← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

إلى الطّحاويّة «١» وبلاد الأشمونين «٢» ، والأمير جنكلى بن البابا إلى القليوبية «٣» ، والأمير بهادر المعزّى «٤» إلى إخميم «٥» ، والأمير بهاء الدين «٦» أصلم إلى قوص «٧» .

стр. 2837

ثم إنّ السلطان قبض على الأمير [علاء الدين «١» ] أيدغدى شقير وعلى الأمير بكتمر الحسامى الحاجب صاحب الدار «٢» خارج باب النصر فى أوّل شهر ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وسبعمائة فقتل أيدغدى شقير من يومه، لأنه اتّهم أنه يريد الفتك بالسلطان، وأخذ من بكتمر الحاجب مائة ألف دينار وسجن. ثم قبض السلطان على الأمير طغاى، وعلى الأمير تمر الساقى نائب طرابلس وحمل إلى قلعة الجبل، وقبض على الأمير [سيف الدين» ] بهادر آص وحمل إلى الكرك من دمشق، واستقرّ الأمير كستاى الناصرىّ نائب طرابلس عوضا عن تمر الساقى. ثم أفرج السلطان عن الأمير قجماس المنصورىّ أحد البرجية من الحبس، وأخرج الأمير بدر الدين محمد بن الوزيرىّ إلى دمشق منفيّا. ثم فى ثامن عشر شهر رجب أفرج السلطان عن الأمير آقوش الأشرفىّ نائب الكرك، وخلع عليه وأنعم عليه بإقطاع الأمير حسام الدين لاچين الأستادار بعد موته.

стр. 2838

وفى العشر الأخير من شعبان من سنة خمس عشرة وسبعمائة وقع الشروع فى عمل الرّوك «١» بأرض مصر، وسبب ذلك أنّ أصحاب بيبرس الجاشنكير وسلّار وجماعة من البرجية، كان خبز الواحد منهم ما بين ألف مثقال فى السنة إلى ثلثمائة «٢» مثقال، فأخذ السلطان أخبازهم وخشى الفتنة، وقرّر مع فخر الدين [محمد بن فضل الله «٣» ] ناظر الجيش روك البلاد، وأخرج الأمراء إلى الأعمال، فتعيّن الأمير بدر الدين جنكلى بن البابا إلى الغربية «٤» ومعه آقول «٥» الحاجب والكاتب مكين الدين إبراهيم بن قروينة. وتعيّن للشرقية الأمير أيدمر الخطيرى ومعه أيتمش المحمدى والكاتب أمين الدين قرموط، وتعيّن للمنوفية «٦»

стр. 2839

والبحيرة «١» الأمير بلبان الصّرخدى و [طرنطاى «٢» ] القلنجقىّ و [محمد «٣» ] بن طرنطاى وبيبرس الجمدار. وتعيّن جماعة أخر للصعيد «٤» ، وتوجّه كلّ أمير إلى عمله. فلمّا نزلوا بالبلاد استدعى كلّ أمير مشايخ البلاد ودلاتها «٥» وقيّاسيها وعدو لها وسجلّات كلّ بلد، وعرف متحصّلها ومقدار فدنها ومبلغ عبرتها، وما يتحصّل منه للجندىّ من العين والغلّة والدّجاج والإوزّ والخراف والكشك والعدس والكعك. ثم قاس الأمير تلك «٦» الناحية وكتب بذلك عدّة نسخ، ولا زال يعمل ذلك فى كلّ بلد حتّى انتهى أمر عمله. وعادوا بعد خمسة وسبعين يوما بالأوراق، فتسلّمها فخر الدين ناظر الجيش، وطلب التّقىّ «٧» كاتب برلغى وسائر مستوفي الدولة، ليفردوا الخاصّ السلطان بلادا ويضيفوا الجوالى «٨» إلى البلاد، وكانت الجوالى قبل ذلك إلى وقت الرّوك لها ديوان مفرد

стр. 2840

يختصّ بالسلطان، فأضيف جوالى كلّ بلد إلى متحصل خراجها، وأبطلت جهات المكوس التى كانت أرزاق الجند عليها، منها ساحل الغلّة «١» ، وكانت هذه الجهة مقطعة لأربعمائة جندىّ من أجناد المحلقه سوى الأمراء، وكان متحصّلها فى السنة أربعة آلاف ألف وستمائة ألف درهم. قلت: وهذا القدر يكون الآن شيئا كثيرا من الذهب من سعر يومنا هذا. وكان إفطاع الجندىّ من عشرة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم، وللأمراء من أربعين ألفا

стр. 2841

إلى عشرة آلاف درهم، فآقتنى المباشرون منها أموالا عظيمة، فإنّها كانت أعظم الجهات الديوانيّة وأجلّ معاملات مصر. وكان الناس منها فى أنواع من الشدائد لكثرة المغارم والعسف والظّلم، فإنّ أمرها كان يدور على نواتية «١» المراكب والكيّالين والمشدّين والكتّاب؛ وكان المقرّر على كل إردب درهمين ويلحقه نصف درهم آخر سوى ما كان ينهب. وكان له ديوان فى بولاق خارج المقس «٢» ، وقبله كان له خصّ يعرف بخصّ الكيّالة «٣» . وكان فى هذه الجهة نحو ستين رجلا ما بين نظّار ومستوفين وكتّاب وثلاثين جنديّا للشدّ، وكانت غلال الأقاليم لا تباع إلّا فيه، فأزال الملك الناصر هذا الظلم جميعه عن الرعيّة، ورخص سعر القمح من ذلك اليوم، وانتعش الفقير وزالت هذه الظّلامة عن أهل مصر، بعد أن راجعته أقباط مصر فى ذلك غير مرّة، فلم يلتفت إلى قول قائل- رحمه الله تعالى- ما كان أعلى همّته، وأحسن تدبيره. وأبطل الملك الناصر أيضا نصف السّمسرة الذي كان أحدثه ابن الشّيخىّ «٤» فى وزارته- عامله الله تعالى بعدله- وهو أنه من باع شيئا فإنّ دلالة كل مائة درهم درهمان، يؤخذ منها درهم للسلطان، فصار الدلّال يحسب حسابه ويخلّص درهمه

стр. 2842

قبل درهم السلطان؛ فأبطل الملك الناصر ذلك أيضا، وكان يتحصل منه جملة كثيرة وعليها جند مستقطعة. وأبطل السلطان الملك الناصر أيضا رسوم الولايات والمقدّمين والنّوّاب والشّرطية، وهى أنها كانت تجبى من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش، وكان عليها أيضا جند مستقطعة وأمراء، وكان فيها من الظلم والعسف وهتك الحرم وهجم البيوت وإظهار الفواحش ما لا يوصف، فأبطل ذلك كلّه- سامحه الله تعالى وعفا عنه-. وأبطل ما كان مقرّرا للحوائص والبغال، وكان يجبى من المدينة ومن الوجهين: القبلىّ والبحرىّ، ويحمل فى كلّ قسط من أقساط السنة إلى بيت المال عن ثمن الحياصة ثلثمائة درهم، وعن ثمن البغل خمسمائة درهم، وكان على هذه الجهة أيضا عدّة مقطعين، سوى ما كان يحمل إلى الخزانة، فكان فيها من الظلم بلاء عظيم؛ فأبطل الملك الناصر ذلك كلّه، ﵀. وأبطل أيضا ما كان مقرّرا على السجون، وهو على كلّ من سجن ولو لحظة واحدة مائة «١» درهم سوى ما يغرمه. وكان أيضا على هذه الجهة عدّة مقطعين، ولها ضامن يجبى ذلك من سائر السجون؛ فأبطل ذلك كلّه، ﵀. وأبطل ما كان مقرّرا من طرح الفراريح «٢» ، وكان لها ضمّان فى سائر الأقاليم، كانت تطرح على الناس بالنواحى الفراريح؛ وكان فيها أيضا من الظّلم والعسف وأخذ

стр. 2843

لأموال من الأرامل والفقراء والأيتام ما لا يمكن شرحه، وكان عليها عدّة مقطعين ومرتّبات، ولكل إقليم ضامن مقرّر، ولا يقدر أحد أن يشترى فروّجا إلّا من الضامن، فأبطل الناصر ذلك، ولله الحمد. وأبطل ما كان مقرّرا للفرسان، وهو شىء تستهديه الولاة والمقدمون من سائر الأقاليم، فيجى من ذلك مال عظيم، ويؤخذ فيه الدرهم ثلاثة «١» دراهم من كثرة الظلم، فأبطل الملك الناصر ذلك، رحمه الله تعالى. وأبطل ما كان مقررا على الأقصاب والمعاصر، كان يجبى من مزارعى الأقصاب وأرباب المعاصر ورجال المعصرة، فيحصل من ذلك شىء كثير. وأبطل ما كان يؤخذ من رسوم الأفراح، كانت تجبى من سائر البلاد، وهى جهة لا يعرف لها أصل فبطل ذلك ونسى، ولله الحمد. وأبطل جباية المراكب، كانت تجبى من سائر المراكب التى فى بحر النيل بتقرير معيّن على كلّ مركب، يقال له مقرّر «٢» الحماية، كان يجبى ذلك من مسافرى المراكب سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، فبطل ذلك أيضا. وأبطل ما كان يأخذه مهتار «٣» طشتخاناه السلطان من البغايا والمنكرات والفواحش، وكانت جملة مستكثرة.

