Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وتوفّى الحكيم الأديب البارع شمس الدين محمد بن دانيال [بن يوسف «١» ] الموصلى، صاحب النّكت الغريبة، والنوادر العجيبة، وهو مصنّف «كتاب طيف الخيال «٢» » وكان كثير المجون والدّعابة، وكانت دكّانه داخل باب الفتوح من القاهرة. ومولده بالموصل سنة ستّ وأربعين وستمائة. ومات فى الثامن «٣» والعشرين من جمادى الآخرة.
ومن شعره فى صنعته:
ما عاينت عيناى فى عطلتى ... أقلّ من حظّى ولا بختى
قد بعت عبدى وحصانى وقد ... أصبحت لا فوقى ولا تحتى
وله فى المعنى أيضا:
يا سائلى عن حرفتى فى الورى ... وضيعتى فيهم وإفلاسى
ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس
ومن نوادره الظريفة أنّه كان يلازم خدمة الملك الأشرف خليل بن قلاوون قبل سلطنته فأعطاه الأشرف فرسا ليركبه، فلمّا كان بعد أيّام رآه الأشرف وهو على حمار زمن، فقال له: يا حكيم، ما أعطيناك فرسا لتركبه؟ فقال: نعم يا خوند، بعته وزدت عليه واشتريت هذا الحمار، فضحك الأشرف وأعطاه غيره. وله فى أقطع «٤» .
وأقطع «٥» قلت له ... هل أنت لصّ أوحد
فقال هذى صنعة ... لم يبق لى فيها يد
стр. 3012
وتوفّى الأمير سيف الدين الحاجّ بهادر المنصورىّ نائب طرابلس بها، وفرح «١» الملك الناصر بموته، فإنّه كان من كبار المنصورية.
وتوفّى الأمير جمال الدين آقوش [المنصورىّ «٢» ] الموصلىّ المعروف بقتّال السّبع أمير علم. مات بالديار المصريّة، وكان من أكابر أمرائها فى شهر رجب، ودفن بالقرافة.
وتوفّى الأمير سيف الدين برلغى الأشرفىّ فى ليلة الأربعاء ثانى شهر رجب قتيلا بقلعة الجبل. قيل: إنه منع الطعام والشراب حتّى مات، ودفن بالحسينية خارج باب النصر بجوار تربة «٣» علاء الدين الساقى «٤» الأستادار. وكان برلغى صهر المظفّر بيبرس الجاشنكير زوج ابنته ومن ألزامه. وقد تقدّم ذكره فيما مضى فى أوّل ترجمة الملك الناصر، وفى ترجمة بيبرس أيضا ما فيه كفاية عن ذكره هنا ثانيا.
وتوفّى الأمير سيف الدين قبجق المنصورىّ نائب حلب بها فى جمادى الأولى وحمل إلى حماة، ودفن بتربته التى أنشأها بعد مرض طويل. وقد تقدّم ذكر قبجق فى عدّة مواطن، فإنّه كان ولى نيابة دمشق، وخرج منها فى سلطنة لاچين إلى بلاد التّتار، وأقدم غازان إلى دمشق، ثم عاد إلى طاعة الملك الناصر فى سلطنته الثانية، ثم كان هو القائم فى أمر الملك الناصر لمّا خلع بالجاشنكير حتى ردّه إلى ملكه.
стр. 3013
وتوفّى الأمير الكبير سلّار المنصورىّ نائب السلطنة بديار مصر فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع «١» الآخر. وقد تقدّم ذكره فى أوّل ترجمة الناصر هذه الثالثة، وما وجد له من الأموال وغير ذلك، فلينظر هناك.
وتوفّى الأمير نوغاى بن عبد الله المنصورىّ القبجاقىّ المقدّم ذكره فى ترجمة الملك المظفّر بيبرس لمّا فارقه وتوجّه إلى الكرك إلى عند الملك الناصر محمد. مات بقلعة دمشق محبوسا، ودفن بمقابر الباب الصغير، وكان من الشّجعان، غير أنه كان يحبّ الفتن والحروب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرّر. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثلاث أصابع. وكان الوفاء يوم النّوروز. والله أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١١]
السنة الثانية من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر، وهى سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
فيها توفّى الأمير بكتوت الخازندار، ثم أمير شكار، ثم نائب السلطنة بثغر الإسكندريّة؛ ومات بعد عزله عنها فى ثامن شهر «٢» رجب. وأصله من مماليك بيليك «٣» الخازندار نائب السلطنة بمصر فى الدولة الظاهريّة بيبرس. ثم صار أمير شكار فى أيام كتبغا، ثم ولى الإسكندريّة، وكثر ماله واختصّ عند بيبرس الجاشنكير وسلّار. فلمّا عاد الملك الناصر إلى ملكه حسّن له بكتوت هذا حفر خليج «٤» الإسكندرية ليستمرّ
стр. 3014
الماء فيها صيفا وشتاء، فندب السلطان معه محمد بن كندغدى المعروف بابن الوزيرىّ «١» ، وفرض العمل على سائر الأمراء فأخرج كلّ منهم أستاداره ورجاله، وركب ولاة الأقاليم، ووقع العمل فيه من شهر رجب سنة عشر وسبعمائة، وكان فيه نحو الأربعين ألف رجل تعمل. وكان قياس العمل من فم البحر إلى شنبار «٢» ثمانى آلاف قصبة، ومثلها إلى الإسكندرية. وكان الخليج الأصلىّ من حدّ شنبار «٣» يدخل الماء إليه فجعل فم هذا البحر يرمى إليه، وعمل عمقه ستّ قصبات فى عرض ثمانى قصبات. فلمّا وصل الحفر إلى حدّ الخليج الأوّل حفر بمقدار الخليج المستجدّ وجعلا «٤» بحرا واحدا، وركّب عليه القناطر، ووجد فى الخليج من الرّصاص المبنىّ تحت الصهاريج شىء كثير، فأنعم به على الأمير بكتوت. فلما فرغ ابتنى الناس عليه سواقى واستجدّت عليه قرية عرفت بالناصريّة «٥» ؛ فبلغ ما أنشئ عليه زيادة على مائة ألف فدّان ونحو ستمائة ساقية وأربعين «٦» قرية، وسارت فيه المراكب الكبار، واستغنى أهل التغر عن جرى الماء فى الصهاريج. وعمّر عليه نحو الألف غيط، وعمّرت به عدّة بلاد.
وتحوّلت الناس إلى الأراضى التى عمّرت وسكنوها بعد ما كانت سباخا. فلمّا فرغ ذلك ائتنى بكتوت هذا من ماله جسرا أقام فيه ثلاثة أشهر حتّى بناه رصيفا، وأحدث عليه نحو ثلاثين قنطرة بناها بالحجارة والكلس، وعمل أساسه رصاصا، وأنشأ بجانبه
стр. 3015
خانا وحانوتا، وعمل فيه خفرا «١» وأجرى لهم»
الماء؛ فبلغت النفقة على هذا الجسر ستين ألف دينار. وأعانه على ذلك أنّه هدم قصرا قديما خارج الإسكندريّة وأخذ حجره، ووجد فى أساسه سربا من رصاص مشوا فيه إلى قرب البحر المالح، فحصّل منه جملة عظيمة من الرصّاص. ثم إنه شجر «٣» ما بينه وبين صهره، فسعى به إلى السلطان وأغراه بأمواله وكتب مستوفى الدولة أمين الملك عبد الله بن الغنّام عليه أوراقّا بمبلغ أربعمائة ألف دينار فعزل وطلب إلى القاهرة، فلمّا قرئت عليه الأوراق قال: قبّلوا الأرض بين يدى مولانا السلطان، وعرّفوه عن مملوكه إن كان راضيا عنه فكلّ ما كتب كذب، وإن كان غير راض فكلّ ما كتب صحيح.
