← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ماش يقود عنان فرسها بيده وحولها سائر الخدّام مشاة منذ ركبت من القلعة إلى أن وصلت إلى النيل فعدّت فى الحرّاقة «١» . ثم استدعى السلطان الأمير بكتمر الساقى وغيره من الأمراء الخاصّكيّة وحريمهم وأقام السلطان بالجيزة أيّاما إلى أن عاد إلى القلعة فى خامس عشره، وقد توعك كريم الدين الكبير. ثم قدم الحاجّ فى سادس عشرين المحرّم. ثم عوفى كريم الدين فخلع السلطان عليه خلعة أطلس بطرز زركش وكلفتاة زركش وحياصة ذهب فاستعظم الناس ذلك، وبالغ السلطان فى الإنعام على الحكماء. ثم بعد أيام قبض السلطان على كريم الدين المذكور فى يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الآخر. وهو كريم الدين عبد الكريم ابن المعلّم هبة الله بن السّديد ناظر الخواصّ ووكيل السلطان وعظيم دولته، وأحيط بداره وصودر فوجد له شىء كثير جدّا، ولا زال فى المصادرة إلى أن أفرج عنه فى يوم الأربعاء رابع عشرين جمادى الآخرة، وألزمه السلطان بإقامته بتربته «٢» بالقرافة. ثم إنّ السلطان أخرجه إلى الشّوبك ثم نقله إلى القدس ثم طلب إلى مصر وجهّز إلى أسوان، وبعد قليل أصبح مشنوقا بعمامته (يعنى أنه شنق نفسه) ، وليس الأمر كذلك؛ وقيل إنه لما أحسّ بقتله صلّى ركعتين وقال «٣» : هاتوا عشنا سعداء ومتنا شهداء، وكان الناس يقولون: ما عمل أحد مع أحد ما عمله الملك الناصر مع كريم الدين أعطاه الدنيا والآخرة، ومعنى هذا أنّه كان حكّمه فى الدولة، ثم قتله، والمقتول ظلما فى الجنة. وأصل كريم الدين هذا كان من كتبة النصارى ثم أسلم كهلا فى أيّام بيبرس الجاشنكير، وكان كاتبه، وكان

стр. 2872

الجاشنكير لا يصرف على الملك الناصر إلّا بقلم كريم الدين، وكان الناصر إذ ذاك تحت حجر الجاشنكير؛ ولمّا قتل بيبرس الجاشنكير اختفى كريم الدين هذا مدّة ثم طلع مع الأمير طغاى [الكبير «١» ] فأوقفه طغاى ثم دخل إلى السلطان وهو يضحك، وقال له: إن حضر كريم الدين إيش تعطينى؟ ففرح السلطان وقال: أعندك هو؟ أحضره، فخرج وأحضره وقال له: مهما قال لك قل له: السمع والطاعة، ودعنى أدبّر أمرك، فلمّا مثل بين يدى السلطان قال له بعد أن استشاط غضبا: اخرج واحمل ألف ألف دينار، فقال: نعم، وأراد الخروج، فقال له السلطان: لا، كثير، احمل خمسمائة ألف دينار فقال له: كما قال أوّلا، ولا زال السلطان ينقصه من نفسه إلى أن ألزمه بمائة ألف دينار، فلمّا خرج على أن يحمل ذلك، قال له طغاى المذكور: لا تصقع «٢» ذقنك وتحضر الجميع الآن، ولكن هات منها عشرة آلاف دينار ففعل ذلك، ودخل بها إلى السلطان وصار يأتيه بالنقدة «٣» من ثلاثة آلاف دينار إلى ما دونها، ولما بقى عليه بعضها أخذ طغاى والقاضى فخر الدين ناظر الجيش فى إصلاح أمره، ولا زالا بالسلطان حتّى أنعم عليه بما بقى، واستخدمه ناظر الخاص، وهو أوّل من باشر هذه الوظيفة بتجمّل ولم تكن تعرف أولا، ثم تقدّم عند السلطان حتى صار أعزّ الناس عليه، وحجّ مع خوند طغاى زوجة السلطان بتجمّل زائد، ذكرناه فى ترجمته فى المنهل الصافى، وكان يخدم كلّ أحد من الأمراء «٤» الكبار المشايخ والخاصّكيّة وأرباب الوظائف والجمدارية الصّغار وكلّ أحد حتى الأوجاقيّة، وكان يركب فى خدمته سبعون مملوكا بكنابيش «٥» عمل الدار وطرز ذهب والأمراء تركب

стр. 2873

فى خدمته. ومن جملة ما ناله من السعادة والوجاهة عند الملك الناصر أنّه مرّة طلبه السلطان إلى الدور، فدخل عليه وبقيت خازندارة خوند طغاى تروح إليه وتجىء مرّات فيما تطلبه خوند طغاى من كريم الدين هذا وطال الأمر، فقال السلطان [له «١» ] : يا قاضى إيش حاجة لهذا التطويل، بنتك ما تختبئ منك! ادخل إليها أبصر ما تريده افعله لها، فقام كريم الدين دخل إليها، وقال لها السلطان: أبوك هنا أبصرى له ما يأكل؛ فأخرجت له طعاما وقام السلطان إلى كرمة فى الدار وقطع منها عنبا وأحضره بيده وهو ينفخه من الغبار، وقال: يا قاضى كل من عنب دارنا. وهذا شىء لم يقع لأحد غيره مثله مع الملك الناصر وأشياء كثيرة من ذلك. وكان حسن الإسلام كريم النّفس؛ قيل إنه كان فى كلّ قليل يحاسب صيرفيه فيجد فى الوصولات وصولات زور. ثم بعد حين وقع بالمزوّر فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: الحاجة، فأطلقه، وقال [له «٢» ] : كلما احتجت إلى شىء اكتب به خطّك على عادتك على هذا الصّيرفى ولكن ارفق، فإنّ علينا كلفا كثيرة. وكان إذا قال: نعم، كانت نعم، وإذا قال: لا، فهى لا. ولما قبض السلطان عليه خلع على الأمير آقوش نائب الكرك باستقراره فى نظر البيمارستان «٣» المنصورىّ عوضا عن كريم الدين المذكور. فوجد آقوش حاصله أربعمائة ألف درهم. ثم أمر السلطان فنودى فى يوم الأربعاء سادس المحرّم سنة أربع وعشرين وسبعمائة على الفلوس أن يتعامل الناس بها بالرّطل، على أنّ كل رطل منها بدرهمين، ورسم بضرب فلوس زنة الفلس منها درهم [وثمن «٤» ] ، فضرب منها نحو مائتى ألف درهم فرقت على الناس. ثم رسم السلطان بأن يكتب له كل يوم أوراق بالحاصل

стр. 2874

من تعلّقات السلطنة والمصروف منها فى كل يوم، فصارت تعرض عليه كل يوم ويباشر ذلك بنفسه فتوفّر مال كثير وشقّ ذلك على الدواوين. ثم سافر السلطان إلى الوجه القبلى للصيد وعاد فى ثالث عشر المحرّم سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وفى هذه السنة قدم على الملك الناصر رسل صاحب اليمن، ورسل صاحب اسطنبول، ورسل الأشكرى، ورسل متملّك سيس، ورسل إلقان بو سعيد، ورسل صاحب ماردين، ورسل ابن قرمان، ورسل متملّك النوبة، وكلهم يبذلون الطاعة. وسأل رسل صاحب اليمن الملك المجاهد «١» إنجاده بعسكر من مصر وأكثر من ترغيب السلطان فى المال الذي باليمن، فرسم السلطان بتجهيز العسكر إلى اليمن صحبة الأمير بيبرس الحاجب ومعه من أمراء الطبلخاناه خمسة، وهم: آقول الجاجب، وقجماس «٢» الجوكندار، وبلبان الصّرخدىّ، وبكتمر العلائى الأستادار، وألجاى الناصرىّ الساقىّ، ومن العشرات: عزّ الدين أيدمر الكوندكىّ «٣» وشمس الدين إبراهيم التّركمانىّ، وأربعه من مقدّمى الحلقة، وهؤلاء العسكر لهم مقدّمة أخرى كالجاليش عليها الأمير سيف الدين طينال الحاجب، ومعه خمسة من أمراء الطبلخاناه وهم: الأمير ططقرا الناصرى وعلاء الدين علىّ بن طغريل الإيغانىّ وجرباش أمير علم، وأيبك الكوندكى «٤» وكوكاى طاز، وأربعة من مقدّمى الحلقة، ومن العشرات بلبان الدّوادارى وطرنطاى الإسماعيلىّ والى باب القلعة، ومن مماليك السلطان ثلثمائة فارس، ومن أجناد الحلقة تتمّة