стр. 2844

وأبطل ضمان تجيب «١» بمصر وشدّ الزعماء «٢» وحقوق السودان وكشف مراكب النوبة، فكان يؤخذ عن كلّ عبد وجارية مبلغ مقرّر عند نزولهم فى الخانات، وكانت جهة قبيحة شنيعة إلى الغاية، فأراح الله المسلمين منها على يد الملك الناصر، ﵀. وأبطل أيضا متوفّر الجراريف «٣» بالأقاليم، وكان عليها عدّة كثيرة من المقطعين. وأبطل ما كان مقرّرا على المشاعلية من تنظيف أسربة البيوت والحمّامات والمسامط وغيرها، فكان إذا امتلأ سراب بيت أو مدرسة لا يمكن شيله حتى يحضر الضامن ويقرّر أجرته بما يختار، ومتى لم يوافقه صاحب البيت تركه ومضى حتى يحتاج إليه ويبذل له ما يطلب. وأبطل ما كان مقرّرا من الجبى برسم ثمن العبى «٤» وثمن ركوة» السّوّاس. وأبطل أيضا وظيفتى النظر والاستيفاء من سائر الأعمال، وكان فى كل بلد ناظر ومستوف ومباشرون، فرسم السلطان ألّا يستخدم أحد فى إقليم لا يكون للسلطان فيه مال، وما كان للسلطان فيه مال يكون ناظرا وأمين حكم لا غير، ورفع يد سائر المباشرين من البلاد.

стр. 2845

قلت: وكلّ ما فعله الملك الناصر من إبطال هذه المظالم والمكوس دليل على حسن اعتقاده وغزير عقله وجودة تدبيره وتصرّفه، حيث أبطل هذه الجهات القبيحة التى كانت من أقبح الأمور وأشنعها وعوّضها من جهات لا يظلم فيها الرجل الواحد. ومثله فى ذلك كمثل الرجل الشجاع الذي لا يبالى بالقوم، كثروا أو قلّوا، فهو يكرّ فيهم فإن أوغل فيهم خلص، وإن كرّ راجعا لا يبالى بمن هو فى أثره، لما يعلم ما فى يده من نفسه، فأبطل لذلك ما قبح وأحدث ما صلح من غير تكلّف، وعدم تخوّف، فلله درّه من ملك عمّر البلاد، وعمّر بالإحسان العباد. وهذا بخلاف من ولى بعده من السلاطين فإنهم لقصر باعهم عن إدراك المصلحه، مهما رأوه، ولو كان فيه هلاك الرعية، وعذاب البرية؛ يقولون: بهذا جرت العادة من قبلنا، فلا سبيل إلى تغيير ذلك ولو هلك العالم، فلعمرى هل تلك العادة حدثت من الكتاب والسّنة، أم أحدثها ملك مثلهم! وما أرى هذا وأمثاله إلّا من جميل صنع الله تعالى، كى يتميّز العالم من الجاهل. انتهى. ثم رسم السلطان الملك الناصر [بالمسامحة «١» ] بالبواقى الديوانية والإقطاعية من سائر النواحى إلى آخر سنة أربع «٢» عشرة وسبعمائة. وجل الرّوك «٣» الهلالىّ لاستقبال صفر سنة ستّ عشرة وسبعمائة، والرّوك «٤» الخراجىّ لاستقبال ثلث مغلّ سنة خمس عشرة

стр. 2846

وسبعمائة. وأفرد السلطان لخاصته الجيزية «١» وأعمالها، وأخرجت الجوالى من الخاص وفرّقت فى البلاد، وأفردت الجهات التى بقيت من المكس كلها، وأضيفت إلى الوزير، وأفردت للحاشية بلاد، ولجوامك المباشرين بلاد، ولأرباب الرواتب جهات. وارتجعت عدّة بلاد كانت اشتريت من بيت المال وحبست، فأدخلت فى الإقطاعات. قلت: وشراء الإقطاعات من بيت المال شراء لا يعبأ الله به قديما وحديثا، فإنه متى احتاج بيت مال المسلمين إلى بيع قرية من القرى، وإنفاق ثمنها فى مصالح المسلمين! فهذا شىء لم يقع فى عصر من الأعصار «٢» ، وإنما تشترى القرية من بيت المال؛ ثم إن السلطان يهب للشارى ثمن تلك القرية، فهذا البيع وإن جاز فى الظاهر لا يستحلّه الورع، ولا فعله السّلف، حتى إنّ الملك لا تجوز له النفقة من بيت المال إلّا بالمعروف، فمتى جاز له أن يهب الألوف المؤلّفة من أثمان القرى لمن لا يستحقّ أن يكون له النّزر اليسير من بيت المال، وهذا أمر ظاهر معروف يطول الشرح فى ذكره. وفى قصّة سيّدنا عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ما فرضه لنفسه من بيت المال كفاية عن الإكثار فى هذا المعنى. انتهى. ثم إن السلطان رسم بأن يعتدّ فى سائر البلاد بما كان يهديه الفلّاحين وحسب من جملة المبلغ. فلمّا فرغ من العمل فى ذلك نودى فى الناس بالقاهرة ومصر وسائر الأعمال بإبطال ما أبطل من جهات المكس وغيره، وكتبت المراسيم بذلك إلى سائر النواحى بهذا الإحسان العظيم، فسّر الناس بذلك قاطبة سرورا عظيما، وضجّ العالم بالدعاء للسلطان بسائر الأقطار، حتى شكر ذلك ملوك الفرنج، وهابته من حسن تدبيره. ووقع ذلك لملوك التتار وأرسلوا فى طلب الصّلح حسب ما يأتى ذكره.

стр. 2847

ثم جلس السلطان الملك الناصر بالإيوان «١» الذي أنشأه بقلعة الجبل فى يوم الخميس ثانى عشرين ذى الحجّة سنة خمس عشرة وسبعمائة لتفرقة المثالات «٢» . وهذا الرّوك يعرف بالرّوك الناصرى المعمول به إلى يومنا هذا، وحضروا الناس ورسم السلطان أن يفرّق فى كلّ يوم على أميرين من المقدّمين بمضافيهما، فكان المقدّم يقف بمضافيه، ويستدعى كلّ واحد باسمه، فإذا تقدّم المطلوب سأله السلطان، من أنت؟ ومملوك من أنت؟ حتّى لا يخفى عليه شىء من أمره، ثم يعطيه مثالا يلائمه؛ فأظهر السلطان فى هذا العرض عن معرفة تامّة بأحوال رعيّته، وأمور جيوشه وعساكره؛ وكان كبار الأمراء تحضر التّفرقة فكانوا إذا أخذوا فى شكر جندىّ عاكسهم السلطان، وأعطاه دون ما كان فى أملهم له، وأراد بذلك ألّا يتكلّم أحدهم فى المجلس، فلمّا علموا بذلك أمسكوا عن الكلام والشكر، بحيث إنّه لا يتكلّم أحد منهم بعد ذلك إلا ردّ جواب له عما يسأل عنه فمشى الحال بذلك على أحسن وجه من غير غرض ولا عصبيّة، وأعطى لكلّ واحد ما يستحقّه. قلت: وأين هذه الفعلة من فعل الملك الظاهر برقوق، ﵀؛ وقد أظهر من قلّة المعرفة، وإظهار الغرض التامّ، حيث أنعم على قريبه الأمير قجماس بإمرة

