← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

والإنجيل، غير أنّه حفظت عنه عظائم فى حقّ الأنبياء ﵈، ومع ذلك كان يتجاهر بالمعاصى فاجتمع القضاة بسببه غير مرّة، حتى أفتى بعضهم بضرب عنقه، فضربت عنقه ببين القصرين. وتوفّى الشيخ المعمّر الفقيه زين الدين أبو القاسم محمد بن علم الدين محمد بن الحسين ابن عتيق بن رشيق الإسكندرى المالكىّ بمصر فى المحرّم. وكان ولى قضاء الإسكندرية مدّة طويلة. وكان له نظم. وتوفّى قتيلا سيف الدين آقجبا مملوك الأمير ركن الدين بيبرس التّاجى «١» بدمشق فى خامس عشرين «٢» شهر ربيع الأوّل. وكان عنده فضيلة، إلّا أنّه لم يقنع بذلك، حتى ادّعى النبوّة وشاع عنه ذلك حتّى قتل. وتوفّى السلطان الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر «٣» صاحب غرناطة «٤» والأندلس من بلاد المغرب فى ذى القعدة وأقيم بعده ابنه أبو عبد الله محمد. وكان من أجلّ ملوك المغرب. وكان مولده سنة ثمانين وستمائة. واستولى على الأندلس ثلاث عشرة سنة، وملك البلاد فى حياة

стр. 3047

أبيه الفرج، وكان أبوه متولّيا إذ ذاك لمالقة «١» ، فلمّا أراد إسماعيل هذا «٢» الخروج لامه أبوه، فقبض إسماعيل على أبيه، وعاش أبوه فى سلطنته بعد ذلك عزيزا مبجّلا إلى أن مات فى ربيع الأوّل سنة عشرين وسبعمائة. وقد شاخ، ثم قتل ابنه صاحب الترجمة وقتل قاتله. ﵀. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. وهبط النيل بسرعة فشرقت الأراضى. والله تعالى أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢١] السنة الثانية عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى الشيخ الإمام المقرئ عفيف الدين عبد الله بن عبد الحقّ بن عبد الله ابن عبد الأحد القرشىّ المخزومىّ الدّلاصىّ «٣» المصرىّ. مات بمكة المشرّفة فى رابع «٤» عشر

стр. 3048

المحرّم، ومولده فى شهر رجب سنة ثلاثين وستمائة، وكان إماما مقرئا زاهدا أقام أكثر من ستين سنة يقرئ القرآن تجاه الكعبة. وتوفى الشيخ شمس الدين محمد بن علىّ بن عمر المازنىّ الأديب المعروف بالدهّان بدمشق. وكان شاعرا مجيدا يعرف الأنغام والموسيقى وصناعة الدّهان «١» ، وكان يعمل الشعر ويلحّنه موسيقى ويغنّى به فيكون من شعره وصناعته. ومن شعره موشّحة أوّلها: بأبى غصن بانة حملا ... بدر دجى بالجمال قد كملا، أهيف فريد حسن ما ماس أو سفرا إلا أغار «٢» القضيب والقمرا يبدى لنا بابتسامه دررا فى شهد لذّ طعمه وحلا ... كأنّ أنفاسه نسيم طلا، قرقف «٣» وتوفّى الطواشى صفىّ الدين جوهر مقدّم المماليك السلطانية. كان رجلا صالحا ديّنا خيّرا وله حرمة وصولة عظيمة على المماليك وغيرهم. ولى التّقدمة فى أيام المظفر بيبرس الجاشنكير، فلمّا عاد الملك الناصر إلى ملكه عزله بصواب الرّكنى، واستمر بطّالا إلى أن مات. وتوفى الشيخ حميد الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمود بن نصر النّيسابورىّ شيخ الخانقاه الرّكنية بيبرس فى تاسع عشر جمادى الآخرة. ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة.

стр. 3049

وتوفّى الملك المؤيّد هزبر الدّين داود ابن الملك المظفّر يوسف بن عمر بن رسول التّركمانىّ الأصل اليمنىّ المولد والمنشأ والوفاة صاحب ممالك اليمن، تسلطن بعد أخيه فى المحرّم سنة ست وتسعين وستمائة فملك نيّفا وعشرين سنة، وكان قبل سلطنته تفقّه وحفظ كفاية المتحفّظ [ونهاية «١» المتلفّظ فى اللغة] ومقدّمة «٢» ابن بابشاذ. وبحث التنبيه «٣» وطالع وفضل وسمع الحديث، وجمع الكتب النفيسة فى سلطنته، حتى قيل إنّ خزانة كتبه اشتملت على مائة ألف مجلّد. وكان مشكور السّيرة محبّا لأهل الخير. ولمّا أنشأ قصره بظاهر زبيد قال فيه الأديب تاج الدين «٤» عبد الباقى اليمنى أبياتا، منها: أنسى بإيوانه كسرى فلا خبر ... من بعد ذلك عن كسرى لإيوان وفى الملك المؤيد يقول أيضا عبد الباقى المذكور وقد ركب المؤيّد فيلا: الله ولّاك يا داود مكرمة ... ورتبة ما أتاها قبل سلطان ركبت فيلا وظل الفيل ذا رهج ... مستبشرا وهو بالسلطان فرحان لك الإله أذلّ الوحش أجمعه ... هل أنت داود فيه أم سليمان