وكان قد وعك فى سفره من الإسكندرية فمات بعد ليال فى ثانى عشر شهر «٤» رجب فأخذ له مال عظيم جدّا. وكان من أعيان الأمراء وأجلّهم وكرمائهم وشجعانهم مع الذكاء والعقل والمروءة، وله مسجد «٥» خارج باب زويلة وله أيضا عدة أوقاف على جهات البرّ.
стр. 3016
وتوفّى الشيخ المجوّد المنشئ الفاضل شرف الدين محمد بن شريف بن يوسف الزرعىّ المعروف بابن الوحيد. كان حسن الخطّ فاضلا مقداما شجاعا يعرف عدّة علوم وألسن وخدم عند جماعة من أعيان الأمراء، وكتب فى الإنشاء بالقاهرة، ثم تعطّل بعد ذلك، ونزل صوفيّا بخانقاه سعيد السعداء. فلمّا كانت سنة إحدى وسبعمائة قدم رسل التّتار إلى مصر ومعهم كتاب غازان، فلم يكن فى الموقّعين من يحلّه فطلب فحلّه؛ فرتّبه السلطان فى ديوان الإنشاء إلى أن مات بالبيمارستان المنصورىّ يوم الثلاثاء سادس «١» عشرين شعبان، وله ثلاث وستون سنة. ومن شعره فى تفضيل الحشيش على الخمر:
وخضراء «٢» لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات فى الحشى وثبات
تأجّج نارا فى الحشى وهى جنّة ... وتبدى مرير الطّعم «٣» وهى نبات
وتوفّى الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الحسن بن الحسين الخليلىّ التّميمىّ الدّارىّ بالقاهرة فى يوم عيد الفطر، ودفن بالقرافة الصغرى. وكان مولده سنة أربعين وستمائة. وتولّى الوزارة فى دولة الملك السعيد ابن الظاهر بيبرس تمّ بعدها غير مرّة إلى أن عزله الملك الناصر، ومات معزولا. وكان فاضلا خيّرا ديّنا كثير الصدقات، عفيفا عن أموال الرعيّة.
﵀.
стр. 3017
وتوفّى القاضى العلّامة الحافظ سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثىّ «١» الحنبلىّ. مات بالمدرسة «٢» الصالحيّة بالقاهرة ودفن بالقرافة. وكان من أعيان العلماء المحدّثين. ﵀.
وتوفّى الشيخ فخر الدين إسماعيل بن نصر [الله «٣» ] بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الدّمشقىّ. مات بدمشق ودفن بالباب الصغير. روى عن جماعة من المشايخ، وكانت نفسه قويّة.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم الخطيب بجامع أحمد بن طولون شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الله بن «٤» الجزرىّ الشافعىّ. مات بالمدرسة «٥» المعزّيّة بمصر فى أوائل ذى الحجّة ودفن بالقرافة. ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجزيرة، وقدم دمشق وبرع فى عدّة علوم، وعرض عليه قضاء دمشق فامتنع.
وتوفّى الشيخ الاديب سراج الدين عمر بن مسعود الحلبى المعروف بالمحّار. وكان أوّلا صانعا يمحر الكتّان، ثم اشتغل بالأدب ومهر فيه، واتّصل بخدمة الملك المنصور صاحب حماة إلى أن مات بدمشق فى هذه السنة. وهو صاحب الموشّحات المشهورة. ومن شعره:
لمّا تألّق بارق من ثغره ... جادت جفونى بالسّحاب الممطر
فكأنّ عقد الدّمع حلّ قلائد ال ... عقيان منه على صحاح الجوهرى
وله فى مليح نجّار:
قالوا المعرّة قد غدت من فضلها ... يسعى إلى أبوابها ويزار
وجبت زيارتها علينا عند ما ... شغف القلوب بحبّها النّجّار
стр. 3018
ومن موشّحاته:
ما ناحت الورق فى الغصون، إلّا ... هاجت على، تغريدها لوعة الحزين
هل ما مضى لى مع الحبايب ... آئب، بعد الصدود
أو هل لأيّامنا الذّواهب ... واهب، بأن تعود
بكلّ مصقولة الترائب ... كاعب، هيفاء رود
تفترّ عن جوهر ثمين، جلّا ... أن يجتلى، يحمى بقضب «١» من الجفون
أحببته «٢» ناعم الشمائل ... مائل، فى برده
فى أنفس العاشقين عامل ... عامل، من قدّه
يرنو «٣» بطرف إلى المقاتل ... قاتل، فى غمده
أسطى من الأسد فى العرين، فعلا ... وأقتلا، لعاشقيه من المنون
علقته كامل المعانى ... عانى، قلبى به
مبلبل البال مذ جفانى ... فانى، فى حبّه
كم بتّ من حيث لا يرانى ... رانى، لقربه
وبات من صدغه يربنى، نملا ... يسعى إلى، رضابه العاطر المصون
قاسوه بالبدر وهو أحلى ... شكلا، من القمر
وراش هدب الجفون نبلا ... أبلى، بها البشر
وقال لى وقد تجلّى ... جلّا، بارئ الصّور
ينتصف البدر من جبينى، أصلا ... فقلت لا، قال ولا السّحر من عيونى «٤»
стр. 3019
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. والله أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٢]
السنة الثالثة من ولاية الملك الناصر محمد الثالثة على مصر، وهى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة.
فيها توفّى قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم [بن إبراهيم «١» ] ابن داود بن حازم الأذرعىّ الحنفىّ بالقاهرة فى شهر رجب: ومولده بأذرعات فى سنة اربعين وستمائة. وكان إماما بارعا مفتنّا عارفا بالفقه واللغة والعربية والأصول، وأفتى ودرّس بالشّبلية «٢» التى على جسر تورا بدمشق، وولى القضاء بها فباشر سنة. وقدم القاهرة فمات بها فى التاريخ المذكور.
وتوفى الشيخ شرف الدين محمد بن موسى بن محمد بن خليل المقدسىّ الكاتب المنشئ فى خامس عشر شعبان بالقاهرة. وكان فاضلا أديبا شاعرا، إلّا أنّه كان كثير الهجاء. وكان يعرف بكاتب أمير سلاح. ومن شعره:
اليوم يوم سرور لا شرور به ... فزوج ابن سحاب بابنة العنب
ما أنصف الكأس «٣» من أبدى القطوب لها ... وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب
وتوفّى الشيخ مجد الدين أحمد بن ديلم بن محمد الشّيبىّ المكىّ شيخ الحجبة وفاتح الكعبة بمكّة ودفن بالمعلاة. وروى عن ابن مسدى «٤» والمرسى وغيرهما.
стр. 3020
وتوفّى الملك المظفّر شهاب الدين غازى ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظّم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل أبى بكر [محمد «١» ] بن أيوب.
