وقطلوبك المنصورىّ نائب صفد وبيبرس العلائى فى آخرين. ثم عزل السلطان مملوكه أيتمش المحمّدى عن نيابة الكرك، واستقرّ فى نيابتها بيبغا الأشرفىّ، وكان السلطان قد استناب أيتمش هذا على الكرك لما خرج منها [إلى دمشق «١» ] .
وأما قراسنقر فإنه أخذ فى التدبير لنفسه خوفا من القبض عليه كما قبض على غيره، واصطنع العربان وهاداهم، وصحب سليمان بن مهنّا وآخاه، وأنعم عليه وعلى أخيه موسى حتى صار الجميع من أنصاره، وقدم عليه الأمير مهنّا إلى حلب وأقام
стр. 2827
عنده أياما وأفضى إليه قراسنقر بسرّه، وأوقفه على كتاب السلطان بالقبض على مهنّا، وأنه لم يوافق على ذلك، ثم بعث قراسنقر يسأل السلطان فى الإذن له فى الحجّ فجهّز قراسنقر حاله، وخرج من حلب فى نصف شوّال ومعه أربعمائة مملوك، واستناب بحلب الأمير قرطاى وترك عنده عدّة من مماليكه لحفظ حواصله، فكتب السلطان لقرطاى بالاحتراس، وألّا يمكّن قراسنقر من حلب إذا عاد، ويحتج عليه بإخضار مرسوم السلطان بتمكينه من ذلك. ثم كتب إلى نائب غزّة ونائب الشام ونائب الكرك وإلى بنى عقبة «١» بأخذ الطريق على قراسنقر، فقدم البريد أنّه سلك البرّيّة إلى صرخد وإلى زيزاء «٢» ، ثم كثر خوفه من السلطان فعاد من غير الطريق التى سلكها، ففات أهل الكرك القبض عليه فكتبوا بالخبر إلى السلطان فشقّ عليه؛ ثم وصل قراسنقر إلى ظاهر حلب فبلغه ما كتب السلطان إلى قرطاى فعظم خوفه وكتب إلى مهنّا، فكتب مهنّا إلى قرطاى أن يخرج حواصل قراسنقر وإلّا هجم مدينة حلب وأخذ ماله قهرا، فخاف قرطاى من ذلك، وجهّز كتابه إلى السلطان فى طىّ كتابه، وبعث بشىء من حواصل قراسنقر إلى السلطان مع ابن قراسنقر الأمير عز الدين فرج، فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة عشرة، وأقام بالقاهرة مع أخيه أمير على بن قراسنقر. ثم إن سليمان بن مهنّا قدم على قراسنقر، فأخذه ومضى وأنزله فى بيت أمّه فاستجار قراسنقر بها فأجارته، ثم أتاه مهنّا وقام له بما يليق به. ثم بعث مهنّا يعرّف السلطان بما وقع لقراسنقر وأنه استجار بأمّ سليمان فأجارته، وطلب من
стр. 2828
السلطان العفو عنه؛ فأجاب السلطان سؤاله، وبعث إليه أن يخيّر قراسنقر فى بلد من البلاد حتى يولّيه إياها، فلما سافر قاصد مهنّا وهو ابن مهنا لكنه غير سليمان جهّز السلطان تجريدة هائلة فيها عدّة كثيرة من الأمراء وغيرهم إلى جهة مهنّا، فاستعدّ مهنّا وكتب قراسنقر إلى الأفرم نائب طرابلس يستدعيه اليه، فأجابه ووعده بالحضور إليه. ثم بعث قراسنقر ومهنّا إلى السلطان وخدعاه وطلب قراسنقر صرخد، فانخدع السلطان وكتب له تقليدا بصرخد، وتوجّه إليه بالتقليد أيتمش المحمّدى، فقبّل قراسنقر الأرض، واحتج حتّى يصل إليه ماله بحلب ثم يتوجّه إلى صرخد، فقدمت أموال قراسنقر من حلب، فما هو إلا أن وصل إليه ماله، وإذا بالأفرم قد قدم عليه من الغد ومعه خمسة أمراء من أمراء طبلخاناه وستّ عشراوات فى جماعة من التّركمان فسّر قراسنقر بهم، ثم استدعوا أيتمش وعدّدوا «١» عليه من قتله السلطان من الأمراء، وأنهم خافوا على أنفسهم وعزموا على الدخول فى بلاد التتار، وركبوا بأجمعهم، وعاد أيتمش إلى الأمراء المجرّدين بحمص وعرّفهم الخبر، فرجعوا عائدين إلى مصر بغير طائل. وقدم الخبر على السلطان بخروج قراسنقر والأفرم إلى بلاد التّتار فى أوّل سنة اثنتى عشرة وسبعمائة؛ وقيل إنّ الأفرم لما خرج هو وقراسنقر إلى بلاد التتار بكى الأفرم، وأنشد:
سيذكرنى قومى إذا جدّ جدّهم «٢» ... وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقال له قراسنقر: امش بلا فشار «٣» ، تبكى عليهم ولا يبكون عليك! فقال الأفرم:
والله ما بى إلا فراق ابنى موسى، فقال قراسنقر: أىّ بغاية «٤» بصقت فى رحمها جاء
стр. 2829
منه موسى وإبراهيم وعدّد أسماء كثيرة، وتوجّها. انتهى. ثم إن السلطان أفرج عن الأمير أيدمر الخطيرى وأنعم عليه بخبز الأمير علم الدين سنجر الجاولى.