стр. 2848

مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وهو إذ ذاك لا يحسن يتلفّظ بالشهادتين، فكان مباشر وإقطاعه يدخلون إليه مع أرباب وظائفه فيجدون الفقيه يعلّمه الشهادة وقراءة الفاتحة وهو كالتّيس بين يدى الفقيه! فكان ذلك من جملة ذنوب الملك الظاهر برقوق التى عدّدوها له عند خروج الناصرىّ «١» ومنطاش «٢» عليه، ونفرت القلوب منه حتى خلع وحبس حسب ما يأتى ذكره. ولم أرد بذلك الحطّ على الملك الظاهر المذكور غير أنّ الشيء بالشيء يذكر. انتهى. ثم فعل السلطان الملك الناصر ذلك مع مماليكه وعساكره، فكان يسأل المملوك عن اسمه واسم تاجره وعن أصله وعن قدومه إلى الديار المصرية، وكم حضر مصافّ، وكم لعب بالرمح [وعن «٣» ] سنّه، ومن كان خصمه فى لعب الرّمح، وكم أقام سنة بالطبقة؟ فإن أجابه بصدق أنصفه وإلّا تركه، ورسم له بجامكيّة هيّنة حتى يصل إلى رتبة من يقطع بباب السلطان، فأعجب الناس هذا غاية العجب. وكان الملك الناصر أيضا يخيّر الشيخ المسنّ بين الإقطاع والراتب، فيعطيه ما يختاره، ولم يقطع فى هذا العرض إلا العاجز عن الحركة، فيرتّب له ما يقوم به عوضا عن إقطاعه. واتّفق للسلطان أشياء فى هذا العرض، منها: أنّه تقدّم إليه شاب تامّ الخلقة فى وجهه أثر يشبه ضربة السيف، فأعجبه وناوله مثالا بإقطاع جيّد، وقال له: فى أىّ مصاف وقع فى وجهك هذا السيف؟ فقال يا خوند: هذا ما هو أثر سيف، وإنّما وقعت من سلّم فصار فى وجهى هذا الأثر، فتبسّم السلطان وتركه،

стр. 2849

فقال له الفخر ناظر الجيش: ما بقى يصلح له هذا الخبز، فقال الملك الناصر: قد صدقنى وقال الحق، وقذ أخذ رزقه، فلو قال: أصبت فى المصافّ الفلانى، من كان يكذّبه! فدعت الأمراء له وانصرف الشابّ بالإقطاع. ومنها: أنّه تقدّم إليه رجل دميم الخلق وله إقطاع ثقيل، عبرته «١» ثمانمائة دينار، فأعطاه مثالا وانصرف به، عبرته نصف ما كان فى يده، فعاد وقبّل الأرض، فسأله السلطان عن حاجته؟ فقال: الله يحفظ السلطان، فإنّه غلط فى حقّى، فإنّ إقطاعى كانت عبرته ثمانمائة دينار، وهذا عبرته أربعمائة دينار؛ فقال السلطان: بل الغلط كان فى إقطاعك الأول، فامض بما قسم الله لك؛ وأشياء من هذا النوع إلى أن انتهت تفرقة المثالات فى آخر المحرّم سنة ستّ عشرة وسبعمائة، فوقر منها نحو مائتى مثال «٢» . ثم أخذ السلطان فى عرض مماليك الطّباق ووفّر جوامك «٣» عدّة منهم، ثم أفرد جهة قطيا «٤» للعاجزين من الأجناد، وقرّر لكلّ منهم ثلاثة آلاف [درهم «٥» ] فى السنة. ثم إن السلطان ارتجع ما كانت المماليك البرجيّة اشترته من أراضى الجيزة وغيرها. وارتجع السلطان أيضا ما كان لبيبرس وسلّار وبرلغى والجوكندار وغيرهم من الرّزق «٦»

стр. 2850

وغيرها، وأضاف ذلك كلّه لخاصّ السلطان، وبالغ السلطان فى إقامة الحرمة فى أيّام العرض، وعرّف الأمير أرغون النائب وأكابر الأمراء أنّه من ردّ مثالا أو تضرّر أو شكا ضرب وحبس وقطع خبزه، وأنّ أحدا من الأمراء لا يتكلّم مع السلطان فى أمر جندىّ ولا مملوك، فلم يتجاسر أحد يخالف ما رسم به؛ وغبن فى هذا الرّوك أكثر الأجناد، فإنّهم أخذوا إقطاعا دون الإقطاع الذي كان معهم، وقصد الأمراء التحدث فى ذلك مع السلطان، فنهاهم أرغون النائب عن ذلك، فقدّر الله تعالى أنّ الملك الناصر نزل إلى بركة «١» الحجيج لصيد الكركى «٢» على العادة، وجلس فى البستان المنصورىّ الذي كان هناك ليستريح، فدخل بعض المرقداريّة «٣» يقال له عزيز وكان من عادته يهزل قدّام السلطان ليضحكه، فأخذ المرقدار يهزل ويمزح ويتمسخر قدّام السلطان والأمراء جلوس، وهناك ساقية فتمادى فى الهزل لشؤم بخته إلى أن قال: وجدت جنديّا من جند الرّوك الناصرىّ وهو راكب إكديشا، وخرجه ومخلاته ورمحه على كتفه، وأراد أن يتم الكلام، فآشتدّ غضب السلطان، فصاح فى المماليك: عرّوه ثيابه، ففى الحال خلعت عنه الثّياب، وربط مع قواديس الساقية، وضربت الأبقار حتى أسرعت فى الدوران، فصار عزيز المذكور تارة ينغمس فى الماء وتارة يظهر وهو يستغيث وقد عاين الموت، والسلطان يزداد غضبا ولم يجسر أحد من الأمراء أن يشفع فيه حتّى مضى نحو ساعتين وانقطع حسّه، فتقدّم الأمير طغاى الناصرىّ والأمير قطلوبغا «٤» الفخرىّ الناصرىّ وقالا: ياخوند، هذا المسكين لم يرد إلّا أن يضحك

стр. 2851

السلطان ويطيّب خاطره، ولم يرد غير ذلك، فما زالا به حتّى أخرج الرجل وقد أشفى على الموت، ورسم بنفيه من الديار المصريّة، فعند ذلك حمد الله تعالى الأمراء على سكوتهم وتركهم الشفاعة فى تغيير «١» مثالات الأجناد. انتهى أمر الرّوك وما يتعلّق به. وفى محرّم سنة ستّ عشرة وسبعمائة ورد الخبر على السلطان بموت خربندا ملك التّتار وجلوس ولده بو سعيد «٢» فى الملك بعده. ثم أفرج الملك الناصر عن الأمير بكتمر الحسامىّ الحاجب وخلع عليه يوم الخميس ثالث عشر شوّال من السنة المذكورة بنيابة صفد، وأنعم عليه بمائتى ألف درهم. ثم نقل السلطان فى السنة أيضا الأمير كراى المنصورىّ وسنقر الكمالىّ الحاجب من سجن الكرك إلى البرج بقلعة الجبل فسجنا بها. ثمّ بدا له زيارة القدس الشريف، ونزل السلطان بعد أيام فى يوم الخميس رابع جمادى الأولى من سنة سبع عشرة وسبعمائة، [وسار «٣» ] ومعه خمسون أميرا، وكريم الدين الكبير ناظر الخواصّ وفخر الدين ناظر الجيش، وعلاء الدين [علىّ بن أحمد بن «٤» سعيد] بن الأثير كاتب السّرّ، بعد ما فرّق فى كلّ واحد فرسا مسرجا وهجينا، وبعضهم ثلاث هجن، وكتب إلى الأمير تنكز نائب الشام أن يلقاه بالإقامات «٥» لزيارة القدس، فتوجّه إلى القدس وزاره، ثم توجّه إلى الكرك ودخله وأفرج عن جماعة، ثم عاد إلى الديار المصريّة فدخلها فى رابع عشر جمادى الآخرة، فكانت غيبته عن مصر أربعين يوما.