مات بالقاهرة فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رجب. ومولده بالكرك فى سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وتوفّى الملك المنصور نجم الدين أبو الفتح غازى ابن الملك المظفّر فخر «٢» الدين قرا أرسلان ابن الملك السعيد نجم الدين غازى الأرتقىّ صاحب ماردين وابن صاحبها وبها كانت وفاته فى تاسع شهر ربيع الآخر، ودفن بمدرسته تحت قلعة ماردين، وعمره فوق السبعين، وكانت مدّته على ماردين نحو العشرين سنة. وكان ملكا مهيبا كامل الخلقة سمينا بدينا عارفا مدبّرا. وتولّى سلطنة ماردين من بعده ولده الملك العادل علىّ «٣» سبعة عشر يوما ثم خلع «٤» وولّى أخوه صالح «٥» .
وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبك «٦» الشّيخىّ، كان من أعيان أمراء دمشق، وبها كانت وفاته.
وتوفّى الأمير سيف الدين مغلطاى البهائىّ بطرابلس، كان قد رسم السلطان بالقبض عليه فوصل «٧» البريدىّ بذلك بعد موته بيوم.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. وكان الوفاء ثالث أيام النسىء.
стр. 3021
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٣]
السنة الرابعة «١» من ولاية الملك الناصر محمد الثالثة على مصر، وهى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
فيها توفّى القاضى عماد الدين أبو الحسن على ابن القاضى فخر الدين عبد العزيز ابن القاضى عماد الدين عبد الرحمن بن السّكّرىّ فى يوم الجمعة السادس والعشرين من صفر، وكان فاضلا فقيها، توجّه رسولا من قبل الملك الناصر إلى غازان، وولى تدريس مشهد الحسين بالقاهرة وعدّة وظائف دينية، وولى خطابة جامع الحاكم.
وتوفى الأمير المسند علاء الدين أبو سعيد بيبرس التّركىّ العديمىّ الحنفىّ بحلب، ودفن بتربة ابن العديم، وقد قارب التسعين سنة. وانفرد بالرواية قبل موته، وقصد من الأقطار ورحل إليه من حدّث بالكثير.
وتوفى صاحب «٢» مرّاكش من بلاد الغرب الأمير سليمان بن عبد الله [بن يوسف «٣» ] بن يعقوب المرينىّ «٤» ، وولى بعده عمّه أبو سعيد عثمان بن يعقوب واستوسق أمره.
стр. 3022
وتوفّى الخان طقطاى بن منكوتمر بن طغاى «١» بن باطو بن چنكزخان ملك التتار بالبلاد الشمالية بمكان يسمّى كرنا «٢» على مسافة من مدينة صراى «٣» عشرة أيام. وذكره ابن كثير فى السنة الخالية، والصحيح ما قلناه. وكانت مملكته ثلاثا وعشرين سنة، ومات وله ثلاثون سنة. وكان شهما شجاعا مقداما، وكان على دين التتار فى عبادة الأصنام والكواكب، يعظّم الحكماء والأطباء والفلاسفة، ويعظّم المسلمين أكثر من الجميع، غير أنه لم يسلم؛ وكانت عساكره كثيرة جدّا؛ يقال إنه جرّد مرة من كلّ عشرة واحدا، فبلغت التجريدة مائة ألف وخمسين ألفا.
وكانت وفاته فى شهر رمضان، ومات ولم يخلّف ولدا، فجلس على تخت الملك من بعده أزبك خان بن طغرلجا بن منكوتمر بن طغاى [بن باطو] بن چنكزخان.
وكان الذي أعان أزبك خان على السلطنة شخص من أمرائهم من المسلمين يقال له قطلقتمر كان على تدبير ممالكهم.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. وكان الوفاء قبل النّوروز بيوم واحد.
стр. 3023
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٤]
السنة الخامسة من ولاية الملك الناصر محمد الثالثة على مصر، وهى سنة أربع عشرة وسبعمائة.
فيها توفّى الشيخ المعمّر بقيّة السّلف محمد بن محمود بن الحسين بن الحسن الموصلىّ المعروف بحيّاك الله. مات بزاويته «١» بسويقة «٢» الرّيش خارج القاهرة فى يوم الخميس تاسع شهر ربيع الأوّل ودفن بالقرافة. وكان شيخا صالحا بلغ عمره نحوا من مائة سنة وستين سنة، وكان حاضر الحسّ جيّد القوة، وكان يقصد للزيارة للتبرّك به، وكان كثير الذّكر والعبادة وله محاضرة حسنة وشعر. ومن شعره من أوّل قصيدة:
إذا الحبّ لم يشغلك عن كلّ شاغل ... فما ظفرت كفاك منه بطائل «٣»
وتوفّى القاضى شرف الدين يعقوب بن مجد «٤» الدين مظفّر بن شرف الدين أحمد ابن مزهر بحلب وهو ناظرها. كان يخدم عند الأكابر وتنقّل فى خدم كثيرة، حتى إنّه لم تبق مملكة بالشام إلّا باشرها.
стр. 3024
وتوفّى القاضى بهاء الدين علىّ بن أبى سوادة الحلبىّ صاحب ديوان الإنشاء بحلب، وبها كانت وفاته فى نصف شهر رجب. وكان من الصّدور الأماثل وعنده فضيلة. وله نظم ونثر. ومن شعره:
جد لى بأيسر وصل منك يا أملى ... فالصبر «١» قد عاد عنكم غير محتمل
مالى رميت بأمر لا أطيق له ... حملا وبدّلت بعد الأمن بالوجل
وتوفّى القاضى فخر الدين سليمان بن عثمان ابن الشيخ الإمام صفىّ الدّين أبى القاسم محمد بن عثمان البصروىّ الحنفىّ محتسب دمشق بها فى ذى القعدة. وكان فاضلا طيّب العشرة.
وتوفّى الأمير سيف الدين ملكتمر «٢» النّاصرىّ المعروف بالدّم الأسود. كان أمير ستين فارسا بدمشق. وكان من الظّلمة المسرفين على أنفسهم.
قلت: ولا بأس بهذا اللّقب الذي لقب به على هذه الصفات التى غير محمودة.
وتوفّى الأمير فخر «٣» الدين آقجبا الظّاهرىّ أحد أمراء دمشق؛ وبها كانت وفاته.
وكان خيّرا ديّنا. رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين كهرداش بن عبد الله الزّرّاق، مات أيضا بدمشق.
وكان بها أمير خمسين فارسا. وكان سافر مع السلطان إلى الحجاز، فلمّا زار النبي ﷺ تاب عن شرب الخمر، فلمّا عاد إلى دمشق شربه فضربه الفالج لوقته، وبطل نصفه وتعطّل إلى أن مات.
стр. 3025
وتوفّى الأمير سيف الدين سودى «١» بن عبد الله النّاصرىّ نائب حلب. وبها كانت وفاته فى نصف شهر رجب. وكان مشكور السّيرة فى ولايته محمود الطريقة.
وهو ممّن أنشأه الملك الناصر محمد من مماليكه، وتولّى «٢» حلب بعده الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب.
وتوفّى التاجر «٣» عزّ الدين عبد العزيز بن منصور «٤» الكولمى «٥» أحد تجّار الإسكندرية فى شهر رمضان. وكان أبوه يهوديّا من أهل حلب يعرف بالحموى، فأسلم وتعلّق ابنه هذا على المتجر وفتح الله عليه إلى أن قدم إلى مصر ومعه بضاعة بأربعمائة «٦» ألف دينار.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. وكان الوفاء قبل النّوروز بأربعة أيام. والله أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٥]
السنة السادسة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة خمس عشرة وسبعمائة.
