Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
ابن أحمد بن محمد الأقصرائىّ فلم يعيّنوا أحدا، فولّى السلطان بها الركن الملطىّ خادم المجد الأقصرائى المتوفّى. وانقطع السلطان فى هذه الأيام عن الخروج إلى دار العدل نحو عشرين يوما بسبب شغل خاطره لمرض مملوكه يلبغا اليحياوىّ وملازمته له إلى أن تعافى، وعمل السلطان لعافيته سماطا عظيما هائلا بالميدان «١» وأحضر الأمراء، ثم استدعى بعدهم جميع صوفية الخوانق والزوايا وأهل الخير وسائر الطوائف، ومدّ لهم الأسمطة الهائلة، وأخرج من الخزائن السلطانية نحو ثلاثين ألف درهم، أفرج بها عن المسجونين على دين، وأخرج للأمير يلبغا المذكور ثلاث حجورة «٢» بمائتى ألف درهم، وحياصة ذهب مرصّعة بالجوهر، كلّ ذلك لعافية يلبغا المذكور.
ثمّ فى هذه السنة تغيّر خاطر السلطان على مملوكه الأمير تنكز نائب الشام، وبلغ تنكز تغيّر خاطر السلطان عليه، فجهّز أمواله ليحملها إلى قلعة جعبر «٣» ويحرج هو إليها بعد ذلك بحجّة أنّه يتصيّد، فقدم إليه الأمير طاجار الدّوادار قبل ذلك فى يوم الأحد رابع عشر ذى الحجة «٤» وعتبه وبلّغه عن السلطان ما حمله من الرسالة، فتغيّر الأمير
стр. 2942
تنكز وبدأت الوحشة بينه وبين السلطان، وعاد طاجار إلى السلطان فى يوم الجمعة تاسع «١» عشر ذى الحجة فأغرى السلطان على تنكز وقال: إنه عزم على الخروج من دمشق، فطلب السلطان بعد الصلاة الأمير بشتك والأمير بيبرس الأحمدى والأمير چنكلى بن البابا والأمير أرقطاى والأمير طقز دمر فى آخرين، وعرّفهم أنّ تنكز قد خرج عن الطاعة، وأنه يبعث إليه تجريدة مع الأمير چنكلى والأمير بشتك والأمير أرقطاى والأمير أرنبغا أمير جاندار والأمير قمارى أمير شكار والأمير قمارى أخو بكتمر الساقى والأمير برسبغا الحاجب، ومع هذه الأمراء السبعة «٢» ثلاثون أمير طبلخاناه وعشرون أمير عشرة وخمسون نفرا من مقدّمى الخلقة وأربعمائة من المماليك السلطانية وجلس وعرضهم. ثم جمع السلطان فى يوم السبت عشرين ذى الحجّة الأمراء جميعهم وحلّف المجرّدين والمقيمين له ولولده الأمير أبى بكر من بعده، وطلبت الأجناد من النواحى للحلف، فكانت بالقاهرة حركات عظيمة، وحمل السلطان لكلّ مقدّم ألف مبلغ ألف دينار، ولكلّ طبلخاناه أربعمائة دينار، ولكل مقدم حلقة ألف درهم، ولكل مملوك خمسمائة درهم وفرسا، وقرقلا «٣» وخوذة «٤» ، فاتّفق قدوم الأمير موسى بن مهنّا فقرّر مع السلطان القبض على الأمير تنكز، وكتب إلى العربان بأخذ الطرقات من كلّ جهة على تنكز. ثم بعث السلطان بهادر «٥» حلاوة من طائفة الأوجاقيّة على البريد إلى غزّة وصفد وإلى أمراء دمشق بملطّفات كثيرة.
ثم أخرج موسى بن مهنّا لتجهيز العربان وإقامته على حمص، واهتمّ السلطان بأمر تنكز اهتماما زائدا جدّا.
стр. 2943
قلت: على قدر الصعود يكون الهبوط، ما لتلك «١» الإحسان؟ والعظمة والمحبة الزائدة لتنكز قبل تاريخه إلا هذه الهمّة العظيمة فى أخذه والقبض عليه، ولكن هذا شأن الدنيا مع المغرمين بها!.
ثم إنّ الملك الناصر كثر قلقه من أمر تنكز وتنغّص عيشه وخرج العسكر المعيّن من القاهرة لقتال تنكز فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين ذى الحجّة من سنة أربعين وسبعمائة. وكان حلاوة الأوجاقى قدم على الأمير ألطنبغا «٢» الصالحىّ نائب غرّة بملطّف. وفيه أنّه استقرّ فى نيابة الشام عوضا عن تنكز، وأنّ العسكر واصل إليه ليسيروا به إلى دمشق.
قلت: وألطنبغا نائب غزّة هو عدوّ تنكز الذي كان تنكز سعى فى أمره حتى عزله السلطان من نيابة حلب وولاه نيابة غزّة قبل تاريخه.
ثمّ سار حلاوة الأوجاقى إلى صفد وإلى الشام وأوصل الملطّفات إلى أمراء دمشق. ثم وصلت كتب ألطنبغا الصالحىّ إلى أمراء دمشق بولايته نيابة الشام.
ثم ركب الأمير طشتمر الساقى المعروف بحمّص أخضر نائب صفد إلى دمشق فى ثمانين فارسا، واجتمع بالأمير قطلوبغا الفخرىّ وسنجر البشمقدار «٣» وبيبرس السّلاح دار واتّفق ركوب الأمير تنكز فى ذلك اليوم إلى قصره فوق ميدان الحصى فى خواصه للنزهة، وبينما هو فى ذلك إذ بلغه قدوم الخيل من صفد، فعاد إلى دار السعادة «٤» وألبس مماليكه السلاح، فأحاط به فى الوقت أمراء دمشق،
стр. 2944
ووقع الصوت بوصول نائب صفد، فخرج عسكر دمشق إلى لقائه وقد نزل بمسجد «١» القدم، فأمر نائب صفد جماعة من المماليك الأمراء أن يعودوا إلى تنكز ويخرجوه إليه، فدخل عليه جماعة منهم تمر الساقى والأمير طرنطاى البشمقدار وبيبرس السلاح دار وعرّفوه مرسوم السلطان فأذعن لقلّة أهبته للركوب، فإنّ نائب صفد طرقه على حين غفلة باتّفاق أمراء دمشق، ولم يجتمع على تنكز إلا عدّة يسيرة من مماليكه، فلذلك سلّم نفسه فأخذوه وأركبوه إكديشا وساروا به إلى نائب صفد، وهو واقف بالعسكر على ميدان الحصى فقبض عليه وعلى مملوكيه: جنغاى «٢» وطغاى «٣» وسجنا بقلعة دمشق، وأنزل تنكز عن فرسه على ثوب سرج وقيّده وأخذه الأمير بيبرس السلاح دار وتوجّه به إلى الكسوة «٤» ، فحصل لتنكز إسهال ورعدة خيف عليه الموت، فأقام بالكسوة يوما وليلة ثم مضى به بيبرس، ونزل طشتمر حمّص أخضر نائب صفد بالمدرسة النّجيبيّة «٥» ، فتقدّم بهادر حلاوة عند ما قبض على تنكز ليبشّر السلطان بمسك تنكز، فوصل إلى بلبيس ليلا والعسكر نازل بها وعرّف الأمير بشتك. ثم سار حتى دخل القاهرة، وأعلم السلطان الخبر فسرّ سرورا زائدا، وكتب بعود العسكر من بلبيس إلى القاهرة ما خلا بشتك وأرقطاى وبرسبغا الحاجب، فإنهم يتوجّهون إلى دمشق للحوطة
стр. 2945
على مال تنكز وأن يقيم الأمير بيغرا أمير جاندار والأمير قمارى أمير شكار بالصالحية «١» إلى أن يقدم عليهما الأمير تنكز. وعاد جميع العسكر إلى الديار المصرية، وسار بشتك ورفيقاه إلى غزة فركب معهم الأمير ألطنبغا الصالحىّ إلى نحو دمشق فلقوا الأمير تنكز على حسبان «٢» فسلّموا عليه وأكرموه، وكان بشتك لما سافر من القاهرة صحبة العسكر كان فى ذلك اليوم فراغ بناء قصره «٣» الذي بناه ببين القصرين فلم يدخله برجله، واشتغل بما هو فيه من أمر السفر، فشرع السلطان فى غيبته فى تحسين القصر المذكور. وكان سبب عمارة بشتك لهذا القصر أنّ الأمير قوصون لمّا أخذ قصر بيسرى وجدّده أحبّ الأمير بشتك أن يعمل له قصرا تجاه قصر «٤» بيسرى ببين القصرين، فدلّ على دار الأمير بكتاش الفخرى أمير سلاح. وكانت «٥» أحد قصور الخلفاء
стр. 2946
الفاطميين التى اشتراها من ذريتهم وأنشأ بها الفخرى دورا وإسطبلات، وأبقى ما كان بها من المساجد، فشاور بشتك السلطان على أخذها فرسم له بذلك، فأخذها من أولاد بكتاش وأرضاهم وأنعم عليهم، وأنعم السلطان عليه بأرض كانت داخلها برسم الفراشخاناه «١» السلطانية. ثم أخذ بشتك دار أقطوان الساقى بجوارها، وهدم الجميع وأنشأه قصرا مطلّا على الطريق وارتفاعه أربعون ذراعا، وأجرى إليه الماء ينزل إلى شاذروان «٢» إلى بركة به. وأخرب فى عمله أحد عشر مسجدا وأربعة معابد أدخلها فيه، فلم يجدّد منها سوى مسجد «٣» رفعه وعمله معلّقا «٤» على الشارع.