وفى أوّل سنة اثنتى عشرة وسبعمائة كملت عمارة الجامع الجديد «١» الناصرىّ بمصر القديمة على النيل ووقف عليه عدّة أوقاف كثيرة. وأما قراسنقر والأفرم فإنهما سارا بمن معهما إلى بلاد التّتار، فخرج خربندا ملك التّتار وتلقّاهم وترجّل لهم وترجّلوا له وبالغ فى إكرامهم وسار بهم إلى مخيّمه وأجلسهم معه على التّخت، وضرب لكلّ منهم خركاه ورتّب لهم الرواتب السنّية، ثم استدعاهم بعد يومين واختلى بقراسنقر فحسّن له قراسنقر عبور الشام وضمن له تسليم البلاد بغير قتال. ثم اختلى بالأفرم فحسّن له أيضا أخذ الشام الّا أنه خيّله من قوّة السلطان وكثرة عساكره. ثم إن خربندا أقطع قواسنقر مراغة «٢» وأقطع الأفرم همذان «٣» ، واستمرّوا هناك إلى ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
ولمّا حضر من تجرّد من الأمراء إلى الديار المصرية حضر معهم الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الذي ولى نيابة الشام بعد كراى المنصورىّ، فقبض السلطان عليه وعلى الأمير بيبرس الدّوادار نائب السلطان صاحب التاريخ،
стр. 2830
وعلى سنقر الكمالىّ، ولاچين الجاشنكير وبينجار وألدكز الأشرفىّ «١» ، ومغلطاى المسعودىّ وسجنوا بالقلعة فى شهر ربيع الأوّل سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وذلك لميلهم إلى قراسنقر والأفرم. ثم خلع السلطان على تنكز الحسامى الناصرى بنيابة دمشق دفعة واحدة عوضا عن آقوش نائب الكرك؛ وتنكز هذا هو أوّل من رقّاه من مماليكه إلى الرّتب السنيّة. ثم استقرّ بسودى الجمدار فى نيابة حلب، واستقرّ تمر «٢» الساقى المنصورىّ فى نيابة طرابلس.
ثم إنّ السلطان عزل مهنّا بأخيه فضل ورسم بأنّ مهنّا لا يقيم بالبلاد.
ثم قبض السلطان على الأمير بيبرس المجنون وبيبرس العلمىّ وسنجر البروانى وطوغان المنصورىّ وبيبرس التاجى، وقيّدوا وحملوا من دمشق إلى الكرك فى سادس «٣» ربيع الآخر من السنة. ثم أمّر السلطان فى يوم واحد ستة وأربعين أميرا، منهم طبلخاناه تسعة وعشرون وعشروات سبعة عشر وشقّوا القاهرة بالشرابيش والخلع. ثم فى يوم الاثنين أوّل جمادى الأولى خلع السلطان على مملوكة أرغون الدّوادار بنيابة السلطنة بالديار المصريّة عوضا عن بيبرس الدّوادار بحكم القبض عليه. ثم خلع السلطان على بلبان طرنا أمير باندار بنيابة صفد عوضا عن بهادر آص، وأن يرجع بهادر آص إلى دمشق أميرا على عادته أوّلا. ثم ركب السلطان إلى الصيد ببر الجيزة وأمّر جماعة من مماليكه، وهم: طقتمر «٤» الدّمشقى، وقطلوبغا الفخرىّ المعروف بالفول المقشّر، وطشتمر البدرىّ المعروف بحمّص أخضر. ثم ورد على السلطان الخبر بحركة خربندا ملك التتار، فكتب السلطان إلى الشام بتجهيز الإقامات، وعرض السلطان العساكر
стр. 2831
وأنفق فيهم الأموال، وابتدأ بالعرض فى خامس عشر «١» شهر ربيع الآخر، وكمل فى أوّل جمادى «٢» الأولى، فكان يعرض فى كلّ يوم أميرين من مقدّمى الألوف، وكان يتولّى العرض هو بنفسه ويخرجان الأميران بمن أضيف إليهما من الأمراء ومقدّمى الحلقة والأجناد، ويرحّلون شيئا بعد شئ من أوّل شهر رمضان إلى ثامن عشرينه حتى لم يبق بمصر أحد من العسكر. ثم خرج السلطان فى ثانى شوّال ونزل مسجد التّبن «٣» خارج القاهرة ورحل منه فى يوم الثلاثاء «٤» ثالث من شوّال، ورتّب بالقلعة نائب الغيبة الأمير [سيف الدين «٥» ] أيتمش المحمّدى الناصرى. فلمّا كان