стр. 2852

ثمّ بعد مجىء السلطان وصل إلى القاهرة الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، والأمير بهادر آص، والأمير بيبرس الدّوادار، وهؤلاء الذين أفرج عنهم من حبس الكرك، وخلع السلطان عليهم وأنعم على بهادر بإمرة فى دمشق، ولزم بيبرس داره، ثم أنعم عليه بإمرة وتقدمة ألف على عادته أوّلا. ثم عزل السلطان الأمير بكتمر الحسامىّ الحاجب عن نيابة صفد فى أوّل سنة ثمانى عشرة وسبعمائة وقدم القاهرة وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر. وفى هذه السنة تجهّز السلطان لركوب الميدان «١» ، وفرّق الخيل على جميع الأمراء، واستجدّ ركوب الأوجاقية بكوافى زركش على صفة الطاسات وهم الجفتاوات «٢» . وفيها ابتدأ السلطان بهدم المطبخ وهدم الحوائج خاناه والطشتخاناه وجامع القلعة القديم، وأخلط الجميع وبناه الجامع «٣» الناصرى الذي هو بالقلعة الآن فجاء من أحسن المبانى. وتجدّد

стр. 2853

أيضا فى هذه السنة بدمشق ثلاثة جوامع: جامع الأمير تنكز «١» المشهور به، وجامع كريم «٢» الدين، وجامع شمس الدين «٣» غبريال. ثم حجّ فى هذه السنة أمير الحاج الأمير مغلطاى الجمالىّ، وقبض بمكة على الشريف «٤» رميثة، وفرّ حميضة «٥» وقدم مغلطاى المذكور برميثة مقيّدا إلى القاهرة. وفى سنة تسع عشرة وسبعمائة استجدّ السلطان القيام فوق الكرسىّ للأمير جمال الدين آقوش الأشرفىّ نائب الكرك الذي أفرج عنه السلطان فى السنة الماضية، وكذلك للأمير بكتمر البوبكرىّ «٦» السّلاح دار، فكانا إذا دخلا عليه قام لهما، وكان آقوش نائب الكرك يتقدّم على البوبكرى عند تقبيل يد السلطان، فعتب الأمراء على البوبكرى فى ذلك، فسأل البوبكرىّ السلطان عن تقديم نائب الكرك عليه، فقال: لأنه أكبر منك فى المنزلة، فاستغرب الأمراء ذلك وكشفوا عنه، فوجدوا نائب الكرك تأمّر فى أيام الملك المنصور قلاوون [إمرة «٧» ] عشرة، وجعله أستادار ابنه الأشرف خليل فى سنة خمس وثمانين وستمائة، ووجدوا البوبكرىّ تأمّر فى سنة تسعين وستمائة فسكتوا الأمراء عند ذلك، وعلموا أنّ السلطان يسير على القواعد القديمة وأنه أعرف منهم بمنازل الأمراء وغيرها.

стр. 2854

وفيها اهتمّ السلطان لحركة السفر إلى الحجاز الشريف، وتقدّم كريم الدين الكبير ناظر الخواصّ إلى الإسكندرية لعمل الثّياب الحريز برسم كسوة الكعبة، وبينا السلطان فى ذلك وصلت تقدمة الأمير تنكز نائب الشام، وفيها الخيل والهجن بأكوار «١» ذهب وسلاسل ذهب وفضّة ومقاود حرير، وكانت عدّة كثيرة يطول الشرح فى ذكرها. ثم أيضا وصلت تقدمة الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وهى أيضا تشتمل على أشياء كثيرة، وتولّى كريم الدين تجهيز ما يحتاج إليه السلطان من كلّ شىء حتى إنه عمل له عدّة قدور من ذهب وفضّة [ونحاس «٢» ] تحمل على البخاتىّ ويطبخ فيها للسلطان، وأحضر الخولة لعمل مباقل ورياحين فى أحواض خشب تحمل على الجمال فتسير مزروعة فيها وتسقى بالماء، ويحصد منها ما تدعو الحاجة إليه أوّلا بأوّل، فتهيأ من البقل والكرّاث والكسبرة والنعناع وأنواع المشمومات والرّيحان شىء كثير، ورتّب لها الخولة لتعاهدها بالسقية وغيرها، وجهّزت الأفران وصنّاع الكماج «٣» والجبن المقلى وغيره. وكتبت أوراق عليق السلطان والأمراء الذين معه وعدّتهم اثنان وخمسون أميرا، لكل أمير ما بين مائة عليقة، [فى كل يوم «٤» ] إلى خمسين عليقة إلى عشرين عليقة، وكانت جملة العليق فى مدّة سفر السلطان ذهابا وإيابا مائة ألف اردبّ وثلاثين ألف إردب [من الشعير «٥» ] وحمل تنكز من دمشق خمسمائة حمل على الجمال ما بين حلوى وسكر وفواكه ومائة وثمانين حمل حبّ رمّان ولوز، وما يحتاج إليه من أصناف الطبخ، وجهّز كريم الدين الكبير من الإوزّ ألف طائر، ومن الدّجاج ثلاثة آلاف طائر، وأشياء كثيرة من ذلك.

стр. 2855

وعيّن السلطان للإقامة بديار مصر الأمير أرغون الناصرىّ النائب ومعه الأمير أيتمش المحمّدىّ وغيره. ثم قدم الملك المؤيّد صاحب حماة إلى القاهرة ليتوجّه فى ركاب السلطان إلى الحجاز، وسافر المحمل على العادة فى ثامن عشر شوّال مع الأمير سيف الدين طرچى «١» أمير مجلس، وركب السلطان من قلعة الجبل فى أوّل ذى القعدة، وسار من بركة الحجّاج فى سادس ذى القعدة وصحبته المؤيد صاحب حماة والأمراء وقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعىّ وغالب أرباب الدولة، وسار حتى وصل مكة المشرّفة بتواضع زائد بحيث إنّ السلطان قال للأمير جنكلى بن البابا: لا زلت أعظّم نفسى إلى أن رأيت الكعبة المشرّفة وذكرت بوس الناس الأرض لى، فدخلت فى قلبى مهابة عظيمة ما زالت عنى حتى سجدت لله تعالى. وكان السلطان لما دخل مكة حسّن له قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة أن يطوف بالبيت راكبا كما فعل النّبيّ ﷺ ، فقال له الملك الناصر: ومن أنا! حتى أتشبّه بالنبىّ ﷺ ، والله لا طفت إلا كما يطوف الناس! ومنع الحجّاب من منع الناس أن يطوفوا معه، وصاروا يزاحمونه وهو يزاحمهم كواحد منهم فى مدّة طوافه، وفى تقبيله الحجر الأسود. قلت: وهذه حجّة الملك الناصر الثانية. ولما كان الملك الناصر بمكّة بلغه أن جماعة من المغل ممّن حجّ فى هذه السنة قد اختفى خوفا منه فأحضرهم السلطان وأنعم عليهم وبالغ فى إكرامهم. وغسل السلطان الكعبة بيده وصار يأخذ أزر إحرام الحجّاج ويغسلها لهم فى داخل البيت بنفسه، ثم يدفعها لهم، وكثر الدعاء له. وأبطل سائر المكوس من الحرمين الشريفين، وعوّض أميرى مكة والمدينة عنها إقطاعات بمصر والشام، وأحسن إلى أهل الحرمين، وأكثر من الصدقات.

стр. 2856

وفى هذه السنة مهّد السلطان ما كان فى عقبة أيلة من الصخور، ووسّع طريقها، حتى أمكن سلوكها بغير مشقّة، وأنفق على ذلك جملا مستكثرة، واتفق لكريم الدين الكبير ناظر الخاصة أمر غريب بمكة فيه موعظة، وهو أنّ السلطان بالغ فى تواضعه فى هذه الحجّة للغاية، فلما أخرجت الكسوة لتعمل على البيت صعد كريم الدين المذكور إلى أعلى الكعبة بعد ما صلّى بجوفها، ثم جلس على العتبة ينظر فى الخيّاطين، فأنكر الناس استعلاءه على الطائفين، فبعث الله عليه وهو جالس نعاسا سقط منه على رأسه من علو البيت فلو لم يتداركوه من تحته لهلك، وصرخ الناس فى الطواف صرخة عظيمة تعجّبا من ظهور قدرة الله تعالى فى إذلال المتكبرين! وانقطع ظفر كريم الدين وعلم بذنبه فتصدّق بمال جزيل. وفى هذه السّفرة أيضا أجرى السلطان الماء لخليص «١» وكان انقطع من مدّة سنين، ولقى السلطان فى هذه السّفرة جميع العربان وملوكها من بنى مهدىّ «٢» وأمرائها وشطى «٣» وأخاه عسّافا وأولاده وأشراف مكة من الأمراء وغيرهم، وأشراف المدينة وينبع وغيرهم، وعرب خليص وبنى «٤» لأم وعربان حوران «٥» وأولاد مهنّا: موسى «٦» وسليمان وفيّاضا وأحمد وغيرهم، ولم يتفق اجتماعهم عند ملك غيره، وأنعم عليهم بإقطاعات وصلات وتدلّلوا على السلطان، حتى إنّ موسى بن مهنّا كان له ولد صغير فقام فى بعض