стр. 3026
فيها توفّى الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن الحسين بن عبد الرحمن الأرمنتىّ «١» المعروف بابن الأسعد فى يوم الجمعة رابع عشرين شهر رمضان. وكان فقيها شافعيا وتولّى القضاء وحسنت سيرته.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة جلال الدين إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل ابن برتق «٢» بن برغش بن هارون أبو طاهر «٣» القوصىّ الفقيه الحنفىّ، كان فقيها إماما بارعا، تصدّر بجامع أحمد بن طولون، وأقرأ الفقه والقراءات والعربية سنين، وانتفع به الناس وصنّف وحدّث ونظم ونثر. ومن شعره وهو فى غاية الحسن:
أقول له ودمعى ليس يرقا ... ولى من عبرتى إحدى الوسائل
حرمت الطّيف منك بفيض دمعى ... فطرفى فيك محروم وسائل
وله أيضا:
أقول ومدمعى قد حال بينى ... وبين أحبّتى يوم العتاب
رددتم سائل الأجفان نهرا ... تعثّر وهو يجرى فى الثّياب
стр. 3027
وتوفى قاضى القضاة تقىّ الدين أبو الفضل سليمان «١» بن حمزة بن أحمد بن عمر بن قدامة المقدسىّ الحنبلىّ بقاسيون فى عشر «٢» ذى القعدة ودفن بتربة جدّه شيخ الإسلام أبى عمر. وكان إماما عالما عاملا جمع بين العلم والعبادة، وسمع الحديث بنفسه وحدّث بمسموعاته.
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة السيد ركن الدين حسن بن محمد بن شرف شاه الحسينىّ الأسترآباديّ، كان إماما مصنفا عالما بالمعقول، اشتغل على النّصير الطّوسىّ وحصّل منه علوما كثيرة، وصار معيدا فى درس أصحابه، وقدم الموصل وولى تدريس المدرسة النّورية «٣» ، وبها صنّف غالب مصنّفاته، مثل: شرح «٤» مختصر ابن الحاجب.
وشرح مقدّمة ابن الحاجب فى النحو وهى التى تسمّى بالكافية، وعمل عليها ثلاثة شروح: كبير «٥» ومتوسط «٦» وصغير «٧» . وشرح الحاوى فى الفقه. وشرح التصريف لابن الحاجب أيضا، وهو الذي يسمّى بالشافية، وشرح المطالع فى المنطق، وشرح كتاب قواعد العقائد؛ وعدّة تصانيف أخر، ذكرناها فى غير هذا الكتاب. وكانت وفاته بالموصل فى صفر.
стр. 3028
وتوفّى الشيخ أصيل الدين الحسن ابن الإمام العلّامة نصير الدين محمد بن محمد ابن الحسن «١» الطّوسى البغدادىّ. كان عالى الهمّة كبير القدر فى دولة قازان، وقدم إلى الشام ورجع معه إلى بلاده. ولما تولّى خربندا الملك ووزر تاج الدين على شاه قرّب أصيل الدين هذا إلى خربندا؛ حتى ولّاه نيابة السلطنة ببغداد. ثم عزل وصودر. وكان كريما رئيسا عارفا بعلم النجوم، لكنه لم يبلغ فيه رتبة أبيه نصير الدين الطّوسىّ، على أنه كان له نظر فى الأدبيات والأشعار، وصنّف كتبا كثيرة.
وكان فيه خير وشرّ وعدل وجور. ومات ببغداد.
وتوفّى الشيخ الصالح القدوة أبو الحسن علىّ ابن الشيخ الكبير علىّ الحريرىّ شيخ الفقراء الحريريّة. كان للناس فيه اعتقاد وله حرمة عند أرباب الدولة، وكان فيه تواضع وكرم، وكانت وفاته ببصرى من عمل دمشق فى السابع والعشرين من جمادى الأولى، وله اثنتان وسبعون سنة.
وتوفّى الأمير بدر الدين موسى ابن الأمير سيف الدين أبى بكر محمد الأزكشىّ، كان من أكابر الأمراء وشجعانهم. مات بدمشق فى ثامن شعبان ودفن عند القبيبات «٢» ، وكان شهما شجاعا. ظهر فى نوبة غزو مرج الصّفّر مع التّتار عن شجاعة عظيمة.
وتوفّى الأمير حسام الدين قرالاچين بن عبد الله المنصورىّ الأستادار فى الثامن «٣» والعشرين من شعبان، وأنعم الملك الناصر بإقطاعه على الأمير آقوش الأشرفىّ نائب الكرك لمّا أفرج عنه، والإقطاع إمرة مائة وعشرين فارسا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. والوفاء تاسع عشرين مسرى. والله أعلم.
стр. 3029
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٦]
السنة السابعة من ولاية الملك الناصر الثالثة على مصر، وهى سنة ست عشرة وسبعمائة.
فيها حجّ بالناس من مصر الأمير بهادر الإبراهيمىّ، وأمير الرّكب الشامىّ أرغون السّلاح دار. وحجّ فى هذه السنة من أعيان أمراء مصر الأمير أرغون الناصرىّ نائب السلطنة بديار مصر، وعزّ الدين أيدمر الخطيرىّ، وعز الدين أيدمر أمير جاندار. وسيف الدين أركتمر السّلاح دار. وناصر الدين محمد بن طرنطاى.
وفيها توفّى الشيخ الكاتب المجوّد نجم الدين موسى بن علىّ بن محمد الحلبىّ ثم الدّمشقىّ المعروف بابن بصيص (بضمّ الباء ثانية الحروف) شيخ الكتّاب بدمشق فى زمانه. وابتدع صنائع بديعة، وكتب فى آخر عمره ختمة بالذهب عوضا عن الحبر. وكان مولده سنة إحدى وخمسين «١» وستمائة، ومات ليلة الثلاثاء عاشر ذى القعدة. وله شعر على طريق الصوفيّة، من ذلك:
وحقّك لو خيّرت فيما أريده ... من الخير فى الدنيا أو الحظّ فى الأخرى
لما اخترت إلّا حسن نظم يروقنى ... معانيه أبدى فيه أوصافك الكبرى
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة صدر الدين أبو عبد الله محمد بن زين الدين عمر بن مكّى بن عبد الصمد العثمانى الشهير بابن المرحّل وبابن الوكيل، المصرىّ الأصل الشافعىّ الفقيه الأديب، كان فريد عصره ووحيد دهره، كان أعجوبة فى الذّكاء والحفظ.
ومولده فى شوّال سنة خمس وستين وستمائة بدمياط وكان بارعا مدرسا مفتنّا، درّس بدمشق والقاهرة وأفتى، وعمره اثنتان وعشرون سنة، وكان يشتغل فى الفقه
стр. 3030
والتفسير والأصلين والنحو، واشتغل فى آخر عمره فى الطبّ، وسمع الحديث الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، وصنّف «الأشباه «١» والنظائر» قبل أن يسبقه إليها أحد، وكان حسن الشكل حلو المجالسة وعنده كرم مفرط، وله الشّعر الرائق الفائق فى كلّ فنّ من ضروب الشّعر. وكانت وفاته فى رابع عشرين ذى الحجّة ودفن بالقرافة فى تربة «٢» الفخر ناظر الجيش. وهو أحد من قام على الملك الناصر وانضمّ على المظفّر بيبرس الجاشنكير. وقد تقدّم ذكر «٣» ذلك كلّه فى أوائل ترجمة الملك الناصر. ومن شعره:
أقصى مناى أن أمرّ على الحمى ... ويلوح نور رياضه فيفوح
حتّى أرى سحب الحمى كيف البكا ... وأعلّم الورقاء كيف تنوح
وله [دو بيت «٤» ] :
كم قال: معاطفى حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حوته المقل
الآن أوامرى عليهم حكمت ... البيض تحدّ والقنا تعتقل
وله:
عيّرتنى بالسّقم طرفك مشبهى ... وكذاك خصرك مثل جسمى ناحلا «٥»
وأراك تشمت إذ أتيتك سائلا ... لا بدّ أن يأتى عذارك سائلا
قلت: وله ديوان موشّحات وأحسنهم موشحته التى عارض بها السّراج المجّار التى أوّلها:
ما أخجل قدّه غصون البان، بين الورق ... إلّا سلب المها «٦» مع الغزلان، سود الحدق
стр. 3031
وقد ذكرناها «١» بتمامها فى ترجمته فى تاريخنا «المنهل الصافى» وقطعة جيّدة من شعره.