стр. 3050

وكانت وفاته فى ذى الحجّة، وتولى بعده ابنه الملك المجاهد علىّ، واضطربت ممالك اليمن بعد موته. وتولّى عدّة سلاطين يأتى ذكر كلّ واحد منهم فى محلّه إن شاء الله تعالى. وتوفّى مجد الدين أحمد بن معين الدين أبى بكر الهمدانىّ «١» المالكى خطيب الفيّوم، وكان يضرب به المثل فى المكارم والسؤدد وكان فصيحا خطيبا بليغا. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وخمس أصابع. وكان الوفاء ثانى أيام النسىء. والله أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٢] السنة الثالثة عشرة من ولاية الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ أبى البركات محمد ابن الشيخ أبى العزّ بن صالح بن أبى العزّ بن وهيب «٢» بن عطاء الأذرعىّ الحنفىّ بدمشق فى سابع المحرّم عقيب قدومه من الحجاز. ومولده سنة ثلاث وستين «٣» وستمائة. وكان إماما فاضلا فقيها بصيرا بالأحكام، حكم بدمشق نحو عشرين سنة، وخطب بجامع «٤»

стр. 3051

الأفرم مدّة، ودرّس بالظاهرية «١» والنّجيبيّة «٢» والمعظّميّة «٣» ، وأفتى وانتفع به غالب طلبة دمشق. وتوفّى الشيخ الإمام العالم الزاهد الفقيه المفتى الحافظ المسند المعمّر بقيّة السّلف رضىّ الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم ابن الطّبرىّ الكىّ الشافعىّ إمام المقام بالحرم الشريف، أمّ به أكثر من خمسين سنة. وكان فقيها صالحا عابدا. ومولده بمكّة فى سنة ست «٤» وثلاثين وستمائة. ومات فى شهر ربيع الأوّل. وتوفّى الشيخ الإمام الفقيه الصوفىّ علاء الدين أبو الحسن علىّ [بن الحسن «٥» ] ابن محمد الهروىّ الحنفىّ. كان فقيها فاضلا وسلك طريق التصوّف، وطاف البلاد وأقام بحلب مدّة وتصدّى للإفتاء والتدريس سنين. ومن إنشاده «٦» ﵀:

стр. 3052

كم حسرات فى الحشى ... من ولد قد انتشا كنّا نشاء رشده ... فما نشا كما نشا وتوفّى الأديب الشاعر جمال الدين أبو الفتح محمد بن يحيى بن محمد الأموىّ المصرىّ الشاعر المشهور. وكانت لديه فضيلة، وكان رحّالا طاف البلاد، ثم رجع إلى العراق فمات به. ومن شعره: وافى الربيع ولى سبع ألازمها ... لزوم مرء له فى الدهر تجريب ملك ومال ومملوك ومطربة ... مع المدام ومحبوب ومركوب وتوفّى الأديب الشاعر أبو على الحسن «١» بن محمود بن عبد الكبير «٢» اليمانى العدنىّ. كان فاضلا ناظما ناثرا، وله ديوان شعر مشهور باليمن وغيره. ومن شعره: برق تألّق من تلقاء كاظمة ... ما باله خطف الأبصار فى إضم قد خطّ منه على آفاقها خطط ... كأنهنّ ولوع البيض فى اللّمم وتوفّى الشيخ حسن العجمى الجواليقى «٣» القلندرى بدمشق، وكان أوّلا يسكن بالقاهرة، وعمّر له بها زاوية خارج باب النصر، وهى إلى الآن تعرف بزاوية «٤» القلندرية، ثم سافر إلى دمشق فمات بها. قال الشيخ عماد الدين إسماعيل بن كثير فى تاريخه: وكان قريبا من خواطر الملوك، لا سيما أهل بيت الملك المنصور قلاوون. وكان كثيرا ما ينشد أبياتا أوّلها:

стр. 3053

سلام على ربع به نعم البال ... وعيش مضى ما فيه قيل ولا قال لقد كان طيب العيش فيه مجرّدا ... من الهم والقوم اللوائم غفّال «١» وتوفّى الأمير عزّ الدين أيدمر بن عبد الله الساقى المعروف بوجه الخشب بدمشق. وكان من أعيان الأمراء، وفيه شجاعة وإقدام، وهو أحد من أخرجه الملك الناصر من مصر. وتوفّى القاضى قطب الدين محمد بن عبد الصمد [بن عبد القادر «٢» ] السّنباطىّ «٣» الشافعى، خليفة الحكم ووكيل بيت المال فى ذى الحجّة. وكان معدودا من الفقهاء وله وجاهة.

