← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قلت: لعلّه مات من شدّة الفرح. ثم أفرج السلطان عن الأمير غانم «١» بن أطلس خان، وكان له فى السجن خمس وعشرون سنة، وأفرج عن الأمير برلغى «٢» الصغير وله فى السجن ثلاث وعشرون سنة، وأفرج عن جماعة أخر، وهم: أيدمر اليونسىّ أحد أمراء البرجيّة المظفّريّة والأمير لاچين العمرى والأمير طشتمر أخو بتخاص والأمير بيبرس العلمى، وكان من أكابر الأمراء البرجيّة من حواشى المظفّر بيبرس، والأمير قطلوبك الأوجاقىّ «٣» والشيخ على مملوك سلّار والأمير تمر السّاقى نائب طرابلس أحد المنصوريّة، وكان قبض عليه سنة أربع عشرة، والجميع كان حبسهم فى ابتداء سلطنة الملك الناصر الثالثة بعد سنة عشر وسبعمائة، وأنعم السلطان على تمر الساقى بطبلخانات بالشام، وأنعم على بيبرس الحاجب بإمرة فى حلب، وأنعم على طشتمر بإمرة بدمشق وعلى أيدمر اليونسىّ وبلاط بإمرة فى طرابلس. ثم فى يوم الخميس رابع شهر ربيع الأوّل أنعم السلطان على ولده أبى بكر بإمرة، وركب بشربوش من إسطبل «٤» الأمير قوصون، وسار من

стр. 2907

الرّميلة «١» الى باب «٢» القرافة، فطلع إلى القلعة، والأمراء والخاصّكيّة فى خدمته، وعمل لهم الأمير قوصون مهمّا عظيما فى إسطبله. ثم إنّ السلطان قبض على الأمير جمال الدين

стр. 2908

آقوش الأشرفىّ المعروف بنائب الكرك، وهو يوم ذاك نائب طرابلس فى نصف جمادى الآخرة وحبس بقلعة صرخد، ثم نقل منها فى مستهلّ شوّال إلى الإسكندرية، ونزل النّشو إلى بيته «١» [بالقاهرة «٢» ] وأخذ موجوده وموجود حريمه وعاقب أستاداره، واستقرّ عوضه فى نيابة طرابلس الأمير طينال. ثم اشتغل الملك الناصر بضعف مملوكه ومحبوبه ألطنبغا الماردانىّ، وتولّى تمريضه بنفسه إلى أن عوفى فأحبّ ألطنبغا أن ينشئ له جامعا «٣» تجاه ربع الأمير طغجى خارج باب زويلة، واشترى عدّة دور من أربابها «٤» بغير رضاهم، فندب السلطان النّشو لعمارة الجامع المذكور، فطلب النشو أرباب الأملاك وقال لهم: الأرض للسلطان ولكم قيمة البناء، ولا زال بهم حتّى ابتاعها منهم بنصف ما فى مكاتيبهم من الثمن، وكانوا قد أنفقوا فى عمارتها بعد مشتراها جملة، فلم يعتدّ لهم النّشو منها بشىء، وأقام النشو فى عمارته حتّى تمّ فى أحسن هندام، فجاء مصروفه ثلثمائة ألف درهم ونيّف، سوى ما أنعم به عليه السلطان من الخشب والرّخام

стр. 2909

وغيره. وخطب به الشيخ ركن الدين [عمر «١» بن إبراهيم] الجعبرىّ من غير أن يتناول له معلوما. ثمّ جلس السلطان بدار العدل فوجد به رقعة تتضمّن الوقيعة فى النّشو وكثرة ظلمه وتسلّط أقاربه على الناس وكثرة أموالهم وتعشّق صهره ولىّ الدولة لشابّ تركىّ، فكان قبل ذلك قد ذكر الأمير قوصون للسلطان أن عميرا الذي كان شغف به الأمير ألماس قد ولع به أقارب النّشو وأنفقوا عليه الأموال الكثيرة، فلم يقبل السلطان فيه قول الأمراء لمعرفته لكراهتهم له، فلمّا قرئت عليه القصة قال: أنا أعرف من كتبها، واستدعى النّشو ودفعها [إليه «٢» ] وأعاد له ما رماه به الأمير قوصون، فحلف النّشو على براءتهم من هذا الشاب، وإنّما هذا ومثله ممّا يفعله حواشى الأمير قوصون، وقصد قوصون تغيّر خاطر السلطان علىّ وبكى وانصرف. فطلب السلطان قوصون وأنكر عليه إصغاءه لحواشيه فى حقّ النشو وأخبره بحلف النّشو، فحلف قوصون أنّ النّشو يكذب فى حلفه ولئن قبض السلطان على الشاب وعوقب ليصدقنّ السلطان فيمن يعاشره من أقارب النّشو، فغضب السلطان وطلب أمير مسعود الحاجب وأمره بطلب الشابّ وضربه بالمقارع حتّى يعترف بجميع من يصحبه وكتابة أسمائهم وألزمه ألّا يكتم عنه شيئا، فطلبه وأحضر المعاصير فأملى عليه الشابّ عدّة كثيرة من الأعيان، منهم: ولىّ الدولة فخشى مسعود على الناس من الفضيحة، وقال للسلطان: هذا الكذّاب ما ترك أحدا فى المدينة حتّى اعترف عليه، وأنا أعتقد أنّه يكذب عليهم، وكان السلطان حشيم النفس يكره الفحش، فقال لمسعود: يا بدر الدين، من ذكر من الدواوين؟ فقال: والله يا خوند ما خلّى أحدا من خوفه حتّى ذكره، فرسم السلطان بإخراج عمير المذكور ووالده إلى غزّة،

стр. 2910

ورسم لنائبها أن يقطعهما خبزا بها. وكان ذلك أوّل انحطاط قدر النّشو عند السلطان. ثم اتّفق بعد ذلك أن طيبغا «١» القاسمى الناصرىّ، وكان يسكن بجوار النّشو وله مملوك جميل الصورة فآعتشر به ولىّ الدولة وغيره من إخوة النّشو، فترصد أستاذه طيبغا حتّى هجم يوما عليهم وهو معهم فأخذه منهم وخرج وبلغ النّشو ذلك، فبادره بالشّكوى إلى السلطان بأنّ طيبغا القاسمىّ يتعشّق مملوكه ويتلف عليه ماله، وأنّه هجم وهو سكران على بيتى وحريمى وقد شهر سيفه وبالغ فى السبّ، وكان السلطان يمقت على السكر فأمر فى الحال بإخراج طيبغا ومملوكه إلى الشام. وكان السلطان مشغولا فى هذه الأيام بعمارة قناطر «٢» شبين القصر على بحر أبى المنجّا «٣» فأنشئت تسع قناطر. ثم توجّه السلطان فى شهر ربيع الآخر من سنة ستّ وثلاثين وسبعمائة إلى الوجه القبلى للصّيد، ثم عاد إلى القاهرة بعد أن غاب خمسة وأربعين يوما. كلّ ذلك وأمر النّشو فى إدبار بالنسبة لما كان عليه. ثم جلس السلطان يوما بالميدان فسقط عليه طائر حمام وعلى جناحه ورقة تتضمن الوقيعة فى النّشو وأقاربه والقدح فى السلطان بأنه قد أخرب دولته، فغضب السلطان غضبا شديدا وطلب النّشو

стр. 2911

وأوقفه على الورقة وتنّمر عليه لكثرة ما شكى منه، فقال النّشو: يا خوند، الناس معذورون وحقّ رأسك! لقد جاءنى خبر هذه الورقة ليلة كتبت، وهى فعل المعلم أبى شاكر بن سعيد الدولة ناظر البيوت، كتبها فى بيت الصّفىّ كاتب الأمير قوصون، وقد اجتمع هذا وأقاربه فى التدبير علىّ، ثم أخذ النّشو يعرّف السلطان ما كان من أمر سعيد الدولة فى أيّام المظفّر بيبرس الجاشنكير وأغراه به حتّى طلبه وسلّمه إلى الوالى علاء الدين علىّ بن المروانىّ «١» ، فعاقبه الوالى عقوبة مؤلمة. ثم طلب السلطان الأمير قوصون وعنّفه بفعل الصّفىّ كاتبه، ثم تتّبع النّشو حواشى أبى شاكر وقبض عليهم وسلّمهم إلى الوالى وخرّب بيوتهم وحرثها بالمحراث، واشتدّت وطأة النّشو على الناس واستوحش الناس منه قاطبة، وصار النّشو يدافع عن نفسه بكلّ ما يمكن والمقادير تمهله. ثم بدا للسلطان أن ينقل الخليفة من مناظر الكبش إلى قلعة الجبل فنقل فى ثالث عشرين ذى القعدة من سنة ستّ وثلاثين. والخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، وسكن الخليفة بالقلعة حيث كان أبوه الحاكم نازلا ببرج السّباع «٢» بعياله، ورسم على الباب جاندار بالنّوبة، وسكن ابن عمّه إبراهيم فى برج بجواره بعياله، ورسم عليه جاندار آخر ومنعا عن الاجتماع بالناس، كلّ ذلك لأمر قيل. ثمّ إن السلطان فى سابع عشر محرّم سنة سبع وثلاثين وسبعمائة عقد عقد ابنه أبى بكر على ابنة الأمير سيف الدين طقزدمر الحموىّ الناصرى أمير مجلس بدار الأمير قوصون. ثم قدم الأمير تنكز نائب الشام ثانى شهر رجب من سبع وثلاثين المذكورة

