← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أهل الكوفة، كان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لخشيت أن يفسد علي قلبي. وفيها توفي عطاء السليمي، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، وكان من التابعين المجتهدين، أقام أربعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى ولم يضحك، ورفع رأسه مرة ففتق في بطنه فتق؛ وكان إذا أراد أن يتوضأ ارتعد وبكى، فقيل له: في ذلك، فقال: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم قبل أن أقوم بين يدي الله تعالى. وفيها توفي نمير بن أوس الأشعري قاضي دمشق، من الطبقة الرابعة من التابعين، ولاه الخليفة هشام القضاء ثم استعفاه فأعفاه. وفيها توفّى محارب ابن دثار السدوسي الشيباني أبو المطرف؛ من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة؛ قال: لما أكرهت على القضاء بكيت وبكى عيالي، فلما عزلت عن القضاء بكيت وبكى عيالي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعاً. *** السنة الرابعة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين ومائة- فيها خرج بالمغرب ميسرة الحقير وعبد الأعلى مولى «١» موسى بن نصير متعاضدين ومعهما خلائق [من الصفرية «٢» ] ، فخرج لقتالهم متولي إفريقية عبيد الله بن الحبحاب وقاتلهم واستظهر عليهم والي إفريقية، لكن قتل ابنه إسماعيل، ثم جهز لهم عبيد الله بن الحبحاب جيشاً ثانياً عليه أبو الأصم خالد، فقتل أبو الأصم المذكور

стр. 317

في جماعة من الأشراف في آخر السنة، واستفحل أمر الصفرية وبايعوا الشيخ عبد الواحد بالخلافة، فلم يتم أمره وقتل بعد حروب كثيرة. وقتل في هذه الواقعة وغيرها في هذه السنة خلائق كثيرة. وكان عبيد الله بن الحبحاب قد جهز جيشاً آخر مع حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة الفهري إلى جزيرة صقلية فظفر حبيب المذكور ظفراً ما سمع بمثله، وسار حتى نزل على أكبر مدائن صقلية، وهي مدينة سرقوسة «١» ، وهابته النصارى وذلوا لإعطاء الجزية، ووقع بالمغرب في هذه السنة حروب مهولة متداولة. وفيها توفي شهيداً زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وصلب مدة طويلة، وقد تقدم ذكر واقعته في سنة إحدى وعشرين ومائة. وفيها توفي إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني البصري، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة، وكنيته أبو واثلة، وكان قاضياً على البصرة، وكان سيداً فاضلاً ذكياً، له نوادر غريبة، كان يقول: أذكر ليلة ولدت وضعت أمي على رأسي جفنة. قال إياس: قلت لأمي: ما شيء سمعته عند ولادتي يا أمي «٢» ؟ فقالت: طست وقع من أعلى الدار ففزعت فولدتك في تلك الساعة. قلت: وعلى هذا يكون سماعه لذلك وهو في بطن أمه، فإنها لما سمعت الضجة ولدت من الفزع. فيكون سماع إياس لذلك قبل أن ينزل من بطن أمه. اهـ. وفيها توفي بلال بن سعد بن تميم السكوني «٣» (بفتح السين المهملة) من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشأم، كان بالشأم مثل الحسن البصري في العراق، وكان إمام جامع دمشق، فكان إذا كبر سمع صوته من الأوزاع (قرية على باب الفراديس) ولم يكن البنيان يومئذ متصلاً؛ هكذا نقل أبو المظفر في تاريخه «مرآة الزمان» . وفيها توفي الأمير مسلمة ابن الخليفة عبد الملك

стр. 318

ابن مروان أبو شاكر «١» ، وقيل: أبو سعيد وقيل: أبو الأصبع «٢» ، كان شجاعاً صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة من ولاية أبيه عبد الملك إلى هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستة أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً. *** السنة الخامسة من ولاية حنظلة بن صفوان على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين ومائة- فيها كانت وقعة عظيمة بين البربر وبين كلثوم بن عياض، فقتل كلثوم في المصاف واستبيح عسكره، كسرهم أبو يوسف الأزدي رأس الصّفريّة (والصفرية «٣» هم منسوبون إلى بني المهلب بن أبي صفرة) ، ثم وقعت أمور ووقائع بالمغرب في هذه السنة أيضاً يطول شرحها. وفيها حج بالناس يزيد ابن الخليفة هشام بن عبد الملك وصحبه الزهري بن شهاب، فهناك لقى الزهرىّ مالك بن أنس وسفيان ابن عيينة. وفيها خرج خمسة وعشرون ألفاً من الروم ونزلوا بملطية، فبعث إليهم

стр. 319

هشام بن عبد الملك الجيوش فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، ولله الحمد. وفيها توفيت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق؛ وأول أزواج عائشة عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ثم تزوجها مصعب ابن الزبير فاصدقها مائة ألف «١» دينار. وعن الكلبي قال: قال عبد الملك بن مروان يوماً لجلسائه: من أشجع العرب؟ قيل: شبيب، وقيل: فلان وفلان؛ فقال: إن أشجع العرب رجل ولي العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف وألف ألف وألف ألف، وتزوج سكينة بنت الحسين بن علي وعائشة بنت طلحة، وابنة «٢» الحميد بنت عبد الله بن «٣» عامر بن كريز، وابنة «٤» ريان بن أنيف الكلبي، وأعطي الأمان فأبى ومشى بسيفه حتى مات، ذاك مصعب بن الزبير. وأظنها تزوجت بعد مصعب. وأما الذين ذكر وفاتهم الذهبي في هذه السنة فجماعة مختلف فيهم، قال: توفي ثابت البناني، وقد تقدم ذكره، وتوفي ربيعة بن يزيد القصير بدمشق، وأبو يونس سليم مولى أبي هريرة، وسماك بن حرب الذهلي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وشرحبيل بن سعد المدنىّ، وأبو عمران الجونىّ عبد الملك بن حبيب، وأبن محيصن مقرئ مكة، ومحمد بن واسع عابد البصرة، وقد تقدم ذكره، ومالك بن دينار، يأتي ذكره. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعا.

стр. 320

ذكر ولاية حفص بن الوليد ثانياً على مصر قلت: تقدم التعريف بحفص هذا في أول ترجمته لما ولي مصر في سنة ثمان ومائة. وكان سبب ولايته هذه الثانية على مصر أن حنظلة بن صفوان لما ولي إفريقية أقر حفصاً هذا على صلاة مصر وتوجّه الى إفريقيّة، فأقرّه الخليفة هشام ابن عبد الملك على إمرة مصر على الصلاة، وذلك فى سابع شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة. وقال صاحب «البغية» : فأقره هشام (يعني على إمرة مصر) ، ثم جمع له بين الصلاة والخراج في ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين ومائة، فجعل على شرطته عقبة بن نعيم الرعيني، وجعل على الديوان يحيى بن عمرو العسقلاني، وعلى الزمام «١» عيسى بن عمرو، ثم صرفه الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك عن الخراج وولاه عيسى بن أبي عطاء يوم الثلاثاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائة، وانفرد بالصلاة، ثم استعفى مروان بن محمد بن مروان فأعفاه، فكانت ولايته هذه ثلاث سنين إلا شهرا. اهـ. وقال غيره: جمع له هشام بن عبد الملك الصلاة والخراج معاً، وكان لأمراء مصر مدة سنين [أن] يلي الأمير على الصلاة لا غير، فلما جمع لحفص بين الصلاة والخراج وقع في أيامه شراقي وقحط بالديار المصرية، فاستسقى حفص بالناس وخطب ودعا الله وصلى، ثم عاد إلى منزله، فلم يكن إلا القليل وورد عليه موت الخليفة هشام بن عبد الملك، واستخلف من بعده الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، فأقر الوليد حفصاً هذا على ما كان عليه من إمرة مصر على الصلاة والخراج أياماً قليلة، ثم صرفه عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء في ثالث عشرين شوال سنة خمس وعشرين ومائة وانفرد حفص بالصلاة. ثم خرج حفص