стр. 3054

وتوفّيت المسندة المعمّرة أمّ محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن أبى بكر بن شكر فى ذى الحجّة بالقدس عن أربع وتسعين سنة. وكانت رحلة زمانها، رحل إليها من الأقطار وصارت مسندة عصرها. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. وكان الوفاء أوّل أيام النسىء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٣] السنة الرابعة عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالتة على مصر، وهى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى قاضى القضاة نجم الدين أبو العبّاس أحمد ابن عماد الدين محمد ابن أمين الدين سالم ابن الحافظ المحدّث بهاء الدين الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى الثّعلبى «١» الدّمشقىّ الشافعىّ فى سادس عشر شهر «٢» ربيع الأوّل بدمشق، ودفن بتربتهم بالقرب من الرّكنيّة: ومولده سنة خمس وخمسين وستمائة. وكان إماما عالما بارعا مدرّسا مفتيا كاتبا مجوّدا، ولى عدّة تداريس، وباشر قضاء الشام استقلالا فى سنة اثنتين وسبعمائة مع عدّة تداريس. وكان له نظم ونثر وخطب. ومن شعره ﵀: ومهفف بالوصل جاد تكرّما ... فأعاد ليل الهجر صبحا أبلجا ما زلت ألثم ما حواه لثامه ... حتى أعدت الورد فيه بنفسجا وتوفّى الشيخ الأديب الفاضل صلاح الدين صالح بن أحمد بن عثمان البعلبكىّ «٣» الشاعر المشهور بالقوّاس. كان رجلا خيّرا صحب الفقراء وسافر البلاد، وكان

стр. 3055

أصله من مدينة خلاط «١» ، وكان يدخل الزوايا ويتواجد فى سماعات الفقراء، وله شعر كثير، من ذلك ما قاله فى ناعورة حماة: وناعورة رقّت لعظم خطيئتى ... وقد لمحت شخصى من المنزل القاضى بكت رحمة لى ثم ناحت لشجوها ... ويكفيك أن الخشب تبكى على العاصى وهو صاحب القصيدة ذات الأوزان «٢» التى أوّلها: داء ثوى بفؤاد شفّه سقم ... لمحنتى من دواعى الهمّ والكمد وتوفّى الشيخ الأديب الفاضل العدل شهاب الدين محمد بن محمد بن محمود ابن مكّى المعروف بابن دمرداش الدّمشقىّ، وبها مات ودفن بقاسيون. ومولده سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وكان شاعرا مجيدا، وكان فى شبابه جنديّا، فلمّا شاخ ترك ذلك وصار شاهدا. وشعره سلك فيه مسلك مجير الدين «٣» بن تميم، لأنّه صحبه وأقام معه بحماة مدّة عشرين سنة. ومن شعره: أقول لمسواك الحبيب لك الهنا ... بلثم فم ما ناله ثغر عاشق فقال وفى أحشائه حرق «٤» الجوى ... مقالة صبّ للديار مفارق تذكّرت أوطانى فقلبى كما ترى ... أعلّله بين العذيب وبارق قلت: ومثل هذا قول القائل: هنّئت يا عود الأراك بثغره ... إذ أنت فى الأوطان غير مفارق إن كنت فارقت العذيب وبارقا ... هأنت ما بين العذيب وبارق

стр. 3056

ومثله لابن قرناص «١» : سألتك يا عود الأراكة أن تعد ... إلى ثغر من أهوى فقبّله مشفقا ورد من ثنيّات العذيب منيهلا ... يسلسل ما بين الأبيرق والنّقا وقد ذكرنا مثل هذا عدّة كثيرة فى كتابنا «حلية الصفات فى الأسماء والصناعات» . وتوفى الشيخ الإمام العالم العلّامة الحافظ المؤرّخ الأخبارى الأديب كمال الدين عبد الرزّاق بن أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الفوطىّ «٢» صاحب التصانيف المفيدة، من جملتها: تاريخ كبير جدّا، وآخر دونه وسمّاه بمجمع الآداب فى معجم الأسماء على معجم الألقاب فى خمسين مجلّدا. والتاريخ الكبير على الحوادث من آدم إلى خراب بغداد وغير ذلك. وله شعر كثير ومجموع أدبيات سمّاه الدّرر الناصعة فى شعر المائة السابعة وصنف كتاب درر «٣» الاصداف فى غرر الأوصاف مرتّب على وضع الوجود من المبدأ إلى المعاد، يكوّن عشرين مجلّدا. وكتاب «تلقيح «٤» الأفهام فى المختلف والمؤتلف «٥» » مجدولا. وكان له يد طولى فى ترصيع التراجم، وذهن سيّال وقلم سريع وخطّ بديع إلى الغاية. قيل: إنّه كتب من ذلك الخطّ الفائق الرائق أربع كراريس فى يوم، وكتب وهو نائم على ظهره. وكان له نظر فى فنون الحكمة كالمنطق وغيره.