стр. 2912

على السلطان وهو بسرياقوس فخلع عليه وسافر فى ثانى عشرينه إلى محلّ ولايته. ثم فى هذه السنة زاد ظلم النّشو على التّجّار، وزمى على التّجّار الخشب بأضعاف ثمنه، فكثرت الشّكوى منه إلى أن توصّل بعض التجار لزوجة السلطان خوند طغاى أمّ آنوك، وقال لها: رمى علىّ النّشو خشبا يساوى ألفى درهم بألفى دينار، فعرّفت أمّ آنوك السلطان بذلك، فأمر السلطان بطلب التاجر وقد اشتدّ غضبه على النّشو وبلغ النّشو الخبر، ففى الحال أرسل النّشو رجلا إلى التاجر وسأله فى قرض مبلغ من المال، فعرّفه التاجر أمر الخشب وما هو فيه من الغرامة، فقال له الرجل: أرنى الخشب فإنى محتاج إليه، فلما رآه قال: هذا غرضى واشتراه منه بفائدة ألف درهم إلى شهر، وفرح التاجر بخلاصه من الخشب وأشهد عليه بذلك، وأخذ الخشب وأتى بالمعاقدة إلى النّشو، فأخذها النّشو وطلع إلى السلطان من فوره، وقال للسلطان: يا مولانا السلطان، نزلت آخذ الخشب من التاجر وجدته قد باعه بفائدة ألف درهم، قلم يصدّقه السلطان وعوّق النّشو وقد امتلأ عليه غضبا، فطلب التاجر وسأله عمّا رماه عليه النّشو من الخشب فاغترّ التاجر بأمّ آنوك وأخذ يقول: ظلمنى النّشو وأعطانى خشبا بألفى دينار يساوى ألفى درهم، فقال له السلطان: وأين الخشب: فقال: بعته بالدّين، فقال النّشو: قل الصحيح، فهذه معاقدتك معه، فلم يجد التاجر بدّا من الاعتراف، فحنق عليه السلطان وقال له: ويلك! تقيم علينا القالة، وأنت تبيع بضاعتنا بفائدة؛ وسلّمه إلى النشو وأمره بضربه، وأخذ الألفى دينار منه مع مثلها، وعظم عنده النّشو وتحقّق صدق ما يقوله، وأن الذي يحمل الناس على التكلّم فيه الحسد. ثم عبر السلطان إلى الحريم وسّبهنّ وعرّفهنّ بما جرى من كذب التاجر وصدق النّشو، وقال: مسكين النشو، ما وجدت أحدا يحبّه. ثم أفرج السلطان عن الأمير طرنطاى المحمّدى بعد ما أقام فى السجن سبعا وعشرين

стр. 2913

سنة وأخرج إلى الشام. ثم فى يوم الاثنين ثانى عشر رمضان ركب النّشو على عادته فى السّحر إلى الخدمة فاعترضه فى طريقه عبد المؤمن «١» بن عبد الوهاب السلامى المعزول عن ولاية قوص، فضربه بالسيف فأخطأ رأس النشو وسقطت عمامته عن رأسه، وقد جرح كتفه وسقط على الأرض وبحا الفارس بنفسه، وفى ظنّه أن رأس النّشو قد طاح عن بدنه لعظم ضربه، وبلغ السلطان ذلك فغضب ولم يحضر السّماط، وبعث إلى النّشو بعدّة من الجمدارية والجرايحية فقطّبت ذراعه بستّ إبر وجبينه باثنتى عشرة إبرة، وألزم والى القاهرة ومصر بإحضار غريم النشو. وأغلظ السلطان على الأمراء بالكلام، وما زال يشتدّ ويحتدّ حتّى عادت القصّاد بسلامة النّشو فسكن ما به؛ ثم بعث النّشو مع أخيه رزق «٢» الله إلى السلطان يعلمه بأنّ هذا من فعل الكتّاب بموافقة لؤلؤ «٣» ، فطلب السلطان الوالى وأمره بمعاقبة الكتّاب الذين هم فى المصادرة مع لؤلؤ حتى يعترفوا بغريم النّشو. وكان السلطان قد قبض على لؤلؤ وكتّابه وصادره قبل تاريخه بموافقة «٤» النّشو، فنزل الوالى وعاقب لؤلؤا وضربه ضربا مبرّحا، وعاقب المعلّم أبا شاكر وقرموطا عقابا شديدا، فلم يعترفوا بشىء. وعوفى النّشو وطلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه، ونزل من القلعة بعد أن رتّب

стр. 2914

السلطان المقدّم إبراهيم «١» بن أبى بكر بن شدّاد بن صابر أن يمشى فى ركابه ومعه عشرة من رجاله فى ذهابه وإيابه، ثم قبض النّشو بعد ذلك على [تاج الدين «٢» ] ابن الأزرق وصادره حتّى باع أملاكه، وكان من جملة أملاكه ملك بشاطئ النيل، فاشتراه منه الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيرىّ، وكان بجانبه ساقية فهدم الخطيرى الدار والساقية وعمرهما جامعا «٣» بخطّ بولاق على شاطئ النيل. قلت: وكان أصل موضع هذا الجامع المذكور أنّه لمّا أنشئت العمائر ببولاق عمّر الحاج محمد بن عزّ الفراش بجوار الساقية المذكورة دارا على النيل، ثم انتقلت بعد موته إلى ابن الأزرق هذا فكانت تعرف بدار الفاسقين، من كثرة اجتماع النصارى بها على ما لا يرضى الله تعالى، فلمّا صادره النّشو باعها فيما باعه فاشتراها الخطيرى بثمانية آلاف درهم، وهدمها وبنى مكانها ومكان الساقية جامعا أنفق فيه أموالا جزيلة فى أساساته مخافة من زيادة النيل، وأخذ أراضى حوله من بيت المال، وأنشأ عليها الحوانيت والرّباع والفنادق. فلمّا تمّ بناؤه قوى عليه ماء النيل فهدم جانبا منه فأنشأ تجاهه زريبة رمى فيها ألف مركب موسوقة بالحجارة، قاله الشيخ تقىّ الدين المقريزى ﵀ وهو حجة فيما ينقله. لكن أقول لعله وهم فى هذا وأراد أن يقول: وسق ألف مركب بالحجارة فسبق قلمه بما ذكرناه، قال: وسمّى هذا الجامع بجامع التوبة، وجاء فى غاية الحسن، فلما أفرج عن ابن الأزرق من المصادرة ادّعى أنّه كان مكرها فى بيع داره، فأعطاه الأمير أيدمر الخطيرىّ

стр. 2915

ثمانية آلاف درهم أخرى حتى استرضاه، ولا يكون جامعه بنى فى أرض مكرهة انتهى. وقد خرجنا عن المقصود ولنرجع إلى أمر الملك الناصر. وأمّا النشو فإنّه لا زال على ابن الأزرق هذا حتّى قبض عليه ثانيا وعاقبه حتى مات، وذلك فى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ثمّ فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أنعم السلطان الملك الناصر فى يوم واحد على أربعة من مماليكه بمائتى ألف دينار مصريّة، وهم: قوصون وألطنبغا الماردانىّ وملكتمر الحجازىّ وبشتك. وفى هذه السنة ولد للسلطان ابنه صالح من بنت الأمير تنكز نائب الشام، فعمل لها السلطان بشخاناه «١» ودائر بيت زركش، وتكملة البذلة من المخدّات والمقاعد بمائتى «٢» ألف دينار وأربعين ألف دينار، وعمل لها الفرخ سبعة أيام. وفى هذه السنة وقع للملك الناصر غريبة، وهو أنّه استدعى من بلاد الصعيد بألفى رأس من الضّأن، واستدعى من الوجه البحرىّ بمثلها لتتمّة أربعة آلاف رأس. وشرع السلطان فى عمل حوش «٣» برسمها وبرسم الأبقار البلق، فوقع اختياره على موضع بقلعة الجبل مساحته أربعة أفدنة، قد قطعت منه الحجارة لعمارة القاعات