стр. 321

من مصر إلى الشأم ووفد على الوليد بن يزيد بعد أن أستخلف على صلاة مصر عقبة ابن نعيم الرعيني، وعند وصول حفص إلى دمشق اختلف الناس على الوليد وخلعوه من الخلافة ثم قتلوه، لسوء سيرته وقبيح أفعاله، كل ذلك وحفص بالشأم، وبويع بالخلافة ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. ولما ولي يزيد المذكور الخلافة أقر حفصاً هذا على عمله وأمره بالعود إلى مصر وأن يفرض للجند ثلاثين ألفاً، فعاد حفص إلى مصر وفرض الفروض وبعث بيعة أهل مصر إلى يزيد بن الوليد. فلم تطل مدة أيام يزيد وتوفي وبويع بالخلافة من بعده إبراهيم بن الوليد، فلم يتم عليه أمره وتغلب عليه مروان بن محمد بن مروان الجعدي المعروف بالحمار، ودعا لنفسه وتم له ذلك؛ فلما بلغ حفصاً ذلك بعث يستعفيه من ولاية مصر فأعفاه مروان وولّى مكانه حسّان بن عتاهية. اهـ. وكانت ولاية حفص هذه الثانية نحو ثلاث سنين. وقال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس فى تاريخه بعد ما ذكر نسبه بنحو ما ذكرناه في ولايته الأولى على مصر لكنه زاد فقال: الحضرمي، ثم من بني عوف بن معاذ، كان أشرف حضرمي بمصر في أيامه، ولم يكن خليفة من بعد الوليد إلا وقد استعمله، كان هشام بن عبد الملك قد شرفه ونوه بذكره وولاه مصر بعد الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم نحواً من شهر ثم عزله، فدخل على هشام فألفاه في التجهيز إلى الترك فولاه الصائفة فغزا ثم رجع فولّى نحو مصر سنة تسع عشرة ومائة وسنة عشرين ومائة وسنة إحدى وعشرين ومائة وسنة اثنتين وعشرين ومائة، فلما قتل كلثوم بن عياض القشيري عامل هشام على إفريقية، وكان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ومائة، كتب هشام إلى حنظلة بن صفوان الكلبي عامله على جند مصر بولايته على إفريقية فشخص إليها، وكتب إلى حفص بن الوليد بولاية جند مصر وأرضها، فولي حفص عليها بقية خلافة هشام، وخلافة الوليد بن يزيد، وخلافة

стр. 322

يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد إلى سنة ثمان وعشرين ومائة؛ وحدث عنه يزيد بن أبي حبيب، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وعبد الله ابن لهيعة وغيرهم، وكان ممن خلع مروان مع رجاء بن الأشيم الحميرىّ «١» وثابت بن نعيم ابن زيد «٢» بن روح بن سلامة الجذامىّ وزامل بن عمرو الحراني «٣» في عدة من أهل مصر والشام، فقتله حوثرة بن سهيل الباهلي بمصر في شوال سنة ثمان وعشرين ومائة، وخبر مقتله يطول. وقال المسور الخولاني يحذر أبن عم له من مروان ويذكر قتل مروان حفص ابن الوليد ورجاء بن الأشيم ومن قتل معهما من أشراف أهل مصر: وإن أمير المؤمنين مسلط ... على قتل أشراف البلاد فأعلم فإياك لا تجني من الشر غلطة ... فتودى «٤» كحفص أو رجاء بن الاشيم فلا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وكيف وقد أضحوا بسفح المقطم قال ابن يونس: حدثنا أحمد بن شعيب حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي عن يزيد بن أبي حبيب عن حفص بن الوليد عن محمد بن مسلم عن عبيد الله بن عبد الله حدثه أن ابن عباس حدثه: أن شاة ميتة كانت لمولاة ميمونة من الصدقة فأبصرها رسول الله ﷺ فقال: «انزعوا جلدها فانتفعوا به» قالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حرم أكلها» . قال أبو سعيد بن يونس: أسند حفص غير هذا الحديث: حدثني أبي عن جدي أنه حدثه ابن وهب حدثني الليث: أن حفص بن الوليد أول ولايته بمصر

стр. 323

أمر بقسم مواريث أهل الذمة على قسم مواريث المسلمين، وكانوا قبل حفص يقسمون مواريثهم بقسم أهل دينهم، انتهى كلام ابن يونس. وقد ساق ابن يونس ترجمة حفص على سياق واحد ولم يدع لولايته الثالثة على مصر شيئاً. ولا بد من ذكر ولايته الثالثة هنا لما شرطناه في كتابنا هذا من ذكر كل والٍ في وقته وزمانه، ونذكره إن شاء الله تعالى بزيادات أخر. *** السنة الأولى من ولاية حفص بن الوليد الثانية على مصر وهي سنة أربع وعشرين ومائة- فيها عاثت الصفرية ببلاد المغرب وحاصروا قابساً «١» ونصبوا عليها المجانيق، وافترقت الصفرية بعد قتل ميسرة فرقتين، ثم ولى الخليفة حنظلة أمير مصر أمر إفريقية لما بلغه قتل كلثوم، كما تقدم ذكره. وفيها قدم جماعة من شيعة بني العباس من خراسان إلى الكوفة يريدون أخذ البيعة لبني العباس فأخذوا وحبسوا ثم أطلقوا. وفيها غزا سليمان بن هشام الصائفة والتقاه ملك الروم فهزمه سليمان وغنم «٢» . وفيها قتل كلثوم بن عياض أمير المغرب، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشأم، وكان جليلاً نبيلاً فصيحاً له خطب ومواعظ، قتل بالمغرب في وقعة كانت بينه وبين ميسرة الصفري، ثم مات ميسرة أيضاً في آخر السنة. وفيها توفي الزهري واسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، الإمام أبو بكر القرشي الزهري المدني أحد الأعلام، من تابعي أهل المدينة من الطبقة الرابعة، كان حافظ زمانه. قال الليث بن سعد قال

стр. 324

ابن شهاب: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري، ولد سنة خمسين، وطلب العلم في أواخر عصر الصحابة، وله نيف وعشرون سنة، فروى عن ابن عمر حديثين، وروى عن جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وروى عنه الجمّ الغفير اهـ. وذكر الذهبي جماعة أخر، قال: توفي عبد الله بن قيس الجهني، وعمرو بن سليم الزرقي أبو طلحة، والقاسم بن أبي بزة المكي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد تقدم ذكره، ومحمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، وأبو جمرة (بالجيم والراء) نصر بن عمران الضبعي. أمر النيل في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وثلاثة «١» عشر إصبعا. *** السنة الثانية من ولاية خفص بن الوليد الثانية على مصر وهي سنة خمس وعشرين ومائة: فيها كانت فتن كثيرة بالمغرب بين الأمير حنظلة بن صفوان المعزول عن إمرة مصر والمتولي إفريقية وبين عكاشة الخارجي، فكانت بينهم وقعة لم يسمع بمثلها، وانهزم عكّاشة وقتل من البربر ما لا يحصى، ثم التقى حنظلة ثانياً مع عبد الواحد على فرسخ من القيروان، وجمع عبد الواحد ثلثمائة ألف مقاتل، فبذل حنظلة الأموال وضج الناس والنساء والأطفال بالدعاء، وبقي حنظلة يسير بين الصفوف بنفسه ويحرض على القتال، وكسر أصحاب حنظلة أغماد سيوفهم والتحمت الحرب وانكسرت ميسرة الإسلام، وحنظلة على تحريضه حتى تراجعوا، وهزم الله

стр. 325

عبد الواحد وجيوشه ثم قتل، وأتي حنظلة برأسه، وقتل من البربر مقتلة عظيمة لم يسمع بمثلها، فكانت هذه ملحمة مشهودة، ثم أسر عكاشة وأتي به إلى حنظلة فقتله وقتل جماعة كثيرة من أصحابه. وقيل: أحصي من قتل في هذه الوقعة فبلغوا مائة ألف وثمانين ألفاً. وهذه الملحمة أعظم ملحمة وقعت في الإسلام بالمغرب. وفيها عقد الوليد بن يزيد بن عبد الملك البيعة لابنيه الحكم وعثمان في شهر رجب بعد أن ولي الخلافة بشهر واحد، وكتب بذلك إلى الآفاق. وفيما؟؟؟ توفّى محمد «١» بن علي ابن عبد الله بن عباس العباسي الهاشمي، ومحمد هذا هو والد السفاح أول خلفاء بني العباس، وكنيته أبو عبد الله، وكان أصغر من أبيه علي بأربع عشرة سنة، فلما شابا خضب أبوه علي بالسواد وابنه محمد هذا بالحناء، فلم يفرّق بينهما إلا بالخضاب لتشابههما. ومولد محمد هذا بالقرب من أرض البلقاء سنة ثمان وخمسين وقيل: سنة ستين. وفي الليلة التي مات فيها محمد هذا ولد فيها محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، فسمي المهدي على اسم جده محمد المذكور وكني بكنيته. وكان محمد هذا بويع بالخلافة سراً وفرق الدعاة في البلاد، فلم يتم أمره ومات. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس، الأموي القرشي الدمشقي أبو الوليد، ولد سنة نيف وسبعين واستخلف بعهد من أخيه يزيد بن عبد الملك، واستخلف وعمره أربع وثلاثون سنة، ودام في الخلافة تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأياماً، وكان جميل الصورة يخضب بالسواد، وبعينيه حول مع كيس، وأمه فاطمة بنت هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومىّ.