стр. 2947
وفى هذه الأيام ورد الخبر على السلطان من بلاد الصعيد بموت الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان بقوص فى مستهلّ شعبان، وأنّه قد عهد إلى ولده أحمد بشهادة أربعين عدلا، وأثبت قاضى قوص ذلك، فلم يمض السلطان عهده، وطلب إبراهيم بن محمد المستمسك ابن أحمد الحاكم بأمر الله فى يوم الاثنين ثالث [عشر «١» ] شهر رمضان، واجتمع القضاة بدار العدل على العادة، فعرّفهم السلطان بما أراد من إقامة إبراهيم فى الخلافة وأمرهم بمبايعته، فأجابوا بعدم أهليّته، وأنّ المستكفى عهد إلى ولده، واحتجّوا بما حكم به قاضى قوص، فكتب السلطان بقدوم أحمد المذكور. وأقام الخطباء بالقاهرة ومصر نحو أربعة أشهر لا يذكرون فى خطبتهم الخليفة. فلمّا قدم أحمد المذكور من قوص لم يمض السلطان عهده وطلب إبراهيم وعرّفه قبح سيرته فأظهر التّوبة منها، والتزم سلوك طريق الخير، فاستدعى السلطان القضاة وعرّفهم أنه قد أقام إبراهيم فى الخلافة، فأخذ قاضى القضاة عز الدين [عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله «٢» ] بن جماعة يعرّف السلطان عدم أهليّته، فلم يلتفت السلطان اليه، وقال: إنّه قد ثاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ فبايعوه ولقّب بالواثق، وكانت العامة تسمّيه المستعطى، فإنه كان يستغطى من الناس ما ينفقه.
ثمّ وصل الأمير تنكز إلى الديار المصرية فى يوم الثلاثاء ثامن «٣» المحرّم سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وهو متضعّف صحبة الأمير بيبرس السّلاح دار، وأنزل بالقلعة فى مكان ضيّق، وقصد السلطان ضربه بالمقارع، فقام الأمير قوصون فى شفاعته حتّى أجيب إلى ذلك. ثم بعث السلطان إليه يهدّده حتّى يعترف بما له
стр. 2948
من المال ويذكر له من كان موافقا له من الأمراء على العصيان، فأجاب بأنّه لا مال له سوى ثلاثين ألف دينار وديعة عنده لأيتام بكتمر الساقى، وأنكر أن يكون خرج عن الطاعة، فأمر به السلطان فى اللّيل فأخرج مع المقدّم ابن صابر وأمير جاندار فى حرّاقة إلى الإسكندرية، فقتله بها المقدّم ابن صابر فى يوم الثلاثاء نصف المحرّم من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وتأتى بقيّة أحواله. ثم لمّا وصل الأمير بشتك إلى دمشق قبض على الأمير صاروجا «١» والجيبغا «٢» [بن عبد الله «٣» ] العادلى وسلّما إلى الأمير برسبغا فعاقبهما أشدّ عقوبة على المال، وأوقع الحوطة على موجودهما. ثم وسّط بشتك جنغاى وطغاى مملوكى تنكز وخواصّه بسوق خيل دمشق، وكان جنغاى المذكور يضاهى أستاذه تنكز فى موكبه وبركه، ثمّ أكحل صاروجا وتتبّع أموال تنكز فوجد له ما يجلّ وصفه، وعملت لبيع حواصله عدّة حلق، وتولّى البيع فيها الأمير ألطنبغا الصالحىّ نائب دمشق والأمير أرقطاى وهما أعدى عدوّ لتنكز. وكان تنكز أميرا جليلا محترما مهابا عفيفا عن أموال الرعيّة حسن المباشرة والطريقة، إلّا أنّه كان صعب المراس ذا سطوة عظيمة وحرمة وافرة على الأعيان من أرباب الدولة، متواضعا للفقراء وأهل الخير، وأوقف عدّة أوقاف على وجوه البرّ والصدقة.
وقال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ: جلب تنكز إلى مصر وهو حدث فنشأ بها، وكان أبيض إلى السّمرة أقرب، رشيق القدّ مليح الشعر خفيف اللّحية قليل الشيب حسن الشكل ظريفه. جلبه الخواجا علاء الدين السّيواسىّ فاشتراه الأمير
стр. 2949
لاچين، فلمّا قتل لاچين فى سلطنته صار من خاصّكيّة الملك الناصر وشهد معه وقعة وادى الخازندار ثم وقعة شقحب.
قلت: ولهذا كان يعرف تنكز بالحسامىّ.
قال: وسمع تنكز صحيح البخارى غير مرّة من ابن الشّحنة «١» وسمع كتاب [معانى «٢» ] الآثار للطّحاوىّ، وصحيح مسلم، وسمع من عيسى «٣» المطعّم وأبى بكر «٤» بن عبد الدائم، وحدّث «٥» وقرأ عليه بعض المحدّثين ثلاثّيات البخارى بالمدينة النبويّة. قال: وكان الملك الناصر أمّره إمرة عشرة قبل توجّهه إلى الكرك، ثم ساق توجّهه مع الملك الناصر إلى الكرك وخروجه من الكرك إلى مصر وغيرهما إلى أن قال: وولاه السلطان نيابة دمشق فى سنة اثنتي عشرة وسبعمائة فأقام بدمشق نائبا ثمانيا وعشرين سنة، وهو الذي عمّر بلاد دمشق ومهّد نواحيها، وأقام شعائر المساجد بها بعد التتار.
قلت: وأمّا ما ظهر له من الأموال وجد له من التّحف السنيّة ومن الأقمشة مائتا منديل زركش. وأربعمائة حياصة ذهب. وستمائة كلفتاه زركش. ومائة حياصة ذهب مرصّعة بالجوهر. وثمان وستون بقجة بدلات ثياب زركش. وألفا ثوب
стр. 2950
أطلس. ومائتا تخفيفة زركش. وذهب مختوم أربعمائة ألف دينار مصرية. ووجد له من الخيل والهجن والجمال البخاتىّ وغيرها نحو أربعة آلاف ومائتى رأس؛ وذلك غير ما أخذه الأمراء ومماليكهم، فإنهم كانوا ينهبون ما يخرج به نهبا. ووجد له من الثياب الصوف ومن النّصافى «١» ما لا ينحصر. وظفر الأمير بشتك بجوهر له ثمين اختصّ به. وحملت حرمه وأولاده إلى مصر صحبة الأمير بيغرا، بعد ما أخذ لهم من الجوهر واللؤلؤ والزّركش شىء كثير.