стр. 2916

التى بالقلعة حتّى صار غورا عظيما، فطلب كاتب الجيش ورتّب على كلّ من الأمراء المقدّمين مائة رجل ومائة دابّة لنقل التّراب، وعلى كلّ من أمراء الطبلخاناه بحسب حاله. وأقام الأمير آقبغا عبد الواحد شادا وأن يقيم معه من جهة كلّ أمير أستاداره بعدّة من جنده. وألزم الأسرى بالعمل. ورسم لوالى القاهرة بتسخير العامّة، فنصب الأمير آقبغا خيمته على جانب الموضع، واستدعى استاداريّة الأمراء واشتدّ عليهم، فلم يمض ثلاثة أيام حتّى حضرت إليه رجال الأمراء من نواحيهم، ونزل كلّ أستادار بخيمته، ومعه دوابّه ورجاله فقسمت عليهم الأرض قطعا معيّنة لكلّ واحد منهم، فجدّوا فى العمل ليلا ونهارا واستحثهم آقبغا المذكور بالضرب، وكان ظالما غشوما، فعسف بالرجال وكلّفهم السّرعة فى أعمالهم من غير رخصة ولا مكّنهم [من «١» ] الاستراحة، وكان الوقت صيفا حارّا فهلك جماعة كثيرة منهم فى العمل لعجز قدرتهم عمّا كلّفوه. ومع ذلك كلّه والولاة تسخّر من تظفر به من العامّة وتسوقه إلى العمل، فكان «٢» أحدهم إذا عجز ألقى بنفسه إلى الأرض، رمى أصحابه عليه التّراب فيموت لوقته. هذا والسلطان يحضر كلّ يوم حتّى ينظر العمل، وكان الأمير ألطنبغا الماردانى قد مرض وأقام أياما بالميدان «٣» على النيل حتّى عوفى وطلع إلى القلعة من باب القرافة، فاستغاث به الناس وسألوه أن يخلّصهم من هذا العمل، فتوسّط لهم عند السلطان، حتى أعفى الناس من السّخر وأفرج عمّن قبض عليه منهم، فأقام العمل ستة وثلاثين يوما إلى أن فرغ منه، وأجريت إليه المياه، وأقيمت به الأغنام المذكورة والأبقار البلق وبنيت به بيوت للإوز وغيرها.

стр. 2917

قلت: لعلّ هذا الموضع يكون هو الحوش الذي يلعب فيه السلطان بالكرة تحت قاعة الدهيشة «١» . والله أعلم. وعند فراغ هذا الحوش استدعى السلطان الأمراء وعمل لهم سماطا جليلا، وخلع على جماعة ممّن باشر العمل وغيرهم. ثمّ أنشأ السلطان لمملوكيه: الأمير يلبغا اليحياوىّ ولأمير ألطنبغا الماردانىّ لكلّ منهما قصرا «٢» تجاه حمّام الملك السعيد قريبا من الرّميلة تجاه القلعة، وأخذ من إسطبل الأمير أيدغمش أمير آخور قطعة، ومن إصطبل الأمير «٣» قوصون قطعة، ومن إصطبل طشتمر الساقى قطعة، ونزل السلطان بنفسه حتّى قرّر أمره، ورسم السلطان للأمير قوصون أن يشترى الأملاك الّتى حول إصطبله ويضيفها فيه. ثمّ أمر السلطان أن يكون بابا الإصطبلين اللذين أمر بإنشائهما ليلبغا وألطنبغا تجاه حمّام الملك السعيد، وأقام الأمير آقبغا عبد الواحد شادّ عمارة القصرين والإصطبلين المذكورين. قلت: أمّا إصطبل قوصون فهو البيت المعدّ لسكن كلّ من صار أتابك العساكر فى زماننا هذا، الذي بابه الواحد تجاه باب السلسلة «٤» . وأمّا

стр. 2918

بيت «١» طشتمر الساقى حمّص أخضر، هو البيت الذي الآن على ملك الأمير جرباش المحمّدى الأتابك «٢» ، الذي بابه الواحد من حدرة البقر، وبيت «٣» أيدغمش أمير آخور لعلّه يكون بيت منجك اليوسفىّ الذي هو الآن على ملك تمربغا الظاهرىّ رأس نوبة «٤» النّوب.

стр. 2919

وأمّا القصران والإسطبلان اللّذان عمّرهما السلطان ليلبغا اليحياوىّ وألطنبغا الماردانّى أخذهما السلطان حسن، وجعل مكانهما مدرسته المعروفة بمدرسة «١» السلطان حسن تجاه قلعة الجبل. والله أعلم.

стр. 2920

وفى هذه السنة (أعنى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة) عمل السلطان جسرا «١» بالنيل على جسر «٢» ابن الأثير، وحفر الخليج الكبير المعروف بخليج الخور «٣» . وسببه أنّ

стр. 2921

النيل قوى على ناحية بولاق وهدم جامع الخطيرىّ حتّى احتاج أيدمر الخطيرىّ لتجديده، فرسم السلطان للسكّان على شاطئ النيل بعمل زرابىّ لجميع ملّاك «١» الدور بالقرب من فم الخور، وألّا يؤخذ منهم عليها حكر، فبنى صاحب كلّ دار زريبة تجاه داره فلم يفد ذلك شيئا، فكتب السلطان بإحضار مهندسى البلاد القبليّة والبحريّة، فلمّا تكاملوا ركب السلطان إلى النيل وهم معه وكشف البحر فاتّفق

стр. 2922

الرأى على أن يحفر الرمل «١» الذي بالجزيرة المعروفة بجزيرة أروى «٢» (أعنى الجزيرة الوسطى) حتّى يصير خليجا يجرى فيه الماء، ويعمل جسر «٣» وسط النيل يكون سدا يتصل

стр. 2923

بالجزيرة (يعنى من الروضة «١» ) إلى الجزيرة الوسطانية، فإذا كانت زيادة النيل جرى الماء فى الخليج الذي حفر وكان قدّامه سدّ عال يرد الماء إليه، حتّى يتراجع النيل عن برّ بولاق والقاهرة إلى برّ ناحية منبابه «٢» . وعاد السلطان إلى القلعة وخرجت البرد من الغد إلى الأعمال بإحضار الرجال [للعمل «٣» ] صحبة المشدّين وطلبت الحجارون بأجمعهم لقطع الحجارة من الجبل، ثم تحمل إلى الساحل وتملأ بها المراكب وتغرّق وهى ملأنة بالحجارة حيث يعمل [الجسر «٤» ] ، فلم يمض عشرة أيام حتى قدمت الرجال من النواحى وتسلّمهم آقبغا عبد الواحد والأمير برسبغا الحاجب. ورسم السلطان لوالى القاهرة ولوالى مصر بتسخير العامّة للعمل فركبا وقبضا على عدّة كثيرة منهم، وزادوا فى ذلك حتى صارت الناس تؤخذ من المساجد والجوامع والأسواق، فتستّر الناس ببيوتهم خوفا من السخرة، ووقع الاجتهاد فى العمل واشتدّ الاستحثاث حتّى إنّ الرجل كان يخرّ الى الأرض وهو يعمل لعجزه عن الحركة فتردم رفقته عليه الرمل فيموت من ساعته. واتّفق هذا لخلائق كثيرة؛ وآقبغا عبد الواحد راكب فى حرّاقة يستعجل المراكب المشحونة بالحجارة، والسلطان ينزل إليهم فى كلّ قليل ويباشرهم ويغلظ على آقبغا ويحرّضه على السّرعة واستنهاض

стр. 2924

العمال «١» حتّى كمل فى مدّة شهر بعد أن غرق فيه اثنتا عشرة مركبا بالحجارة، وسق كلّ مركب ألف إردب. وكانت عدّة المراكب التى أشحنت بالحجارة المقطوعة من الجبل ورميت فى البحر حتّى صار جسرا يمشى عليه، ثلاثا وعشرين ألف مركب حجر سوى ما عمل فيه من آلات الخشب والسّرياقات «٢» والحلفاء ونحو ذلك. وحفر الخليج بالجزيرة؛ فلمّا زاد النيل جرى فى الخليج المذكور وتراجع الماء حتّى قوى على برّ منبابة وبرّ بولاق التّكرورىّ «٣» ، فسرّ السلطان والناس قاطبة بذلك، فإنّ الناس كانوا على تخوّف كبير من النيل على القاهرة. وأنفق السلطان على هذا العمل من خزانته أموالا كثيرة. كلّ ذلك فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة المذكورة.