стр. 2875

الألف فارس؛ وفرّقت فيهم أوراق السّفر، وكتب بحضور العربان من الشرقيّة والغربية لأجل الجمال. ثم خرج السلطان إلى سرياقوس «١» على العادة فى كل سنة وقبض على الأمير بكتمر الحاجب بها، وعلى أمير آخر فى يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأوّل. ثم قدم على السلطان الأمير تنكز الناصرىّ نائب الشام وأقام إلى عاشره وعاد إلى الشام، ثم أنفق السلطان على الأمراء المتوجّهين إلى اليمن فقط، فحمل إلى بيبرس ألف دينار وإلى طينال ثمانمائة دينار، ولكل أمير طبلخاناه عشرة آلاف درهم «٢» ، ولكل من العشرات مبلغ ألفى درهم، ولمقدّمى الحلقة ألف درهم، وحضر العربان. وباعوا الأجناد موجودهم واكتروا الجمال، فانحطّ سعر الدينار من خمسة وعشرين درهما إلى عشرين درهما من كثرة ما باعوا من الحلل «٣» والمصاغ. ثم برزوا من القاهرة إلى بركة الحاج «٤» فى يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وسافروا من البركة فى يوم الخميس ثانى عشره. ثم خرج السلطان إلى سرياقوس ومعه عدّة من المهندسين، وعيّن موضعا على نحو فرسخ من ناحية سرياقوس ليبنى فيه خانقاه «٥» ، فيها مائة خلوة لمائة صوفىّ وبجانبها جامع تقام فيه الخطبة، ومكان برسم ضيافة الواردين وحمّام ومطبخ، وندب آق سنقر شادّ العمائر لجمع الصّنّاع، ورتّب أيضا قصور سرياقوس برسم الأمراء والخاصّكيّة، وعاد فوقع الاهتمام

стр. 2876

فى العمل حتى كملت فى أربعين يوما. ثم اقتضى رأى السلطان حفر خليج «١» خارج القاهرة ينتهى إلى سرياقوس، ويرتّب عليه السواقى والزراعات وتسير فيه المراكب فى أيّام النيل بالغلال وغيرها إلى القصور «٢» بسرياقوس. قلت: وقد أدركت أنا بواقى هذه القصور التى كانت بسرياقوس، وخرّبت فى دولة الملك الأشرف برسباى فى حدود سنة ثلاثين وثمانمائة، وأخذ الأمير سودون

стр. 2877

ابن عبد الرحمن أنقاضها وبنى بها جامعه «١» الذي بخانقاه سرياقوس، فكان ذلك سببا لمحو آثارها، وكانت من محاسن الدنيا. انتهى. ثمّ إن الملك الناصر فوّض عمل الخليج إلى الأمير أرغون النائب، فنزل أرغون بالمهندسين إلى النيل إلى أن وقع الاختيار على موضع بموردة «٢» البلاط من أراضى بستان «٣» الخشّاب، ويقع الحفر فى الميدان الظاهرىّ الذي جعله الملك الناصر هذا بستانا من سنيّات وغرم عليه أموالا جمّة، ثم يمرّ الخليج المذكور على بركة «٤» قرموط

стр. 2878

إلى باب البحر «١» ثم إلى أرض الطبّالة «٢» ويرمى فى الخليج الكبير، وكتب إلى ولاة الأعمال بإحضار الرجال للحفر، وعيّن لكلّ واحد من الأمراء أقصابا يحفرها، وابتدئ بالحفر من أوّل جمادى الأولى من سنة خمس وعشرين إلى أن تمّ فى سلخ جمادى الآخرة من السنة، وأخرب فيه أملاك كثيرة، وأخذت قطعة من بستان «٣» الأمير أرغون النائب، وأعطى السلطان ثمن ما خرّب من الأملاك لأربابها، والتزم فخر الدين ناظر الجيش بعمارة قنطرة برأس الخليج عند فمه. قلت: وهى القنطرة المعروفة بقنطرة «٤» الفخر. والتزم قديدار «٥» والى القاهرة بعمارة «٦» قنطرة تجاه البستان الذي كان ميدانا للظاهر بيبرس البندقدارىّ، وأنّ قديدار

стр. 2879

أيضا يتمّ قناطر «١» الإوزّ وقناطر «٢» الأميريّة فعمل ذلك كلّه. فلمّا كان أيّام النيل جرت السفن فيه وعمّرت عليه السواقى وأنشئت بجانبه البساتين والأملاك. ثم توجه السلطان فى يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة إلى حانقاته التى أنشأها بسرياقوس، وخرجت القضاة والمشايخ والصوفيّة إليها وعمل لهم سماط عظيم فى يوم الخميس تاسعه

стр. 2880

بالخانقاه المذكورة. واستقرّ الشيخ مجد الدين أبو حامد موسى بن أحمد «١» بن محمود الأقصرائى «٢» الّذى كان شيخ خانقاه «٣» كريم الدين الكبير بالقرافة فى مشيخة هذه الخانقاه. ورتّب عنده مائة صوفىّ، ورسم للشيخ مجد الدين المذكور بخلعة وأن يلقّب بشيخ الشيوخ. وأمّا العسكر الذي توجّه إلى اليمن فإنّ السلطان كتب إلى أمراء الحجاز بالقيام فى خدمة العسكر، وتقدّم كافور الشّبلى «٤» خادم الملك المجاهد الذي كان قدم فى الرّسلية إلى زبيد «٥» ليعلم أستاذه الملك المجاهد بقدوم العسكر، وكتب لأهل حلى «٦» بنى يعقوب الأمان وأن يجلبوا البضائع للعسكر، ورحل العسكر فى خامس جمادى الآخرة من مكّة، فوصل إلى حلى بنى يعقوب فى اثنى عشر يوما بعد عشرين مرحلة، فتلقّاهم أهلها ودهشوا لرؤية العساكر وقد طلّبت ولبست السّلاح، وهمّوا بالفرار. فنودى

стр. 2881

فيهم بالأمان وألّا يتعرّض أحد من العسكر لشىء إلّا بثمنه، فأطمأنّوا وحملوا إلى كلّ من بيبرس وطينال من مقدّمى العسكر مائة رأس من الغنم وخمسمائة اردبّ ذرة، فردّاها ولم يقبلا لأحد شيئا، ورحلوا بعد ثلاثة أيام فى العشرين منه. فقدمت الأخبار على العسكر باجتماع رأى أهل زبيد على الدخول فى طاعة الملك المجاهد خوفا من العسكر، وأنّهم ثاروا بالمتملّك عليهم ونهبوا أمواله ففرّ عنهم، فكتبوا للمجاهد بذلك فقوى ونزل من قلعة تعز «١» يريد زبيد، فكتب الأمراء إليه أن يكون على أهبة اللّقاء فنزل العسكر زبيد، ووافاهم المجاهد بجنده فسخر منهم العسكر المصرىّ، من كونهم غزاة «٢» وسلاحهم الجريد والخشب، وسيوفهم مشدودة على أذرعهم؟ ويقاد للأمير فرس واحد مجلّل، وعلى رأس المجاهد عصابة ملوّنة فوق العمامة، فعندما عاين المجاهد العساكر وهى لابسة آلة الحرب رعب، وهمّ أن يترجّل فمنعه الأمير بيبرس واقول من ذلك. ومشى العسكر صفّين والأمراء فى الوسط حتّى قربوا منه فألقى المجاهد نفسه هو ومن معه إلى الأرض. فترجّل له الامراء أيضا وأركبوه وأكرموه وأركبوه فى الوسط، وسارو إلى المخيّم وألبسوه تشريفا سلطانيّا بكلفتاة زركش وحياصة ذهب، وركب والأمراء فى خدمته والعساكر إلى داخل زبيد، ففرح أهلها فرحا شديدا، ومد المجاهد لهم سماطا جليلا فامتنع الأمراء والعساكر من أكله خوفا من أن يكون فيه ما يخاف عاقبته، واعتذروا إليه بأنّ هذا لا يكفى العساكر، ولكن فى غد يعمل السّماط، فأحضر لهم المجاهد ما يحتاجون إليه، وأصبح حضر المجاهد وأمراؤه وقد مدّ السّماط بين يديهم، وأحضر كرسىّ جلس عليه المجاهد، فوقف السّقاة والنّقباء والحجّاب والجاشنكيريّة على العادة، ووقف الأمير بيبرس رأس الميمنة والأمير طينال رأس الميسرة.