وأمّا أملاكه التى أنشأها فشىء كثير. وقال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدىّ فى تاريخه- وهو معاصره- قال: ورد مرسوم شريف إلى دمشق بتقويم أملاك تنكز فعمل ذلك بالعدول وأرباب الخبرة وشهود القيمة، وحضرت بذلك محاضر إلى ديوان الإنشاء لتجهّز إلى السلطان، فنقلت منها ما صورته:
«دار الذهب بمجموعها وإسطبلاتها ستمائة ألف درهم. دار الزّمرّد مائتا ألف وسبعون ألف درهم. دار الزّردكاش [وما معها «٢» ] مائتا ألف وعشرون ألف درهم.
الدار التى بجوار جامعه «٣» بدمشق مائة ألف درهم. الحمّام التى بجوار جامعه مائة ألف درهم.
خان العرصة مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم. إسطبل حكر السماق عشرون ألف درهم. الطبقة التى بجوار حمّام ابن يمن أربعة آلاف وخمسمائة درهم. قيسارية المرحّلين «٤» مائتا ألف وخمسون ألف درهم. الفرن والحوض بالقنوات من غير أرض عشرة آلاف درهم. حوانيت التعديل ثمانية «٥» آلاف درهم. الأهراء من
стр. 2951
إسطبل بهادر ص عشرون «١» ألف درهم. خان البيض وحوانيته مائة ألف وعشرة آلاف درهم. حوانيت باب الفرج خمسة وأربعون ألف درهم. حمّام القابون عشرة «٢» آلاف درهم. حمّام العمرىّ ستة آلاف درهم. الدهشة «٣» والحمّام مائتا ألف وخمسون ألف درهم. بستان العادل مائة ألف وثلاثون «٤» ألف درهم. بستان النّجيبىّ والحمّام والفرن مائة ألف درهم وثلاثون ألف درهم. [بستان «٥» الحلبى بحرستا «٦» أربعون ألف درهم] . الحدائق بها مائة ألف وخمسة «٧» وستون ألف درهم. بستان القوصىّ «٨» بها ستون ألف درهم. بستان الدردوزية «٩» خمسون ألف درهم. الجنينة المعروفة بالحمّام سبعة آلاف درهم. بستان الرزاز «١٠» خمسة وثمانون «١١» ألف درهم. الجنينة وبستان غيث ثمانية «١٢» آلاف درهم. المزرعة المعروفة بتهامة بها (يعنى دمشق) ستون ألف درهم. مزرعة الركن النوبىّ «١٣» والعبرى مائة ألف درهم. الحصّة بالدفوف القبلية بكفر بطنا «١٤» ، ثلثاها ثلاثون ألف درهم. بستان السفلاطونى «١٥» خمسة وسبعون ألف درهم. الفاتكيات والرشيدى والكروم بزملكا «١٦» مائة ألف درهم وثمانون ألف
стр. 2952
درهم. مزرعة «١» المربع بقابون «٢» مائة ألف وعشرة آلاف درهم. الحصّة من غراس غيضة «٣» الأعجام عشرون ألف درهم. نصف الضيعة «٤» المعروفة بزرنية «٥» خمسة آلاف درهم. غراس قائم فى جوار دار الجالق ألفا درهم. النصف من خراج «٦» الهامة ثلاثون ألف درهم. الحوانيت التى قبالة الحمّام «٧» مائة ألف درهم. بيدر تبدين «٨» ثلاثة وأربعون ألف درهم. الإصطبلات التى عند الجامع ثلاثون ألف درهم.
أرض خارج باب الفرج ستة عشر ألف درهم. القصر وما معه خمسمائة ألف درهم وخمسون ألف درهم. ربع ضيعة القصرين «٩» ثمانية «١٠» وعشرون ألف درهم. نصف بوّابة مائة وثمانون ألف درهم. العلانية بعيون الفارسنا «١١» ثمانون ألف درهم. حصّة دير ابن عصرون خمسة وسبعون ألف درهم. حصّة دويرة الكسوة «١٢» ألف وخمسمائة درهم. الدّير الأبيض خمسون ألف درهم. العديل «١٣» مائة ألف وثلاثون ألف درهم.
حوانيت أيضا داخل باب الفرج أربعون ألف درهم. التنورية اثنان وعشرون ألف درهم.
стр. 2953
الأملاك التى له بحمص: الحمّام خمسة وعشرون ألف درهم. الحوانيت سبعة آلاف درهم. السريع «١» ستون ألف درهم. الطاحون الراكبة على العاصى ثلاثون ألف درهم. دور قبحق «٢» خمسة وعشرون ألف درهم. الخان مائة ألف درهم.
الحمّام الملاصقة للخان ستون ألف درهم. الحوش الملاصق له ألف «٣» وخمسمائة درهم.
المناح ثلاثة آلاف درهم. الحوش الملاصق للخندق ثلاثة آلاف درهم. حوانيت العريضة «٤» ثلاثة آلاف درهم. الأراضى المحتكرة سبعة آلاف درهم.
والتى فى بيروت: الخان مائة وخمسة وثلاثون ألف درهم. الحوانيت والفرن مائة وعشرون ألف درهم. المصبنة «٥» بآلاتها عشرة آلاف درهم. الحمّام عشرون ألف درهم. المسلخ عشرة آلاف درهم. الطاحون خمسة آلاف درهم. قرية زلايا «٦» خمسة وأربعون ألف درهم.
القرى التى بالبقاع: مرج الصفا سبعون «٧» ألف درهم. التلّ الأخضر مائة ألف وثمانون ألف درهم. المباركة خمسة وسبعون ألف درهم. المسعودية «٨» مائة «٩» ألف درهم.
الضّياع [الثلاث «١٠» ] المعروفة بالجوهرى أربعمائة ألف وسبعون ألف درهم.
السعادة أربعمائة ألف درهم. أبروطيا ستون ألف درهم. نصف بيرود «١١» والصالحية
стр. 2954
والحوانيت أربعمائة ألف درهم. المباركة والناصرية مائة ألف درهم. رأس «١» الماء سبعة وخمسون ألف درهم. حصّة من خربة روق «٢» اثنان وعشرون ألف درهم.
رأس الماء والدلى بمزارعها خمسمائة «٣» ألف درهم. حمام صرخد خمسة «٤» وسبعون ألف درهم. طاحون الغور «٥» ثلاثون ألف درهم. السالمية ثلاثة «٦» آلاف درهم.
الأملاك بقارا «٧» : الحمام خمسة وعشرون ألف درهم. الهرى «٨» ستمائة ألف درهم.
الصالحية والطاحون والأراضى مائتا «٩» ألف درهم وخمسة وعشرون ألف درهم.
راسليها «١٠» ومزارعها مائة وخمسة وعشرون ألف درهم. القضيبة «١١» أربعون ألف درهم.
القريتان المعروفة إحداهما بالمزرعة، والأخرى بالبينسية «١٢» تسعون ألف درهم؛ هذا جميعه خارج عما له من الأملاك على وجوه البر والأوقاف فى صفد وعجلون والقدس ونابلس والرملة «١٣» والديار المصرية. وعمّر بصفد بيمارستانا مليحا. وعمّر بالقدس رباطا وحمامين وقياسر. وله بجلجولية «١٤» خان مليح، وله بالقاهرة دار «١٥» عظيمة بالكافورى» .
стр. 2955
قلت: هى دار عبد الباسط بن خليل الآن. وحمّام وغير ذلك من الأملاك.
انتهى كلام الشيخ صلاح الدين باختصار.