وتوفّى الشيخ الأديب البارع المفتنّ أعجوبة زمانه علاء الدين علىّ بن المظفّر بن إبراهيم [بن عمر «٢» ] الكندى الوداعىّ المعروف بكاتب ابن وداعة الشاعر المشهور، أحد من اقتدى به الشيخ جمال الدين ابن نباتة فى ملح أشعاره. مولده سنة أربعين وستمائة، ومات ببستانه فى سابع عشر شهر رجب بدمشق ودفن بالمزّة «٣» ، وكان فاضلا أديبا شاعرا عالى الهمة فى تحصيل العلوم. سمع الحديث وكتب الخطّ المنسوب ونظم ونثر وتولى عدّة ولايات، وكتب بديوان الإنشاء بدمشق وتولّى مشيخة دار الحديث [النّفيسية «٤» ] وجمع التذكرة «٥» الكنديّة تزيد على خمسين مجلّدا. وله ديوان شعر فى ثلاثة مجلّدات. ومن شعره:
قال لى العاذل المفنّد فيها ... يوم زارت فسلّمت مختاله
قم بنا ندّع النبوّة فى العش ... ق فقد سلّمت علينا الغزاله
стр. 3032
وله أيضا:
أثخنت عينها الجراح ولا إث ... م عليها لأنّها نعساء
زاد فى عشقها جنونى فقالوا ... ما بهذا فقلت بى سوداء
وله وهو أحسن ما قيل فى نوع التوجيه «١» :
من زار «٢» بابك لم تبرح جوارحه «٣» ... تروى أحاديث ما أوليت من منن
فالعين «٤» عن قرّة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
وله أيضا:
قيل إن شئت أن تكون غنيّا ... فتزوّج وكن من المحصنينا
قلت ما يقطع الإله بحرّ ... لم يضع بين أظهر المسلمينا
وقد ذكرنا من مقطّعاته عدّة كثيرة فى «المنهل الصافى» ، ولولا خشية الملل لذكرناها هنا.
وتوفّى «٥» الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله المنصورىّ المعروف بالأفرم الصغير نائب الشام ببلاد مراغة «٦» عند ملك التّتار. وقد تقدّم خروجه «٧» مع الأمير قراسنقر المنصورىّ من البلاد الشاميّة إلى غازان ملك التتار فى أوائل دولة الملك الناصر الثالثة فلا حاجة فى ذكرها هنا ثانيا. وكان ملك التتار أقطعه مراغة وقيل همذان «٨»
стр. 3033
فأقام بها سنتين «١» ، ومات بالفالج فى ثالث عشر المحرّم. وكان أميرا جليلا عارفا مدبّرا عالى الهمّة شجاعا مقداما. تقدّم من ذكره نبذة كبيرة فى ترجمة المظفّر بيبرس الجاشنكير. وكانت ولايته على دمشق إحدى عشرة سنة متوالية إلى أن عزله الملك الناصر لمّا خرج من الكرك.
وتوفّى الأمير سيف الدين كستاى «٢» بن عبد الله نائب طرابلس بها. وتولّى نيابة طرابلس من بعده الأمير قرطاى نائب حمص. وولى حمص بعد قرطاى المذكور أرقطاى الجمدار.
وتوفّى الأمير سيف الدين طقتمر الدمشقىّ بالقاهرة بمرض السلّ. وكان من خواصّ الملك الناصر وأحد من أنشأه من مماليكه.
وتوفّى الطواشى ظهير الدين مختار المنصورىّ المعروف بالبلبيسىّ الخازندار فى عاشر شعبان بدمشق. وكان شهما شجاعا ديّنا، فرّق جميع أمواله قبل موته على عتقائه ووقف أملاكه على تربته.
وتوفّيت السيّدة المعمّرة أمّ محمد «٣» ستّ الوزراء المعروفة بالوزيرة ابنة الشيخ عمر ابن أسعد بن المنجّا التّنوخيّة فى ثامن «٤» عشر شعبان بدمشق، ومولدها سنة أربع وعشرين وستمائة، روت صحيح البخارىّ عن [أبى عبد الله «٥» ] بن الزّبيدىّ وصارت رحلة زمانها، ورحل إليها من الأقطار.
стр. 3034
وتوفّى ملك «١» التتار خربندا (بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وسكون النون) بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولو بن چنكزخان السلطان غياث الدين، ومن الناس من يسمّيه خدابندا (بضم الخاء المعجمة والدال «٢» المهملة) والأصح ما قلناه. وخدابندا: معناه عبد الله بالفارسىّ «٣» ، غير أن أباه لم يسمّه إلّا خربندا، وهو اسم مهمل «٤» معناه «٥» : عبد الحمار. وسبب تسميته بذلك أنّ أباه كان مهما ولد له ولد يموت صغيرا، فقال له بعض الأتراك: إذا جاءك ولد سمّه اسما قبيحا يعيش، فلما ولد له هذا سمّاه خربندا فى الظاهر واسمه الأصلى أبحيتو «٦» ؛ فلما كبر خربندا وملك البلاد كره هذا الاسم واستقبحه فجعله خدابندا ومشى ذلك بمماليكه وهدّد من قال غيره ولم يفده ذلك إلا من حواشيه خاصّة. ولما ملك خربندا أسلم وتسمّى بمحمد، واقتدى بالكتاب والسّنة وصار يحب أهل الدين والصلاح، وضرب على الدرهم والدينار اسم الصحابة الأربعة الخلفاء، حتى اجتمع بالسيد تاج الدين الآوى «٧» الرافضىّ، وكان خبيث المذهب، فما زال بخربندا، حتى جعله رافضيّا وكتب إلى سائر ممالكه يأمرهم بالسبّ والرّفض، ووقع له بسبب ذلك أمور. قال النّويرىّ:
كان خربندا قبل موته بسبعة أيام قد أمر بإشهار النداء ألّا يذكر أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وعزم على تجريد ثلاثة آلاف فارس إلى المدينة النبوية لينقل
стр. 3035
أبا بكر وعمر رضى الله عنهما من مدفنهما، فعجّل الله بهلاكه إلى جهنّم وبئس المصير هو ومن يعتقد معتقده كائنا من كان. وكان موته فى السابع والعشرين من شهر رمضان بمدينته التى أنشأها وسمّاها السلطانيّة «١» فى أرض قنغرلان «٢» بالقرب من قزوين، وتسلطن بعده ولده بو سعيد فى الثالث عشر من شهر ربيع الأوّل من سنة سبع عشرة وسبعمائة، لأنه كان فى مدينة أخرى وأحضر منها وتسلطن.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. والله تعالى أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٧]
السنة الثامنة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة سبع عشرة وسبعمائة.