стр. 2882

فلمّا فرغ السّماط صاحت الجاوشية على أمراء المجاهد وأهل دولته وأحضروهم وقرئ عليهم كتاب السلطان فباسوا بأجمعهم الأرض وقالوا: سمعا وطاعة، وكتب الأمير بيبرس لممالك اليمن بالحضور فحضروا. ثم كتب لهم المجاهد بغنم وذرة واعتذر للأمراء والعساكر المصرية بعدم عمل الإقامة لهم بخراب البلاد؛ فتوجّه قصّاد العسكر لأخذ الغنم والذرة وأقامت العساكر بزبيد، فعادت قصّادهم بغير غنم ولا ذرة، فرحلوا من زبيد فى نصف رجب يريدون تعزّ، فتلقّاهم المجاهد ونزلوا خارج البلد وشكوا ما هم فيه من قلّة الإقامات فوعدهم بالإنجاز. ثم إنّ الأمراء كتبوا للملك الظاهر «١» المقيم بدملوه «٢» ، وبعثوا له الشريف عطيفة أمير مكّة وعزّ الدين الكوندكى «٣» وكتب إليه المجاهد أيضا يحثّه على الطاعة، وأقام العسكر فى جهد فأغاروا على الضّياع وأخذوا ما قدروا عليه، فارتفع الذّرة من ثلاثين درهما الإردب إلى تسعين، وفقد الأكل من الفاكهة فقط لقلّة الجالب؛ واتّهم أن ذلك بمواطأة المجاهد خوفا من العسكر أن تملك منه البلاد، ثم إنّ أهل جبل «٤» صبر قطعوا الماء عن العسكر وتخطّفوا الجمال والغلمان وزاد أمرهم إلى أن ركب العسكر فى أثرهم، فامتنعوا بالجبل ورموا بالمقاليع على العسكر فرموهم بالنّشّاب، وأتاهم المجاهد فخذلهم عن الصعود

стр. 2883

إلى الجبل، فلم يلتفتوا إلى كلامه ونازلوا الجبل يومهم وقتل من العسكر أربعة [وثمانية «١» ] من الغلمان، وبات العسكر تحت الجبل. فبلغ بيبرس أنّ المجاهد قرّر مع أصحابه أنّ العسكر إذا صعدوا الجبل يضرمون النار فى الوطاق وينهبون ما فيه، فبادر بيبرس، وقبض [على «٢» ] بهاء الدين «٣» بهادر الصّقرى وأخذ موجوده ووسّطه قطعتين وعلّقه على الطريق؛ ففرح أهل تعزّ بقتله وكان قد تغلّب على زبيد، حتى طرده أهلها عند قدوم العسكر، وعاد الشريف عطيفة والكوندكى من دملوه بأنّ الظاهر فى طاعة السلطان ثم طلب العسكر من المجاهد ما وعد به السلطان الملك الناصر فأجاب بأنه لا قدرة له إلّا بما فى دملوه، فأشهد عليه بيبرس «٤» قضاة تعزّ بذلك، وارتحل العسكر إلى حلى بنى يعقوب، فقدمها فى تاسع شعبان ورحلوا منها أوّل شهر رمضان إلى مكة فدخلوها فى حادى عشره فى مشقّة زائدة، وساروا من مكّة يوم عيد الفطر إلى جهة مصر، فقدموا بركة الحجّاج أوّل يوم من ذى القعدة، وطلع الأمراء إلى القلعة فخلع السلطان عليهم فى يوم السبت ثالثه، وقدّم الأمير بيبرس هديّة فأغرى الأمير طينال السلطان على الأمير بيبرس بأنّه أخذ مالا من المجاهد وغيره وقصّر فى أخذ مملكة اليمن. فلما كان يوم الاثنين تاسع عشره رسم السلطان بخروج بيبرس إلى نيابة غزّة فامتنع لأنّه كان بلغه ما قيل عنه، وأنّ السلطان قد تغيّر عليه، فقبض عليه السلطان وسجنه بالبرج من القلعة وقبض على حواشيه وصادرهم وعوقبوا على المال فلم يظهر شىء، وسكت السلطان عن أحوال اليمن.

стр. 2884

ثم فى سنة ستّ وعشرين وسبعمائة استأذن الأمير أرغون النائب السلطان فى الحجّ فأذن له فحج هو وولده ناصر الدين محمد، وعادا من الحجاز إلى سرياقوس فى يوم الأحد حادى عشر المحرّم سنة سبع وعشرين وسبعمائة، فقبض السلطان عليهما وعلى الأمير طيبغا المجدى «١» ، فأخذهم الأمير بكتمر الساقى عنده وسعى فى أمرهم حتّى أخرج فى يوم الاثنين ثانى عشره (يعنى من الغد) الأمير أرغون إلى نيابة حلب عوضا عن الأمير ألطنبغا، وأخرج معه الأمير أيتمش [المحمّدى «٢» ] مسفّره، وتوجّه الأمير ألحاى الدوّادار إلى حلب لإحضار الأمير ألطنبغا نائبها، وقرّر السلطان مع كلّ من أيتمش وألجاى أن يكونا بمن معهما فى دمشق يوم الجمعة ثالث عشرينه، ولم يعلم أحد بما توجّه فيه الآخر حتى توافيا بدمشق فى يوم الجمعة المذكور. وقد خرج الأمير تنكز نائب الشام إلى ميدان الحصى لتلقّى الأمير أرغون، فترجّل كلّ منهما لصاحبه وسارا إلى جامع بنى أميّة، فلمّا توسّطاه إذا بألجاى ومعه الأمير ألطنبغا نائب حلب فسلّم أرغون عليه بالإيماء، فلما انقضت صلاة الجمعة عمل لهما الأمير تنكز سماطا جليلا فحضرا السّماط. ثم سار أرغون إلى حلب فوصلها فى سلخ الشهر، وسار ألطنبغا حتى دخل مصر فى مستهلّ صفر، فأكرمه السلطان وخلع عليه وأسكنه بقلعة الجبل، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف من جملة إقطاع أرغون النائب، وكمل السلطان من إقطاع أرغون أيضا لطايربغا على إقطاعه إمرة مائة وتقدمة ألف، فزادت التقادم تقدمة، فصارت أمراء الألوف خمسة وعشرين مقدم ألف بالديار المصرية.

стр. 2885

وفى مستهل جمادى الأولى قبض السلطان على الأمير بهاء الدين أصلم [القبجاقىّ «١» ] وعلى أخيه قرمجى وجماعة من القبجاقية، وسبب ذلك أنّ أصلم عرض سلاح خاناته وجلس بإسطبله وألبس خيله ورتّبها للركوب، فوشى به بعض أعدائه وكتب بواقعة أمره ورقة وألقاها إلى السلطان؛ فلمّا وقف عليها السلطان تغيّر تغيّرا زائدا وكانت عادته ألا يكذّب خبرا، وبعث من فوره فسأل أصلم مع ألماس الحاجب عمّا كان يفعله أمس فى إسطبله، فذكر أنه اشترى عدّة أسلحة فعرضها على خيله لينظر ما يناسب كلّ فرس منها فصدّق السلطان ما نقل عنه، وقبض السلطان عليه وعلى أخيه وعلى أهل جنسه وعلى الأمير قيران صهر قرمجى وعلى الأمير إتكان «٢» أخى آقول الحاجب، وسفّروا إلى الإسكندرية مع الأمير صلاح» الدين طرخان بن بيسرى، وبرلغى «٤» قريب السلطان وأفرد أصلم ببرج فى القلعة. ثم قدم الأمير حسين بن جندر من الشام الذي كان نفاه السلطان لمّا عمّر جامعه وفتح بابا من سور القاهرة، فلما مثل بين يدى السلطان خلع عليه خلعة أطلس بطرز زركش وكلفتاة زركش وحياصه مكوبجة «٥» ، وأنعم عليه بإقطاع أصلم «٦» فى يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة. وفيها عقد على الأمير قوصون الناصرىّ عقد ابنة السلطان الملك الناصر بقلعة الجبل، وتولّى عقد النكاح قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الحريرىّ الحنفىّ. ثم بعد مدّة فى سنة ثمان وعشرين عقد نكاح ابنة السلطان الأخرى على الأمير طغاى تمر