стр. 326

قال مصعب الزبيري: زعموا أن عبد الملك رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من يسأل سعيد بن المسيب عنها، وكان يعبر الرؤيا، وعظمت على عبد الملك، فقال سعيد بن المسيب: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان هشام هذا آخرهم، لأن أولهم الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام. قال حماد الراوية: لما ولي هشام الخلافة طلبني فحضرت عنده فوجدته جالساً في فرش قد غرق فيه، وبين يديه صحفة من ذهب مملوءة مسكاً مذوباً بماء ورد وهو يقلبه بيده فتفوح رائحته، فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال: يا حماد، إني ذكرت بيتاً من الشعر ما عرفت قائله وهو هذا: ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق فقلت: هو لعدي بن زيد، فقال: أنشدني القصيدة، فأنشدته إياها، فقال: سل حاجتك، وكان على رأسه جاريتان كأنهما أقمار، وفي أذن كل واحدة منهما جوهرتان يضيء منهما المنزل، فقلت: يا أمير المؤمنين، جارية من هاتين، فقال: هما لك، وأمر لي بمائة ألف درهم. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعاً. السنة الثالثة من ولاية حفص بن الوليد الثانية على مصر وهي سنة ست وعشرين ومائة- فيها خرج يزيد بن الوليد بن عبد الملك على أبن عمه الخليفة الوليد ابن يزيد بن عبد الملك لما أنتهك الوليد المذكور الحرمات وكثر فسقه وسئمته الرعية على قصر مدته، فبويع يزيد هذا بالمزة «١» ووثب على دمشق وجهز عسكراً لقتال الخليفة

стр. 327

الوليد، وكان الوليد بتدمر قد أنهزم إليها عاكفاً على المعاصي بها، فخرج الوليد وقاتل العسكر وانكسر وقتل بنواحي تدمر، على ما يأتي ذكره، وتم أمر يزيد في الخلافة، وسمي بالناقص، لكنه لم تطل مدته أيضاً ومات، على ما يأتي ذكره أيضاً. وفيها توفّى خالد ابن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر البجلي القسري، ولي خالد المذكور أعمالاً جليلة مثل مكة المشرفة والعراق وغيرهما، وكانت أمه نصرانية فكان يعير بها، وكان بخيلاً على الطعام جداً، ذكر عنه أبو المظفر أموراً شنيعة من هذا الباب. وفيها توفي الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية (الهاشمي) «١» الأموي الدمشقي المعروف بالفاسق، ولد سنة تسعين وقيل سنة اثنتين وتسعين. ولما احتضر أبوه يزيد بن عبد الملك لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي، فعهد إلى أخيه هشام بن عبد الملك وجعل ابنه هذا الوليد ولي العهد من بعد هشام، وأم الوليد بنت محمد بن يوسف الثقفي، فالحجاج عم أمه. ولما مات عمه هشام ولي الخلافة وصدرت عنه تلك الأمور القبيحة المشهورة عنه: من شرب الخمر والفجور وتخريق المصحف بالنشاب. وذكر عنه بعض أهل التاريخ أموراً أستبعد وقوعها، منها: أنه دخل يوماً فوجد ابنته جالسة مع دادتها «٢» فبرك عليها وأزال بكارتها، فقالت له دادتها: هذا دين المجوس، فأنشد: من «٣» راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور

стр. 328

قال: وأخذ يوما المصحف وفتحه، فأوّل ما طلع له وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، فقال: أتوعدني! ثم علقه ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزّقه وهو ينشد: أتوعد كل جبار عنيد ... فهأنا ذاك جبار عنيد إذا لاقيت ربك يوم حشر ... فقل يا رب خرقني الوليد ولما كثر فسقه خلعوه من الخلافة بابن عمه يزيد بن الوليد وقتلوه في جمادى الآخرة، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، وتوفي ابن عمه يزيد المذكور بعده بمدة يسيرة، كما سيأتي ذكره. وفيها توفي سعيد «١» بن مسروق والد سفيان الثوري؛ وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الهاشمي «٢» الأموي الدمشقي أبو خالد، المعروف بيزيد الناقص، لأنه نقص الجند من عطائهم لما ولي الخلافة، وكان الوليد ابن عمه زاد الجند زيادات كثيرة فنقصها يزيد هذا لما ولي الخلافة ومشى الأمور على عاداتها. وثب يزيد على الخلافة لما كثر فسق ابن عمه الوليد، وتم أمره بعد قتل الوليد، وبويع بالخلافة في جمادى الآخرة من سنة ست وعشرين ومائة المذكورة. وأم يزيد هذا شاه «٣» فرند بنت فيروز بن يزدجرد، حكي أن قتيبة بن مسلم ظفر بما وراء النهر بابنتي فيروز فبعث بهما إلى الحجاج بن يوسف، فبعث الحجاج بإحداهما، وهي شاه فرند، إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك فأولدها يزيد هذا، وكانت أم فيروز بن يزدجرد بنت شيرويه بن كسرى، وأم شيرويه بنت خاقان، وأم أم فيروز هي بنت قيصر عظيم الروم، ولهذا كان يزيد يفتخر ويقول:

стр. 329

أنا ابن كسرى وجدّى مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان قلت: وكان يزيد هذا لا بأس به، غير أن أيامه لم تطل، ومات في سابع ذي الحجة من سنة ست المذكورة. وذكر الذهبي وفاة جماعة كثيرة في هذه السنة مختلف في وفاتهم، كما هي عادة سياقه، فإنه يذكر الواحد في عدة أماكن، فنحن نذكر مقالته ولا نتقيد بها، ومن وقع لنا ممن ذكره ترجمناه على عادة كتابنا هذا في محله، قدمه الذهبي أو أخره، فقال: توفي جبلة بن سحيم، وخالد بن عبد الله القسري الأمير، ودراج أبو السمح، وسعيد بن مسروق والد سفيان الثوري، وسليمان بن حبيب المحاربي، وقد تكرر في عدة سنين، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد، والكميت بن زيد الشاعر، وعبيد الله بن أبي يزيد المكي، وعمرو بن دينار، والوليد قتل في جمادى الآخرة فكانت خلافته خمسة عشر شهراً، ويزيد بن الوليد الناقص مات في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنى عشر إصبعا. ذكر ولاية حسان بن عتاهية على مصر هو حسان بن عتاهية بن عبد الرحمن بن حسان بن عتاهية بن خزز بن سعد ابن معاوية التجيبي؛ وقال صاحب «البغية» : حسان بن عتاهية بن عبد الرحمن. اهـ. ولّاه مروان بن محمد بن مروان المعروف بالحمار على إمرة مصر وهو بالشأم، فأرسل حسان من الشأم بكتاب إلى ابن نعيم باستخلافه على صلاة مصر إلى أن يحضر من الشأم، فسلم حفص بن الوليد الأمر إلى أبن نعيم، ثم قدم حسان المذكور إلى مصر في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة على الصلاة لا غير.

стр. 330

وزاد صاحب «البغية» وقال: قدم في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة. اهـ. وكان عيسى بن أبي عطاء على الخراج، فلما أستقر أمر حسان في إمرة مصر أسقط الفروض التي كان قررها حفص بن الوليد في ولايته وقطع [فروض «١» ] الجند كلها، فوثبوا عليه وقاتلوه وقالوا: لا نرضى إلا بحفص، وركبوا إلى المسجد ودعوا إلى خلع مروان الحمار من الخلافة وحصروا حسان في داره، وقالوا له: اخرج عنا، فإننا لا نقيم معك ببلد، ثم أخرجوا عيسى بن أبي عطاء صاحب الخراج من مصر، كل ذلك في آخر جمادى الأخرة، ثم أخرجوا حفصاً من سجنه وولوه أمرهم. وتوجه حسان هذا إلى الشأم ودام بها من جملة أمراء بني أمية إلى أن زالت دولة بني أمية وتولت العباسية. قتل حسان هذا مع من قتل بمصر من أعوان بني أمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكانت ولاية حسان على مصر ستة عشر يوماً وقيل: إن حسان كان من أعوان بني العباس، والأول أشهر، وتولى بعده حفص بن الوليد ثالثاً. وقال الحافظ أبو سعيد بن يونس: شهد حسان بن عتاهية جد عتاهية والد صاحب الترجمة فتح مصر وصحب عمر بن الخطاب؛ وابنه عبد الرحمن بن حسان ابن عتاهية يروي عنه مخيس بن ظبيان، وفي نسخة: عبد الغني. وحدثني أحمد بن علي بن دارح بن رجب الخولاني حدثني عمي عاصم بن دارح حدثنا عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير حدثني أبي حدثني عمرو بن يحيى السدي حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج قال: سألني أبو جعفر المنصور: ما فعل حسان بن عتاهية؟ قلت: قتله شعبة «٢» . قال: قتله الله. كان لنا جليساً