فيها توفّى قاضى القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبى الربيع سليمان بن سويد «٣» الزّواوىّ المالكى قاضى دمشق بها، فى التاسع من جمادى الأولى.
وكان فقيها عالما عالى الهمّة محدّثا بارعا مشكور السّيرة فى أحكامه.
стр. 3036
وتوفّى القاضى الرئيس شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن جمال الدين فضل الله ابن المجلّى القرشىّ العدوى العمرىّ، كاتب السر الشريف بدمشق فى ثالث رمضان ودفن بسفح قاسيون. ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وكان إماما فى كتابة الإنشاء عارفا بتدبير الممالك مليح الخطّ غزير العقل وخدم عدة سلاطين، وكان كاملا فى فنّه لم يكن فى عصره من يدانيه ولا يقاربه. ومن شعره ما كتبه للشهاب محمود فى صدر كتاب:
كتبت والقلب «١» يدنينى إلى أمل ... من اللّقاء ويقصينى عن الدار
والوجد «٢» يضرم فيما بين ذاك وذا ... من الجوانح «٣» أجزاء من النار
وتوفّى الأديب الفاضل شمس الدين أبو العبّاس أحمد بن أبى المحاسن يعقوب «٤» ابن إبراهيم بن أبى نصر الطّيبى الأسدىّ بطرابلس فى سادس «٥» رمضان. ومولده فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وكان كاتب الدّرج بطرابلس وكان فاضلا ناظما ناثرا.
ومن شعره:
ما مسّنى الضّيم إلّا من أحبّائى ... فليتنى كنت قد صاحبت أعدائى
ظننتهم لى دواء الهمّ فانقلبوا ... داء يزيد بهم همّى وأدوائى
من كان يشكو من الأعداء جفوتهم ... فإنّنى أنا شاك من أودّائى
стр. 3037
وتوفّى الأمير أرسلان الناصرىّ الدّوادار فى الثالث والعشرين من شهر رمضان، وكان هو وعلاء الدين ابن عبد الظاهر صديقين فمرضا فى وقت واحد بعلّة واحدة وماتا فى شهر واحد. وخلّف أرسلان جملة كثيرة من المال استكثرها الملك الناصر على مثله. وكان من جملة أمراء الطبلخاناه واستقرّ عوضه دوادارا الأمير ألجاى الدوادار الناصرىّ. وفى أرسلان هذا عمل علاء الدين ابن عبد الظاهر كتابه المسمّى «بمراتع الغزلان «١» » .
وتوفّى الأمير سيف الدين قلّى السّلاح دار بالقاهرة. وكان من أعيان أمراء الديار المصرية، وأنعم السلطان بإقطاعه ومنزلته [فى المجلس «٢» ] على الأمير چنكلى ابن البابا.
وتوفّى الأمير سيف «٣» الدين ألدكز بن عبد الله السّلاح دار صهر الأمير علم الدين سنجر الشّجاعىّ ومات فى الحبس.
وتوفّى الأمير سيف الدين ألكتمر بن عبد الله صهر الأمير بكتمر الجوكندار أيضا فى الحبس حتف أنفه.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء. وكان نيلا عظيما غرقت منه عدّة أماكن. والله أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٨]
السنة التاسعة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة ثمانى عشرة وسبعمائة.
стр. 3038
فيها توفّى قاضى القضاه زين الدين أبو الحسن علىّ ابن الشيخ رضىّ الدين أبى القاسم مخلوف ابن تاج الدين ناهض المالكى النّويرىّ فى يوم الأربعاء ثامن «١» عشر جمادى الآخرة بمصر، ودفن بسفح المقطّم. ومولده فى سنة عشرين «٢» وستمائة. وكان فقيها ديّنا خيّرا حسن الأخلاق. وولى القضاء بديار مصر فى سنة خمس وثمانين وستمائة، فكانت مدّة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة تقريبا، وعرضت عليه الوزارة فى الدولة المنصورية لاچين فأباها خوفا من علم الدين [سنجر] الشّجاعىّ، وتولّى بعده القضاء نائبه تقىّ الدين محمد بن أبى بكر بن عيسى [بن بدران «٣» بن رحمة الإخنائى المالكىّ] .
وتوفّى الشيخ الإمام الزاهد بقيّة السّلف. أبو بكر ابن الشيخ المسند المعمّر زين الدين أبى العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد ابن أبى بكر المقدسىّ الحنبلىّ. سمع الكثير وحدّث. وكان شيخا كثير التّلاوة والصلاة على النّبىّ ﷺ ، وحدّث فى حياة والده. ومولده سنة ست وعشرين وستمائة؛ وقيل سنة خمس وعشرين. ومات ليلة الجمعة التاسع والعشرين من رمضان.
وتوفّى الأمير علاء الدين أقطوان الساقى الظاهرى فى عاشر شهر رمضان بدمشق، وقد جاوز الثمانين سنة. وكان رجلا صالحا مواظب الجماعات، ويقوم اللّيل.
وتوفّى الامير عز الدين طقطاى الناصرىّ، كان نائب الكرك فتمرّض فعزل عن الكرك، وتوجّه إلى دمشق ليتداوى بها فمات فى رابع عشر شعبان.
стр. 3039
وتوفّى الأمير سيف الدين منكبرس «١» نائب عجلون. كان من قدماء المماليك المنصوريّة، وكان معظّما فى الدول وله حرمة وافرة.
وتوفى الشيخ كمال الدين [أبو العبّاس «٢» ] أحمد ابن [الشيخ جمال الدين «٣» ] أبى بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سجمان «٤» البكرىّ الوائلىّ الشّريشىّ «٥» الفقيه الشافعى، مات بطريق الحجاز، وكان فقيها عالما فاضلا.
وتوفّى الشيخ جمال الدين أبو بكر إبراهيم [بن حيدرة «٦» بن علىّ بن عقيل] الفقيه الشافعى المعروف بابن القمّاح فى سابع عشر ذى الحجّة. وكان معدودا من فضلاء الشافعيّة.
وتوفى الشيخ المقرئ مجد الدين أبو بكر ابن الشيخ شمس الدين محمد بن قاسم التّونسىّ المقرئ النحوىّ المالكىّ فى ذى القعدة بدمشق. وكان من فضلاء المالكية.
وتوفى الأمير سيف الدين وقيل شمس الدين سنقر بن عبد الله الكمالى الحاجب فى حبس الملك الناصر بقلعة الجبل فى شهر ربيع الآخر. وكان أوّلا معتقلا بالكرك فأحضر هو والأمير كراى إلى القاهرة فحبسا بقلعة الجبل إلى أن مات بها. وكان من عظماء الدولة ومن أكابر الأمراء، وتولّى الحجوبيّة بالديار المصرية فى عدّة دول.
стр. 3040
وكان أحد الأعيان بالديار المصريّة إلى أن قبض عليه الملك الناصر وحبسه فى سلطنته الثالثة.
وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر الشّمسىّ بقلعة دمشق، وكان أحد من قبض عليه الملك الناصر وحبسه. وكان مشهورا بالشجاعة والإقدام.
وتوفّى الأمير سيف الدين منكوتمر الطّبّاخى، والأمير سيف الدين أركتمر كلاهما بالجبّ من قلعة الجبل.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان ونصف. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. وكان الوفاء بعد النّوروز بأيّام.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧١٩]
السنة العاشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة تسع عشرة وسبعمائة.