стр. 2886

العمرى الناصرىّ، وأعفى السلطان فى هذه المرّة الأمراء من حمل الشموع وغيرها إلى طغاى تمر كما كان فعلوه مع قوصون، وأنعم السلطان على طغاى تمر من خزانته عوضا عن ذلك بأربعة آلاف دينار. ثم أفرج السلطان عن الأمير علم الدين سنجر الجاولى بعد أن اعتقل ثمانى سنين وثلاثة أشهر وأحد «١» عشر يوما، فكان فيها ينسخ القرآن وكتب الحديث. وفى سنة ثمان وعشرين أيضا عزم السلطان على أن يجرى النيل تحت قلعة الجبل ويشقّ له من ناحية حلوان «٢» ، فبعث الصّنّاع صحبة شادّ العمائر إلى حلوان، وقاسوا منها إلى الجبل الأحمر المطلّ على القاهرة، وقدّروا العمل فى بناء الواطى حتى يرتفع وحفر العالى ليجرى الماء إلى تحت قلعة الجبل من غير نقل ولا كلفة. ثم عادوا وعرّفوا السلطان ذلك فركب وقاسوا الأرض بين يديه، فكان قياس ما يحفر اثنتين وأربعين ألف قصبة «٣» حاكمية لتبقى خليجا يجرى فيه ماء النيل شتاء وصيفا

стр. 2887

بسفح الجبل، فعاد السّلطان وقد أعجبه ذلك وشاور الأمراء فيه فلم يعارضه فيه أحد إلّا الفخر ناظر الجيش، فإنه قال: بمن يحفر السلطان هذا الخليج؟ قال: بالعسكر، قال: والله لو اجتمع عسكر آخر فوق العسكر السلطانى وأقام سنين ما قدروا على حفر هذا العمل، فإنه يحتاج إلى ثلاث خزائن من المال، ثم هل يصح أولا! فالسلطان لا يسمع كلام كل أحد ويتعب الناس ويستجلب دعاءهم ونحو ذلك من القول، فرجع السلطان عن عمله.

стр. 2888

وفيها أفرج السلطان عن الشيخ تقىّ الدين أحمد بن تيميّة بشفاعة الأمير جنكلى بن البابا. وفى يوم الاثنين سابع [عشر «١» ] جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة رسم السلطان بردم الجبّ «٢» الذي كان بقلعة الجبل لما بلغ السلطان أنه شنيع المنظر شديد الظلمة كره الرائحة وأنه يمرّ بالمحابيس فيه شدائد عظيمة، فردم وعمّر فوقه طباق «٣» للمماليك السلطانية. وكان هذا الجبّ عمل فى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المنصور قلاوون. ثم فى السنة المذكورة رسم السلطان للحاجب أن ينادى بألّا يباع مملوك تركى لكاتب ولا عامى، ومن كان عنده مملوك فليبعه، ومن عثر عليه بعد ذلك [أنّ عنده «٤» مملوكا] فلا يلوم إلّا نفسه. وفيها عرض السلطان مماليك الطّباق وقطع منهم مائة وخمسين، وأخرجهم من يومهم ففرّقوا بقلاع الشام.

стр. 2889

وفيها قتل الأمير تنكز نائب الشام الكلاب ببلاد الشام فتجاوز عدّتها خمسة آلاف كلب. ثمّ خرج السلطان إلى سرياقوس فى سابع عشرين من ذى الحجّة على العادة فى كلّ سنة، وقدم عليه الأمير تنكز نائب الشام فى أوّل المحرّم سنة ثلاثين وسبعمائة وبالغ السلطان فى إكرامه ورفع منزلته، وقد تكرّر قدوم تنكز هذا إلى القاهرة قبل تاريخه غير مرة، ثم عاد إلى نيابته بدمشق فى رابع عشر المحرّم. ثم فى عشرين المحرّم المذكور وصل إلى القاهرة الملك المؤيّد إسماعيل صاحب حماة، فبالغ السلطان أيضا فى إكرمه ورفع منزلته وخلع عليه. ثم سافر السلطان فى تاسع صفر إلى بلاد الصعيد للصيد على عادته، ومعه المؤيّد صاحب حماة، ثم عاد بعد أيام قليلة لتوعك بدنه من رمد «١» طلع فيه، وأقام بالأهرام بالجيزة أياما، ثم عاد وسافر إلى الصعيد حتى وصل الى هو «٢» ، ثم عاد إلى مصر فى خامس شهر ربيع الآخر، وسافر فى ثامنه المؤيد صاحب حماة إلى محلّ ولايته بعد أن غاب مع السلطان هذه الأيام الكثيرة. ثم نزل السلطان من القلعة فى خامس عشرين شهر ربيع الاخر المذكور، وتوجّه إلى نواحى قليوب «٣» يريد الصيد، فبينما هو فى الصّيد تقنطر عن فرسه فانكسرت يده وغشى عليه ساعة وهو ملقى على الأرض، ثم أفاق وقد نزل إليه الأميران: أيدغمش أمير آخور وقمارى أمير شكار وأركباه، فأقبل الأمراء بأجمعهم إلى خدمته وعاد إلى قلعة الجبل فى عشيّة الأحد ثامن عشرينه، فجمع الأطبّاء والمجبّرين «٤» لمداواته فتقدم رجل من المجبّرين يعرف بابن بوسقة «٥» وتكلّم بجفاء وعامّية طباع، وقال: له تريد تفيق

стр. 2890

سريعا؟ اسمع منى، فقال له السلطان: قل ما عندك، فقال: لا تخلّ يداويك غيرى بمفردى وإلّا فسدت حال يدك مثلما سلّمت رجلك «١» لابن السّيسى فأفسدها، وأنا ما أخلّى شهرا يمضى حتى تركب وتلعب بيدك الأكرة، فسكت السلطان عن جوابه وسلّم إليه يده فتولّى علاجه بمفرده، وبطلت الخدمة مدّة سبعة وثلاثين يوما وعوفى، فزيّنت له القاهرة فى يوم الأحد رابع جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وتفاخر الناس فى الزينة بحيث إنه لم يعهد زينة مثلها، وأقامت سبعة أيام، هذا والأفراح عمّالة بالقلعة وسائر بيوت الأمراء مدّة الأسبوع، فإنّ كلّ أمير متزوّج إمّا بإحدى جوارى السلطان أو ببناته وأكثرهم أيضا مماليكه، وكذلك البشائر والكوسات تضرب، وأنعم السلطان على الأمراء وخلع عليهم، ثم خرج السلطان إلى القصر وفرّق عدّة مثالات على الأيتام وعمل سماطا جليلا وخلع على جميع أرباب الوظائف، وأنعم على المجبّر بعشرة آلاف درهم، ورسم له أن يدور على جميع الأمراء فلم يتأخّر أحد من الأمراء عن إفاضة الخلع عليه، وإعطائه المال فحصل له ما يجلّ وصفه. وتوجّه الأمير آقبغا عبد الواحد «٢» إلى البلاد الشامية مبشّرا بعافية السلطان. وفيها اشترى الأمير قوصون الناصرىّ دار الأمير «٣» آقوش الموصلىّ الحاجب المعروف بآقوش نميلة، ثم عرفت ثانيا بدار الأمير آقوش قتّال السبع- من

стр. 2891

أربابها، واشترى أيضا ما حولها وهدم ذلك كلّه، وشرع فى بناء جامع «١» ، فبعث السلطان إليه بشادّ «٢» العمائر والأسرى لنقل الحجارة ونحوها، فنجزت عمارته فى مدّة يسيرة، وجاء الجامع المذكور من أحسن المبانى، وهو خارج بابى زويلة على الشارع «٣»