стр. 2857

الأيام ومدّ يده إلى لحية السلطان وقال له: يا أبا علىّ بحياة هذه اللّحية ومسك منها شعرات إلّا ما أعطيتنى الضّيعة الفلانية إنعاما علىّ، فصرخ فيه فخر الدين ناظر الجيش وقال له: شل يدك، قطع الله يدك! تمدّ يدك إلى السلطان، فتبسّم له السلطان وقال: هذه عادة العرب، إذا قصدوا كبيرا فى شىء فيكون عظمته عندهم مسك لحيته، يريد أنه استجار بذلك المسّ، فهو سنّة عندهم؛ فغضب الفخر ناظر الجيش وقام وهو يقول: إنّ هؤلاء مناحيس وسنّتهم أنحس. ثم عاد السلطان بعد أن قضى مناسكه إلى جهة الديار المصرية فى يوم السبت ثانى عشر المحرّم سنة عشرين وسبعمائة بعد أن خرج الأمراء إلى لقائه ببركة الحجّاج، وركب السلطان بعد انقضاء السّماط فى موكب عظيم، وقد خرج الناس لرؤيته وسار حتى طلع القلعة، فكان يوما مشهودا، وزيّنت القاهرة ومصر زينة عظيمة لقدومه، وكثرت التهانى وأرباب الملاهى من الطبول والزمور، وجلس السلطان على تخت الملك وخلع على الأمراء وألبس كريم الدين الكبير أطلسين، ولم يتّفق ذلك لمتعمّم قبله. ثم خلع السلطان على الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة وأركبه بشعار السلطنة من المدرسة المنصورية ببين القصرين، وحمل وراءه الأمير قجليس السّلاح دار السّلاح، وحمل الأمير ألجاى الدّوادار الدواة، وركب معه الأمير بيبرس الأحمدى أمير جاندار والأمير طيبرس، وسار بالغاشية «١» والعصائب «٢» وسائر دست السلطنة وهم بالخلع معه إلى أن طلع إلى القلعة، فكان عدّة تشاريف من سار معه مائة وثلاثين تشريفا فيها ثلاثة عشر أطلس والبقية كنجى «٣» وعمل الدار وطرد وحش، وقبّل الأرض وجلس على ميمنة

стр. 2858

السلطان ولقّبه السلطان بالملك المؤيّد وسافر من يومه بعد ما جهّزه السلطان بسائر ما يحتاج إليه. ثم أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء المحبوسين، وعدّتهم ازيد من عشرة نفر. ثم ندب السلطان الأمير بيبرس الأحمدى الحاجب وطائفة من الأجناد إلى مكة ليقيم بها بدل الأمير آق سنقر شادّ العمائر خوفا من هجوم الشريف حميضة على مكّة. وفى هذه السنة أبطل السلطان مكس الملح بالقاهرة وأعمالها فأبيع الإردبّ الملح بثلاثة دراهم بعد ما كان بعشرة دراهم. ثمّ أذن السلطان للأمير أرغون النائب فى الحجّ فحجّ، وعاد فى سنة إحدى وعشرين بعد أن مشى من مكّة إلى عرفات على قدميه تواضعا. ثم أخرج السلطان الأمير شرف الدين حسين «١» بن جندر إلى الشام على إقطاع الأمير جوبان، ونقل جوبان على إمرة بديار مصر. وسبب نفى الأمير حسين أنّه لمّا أنشأ جامعه المعروف بجامع «٢» أمير حسين بجوار داره «٣» على الخليج

стр. 2859

فى البرّ الغربىّ بحكر جوهر النّوبى. ثم عمّر القنطرة «١» وأراد أن يفتح فى سور القاهرة خوخة «٢» تنتهى إلى حارة الوزيريّة، فأذن له السلطان فى فتحها، فخرق بابا كبيرا وعمل عليه رنكه، فسعى به علم الدين سنجر الخيّاط متولّى القاهرة، وعظم الأمر على السلطان فى فتح هذا الباب المذكور، فرسم بنفيه فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة المذكورة. وفيها وقع الحريق بالقاهرة [ومصر «٣» ] فابتدأ من يوم السبت خامس عشر جمادى الأولى وتواتر إلى سلخه، وكان ممّا احترق فيه الرّبع الذي «٤» بالشّوّايين من أوقاف

стр. 2860

البيمارستان المنصورىّ واجتهد الأمراء فى طفيه، فوقع الحريق فى حارة الدّيلم «١» قريبا من دار كريم الدين الكبير، ودخل اللّيل واشتدّ هبوب الرياح فسرت النار فى عدّة أماكن، وبعث كريم الدين ابنه عبد الله للسلطان فعرّفه، فبعث السلطان لإطفائه عدّة كثيرة من الأمراء والمماليك خوفا على الحواصل السلطانية، فتعاظم الأمر وعجز آق سنقر شاد العمائر، والنار تعمل طول نهار الأحد، وخرج النساء مسيّبات وبات الناس على ذلك، وأصبحوا يوم الاثنين والنار تلفّ ما تمرّ به، والهدم واقع فى الدور المجاورة للحريق. وخرج أمر الحريق عن القدرة البشريّة، وخرجت ريح عاصفة

стр. 2861

ألقت النخيل وغرّقت المراكب ونشرت النار، فما شكّ الناس [فى] أنّ القيامة قد قامت، وعظم شرر النّيران وصارت تسقط الأماكن البعيدة، فخرج الناس وتعلّقوا بالموادن «١» واجتمعوا فى الجوامع والزوايا وضجّوا بالدعاء والتضرّع إلى الله تعالى، وصعد السلطان إلى أعلى القصر فهاله ما شاهده، وأصبح الناس فى يوم الثلاثاء، فى أسوإ حال، فنزل أرغون النائب بسائر الأمراء وجميع من فى القلعة، وجمع أهل القاهرة ونقل الماء على جمال الأمراء، ثم لحقه الأمير بكتمر الساقى بالجمال السلطانية، ومنعت أبواب القاهرة ألّا يخرج منها سقّاء، ونقلت المياه من المدارس والحمّامات والآبار، وجمعت سائر البنّائين والنجّارين فهدمت الدور من أسفلها، والنار تحرق فى سقوفها وعمل الأمراء الألوف، وعدّتهم أربعة وعشرون أميرا بأنفسهم فى طفى الحريق ومعهم مضافوهم من أمراء الطبلخاناه والعشرات، وتناولوا الماء بالقرب من السّقائين بحيث صار من باب زويلة «٢» إلى حارة الروم «٣» بحرا، فكان يوما لم ير أشنع منه، بحيث إنه لم يبق أحد إلا وهو فى شغل، ووقف الأمير أرغون النائب وبكتمر الساقى حتى نقلت الحواصل «٤» السلطانية من بيت كريم الدين ناظر الخاص إلى بيت

стр. 2862

ولده علم الدين عبد الله بدرب الرصاصى «١» ، وهدم لأجل نقل الحواصل سبع «٢» عشرة دارا، وخمدت النار وعاد الأمراء؛ فوقع الصّياح فى ليلة الأربعاء بحريق آخر وقع بربع الملك «٣» الظاهر بيبرس خارج باب زويلة وبقيساريّة «٤» الفقراء، وهبّت الرياح مع ذلك فركبت الحجّاب والوالى فعملوا فى طفيها عملا إلى بعد ظهر يوم الأربعاء، وهدموا دورا كثيرة، فما كاد أن تفزغ الأمراء من إطفاء ربع الملك الظاهر، حتى وقعت النار فى بيت «٥» الأمير سلّار بخطّ بين القصرين «٦» ، وإذا بالنار ابتدأت من