ثامن شوّال قدم البريد برحيل التتار ليلة سادس عشرين رمضان من الرّحبة وعودهم إلى بلادهم بعد ما أقاموا عليها من أوّل شهر رمضان. فلمّا بلغ السلطان ذلك فرّق العساكر فى قاقون «٦» وعسقلان «٧» ؛ وعزم على الحجّ ودخل دمشق فى تاسع عشر شوّال، وخرج منها فى ثانى ذى القعدة إلى الكرك، وأقام بدمشق أرغون النائب والوزير أمين الملك ابن الغنّام «٨» يجمع المال. وتوجّه السلطان من الكرك إلى الحجاز فى أربعين أميرا فحجّ وعاد إلى دمشق فى يوم الثلاثاء حادى عشر المحرّم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وكان لدخوله دمشق يوم مشهود، وعبر دمشق على ناقة وعليه بشت من ملابس العرب بلثام وبيده حربة، فأقام بدمشق خمسة عشر يوما وعاد إلى مصر، فدخلها يوم ثانى عشر صفر.
стр. 2832
ثم عمل السلطان فى هذه السنة (أعنى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة) الرّوك بدمشق، وندب إليه الأمير علم الدين سنجر الجاولى نائب غزّة. ثم إنّ السلطان تجهّز إلى بلاد الصعيد ونزل من قلعة الجبل فى ثانى عشرين شهر رجب من السنة ونزل تحت الأهرام «١» بالجيزة، وأظهر أنّه يريد الصيد، والقصد السفر للصعيد وأخذ العربان لكثرة فسادهم، وبعث عدّة من الأمراء حتّى أمسكوا طريق السّويس وطريق الواحات فضبط البرّين على العربان، ثم رحل من منزلة الأهرام إلى جهة الصعيد وفعل بالعربان أفعالا عظيمة من القتل والأسر، ثم عاد إلى الديار المصريّة فدخلها فى يوم السبت عاشر شهر رمضان. وكان ممّن قبض عليه السلطان مقداد بن «٢» شمّاس، وكان قد عظم ماله، حتّى كان عدّة جواريه أربعمائة جارية، وعدّة أولاده ثمانين. وكان السلطان قد ابتدأ فى أوّل هذه السنة بعمارة القصر الأبلق «٣» على الإسطبل «٤» السلطانى ففرغ فى سابع عشر شهر رجب، وقصد السلطان أن يحاكى
стр. 2833
به قصر الملك الظاهر بيبرس البندقدارى الذي بظاهر دمشق، واستدعى له صنّاع دمشق وصنّاع مصر حتى كمل وأنشأ بجانبه جنينة، وقد ذهبت تلك الجنينة كما ذهب غيرها من المحاسن. ثمّ إنّ السلطان رسم بهدم مناظر اللّوق بالميدان الظاهرى «١» ، وعمله بستانا وأحضر إليه سائر أصناف الزراعات، واستدعى خولة الشام والمطعّمين فباشروه حتّى صار من أعظم البساتين، وعرف أهل جزيرة «٢» الفيل من ذلك اليوم التطعيم للشجر.
стр. 2834
ثم فى سنة أربع عشرة وسبعمائة كتب السلطان لنائب [حلب و «١» ] حماة وحمص وطرابلس وصفد بأن أحدا منهم لا يكاتب السلطان، وإنّما يكاتب الأمير تنكز نائب الشام، ويكون تنكز هو المكاتب للسلطان فى أمرهم، فشقّ ذلك على النوّاب، وأخذ الأمير [سيف الدين «٢» ] بلبان طرنا نائب صفد ينكر ذلك؛ فكاتب فيه تنكز حتّى عزل، واستقرّ عوضه الأمير بلبان البدرى، وحمل بلبان طرنا مقيّدا إلى مصر. ثمّ إن السلطان اهتم بعمارة الجسور بأرض مصر وترعها، وندب الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ إلى الشرقية «٣» ، والأمير علاء الدين أيدغدى شقير
стр. 2835
إلى البهنساويّة «١» والأمير حسين «٢» ابن جندر إلى أسيوط «٣» ومنفلوط «٤» ، والأمير سيف الدين آقول «٥» الحاجب إلى الغربية «٦» ، والأمير سيف الدين قلّى أمير سلاح
стр. 2836
إلى الطّحاويّة «١» وبلاد الأشمونين «٢» ، والأمير جنكلى بن البابا إلى القليوبية «٣» ، والأمير بهادر المعزّى «٤» إلى إخميم «٥» ، والأمير بهاء الدين «٦» أصلم إلى قوص «٧» .