قلت: وكان لتغيّر السلطان الملك الناصر على تنكز هذا أسباب، منها: أنه كتب يستأذنه فى سفره إلى ناحية جعبر «١» فمنعه السلطان من ذلك لما بتلك البلاد من الغلاء، فألحّ فى الطلب، والجواب يرد عليه [بمنعه «٢» ] حتى حنق تنكز وقال: والله لقد تغيّر عقل أستاذنا وصار يسمع من الصبيان الذين حوله، والله لو سمع منى لكنت أشرت عليه بأن يقيم أحدا من أولاده فى السلطنة وأقوم أنا بتدبير ملكه، ويبقى هو مستريحا، فكتب بذلك جركتمر إلى السلطان، وكان السلطان يتخيّل بدون هذا فأثّر «٣» هذا فى نفسه، ثم اتفق أن أرتنا «٤» نائب بلاد الروم بعث رسولا إلى السلطان بكتابه، ولم يكتب معه كتابا لتنكز، فحنق تنكز لعدم مكاتبته وردّ رسوله من دمشق، فكتب أرتنا يعرّف السلطان بذلك، وسأل ألّا يطّلع تنكز على ما بينه وبين السلطان. ورماه بأمور أوجبت شدّة تغيّر السلطان على تنكز، ثم اتفق أيضا غضب تنكز على جماعة من مماليكه، فضربهم وسجنهم بالكرك [والشّوبك «٥» ] فكتب منهم جوبان وكان أكبر مماليكه إلى الأمير قوصون يتشفع به فى الإفراج عنهم من سجن الكرك، فكلّم قوصون السلطان فى ذلك فكتب السلطان إلى تنكز يشفع فى جوبان فلم يجب عن أمره بشىء، فكتب إليه ثانيا وثالثا فلم يجبه، فاشتدّ غضب السلطان حتّى قال للأمراء: ما تقولون فى هذا الرجل؟ هو يشفع عندى فى قاتل أخى فقبلت شفاعته،
стр. 2956
وأخرجته من السجن وسيّرته إليه يعنى (طشتمر أخا بتخاص) ، وأنا أشفع فى مملوكه ما يقبل شفاعتى! وكتب السلطان لنائب الشّوبك بالإفراج عن جوبان المذكور فأفرج عنه فكان هذا وما أشبهه الذي غيّر خاطر السلطان الملك الناصر على مملوكه تنكز. انتهى.
ثم اشتغل السلطان بموت أعزّ أولاده الأمير آنوك فى يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع الآخر بعد مرض طويل، ودفن بتربة «١» الناصرية ببين القصرين، وكان لموته يوم مهول، نزل فى جنازتة جميع الأمراء، وفعلت والدته خوند طغاى خيرات كثيرة وباعت ثيابه وتصدّقت بجميع ما تحصّل منها.
ثم إنّ السلطان ركب فى هذه السنة، وهى سنة إحدى وأربعين إلى بركة «٢» الحبش خارج القاهرة، وصحبته عدّة من المهندسين وأمر أن يحفر خليج «٣» من البحر إلى حائط «٤» الرّصد، ويحفر فى وسط الشرف المعروف بالرصد عشر آبار،
стр. 2957
كلّ بئر نحو أربعين ذراعا تركّب عليها السواقى، حتى يجرى الماء من النيل إلى القناطر التى تحمل الماء إلى القلعة ليكثر بها الماء، وأقام الأمير آقبغا عبد الواحد على هذا العمل، فشقّ الخليج من بحرى رباط «١» الآثار ومرّوا به فى وسط بستان «٢» الصاحب تاج الدين ابن حنّا المعروف بالمعشوق، وهدمت عدّة بيوت كانت هناك، وجعل عمق الخليج أربع قصبات، وجمعت عدّة من الحجّارين للعمل، وكان مهمّا عظيما. ثم أمر السلطان بتجديد جامع «٣» راشدة فجدّد وكان قد تهدّم غالب جدره.
ثم ابتدأ توعّك السلطان ومرص مرض موته، فلمّا كان يوم الأربعاء سادس ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة قوى عليه الإسهال، ومنع الأمراء من الدخول عليه فكانوا إذا طلعوا إلى الخدمة خرج إليهم السلام مع أمير چاندار عن
стр. 2958
السلطان فانصرفوا. وقد كثر الكلام، ثم فى يوم الجمعة ثامنه «١» خفّ عن السلطان الإسهال، فجلس للخدمة وطلع الأمراء إلى الخدمة ووجه السلطان متغيّر، فلما انقضت الخدمة نودى بزينة القاهرة ومصر، وجمعت أصحاب الملاهى بالقلعة وجمع الخبز الذي بالأسواق وعمل ألف قميص وتصدّق بذلك كلّه مع جملة من المال، وقام الأمراء بعمل الولائم والأفراح سرورا بعافية السلطان، وعمل الأمير ملكتمر الحجازىّ الناصرىّ نفطا كثيرا بسوق الخيل تحت القلعة والسلطان ينظره، واجتمع [الناس «٢» ] لرؤيته من كلّ جهة وقدمت عربان الشرقية بخيولها وقبابها المحمولة على الجمال ولعبوا بالرماح تحت القلعة، وخرجت الركابة والكلابزيّة وطائفة الحجارين والعتّالين إلى سوق الخيل للعب واللهو، وداروا [على «٣» ] بيوت الأمراء وأخذوا الخلع منهم، وكذلك الطبلكية «٤» فحصل لهم شىء كثير جدّا، بحيث جاء نصيب مهتار الطبلخاناه «٥» ثمانين ألف درهم. ولما كان ليلة العيد وهى ليلة الأحد عاشر ذى الحجة، وأصبح نهار الأحد اجتمع الأمراء بالقلعة وجلسوا ينتظرون السلطان حتى يخرج لصلاة العيد، وقد أجمع رأى السلطان على عدم صلاة العيد لعود الإسهال عليه، فإنه كان انتكس فى الليلة المذكورة، فما زال به الأمير قوصون والأمير بشتك حتى ركب ونزل إلى الميدان، وأمر قاضى القضاة عز الدين [عبد العزيز «٦» ] ابن جماعة أن يوجز فى خطبته، فعند ما صلّى السلطان وجلس لسماع الخطبة محرّك باطنه، فقام وركب وطلع إلى القصر وأقام يومه به، وبينا هو فى ذلك قدم الخبر من حلب بصحّة صلح الشيخ حسن صاحب العراق مع أولاد صاحب الروم، فانزعج السلطان لذلك انزعاجا شديدا واضطرب مزاجه فحصل له إسهال دموىّ،
стр. 2959
وأصبح يوم الاثنين وقد امتنع الناس من الاجتماع به، فأشاع الأمير قوصون والأمير بشتك أنّ السلطان قد أعفى أجناد الحلقة من التجريد إلى تبريز ونودى بذلك، وفرح الناس بذلك فرحا زائدا، إلا أنه انتشر بين الناس أنّ السلطان قد انتكس فساءهم ذلك.
ثم أخذ الأمراء فى إنزال حرمهم وأموالهم من القلعة [حيث سكنهم «١» ] إلى القاهرة، فارتجّت القاهرة ومادت بأهلها واستعدّ الأمراء لا سيما قوصون وبشتك، فإن كلّا منهما احترز من الآخر وجمع عليه أصحابه. وأكثروا من شراء الأزيار والدّنان وملئوها ماء، وأخرجوا القرب والرّوايا والأحواض وحملوا إليهم «٢» البقسماط «٣» والرقاق والدقيق والقمح والشعير خوفا من وقوع الفتنة، ومحاصرة القلعة، فكان يوما مهولا، ركب فيه الأوجاقية وهجموا الطواحين لأخذ الدقيق ونهبوا الحوانيت التى تحت الفلعة والتى بالصليبة «٤» .
هذا وقد تنكّر ما بين قوصون وبشتك واختلفا حتى كادت الفتنة تقوم بينهما، وبلغ ذلك السلطان فازداد مرضا على مرضه، وكثر تأوّهه وتقلّبه من جنب إلى جنب، وتهوّس بذكر قوصون وبشتك نهاره. ثم استدعى بهما فتناقشا «٥» بين يديه
стр. 2960
فى الكلام فأغمى عليه وقاما من عنده على ما هما عليه، فاجتمع يوم الاثنين ثامن عشره الأمير چنكلى والأمير آل ملك والأمير سنجر الجاولى وبيبرس الأحمدى، وهم أكابر أمراء المشورة فيما يدبرونه، حتى اجتمعوا على أن يبعث كلّ منهم مملوكه إلى قوصون وبشتك ليأخذا لهم الإذن فى الدخول على السلطان، فأخذا لهم الإذن فدخلوا وجلسوا عند السلطان، فقال الجاولى وآل ملك للسلطان كلاما، حاصله أن يعهد بالملك إلى أحد أولاده فأجاب إلى ذلك، وطلب ولده أبا بكر وطلب قوصون وبشتك وأصلح بينهما، ثم جعل ابنه أبا بكر سلطانا بعده وأوصاه بالأمراء وأوصى الأمراء به، وعهد إليهم ألا يخرجوا ابنه أحمد من الكرك، وحذّرهم من إقامته سلطانا. وجعل قوصون وبشتك وصييه، وإليهما تدبير أمر ابنه أبى بكر وحلّفهما، ثم حلّف الأمراء والخاصّكيّة وأكّد على ولده فى الوصية بالأمراء، وأفرج عن الأمراء المسجونين بالشام، وهم: طيبغا حاجى والجيبغا العادلى وصاروجا، ثم قام الأمراء عن السلطان فبات السلطان ليلة الثلاثاء وقد نحلت قوته، وأخذ فى النزع يوم الأربعاء فاشتدّ عليه كرب الموت، حتى فارق الدنيا فى أوّل ليلة الخميس حادى عشرين ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وله من العمر سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام، فإنّ مولده كان فى الساعة السابعة من يوم السبت سادس عشر المحرّم سنة أربع وثمانين وستمائة.