стр. 331

عند عطاء بن أبي رباح. قال سعيد بن كثير: شعبة هذا هو ابن عثمان التميمي، كان على المصرية «١» ، وهو أول من قدم مصر من قواد المسودة «٢» ، وكان على مقدمة عامر بن إسماعيل المرادي الجرجاني الذي قتل مروان بن محمد الحمار. ضبط الأسماء الغريبة في هذه الترجمة: (عتاهية) بفتح العين المهملة والتاء المثناة، و (خزز) بفتح «٣» الخاء المعجمة والزاي الأولى وسكون الزاي الثانية، و (التجيبى) بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وياء ساكنة وباء ثانية الحروف. ذكر ولاية حفص بن الوليد الثالثة على مصر ولما ثار أهل مصر على حسان بن عتاهية وأخرجوه منها لحق بالخليفة مروان ابن محمد بن مروان المعروف بالحمار في الشأم، وذكر له حسان ما وقع له مع أهل مصر؛ واستمر حفص بن الوليد على صلاة مصر شهر رجب وشعبان، وقدم الأمير حنظلة بن صفوان من إفريقية، وقد أخرجه أهلها فنزل بالجيزة غربي مدينة مصر، ودام هناك إلى أن قدم عليه كتاب الخليفة مروان الحمار بولايته على مصر، فامتنع المصريون من ولاية حنظلة بن صفوان عليهم، ومنعوه من الدخول إلى مصر وأظهروا الخلاف، ثم أخرجوا حنظلة من الجيزة إلى الوجه الشرقي، ومنعوه من المقام بالفسطاط، وحاربوه فحاربهم فهزم، وتم أمر حفص؛ وسكت مروان عن مصر بقية سنة سبع وعشرين ومائة، ثم عزل حفص في مستهل سنة ثمان وعشرين ومائة وولي عوضه على مصر الحوثرة بن سهيل أخو عجلان الباهلي، وواقع الحوثرة حفصاً وقتله، كما ذكره ابن يونس وغيره في ترجمته الثانية، وكان قتل حفص المذكور في يوم

стр. 332

الثلاثاء لليلتين خلتا من شوال سنة ثمان وعشرين ومائة، ورثاه صديقه أبو بحر مولى عبد الله بن إسحاق مولى آل الحضرمي من حلفاء عبد شمس بعدة قصائد، وكان أبو بحر أمأمأ في النحو واللغة، تعلم ذلك من يحيى بن يعمر، ومات في سنة سبع «١» وعشرين ومائة، وكان أبو بحر يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى اللحن، فهجاه الفرزدق بقوله: فلو كان عبد الله مولًى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا فقال له أبو بحر عبد الله المذكور: قد لحنت أيضاً يا فرزدق في قولك: مولى مواليا، بل كان ينبغي أن تقول: مولى موالٍ. *** السنة الأولى من ولاية حفص بن الوليد الثالثة على مصر وهي سنة سبع وعشرين ومائة، على أن حسان بن عتاهية حكم منها على مصر ستة عشر يوماً في جمادى الآخرة- فيها وقع بالشأم وغيره عدة فتن وحروب من قبل مروان الحمار وغيره حتى ولي الخلافة وخلع إبراهيم بن الوليد الذي كان تخلف بعد موت أخيه يزيد بن الوليد الناقص ولم يتم أمره، وكان مروان المذكور متولي أذربيجان وأرمينية، فلما بلغه موت يزيد جمع الأبطال والعساكر وأنفق عليهم الأموال حتى بلغ قصده وولي الخلافة وتم أمره، وفي آخر السنة المذكورة بايع مروان لابنيه عبيد الله وعبد الله بالعهد من بعده وزوجهما بابنتي هشام بن عبد الملك، ولم يدر ما خبئ له في الغيب من زوال دولته ببني العباس. وفيها حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز الأموي وهو أمير مكة والمدينة والطائف. وفيها خلع سليمان بن هشام

стр. 333

مروان الحمار من الخلافة، وكان سليمان بمدينة الرصافة، ووقع له مع مروان أمور وحروب. وفيها توفي الحكم بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، وكان الوليد عقد له ولأخيه عثمان ولاية العهد بعده، وأستعمل الحكم هذا على دمشق وعثمان على حمص حتى عزلهما يزيد بن الوليد الناقص. وفيها توفي عبد العزيز بن عبد الملك بن مروان أبو الأصبع، وهو الذي تولى قتل الوليد بن يزيد، فولاه يزيد الناقص العهد بعد أخيه إبراهيم. وفيها توفي مالك بن دينار العابد الزاهد أبو يحيى البصري، أحد الأعلام الزهاد، قيل: إن أدم مالك المذكور كان في السنة بفلسين ملحاً، وكان يلبس إزار صوف وعباءة خفيفة وفي الشتاء فروةً، وكان ينسخ المصحف فى أربعة أشهر، وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره. وفي هذه السنة أيضاً كان الطاعون بالشأم ومات فيه خلائق لا تحصى، وكان هذا الطاعون يسمى «بطاعون غراب» . ذكر الذين ذكر الذهبي وفاتهم على القاعدة المتقدم ذكرها في سنة ست وعشرين ومائة، قال: وتوفي إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وبكير بن عبد الله بن الأشج على الأصح، وسعد بن إبراهيم في قول، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهري، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وعبد الله بن دينار المدني، وعمرو بن عبد الله أبو إسحاق السّبيعىّ، وعمير بن هانئ العنسي، ومالك بن دينار الزاهد في قولٍ، ومحمد ابن واسع في قول خليفة، ووهب بن كيسان أيضاً. أمر النيل- الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعا.

стр. 334

ذكر ولاية حوثرة بن سهيل على مصر هو حوثرة بن سهيل أخو عجلان «١» بن سهيل الباهلي أمير مصر، ولاه مروان الحمار على إمرة مصر بعد أن عزل عنها حفص بن الوليد المقدّم ذكره، وجهّز صحبته العساكر لقتال حفص بن الوليد، فخرج حوثرة من الشأم وسار منها بالعساكر حتى وصل إلى مصر في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلةً خلت من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائة وزاد صاحب «البغية» فقال: ومعه سبعة آلاف فارس، وولاه مروان على الصلاة وعيسى بن أبى عطاء على الخراج. اهـ. ولما وصل حوثرة إلى مصر أجمع «٢» جند مصر وأهلها على منعه من الدخول إلى مصر فأبى عليهم حفص بن الوليد ونهاهم عن ذلك فخافوا حوثرة وسألوه الأمان فأمنهم ونزل بظاهر الفسطاط، وقد اطمأنوا إليه، فخرج إليه حفص بن الوليد في وجوه الجند فقبض حوثرة عليهم وقيدهم وأوسع الجند سباً فانهزم الجند، فقام حوثرة من وقته ودخل إلى مصر ومعه عيسى بن أبي عطاء وهو على الخراج على عادته وحوثرة على الصلاة لا غير، وبعث حوثرة في طلب رؤساء مصر فجمعوا له فضرب أعناقهم وفيهم رجاء بن الأشيم الحميري «٣» من كبار المصريين، ثم أخذ حفص بن الوليد فقتله وأخذ في تمهيد أمور مصر، وتم أمره إلى سنة إحدى وثلاثين ومائة [ثم] «٤» عزله مروان الحمار عن إمرة مصر وبعثه إلى العراق لقتال الخراسانية دعاة بني العباس فقتل هناك، وكان استخلف على مصر أبا الجراح بشر بن أوس، وكان خروجه من مصر لعشر خلون من شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة، فكانت ولايته على مصر ثلاث سنين وستة أشهر، وولي مصر من بعده

стр. 335

المغيرة بن عبيد «١» الله الآتي ذكره. ولما توجه حوثرة إلى الشأم ووجهه مروان الحمار إلى العراق نجدةً لابن هبيرة فتوجه إلى العراق ووقع له بها أمور، ولم يزل مع مروان الحمار إلى أن انكسر مروان من أبي مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس، وقيل: فقتل حوثرة هذا مع من قتل من أعوان بني أمية فإنه كان مولى لبني أمية ومن كبار أمرائهم، يقال: إنهم طحنوه طحناً لما ظفروا به حتى مات، فإنه كان شجاعاً مقداماً صاحب رأي وتدبير وقوّة وخبرة بالحروب. اهـ. وأما أمر حوثرة لما توجه إلى العراق لابن هبيرة فإنه وصل إليه وفي وصوله له قدم على يزيد «٢» بن هبيرة ابنه داود منهزماً، فخرج يزيد بن هبيرة ومعه حوثرة هذا إلى نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى وساروا حتى نزلوا جلولاء «٣» ، واحتفر ابن هبيرة الخندق الذي كانت العرب «٤» اختفرته أيام وقعة جلولاء، وأقام به، وأقبل قحطبة إلى جهة ابن هبيرة فارتحل ابن هبيرة وحوثرة بمن معهما إلى الكوفة لقحطبة، وقدم حوثرة هذا أمامه في خمسة عشر ألفاً إلى الكوفة، وقيل: إن حوثرة لم يفارق يزيد بن هبيرة، وأرسل قحطبة طائفةً من أصحابه الى الأنبار وغيرها وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن ليعبر الفرات فبعثوا إليه كل سفينة كانت هناك، فقطع قحطبة الفرات حتى صار في غربيه، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة وحوثرة، وذلك في محرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة لثمان مضين منه، وكان ابن هبيرة قد عسكر على فم الفرات من [أرض «٥» ] الفلوجة «٦» العليا على ثلاثة وعشرين فرسخاً من الكوفة، وكان قدم عليه أيضاً ابن ضبارة «٧» نجدةً بعد حوثرة بن سهيل الباهلي المذكور، فقال حوثرة لابن هبيرة:

стр. 336

إن قحطبة قد مضى يريد الكوفة فاقصد أنت خراسان ودعه ومروان فإنك تكسره وبآلحرى أن يتبعك، قال ابن هبيرة: ما كان ليتبعنى ويدع الكوفة، ولكن الرأى أن أبادره إلى الكوفة، فعبر الدجلة من المدائن يريد الكوفة، واستعمل على مقدمته حوثرة المذكور وأمره أن يسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على جانبي الفرات، وقد قال قحطبة لأصحابه: إن الإمام أخبرني أن لي بهذا المكان وقعةً يكون النصر [فيها «١» ] لنا، ثم عبر قحطبة من مخاضة وقاتل حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم حوثرة ومحمد بن نباتة وأخوه ولحقوا بابن هبيرة، فانهزم ابن هبيرة بهزيمتهم ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك، وقيل: إن حوثرة كان بالكوفة فبلغه هزيمة يزيد بن هبيرة فسار إليه بمن معه. وأما أمر قحطبة فإنه فقد من عسكره بعد هزيمة عساكر ابن هبيرة، فقال أصحاب قحطبة: من عنده عهد من قحطبة فليخبر به، فقال مقاتل بن مالك العكي: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس، فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان قد سيره أبوه قحطبة في سرية؛ ثم أرسلوا إليه وأحضروه وسلموا إليه الأمر ثم بعثوا «٢» على قحطبة فوجدوه في جدول هو وحرب بن سالم بن أحوز «٣» قتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه. وقيل: إن معن بن زائدة ضرب قحطبة على عاتقه فسقط في الماء فأخرجوه، فقال: شدوا يدي إذا أنا مت وألقوني في الماء لئلا يعلم الناس بقتلي ثم كونوا في أمركم، فوقع ذلك حتى انهزم «٤» عسكر ابن هبيرة.

стр. 337

*** السنة الأولى من ولاية حوثرة بن سهيل على مصر وهي سنة ثمان وعشرين ومائة- فيها بعث إبراهيم العباسي أبا مسلم إلى خراسان وأمره على أصحابه وكتب إليهم بذلك، فأتاهم فلم يقبلوا منه، وخرج من قابل إلى مكة وأخبره أبو مسلم بذلك، ثم أرسله ثانياً كما سيأتي ذكره. وفيها توفي إسماعيل بن عبد الرحمن السدي صاحب التفسير والمغازي والسير، كان إماماً عارفاً بالوقائع وأيام الناس، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وقيل: إنه مات سنة سبع وعشرين ومائة، وفيها توفي جابر بن يزيد الجعفي، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة وقد تكلم فيه وضعفه بعضهم. وفيها توفي حيىّ بن هانئ المعافري، أبو قبيل (وأبو قبيل بفتح القاف وكسر الموحدة) غزا أبو قبيل البحر مع جنادة والغرب في زمان معاوية، وكان شجاعاً ديناً متواضعاً، يخرج إلى السوق إلى حاجته بنفسه، روى عنه الليث بن سعد وغيره ومات بمصر. وفيها توفي سعيد بن مسروق الثوري أبو سفيان، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة، كان عالماً زاهداً. وفيها توفي عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة واعظ البصرة، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، كان من الزهاد وكان يحضر مجالس مالك بن دينار. قال أبو نعيم: صلى عبد الواحد الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة. وفيها توفي عثمان بن عاصم بن حصين «١» [أبو حصين «٢» ] (بفتح الحاء) الأسدي، من الطبقة الرابعة من تابعى أهل الكوفة، قرئ القرآن عليه بمسجد الكوفة خمسين سنة. وفيها توفي يزيد بن أبي حبيب، من الطبقة الثالثة. من تابعي أهل مصر، وهو أول من أظهر بها الحلال والحرام والفقه، وإنما كانوا يتحدثون بالملاحم والفتن، وكان الليث بن سعد يثني عليه ويقول: ابن أبي حبيب سيّدنا.

стр. 338

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان واثنان وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبع واحد. *** السنة الثانية من ولاية حوثرة على مصر وهي سنة تسع وعشرين ومائة- فيها خرج بحضرموت طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندىّ «١» الأعور، تغلب عليها واجتمع عليه الأباضية، ثم سار إلى صنعاء وبها القاسم بن عمر الثقفي فوقع بينهم قتال كثير، انتصر فيه طالب الحق وهرب القاسم وقتل أخوه الصلت، واستولى طالب الحق على صنعاء وأعمالها، ثم جهز إلى مكة عشرة آلاف وبها عبد الواحد ابن سليمان بن عبد الملك بن مروان فغلبوا على مكة وخرج «٢» منها عبد الواحد المذكور. وفيها كتب ابن هبيرة أمير العراق «٣» إلى عامر بن ضبارة فسار حتى أتى خراسان «٤» وقد ظهر بها أبو مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس في شهر رمضان، وكان قد ظهر هناك عبد الله بن معاوية الهاشمي فقبض عليه أبو مسلم وسجنه وسجن معه خلقاً من شيعته. وفيها توفي سالم بن أبي أمية أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله ابن معمر التيمي، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل المدينة، كان يفد على عمر بن عبد العزيز ويعظه، فقال له يوماً: يا أمير المؤمنين، عبد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته عصاه مرة واحدة فأخرجه من الجنة بتلك الخطيئة الواحدة، وأنا وأنت نعصي الله كل يوم مراراً، ونتمنى على الله الجنة! وكانت وفاته بالمدينة.

стр. 339

ذكر من ذكر الذهبي وفاته في هذه السنة، قال: فيها توفي أزهر بن سعيد الحرازي بحمص، والحارث بن عبد الرحمن بالمدينة، وخالد بن أبي عمران التجيبي قاضي إفريقية، وسالم أبو النضر المدني، وعلي بن زيد بن جدعان التّيمىّ، وقيس ابن الحجاج السلفي، ومطر بن طهمان الوراق، ويحيى بن أبى كثير اليمانىّ، وبشر ابن حرب الندبي وآخرون. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعاً. *** السنة الثالثة من ولاية حوثرة بن سهيل على مصر وهي سنة ثلاثين ومائة- فيها اصطلح نصر بن سيار وجديع بن علي الكرماني على قتال أبي مسلم الخراساني، فدس أبو مسلم الخراساني إلى ابن علي الكرماني من خدعه واجتمعا وقاتلا نصر بن سيار فقوي جيش أبي مسلم الخراساني وتقهقر نصر بن سيار بين يديه، فأخذ أبو مسلم أثقاله ثم أخذ مرو وقتل عاملها شيبان الحروري «١» ، فأقبلت سعادة بني العباس وأخذ من يومئذ أمر بني أمية في إدبار، ثم استولى أبو مسلم في هذه السنة على أكثر مدن خراسان، ثم ظفر بعبد الله بن معاوية الهاشمي فقتله، ثم كتب نصر بن سيار إلى ابن هبيرة نائب العراق يستنجده ويستصرخ به إلى الخليفة مروان الحمار. وفيها استولى جيش طالب الحق على مكة، فكتب عبد الواحد أمير المدينة إلى الخليفة مروان الحمار يخبره بخذلان أهل مكة، ثم جهز جيشاً إلى مكة فبرز لحربهم أعوان

стр. 340

طالب الحق وعليهم أبو حمزة والتقى الجمعان بقديد «١» في صفر فانهزم جيش عبد الواحد وساق أبو حمزة فاستولى على المدينة أيضاً، وقتل يوم وقعة القديد هذه ثلثمائة نفس من قريش: منهم حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، وابنه عمارة، وابن أخيه مصعب حتى قالت بعض النوائح: ما للزمان وما ليه ... أفنى قديد رجاليه ثم إن مروان الحمار بعث جيشاً عليه عبد الملك بن محمد بن عطية، فسار ابن عطية المذكور والتقى مع أبي حمزة مقدم عساكر طالب الحق فكسره، وقتل أبرهة الذي كان ولاه طالب الحق على مكة عند بئر ميمونة، فبلغ طالب الحق فأقبل من اليمن في ثلاثين ألفاً، فخرج إليه عبد الملك بن محمد المذكور بعساكر مروان فكانت بينهم وقعة عظيمة انهزم فيها طالب الحق، ثم ألتقوا ثانياً، وثالثاً قتل فيها طالب الحقّ فى نحو من ألف حضرمىّ، وبعث عبد الملك بن محمد برأسه إلى الخليفة مروان الحمار. وفيها كانت زلازل شديدة بالشام وأخربت بيت المقدس وأهلكت» أولاد شداد بن أوس فيمن هلك، وخرج أهل الشأم إلى البرية وأقاموا أربعين يوماً على ذلك، وقيل: كان ذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة. وفيها توفي الخليل ابن أحمد بن عمرو الفراهيدي أبو عبد الرحمن النحوىّ البصرىّ. قال ابن قرأوغلى: ولم يكن بعد الصحابة أذكى من الخليل هذا ولا أجمع، وكان قد برع في علم الأدب، وهو أول من صنف العروض، وكان من أزهد الناس. قلت: ولعل ابن قرأوغلى واهم في وفاة الخليل هذا، والذي أعرفه أنه كان في عصر أبي حنيفة وغيره. وذكر الذهبي وفاته في سنة ستين ومائة، وقال ابن