стр. 2925

فلمّا استهلّت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة حضر فيها الأمير تنكز نائب الشام ورسم بسكناه فى داره «١» بالكافورى «٢» على عادته، وخلع عليه خلعة الاستمرار على نيابة دمشق. وبعد أيّام تكلّم تنكز فى يلبغا نائب حلب فعزله السلطان عن نيابة حلب وأنعم عليه بنيابة غزّة. وقدّم تنكز فى هذه المرّة للسلطان تقدمة عظيمة تجلّ عن الوصف، فيها من صنف الجوهر فقط ما قيمته ثلاثون ألف دينار، ومن الزّركش عشرون ألف دينار، ومن أوانى البلّور وتعابى القماش والخيل والسّروج والجمال البخاتى ما قيمته مائتان وعشرون ألف دينار مصريّة، فلمّا انقضت التّقدمة أخذ السلطان تنكز وأدخله إلى الدور السلطانية حتى رأى ابنته زوجة السلطان، فقامت اليه وقبّلت يده، ثم أخرج السلطان إليه جميع بناته وأمرهنّ بتقبيل يد تنكز المذكور وهو يقول لهنّ واحدة بعد واحدة: بوسى يد عمّك، ثم عيّن منهنّ بنتين لولدى الأمير تنكز فقبّل تنكز الأرض وخرج من الدور، والسلطان يحادثه. وأمر السلطان بالاهتمام إلى سفر الصعيد للصّيد على عادته وتنكز صحبته؛ وكان من إكرامه له فى هذه السّفرة ما لا عهد من ملك مثله، فلمّا عاد السلطان من الصعيد أمر النّشو بتجهيز كلفة عقد ابنى تنكز على ابنتيه، وكلفة سفر تنكز إلى الشام،

стр. 2926

فجهّز النّشو ذلك كلّه، وعقد لابنى تنكز على ابنتى السلطان فى بيت الامير قوصون، لكون قوصون أيضا متزوّجا بإحدى بنات السلطان، بحضرة القضاة والأمراء. ثمّ ولدت بنت الأمير تنكز من السلطان بنتا فسجد شكرا لله بحضرة السلطان، وقال: ياخوند، كنت أتمنى أن يكون المولود بنتا فإنها لو وضعت ذكرا كنت أخشى من تمام السعادة، فإنّ السلطان قد تصدّق علىّ بما غمرنى به من السعادة فخشيت من كمالها. ثم جهّز السلطان الأمير تنكز وأنعم عليه من الخيل والتعابى القماش ما قيمته مائة وعشرون «١» ألف دينار. وأقام تنكز فى هذه المرّة بالقاهرة مدّة شهرين، فلما وادع «٢» السلطان سأله إعفاء الأمير كجكن من الخدمة وأشياء غير ذلك فأجابه إلى جميع ما سأله. وكتب له تقليدا بتفويض الحكم فى جميع الممالك الشامية بأسرها، وأن جميع نوّابها تكاتبه بأحوالها، وأن تكون مكاتبته: «أعزّ الله أنصار المقرّ الشريف» ، بعد ما كانت. «أعزّ الله أنصار الجناب» وأن يزاد فى ألقابه: «الزاهدىّ العابدىّ العالمىّ كافل الإسلام أتابك الجيوش» . وأنعم السلطان على مغنّية قدمت معه من دمشق من جملة مغانيه بعشرة آلاف درهم، ووصل لها من الدّور ثلاث بذلات زركش وثلاثون تعبية قماش وأربع بذلات مقانع وخمسمائة دينار. ثم آخر ما قال السلطان لتنكز: إيش بقى لك حاجة؟ بقى فى نفسك شىء، أقضيه لك قبل سفرك؟ فقبّل الأرض وقال: والله ياخوند، ما بقى فى نفسى شىء أطلبه إلّا أن أموت فى أيّامك، فقال السلطان: لا، إن شاء الله تعيش أنت وأكون أنا فداءك، أو أكون بعدك بقليل، فقبّل الأرض وانصرف، وقد حسده سائر الأمراء، [وكثر «٣» حديثهم] فيما حصل له من الإكرام الزائد، فاتّفق ما قال السلطان، فإنّه لم يقم بعد موت تنكز إلّا مدّة قليلة.

стр. 2927

وأمّا أمر النّشو فإنّه لم يزل على الظلم والعسف فى الرّعية والأقدار تساعده إلى أن قبض عليه السلطان الملك الناصر فى يوم الاثنين ثانى صفر سنة أربعين وسبعمائة، وعلى أخيه مجد «١» الدين رزق الله، وعلى [أخيه «٢» ] المخلص وعلى مقدّم الخاصّ ورفيقه. وسبب ذلك أنّه زاد فى الظلم حتى قلّ الجالب إلى مصر وذهب أكثر أموال التجّار لطرح الأصناف عليهم بأغلى الأثمان، وطلب السلطان الزيادة فخاف العجز، فرجع عن ظلم العامّ إلى الخاصّ، ورتّب مع أصحابه ذلك، وكانت عادته فى كلّ ليلة أن يجمع إخوته وصهره ومن يثق به فى النظر فيما يحدثه من المظالم، يقترح كلّ منهم ما يقترحه من لمظالم ثم يتفرقون، فرتّبوا فى ليلة من الليالى أو راقا تشتمل على فصول يتحصّل منها ألف ألف دينار عينا وقرأها على السلطان: منها التقاوى السلطانية المخلّدة بالنواحى من الدولة الظاهريّة بيبرس والمنصوريّة قلاوون فى إقطاعات الأمراء والأجناد، وجملتها مائة ألف إردب وستون ألف إردب سوى ما فى بلاد السلطان من التقاوى، ومنها الرّزق الأحباسية الموقوفة على المساجد والجوامع والزوايا وغير ذلك، وهى مائة ألف فدان وثلاثون ألف فدان. وقرّر مع السلطان أن يأخذ التقاوى المذكورة، وأن يلزم كلّ متولى إقليم باستخراجها وحملها، وأن يقيم شادّا يختاره لكشف الرّزق الأحباسية، فما كان منها على موضع عامر [بذكر الله «٣» ] يعطيه نصف ما يحصل ويأخذ من مزارعيه فى النصف الآخر عن كلّ فدان مائة درهم. قلت: ولم يصحّ ذلك للنّشو وصحّ مع أستادار زماننا هذا زين الدين «٤» يحيى الأشقر قريب ابن أبى الفرج لمّا كان ناظر «٥» المفرد فى أستادارية قزطوغان فإنّه أحدث

стр. 2928

هذه المظلمة فى دولة الملك الظاهر «١» ، ودامت فى صحيفته إلى يوم القيامة، فأقول: كم ترك الأول للآخر. انتهى. قال: ويلزم المزارع بخراج ثلاث سنين، وما كان من الرّزق على موضع خراب «٢» ، أو على أهل الأرياف من الفقهاء والخطباء ونحوهم أخذوا «٣» ، واستخرج من مزارعيه خراج ثلاث سنين. وممّا أحدثه أيضا أرض [جزيرة] الرّوضة تجاه مدينة مصر، فإنها بيد أولاد الملوك، فيستأجرها منهم الدواوين وينشوا بها سواقى الأقصاب وغيرها. ومنها ما باعه أولاد الملوك بأبخس الأثمان، وقرّر مع السلطان أخذ أراضى الرّوضة للخاصّ. ومنها أرباب الرواتب السلطانية فإنّ أكثرهم عبيد الدواوين، ونساؤهم وغلمانهم يكتبونها باسم زيد وعمرو؛ وذكر أشياء كثيرة من هذه المقولة إلى أن تعرض للأمير آقبغا عبد الواحد ولأمواله وحواصله، وحسّن للسلطان القبض عليه وشرع فى عمل ما قاله، فعظم ذلك على الناس وتراموا على خواصّ السلطان من الأمراء وغيرهم، فكلّموا السلطان فى ذلك وعرّفوه قبح سيرة النّشو، وما قصده إلّا خراب مملكة السلطان. ثم رميت للسلطان عدّة أوراق فى حقّ النّشو، فيها مكتوب: أمعنت فى الظلم وأكثرته ... وزدت يا نشو على العالم ترى من الظالم فيكم لنا ... فلعنة الله على الظالم وأبيات أخر. وكان السلطان أرسل قرمحى إلى تنكز لكشف أخبار النّشو بالبلاد الشامية، فعاد بمكاتبات تنكز بالحطّ عليه، وذكر قبح سيرته وظلمه وعسفه