وأمه بنت سكتاى «١» بن قرا لاچين «٢» بن جفتاى «٣» التّتارىّ. وكان قدوم سكتاى مع أخيه قرمچى من بلاد التتار إلى مصر فى سنة خمس وسبعين وستمائة. ثم حمل السلطان
стр. 2961
الملك الناصر ميّتا فى محفّة من القلعة بعد أن رسم بغلق الأسواق، ونزلوا به من وراء السور إلى باب النصر، ومعه من أكابر الأمراء بشتك وملكتمر الحجازىّ وأيدغمش أمير آخور، ودخلوا به من باب النصر إلى المدرسة «١» المنصوريّة ببين القصرين، فغسّل وحنّط وكفّن من البيمارستان «٢» المنصورىّ، وقد اجتمع الفقهاء والقرّاء والأعيان ودام القرّاء على قبره أيّاما.
وأمّا مدّة سلطنته على مصر فقد تقدّم أنّه تسلطن ثلاث مرار، فأوّل سلطنته كانت بعد قتل أخيه الأشرف خليل بن قلاوون فى سنة ثلاث وتسعين وستمائة فى المحرّم، وعمره تسع سنين وخلع بالملك العادل كتبغا المنصورىّ فى المحرّم سنة أربع وتسعين، فكانت سلطنته هذه المرّة دون السنة، ثم توجّه إلى الكرك إلى أن أعيد إلى السلطنة بعد قتل المنصور حسام الدّين لاچين فى سنة ثمان «٣» وتسعين وستمائة، فأقام فى الملك، والأمر إلى سلّار وبيبرس الجاشنكير إلى سنة ثمان وسبعمائة، وخلع نفسه وتوجّه إلى الكرك وتسلطن بيبرس الجاشنكير، وكانت مدته فى هذه المرّة الثانية نحو التسع سنين، ثم خلع بيبرس وعاد الملك الناصر إلى السلطنة ثالث مرّة فى شوّال سنة تسع وسبعمائة، واستبدّ من يوم ذاك بالأمر من غير معارض إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وقد ذكرنا ذلك كلّه فى أصل ترجمته من هذا الكتاب مفصّلا.
فكانت مدّة تحكّمه فى هذه المرّة الثالثة اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وخمسة «٤» وعشرين يوما، وهو أطول ملوك الترك مدّة فى السلطنة، فإنّ أوّل سلطنته من سنة ثلاث
стр. 2962
وتسعين وستمائة إلى أن مات نحوا من ثمان وأربعين سنة، بما فيها من أيام خلعه، ولم يقع ذلك لأحد من ملوك الترك بالديار المصريّة، فهو أطول الملوك زمانا وأعظمهم مهابة وأغزرهم عقلا وأحسنهم سياسة وأكثرهم دهاء وأجودهم تدبيرا وأقواهم بطشا وشجاعة وأحذقهم تنفيذا؛ مرّت به التجارب، وقاسى الخطوب، وباشر الحروب، وتقلّب مع الدهر ألوانا؛ نشأ فى الملك والسعادة، وله فى ذلك الفخر والسّيادة خليقا للملك والسلطنة، فهو سلطان وابن سلطان وأخو سلطان ووالد ثمانى سلاطين من صلبه، والملك فى ذرّيته وأحفاده وعقبه ومماليكه ومماليك مماليكه إلى يومنا هذا، بل إلى أن تنقرض الدولة التركيّة، فهو أجلّ ملوك الترك وأعظمها بلا مدافعة، ومن ولى السلطنة من بعده بالنسبة إليه كآحاد أعيان أمرائه.
وكان متجمّلا يقتنى من كلّ شىء أحسنه. أكثر فى سلطنته من شراء المماليك والجوارى، وطلب التجّار وبذل لهم الأموال، ووصف لهم حلى المماليك والجوارى.
وسيّرهم إلى بلاد أزبك خان وبلاد الجاركس «١» والروم، وكان التاجر إذا أتاه بالجلبة من المماليك بذل له أغلى القيم فيهم، فكان يأخذهم «٢» ويحسن تربيتهم وينعم عليهم بالملابس، الفاخرة والحوائص الذهب والخيول والعطايا حتى يدهشهم، فأكثر التجار من جلب المماليك، وشاع فى الأقطار إحسان السلطان إليهم. فأعطى المغل أولادهم وأقاربهم للتجّار رغبة فى السعادة، فبلغ ثمن المملوك على التاجر أربعين ألف درهم، وهذا المبلغ جملة كثيرة بحساب يومنا هذا. وكان الملك الناصر يدفع للتاجر فى المملوك الواحد مائة ألف درهم وما دونها.
стр. 2963
وكان مشغوفا أيضا بالخيل فجلبت له من البلاد، لا سيّما خيول العرب آل مهنّا وآل فضل، فإنه كان يقدّمها على غيرها، ولهذا كان يكرم العرب ويبذل لهم الرغائب فى خيولهم، فكان إذا سمع العربان بفرس عند بدوىّ أخذوها منه بأغلى القيمة، وأخذوا من السلطان مثلى ما دفعوا فيها. وكان له فى كلّ طائفة من طوائف العرب عين يدلّه على ما عندهم من الخيل من الفرس السابق أو الأصيل، بل ربّما ذكروا له أصل بعضها لعدّة جدود، حتّى يأخذها بأكثر مما كان فى نفس صاحبها من الثمن، فتمكّنت منه بذلك العربان، ونالوا المنزلة العظيمة والسعادات الكثيرة. وكان يكره خيول برقة فلا يأخذ منها إلا ما بلغ الغاية فى الجودة، وما عدا ذلك إذا جلبت إليه فرّقها. وكان له معرفة تامّة بالخيل وأنسابها، ويذكر من أحضرها له فى وقتها، وكان إذا استدعى بفرس يقول لأمير آخور: الفرس الفلانية التى أحضرها فلان واشتريتها منه بكذا وكذا. وكان إذا جاءه شىء منها عرضها وقلّبها بنفسه، فإن أعجبته دفع فيها من العشرة آلاف إلى أن اشترى بنت الكرماء بمائتى «١» ألف درهم، وهذا شىء لم يقع لأحد من قبله ولا من بعده، فإنّ المائتى ألف درهم كانت يوم ذاك بعشرة آلاف دينار. وأمّا ما اشتراه بمائة ألف وسبعين ألفا وستين ألفا وما دونها فكثير. وأقطع آل مهنّا وآل فضل بسبب ذلك عدّة إقطاعات، فكان أحدهم إذا أراد من السلطان شيئا قدم عليه فى معنى أنه يدلّه على فرس عند فلان ويعظّم أمره، فيكتب من فوره بطلب تلك الفرس فيشتدّ صاحبها ويمتنع [من قودها «٢» ] ثم يقترح ما شاء، ولا يزال حتى يبلغ غرضه من السلطان فى ثمن فرسه.