стр. 341

خلكان: كانت ولادته يعني الخليل في سنة مائة من الهجرة وتوفي في سنة سبعين ومائة وقيل خمس وسبعين ومائة، وقال ابن قانع في تاريخه المرتب على السنين: إنه توفي سنة ستين ومائة، وقال ابن الجوزي في كتابه الذي سماه «شذور العقود» : إنه مات سنة ثلاثين ومائة وهذا غلط قطعاً، والصحيح أنه عاش لبعد الستين ومائة، ويقال: إنه كان له ولد فدخل عليه فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض، فخرج إلى الناس فقال: إن أبي جن فدخلوا إليه وأخبروه، فقال مخاطبا لابنه: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وأربعة أصابع ونصف إصبع. *** السنة الرابعة من ولاية الحوثرة على مصر إلى شهر رجب، ومن رجب حكمها المغيرة بن عبيد الله الآتي ذكره وهي سنة إحدى وثلاثين ومائة- فيها كانت وقعة بين ابن هبيرة وبين عامر بن ضبارة، فالتقوا بنواحي أصبهان في شهر رجب فقتل ابن ضبارة في المصاف. وذكر محمد بن جرير الطبري: أن عامر بن ضبارة كان في مائة ألف، ثم بعث ابن هبيرة إلى مروان الحمار يخبره بقتله عامر بن ضبارة وطلب منه المدد فأمده بأمير مصر صاحب الترجمة حوثرة بن سهيل الباهلي بعد أن عزله عن إمرة مصر وبعثه في عشرة آلاف من قيس، ثم تجمعت جيوش مروان الحمار بنهاوند وعليهم مالك ابن أدهم فضايقهم قحطبة أربعة أشهر حتى خرجوا بالأمان في شوال، ثم قتل قحطبة وجوهاً من عسكر أهل مصر، ثم أقبل قحطبة يريد العراق فخرج إليه متوليها ابن هبيرة

стр. 342

وانضم إليه المصريون والمنهزمون حتى صار في ثلاثة وخمسين ألفاً ونزل جلولاء، ونزل قحطبة في آخر العام بخانقين «١» ، فوقع بين الطائفتين عدة وقائع وبقوا على ذلك إلى السنة الآتية. وفيها كان الطاعون العظيم، هلك فيه خلق كثير، حتى قيل: إنه مات في يوم واحد سبعون ألفاً قاله ابن الجوزي، وكان هذا الطاعون يسمى: «طاعون أسلم بن قتيبة» . قال المدائني: كان بالبصرة في شهر رجب واشتد في رمضان ثم خف في شوال وبلغ كل يوم ألف جنازة، وهذا خامس عشر طاعوناً وقع في الإسلام حسبما تقدم ذكره في هذا الكتاب، قال المدائني: وهذا كله في دولة بني أمية، بل نقل بعض المؤرخين أن الطواعين في زمن بني أمية كانت لا تنقطع بالشأم حتى كان خلفاء بني أمية إذا جاء زمن الطاعون يخرجون إلى الصحراء، ومن ثم اتخذ هشام بن عبد الملك الرصافة منزلاً، وكانت الرصافة بلدة قديمة للروم، ثم خف الطاعون في الدولة العباسية، فيقال: إن بعض أمراء بني العباس بالشأم خطب فقال: احمدوا الله الذي رفع عنكم الطاعون منذ ولينا عليكم، فقام بعض من له جرأة فقال: إن الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون اهـ. وفيها تحول أبو مسلم الخراساني عن مرو ونزل نيسابور واستولى على عامة خراسان. وفيها توفي واصل بن عطاء أبو حذيفة البصري مولى بني مخزوم، وقيل: مولى بني ضبة، ولد سنة ثمانين بالمدينة، وكان أحد البلغاء لكنه كان يلثغ بالراء يبدلها غيناً، وكان لاقتداره على العربية وتوسعه في الكلام يتجنب الراء في خطابه، وفي هذا المعنى يقول بعض الشعراء: وجعلت وصلي الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل

стр. 343

وواصل هذا هو رأس المعتزلة، والخوارج لما كفرت بالكبائر، قال واصل: بل الفاسق لا مؤمن ولا كافر منزلة «١» بين المنزلتين، فلذلك طرده الحسن البصري، عن مجلسه، فجلس عند واصل عمرو بن عبيد واعتزلا مجلس الحسن البصري فمن يومئذ قيل لهم: المعتزلة. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وتسعة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ذكر ولاية المغيرة بن عبيد الله على مصر هو المغيرة بن عبيد الله بن المغيرة بن عبيد الله بن سعد «٢» بن حكم «٣» [بن مالك «٤» ] بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن [عدي «٥» ] بن فزارة الفزاري. وقال صاحب «البغية» : المغيرة بن عبيد الله بن مسعدة خالف فى الجدّ. اهـ. ولاه الخليفة مروان الحمار على مصر «٦» بعد عزل حوثرة وتوجهه إلى العراق نجدةً لابن هبيرة، فقدم المغيرة إلى مصر في سادس عشر من شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة على الصلاة. وقال صاحب «البغية» : ولاه مروان بن محمد على الصلاة فقدم يوم الأربعاء لست بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة فجعل على شرطته ابنه عبد الله وكان ليناً محبباً للناس. وقال غيره: ولما دخل مصر أقام بها مدة يسيرة وخرج إلى الإسكندرية واستخلف على صلاة مصر أبا الجراح الحرشي «٧» ، ثم عاد بعد مدة ولم تطل مدته،

стр. 344

وتوفي يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائة واستخلف ابنه الوليد بن المغيرة على إمرة مصر وصلاتها فلم يقره الخليفة مروان الحمار على ذلك، وولي مصر عبد الملك بن مروان بن موسى، فكانت ولاية المغيرة على مصر عشرة أشهر إلا أياماً ثلاثة «١» . وقال صاحب «البغية» : وتوفي يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى وذكر السنة، فكانت ولايته عشرة أشهر، فأجمع الجمع على أن يولوا عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج على الشرطة إلى أن يأتي أمر مروان ابن محمد، وانصرف الوليد للنصف من جمادى الآخرة، وكان المغيرة ديناً فاضلاً عدلاً محبباً للرعية، وهو أجل أمراء بني أمية وولي لهم الأعمال الجليلة، وحضر وقعة شهرزور، لما وجه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراساني ومالك بن طريف «٢» الخراشي فى أربعة آلاف الى شهرزور وبها عثمان بن سفيان، والمغيرة هذا على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد فنزلوا «٣» على فرسخين من شهرزور وقاتلوا عثمان وانهزم عثمان وقتل، وقام أبو عون ببلاد الموصل، وقيل إن عثمان لم يقتل وهرب هو والمغيرة هذا إلى عبد الله بن مروان وغنم أبو عون عسكره وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، ثم سير خطبة العساكر إلى أبي عون فاجتمع معه ثلاثون ألفاً، ولما بلغ مروان الخليفة خبر أبي عون سار بنفسه بجميع عساكر ممالكه وأقبل نحو أبي عون فوقع له حروب وأمور يطول شرحها.