стр. 3057

وتوفّى الملك المجاهد سيف الدين أنص «١» ابن السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورىّ؛ بعد ما كفّ بصره من سهم أصابه، وكانت وفاته فى المحرّم. وتوفّى الأمير طيدمر سيف الدين الجمدار أحد أعيان الأمراء. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وست أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٤] السنة الخامسة عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن وون الثالثة على مصر، وهى سنة أربع وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى الشيخ الصالح المعتقد أيوب المسعودىّ «٢» بزاوية «٣» الشيخ أبى السعود بالقرافة، وقد قارب المائة سنة، وضعف فى آخر عمره، فكان يحمل إلى حضور الجمعة، وكان يذكر أنّه رأى الشيخ أبا السعود. وتوفّى الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ المحدث علاء الدين أبو الحسن علىّ بن إبراهيم بن داود بن سليمان الدّمشقىّ الشافعىّ الشهير بابن العطّار. كان فقيها محدّثا، وكانوا يسمونه مختصر النووى، ودرّس وأفتى سنين وانتفع به الناس. وتوفّى الأمير شمس الدين محمد بن عيسى بن مهنّا أمير العرب وملك آل فضل، وكان حسن الهيئة عاقلا حازما عارفا بالأمور. مات بسلمية «٤» .

стр. 3058

وتوفّى الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن ظافر فى جمادى الآخرة. وكان فقيها شافعيّا معدودا من أعيان الشافعيّة. وتوفّى الشيخ تقىّ الدين «١» محمد بن عبد الرحيم «٢» بن [عمر «٣» ] الباجربقىّ «٤» النحوىّ الشافعىّ فى شهر ربيع الآخر واتّهم بالزندقة فى تصانيفه ووقع له بسبب ذلك أمور، وهو صاحب «الملحمة الباجربقيّة، وله غيرها عدّة تصانيف أخر. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح فى جمادى الآخرة، وكان ناصر الدين هذا من جملة مقدّمى الألوف بالديار المصريّة، وكان معظّما فى الدولة موصوفا من الشّجعان. وتوفّى الأمير الطّواشى زين الدين عنبر الأكبر زمام «٥» الدور السلطانيّة فى جمادى الأولى وكان من أعيان الخدّام وأماثلهم. وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح محمود الحيدرى العجمىّ خارج القاهرة، وكان من محاسن أبناء جنسه. وتوفّى خطيب جامع عمرو بن العاص الشيخ نور الدين أبو الحسن علىّ بن محمد «٦» ابن حسن بن علىّ القسطلانيّ فى شهر ربيع الآخر، وكان ديّنا خيّرا. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم.

стр. 3059

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٥] السنة السادسة عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة خمس وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصورىّ الدّوادار صاحب التاريخ فى ليلة الخميس خامس عشرين شهر رمضان. كان أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، أنشأه ورقّاه إلى أن ولّاه نيابة الكرك إلى أن عزله الملك الأشرف خليل بالأمير آقوش الأشرفىّ نائب الكرك، ثم صار بعد ذلك دوادارا وناظر الأحباس مدّة طويلة، ثم ولى نيابة السلطنة فى أيام الملك الناصر محمد الثالثة فدام مدّة، ثم قبض عليه الملك الناصر وحبسه إلى أن مات. وقيل أطلقه بعد حبسه بمدّة. وكان أميرا عاقلا فاضلا معظّما فى الدول، وكان إذا دخل على الملك الناصر يقوم له إجلالا. وكان له أوقاف على وجوه البرّ، وهو صاحب المدرسة «١» الدّوادارية بخط سويقة «٢» العزّى خارج القاهرة. وله تاريخ «زبدة «٣» الفكرة فى تاريخ الهجرة» فى أحد «٤» عشر

стр. 3060

مجلدا، أعانه على تأليفه كاتبه ابن كبر «١» النصرانى. وكان يجلس عند السلطان رأس «٢» الميمنة عوضه. قلت: كانت قاعدة قديم، أنه من كان قديم هجرة من الأمراء يجلس فوق الجميع، ولم يكن يوم ذاك أمير كبير أتابك العساكر كما هى عادة أيامنا هذه، وإنما استجدّت هذه الوظيفة فى أيام السلطان حسن، وأوّل من وليها بخلعة الأمير شيخون، وصارت من يومئذ وظيفة إلى يومنا هذا. وتوفّى أمير المدينة النبوية الشريف منصور بن جمّاز بن شيحة الحسينىّ فى حرب كان بينه وبين حديثة ابن «٣» أخيه فقتله حديثة المذكور فى رابع عشرين شهر رمضان، فكانت مدّة ولايته على المدينة ثلاثا وعشرين سنة وأيّاما، واستقرّ عوضه فى إمرة المدينة ابنه كبيش بن منصور. وتوفّى الإمام العلّامة البليغ الكاتب المنشئ الأديب شهاب الدين أبو الثّناء محمود بن سليمان «٤» بن فهد الحلبىّ ثم الدّمشقىّ الحنبلىّ صاحب ديوان الإنشاء بدمشق فى ليلة السبت ثانى عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وسبعمائة. ومولده سنة أربع وأربعين وستمائة، ونشأ بدمشق وسمع الحديث وكتب المنسوب، ونسخ الكثير وتفقّه على أبى المنجا وغيره، وتأدّب بابن مالك ولازم مجد «٥» الدين بن الظّهير وحذا حذوه وسلك طريقه فى النظم والكتابة. وولى كتابة سرّ دمشق بعد موت