стр. 2929

وكان النّشو قد حصل له قولنج انقطع منه أياما، ثم طلع إلى القلعة وأثر المرض فى وجهه، وقرّر مع السلطان إيقاع الحوطه على آقبغا عبد الواحد من الغد، وكان ذلك فى أوّل يوم من صفر. وتقرّر الحال على أنه يجلس النّشو على باب الخزانة، فإذا خرج الأمير بشتك من الخدمة جلس معه، ثم يتوجّهان إلى بيت آقبغا ويقبضان عليه. فلما عاد النّشو إلى داره عبر الحمّام ليلة الاثنين ومعه [شمس الدين محمد «١» ] بن الأكفانىّ، وقد قال له ابن الأكفانىّ: بأنّ على النشو فى هذا الشهر قطعا «٢» عظيما فأمر النّشو بعض عبيده السودان أن يحلق رأسه ويجرحه بحيث يسيل الدّم على جسده ليكون ذلك حظّه من القطع، ففعل به ذلك، وتباشروا بما دفع الله عنه من السوء. ثمّ خرج النّشو من الحمّام، وكان الأمير يلبغا اليحياوىّ أحد خواصّ السلطان ومماليكه قد توعّك جسده توعّكا صعبا فقلق السلطان عليه وأقام عنده لكثرة شغفه به، فقال له يلبغا فيما قال: ياخوند، قد عظم إحسانك لى ووجب نصحك علىّ والمصلحة القبض على النّشو، وإلّا دخل عليك الدخيل، فإنّه ما عندك أحد من مماليكك إلّا وهو يترقّب غفلة منك، وقد عرّفتك ونصحتك قبل أن أموت، وبكى وبكى السلطان لبكائه، وقام السلطان وهو لا يعقل لكثرة ما داخله من الوهم لثقته بمحبّة يلبغا له، وطلب بشتك فى الحال وعرّفه أنّ الناس قد كرهوا هذا النشو، وأنه عزم على الإيقاع به، فخاف بشتك أن يكون ذلك امتحانا من السلطان، ثم وجد عزمه قويّا فى القبض عليه، فاقتضى الحال إحضار الأمير قوصون أيضا فحضر وقوّى عزم السلطان على ذلك، وما زالا به حتى قرّر معهما أخذه والقبض عليه. وأصبح النشو وفى ذهنه أنّ القطع

стр. 2930

الذي تخوّف منه قد زال عنه بما دبّره ابن الأكفانى من إسالة دمه. ثم علّق عليه عدّة من العقود والطّلّسمات والحروز وركب إلى القلعة وجلس بين يدى السلطان على عادته، وأخذ معه فى الكلام على القبض على آقبغا عبد الواحد. ثم نهض النّشو وتوجّه إلى باب الخزانة، وجلس عليها ينتظر مواعدة بشتك، فعند ما قام النّشو طلب السلطان المقدّم ابن صابر «١» ، وأسرّ إليه أن يقف بجماعته على باب القلعة وعلى باب القرافة، ولا يدع أحدا به من حواشى النّشو وجماعته وأقار به وإخوته أن ينزلوا ويقبضوا عليهم الجميع. وأمر السلطان بشتك وبرسبغا الحاجب أن يمضيا إلى النّشو ويقبضا عليه وعلى أقاربه، فخرج بشتك وجلس بباب الخزانة فطلب النّشو من داخلها فظنّ النشو أنه جاء لميعاده مع السلطان حتّى يحتاطا على موجود آقبغا، فساعة ما وقع بصره عليه أمر مماليكه بأخذه فأخذوه إلى بيته بالقلعة، وبعث إلى بيت الأمير ملكتمر الحجازىّ فقبض على أخيه رزق الله، ثم أخذ أخاه المخلص وسائر أقار به. وطار الخبر فى القاهرة ومصر، فخرج الناس كلّهم كأنّهم جراد منشر، وركب الأمير آقبغا عبد الواحد والأمير طيبغا المجدى «٢» والأمير بيغرا والأمير برسبغا لإيقاع الحوطة على بيوت النّشو وأقاربه وحواشيه، ومعهم عدوّه [القاضى جمال الدين إبراهيم «٣» المعروف ب] جمال الكفاة كاتب الأمير بشتك وشهود الخزانة، وأخذ السلطان يقول للأمراء: كم تقولون، النّشو ينهب مال الناس! الساعة ننظر المال الذي عنده! وكان السلطان يظنّ أنّه يؤدّيه الأمانة، وأنّه لا مال له، فندم الأمراء على تحسينهم مسك النّشو خوفا من ألّا يظهر له مال، لا سيما

стр. 2931

قوصون وبشتك من اجل أنّهما كانا بالغا فى الحطّ عليه، فكثر قلقهما ولم يأكلا طعاما نهارهما وبعثا فى الكشف على الخبر. فلما أوقع الأمراء الحوطة على دور الممسوكين بلغهم أنّ حريم النّشو فى بستان فى جزيرة «١» الفيل، فساروا إليه وهجموا عليه فوجدوا ستين جارية وأمّ النّشو وامرأته وإخوته وولديه وسائر أهله، وعندهم مائتا قنطار عنب وقند «٢» كثير ومعصار وهم فى عصر العنب، فختموا على الدّور والحواصل، ولم يتهيّأ لهم نقل شىء [منها «٣» ] . هذا وقد غلّقت الأسواق بمصر والقاهرة، واجتمع الناس بالرّميلة تحت القلعة ومعهم النساء والأطفال وقد أشعلوا الشموع ورفعوا على رءوسهم المصاحف ونشروا الأعلام وهم يصيحون استبشارا وفرحا بقبض النّشو، والأمراء تشير إليهم أن يكثروا ممّا هم فيه، واستمرّوا ليلة الثلاثاء على ذلك، فلمّا أصبحوا وقع الصوت من داخل القلعة بأنّ رزق الله أخا النّشو قد قتل نفسه، وهو أنّه لما قبض عليه قوصون وكّل به أمير شكاره، فسجنه ببعض الخزائن، فلمّا طلع الفجر قام الأمير شكار إلى صلاة الصبح فقام رزق الله وأخذ من حياصته سكينا ووضعها فى نحره حتّى نفذت منه وقطعت ورائده «٤» ، فلم يشعر أمير شكار إلّا وهو يشخّر وقد تلف، فصاح حتّى بلغ قوصون فانزعج لذلك وضرب أمير شكاره «٥» ضربا مبرّحا إلى أن علم السلطان الخبر، فلم يكترث به.

стр. 2932

وفى يوم الاثنين المذكور أفرج السلطان عن الصاحب شمس الدين موسى «١» ابن التاج إسحاق وأخيه «٢» ونزلا من القلعة إلى الجامع «٣» الجديد بمصر. وكان شمس الدين هذا قد وشى به النّشو حتّى قبض عليه السلطان، وأجرى عليه العقوبة أشهر إلى أن أشيع موته غير مرّة، وقد ذكرنا أمر عقوبة شمس الدين هذا وما وقع له فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» ، فإنّ فى سيرته عجائب فلينظر هناك. قال الشيخ كمال الدين جعفر [بن «٤» ثعلب] الأدفوىّ فى يوم الاثنين هذا، وفى معنى مسك النّشو وغيره هذه الأبيات: إنّ «٥» يوم الاثنين يوم سعيد ... فيه لا شكّ للبرية عيد أخذ الله فيه فرعون مصر «٦» ... وغدا النّيل فى رباه يزيد وقال الشيخ شمس الدين محمد [بن عبد «٧» الرحمن بن على الشهيربا] بن الصائغ الحنفى فى معنى مسك النّشو والإفراج عن شمس الدين موسى وزيادة النيل هذه الأبيات: لقد ظهرت فى يوم الاثنين آية ... أزالت بنعماها عن العالم البوسا تزايد بحمر النيل فيه وأغرقت ... به آل فرعون وفيه نجا موسى