стр. 345

ذكر ولاية عبد الملك بن مروان على مصر هو عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير اللخمي أمير مصر، ولاه الخليفة مروان بن محمد بن مروان المعروف بالحمار على الصلاة والخراج معاً بعد موت المغيرة ابن عبيد الله الفزاري، وكان عبد الملك هذا قد ولي خراج مصر قبل أن يلي الإمرة والصلاة، فلما مات المغيرة جمع له مروان الخراج والصلاة، وذلك في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ولما تم أمره جعل أخاه معاوية على الشرطة، ثم ولى عكرمة بن عبد الله الخولاني، ثم إن عبد الملك المذكور أمر باتخاذ المنابر في الجوامع ولم يكن قبل ذلك منبر، وإنما كانت ولاة مصر يخطبون على العصي إلى جانب القبلة، ثم خرج عليه قبط مصر بعد ذلك واجتمعوا «١» على قتاله فحاربهم وقتل كثيراً منهم وانهزم من بقي [منهم «٢» ] ثم خالف بعد ذلك في أيامه عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان على مروان الحمار ودعا لنفسه واجتمع عليه جمع من قيس في الحوف الشرقي من أعمال مصر، فبعث إليهم عبد الملك هذا [بجيش «٣» ] فلم تقع بينهم حرب، وبينما هم في ذلك إذ قدم عليهم الخليفة مروان الحمار من أرض الشام وقد انهزم من أبي مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس في يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من شوال، وقيل لثلاث بقين من شوال سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ولما دخل مروان مصر وجد أهل الحوف الشرقي من بلاد مصر وأهل الإسكندرية [والصعيد «٤» ] قد صاروا مسودة- أعني صاروا من أعوان بني العباس ولبسوا السواد- فعزم مروان الحمار على تعدية النيل فعدى إلى الجيزة وأحرق الجسرين والدار المذهبة «٥» وبعث بجيش إلى الاسكندرية

стр. 346

فاقتتلوا مع من كان بها بالكريون «١» ، وبينما هو في ذلك خالفت القبط، فبعث إليهم مروان من قاتلهم أيضاً وهزمهم، ثم بعث جيشاً إلى الصعيد، وبينما هو في ذلك قدم صالح بن علي بن عبد الله بن عباس في طلب مروان ومع صالح أبو عون عبد الملك بن يزيد، وكان قدوم عبد الملك إلى الديار المصرية في يوم الثلاثاء النصف من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة المذكورة فلم يثبت مروان الحمار لصالح المذكور، وتوجه إلى بوصير بالجيزة ومعه عبد الملك صاحب مصر وغيره من حواشيه وأمرائه وأقار به من بني أمية، فلحقه صالح بها فالتقاه مروان الحمار بمن معه وقاتله حتى انهزم وقتل في يوم الجمعة لتسع بقين من ذي الحجة، ثم عاد صالح بن علي المذكور ودخل الفسطاط في يوم الأحد لثمان خلون من المحرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث برأس مروان إلى الشام والعراق وزالت دولة بني أمية. وأما عبد الملك بن مروان أمير مصر صاحب الترجمة فإنه كان لما ولي مصر أحسن السيرة ولم يفحش في حق بني العباس فأمنه صالح وأمن أخاه معاوية وعفا عنهما، ثم قتل حوثرة بن سهيل وحسان بن عتاهية اللذين كانا كل منهما ولي على مصر قبل عبد الملك، وعبد الملك هذا هو آخر أمير ولي مصر من قبل بني أمية وزالت في هذه السنة بقتل مروان الحمار دولة بني أمية، وبويع السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة، وهو أول خلفاء بني العباس، ولا بد من ذكر كيفية انفصال دولة بني أمية وابتداء دولة بني العباس في هذه الترجمة فإن ذلك من أعظم ما يذكر من الوقائع وإن كان ذلك غير ما نحن فيه من شرط هذا الكتاب فنذكره على سبيل الاستطراد في ترجمة عبد الملك أمير مصر فإنه آخر من ولى من أمراء بنى أميّة.

стр. 347

ذكر بيعة السفاح بالخلافة لما كان المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة بلغ ابن هبيرة أمير العراقين لبني أمية أن قحطبة أحد دعاة بني العباس توجه نحو الموصل يريد الكوفة فرحل ابن هبيرة بأصحابه نحو الكوفة، وسار كل منهما حتى تواقعا، فجاءت قحطبة طعنة فوقع في الفرات فهلك ولم يعلم به قومه، وانهزم أيضاً أصحاب ابن هبيرة وغرق خلق منهم في المخايض. وقال بيهس بن حبيب: [قلت «١» ] لجمع الناس بعد أن جاوزنا الفرات: من أراد الشام فهلم فذهب معه جمع «٢» من الناس، ونادى آخر: من أراد الجزيرة، فتبعه خلق، ونادى آخر: من أراد الكوفة، فذهب كل جند إلى ناحية «٣» ، فقلت: من أراد واسط فهلم فاجتمعنا على ابن هبيرة وسرنا حتى دخلنا واسط يوم عاشوراء وأصبح وأصبحوا المسودة وقد فقدوا قائدهم قحطبة، ثم استخرجوه من الماء وأمروا عليهم ابنه الحسن فقصد بهم الكوفة فدخلوها يوم عاشوراء أيضاً وهرب متوليها من قبل بني أمية وهو زياد بن صالح، فاستعمل ابن قحطبة على الكوفة أبا سلمة الخلال ثم قصد واسط فنزلها وخندق على جيشه، فعبأ ابن هبيرة عساكره فالتقوا فانهزم عسكر ابن هبيرة وتحصنوا بواسط، وقتل في الوقعة حكيم بن المسيب الجدلي، ثم وثب أبو مسلم صاحب دعوة بني العباس على ابن الكرماني فقتله بنيسابور وجلس في دست الملك وخطب للسفاح وأخذ في أسباب بيعة السفاح بالخلافة، فلما كان يوم ثالث شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين ومائة بويع بالخلافة فى دار مولاهم الوليد

стр. 348

ابن سعد ولم ينتطح في ذلك عنزان، وبلغ ذلك خليفة الوقت مروان بن محمد بن مروان الأموي المعروف بالحمار، فسار من الشام فى مائة الف حتى نزل الرأس دون الموصل، فجهز السفاح عمه عبد الله بن علي في جيش فالتقى الجمعان على كشاف «١» في جمادى الآخرة فانكسر مروان وتقهقر إلى الجزيرة وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقوى «٢» ويلتقي ثانياً بالمسودة، ودخل عبد الله بن علي العباسي الجزيرة فاستعمل عليها موسى بن كعب التميمي ثم طلب الشام مجداً، وأمده السفّاح بعمّه الآخر صالح ابن علي، فسار عبد الله حتى نزل دمشق فعجز مروان عن ملاقاته، وفر إلى غزة فحوصرت دمشق مدة ثم أخذت في شهر رمضان، وقتل خلق من بني أمية وجندهم لا يدخل تحت حصر، فلما بلغ مروان ذلك هرب إلى مصر ثم قتل في آخر السنة ببوصير حسبما ذكرناه، وهرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى النوبة، ووقع ما ذكرناه في ترجمة عبد الملك أمير مصر من قتل حوثرة وحسان وغير ذلك. قال محمد بن جرير الطبري: كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله ﷺ فيما ذكر عنه، أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك. وعن رشيد «٣» بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال: يا بن عم، إن عندي علماً أريد أن أبديه إليك فلا تطلعن عليه أحداً، إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس فيكم، قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد. وروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند

стр. 349

ذلك يدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب؛ فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر، بعث محمد الإمام رجلاً إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد ﷺ ولا يسمي أحداً ثم توجه أبو مسلم وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه، ثم وقع في يد مروان الحمار كتاب إبراهيم بن محمد الإمام إلى أبي مسلم، جواب كتاب يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان فقبض مروان على إبراهيم، وقد كان مروان وصف له صفة السفاح التي كان يجدها في الكتب، فلما جيء بإبراهيم قال: ليست هذه الصفة التي وجدت، ثم ردهم وشرع في طلب الموصوف له، فإذا بالسفاح وإخوته وعمومته قد هربوا إلى العراق، فيقال: إن إبراهيم كان قد نعى إليهم نفسه وأمرهم بالهرب فساروا حتى نزلوا في الحميمة «١» في أرض البلقاء، ثم قدموا الكوفة فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد، فبلغ الخبر أبا الجهم، فاجتمع بموسى بن كعب وعبد الحميد بن ربعي وسلمة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل [وعبد الله «٢» ] بن بسام وجماعة من كبار شيعتهم، فدخلوا على آل العباس فقالوا: آيكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية؟ فأشاروا إلى السفاح فسلموا عليه بالخلافة، ثم خرج السفاح يوم جمعة على برذون أبلق فصلى بالناس بالكوفة ثم عاد السفاح إلى المنبر ثانياً وقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فشرفه، وكرمه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوام به والذابين عنه. ثم ذكر قرابتهم في آيات من القرآن الشريف إلى أن قال: فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه الى أن وتب بنو حرب وبنو مروان، فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حيناً حتى أسفوه فانتقم منهم

стр. 350

بأيدينا، ورد علينا حقنا، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا؛ وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يأهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا؛ أنتم الذين لم تتغيروا «١» عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدت في أعطياتكم مائة «٢» مائة فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير «٣» . وكان السفاح موعوكاً فجلس، فقام عمه داود بن علي فخطب وأبلغ وقال: إن أمير المؤمنين نصره الله نصراً عزيزاً إنما عاد إلى المنبر لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك فادعوا له بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة الشيطان المتّبع لسلفه المفسدين فى الأرض الشابّ المتكهّل وسماه، فضج الناس له بالدعاء «٤» . وأما إبراهيم بن محمد (أعني أخا السفاح) الذي وقع له مع مروان ما ذكرناه، فإن مروان قتله بعد ذلك غيلة، وقيل: بل مات في السجن بحران بالطاعون، انتهى ما أوردناه من انفصال الدولتين *** السنة الأولى من ولاية عبد الملك بن مروان بن موسى على مصر وهي سنة اثنتين وثلاثين ومائة- فيها كانت وقائع كثيرة بالعراق وغيره قتل فيها خلائق، ففي المحرم كانت الوقعة بين قحطبة وابن هبيرة حسبما تقدم ذكره في أول بيعة السفاح. وفيها في ثالث شهر ربيع الأول بويع السفاح عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله

стр. 351

ابن عباس بالخلافة، وقد تقدم أيضاً. وفيها كانت قتلة مروان الحمار، وقد تقدم ذكره أيضا، وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس آخر خلفاء بني أمية، وكنيته أبو عبد الملك، القائم بحق الله، وأمه أم ولد كردية، كان يعرف بالحمار وبالجعدي، وتسميته بالجعدي نسبة لمؤدبه جعد بن درهم، وبالحمار، يقال فلان أصبر من حمار في الحروب، ولهذا لقب بالحمار، فإنه كان لا يفتر عن محاربة الخوارج، وقيل: سمي بالحمار لأن العرب تسمّى كل مائة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان هذا بالحمار، وأخذوا ذلك من قوله تعالى في موت حمار العزيز: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ ... الآية وكان مولد مروان الحمار سنة اثنتين وسبعين بالجزيرة وأبوه متول عليها من قبل ابن عمه الخليفة عبد الملك بن مروان، فنشأ مروان في دولة أقار به وولي الولايات الجليلة، وافتتح عدة فتوحات حتى وثب على الأمر بعد إبراهيم بن الوليد، وبويع بالخلافة سنة سبع وعشرين ومائة، فلم يتهن بالخلافة لكثرة الحروب، وظهرت دعوة بني العباس وكان من أمرها ما كان وانقرض بموته دولة بني أمية. وفيها توفي خلائق يطول الشرح في ذكرهم ممن قتل في الحروب وأيضاً من أعوان بني أمية وغيرهم. وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخو الخليفة السفاح لأبيه، وقد تقدم ذكر واقعته مع مروان الحمار في أمر الكتاب، وأمه أم ولد بربرية اسمها أسلم، وكان أبوه محمد أوصى إليه بالعهد فإنه كان بويع سراً فأدركته المنية، وكان شيعتهم يكاتبونه من خراسان حتى وقع له مع مروان ما حكيناه، وحبسه إلى أن مات في هذه السنة وقيل في الماضية، وبعد موته انضمت شيعته على عبد الله السفاح. وفيها قتل سعيد بن عبد الملك بن مروان أبو محمد، وكان يعرف بسعيد الخير، قتل بسيف عبد الله بن علي العباسي عم السفاح، وكان ديّنا خيّرا ولى لأقار به خلفاء بني أمية

стр. 352

أعمالاً جليلة. وفيها توفي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان كان شجاعاً ديناً كريماً، وكان ولي العراق وحفر بالبصرة نهراً يعرف بنهر ابن عمر. وفيها توفّى محمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أبو عبد الملك الأنصاري، ولي قضاء المدينة. وفيها توفي محمد بن عبد الملك أخو سعيد لأبويه، تقدمت ترجمته في ولايته على مصر سنة خمس ومائة. وفيها توفي يزيد بن عمر بن هبيرة بن معاوية الأمير أبو خالد، وقيل أبو عمرو الفزاري، ولي الأعمال الجليلة وغزا القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك وجمع له بين العراقين سنة ثلاث ومائة وكان خطيباً شاعراً شجاعاً، وكان السفاح أمنه فبعث إليه أبو مسلم الخراساني وحرضه على قتله فأمر بقتله فقتل هو وابنه داود وكاتبه عمر بن أيوب وعدة من مواليه. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبع واحد. ذكر ولاية صالح بن علي العباسي الأولى على مصر هو صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي، أول من ولي مصر من قبل خلفاء بني العباس، مولده بالسواد وقيل بالشراة «١» من أرض البلقاء سنة ست وتسعين من الهجرة، ولى مصر من قبل ابن أخيه أمير المؤمنين عبد الله السفاح بعد قتل مروان الحمار في أول محرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة وقد تقدم ذكر قتاله مع مروان في ترجمة عبد الملك بن مروان بن موسى أمير مصر ولما ولي صالح مصر بعث ببيعة أهل مصر لأمير المؤمنين عبد الله السفاح، ثم أخذ صالح في إصلاح أمر مصر وقبض على جمع كثير من المصريين الأمويّين، منهم

стр. 353

عبد الملك بن مروان بن موسى أمير مصر وأخوه، وقتل كثيراً من شيعة بني أمية وحمل طائفة منهم إلى العراق وقتلوا بقلنسوة من أرض فلسطين، وأمر للناس بأعطياتهم للمقاتلة والعيال، وقسم الصدقات على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، وزاد في المسجد زيادة هائلة، وجعل على شرطته ابن هانئ» الكندي، ثم ورد عليه بعد مدة طويلة كتاب السفاح بإمارته على فلسطين والاستخلاف على مصر، فاستخلف على مصر أبا عون عبد الملك، وخرج منها في شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وسار معه عبد الملك بن مروان بن موسى، الذي كان أمير مصر، مكرماً وعدة من أهل مصر- تأتي بقية ترجمة صالح بن علي هذا في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى- فكانت ولاية صالح على مصر في هذه المرة سبعة أشهر وأياماً. *** السنة التي حكم فيها صالح على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائة- فيها استعمل الخليفة السفاح على البصرة عمه سليمان بن علي، واستعمل على مكة خاله زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن ابن خالة محمد بن زياد بن عبيد الله. وفيها وجه السفاح على إفريقية محمد بن الأشعث. وفيها خرج ببخارا شريك بن شيخ المهري «٢» ، وكان قد نقم على أبي مسلم الخراساني تجبره فجهز إليه أبو مسلم جيشاً فحاربوه وقتلوه. وفيها خرج طاغية الروم قسطنطين بجيوشه وأخذ ملطية وهدم السور والجامع. وفيها قتل عبد الله بن علي عم السفاح الخليفة خلقا كثيرا من قواد بني أمية. وفيها توفي داود بن علي بن عبد الله بن العباس عم [الخليفة «٣» ] السفاح، وكان ولي المدينة ومكة

стр. 354

وحج بالناس في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو أول أمير حج بالناس من بني العباس، وقتل داود هذا أيضاً في ولايته خلقاً من بني أمية وأعوانهم، ثم مات بعد أشهر، واستخلف حين احتضر على عمله ولده موسى، فاستعمل السفاح على مكة خاله زياداً المقدم ذكره، وموسى «١» بن داود على إمرة المدينة لا غير. وفيها قتل عبد الرحمن ابن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وفيها قتل عبد الله بن علي عم السفاح ثعلبة وعبد الجبار ابني أبي سلمة بن عبد الرحمن. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وتسعة أصابع. ذكر ولاية أبي عون الأولى على مصر هو أبو عون، واسمه عبد الله وقيل عبد الملك بن يزيد الأمير أبو عون، أصله من أهل جرجان ولي صلاة مصر وخراجها باستخلاف صالح بن علي بن عبد الله بن العباس له في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة، واستمر أبو عون بمصر إلى أن وقع الوباء بها فخرج منها، واستخلف على مصر صاحب شرطته عكرمة بن عبد الله ابن عمرو بن قحزم (وقحزم بفتح القاف وسكون الحاء المهملة وفتح الزاي وبعدها ميم) ثم عاد أبو عون إلى مصر بعد الوباء وأقام بها إلى أن خرج منها ثانياً إلى دمياط في سنة خمس وثلاثين ومائة، واستخلف على مصر عكرمة أيضاً وجعل على الخراج عطاء بن شرحبيل. وفي هذه السنة خرج القبط عليه بسمنود بالوجه البحري من

стр. 355

أعمال مصر فبعث إليهم أبو عون جيشاً فحاربوهم وقتلوهم، وفي أيام أبي عون هذا سكنت أمراء مصر العسكر «١» . وسببه أنه لما قدم صالح بن علي العباسي وأبو عون هذا بجموعهم إلى مصر في طلب مروان الحمار نزلت عساكرهما الصحراء جنب جبل يشكر الذي هو الآن جامع أحمد بن طولون وكان فضاءً، فلما رأى أبو عون ذلك أمر أصحابه بالبناء فيه فبنوا وبنى هو به أيضاً دار الإمارة ومسجد عوف بجامع «٢» العسكر، وعملت الشرطة «٣» أيضاً في العسكر وقيل لها الشرطة العليا، وإلى جانبها بنى الأمير أحمد بن طولون جامعه «٤» الموجود الآن، وسمي من يومئذ ذلك الفضاء
следующие страницы →