стр. 2863

أصل «١» البادهنج «٢» وكان ارتفاعه من الأرض زيادة على مائة ذراع بذراع العمل، ورأوا فيه نفطا قد عمل فيه فتيلة كبيرة، فما زالوا بالنار حتى أطفئت من غير أن يكون لها أثر كبير. فنودى أن يعمل بجانب كلّ حانوت بالقاهرة ومصر زير أودنّ كبير ملأن ماء. ثم فى ليلة الخميس وقع الحريق بحارة الروم وبموضع آخر خارج القاهرة، وتمادّى الحال على ذلك لا يخلو وقوع الحريق بالقاهرة ومصر، فشاع بين الناس أنّ الحريق من جهة النصارى لمّا أبكاهم هدم الكنائس. ثم وقع الحريق فى عدّة مساجد وجوامع ودور، إلى أن كان ليلة الجمعة حادى عشرينه قبض على راهبين خرجا من المدرسة الكهاريّة «٣» بالقاهرة وقد أرميا النار بها، فأحضرا إلى الأمير علم الدين سنجر

стр. 2864

والى القاهرة وشمّ منهما رائحة الكبريت والزّيت، فأحضرهما من الغد إلى السلطان فأمر بعقوبتهما حتى يعترفا، فلما نزل بهما وجد العامة قد قبضت على نصرانىّ، وهو خارج والأثر فى يديه من جامع الظاهر «١» بالحسينيّة ومعه كعكة خروق وبها نفط وقطران، وقد وضعها بجانب المنبر، فلما فاح الدّخان أنكروا ووجدوا النّصرانىّ وهو خارج والأثر فى يديه كما ذكر فعوقب قبل صاحبيه، فاعترف أنّ جماعة من النصارى قد اجتمعوا وعملوا النّفط وفرّقوه على جماعة ليدوروا به على المواضع، ثم عاقب الراهبين فاعترفا بأنهما من دير «٢» البغل وأنهما اللذان أحرقا سائر الأماكن نكاية للمسلمين بسبب هدم الكنائس، وكان أمرهم أنهم عملوا النّفط وحشوه فى فتائل وعملوها فى سهام ورموا بها، فكانت الفتيلة إذا خرجت من السهم تقع على مسافة مائة ذراع أو أكثر، فأمر السلطان كريم الدين الكبير يطلب البترك فطلبه وبالغ فى إكرامه على عادة القبطية، وأعلمه كريم الدين بما وقع فبكى، وقال: هؤلاء سفهاء، قد عملوا كما فعل سفهاؤكم بالكنائس من غير إذن السلطان، والحكم للسلطان، ثم ركب بغلة وتوجّه إلى حال سبيله، فكادت الناس أن تقتله، لولا حماية المماليك له، ثم ركب كريم الدين من الغد إلى القلعة، فصاحت عليه العوامّ وأسمعته ما يكره، فلما طلع كريم الدين عرّف السلطان بمقالة البترك واعتنى به، وكان النصارى أقرّوا على أربعة عشر راهبا بدير البغل، فقبض عليهم وعملت حفيرة كبيرة بشارع الصليبة وأحرق فيها أربعة منهم فى يوم الجمعة، واشتدّت العامّة عند ذلك على النصارى، وأهانوهم وسلبوهم ثيابهم وألقوهم عن الدوابّ إلى الأرض. وركب السلطان إلى الميدان فى يوم السبت وقد اجتمع عالم عظيم، وصاحوا: نصر الله الإسلام، انصر دين محمد بن عبد الله،

стр. 2865

فلما استقرّ السلطان بالميدان أحضر والى القاهرة نصرانيين قد قبض عليهما فأحرقا خارج الميدان، وخرج كريم الدين من الميدان وعليه التشريف، فصاحت به العامّة: كم تحامى للنصارى! وسبّوه ورموه بالحجارة، فعاد إلى الميدان، فشقّ ذلك على السلطان، واستشار السلطان الأمراء فى أمر العامّة، فأشار عليه الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك بعزل الكتّاب النصارى، فإنّ الناس قد أبغضوهم، فلم يرضه ذلك، وتقدّم إلى ألماس الحاجب أن يخرج فى أربعة أمراء ويضع السيف فى العامّة حتى ينتهى إلى باب زويلة، ويمرّ كذلك إلى باب النصر ولا يرفع السيف عن أحد، وأمر والى القاهرة أن يتوجه إلى باب اللّوق وباب البحر ويقبض على من وجده من العامّة ويحمله إلى القلعة، وعيّن لذلك أيضا عدّة مماليك فخرجوا من الميدان، فبادر كريم الدين وسأل السلطان العفو فقبل شفاعته، ورسم بالقبض على العامّة من غير قتلهم، وكان الخبر بلغ العامّة ففرّت العامّة حتى الغلمان وصار الأمير لا يجد من يركّبه، وانتشر ذلك فغلقّت الأسواق بالقاهرة فكانت ساعة لم يمرّ بالناس أبشع منها، وهى من هفوات الملك الناصر. ومرّ الوالى بباب اللّوق وبولاق وباب البحر وقبض على كثير من الكلابزيّة «١» وأراذل العامّة بحيث إنه صار كلّ من رآه أخذه، وجفل الناس من الخوف وعدّوا فى المراكب إلى برّ الجيزة. فلمّا عاد السلطان إلى القلعة لم يجد أحدا فى طريقه، وأحضر إليه الوالى من قبض عليه، وهم نحو المائتين فرسم السلطان بجماعة منهم للصّلب، وأفرد جماعة للشّنق، وجماعة للتوسيط، وجماعة لقطع الأيدى، فصاحوا: ياخوند، ما يحلّ لك، ما نحن الغرماء فرقّ لهم بكتمر الساقى وقام ومعه الأمراء، وما زالوا به حتى أمر بصلب جماعة منهم على الخشب من باب زويلة إلى قلعة الجبل، وأن يعلّقوا بأيديهم، ففعل بهم ذلك وأصبحوا يوم الأحد صفّا واحدا من باب

стр. 2866

زريلة إلى تحت القلعة، فتوجّع لهم الناس وكان منهم كثير من بياض الناس ولم تفتح القاهرة، وخاف كريم الدين على نفسه ولم يسلك من باب زويلة وطلع القلعة من خارج السّور، وإذا بالسلطان قد قدّم الكلابزية وأخذ فى قطع أيديهم، فكشف كريم الدين رأسه وقبّل الأرض وباس رجل السلطان وسأل السلطان العفو عن هؤلاء، فأجابه بمساعدة الأمير بكتمر، وأمر بهم فقيّدوا وأخرجوا للعمل فى الحفر بالجيزة، ومات ممن قطع [يده «١» ] رجلان وأمر بحفظ من علّق على الخشب. وفى الحال وقع الصوت بحريق أماكن بجوار جامع أحد ابن طولون وبوقوع الحريق فى القلعة وفى بيت بيبرس الأحمدىّ بحارة «٢» بهاء الدين قراقوش وبفندق «٣» طرنطاى خارج باب البحر فدهش السلطان، وكان هذا الفندق برسم تجّار الزّيت فعمّت النار كلّ ما فيه، حتى العمد الرّخام وكانت ستة عشر عمودا، طول كلّ عمود ست أذرع بالعمل، ودوره نحو ذراعين فصارت كلّها جيرا، وتلف فيه لتاجر واحد ما قيمته تسعون ألف درهم، وقبض فيه على ثلاثة نصارى ومعهم فتائل النّفط اعترفوا أنهم فعلوا ذلك. فلمّا كان يوم السبت تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور ركب السلطان إلى الميدان فوجد نحو العشرين ألفا من العامّة فى طريقه قد صبغوا خروقا بالأزرق والأصفر «٤» وعملوا فى الأزرق صلبانا بيضاء ورفعوها