стр. 2892

الأعظم بالقرب من بركة الفيل «١» ، وتولّى عمارة منارته «٢» رجل من أهل تبريز «٣» أحضره الأمير أيتمش المحمّدى معه فعملها على منوال موادن تبريز، ولمّا كمل بناء الجامع أقيمت الجمعة فيه فى يوم الجمعة حادى عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وسبعمائة، وخطب به يومئذ قاضى القضاة جلال الدين محمد القزوينىّ وخلع عليه الأمير قوصون بعد فراغه وأركبه بغلة هائلة. وفى هذه السنة أيضا ابتدأ علاء الدين مغلطاى [الجمالىّ «٤» ] أحد المماليك السلطانيّة فى عمارة جامع «٥» بين السّورين من القاهرة، وسمّى جامع التّوبة لكثرة ما كان هناك

стр. 2893

من الفساد وأقام به الخطبة، ثمّ عاد السلطان الملك الناصر على ما كان عليه من أوّل سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة من التوجّه إلى الصّيد على عادته، وقدم عليه موت الأمير أرغون الدّوادار نائب حلب كان وهو بالصيد، فخلع على الأمير ألطنبغا الصالحىّ بنيابة حلب عوضه. ثمّ فى يوم السبت [سابع عشر ذى لحجّة «١» ] ركب السلطان من القلعة إلى الميدان «٢» الذي استجدّه، وقد كملت عمارته، وكان السلطان قد رسم فى أوّل هذه السنة بهدم مناظر «٣» الميدان الظاهرىّ الذي كان بباب اللّوق وتجديد عمارة هذا الميدان

стр. 2894

الذي استجدّه، وفوض ذلك للأمير ناصر الدين [محمد «١» ] بن المحسنى، فهدم تلك المناظر وباع أخشابها بمائة ألف درهم وألفى درهم، واهتم فى عمارة جديدة فكمل فى مدّة شهرين، وجاء من أحسن ما يكون، فخلع السلطان عليه وفرّق على الأمراء الخيول المسرجة الملجمه. وفى أوّل محرّم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة قدم مبشّر الحاجّ، وأخبر بسلامه الحاجّ وأن الأمير مغلطاى الجمالى الأستادار على خطه «٢» فعيّن السلطان عوضه فى الأستادارية الأمير اقبغا عبد الواحد. ومات مغلطاى فى العقبة وصبّر وحمل إلى أن دفن بمدرسته «٣» قريبا من درب ملوخبا «٤» بالقاهرة بالقرب من رحبة «٥» باب العيد. ولبس آقبغا عبد الواحد الأستادارية فى يوم الثلاثاء سادس عشرين المحرّم. ثم بعد أيام خلع عليه السلطان بتقدمة المماليك السلطانية مضافا على الأستادارية، من أجل أنّ السلطان وجد بعض المماليك قد نزل من القلعة إلى القاهرة وسكر، فضرب

стр. 2895

السلطان كثيرا من الطّواشيّة وطرد كثيرا منهم، وأنكر على الطواشى مقدّم المماليك وصرّفه عن التقدمة بآقبغا هذا، فضبط آقبغا المذكور طباق المماليك بالقلعة وضرب عدّة منهم ضربا مبرّحا أشرف منهم جماعة على الموت، فلم يجسر بعد ذلك أحد أن يتجاوز طبقته إلى غيرها. وفى يوم الاثنين ثالث عشرين صفر جمع السلطان الأمراء والقضاة والخليفة ليعهد بالسلطنة لابنه آنوك ويركب ولده آنوك بشعار السلطنة، ثم انثنى عزمه عن ذلك فى المجلس، وأمر أن يلبس آنوك شعار الأمراء ولا يطلق عليه اسم السلطنة، فركب وعليه خلعة أطلس أحمر بطرز زركش وشربوش «١» مكلّل مزركش، وخرج من باب القرافة والأمراء فى خدمته حتّى مرّ من سوق «٢» الخيل تحت القلعة ونزل عن فرسه وباس الأرض، وطلع من باب الإسطبل «٣» إلى باب السّرّ وصعد منه إلى القلعة، ونثرت عليه الدنانير والدراهم، وخلع السلطان على الأمير ألماس الحاجب والأمير بيبرس الأحمدى، وكان السلطان أفرج عن بيبرس المذكور قبل ذلك بمدّة من السجن،

стр. 2896

وخلع على الأمير أيدغمش أمير آخور الجميع خلع أطلس، وخلع السلطان على جميع أرباب الوظائف ومدّ لهم سماط عظيم وعملت الأفراح الجليلة، وعظم المهمّ لعقد آنوك المذكور على بنت بكتمر الساقى، فعقد العقد بالقصر على صداق مبلغه من الذهب اثنا عشر ألف دينار، المقبوض منه عشرة آلاف دينار، وأنعم السلطان على ولده آنوك المذكور بإقطاع الأمير مغلطاى المتوفّى بالعقبة. ثم فى عاشر شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة المذكورة قدم الملك الأفضل ناصر الدين محمد ابن الملك المؤيّد إسماعيل الأيّوبىّ صاحب حماة بعد وفاة أبيه الملك المؤيّد بها، وله من العمر نحو من عشرين سنة، فأكرمه السلطان وأقبل عليه، وكان والده لما توفّى بحماة أخفى أهله موته، وسارت زوجته أمّ الأفضل هذا إلى دمشق وترامت على الأمير تنكز نائب الشام، وقدّمت له جوهرا باهرا وسألته فى إقامة ولدها الأفضل فى سلطنة أبيه المؤيّد بحماة فقبل تنكز هديّتها، وكتب فى الحال إلى الملك الناصر بوفاة الملك المؤيّد، وتضرّع إليه فى إقامة ولده الأفضل مكانه، فلمّا قدم البريد بذلك تأسّف السلطان على الملك المؤيّد وكتب للأمير تنكز بولايته وبتجهيز الأفضل المذكور إلى مصر، فأمره تنكز فى الحال بالتوجّه إلى مصر، فركب وسار حتى دخلها ومثل بين يدى السلطان، وخلع عليه الملك الناصر فى يوم الخميس خامس «١» عشرين شهر ربيع الآخر بسلطنة حماة، وركب الأفضل من المدرسة المنصوريّة ببين القصرين وهو بشعار السلطنة وبين يديه الغاشية، وقد نشرت على رأسه العصائب الثلاث، منها واحد خليفتى أسود واثنان سلطانيّان أصفران، وعليه خلعة أطلسين بطراز ذهب، وعلى رأسه شربوش ذهب،

стр. 2897

وفى وسطه حياصة ذهب بثلاث بيكاريّات «١» وسار فى موكب جليل وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض بين يدى السلطان بالقصر، ثم جلس وخلع السلطان على الأمراء الذين مشوا بخدمته، وهم: الأمير ألماس الحاجب وبيبرس الأحمدىّ وأيدغمش أمير آخور وطغجى أمير سلاح وتمر رأس نوبة، ألبس كلّا منهم أطلسين بطراز ذهب. ثم خلع على جماعة أخر وكان يوما مشهودا، ولقّبه السلطان بالملك الأفضل، ثم جهّزه إلى بلاده. ثم حضر بعد ذلك تنكز نائب الشام إلى القاهرة ليحضر عرس ابن السلطان الأمير آنوك، وشرع السلطان فى عمل المهمّ من أوائل شعبان من سنة اثنتين وثلاثين وجمع السلطان من بالقاهرة ومصر من أرباب الملاهى واستمرّ المهمّ سبعة أيام بلياليها. واستدعى حريم الأمراء للمهمّ، فلمّا كانت ليلة السابع منه حضر السلطان على باب القصر، وتقدّم الأمراء على قدر مراتبهم واحدا بعد واحد ومعهم الشموع، فكان إذا قدّم الواحد ما أحضره من الشمع قبّل الأرض وتأخّر حتى انقضت تقادمهم، فكان عدّتها ثلاثة آلاف وثلاثين شمعة، زنتها ثلاثة آلاف وستون قنطارا، فيها ما عنى به ونقش نقشا بديعا تنوّع فى تحسينه؛ وأحسنها شمع الأمير سنجر الجاولى، فإنّه اعتنى بأمره وبعث إلى عملها إلى دمشق فجاءت من أبدع شىء. وجلس الأمير آنوك تجاه السلطان فأقبل الأمراء جميعا وكلّ أمير يحمل بنفسه شمعة وخلفه مماليكه تحمل الشمع، فيتقدمون على قدر رتبهم ويقبّلون الأرض واحدا بعد واحد طول ليلهم، حتى كان آخر الليل نهض السلطان وعبر حيث مجتمع النساء، فقامت نساء الأمراء بأسرهنّ وقبّلن الأرض واحدة بعد أخرى وهى تقدّم