стр. 3061

القاضى «١» شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمرىّ إلى أن مات. وفيه يقول الأديب البليغ ألطنبغا «٢» الجاولى: قال النّحاة بأنّ الاسم عندهم ... غير المسمّى وهذا القول مردود الاسم عين المسمّى والدليل على ... ما قلت أنّ شهاب الدين محمود ومن شعر شهاب الدين المذكور: رأتنى وقد نال منى النّحول ... وفاضت دموعى على الخدّ فيضا فقالت بعينى هذا السّقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا قلت: وقد مرّ من ذكر الشهاب محمود هذا وشعره قطعة كبيرة فى فتوحات الملك المنصور قلاوون وغيره. وتوفّى الخطيب جمال الدين محمد بن تقىّ الدين محمد بن الحسن بن علىّ بن أحمد بن علىّ ابن محمد «٣» القسطلانيّ فى ليلة السبت مستهلّ شهر ربيع الأول. كان يخطب بجامع القلعة ويصلّى بالسلطان الجمعة، واستمرّ على ذلك سنين. وبعض الناس يحسب أنّ العادة لا يخطب ويصلّى بالسلطان إلّا القاضى الشافعىّ، وليس الأمر كذلك. وما استجدّ هذا إلا الملك الظاهر برقوق فى سلطنته الثانية، وإنما كانت العادة قبل ذلك من ندبه السلطان أن يخطب ويصلّى به فعل ذلك كائنا من كان. وتوفّى الشيخ شرف الدين يونس بن أحمد بن صلاح «٤» القلقشندىّ «٥» الفقيه الشافعىّ فى خامس عشرين شهر ربيع الآخر. وكان عالما فاضلا.

стр. 3062

وتوفّى الشيخ المقرئ تقىّ الدين محمد بن أحمد ابن الصّفىّ [عبد الخالق «١» ] الشهير بالتّقىّ الصائغ فى صفر؛ كان فاضلا مقرئا مجوّدا. وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله التّتارىّ المنصورىّ فى ذى القعدة. وكان من أعيان مماليك المنصور قلاوون، وصار من أعيان أمراء الديار المصريّة. وتوفّيت الشّيخة حجّاب «٢» شيخة رباط «٣» البغداديّة فى المحرّم. وكانت خيّرة ديّنة، ولها قدم فى الفقر والتصوّف. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وستّ أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. وكان الوفاء أوّل أيام النسىء. والله تعالى أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٦] السنة السابعة عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة ستّ وعشرين وسبعمائة.

стр. 3063

فيها توفّى شيخ الرافضة جمال الدين الحسين «١» بن يوسف [بن «٢» ] المطهّر الحلّى «٣» المعتزلىّ شارح «مختصر ابن الحاجب» فى المحرّم. كان عالما بالمعقولات، وكان رضىّ الخلق حليما، وله وجاهة عند خربندا ملك التّتار. وله عدّة مصنّفات، غير أنّه كان رافضيّا خبيثا على مذهب القوم، ولابن «٤» تيميّة عليه ردّ فى أربعة «٥» مجلّدات، وكان يسمّيه ابن المنجّس يعنى عكس شهرته كونه كان يعرف بابن المطهّر. وتوفّى الشيخ شرف الدين أبو الفتح أحمد ابن عزّ الدين أبى البركات عيسى ابن مظفّر بن محمد بن الياس المعروف بابن الشّيرجىّ الأنصارىّ الدّمشقىّ محتسب دمشق. ومولده سنة سبع وأربعين وستمائة. وتوفّى الشيخ الإمام سراج الدين عمر «٦» بن أحمد بن خضر بن ظافر بن طرّاد الخزرجىّ المصرىّ الأنصارىّ الشافعىّ خطيب المدينة النبويّة، كان خطيبا فصيحا مفوّها ديّنا. وتوفّى الأمير بدر الدين حسن ابن الملك الأفضل [علىّ بن محمود «٧» ] صاحب حماة. كان من أهل العلم، وكان أحد أمراء دمشق، وهو من بيت سلطنة ورياسة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.

стр. 3064

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٧] السنة الثامنة عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى السلطان أبو يحيى زكريّا بن أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الواحد ابن أحمد بن محمد اللّحيانىّ «١» المغربىّ ملك تونس بالإسكندرية بعد أن خرج من بلاده لأمر أوجب ذلك، وترك ملكه ونزل بالإسكندرية وسكنها بعد أن قدم القاهرة، ثم عاد إلى الإسكندرية، فمات بها. وتوفى الشيخ الإمام شمس الدين محمد ابن العلّامة الشهاب محمود المقدّم ذكره فى عاشر شوّال. وكان شمس الدين أيضا كأبيه فاضلا كاتبا بارعا، وتولّى كتابة سرّ دمشق وهو من بيت رياسة وفضل وكتابة. وتوفّى قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن علىّ بن صفىّ الدين أبى القاسم بن «٢» محمد بن عثمان البصراوىّ الحنفىّ قاضى قضاة دمشق فى شعبان، بعد ما حكم بدمشق عشرين سنة وحمدت سيرته، وكان إماما عالما ديّنا عفيفا مشكور السّيرة. وتوفى الطّواشى ناصر الدين نصر الشّمسىّ شيخ الخدّام بالحرم النبوىّ. وكان خيّرا ديّنا يحفظ القرآن ويكثر من التلاوة بصوت حسن. وتوفّى الأمير سيف الدين كوجرى بن عبد الله أمير شكار بالقاهرة فى تاسع «٣» عشرين ذى الحجّة. وكان أصله من مماليك عزّ الدين «٤» أيدمر نائب الشام فى الأيام الظاهرية، وكان هو من أعيان الأمراء بمصر.