стр. 2933

وفى المعنى يقول أيضا القاضى علاء الدين على [بن يحيى «١» ] بن فضل الله كاتب السّرّ: فى يوم الاثنين ثانى الشهر من صفر ... نادى البشير إلى أن أسمع الفلكا يا أهل مصر نجا موسى ونيلكمو ... طغى وفرعون وهو النّشو قد هلكا ثم فى يوم الثلاثاء نودى بالقاهرة ومصر: بيعوا واشتروا واحمدوا الله تعالى على خلاصكم من النّشو. ثم أخرج رزق الله أخو النّشو ميّتا فى تابوت امرأة حتى دفن فى مقابر النصارى خوفا عليه من العامة أن تحرقه. ثم دخل الأمير بشتك على السلطان واستعفى من تسليم النشو خشية ممّا جرى من أخيه، فأمر السلطان أن يهدّده على إخراج المال، ثم يسلّمه لابن صابر فأوقفه بشتك وأهانه فالتزم إن أفرج عنه جمع للسلطان من أقاربه خزانة مال ثم تسلّمه ابن صابر فأخذه ليمضى به إلى قاعة الصاحب «٢» ، فتكاثرت العامة لرجمه حتى طردهم نقيب الجيش وأخرجه والجنزير «٣» فى عنقه حتى أدخله قاعة الصاحب، والعامة تحمل عليه حملة بعد حملة والنقباء تطردهم. ثم طلب السلطان فى اليوم المذكور جمال الكفاة إبراهيم كاتب الأمير بشتك وخلع عليه واستقرّ فى وظيفة نظر الخاصّ عوضا عن شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله المعروف بالنّشو بعد تمنّعه، ورسم له أن ينزل للحوطة على النشو وأقاربه، ومعه الأمير آقبغا عبد الواحد وبرسبغا الحاجب وشهود الخزانة، فنزل بتشريفه وركب بغلة النّشو حتى أخرج حواصله، وقد أغلق الناس الأسواق وتجمّعوا ومعهم الطبول والشموع وأنواع الملاهى وأرباب الخيال، بحيث لم يبق

стр. 2934

خانوت بالقاهرة مفتوح نهارهم كلّه، ثم ساروا مع الأمراء على حالهم إلى تحت القلعة وصاحوا صيحة واحدة، حتى انزعج السلطان وأمر الأمير أيدغمش بطردهم، ودخلوا الأمراء على السلطان بما وجدوه للنشو، وهو من العين خمسة عشر ألف دينار مصرية. وألفان وخمسمائة حبة لؤلؤ، قيمة كلّ حبّة ما بين ألفى درهم إلى ألف درهم. وسبعون فص بلخش قيمة كل فص [ما بين] «١» خمسة آلاف درهم إلى ألف درهم. وقطعة «٢» زمرّد فاخر زنتها رطل. ونيّف وستون حبلا من لؤلؤ كبار، زنة ذلك أربعمائة مثقال. ومائة وسبعون خاتم ذهب وفضّة بفصوص مثمنة. وكفّ مريم مرصّع بجوهر. وصليب ذهب مرصّع. وعدّة قطع زركش؛ سوى حواصل لم تفتح. فخجل السلطان لمّا رأى ذلك، وقال للامراء: لعن الله الأقباط ومن يأمنهم أو يصدّقهم! وذلك أنّ النّشو كان يظهر له الفاقة بحيث إنّه كان يقترض الخمسين درهما والثلاثين درهما حتى ينفقها. وبعث فى بعض اللّيالى إلى جمال الدين إبراهيم [بن أحمد «٣» ] بن المغربى رئيس الأطباء يطلب منه مائة درهم، ويذكر له أنه طرقه ضيف ولم يجد له ما يعشّيه به، وقصد بذلك أن يكون له شاهد عند السلطان بما يدّعيه من الفقر. فلما كان فى بعض الأيام شكا النّشو الفاقة للسلطان وابن المغربىّ حاضر، فذكر للسلطان أنه اقترض منه فى ليلة كذا مائة درهم، فمشى ذلك على السلطان وتقرر فى ذهنه أنّه فقير لا مال له. انتهى. واستمر الأمراء تنزل كلّ يوم لإخراج حواصل النّشو فوجدوا فى بعض الأيام من الصّينىّ والبلّور والتّحف السنيّة شيئا كثيرا. وفى يوم الخميس [خامسه «٤» ] زيّنت القاهرة ومصر بسبب قبض النشو. زينة هائلة دامت سبعة أيام، وعملت أفراح

стр. 2935

كثيرة. وعملت العامّة فيه عدّة أزجال وبلاليق «١» ، وأظهروا من الفرح واللهو والخيال ما يجلّ وصفه، ووجدت مآكل كثيرة فى حواصل النّشو، منها: نحو مائتى مطر «٢» ملوحة وثمانين مطر جبن وأحمال كثيرة من سوّاقة الشام. ووجد له أربعمائة بذلة قماش جديدة وثمانون بذلة قماش مستعمل، ووجد له ستّون بغلطاق «٣» نشاوىّ «٤» مزركش ومناديل زركش عدّة كثيرة. ووجد له صناديق كثيرة فيها قماش سكندرىّ ممّا عمل برسم الحرّة جهة ملك المغرب قد اختلسه النّشو، وكثير من قماش الأمراء الذين ماتوا والذين قبض عليهم. ووجد له مملوك تركىّ قد خصاه هو واثنين معه ماتا، وخصى أيضا أربعة عبيد فماتوا، فطلب السلطان الذي خصاهم وضربه بالمقارع، وجرّس وتتبّعت أصحابه وضرب منهم جماعة. ثم وجد بعد ذلك بمدّة لإخوة النشو ذخائر نفيسة، منها لصهره ولىّ الدولة صندوق فيه مائة وسبعون فصّ بلخش. وستّ وثلاثون مرسلة «٥» مكللة بالجوهر. وإحدى عشرة عنبرينة «٦» مكلّلة بلؤلؤ كبار. وعشرون طراز زركش، وغير ذلك ما بين لؤلؤ منظوم وزمرّد وكوافى زركش، قوّموا بأربعة وعشرين ألف دينار. وضرب المخلص أخو النّشو ومفلح عبده بالمقارع، فأظهر المخلص الإسلام. ثم فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين

стр. 2936

شهر ربيع الأوّل وجدت ورقة بين فرش السلطان فيها: المملوك بيرم ناصح السلطان يقبّل الأرض وينهى: إنّنى أكلت رزقك وأنت قوام المسلمين، ويجب على كلّ أحد نصحك، وإنّ بشتك وآقبغا عبد الواحد اتّفقا على قتلك مع جماعة من المماليك فآحترس على نفسك، وكان بشتك فى ذلك اليوم قد توجّه بكرة النهار إلى جهة الصعيد، فطلب السلطان الأمير قوصون والأمير آقبغا عبد الواحد وأوقفهما على الورقة، فكاد عقل آقبغا أن يختلط من شدّة الرّعب، وأخذ الأمير قوصون يعرّف السلطان أن هذا فعل من يريد التشويش على السلطان وتغيير خاطره على مماليكه. فأخرج السلطان البريد فى الحال لردّ الأمير بشتك فأدركه بإطفيح وقد مدّ سماطه، فلمّا بلغه الخبر قام ولم يمدّ يده إلى شىء منه. وجدّ فى سيره حتى دخل على السلطان، فأوقفه السلطان على الورقة فتنصّل ممّا رمى به كما تنصّل آقبغا واستسلم، وقال: هذه نفسى ومالى بين يدى السلطان. وإنما حمل من رمانى بذلك الحسد على قربى من السلطان، وعظم إحسانه إلىّ ونحو هذا، حتى رقّ له السلطان وأمره أن يعود إلى الصيد إلى جهة قصده. ثم طلب السلطان [ناظر] ديوان الجيش، ورسم له أن يكتب كلّ من اسمه بيرم ويحضره إلى آقبغا عبد الواحد، فارتجّت القلعة والمدينة، فطلب ناظر الجيش المذكورين وعرضهم وأخذ خطوطهم ليقابل بها كتابة الورقة فلم يجده. فلمّا أعيا آقبغا الظّفر بالغريم اتّهم النّشو أنّها من مكايده، واشتدّ قلق السلطان وكثر انزعاجه بحيث إنه لم يستطع أن يقرّ بمكان واحد، وطلب والى القاهرة وأمره بهدم ما بالقاهرة من حوانيت صنّاع النّشّاب ويناى من عمل نشّابا شنق، فامتثل ذلك. وخرّب جميع مرامى النّشّاب، وغلّقت حوانيت القوّاسين، ونزل الأمير برسبغا إلى الأمراء جميعهم، وعرّفهم عن السلطان أنّ من رمى من مماليكم بالنّشاب أو حمل