стр. 2964
وهو أوّل من اتّخذ من ملوك مصر ديوانا للإسطبل السلطانىّ وعمل له ناظرا وشهودا وكتّابا لضبط أسماء الخيل، وأوقات ورودها وأسماء أربابها، ومبلغ أثمانها ومعرفة سوّاسها وغير ذلك من أحوالها، وكان لا يزال يتفقّد الخيول، فإذا أصيب منها فرس أو كبر سنّه بعث به مع أحد الأوجاقية الى الجشّار «١» بعد ما يحمل عليها حصانا يختاره، ويأمر بضبط تاريخه، فتوالدت عنده خيول كثيرة، حتى أعنته عن جلب ما سواها. ومع هذا كان يرغب فى الفرس المجلوب إليه أكثر ممّا توالد عنده، فعظم العرب فى أيامه لجلب الخيل وشمل الغنى عامّتهم، وكانوا إذا دخلوا إلى مشاتيهم أو إلى مصايفهم يخرجون بالحلى والحلل والأموال الكثيرة، ولبسوا فى أيامه الحرير الأطلس المعدنىّ بالطّرز الزّركش والشاشات المرقومة، ولبسوا الخلع البابلىّ والإسكندرىّ المطرّز بالذهب، وصاغ السلطان لنسائهم الأطواق الذهب المرصّع وعمل لهم العناتر «٢» بالأكر الذهب والأساور المرصّعة بالجوهر واللؤلؤ، وبعث لهنّ بالقماش السكندرى وعمل لهنّ البراقع الزّركش، ولم يكن لبسهم قبل ذلك إلا الخشن من الثياب على عادة العرب. وأجلّ ما لبس مهنّا أميرهم أيام الملك المنصور لاچين طرد وحش، لمودّة كانت بين لاچين وبين مهنّا بن عيسى، فأنكر الأمراء ذلك على الملك المنصور لاچين فاعتذر لهم بتقدّم صحبته له وأياديه عنده، وأنه أراد أن يكافئه على ذلك.
وكان الملك الناصر فى جشاره «٣» ثلاثة آلاف فرس، يعرض فى كلّ سنة نتاجها عليه فيسلّمها للرّكّابين من العربان [لرياضتها «٤» ] ثم يفرّق أكثرها على الأمراء
стр. 2965
الخاصّكيّة، ويفرح بذلك ويقول: هذه فلانة بنت فلانة أو فلان بن فلان، عمرها كذا، وشراء أمّها بكذا وشراء أبيها بكذا.
وكان يرسم للأمراء فى كلّ سنة أن يضمّروا الخيول، ويرتّب على كل أمير من أمراء الألوف أربعة أرؤس يضمّرها. ثم يرسم لأمير آخور أن يضمّر خيلا من غير أن يفهم الأمراء أنّها للسلطان، بل يشيع أنّها له، ويرسلها للسّباق مع خيل الأمراء فى كلّ سنة. وكان للأمير قطلوبغا الفخرىّ حصان أدهم، سبق خيل مصر كلّها ثلاث سنين متوالية، فأرسل السلطان إلى مهنّا وأولاده أن يحضروا له الخيل للسّباق، فأحضروا له عدّة وضمّروا، فسبقهم حصان الفخرىّ الأدهم.
ثم بعد ذلك ركب السلطان إلى ميدان «١» القبق ظاهر القاهرة فيما بين قلعة الجبل وقبّة النصر، وهو أماكن الترب الآن، وأرسل الخيل للسّبق، وعدّتها دائما فى كلّ سنة ما ينيف على مائة وخمسين فرسا. وكان مهنّا بعث للسلطان حجرة شهباء للسّباق على أنها إن سبقت كانت للسلطان وإن سبقت ردّت إليه بشرط ألّا يركبها للسّباق إلا بدويّها الذي قادها إلى مصر. فلمّا ركب السلطان والأمراء على العادة ووقفوا ومعهم أولاد مهنا [بالميدان «٢» ] وأرسلت الخيول من بركة الحاج كما جرت به العادة، وركب البدوىّ حجرة مهنّا الشهباء عريا بغير سرج، ولبس قميصا ولاطئة «٣» فوق رأسه.
وأقبلت الخيول يتبع بعضها بعضا والشهباء قدّام الجميع، وبعدها على القرب منها حصان الأمير أيدغمشى أمير آخور يعرف بهلال، فلمّا وقف البدوىّ بالشهباء بين يدى السلطان، صاح بصوت ملأ الخافقين: السعادة لك اليوم يا مهنّا، لاشقيت! وألقى بنفسه إلى الأرض من شدّة التعب فقدّمها مهنّا للسلطان، فكان هذا دأب الملك الناصر فى كلّ سنة من هذا الشأن وغيره.
стр. 2966
قلت: وترك الملك الناصر فى جشاره ثلاثة آلاف فرس، وترك بالإسطبلات السلطانية أربعة آلاف فرس وثمانمائة فرس، ما بين حجورة ومهارة وكحولة «١» وأكاديش، وترك من الهجن الأصائل والنّياق نيّفا على خمسة آلاف سوى أتباعها.
وأما الجمال النّفر والبغال فكثير.
وكان الملك الناصر أيضا شغوفا بالصيد، فلم يدع أرضا تعرف بالصيد إلّا وأقام بها صيّادين مقيمين بالبريّة أوان الصيد، وجلب طيور الجوارح من الصّقورة والشواهين والسّناقر والبزاة، حتى كثرت السناقر فى أيامه. وصار كلّ أمير عنده منها عشرة سناقر وأقلّ وأكثر. وجعل [له «٢» ] البازداريّة «٣» والحونداريّة «٤» وحرّاس الطير، وما هو موجود بعضه الآن، وأقطعهم الإقطاعات الجليلة، وأجرى لهم الرواتب من اللّحم والعليق والكساوى وغير ذلك، ولم يكن ذلك قبله لملك، فترك بعد موته مائة وعشرين سنقرا، ولم يعهد بمثل هذا لملك قبله، بل كان لوالده الملك المنصور قلاوون سنقر واحد، وكان المنصور إذا ركب فى المركب للصيد كان بازداره أيضا راكبا والسنقر على يده. وترك الملك الناصر من الصّقورة والشواهين ونحوها مالا ينحصر كثرة. وترك ثمانين جوقة كلاب بكلا بزيّتها، وكان أخلى لها موضعا بالجبل.
وعنى أيضا بجمع الأغنام وأقام لها خولة، وكان يبعث فى كلّ سنة الأمير آقبغا عبد الواحد فى عدّة من المماليك لكشفها، فيكشف المراحات من قوص إلى الجيزة،
стр. 2967
ويأخذ منها ما يختاره من الأغنام، وجرّده مرّة إلى عيذاب «١» والنّوبة لجلب الأغنام.
ثم عمل لها حوشا بقلعة الجبل؛ وقد ذكرنا ذلك فى وقته، وأقام لها خولة نصارى من الأسرى.
وعنى أيضا بالإوزّ وأقام لها عدّة من الخدّام وجعل لها جانبا بحوش الغنم.
ولما مات ترك ثلاثين ألف رأس من الغنم سوى أتباعها، فاقتدى به الأمراء وصارت لهم الأغنام العظيمة فى غالب أرض مصر. وكان كثير العناية بأرباب وظائفه وحواشيه من أمراء آخوريّة والأوجاقية وغلمان الإسطبل والبازدارية والفرّاشين والخولة والطبّاخين. فكان إذا جاء أوان تفرقة الخيول على الأمراء بعث إلى الأمير بما جرت به عادته مما رتبه له فى كلّ سنة مع أمير اخور وأوجاقى وسايس وركبدار، ويترقّب عودهم حتى يعرف ما أنعم به ذلك الأمير عليهم، فإن شحّ الأمير فى عطاياتهم تنكّر عليه وبكّته بين الأمراء ووبّخه، وكان قرّر أن يكون الأمير آخور بينهم بقسمين ومن عداه بقسم واحد. وكان أيضا إذا بعث لأمير بطير مع أمير شكار أو واحد من البازداريّة يحتاج الأمير أن يلبسه خلعة كاملة بحياصة ذهب وكلفتاه زركش، فيعود بها ويقبّل الأرض بين يديه فيستدنيه ويفتّش خلعته.