стр. 3065

وتوفّى الأمير شمس الدين إبراهيم ابن الأمير بدر الدين محمد بن عيسى بن التّركمانىّ فى ثالث جمادى الآخرة بداره بجوار باب البحر، وكان فيه مكارم وله مروءة وعصبيّة مع حشمة ورياسة، وهو ابن صاحب جامع «١» التّركمانىّ المقدّم ذكره الذي بالقرب من باب البحر. وتوفّى الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك «٢» ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر [محمد «٣» بن نجم الدين أيّوب] بن شادى بدمشق فى حادى عشرين جمادى الآخرة عن أربع وسبعين سنة، وكان من جملة أمراء دمشق معظّما فى الدّول من بيت سلطنة ورياسة. وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله البدرىّ نائب حمص فى ليلة عيد الفطر. كان من أكابر الأمراء، وفيه شجاعة وإقدام مع كرم وحشمة. وتوفى لأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير الكبير أرغون بن عبد الله الدّوادار الناصرىّ نائب «٤» السلطنة بالديار المصرية، ثم نائب حلب فى ثالث عشر شعبان. وكان ناصر الدين هذا من جملة أمراء الديار المصرية معظّما فى الدولة. وتوفّى الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله المغربى «٥» الحاجب بالديار المصرية فى ثامن شهر رمضان «٦» وكان مقرّبا عند الملك الناصر، ومن أعيان أمرائه.

стр. 3066

وتوفّى العلّامة قاضى القضاة ذو الفنون جمال الإسلام كمال الدين أبو المعالى محمد بن علىّ بن عبد الواحد [بن عبد الكريم «١» ] الزّملكانىّ «٢» الأنصارىّ السّماكىّ «٣» الدّمشقىّ الشافعىّ قاضى قضاة دمشق بمدينة بلبيس «٤» فى سادس «٥» عشر رمضان. ومولده سنة سبع «٦» وستين وستمائة فى شوّال. وكان إماما علّامة بصيرا بمذهبه وأصوله، قوىّ العربية صحيح الذهن فصيحا أديبا ناظما ناثرا، أفتى وله نيّف وعشرون سنة، وصنّف وكتب؛ ومن مصنّفاته رسالة فى الردّ على الشيخ تقي الدين فى مسألة الطلاق، ورسالة فى الردّ عليه فى مسألة الزيارة، وشرح قطعة من المنهاج «٧» ، ونظم ونثر وتولّى قضاء دمشق بعد القاضى جلال الدين القزوينىّ لمّا نقل إلى قضاء الديار المصريّة، فتوجّه إلى مصر فمات ببلبيس. ومن شعره قصيدته التى مدح بها النّبيّ ﷺ التى أوّلها «٨» : أهواك يا ربّة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناى مغناك وأعمل العيس والأشواق ترشدنى ... عسى يشاهد معناك معنّاك تهوى بها البيد «٩» لا تخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا الغرّ مضناك تشوقها نسمات الصبح سارية ... تسوقها نحو رؤياك بريّاك

стр. 3067

ومنها: إنّى قصدتك لا ألوى على بشر ... ترمى النوى بى سراعا نحو مسراك وقد حططت رحالى فى حماك عسى ... تحطّ أثقال أو زارى بلقياك كما حططت بباب المصطفى أملى ... وقلت للنفس بالمأمول بشراك محمد خير خلق الله كلّهم ... وفاتح الخير ماحى كلّ إشراك قلت: وهى أطول من ذلك وكلها على هذا المنوال، وهو نظم فقيه لا بأس به. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. والله أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٨] السنة التاسعة عشرة من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى شيخ الإسلام تقىّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم [الخضر «١» ] بن محمد بن تيميّة الحرّانىّ الدّمشقىّ الحنبلىّ بدمشق فى ليلة الاثنين العشرين من ذى القعدة فى سجنه بقلعة دمشق. ومولده فى يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل سنة إحدى وستين وستمائة. وكان سجن بقلعة دمشق لأمور «٢» حكيناها فى غير هذا المكان. وكان إمام عصره بلا