стр. 2937

قوسا كان أستاذه عوضا عنه فى التلاف، وألّا يركب أحد من الأمراء بسلاح ولا تركاش «١» ، وبينما الناس فى هذا الهول الشديد إذ دخل رجل يعرف بابن الأزرق- كان أبوه ممن مات فى عقوبة النّشو لما صادره، وقد تقدّم ذكر ابن الأزرق فى أمر بناء جامع الخطيرى- على جمال الكفاة وطلب الورقة ليعرّفهم من كتبها، فقام جمال الكفاة إلى السلطان ومعه الرجل، فلما وقف عليها قال: يا خوند، هذه خطّ أحمد الخطائى «٢» ، وهو رجل عند ولىّ الدولة صهر النّشو يلعب معه النّرد ويعاقره الخمر، فطلب المذكور وحاققه الرجل محاققة طويلة فلم يعترف، فعوقب عقوبات مؤلمة إلى أن أقرّ بأنّ ولىّ الدولة أمره بكتابتها، فجمع بينه وبين ولىّ الدولة فأنكر ولىّ الدولة ذلك، فطلب أن يرى الورقة فلما رآها حلف جهد أيمانه أنها خطّ ابن الأزرق الشاكى، لينال منه غرضه، من أجل أنّ النّشو قتل أباه، وحاققه على ذلك، فاقتضى الحال عقوبة ابن الأزرق فاعترف أنّها كتابته وأنه أراد أن يأخذ بثأر أبيه من النّشو وأهله، فعفا السلطان عن ابن الأزرق ورسم بحبس ابن الخطائى «٣» . ورسم لبرسبغا الخاجب وابن صابر المقدم أن يعاقبا النّشو وأهله حتى يموتوا. وأذن السلطان للأجناد فى حمل النّشّاب فى السّفر دون الحضر، فصارت هذه عادة إلى اليوم. ويقال إنّ سبب عقوبة النّشو أنّ أمراء المشورة تحدّثوا مع السلطان، وكان الذي ابتدأ بالكلام سنجر الجاولى وقبّل الأرض، وقال: حاشى مولانا السلطان من شغل الخاطر وضيق الصدر، فقال السلطان: يا أمراء، هؤلاء مماليكى أنشأتهم وأعطيتهم العطاء الجزيل، وقد بلغنى عنهم ما لا يليق، فقال الجاولى:

стр. 2938

حاشى لله أنّ يبدو من مماليك السلطان شىء من هذا، غير أنّ علم مولانا السلطان محيط بأنّ ملك الخلفاء ما زال إلّا بسبب الكتّاب، وغالب السلاطين ما دخل عليهم الدّخيل إلّا من جهة الوزراء، ومولانا السلطان ما يحتاج فى هذا إلى أن يعرّفه أحد بما جرى لهم، ومن المصلحة قتل هذا الكلب وإراحة الناس منه، فوافقه الجميع على ذلك، فضرب المخلص أخو النّشو فى هذا اليوم بالمقارع، وكان ذلك فى يوم الخميس رابع عشرين شهر ربيع الأوّل حتّى هلك يوم الجمعة العصر، ودفن بمقابر اليهود. ثمّ ماتت أمّه عقيبه. ثم مات ولىّ الدولة عامل المتجر تحت العقوبة ورمى للكلاب؛ هذا والعقوبة تتنوّع على النّشو حتّى هلك يوم الأربعاء ثانى شهر ربيع الآخر من سنة أربعين وسبعمائة فوجد النّشو بغير ختان، وكتب به محضر ودفن بمقابر اليهود بكفن قيمته أربعة دراهم ووكّل بقبره من يحرسه مدّة أسبوع خوفا من العامّة أن تنبشه وتحرقه. وكان مدّة ولايته وجوره سبع سنين وسبعة أشهر، ثم أحضر ولىّ الدولة صهر النّشو، وهذا بخلاف ولىّ الدولة عامل المتجر الذي تقدّم، وأمر السلطان بعقوبته، فدلّ على ذخائر النّشو ما بين ذهب وأوان، فطلبت جماعة بسبب ودائع النّشو، وشمل الضرر غير واحد. وكان موجود النّشو سوى الصندوق الذي أخذه السلطان شيئا كثيرا جدّا، عمل لبيعه تسع وعشرون حلقة، بلغت قيمته خمسة وسبعين ألف درهم. وكان جملة ما أخذ منه سوى الصندوق نحو مائتى ألف دينار. ووجد لولىّ الدولة عامل المتجر ما قيمته خمسون ألف دينار. ووجد لولىّ الدولة صهر النّشو زيادة على مائتى ألف دينار. وبيعت للنشو دور بمائتى ألف درهم. وركب الأمير آقبغا عبد الواحد إلى دور آل النّشو فخرّبها كلّها، حتى ساوى بها الأرض وحرثها بالمحاريث فى طلب الخبايا، فلم يجد بها من الخبايا إلا القليل. انتهى.

стр. 2939

وأمّا أصل النشو هذا أنه كان هو ووالده وإخوته يخدمون الأمير بكتمر الحاجب، فلمّا انفصلوا من عنده أقاموا بطّالين مدّة، ثم خدم النّشو هذا عند الأمير أيدغمش أمير آخور فأقام بخدمته إلى أن جمع السلطان فى بعض الأيام كتّاب الأمراء لأمر ما، فرآه السلطان وهو واقف من وراء الجماعة وهو شاب طويل نصرانىّ حلو الوجه، فآستدعاه وقال له: إيش اسمك؟ قال: النّشو، فقال: أنا أجعلك نشوى ورتّبه مستوفيا فى الجيزة، وأقبلت سعادته فيما ندبه إليه وملا عينه، ثم نقله إلى استيفاء الدولة فباشر ذلك مدّة حتى استسلمه الأمير بكتمر الساقى وسلّم إليه ديوان سيدى آنوك، ثم نقله بعد ذلك إلى نظر الخاصّ بعد موت القاضى فخر الدين ناظر الجيش، فإنّ شمس الدين موسى ابن التاج ولى الجيش، والنّشو هذا ولى عوضه الخاص. انتهى. وفى آخر شهر ربيع الآخر نودى على الذهب أن يكون صرف الدينار بخمسة وعشرين درهما، وكان بعشرين درهما. وفى هذه السنة فرغت مدرسة «١» الأمير آقبغا عبد الواحد بجوار الجامع الأزهر، وأبلى الناس فى عمارتها ببلايا كثيرة، منها: أنّ الصّنّاع كان قرّر عليهم آقبغا أن يعملوا بهذه المدرسة يوما فى الأسبوع بغير

стр. 2940

أجرة، ثم حمل إليها الأصناف من الناس ومن العمائر السلطانية، فكانت عمارتها ما بين نهب وسرقة، ومع هذا فإنّه ما نزل إليها قطّ إلا وضرب بها أحدا زيادة على شدّة عسف مملوكه الذي أقامه شادّا بها، فلمّا تمّت جمع بها القضاة والفقهاء ولم يولّ بها أحد، وكان الشريف المحتسب قدّم بها سماطا بنحو ستة آلاف درهم على أن يلى تدريسها فلم يتمّ له ذلك. ثم إنّ السلطان نزل إلى خانقاه «١» سرياقوس التى أنشأها فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر ربيع الآخر من سنة أربعين وسبعمائة، وقد تقدّمه إليها الشيخ شمس الدين محمد [بن «٢» ] الأصفهانى وقوام الدين الكرمانىّ وجماعة من صوفية سعيد السعداء، فوقف السلطان على باب خانقاه «٣» سعيد السعداء بفرسه، وخرج إليه جميع صوفيّتها ووقفوا بين يديه، فسألهم من يختارونه شيخا لهم بعد وفاة الشيخ مجد الدين موسى