стр. 2898

ما أحضرت من التّحف الفاخرة، حتى انقضت تقادمهنّ جميعا؛ رسم السلطان برقصهنّ فرقصن عن آخرهن واحدة بعد واحدة، والمغانى تضر بن بالدّفوف، والأموال من الذهب والفضة والشّقق الحرير تلقى على المغنيّات، فحصل لهنّ ما يجلّ وصفه. ثم زفّت العروس، وجلس السلطان من بكرة الغد وخلع على جميع الأمراء وأرباب الوظائف بأسرها، ورسم لكلّ امرأة أمير بتعبية قماش على قدر منزلة وجها، وخلع على الأمير تنكز نائب الشام وجهّز صحبته الخلع لأمراء دمشق. فكان هذا العرس من الأعراس المذكورة، ذبح فيه من الغنم والبقر والخيل والإوزّ والدّجاج ما يزيد على عشرين ألفا، وعمل فيه من السكر برسم الحلوى والمشروب ثمانية عشر ألف قنطار، وبلغت قيمة ما حمله الأمير بكتمر الساقى مع ابنته من الشورة «١» ألف ألف دينار؛ قاله جماعة من المؤرّحين. ثمّ استهمّ السلطان إلى سفر الحجاز الشريف وسافر الأمير ايدمر الخطيرىّ أمير حاج المحمل فى عشرين شوّال من السنة، ونزل السلطان من القلعة فى ثانى عشر شوّال وأقام بسرياقوس، حتّى سار منه إلى الحجاز فى خامس عشرينه، بعد ما قدّم حرمه صحبة الأمير طغيتمر فى عدّة من الأمراء. واستناب السلطان على ديار مصر الأمير سيف الدين ألماس الحاجب ورسم أن يقيم بداره، وجعل الأمير آقبغا عبد الواحد داخل باب القلعة من قلعة اجل لحفظ القلعة، وجعل الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك بالقلعة وأمره ألّا ينزل منها حتّى يحضر، وأخرج كلّ أمير من الأمراء المقيمين إلى إقضاعه، ورسم لهم ألّا يعودوا منها حتى يرجع السلطان من الحجاز. وتوجّه مع السلطان إلى الحجاز الملك الأفضل صاحب حماة، ومن الأمراء چنكلى ابن البابا والحاج آل ملك وبيبرس الاحمدى وبهادر المعزّى وأيدغمش أمير آخور

стр. 2899

وبكتمر الساقى وطقزدمر وسنجر الجاولى وقوصون وطايربغا وطغاى تمر وبشتاك وأرنبغا وطغجى وأحمد بن بكتمر الساقى وجركتمر بن «١» بهادر وطيدمر الساقى وآقبغا آص الجاشنكير وطوغان الساقى وطقتمر الخازن وسوسون السّلاح دار وتلك «٢» وبيبغا الشمسى وبيغرا وقمارى وتمر الموسوىّ وأيدمر أمير جاندار وبيدمر البدرى وطقبغا الناصرىّ وأيتمش الساقى، وإياز الساقى، وألطنقش «٣» ، وأنس، وأيدمر «٤» دقماق، وطيبغا «٥» المجدى، وخير بك «٦» ، وقطز «٧» أمير آخور، وبيدمر، وأينبك «٨» ، وأيدمر العمرى، ويحيى بن طايربغا، ومسعود الحاجب، ونوروز وكجلى، «٩» وبرلغى، وبكجا، ويوسف الدّوادار، وقطلقتمر السلاح دار، وآناق «١٠» ، وساطلمش، وبغاتمر، ومحمد بن چنكلى، وعلى بن أيدغمش، وألاجا، وآق سنقر، وقرا، وعلاء الدين علىّ بن هلال الدولة، وتمربغا العقيلى، وقمارى الحسنى «١١» ، وعلىّ بن أيدمر الخطيرىّ، وطقتمر اليوسفى، وهؤلاء مقدّمون وطلبخاناه. ومن العشرات على بن السعيدى، وصاروجا النقيب، وآق سنقر الرومى، وإياجى الساقى، وسنقر الخازن، وأحمد بن كجكن، وأرغون العلائى، وأرغون الإسماعيلى، وتكا «١٢» ، وقبجق «١٣» ، ومحمد بن الخطيرىّ، وأحمد بن أيدغمش،

стр. 2900

وطشبغا، وقلنجى «١» . وحجّ مع السلطان أيضا قاضى القضاة جلال الدين القزوينىّ «٢» الشافعىّ، وابن الفرات الحنفىّ وفخر الدين النّويرىّ المالكى، وموفّق «٣» الدين الحنبلىّ، وكانوا أربعتهم ينزلون فى خيمة واحدة، فإذا قدّمت لهم فتوى كتبوا عليها الأربعة؛ وقدّم السلطان الأمير أيتمش إلى عقبة أيلة ومعه مائة رجل من اجازيّين حتى وسّعوا طريق العقبة وأزالوا وعرها، ومن يومئذ سهل صعودها. ولما قرب السلطان من عقبة أيلة بلغه اتفاق الأمير بكتمر الساقى على الفتك به مع عدّة من المماليك السلطانية، فتمارض السلطان وعزم على الرجوع إلى مصر ووافقه الأمراء على ذلك إلّا بكتمر الساقى، فإنّه أشار بإتمام السفر وشنّع عوده قبل الحجّ. فعند ذلك عزم السلطان على السّفر، وسيّر ابنه آنوك وأمّه خوند طغاى إلى الكرك صحبة الأمير ملكتمر السّرجوانىّ «٤» نائب الكرك، فإنّه كان قدم إلى العقبة ومعه ابنا السلطان الملك الناصر: أبو بكر وأحمد اللّذان كان والدهما الناصر أرسلهما إلى الكرك قبل تاريخه بسنين ليسكنا بها. ثم مضى السلطان إلى سفره وهو محترز غاية التحرّز، بحيث إنّه ينتقل فى اللّيل عدّة مرار من مكان إلى مكان؛ ويحفى موضع مبيته من غير أن يظهر أحدا على ما فى نفسه ممّا بلغه عن بكتمر الساقى إلى أن وصل إلى ينبع، فتلقّاه الأشراف من أهل المدينة، وقدم عليه الشريف أسد الدين رميثة من مكة ومعه قوّاده وحريمه فأكرمهم السلطان وأنعم عليهم، وساروا معه إلى

стр. 2901

أن نزل على خليص» فرّ منه نحو ثلاثين مملوكا إلى جهة العراق فلم يتكلّم السلطان، وسار حتّى قدم مكّة ودخلها فأنعم على الأمراء، وأنفق فى جميع من معه من الأجناد والمماليك ذهبا كثيرا، وأفاض على أهل مكة بالصدقات والإنعام. فلمّا قضى النّسك عاد يريد مصر، وعرّج إلى زيارة النّبيّ ﷺ ، بالمدينة فسار حتّى وصلها فلمّا دخلها هبّت بها ريح شديدة فى اللّيل ألقت الخيم كلّها وتزايد اضطراب الناس واشتدّت ظلمة الجوّ فكان أمرا مهولا؛ فلمّا كان النهار سكن الريح فظفر أمير المدينة بمن فرّ من المماليك السلطانية فخلع السلطان عليه، وأنعم عليه بجميع ما كان مع المماليك من مال وغيره، وبعث بالمماليك إلى الكرك، فكان ذلك آخر العهد بهم. ثم مرض الأمير بكتمر الساقى وولده أحمد، فمات أحمد فى ليلة الثلاثاء سابع المحرّم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ومات أبوه الأمير بكتمر الساقى فى ليلة الجمعة عاشر المحرّم بعد ابنه أحمد بيومين وحمل بكتمر إلى عيون «٢» القصب فدفن بها، واتّهم السلطان أنّه سمّهما. و [ذلك أنه «٣» ] كان قد عظم أمر بكتمر، بحيث إنّ السلطان كان معه فى هذه السّفرة ثلاثة آلاف ومائة عليقة، ومع بكتمر الساقى ثلاثة آلاف عليقة، وبلغت عدّة خيوله الخاصّة مائة طوالة [بمائة سايس بمائة سطل «٤» ] ، وكان عليق خيول إسطبله دائما ألفا ومائة عليقة كلّ يوم، ومع هذا لم يقنعه ذلك.