وكانت عادته أن يبعث فى يوم النحر أغنام الضحايا مع الأبقار والنّوق إلى الأمراء، فبعث مرّة مع بعض خولة النصارى إلى الأمير يلبغا «٢» حارس طيره ثلاثة كباش فأعطاه عشرة «٣» دراهم فلوسا وعاد إلى السلطان، فقال له: وأين خلعتك؟ فطرح الفلوس بين يديه وعرّفه بقدرها، فغضب وأمر بعض الخدّام أن يسير بالخولىّ إلى عنده ويوبّخه ويأمره أن يلبسه خلعة طرد وحش. وكانت حرمته ومهابته وافرة قد
стр. 2968
تجاوزت الحدّ، حتّى إنّ الأمراء كانوا إذا وقفوا بالخدمة لا يجسر أحد منهم أن يتحدّث مع رفيقه، ولا يلتفت نحوه خوفا من مراقبة السلطان لهم، وكان لا يجسر أحد أن يجتمع مع خشداشه فى نزهة ولا غيرها. وكان له المواقف المشهودة، منها:
لمّا لقى غازان على فرسخ من حمص «١» ، وقد تقدّم ذكر ذلك. ثم كانت له الوقعة العظيمة مع التتار أيضا بشقحب «٢» ، وأعزّ الله تعالى فيها الإسلام وأهله؛ ودخلت عساكره بلاد سيس «٣» ، وقرّر على أهلها الخراج أربعمائة ألف درهم فى السنة بعد ما غزاها ثلاث مرار. وغزا ملطية «٤» وأخذها وجعل عليها الخراج، ومنعوه مرّة فبعث العساكر إليها حتى أطاعوه. وأخذ مدينة آياس «٥» وخرّب البرج الأطلس وسبعة حصون وأقطع أراضيها للأمراء والأجناد. وأخذ جزيرة أرواد «٦» من الفرنج. وغزا بلاد اليمن وبلاد عانة «٧» وحديثة «٨» فى طلب مهنّا. وجرّد إلى مكّة والمدينة العساكر لتمهيدها «٩» غير مرّة، ومنع أهلها من حمل السلاح بها. وعمّر قلعة جعبر «١٠» بعد خرابها، وأجرى
стр. 2969
نهر حلب إلى المدينة. وخطب له بماردين «١» وجبال الأكراد وحصن «٢» كيفا وبغداد وغيرها من بلاد الشرق، وهو بكرسىّ مصر. وأتته هدية ملوك الغرب والهند والصين والحبشة والتّكرور «٣» والروم والفرنج والتّرك.
وكان، ﵀، على غاية من الحشمة والرياسة وسياسة الأمور، فلم يضبط عليه أحد أنّه أطلق لسانه بكلام فاحش فى شدّة غضبه ولا فى انبساطه، مع عظيم ملكه وطول مدّته فى السلطنة وكثرة حواشيه وخدمه. وكان يدعو الأمراء والأعيان وأرباب الوظائف بأحسن أسمائهم وأجلّ ألقابهم، وكان إذا غضب على أحد لا يظهر له ذلك، وكان مع هذه الشهامة وحبّ التجمّل مقتصدا فى ملبسه، يلبس كثيرا «٤» البعلبكىّ والنّصافى المتوسط، ويعمل حياصته فضة نحو مائة درهم بغير ذهب ولا جوهر. ويركب بسرج مسقّط بفضة التى زنتها دون المائة درهم، وعباءة فرسه إمّا تدمرىّ أو شامىّ، ليس فيها حرير.
وكان مفرط الذكاء، يعرف جميع مماليك أبيه وأولادهم بأسمائهم، ويعرّف بهم الأمراء خشداشيتهم فيتعجبون الأمراء من ذلك، وكذلك مماليكه لا يغيب عنه اسم واحد منهم ولا وظيفته عنده، ولا مبلغ جامكيّته، هذا مع كثرتهم. وكان أيضا يعرف غلمانه وحاشيته على كثرة عددهم، ولا يفوته معرفة أحد من الكتّاب، فكان إذا أراد أن يولّى أحدا مكانا أو يرتّبه فى وظيفة استدعى جميع الكتّاب بين يديه
стр. 2970
واختار منهم واحدا أو أكثر من واحد من غير أن يراجع فيهم، ثم يقيمه فيما يريد من الوظائف. وكان إذا تغيّر على أحد من أمرائه أو كتّابه أسرّ ذلك فى نفسه، وتروّى فى ذلك مدة طويلة وهو ينتظر له ذنبا يأخذه به، كما وقع له فى أمر كريم الدين الكبير وأرغون النائب وغيرهم، وهو يتأنّى ولا يعجّل، حتى لا ينسب إلى ظلم، فإنه كان يعظم عليه أن يذكر عنه أنه ظالم أو جائر، أو وقع فى أيامه خراب أو خلل، ويحرص على حسن القالة فيه.
وكان يستبدّ بأمور مملكته وينفرد بالأحكام، حتى إنه أبطل نيابة السلطنة من ديار مصر ليستقلّ هو بأعباء الدولة وحده، وكان يكره أن يقتدى بمن تقدّمه من الملوك، فمن أنشأه «١» من الملوك كائنا من كان، ولا يدخلهم المشورة حتى ولا بكتمر الساقى ولا قوصون ولا بشتك وغيرهم، بل كان لا يقتدى إلّا بالقدماء من الأمراء.
وكان يكره شرب الخمر ويعاقب عليه ويبعد من يشربه من الأمراء عنه.
وكان فى الجود والكرم والإفضال غاية لا تدرك خارجة عن الحدّ، وهب فى يوم واحد ما يزيد على مائة ألف دينار ذهبا، وأعطى فى يوم واحد لأربعة من مماليكه وهم الأمير ألطنبغا الماردانىّ ويلبغا اليحياوىّ وملكتمر الحجازىّ وقوصون مائتى ألف دينار، ولم يزل مستمرّ العطاء لخاصّكيّته ومماليكه ما بين عشرة آلاف دينار وأكثر منها وأقلّ، ونحوها من الجوهر واللآلئ. وبذل فى أثمان الخيل والمماليك ما لم يسمع بمثله. وجمع من المال والجوهر والأحجار ما لم يجمعه ملك من ملوك الدولة التركيّة قبله مع فرط كرمه.
стр. 2971
قلت: كلّ ذلك لحسن تدبيره وعظم معرفته، فإنّه كان يدرى مواطن استجناء المال فيستجنيه منها، ويعرف كيف يصرفه فى محلّه وأغراضه فيصرفه. ولم يشهر عنه أنه ولى قاض فى أيامه برشوة، ولا محتسب ولا وال، بل كان هو يبذل لهم الأموال ويحرّضهم على عمل الحق، وتعظيم الشرع الشريف، وهذا بخلاف من جاء بعده، فإن غالب ملوك مصر ممن ملك مصر بعده يقتدى بشخص من أرباب وظائفه، فيصير ذلك الرجل هو السلطان حقيقة والسلطان من بعض من يتصرّف بأوامره، وكلّ ذلك لقصر الإدراك وعدم المعرفة، فلذلك يتركون الأموال الجليلة والأسباب التى يحصل منها الألوف المؤلّفة، ويلتفتون إلى هذا النّزر اليسير القبيح الشنيع الذي لا يرتضيه من له أدنى همّة ومروءة، وهو الأخذ من قضاة الشرع عند ولايتهم المناصب وولاة الحسبة والشّرطة، وذلك كلّه وإن تكرر فى السنة فهو شىء قليل جدّا، يتعوّض من أدنى الجهات التى لا يؤبه إليها من أعمال مصر، فلو وقع ذلك لكان أحسن فى حقّ الرعيّة وأبرأ لذمّة السلطان والمسلمين من ولاية قضاة الشرع بالرشوة، وما يقع بسبب ذلك فى الأنكحة والعقود والأحكام وما أشبه ذلك. انتهى.
وكان الملك الناصر يرغب فى أصناف الجوهر، فجلبتها إليه التّجار من الأقطار.