стр. 2941

ابن أحمد بن محمد الأقصرائىّ فلم يعيّنوا أحدا، فولّى السلطان بها الركن الملطىّ خادم المجد الأقصرائى المتوفّى. وانقطع السلطان فى هذه الأيام عن الخروج إلى دار العدل نحو عشرين يوما بسبب شغل خاطره لمرض مملوكه يلبغا اليحياوىّ وملازمته له إلى أن تعافى، وعمل السلطان لعافيته سماطا عظيما هائلا بالميدان «١» وأحضر الأمراء، ثم استدعى بعدهم جميع صوفية الخوانق والزوايا وأهل الخير وسائر الطوائف، ومدّ لهم الأسمطة الهائلة، وأخرج من الخزائن السلطانية نحو ثلاثين ألف درهم، أفرج بها عن المسجونين على دين، وأخرج للأمير يلبغا المذكور ثلاث حجورة «٢» بمائتى ألف درهم، وحياصة ذهب مرصّعة بالجوهر، كلّ ذلك لعافية يلبغا المذكور. ثمّ فى هذه السنة تغيّر خاطر السلطان على مملوكه الأمير تنكز نائب الشام، وبلغ تنكز تغيّر خاطر السلطان عليه، فجهّز أمواله ليحملها إلى قلعة جعبر «٣» ويحرج هو إليها بعد ذلك بحجّة أنّه يتصيّد، فقدم إليه الأمير طاجار الدّوادار قبل ذلك فى يوم الأحد رابع عشر ذى الحجة «٤» وعتبه وبلّغه عن السلطان ما حمله من الرسالة، فتغيّر الأمير

стр. 2942

تنكز وبدأت الوحشة بينه وبين السلطان، وعاد طاجار إلى السلطان فى يوم الجمعة تاسع «١» عشر ذى الحجة فأغرى السلطان على تنكز وقال: إنه عزم على الخروج من دمشق، فطلب السلطان بعد الصلاة الأمير بشتك والأمير بيبرس الأحمدى والأمير چنكلى بن البابا والأمير أرقطاى والأمير طقز دمر فى آخرين، وعرّفهم أنّ تنكز قد خرج عن الطاعة، وأنه يبعث إليه تجريدة مع الأمير چنكلى والأمير بشتك والأمير أرقطاى والأمير أرنبغا أمير جاندار والأمير قمارى أمير شكار والأمير قمارى أخو بكتمر الساقى والأمير برسبغا الحاجب، ومع هذه الأمراء السبعة «٢» ثلاثون أمير طبلخاناه وعشرون أمير عشرة وخمسون نفرا من مقدّمى الخلقة وأربعمائة من المماليك السلطانية وجلس وعرضهم. ثم جمع السلطان فى يوم السبت عشرين ذى الحجّة الأمراء جميعهم وحلّف المجرّدين والمقيمين له ولولده الأمير أبى بكر من بعده، وطلبت الأجناد من النواحى للحلف، فكانت بالقاهرة حركات عظيمة، وحمل السلطان لكلّ مقدّم ألف مبلغ ألف دينار، ولكلّ طبلخاناه أربعمائة دينار، ولكل مقدم حلقة ألف درهم، ولكل مملوك خمسمائة درهم وفرسا، وقرقلا «٣» وخوذة «٤» ، فاتّفق قدوم الأمير موسى بن مهنّا فقرّر مع السلطان القبض على الأمير تنكز، وكتب إلى العربان بأخذ الطرقات من كلّ جهة على تنكز. ثم بعث السلطان بهادر «٥» حلاوة من طائفة الأوجاقيّة على البريد إلى غزّة وصفد وإلى أمراء دمشق بملطّفات كثيرة. ثم أخرج موسى بن مهنّا لتجهيز العربان وإقامته على حمص، واهتمّ السلطان بأمر تنكز اهتماما زائدا جدّا.

стр. 2943

قلت: على قدر الصعود يكون الهبوط، ما لتلك «١» الإحسان؟ والعظمة والمحبة الزائدة لتنكز قبل تاريخه إلا هذه الهمّة العظيمة فى أخذه والقبض عليه، ولكن هذا شأن الدنيا مع المغرمين بها!. ثم إنّ الملك الناصر كثر قلقه من أمر تنكز وتنغّص عيشه وخرج العسكر المعيّن من القاهرة لقتال تنكز فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين ذى الحجّة من سنة أربعين وسبعمائة. وكان حلاوة الأوجاقى قدم على الأمير ألطنبغا «٢» الصالحىّ نائب غرّة بملطّف. وفيه أنّه استقرّ فى نيابة الشام عوضا عن تنكز، وأنّ العسكر واصل إليه ليسيروا به إلى دمشق. قلت: وألطنبغا نائب غزّة هو عدوّ تنكز الذي كان تنكز سعى فى أمره حتى عزله السلطان من نيابة حلب وولاه نيابة غزّة قبل تاريخه. ثمّ سار حلاوة الأوجاقى إلى صفد وإلى الشام وأوصل الملطّفات إلى أمراء دمشق. ثم وصلت كتب ألطنبغا الصالحىّ إلى أمراء دمشق بولايته نيابة الشام. ثم ركب الأمير طشتمر الساقى المعروف بحمّص أخضر نائب صفد إلى دمشق فى ثمانين فارسا، واجتمع بالأمير قطلوبغا الفخرىّ وسنجر البشمقدار «٣» وبيبرس السّلاح دار واتّفق ركوب الأمير تنكز فى ذلك اليوم إلى قصره فوق ميدان الحصى فى خواصه للنزهة، وبينما هو فى ذلك إذ بلغه قدوم الخيل من صفد، فعاد إلى دار السعادة «٤» وألبس مماليكه السلاح، فأحاط به فى الوقت أمراء دمشق،

стр. 2944

ووقع الصوت بوصول نائب صفد، فخرج عسكر دمشق إلى لقائه وقد نزل بمسجد «١» القدم، فأمر نائب صفد جماعة من المماليك الأمراء أن يعودوا إلى تنكز ويخرجوه إليه، فدخل عليه جماعة منهم تمر الساقى والأمير طرنطاى البشمقدار وبيبرس السلاح دار وعرّفوه مرسوم السلطان فأذعن لقلّة أهبته للركوب، فإنّ نائب صفد طرقه على حين غفلة باتّفاق أمراء دمشق، ولم يجتمع على تنكز إلا عدّة يسيرة من مماليكه، فلذلك سلّم نفسه فأخذوه وأركبوه إكديشا وساروا به إلى نائب صفد، وهو واقف بالعسكر على ميدان الحصى فقبض عليه وعلى مملوكيه: جنغاى «٢» وطغاى «٣» وسجنا بقلعة دمشق، وأنزل تنكز عن فرسه على ثوب سرج وقيّده وأخذه الأمير بيبرس السلاح دار وتوجّه به إلى الكسوة «٤» ، فحصل لتنكز إسهال ورعدة خيف عليه الموت، فأقام بالكسوة يوما وليلة ثم مضى به بيبرس، ونزل طشتمر حمّص أخضر نائب صفد بالمدرسة النّجيبيّة «٥» ، فتقدّم بهادر حلاوة عند ما قبض على تنكز ليبشّر السلطان بمسك تنكز، فوصل إلى بلبيس ليلا والعسكر نازل بها وعرّف الأمير بشتك. ثم سار حتى دخل القاهرة، وأعلم السلطان الخبر فسرّ سرورا زائدا، وكتب بعود العسكر من بلبيس إلى القاهرة ما خلا بشتك وأرقطاى وبرسبغا الحاجب، فإنهم يتوجّهون إلى دمشق للحوطة

стр. 2945

على مال تنكز وأن يقيم الأمير بيغرا أمير جاندار والأمير قمارى أمير شكار بالصالحية «١» إلى أن يقدم عليهما الأمير تنكز. وعاد جميع العسكر إلى الديار المصرية، وسار بشتك ورفيقاه إلى غزة فركب معهم الأمير ألطنبغا الصالحىّ إلى نحو دمشق فلقوا الأمير تنكز على حسبان «٢» فسلّموا عليه وأكرموه، وكان بشتك لما سافر من القاهرة صحبة العسكر كان فى ذلك اليوم فراغ بناء قصره «٣» الذي بناه ببين القصرين فلم يدخله برجله، واشتغل بما هو فيه من أمر السفر، فشرع السلطان فى غيبته فى تحسين القصر المذكور. وكان سبب عمارة بشتك لهذا القصر أنّ الأمير قوصون لمّا أخذ قصر بيسرى وجدّده أحبّ الأمير بشتك أن يعمل له قصرا تجاه قصر «٤» بيسرى ببين القصرين، فدلّ على دار الأمير بكتاش الفخرى أمير سلاح. وكانت «٥» أحد قصور الخلفاء
следующие страницы →