стр. 2902

وأخذ يدبّر فى قتل السلطان، وبلغ السلطان ذلك بعد أن خرج من القاهرة فتحرّز على نفسه بدربة وعقل ومعرفة ودهاء ومكر، حتّى صار فى أعظم حجاب من بكتمر وغيره. ثم أخذ هو أيضا يدبّر على بكتمر، وأخذ يلازمه فى الليل والنهار، بحيث إنّ بكتمر عجز فى الطريق أن ينظر إلى زوجته، فإنّه كان إذا ركب أخذ يسايره بجانبه ويكالمه من غير جفاء، وإذا نزل جلس معه، فإن مضى إلى خيامه «١» أرسل السلطان فى الحال خلفه، بحيث إنّه استدعاه- مرّة وهو يتوضّأ- بواحد بعد آخر حتّى كمل عنده اثنا عشر جمدار. فلمّا ثارت الريح بالمدينة قصد السلطان قتل بكتمر وولده أحمد تلك الليلة وهجموا على ولده أحمد فلم يتمكّنوا منه، واعتذروا بأنّهم رأوا حرامية وقد أخذوا لهم متاعا فمرّوا فى طلبهم، فداخل الصبىّ منهم الفزع، ثم زاد احتراز السلطان على نفسه، ورسم للأمراء أن يناموا بمماليكهم على بابه، ولمّا سار من المدينة عظم عنده أمر بكتمر، فلمّا كان فى أثناء الطريق سقى أحمد بن بكتمر ماء باردا فى مسيره، كانت فيه منيّته، ثم سقى بكتمر بعد موت ولده مشروبا فلحق بابنه، واشتهر ذلك، حتّى إنّ زوجة بكتمر لمّا مات صاحت وقالت للسلطان بصوت سمعها كلّ أحد: يا ظالم، أين تروح من الله! ولدى وزوجى، فأمّا زوجى كان مملوك، وولدى، إيش كان بينك وبينه! وكرّرت ذلك مرارا فلم يجبها. قلت: ولولا أنّ الملك الناصر سقى ولده أحمد قبله، وإلّا كانت حيلة الناصر لا تتمّ، فإنّ بكتمر أيضا كان احترز على نفسه وأعلم أصحابه بذلك. فلما اشتغل بمصاب ابنه أحمد انتهز الملك الناصر الفرصة وسقاه فى الحال. وأيضا لو بقى ولده ربما وثب حواشى بكتمر به على السلطان، وهذا الذي قلته على الظنّ منّى. والله أعلم. ويأتى أيضا بعض ذكر بكتمر الساقى فى الوفيات. انتهى.

стр. 2903

ثم وصل إلى القاهرة مبشّر الحاج فى ثامن المحرّم سنة ثلاث وثلاثين تلك «١» المظفّرى الجمدار وأخبر بسلامة السلطان، فدقّت البشائر وخلع عليه خلع كثيرة واطمأنّ الناس بعد ما كان بينهم أراجيف. ثم وصل السلطان إلى الديار المصريّة فى يوم السبت ثامن عشر المحرّم بعد ما خرج معظم الناس إلى لقائه، ومدّ شرف الدين النّشو «٢» شقاق الحرير والزّربفت «٣» من بين العروستين «٤» إلى باب الإسطبل، فلمّا توسّط بين الناس صاحت العوامّ: هو إيّاه ما هو إيّاه! بالله اكشف لنا لثامك، وأرنا وجهك! وكان قد تلثّم، فعند ذلك حسر اللثام عن وجهه فصاحوا بأجمعهم: الحمد الله على السلامة، ثمّ بالغوا فى إظهار الفرح به والدعاء له وأمعنوا فى ذلك، فسّر السلطان بهذا الأمر؛ ودخل القلعة ودقّت البشائر وعملت الأفراح ثلاثة أيام. وهذه حجّة السلطان الملك الناصر الثالثة، وهى التى يضرب بها المثل. وجلس السلطان على كرسىّ الملك وخلع على الأمراء قاطبة. وكان بلغ السلطان أنّ ألماس الحاجب كان اتّفق مع بكتمر الساقى على الفتك بالسلطان. قلت: وبكتمر وألماس كلاهما مملوكه ومشتراه. انتهى. ثم أخذ السلطان يدبّر على ألماس حتّى قبض عليه وعلى أخيه قرا فى العشرين من ذى الحجّة سنة ثلاث وثلاثين، وحمل قرا من يومه إلى الإسكندرية. وسبب معرفة السلطان اتّفاق ألماس مع بكتمر أنّ الملك الناصر لمّا مات بكتمر الساقى

стр. 2904

صحبته بطريق الحجاز احتاط على موجوده، فكان من جملة الموجود جمدان «١» ففتحه السلطان فوجد فيه جوابا من الأمير ألماس إلى بكتمر الساقى يقول فيه: إنّنى حافظ القاهرة والقلعة إلى أن يرد علىّ منك ما أعتمده، فتحقّق السلطان أمره وقبض عليه، ولمّا قبض السلطان على ألماس أخذ جميع أمواله وكان مالا جزيلا إلى الغاية، فإنّه كان ولى الحجوبيّة وباشرها وليس بالديار المصرية نائب سلطنة، فإن الملك الناصر لم يولّ أحدا معه بعد الأمير أرغون، فعظم أمر ألماس فى الحجوبيّة لذلك فصار هو فى محلّ النيابة، ويركبون الأمراء وينزلون فى خدمته ويجلس فى باب القلعة فى منزلة النائب، والحجّاب والأمراء وقوف بين يديه. وكان ألماس رجلا طوالا غتميّا لا يفهم بالعربية، يفعل ذلك عامدا لإقامة الحرمة ويظهر البخل ولم يكن كذلك، بل كان يفعل ذلك خوفا من الملك الناصر، فإنّه كان يطلق لمماليكه الأرباع والأملاك المثمّنة وليس البخيل كذلك. ويأتى أيضا من ذكره شىء فى الوفيات. ثم فى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة قدم تنكز إلى القاهرة وأقام بها أيّاما ثم عاد إلى محلّ ولايته فى يوم الخميس ثالث شهر رجب من سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. وفى هذه السنة أفرج السلطان عن الأمير بهاء الدين أصلم وعن أخيه قرمچى وعن بكتوت القرمانى، فكانت مدّة اعتقال أصلم وقرمچى ست سنين وثمانية أشهر. ثم خلع السلطان على الأمير آقوش الأشرفى المعروف بنائب الكرك بنيابة طرابلس بعد موت قرطاى. قلت: وإخراج آقوش نائب الكرك المذكور من مصر لأمور، منها: صحبته مع ألماس، ومنها ثقله على السلطان، فإنّ السلطان كان يجلّه ويحترمه ويقوم له

стр. 2905

كلّما دخل عليه لكبر سنه. ومنها معارضته للسلطان فيما يرومه، فأخرجه وبعث له بألف دينار وخرج معه برسبغا «١» مسفّرا له، فلمّا أوصله إلى طرابلس وعاد خلع عليه السلطان، واستقرّ به حاجبا صغيرا. وخلع على الأمير مسعود [بن أوحد «٢» ] بن الخطير [بدر الدين «٣» ] واستقرّ حاجبا كبيرا عوضا عن ألماس. وورد الخبر على السلطان من بغداد بأنّ صاحبها أمر النصارى بلبس العمائم الزّرق واليهود الصّفر اقتداء بالسلطان الملك الناصر بهذه السّنّة الحسنة. وفى يوم الأحد رابع المحرّم سنة خمس وثلاثين وسبعمائة قبض السلطان على الطواشى شجاع الدين عنبر السّحرتى مقدّم المماليك بسعاية النّشو ناظر الخاصّ، وأنعم بإقطاعه «٤» وهى إمرة طبلخاناه على الطواشى سنبل، واستقرّ نائب مقدّم المماليك وخلع على الأمير آقبغا عبد الواحد واستقرّ مقدّم المماليك السلطانية مضافا للأستاداريّة عوضا عن عنبر السّحرتى كما كان أوّلا. فلمّا تولّى آقبغا تقدمة المماليك عرض الطباق ووضع «٥» فيهم وضرب جماعة من السّلاح داريّة والجمدارية لامتناعهم «٦» عنه ونفاهم إلى صفد فأعجب السلطان ذلك. وفى شهر رجب من سنة خمس وثلاثين أفرج السلطان عن الأمير بيبرس الحاجب، وكان له فى السجن من سنة خمس وعشرين، وأفرج أيضا عن الأمير طغلق «٧» التّتارى، وهو أحد الأمراء الأشرفيّة وكان له فى السجن ثلاث وعشرون سنة فمات بعد أسبوع من قدومه.