стр. 3068

مدافعة فى الفقه والحديث والأصول والنحو واللّغة وغير ذلك. وله عدّة مصنّفات «١» مفيدة يضيق هذا المحلّ عن ذكر شىء منها. أثنى عليه جماعة من العلماء مثل الشيخ تقىّ «٢» الدين بن دقيق العيد والقاضى شهاب الدين الجوينى والقاضى شهاب الدّين ابن النّحاس. وقال القاضى كمال الدين بن الزّملكانىّ المقدّم ذكره: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، ثمّ جرت له محن فى مسألة الطلاق الثلاث، وشدّ الرّحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وحبّب للناس القيام عليه. وحبس مرات بالقاهرة والإسكندرية ودمشق، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق مع أنّه حصل له فى بعضها تعظيم من الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأطلق وتوجّه إلى دمشق وأقام بها إلى أن ورد مرسوم شريف فى سنة ستّ وعشرين وسبعمائة بأن يجعل فى قلعة دمشق فى قاعة، فجعل فى قاعة حسنة وأقام بها مشغولا بالتصنيف والكتابة. ثم بعد مدّة منع من الكتابة والمطالعة وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة ولا قلما ولا ورقة، ثم ساق ابن الزّملكانى كلاما طويلا الأليق الإضراب عنه. وتوفّى الأمير سيف الدين جوبان بن تلك بن ندوان «٣» نائب القان بو سعيد ملك التّتار، وكان جوبان هذا قد ثقل على بو سعيد فأسرّ إلى خاله ايرنجى «٤» قتله

стр. 3069

فلم يمكنه ذلك، فأخذ ابنه دمشق «١» خجا وقتله «٢» ، ففرّ جوبان إلى هراة فلم يسلم وقتل بها. وكان شجاعا عالى الهمّة حسن الإسلام. أجرى العين إلى مكّة فى جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وسبعمائة، وأنشأ مدرسة بالمدينة النبويّة، ولمّا مات حمل إلى مكّة مع الرّكب العراقىّ وطيف به الكعبة ووقف به عرفة وهو ميّت، ثم مضى به إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فدفن بالبقيع. وتوفّى أمير المدينة النبويّة الشريف كبيش بن منصور بن جمّاز الحسينىّ المدنىّ فى أوّل «٣» شعبان قتيلا. وكانت ولايته على المدينة بعد قتل أبيه منصور فى رابع «٤» عشر رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة، قتله أولاد ودّى «٥» ، وكان ودّى قد حبس بقلعة الجبل، فولى بعده إمرة المدينة أخوه طفيل. وتوفّى الأمير الكبير شمس الدين قراسنقر بن عبد الله المنصورىّ بمدينة مراغة «٦» من عمل أذربيجان «٧» فى يوم السبت سابع عشرين شوّال، وكان من كبار المماليك المنصوريّة وأجلّ أمرائهم، وقد ولى نيابة حلب والشام ثم حلب، وهو أحد من كان سببا فى قتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وأحد من كان السبب لعود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى ملكه فى هذه المرّة الثالثة، وقد مرّ من ذكره فى ترجمة المظفّر بيبرس الجاشنكير، وفى أوّل سلطنة الملك الناصر الثالثة، وحكينا

стр. 3070

كيفية خروجه من البلاد الحلبية إلى التتار، فلا حاجة إلى ذكر ذلك ثانيا، وما ذكرناه هنا إلّا بسبب وفاته والتعريف به. انتهى. وتوفّى ببغداد مفتى العراق وعالمه الشيخ جمال «١» الدين عبد الله بن محمد بن علىّ ابن حمّاد بن ثابت الواسطى مدرّس المستنصريّة «٢» فى ذى القعدة. ومولده فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وتوفّى الأمير سيف الدين جوبان بن عبد الله المنصورىّ أحد أكابر أمراء دمشق بها فى العشرين من صفر سنة ثمان وعشرين، وكان شجاعا مقداما. وتوفّى الأمير سيف الدين بكتمر البوبكرىّ «٣» فى سجنه بقلعة الجبل يوم الخميس النصف من شعبان. وكان من أكابر الأمراء من أصحاب بيبرس الجاشنكير وسلّار، فلمّا تسلطن الملك الناصر ثالث مرّة قبض عليه فى جملة من قبض عليهم وحبسه بقلعة الجبل إلى أن مات. وتوفّى الشيخ عفيف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن الواعظ الشهير بابن الخرّاط البغدادى الدّوالينىّ الحنبلىّ فى هذه السنة. ومولده فى سنة بضع «٤» وثلاثين وستمائة. وكان إماما واعظا بليغا، ولوعظه موقع فى القلوب وعليه قابليّة.