стр. 2867

على الجريد وصاحوا عليه صيحة واحدة: لا دين إلّا دين الإسلام، نصر الله دين محمد بن عبد الله، يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام، انصرنا على أهل الكفر ولا تنصر النصارى، فخشع السلطان والأمراء وتوجه إلى الميدان وقد اشتغل سرّه، وركبت العامة أسوار الميدان «١» ورفعوا الخروق الزّرق وهم يصيحون لا دين إلا دين الإسلام، فخاف السلطان الفتنة ورجع إلى مداراتهم وتقدّم إلى الحاجب أن يخرج فينادى من وجد نصرانيا فدمه وماله حلال، فلما سمعوا النّداء صرخوا صوتا واحدا: نصرك الله، فارتجّت الأرض. ثم نودى عقيب ذلك [بالقاهرة «٢» ومصر] من وجد نصرانيا بعمامة بيضاء حلّ دمه، وكتب مرسوم بلبس النصارى العمائم الزّرق، وألّا يركبوا فرسا ولا بغلا ولا يدخلوا الحمّام إلا بجرس فى أعناقهم، ولا يتزيّوا بزىّ المسلمين، هم ونساؤهم وأولادهم، ورسم للأمراء بإخراج النصارى من دواوينهم ودواوين السلطان، وكتب بذلك إلى سائر الأعمال. وغلّقت الكنائس والأديرة وتجرّأت العامّة على النصارى حيث وجدوهم ضربوهم وعرّوهم، فلم يتجاسر نصرانىّ أن يخرج من بيته، فكان النصرانىّ إذا عنّ له أمر يتزيّا بزىّ اليهود فيلبس عمامة صفراء يكتريها من يهودىّ ليخرج فى حاجته. واتفق أنّ بعض كتّاب النصارى حضر إلى يهودىّ له عليه مبلغ كبير ليأخذ منه شيئا، فأمسكه اليهودىّ وصاح: أنا بالله وبالمسلمين، فخاف النصرانى وقال له: أبرأت ذمّتك وكتب له خطه بالبراءة وفرّ. واحتاج عدّة من النصارى إلى إظهارهم الإسلام، فأسلم السّنّى [ابن ست «٣» بهجة] الكاتب وغيره، واعترف بعضهم على راهب دير «٤»

стр. 2868

الخندق أنه كان ينفق المال فى عمل النّفط للحريق ومعه أربعة، فأخذوا وسمّروا وانبسطت عند ذلك ألسنة الأمراء فى كريم الدين أكرم الصغير، وحصلت مفاوضة بين الأمير قطلوبغا «١» الفخرىّ وبين بكتمر الساقى بسبب كريم الدين [الكبير «٢» ] ، لأن بكتمر كان يعتنى به وبالدواوين، وكان الفخرىّ يضع منه «٣» . قلت: ولأجل هذا راح كريم «٤» الدين من الدنيا على أقبح وجه! وأخرب الله دياره بعد ذلك بقليل. واستمرّ الفخرىّ على رتبته بعد سنين عديدة. قال: وصار مع كلّ من الأميرين جماعة وبلغ السلطان ذلك، وأنّ الأمراء تترقّب وقوع فتنة، وصار السلطان إذا ركب إلى الميدان لا يرى فى طريقه أحدا من العامّة لكثرة خوفهم أن يبطش السلطان بهم فلم يعجبه ذلك، ونادى بحروج الناس للفرجة على الميدان ولهم الأمان والاطمئنان فخرجوا على عادتهم. ثم وقع الحريق بالقاهرة «٥» واشتدّ أمره إلى أن طفئ، وسافر كريم الذين الكبير إلى الإسكندرية وشدّد على النصارى فى لبسهم

стр. 2869

وركوبهم حتى يتقرّب بذلك إلى خواطر العامّة. ثم تنكّرت المماليك السلطانية على كريم الدين الكبير لتأخّر جوامكهم شهرين، وتجمّعوا يوم الخميس ثامن عشرين صفر قبل الظهر ووقفوا بباب القصر، وكان السلطان فى الحريم، فلمّا بلغه ذلك خشى منهم، وبعث إليهم بكتمر الساقى فلم يلفتوا إليه، فخرج السلطان إليهم وقد صاروا نحو ألف وخمسمائة، فعند ما رآهم السلطان سبّهم وأهانهم وأخذ العصاة من مقدّم المماليك وضرب بها رءوسهم وأكتافهم، وصاح فيهم: اطلعوا مكانكم فعادوا بأجمعهم إلى الطّباق، وعدّت سلامة السلطان فى هذه الواقعة من العجائب، فإنّه خرج إليهم فى جماعة يسيرة من الخدّام، وهم غوغاء لا رأس لهم ولا عقل ومعهم السّلاح. انتهى. ثمّ أمر السلطان للنائب بعرضهم (أعنى المماليك) فعرضهم فى يوم السبت آخر صفر وأخرج منهم مائة وثمانين إلى البلاد الشاميّة فرّقهم على الأمراء، وأخرج بعد ذلك جماعة منهم من الطّباق إلى خرائب «١» التتار بقلعة الجبل، وضرب بعضهم «٢» بالمقارع هو وغلامه لكونه شرب الخمر ضربا مبرّحا مات منه المملوك بعد يومين. قلت: لا شلّت يداه، هذا وأبيك العمل! ثم أنقص السلطان جوامك من بقى من مماليك الطّباق، ثم أخرج جماعة من خدّام الطّباق الطواشيّة (أعنى مقدّمى الطّباق) وقطع جوامكهم وأنزلهم من القلعة لكونهم فرّطوا فى تربية المماليك.

стр. 2870

ثم غيّر السلطان موضع دار العدل «١» التى أنشأها الملك الظاهر «٢» بيبرس وهدمها وجعلها موضع الطبلخاناه الآن، وذلك فى شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، ولمّا هدم الموضع المذكور وجد فى أساسه أربعة قبور، فنبشت فوجد بها رمم أناس طوال عراض وأحدها مغطّاة بملاءة ديبقىّ ملوّنة، إذا مسّ منها شىء تطاير لطول مكثه، وعليهم عدّة القتال وبهم جراحات، وفى وجه أحدهم ضربة سيف بين عينيه عليها قطن، فعندما رفع القطن نبع الدّم من تحته وشوهد الجرح كأنّه جديد، فنقلوا إلى بين العروستين وجعل عليهم مسجد. وفى شعبان زوّج الملك الناصر ابنته للأمير أبى بكر بن أرغون النائب الناصرىّ، وتولّى العقد قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الحريرىّ «٣» الحنفىّ على أربعة آلاف دينار. ثم قدم الملك المؤيّد صاحب حماة على السلطان بالديار المصريّة وتوجّه فى خدمة الملك الناصر إلى قوص بالوجه القبلىّ للصيد، وعاد السلطان من قوص إلى جهة القاهرة فى أوّل محرّم سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الموافق لرابع عشر طوبة، ونزل بالجيزة، وخلع على الملك المؤيّد خلعة السفر. ثم استدعى السلطان الحريم السلطانىّ إلى برّ الجيزة، فطرد سائر الناس من الطّرقات، وغلّقت الحوانيت، ونزلت خوند طغاى زوجة السلطان وأمّ ولده آنوك، والأمير أيدعمش الأمير آخور كبير

стр. 2871

ماش يقود عنان فرسها بيده وحولها سائر الخدّام مشاة منذ ركبت من القلعة إلى أن وصلت إلى النيل فعدّت فى الحرّاقة «١» . ثم استدعى السلطان الأمير بكتمر الساقى وغيره من الأمراء الخاصّكيّة وحريمهم وأقام السلطان بالجيزة أيّاما إلى أن عاد إلى القلعة فى خامس عشره، وقد توعك كريم الدين الكبير. ثم قدم الحاجّ فى سادس عشرين المحرّم. ثم عوفى كريم الدين فخلع السلطان عليه خلعة أطلس بطرز زركش وكلفتاة زركش وحياصة ذهب فاستعظم الناس ذلك، وبالغ السلطان فى الإنعام على الحكماء. ثم بعد أيام قبض السلطان على كريم الدين المذكور فى يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الآخر. وهو كريم الدين عبد الكريم ابن المعلّم هبة الله بن السّديد ناظر الخواصّ ووكيل السلطان وعظيم دولته، وأحيط بداره وصودر فوجد له شىء كثير جدّا، ولا زال فى المصادرة إلى أن أفرج عنه فى يوم الأربعاء رابع عشرين جمادى الآخرة، وألزمه السلطان بإقامته بتربته «٢» بالقرافة. ثم إنّ السلطان أخرجه إلى الشّوبك ثم نقله إلى القدس ثم طلب إلى مصر وجهّز إلى أسوان، وبعد قليل أصبح مشنوقا بعمامته (يعنى أنه شنق نفسه) ، وليس الأمر كذلك؛ وقيل إنه لما أحسّ بقتله صلّى ركعتين وقال «٣» : هاتوا عشنا سعداء ومتنا شهداء، وكان الناس يقولون: ما عمل أحد مع أحد ما عمله الملك الناصر مع كريم الدين أعطاه الدنيا والآخرة، ومعنى هذا أنّه كان حكّمه فى الدولة، ثم قتله، والمقتول ظلما فى الجنة. وأصل كريم الدين هذا كان من كتبة النصارى ثم أسلم كهلا فى أيّام بيبرس الجاشنكير، وكان كاتبه، وكان