стр. 2906

قلت: لعلّه مات من شدّة الفرح. ثم أفرج السلطان عن الأمير غانم «١» بن أطلس خان، وكان له فى السجن خمس وعشرون سنة، وأفرج عن الأمير برلغى «٢» الصغير وله فى السجن ثلاث وعشرون سنة، وأفرج عن جماعة أخر، وهم: أيدمر اليونسىّ أحد أمراء البرجيّة المظفّريّة والأمير لاچين العمرى والأمير طشتمر أخو بتخاص والأمير بيبرس العلمى، وكان من أكابر الأمراء البرجيّة من حواشى المظفّر بيبرس، والأمير قطلوبك الأوجاقىّ «٣» والشيخ على مملوك سلّار والأمير تمر السّاقى نائب طرابلس أحد المنصوريّة، وكان قبض عليه سنة أربع عشرة، والجميع كان حبسهم فى ابتداء سلطنة الملك الناصر الثالثة بعد سنة عشر وسبعمائة، وأنعم السلطان على تمر الساقى بطبلخانات بالشام، وأنعم على بيبرس الحاجب بإمرة فى حلب، وأنعم على طشتمر بإمرة بدمشق وعلى أيدمر اليونسىّ وبلاط بإمرة فى طرابلس. ثم فى يوم الخميس رابع شهر ربيع الأوّل أنعم السلطان على ولده أبى بكر بإمرة، وركب بشربوش من إسطبل «٤» الأمير قوصون، وسار من

стр. 2907

الرّميلة «١» الى باب «٢» القرافة، فطلع إلى القلعة، والأمراء والخاصّكيّة فى خدمته، وعمل لهم الأمير قوصون مهمّا عظيما فى إسطبله. ثم إنّ السلطان قبض على الأمير جمال الدين

стр. 2908

آقوش الأشرفىّ المعروف بنائب الكرك، وهو يوم ذاك نائب طرابلس فى نصف جمادى الآخرة وحبس بقلعة صرخد، ثم نقل منها فى مستهلّ شوّال إلى الإسكندرية، ونزل النّشو إلى بيته «١» [بالقاهرة «٢» ] وأخذ موجوده وموجود حريمه وعاقب أستاداره، واستقرّ عوضه فى نيابة طرابلس الأمير طينال. ثم اشتغل الملك الناصر بضعف مملوكه ومحبوبه ألطنبغا الماردانىّ، وتولّى تمريضه بنفسه إلى أن عوفى فأحبّ ألطنبغا أن ينشئ له جامعا «٣» تجاه ربع الأمير طغجى خارج باب زويلة، واشترى عدّة دور من أربابها «٤» بغير رضاهم، فندب السلطان النّشو لعمارة الجامع المذكور، فطلب النشو أرباب الأملاك وقال لهم: الأرض للسلطان ولكم قيمة البناء، ولا زال بهم حتّى ابتاعها منهم بنصف ما فى مكاتيبهم من الثمن، وكانوا قد أنفقوا فى عمارتها بعد مشتراها جملة، فلم يعتدّ لهم النّشو منها بشىء، وأقام النشو فى عمارته حتّى تمّ فى أحسن هندام، فجاء مصروفه ثلثمائة ألف درهم ونيّف، سوى ما أنعم به عليه السلطان من الخشب والرّخام

стр. 2909

وغيره. وخطب به الشيخ ركن الدين [عمر «١» بن إبراهيم] الجعبرىّ من غير أن يتناول له معلوما. ثمّ جلس السلطان بدار العدل فوجد به رقعة تتضمّن الوقيعة فى النّشو وكثرة ظلمه وتسلّط أقاربه على الناس وكثرة أموالهم وتعشّق صهره ولىّ الدولة لشابّ تركىّ، فكان قبل ذلك قد ذكر الأمير قوصون للسلطان أن عميرا الذي كان شغف به الأمير ألماس قد ولع به أقارب النّشو وأنفقوا عليه الأموال الكثيرة، فلم يقبل السلطان فيه قول الأمراء لمعرفته لكراهتهم له، فلمّا قرئت عليه القصة قال: أنا أعرف من كتبها، واستدعى النّشو ودفعها [إليه «٢» ] وأعاد له ما رماه به الأمير قوصون، فحلف النّشو على براءتهم من هذا الشاب، وإنّما هذا ومثله ممّا يفعله حواشى الأمير قوصون، وقصد قوصون تغيّر خاطر السلطان علىّ وبكى وانصرف. فطلب السلطان قوصون وأنكر عليه إصغاءه لحواشيه فى حقّ النشو وأخبره بحلف النّشو، فحلف قوصون أنّ النّشو يكذب فى حلفه ولئن قبض السلطان على الشاب وعوقب ليصدقنّ السلطان فيمن يعاشره من أقارب النّشو، فغضب السلطان وطلب أمير مسعود الحاجب وأمره بطلب الشابّ وضربه بالمقارع حتّى يعترف بجميع من يصحبه وكتابة أسمائهم وألزمه ألّا يكتم عنه شيئا، فطلبه وأحضر المعاصير فأملى عليه الشابّ عدّة كثيرة من الأعيان، منهم: ولىّ الدولة فخشى مسعود على الناس من الفضيحة، وقال للسلطان: هذا الكذّاب ما ترك أحدا فى المدينة حتّى اعترف عليه، وأنا أعتقد أنّه يكذب عليهم، وكان السلطان حشيم النفس يكره الفحش، فقال لمسعود: يا بدر الدين، من ذكر من الدواوين؟ فقال: والله يا خوند ما خلّى أحدا من خوفه حتّى ذكره، فرسم السلطان بإخراج عمير المذكور ووالده إلى غزّة،

стр. 2910

ورسم لنائبها أن يقطعهما خبزا بها. وكان ذلك أوّل انحطاط قدر النّشو عند السلطان. ثم اتّفق بعد ذلك أن طيبغا «١» القاسمى الناصرىّ، وكان يسكن بجوار النّشو وله مملوك جميل الصورة فآعتشر به ولىّ الدولة وغيره من إخوة النّشو، فترصد أستاذه طيبغا حتّى هجم يوما عليهم وهو معهم فأخذه منهم وخرج وبلغ النّشو ذلك، فبادره بالشّكوى إلى السلطان بأنّ طيبغا القاسمىّ يتعشّق مملوكه ويتلف عليه ماله، وأنّه هجم وهو سكران على بيتى وحريمى وقد شهر سيفه وبالغ فى السبّ، وكان السلطان يمقت على السكر فأمر فى الحال بإخراج طيبغا ومملوكه إلى الشام. وكان السلطان مشغولا فى هذه الأيام بعمارة قناطر «٢» شبين القصر على بحر أبى المنجّا «٣» فأنشئت تسع قناطر. ثم توجّه السلطان فى شهر ربيع الآخر من سنة ستّ وثلاثين وسبعمائة إلى الوجه القبلى للصّيد، ثم عاد إلى القاهرة بعد أن غاب خمسة وأربعين يوما. كلّ ذلك وأمر النّشو فى إدبار بالنسبة لما كان عليه. ثم جلس السلطان يوما بالميدان فسقط عليه طائر حمام وعلى جناحه ورقة تتضمن الوقيعة فى النّشو وأقاربه والقدح فى السلطان بأنه قد أخرب دولته، فغضب السلطان غضبا شديدا وطلب النّشو
следующие страницы →