فيها توفّى الشيخ الصالح المعتقد أبو الفتح نصر بن سليمان «١» بن عمر المنبجىّ «٢» لحنفىّ بزاويته «٣» بالقاهرة فى جمادى الآخرة، ودفن بجوار الزاوية. ومولده سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وكان عالما زاهدا متقشفا، سمع الحديث وبرع فى الفقه
стр. 3041
والتصوّف، وأقبل عليه ملوك عصره. ذكر ابن «١» أخيه الشيخ قطب الدين قال:
سألنى الشيخ يوما هل قرب وقت العصر؟ فقلت: لا، وبقى يسألنى عن ذلك ساعة فساعة وهو مسرور مستبشر بوقت العصر، فلما دخل وقت العصر مات.
﵀.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبو عبد الله الحسين بن سليمان بن فزارة الكفرى (بفتح الكاف «٢» ) البصروىّ الحنفى فى ثالث عشر جمادى الأولى ودفن بقاسيون، وكان فقيها محدّثا ناب «٣» فى الحكم، وحمدت سيرته، وسمع الكثير وبرع فى الفقه وغيره.
وتوفّى الأمير سيف الدين كراى المنصورىّ معتقلا بقلعة الجبل، وكان من أكابر مماليك المنصور قلاوون، وولى نيابة القدس، ثمّ ولّاه الملك الناصر محمد فى سلطنته هذه الثالثة نيابة الشام بعد قراسنقر، ثم قبض عليه وحبسه بالكرك مدّة، ثمّ نقله إلى القاهرة وحبسه بقلعة الجبل إلى أن مات فى هذا التاريخ.
وتوفّى الأمير سيف الدين إغزلو العادلى بدمشق، وكان من أكابر أمرائها، وكان ولى نيابة دمشق فى أواخر دولة أستاذه الملك العادل زين الدين كتبغا فعزله الملك المنصور حسام الدين لاچين عن نيابة دمشق، ثم صار بعد ذلك من أمراء دمشق إلى أن مات. وكانت ولايته على نيابة دمشق نحوا من ثلاثة أشهر، وكان موصوفا بالشجاعة والإقدام.
وتوفّى الأمير سيف الدين قيران الشمسىّ بدمشق ودفن بقاسيون بتربة ابن مصعب، وكان من جملة أمراء دمشق، وكان ديّنا خيّرا عفيفا مع كرم وشجاعة.
стр. 3042
وتوفّى الأمير علاء الدين طيبرس بن عبد الله الخازندارىّ نقيب الجيوش المنصورة وأحد أمراء الطبلخاناه فى العشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بقبّته التى أنشأها بمدرسته على باب جامع الأزهر. واستقرّ عوضه فى نقابة الجيش الأمير شهاب الدين أحمد بن آقوش العزيزى المهمندار «١» . وطيبرس هذا هو الذي كان أنشأ الجامع والخانقاه على النيل، وعرف ذلك المكان بالطّيبرسىّ، وقد تهدّم الجامع»
والخانقاه، ونقل صوفيّتها إلى مدرسته «٣» التى أنشأها على باب الجامع الأزهر على يمنة الداخل إلى الجامع. وكان من أجلّ الأمراء وأقدمهم، وطالت أيامه فى وظيفته، أقام فيها أربعا وعشرين سنة، لم يقبل لأحد هديّة، وإنما كان شأنه عمارة إقطاعه والزراعة، ومن ذلك نالته السعادة وعمّر الأملاك. وكان ديّنا خيّرا بخلاف آقبغا عبد الواحد الذي عمّر مدرسته «٤» أيضا على باب الجامع الأزهر فى مقابلة طيبرس هذا.
وتوفّى الشيخ بدر الدين أبو عبد الله محمد بن منصور بن إبراهيم بن منصور بن رشيد الربعى الحلبىّ الشافعىّ المعروف بابن الجوهرىّ. ولد بحلب فى ثالث عشر صفر سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وكان فاضلا ديّنا أثنى عليه الحافظ البرزالىّ فى معجمه.
وكانت وفاته فى يوم السبت سابع عشر «٥» جمادى الآخرة من السنة. ﵀.
стр. 3043
وتوفّى الأمير سيف الدين أركتمر «١» بن عبد الله السّليمانى الجمدار فجأة. وكان من أعيان الأمراء وأماثلهم.
وتوفّى القاضى فخر الدين أبو عمرو عثمان بن علىّ [بن يحيى «٢» بن هبة الله بن إبراهيم ابن المسلم] الأنصارىّ الشافعىّ المعروف بابن بنت أبى سعد «٣» فى جمادى الآخرة من السنة.
وتوفّى بدمشق الأمير شهاب الدين أحمد بن محمد ابن الملك الأمجد [مجد «٤» الدين] حسن ابن الملك الناصر داود ابن الملك المعظّم عيسى ابن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب أحد أمراء دمشق فى شهر رجب.
وتوفى الملك المعظّم شرف الدين عيسى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شير كوه ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شير كوه الكبير ابن شادى أحد أمراء دمشق بالقاهرة فى ثانى ذى «٥» القعدة.
كان قدمها فى طلب الإمرة فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بدمشق، فأدركته المنيّة قبل عوده إلى وطنه.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يحرّر. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٠]
السنة الحادية عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة عشرين وسبعمائة.
стр. 3044
فيها توفّى قاضى القضاة كمال الدين أبو حفص عمر ابن قاضى القضاة عزّ الدين أبى البركات عبد العزيز ابن الصاحب محيى الدين أبى عبد الله محمد ابن قاضى القضاة نجم الدين أبى الحسن أحمد ابن قاضى القضاة جمال الدين أبى الفضل هبة «١» الله ابن قاضى القضاة مجد «٢» الدين أبى غانم محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن أبى جرادة العقيلى الحلبىّ الحنفىّ الشهير بابن العديم قاضى قضاة حلب وغيرها. كان فقيها عالما مشكور السّيرة. وكمال الدين هذا غير ابن العديم «٣» المتقدّم صاحب «تاريخ «٤» حلب» وغيرها من التصانيف وقد مرّ ذكره.
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة النحوىّ اللغوىّ شمس الدين محمد بن حسن بن سباع ابن أبى بكر الجذامىّ المصرىّ الأصل الدّمشقىّ المولد المعروف بابن الصائغ. مات بدمشق فى ثالث شعبان. ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة بدمشق. كان أديبا فاضلا فى فنّ الأدب، وله النظم والنثر ومعرفة بالعروض والقوافى والبديع واللّغة والنحو وشرح «مقصورة ابن دريد» فى مجلدين. واختصر «صحاح «٥» الجوهرى» وجرّده من الشواهد، وصنّف قصيدة عدّتها ألفا بيت، فيها العلوم والصنائع، وله «مقامات» وأشياء كثيرة. ومن شعره من قصيدة أوّلها «٦» :
стр. 3045
لى نحو ربعك دائما يا جلّق ... شوق أكاد به جوى أتمزّق
وهمول دمع من جوى بأضالعى ... ذا مغرق طرفى وهذا محرق
أشتاق منك منازلا لم أنسها ... إنّى وقلبى فى ربوعك موثق
ومنها:
والريح «١» يكتب فى الجداول أسطرا ... خطّ له نسج النّسيم محقّق
والطير يقرأ والنسيم مردّد ... والغصن يرقص والغدير يصفق
وتوفّى الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن قاسم الكنانىّ «٢» الشّارمساحىّ «٣» الشاعر المطبوع صاحب النوادر الظّريفة المضحكة. والعامّة يسمونه الشّارمساحىّ. وكان شاعرا مطبوعا، غير أنه كان مغرى بالهجاء وثلب الأعراض، وكان يحضره الملك الناصر مجلسه فى بعض الأحيان. ومات بالقاهرة.