стр. 2872

الجاشنكير لا يصرف على الملك الناصر إلّا بقلم كريم الدين، وكان الناصر إذ ذاك تحت حجر الجاشنكير؛ ولمّا قتل بيبرس الجاشنكير اختفى كريم الدين هذا مدّة ثم طلع مع الأمير طغاى [الكبير «١» ] فأوقفه طغاى ثم دخل إلى السلطان وهو يضحك، وقال له: إن حضر كريم الدين إيش تعطينى؟ ففرح السلطان وقال: أعندك هو؟ أحضره، فخرج وأحضره وقال له: مهما قال لك قل له: السمع والطاعة، ودعنى أدبّر أمرك، فلمّا مثل بين يدى السلطان قال له بعد أن استشاط غضبا: اخرج واحمل ألف ألف دينار، فقال: نعم، وأراد الخروج، فقال له السلطان: لا، كثير، احمل خمسمائة ألف دينار فقال له: كما قال أوّلا، ولا زال السلطان ينقصه من نفسه إلى أن ألزمه بمائة ألف دينار، فلمّا خرج على أن يحمل ذلك، قال له طغاى المذكور: لا تصقع «٢» ذقنك وتحضر الجميع الآن، ولكن هات منها عشرة آلاف دينار ففعل ذلك، ودخل بها إلى السلطان وصار يأتيه بالنقدة «٣» من ثلاثة آلاف دينار إلى ما دونها، ولما بقى عليه بعضها أخذ طغاى والقاضى فخر الدين ناظر الجيش فى إصلاح أمره، ولا زالا بالسلطان حتّى أنعم عليه بما بقى، واستخدمه ناظر الخاص، وهو أوّل من باشر هذه الوظيفة بتجمّل ولم تكن تعرف أولا، ثم تقدّم عند السلطان حتى صار أعزّ الناس عليه، وحجّ مع خوند طغاى زوجة السلطان بتجمّل زائد، ذكرناه فى ترجمته فى المنهل الصافى، وكان يخدم كلّ أحد من الأمراء «٤» الكبار المشايخ والخاصّكيّة وأرباب الوظائف والجمدارية الصّغار وكلّ أحد حتى الأوجاقيّة، وكان يركب فى خدمته سبعون مملوكا بكنابيش «٥» عمل الدار وطرز ذهب والأمراء تركب

стр. 2873

فى خدمته. ومن جملة ما ناله من السعادة والوجاهة عند الملك الناصر أنّه مرّة طلبه السلطان إلى الدور، فدخل عليه وبقيت خازندارة خوند طغاى تروح إليه وتجىء مرّات فيما تطلبه خوند طغاى من كريم الدين هذا وطال الأمر، فقال السلطان [له «١» ] : يا قاضى إيش حاجة لهذا التطويل، بنتك ما تختبئ منك! ادخل إليها أبصر ما تريده افعله لها، فقام كريم الدين دخل إليها، وقال لها السلطان: أبوك هنا أبصرى له ما يأكل؛ فأخرجت له طعاما وقام السلطان إلى كرمة فى الدار وقطع منها عنبا وأحضره بيده وهو ينفخه من الغبار، وقال: يا قاضى كل من عنب دارنا. وهذا شىء لم يقع لأحد غيره مثله مع الملك الناصر وأشياء كثيرة من ذلك. وكان حسن الإسلام كريم النّفس؛ قيل إنه كان فى كلّ قليل يحاسب صيرفيه فيجد فى الوصولات وصولات زور. ثم بعد حين وقع بالمزوّر فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: الحاجة، فأطلقه، وقال [له «٢» ] : كلما احتجت إلى شىء اكتب به خطّك على عادتك على هذا الصّيرفى ولكن ارفق، فإنّ علينا كلفا كثيرة. وكان إذا قال: نعم، كانت نعم، وإذا قال: لا، فهى لا. ولما قبض السلطان عليه خلع على الأمير آقوش نائب الكرك باستقراره فى نظر البيمارستان «٣» المنصورىّ عوضا عن كريم الدين المذكور. فوجد آقوش حاصله أربعمائة ألف درهم. ثم أمر السلطان فنودى فى يوم الأربعاء سادس المحرّم سنة أربع وعشرين وسبعمائة على الفلوس أن يتعامل الناس بها بالرّطل، على أنّ كل رطل منها بدرهمين، ورسم بضرب فلوس زنة الفلس منها درهم [وثمن «٤» ] ، فضرب منها نحو مائتى ألف درهم فرقت على الناس. ثم رسم السلطان بأن يكتب له كل يوم أوراق بالحاصل

стр. 2874

من تعلّقات السلطنة والمصروف منها فى كل يوم، فصارت تعرض عليه كل يوم ويباشر ذلك بنفسه فتوفّر مال كثير وشقّ ذلك على الدواوين. ثم سافر السلطان إلى الوجه القبلى للصيد وعاد فى ثالث عشر المحرّم سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وفى هذه السنة قدم على الملك الناصر رسل صاحب اليمن، ورسل صاحب اسطنبول، ورسل الأشكرى، ورسل متملّك سيس، ورسل إلقان بو سعيد، ورسل صاحب ماردين، ورسل ابن قرمان، ورسل متملّك النوبة، وكلهم يبذلون الطاعة. وسأل رسل صاحب اليمن الملك المجاهد «١» إنجاده بعسكر من مصر وأكثر من ترغيب السلطان فى المال الذي باليمن، فرسم السلطان بتجهيز العسكر إلى اليمن صحبة الأمير بيبرس الحاجب ومعه من أمراء الطبلخاناه خمسة، وهم: آقول الجاجب، وقجماس «٢» الجوكندار، وبلبان الصّرخدىّ، وبكتمر العلائى الأستادار، وألجاى الناصرىّ الساقىّ، ومن العشرات: عزّ الدين أيدمر الكوندكىّ «٣» وشمس الدين إبراهيم التّركمانىّ، وأربعه من مقدّمى الحلقة، وهؤلاء العسكر لهم مقدّمة أخرى كالجاليش عليها الأمير سيف الدين طينال الحاجب، ومعه خمسة من أمراء الطبلخاناه وهم: الأمير ططقرا الناصرى وعلاء الدين علىّ بن طغريل الإيغانىّ وجرباش أمير علم، وأيبك الكوندكى «٤» وكوكاى طاز، وأربعة من مقدّمى الحلقة، ومن العشرات بلبان الدّوادارى وطرنطاى الإسماعيلىّ والى باب القلعة، ومن مماليك السلطان ثلثمائة فارس، ومن أجناد الحلقة تتمّة

стр. 2875

الألف فارس؛ وفرّقت فيهم أوراق السّفر، وكتب بحضور العربان من الشرقيّة والغربية لأجل الجمال. ثم خرج السلطان إلى سرياقوس «١» على العادة فى كل سنة وقبض على الأمير بكتمر الحاجب بها، وعلى أمير آخر فى يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأوّل. ثم قدم على السلطان الأمير تنكز الناصرىّ نائب الشام وأقام إلى عاشره وعاد إلى الشام، ثم أنفق السلطان على الأمراء المتوجّهين إلى اليمن فقط، فحمل إلى بيبرس ألف دينار وإلى طينال ثمانمائة دينار، ولكل أمير طبلخاناه عشرة آلاف درهم «٢» ، ولكل من العشرات مبلغ ألفى درهم، ولمقدّمى الحلقة ألف درهم، وحضر العربان. وباعوا الأجناد موجودهم واكتروا الجمال، فانحطّ سعر الدينار من خمسة وعشرين درهما إلى عشرين درهما من كثرة ما باعوا من الحلل «٣» والمصاغ. ثم برزوا من القاهرة إلى بركة الحاج «٤» فى يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وسافروا من البركة فى يوم الخميس ثانى عشره. ثم خرج السلطان إلى سرياقوس ومعه عدّة من المهندسين، وعيّن موضعا على نحو فرسخ من ناحية سرياقوس ليبنى فيه خانقاه «٥» ، فيها مائة خلوة لمائة صوفىّ وبجانبها جامع تقام فيه الخطبة، ومكان برسم ضيافة الواردين وحمّام ومطبخ، وندب آق سنقر شادّ العمائر لجمع الصّنّاع، ورتّب أيضا قصور سرياقوس برسم الأمراء والخاصّكيّة، وعاد فوقع الاهتمام
следующие страницы →