стр. 2837
ثم إنّ السلطان قبض على الأمير [علاء الدين «١» ] أيدغدى شقير وعلى الأمير بكتمر الحسامى الحاجب صاحب الدار «٢» خارج باب النصر فى أوّل شهر ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وسبعمائة فقتل أيدغدى شقير من يومه، لأنه اتّهم أنه يريد الفتك بالسلطان، وأخذ من بكتمر الحاجب مائة ألف دينار وسجن. ثم قبض السلطان على الأمير طغاى، وعلى الأمير تمر الساقى نائب طرابلس وحمل إلى قلعة الجبل، وقبض على الأمير [سيف الدين»
] بهادر آص وحمل إلى الكرك من دمشق، واستقرّ الأمير كستاى الناصرىّ نائب طرابلس عوضا عن تمر الساقى. ثم أفرج السلطان عن الأمير قجماس المنصورىّ أحد البرجية من الحبس، وأخرج الأمير بدر الدين محمد بن الوزيرىّ إلى دمشق منفيّا. ثم فى ثامن عشر شهر رجب أفرج السلطان عن الأمير آقوش الأشرفىّ نائب الكرك، وخلع عليه وأنعم عليه بإقطاع الأمير حسام الدين لاچين الأستادار بعد موته.
стр. 2838
وفى العشر الأخير من شعبان من سنة خمس عشرة وسبعمائة وقع الشروع فى عمل الرّوك «١» بأرض مصر، وسبب ذلك أنّ أصحاب بيبرس الجاشنكير وسلّار وجماعة من البرجية، كان خبز الواحد منهم ما بين ألف مثقال فى السنة إلى ثلثمائة «٢» مثقال، فأخذ السلطان أخبازهم وخشى الفتنة، وقرّر مع فخر الدين [محمد بن فضل الله «٣» ] ناظر الجيش روك البلاد، وأخرج الأمراء إلى الأعمال، فتعيّن الأمير بدر الدين جنكلى بن البابا إلى الغربية «٤» ومعه آقول «٥» الحاجب والكاتب مكين الدين إبراهيم بن قروينة. وتعيّن للشرقية الأمير أيدمر الخطيرى ومعه أيتمش المحمدى والكاتب أمين الدين قرموط، وتعيّن للمنوفية «٦»
стр. 2839
والبحيرة «١» الأمير بلبان الصّرخدى و [طرنطاى «٢» ] القلنجقىّ و [محمد «٣» ] بن طرنطاى وبيبرس الجمدار. وتعيّن جماعة أخر للصعيد «٤» ، وتوجّه كلّ أمير إلى عمله. فلمّا نزلوا بالبلاد استدعى كلّ أمير مشايخ البلاد ودلاتها «٥» وقيّاسيها وعدو لها وسجلّات كلّ بلد، وعرف متحصّلها ومقدار فدنها ومبلغ عبرتها، وما يتحصّل منه للجندىّ من العين والغلّة والدّجاج والإوزّ والخراف والكشك والعدس والكعك. ثم قاس الأمير تلك «٦» الناحية وكتب بذلك عدّة نسخ، ولا زال يعمل ذلك فى كلّ بلد حتّى انتهى أمر عمله. وعادوا بعد خمسة وسبعين يوما بالأوراق، فتسلّمها فخر الدين ناظر الجيش، وطلب التّقىّ «٧» كاتب برلغى وسائر مستوفي الدولة، ليفردوا الخاصّ السلطان بلادا ويضيفوا الجوالى «٨» إلى البلاد، وكانت الجوالى قبل ذلك إلى وقت الرّوك لها ديوان مفرد
стр. 2840
يختصّ بالسلطان، فأضيف جوالى كلّ بلد إلى متحصل خراجها، وأبطلت جهات المكوس التى كانت أرزاق الجند عليها، منها ساحل الغلّة «١» ، وكانت هذه الجهة مقطعة لأربعمائة جندىّ من أجناد المحلقه سوى الأمراء، وكان متحصّلها فى السنة أربعة آلاف ألف وستمائة ألف درهم.
قلت: وهذا القدر يكون الآن شيئا كثيرا من الذهب من سعر يومنا هذا. وكان إفطاع الجندىّ من عشرة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم، وللأمراء من أربعين ألفا
следующие страницы →