ومن شعره من آخر «٤» قصيدة:
لا آخذ الله عينيه فقد نشطت ... إلى تلافى وفيها غاية الكسل
وقد مرّ من هجوه فى ابن المرحّل وابن عدلان فى أوّل «٥» ترجمة الناصر فى سلطنته الثالثة.
وكان عارفا بعلوم.
وتوفّى الشيخ إسماعيل [بن سعيد «٦» ] الكردىّ قتيلا على الزّندقة فى يوم الاثنين ثانى «٧» عشرين صفر. وكان عارفا بعلوم كثيرة، حتّى إنّه كان يحفظ من التوراة
стр. 3046
والإنجيل، غير أنّه حفظت عنه عظائم فى حقّ الأنبياء ﵈، ومع ذلك كان يتجاهر بالمعاصى فاجتمع القضاة بسببه غير مرّة، حتى أفتى بعضهم بضرب عنقه، فضربت عنقه ببين القصرين.
وتوفّى الشيخ المعمّر الفقيه زين الدين أبو القاسم محمد بن علم الدين محمد بن الحسين ابن عتيق بن رشيق الإسكندرى المالكىّ بمصر فى المحرّم. وكان ولى قضاء الإسكندرية مدّة طويلة. وكان له نظم.
وتوفّى قتيلا سيف الدين آقجبا مملوك الأمير ركن الدين بيبرس التّاجى «١» بدمشق فى خامس عشرين «٢» شهر ربيع الأوّل. وكان عنده فضيلة، إلّا أنّه لم يقنع بذلك، حتى ادّعى النبوّة وشاع عنه ذلك حتّى قتل.
وتوفّى السلطان الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر «٣» صاحب غرناطة «٤» والأندلس من بلاد المغرب فى ذى القعدة وأقيم بعده ابنه أبو عبد الله محمد. وكان من أجلّ ملوك المغرب. وكان مولده سنة ثمانين وستمائة. واستولى على الأندلس ثلاث عشرة سنة، وملك البلاد فى حياة
стр. 3047
أبيه الفرج، وكان أبوه متولّيا إذ ذاك لمالقة «١» ، فلمّا أراد إسماعيل هذا «٢» الخروج لامه أبوه، فقبض إسماعيل على أبيه، وعاش أبوه فى سلطنته بعد ذلك عزيزا مبجّلا إلى أن مات فى ربيع الأوّل سنة عشرين وسبعمائة. وقد شاخ، ثم قتل ابنه صاحب الترجمة وقتل قاتله. ﵀.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. وهبط النيل بسرعة فشرقت الأراضى.
والله تعالى أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢١]
السنة الثانية عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
فيها توفّى الشيخ الإمام المقرئ عفيف الدين عبد الله بن عبد الحقّ بن عبد الله ابن عبد الأحد القرشىّ المخزومىّ الدّلاصىّ «٣» المصرىّ. مات بمكة المشرّفة فى رابع «٤» عشر
стр. 3048
المحرّم، ومولده فى شهر رجب سنة ثلاثين وستمائة، وكان إماما مقرئا زاهدا أقام أكثر من ستين سنة يقرئ القرآن تجاه الكعبة.
وتوفى الشيخ شمس الدين محمد بن علىّ بن عمر المازنىّ الأديب المعروف بالدهّان بدمشق. وكان شاعرا مجيدا يعرف الأنغام والموسيقى وصناعة الدّهان «١» ، وكان يعمل الشعر ويلحّنه موسيقى ويغنّى به فيكون من شعره وصناعته. ومن شعره موشّحة أوّلها:
بأبى غصن بانة حملا ... بدر دجى بالجمال قد كملا، أهيف
فريد حسن ما ماس أو سفرا
إلا أغار «٢» القضيب والقمرا
يبدى لنا بابتسامه دررا
فى شهد لذّ طعمه وحلا ... كأنّ أنفاسه نسيم طلا، قرقف «٣»
وتوفّى الطواشى صفىّ الدين جوهر مقدّم المماليك السلطانية. كان رجلا صالحا ديّنا خيّرا وله حرمة وصولة عظيمة على المماليك وغيرهم. ولى التّقدمة فى أيام المظفر بيبرس الجاشنكير، فلمّا عاد الملك الناصر إلى ملكه عزله بصواب الرّكنى، واستمر بطّالا إلى أن مات.
وتوفى الشيخ حميد الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمود بن نصر النّيسابورىّ شيخ الخانقاه الرّكنية بيبرس فى تاسع عشر جمادى الآخرة. ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة.
стр. 3049
وتوفّى الملك المؤيّد هزبر الدّين داود ابن الملك المظفّر يوسف بن عمر بن رسول التّركمانىّ الأصل اليمنىّ المولد والمنشأ والوفاة صاحب ممالك اليمن، تسلطن بعد أخيه فى المحرّم سنة ست وتسعين وستمائة فملك نيّفا وعشرين سنة، وكان قبل سلطنته تفقّه وحفظ كفاية المتحفّظ [ونهاية «١» المتلفّظ فى اللغة] ومقدّمة «٢» ابن بابشاذ.
وبحث التنبيه «٣» وطالع وفضل وسمع الحديث، وجمع الكتب النفيسة فى سلطنته، حتى قيل إنّ خزانة كتبه اشتملت على مائة ألف مجلّد. وكان مشكور السّيرة محبّا لأهل الخير. ولمّا أنشأ قصره بظاهر زبيد قال فيه الأديب تاج الدين «٤» عبد الباقى اليمنى أبياتا، منها:
أنسى بإيوانه كسرى فلا خبر ... من بعد ذلك عن كسرى لإيوان
وفى الملك المؤيد يقول أيضا عبد الباقى المذكور وقد ركب المؤيّد فيلا:
الله ولّاك يا داود مكرمة ... ورتبة ما أتاها قبل سلطان
ركبت فيلا وظل الفيل ذا رهج ... مستبشرا وهو بالسلطان فرحان
لك الإله أذلّ الوحش أجمعه ... هل أنت داود فيه أم سليمان
стр. 3050
وكانت وفاته فى ذى الحجّة، وتولى بعده ابنه الملك المجاهد علىّ، واضطربت ممالك اليمن بعد موته. وتولّى عدّة سلاطين يأتى ذكر كلّ واحد منهم فى محلّه إن شاء الله تعالى.
وتوفّى مجد الدين أحمد بن معين الدين أبى بكر الهمدانىّ «١» المالكى خطيب الفيّوم، وكان يضرب به المثل فى المكارم والسؤدد وكان فصيحا خطيبا بليغا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وستّ أصابع.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وخمس أصابع. وكان الوفاء ثانى أيام النسىء.
والله أعلم.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٢]
السنة الثالثة عشرة من ولاية الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
فيها توفّى قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ أبى البركات محمد ابن الشيخ أبى العزّ بن صالح بن أبى العزّ بن وهيب «٢» بن عطاء الأذرعىّ الحنفىّ بدمشق فى سابع المحرّم عقيب قدومه من الحجاز. ومولده سنة ثلاث وستين «٣» وستمائة. وكان إماما فاضلا فقيها بصيرا بالأحكام، حكم بدمشق نحو عشرين سنة، وخطب بجامع «٤»
следующие страницы →