وشغف بالجوارى السّرارى، فحاز منهن كلّ بديعة الجمال، وجهّز له إحدى عشرة ابنة بالجهاز العظيم، فكان أولهنّ «١» جهازا بثمانماثة ألف دينار، [منها «٢» ] قيمة بشخاناه وداير بيت وما يتعلّق به مائة ألف دينار، وبقيّة ذلك ما بين جواهر ولآلئ وأوانى ونحو ذلك، وزوّجهنّ «٣» لمماليكه مثل الأمير قوصون وبشتك وألطنبغا الماردانىّ
стр. 2972
وطغاى تمر وعمر بن أرغون النائب وغيرهم. وجهز جماعة من سراريه وجواريه ومن تحسن بخاطره، كلّ واحدة بقريب ذلك وبمثله وأكثر منه. واستجدّ النساء فى زمانه الطّرحة، كلّ طرحة بعشرة آلاف دينار وما دون ذلك إلى خمسة آلاف دينار، والفرجيّات بمثل ذلك. واستجدّ النساء فى زمانه الخلاخيل الذهب والأطواق المرصعة بالجواهر الثمينة والقباقيب الذهب المرصّعة والأزر الحرير وغير ذلك.
وكان الملك الناصر كثير الدهاء مع ملوك الأطراف يهاديهم ويستجلبهم إلى طاعته بالهدايا والتّحف، حتى يذعنوا له فيستعملهم فى حوائجه ويأخذ بعضهم ببعض، وكان يصل إلى قتل من يريد قتله بالفداويّة «١» لكثرة بذله لهم الأموال. وكان يحبّ العمارة فلم يزل من حين قدم من الكرك إلى أن مات مستمرّ العمارة، فحسب تقدير مصروفه فجاء فى كلّ يوم مدّة هذه السنين ثمانية آلاف درهم، قوّمّ ذلك بطالة على عمل والسفر والحضر والعيد والجمعة. وكان ينفق على العمارة المائة ألف درهم،
стр. 2973
فإذا رأى منها ما لا يعجبه هدمها كلّها وجدّدها على ما يختاره. ولم يكن من قبله من الملوك فى الإنفاق على العمائر كذلك. وقد حكى عن والده الملك المنصور قلاوون أنه أراد أن يبنى مصطبة عليها رفرف تقيه حرّ الشمس إذا جلس عليها، فكتب له الشجاعىّ تقدير مصروفها أربعة آلاف درهم، فتناول المنصور الورقة من يد الشجاعىّ ومزّقها وقال: أقعد فى مقعد بأربعة آلاف درهم، انصبوا لى صيوانا إذا نزلت على المصطبة. ومع هذا كلّه خلّف الملك الناصر فى بيت المال من الذهب والقماش أضعاف ما خلّفه المنصور قلاوون. وكانت المظالم أيام الملك المنصور قلاوون أكثر مما كانت فى أيام الناصر هذا.
قلت: عود وانعطاف إلى ما كنّا فيه من أنّ الأصل فى تدبير الملك وتحصيل الأموال المعرفة والذكاء وجودة التنفيذ. انتهى.
قلت: والملك المنصور قلاوون كان أسمح من الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ وأقلّ ظلما. والحقّ يقال ليس الظاهر والمنصور من خيل هذا الميدان، ولا بينهما وبين الملك الناصر هذا نسبة فى أمر من الأمور. انتهى.
هذا على أن الملك الناصر لمّا عمل الرّوك الناصرىّ أبطل مظالم كثيرة من الضمانات والمكوس وغيرها حسب ما ذكرناه فى وقته، ومع هذا لم يحسن عليه محسن. وكان الملك الناصر واسع النفس على الطعام يعمل فى سماطه فى كلّ يوم الحلاوات والمآكل المفتخرة وأنواع الطير، وبلغ راتب سماطه فى كلّ يوم وراتب مماليكه من اللحم ستة وثلاثين ألف رطل لحم فى اليوم، سوى الدجاج والإوزّ والرّمسان «١» والجدى المشوى والمهارة وأنواع الوحوش كالغزلان والأرانب وغيره.
стр. 2974
واستجدّ فى أيامه عمائر كثيرة منها: حفر خليج الإسكندرية «١» ، حفروه فى مدّة أربعين يوما، عمل فيه نحو المائة ألف رجل من النواحى. واستجدّ عليه عدّة سواقى وبساتين فى أراض كانت سباخا فصارت مزارع قصب سكر وسمسم وغيره. وعمّرت هناك الناصرية «٢» ،
стр. 2975
ونقل إليها المقداد «١» بن شمّاس وأولاده، وعدّة أولاده مائة ولد ذكر.
واستمرّ الماء فى خليج الإسكندرية طول السنة، وفرح الناس بهذا الخليج فرحا زائدا، وعظمت المنافع به. وأنشأ الميدان «٢» تحت قلعة الجبل وأجرى له المياه وغرس فيه النخل والأشجار، ولعب فيه بالكرة فى كلّ يوم ثلاثاء مع الأمراء والخاصّكيّة وأولاد الملوك. وكان الملك الناصر يجيد لعب الكرة إلى الغاية بحيث إنه كان لا يدانيه فيها أحد فى زمانه إلّا إن كان ابن أرغون النائب. ثم عمّر فوق الميدان هذا القصر الأبلق «٣» وأخرب البرج الذي كان عمّره أخوه الأشرف خليل على
стр. 2976
الإسطبل وجعل مكانه القصر المذكور. وعمّر فوقه رفرفا وعمّر بجانبه برجا «١» نقل إليه المماليك، وغيّر باب «٢» النحاس من قلعة الجبل ووسّع دهليزه، وعمّر فى الساحة تجاه الإيوان طباقا»
للأمراء الخاصّكيّة، وغيّر عمارة الإيوان «٤» مرّتين، ثم فى الثالثة أقرّه على ما هو عليه الآن، وحمل إليه العمد الكبار من بلاد الصعيد، فجاء من أعظم المبانى الملوكيّة، ورتّب خدمته بالإيوان بأنواع مهولة عجيبة مزعجة لمن يقدم من رسل الملوك، يطول الشرح فى ذكر ترتيب ذلك. ثم رتّب خدم القصر ومشدّيه، وما كان يفرش فيه من أنواع البسط والستائر، وكيفية حركة أرباب الوظائف فيه.
ثم عمّر بالقلعة أيضا دورا للأمراء الذين زوّجهم لبناته، وأجرى إليها المياه وعمل بها الحمّامات وزاد فى باب القلّة «٥» من القلعة بابا ثانيا. وعمّر جامع «٦» القلعة
стр. 2977
والقاعات «١» السبع التى تشرف على الميدان لأجل سراريه. وعمّر باب «٢» القرافة. وكان غالب عمائره بالحجارة خوفا من الحريق. وعزم على أن يغيّر باب المدرّج «٣» ويعمل له
стр. 2978
دركاه «١» فمات قبل ذلك. وعمّر بالقلعة حوش «٢» الغنم وحوش البقر وحوش المعزى فأوسع فيها نحو خمسين فدانا. وعمّر الخانقاة «٣» بناحية سرياقوس ورتّب فيها مائة صوفىّ لكل منهم الخبز واللحم والطعام والحلوى وسائر ما يحتاج إليه.
قلت: وقد صارت الخانقاة الآن مدينة عظيمة. انتهى.
قال: وعمّر القصور بسرياقوس، وعمل لها بستانا حمل إليه الأشجار من دمشق وغيرها، فصار بها عامّة فواكه الشام. وحفر الخليج «٤» الناصرىّ خارج القاهرة حتى أوصله بسرياقوس، وعمّر على هذا الخليج أيضا عدّة قناطر «٥» ، وصار
стр. 2979
بجانبى هذا الخليج عدّة بساتين وأملاك. وعمّرت به أرض الطبّالة بعد خرابها من أيام العادل كتبغا. وعمّرت جزيرة الفيل، وناحية بولاق بعد ما كانت رمالا، يرمى بها المماليك النّشّاب، وتلعب الأمراء بها الكرة، فصارت كلّها دورا وقصورا وجوامع وأسواقا وبساتين، وبلغت البساتين بجزيرة الفيل فى أيامه مائة وخمسين بستانا بعد ما كانت نحو العشرين بستانا. واتّصنت العمائر من ناحية منية «١» الشّيرج على النيل
стр. 2980
إلى جامع الخطيرىّ إلى حكر «١» ابن الأثير وزريبة «٢» قوصون وإلى منشأة المهرانى «٣» إلى بركة
следующие страницы →