стр. 3071

وتوفّى الأمير جمال الدين خضر بن نوكاى «١» التتارى أخو خوند أردوكين «٢» الأشرفية المتوفية فى سنه أربع وعشرين. وكان خضر هذا من أعيان أمراء الديار المصرية، وله حرمة وثروة وحشم. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وتسع أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٢٩] سنة عشرين من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة تسع وعشرين وسبعمائة. فيها توفّى الأمير غرس الدين خليل بن الإربلىّ أحد أمراء العشرات بديار مصر فى سادس صفر، وأنعم السلطان بإمرته على إياجى الساقى. وكان خليل المذكور شجاه اصلا وجيها فى الدولة. وتوفى الأمير سعد الدين سعيد ابن الأمير الكبير حسام الدين حسين فى ثامن عشر المحرم وأنعم بإمرته على تكا «٣» الناصرىّ. وتوفّى الشيخ الإمام الفقيه جمال الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد «٤» الواسطىّ الأشمومىّ «٥» الشافعىّ المعروف بالوجيزى لكثرة قراءته «كتاب الوجيز «٦» »

стр. 3072

فى الفقه فى ثامن «١» عشر المحرّم. وكان فقيها عالما معدودا من فقهاء الشافعية، وتولّى قضاء قليوب والجيزة. وتوفّى الأمير الكبير شرف الدين حسين بن أبى بكر بن أسعد «٢» بن جندرباك الرومىّ فى سادس «٣» المحرّم. وكان قدم صحبة أبيه إلى الديار المصرية فى سنة خمس وسبعين وستمائة فى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ فى جملة من قدم من أهل الروم. وكان أبوه أمير جاندار متملّك بلاد الروم معظّما فى بلاده. وكان أمير حسين هذا رأس مدرج لحسام الدين لاچين لما كان نائب الشام، لأنه كان رأسا فى الصيد ولعب الطين، فلمّا تسلطن لاچين أمّره عشرة بمصر، ثم وقع له أمور وصار من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق، ونادم الأفرم نائب الشام إلى أن فرّ [الأفرم «٤» إلى بلاد التّتار] . توجّه الأمير حسين هذا إلى الملك الناصر محمد إلى الكرك، ثم توجه معه إلى الديار المصرية وصار مقرّبا عنده. وكان يجيد لعب الصيد والرّمى بالنّشّاب، فأنعم عليه الملك الناصر بتقدمة ألف بالديار المصرية، وأفرد له زاوية من الطيور الخاص، وجعله أمير شكار رفيقا للأمير الكوجرى، وصار له حرمة وافرة بالقاهرة. ووقع له أمور ذكرناها فى ترجمته فى «المنهل الصافى» مستوفاة. وطالت أيام الأمير حسين هذا فى السعادة. وعمر جامعه «٥» قريبا من بستان العدّة والقنطرة «٦» التى على الخليج بحكر «٧» جوهر النّوبىّ ولمّا فرغ من عمارة الجامع المذكور أحضر إليه المشدّ والكاتب حساب المصروف فرمى به إلى الخليج، وقال: أنا خرجت عن هذا لله تعالى، فإن

стр. 3073

خنتما فعليكما، وإن وفّيتما فلكما. وكان خفيف الرّوح دائم البشر لطيف العبارة، وكانت فى عبارته عجمة لكنة، كان إذا قال الحكاية أو النادرة يظهر لكلامه حلاوة فى القلب والسمع. وتوفّى الأمير سيف الدين بكتمر «١» بن عبد الله الحسامىّ الحاجب فى يوم الأربعاء حادى عشرين شهر ربيع الآخر «٢» بداره «٣» خارج باب النصر. وأنعم السلطان على ولده ناصر الدين محمد بإمرة عشرة وسنّه يومئذ ثلاث عشرة سنة. وفرّق الملك الناصر إقطاعه على جماعة، فكمل للأمير طرغاى «٤» الجاشنكير تقدمة ألف، وأنعم على الأمير قوصون الناصرىّ بمنية «٥» زفتة. وكان أصل بكتمر هذا من جملة مماليك الأمير حسام الدين طرنطاى نائب السلطنة للملك المنصور قلاوون، وكان أخذ من بلاد الروم سنة خمس وسبعين «٦» وستمائة فيما أخذ «٧» من مماليك السلطان غياث الدين كيخسرو

стр. 3074

متملّك بلاد الروم عندما دخل الملك الظاهر بيبرس إلى مدينة قيسريّة «١» ، وقد تقدّم ذكر ذلك فى ترجمة «٢» الظاهر. فصار بكتمر هذا إلى طرنطاى، وطرنطاى يوم ذاك مملوك الأمير سيف الدين قلاوون الألفىّ قبل سلطنته فربّاه وأعتقه. فلمّا قتل طرنطاى صار بكتمر هذا للأشرف خليل، فرتّبه فى جملة الأوجاقيّة فى الإسطبل السلطانىّ. ثم نقله [المنصور «٣» لاچين] وجعله أمير آخور صغيرا، ثم أنعم عليه بإمرة عشرة بعد وفاة الفاخرىّ «٤» . وما زال يترقّى حتّى ولى الوزارة، ثم الحجوبيّة بدمشق ثم نيابة غزّة ثم نيابة صفد ثم حجوبيّة الحجّاب بديار مصر إلى أن مات. وهو صاحب المدرسة والدار «٥» خارج باب النصر من القاهرة. وخلّف أموالا كثيرة، وكان معروفا بالشّحّ وجمع المال. قلت: وعلى هذا كان غالب أولاده وذريّته ممّن أدركنا. قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ فى تاريخه: «وكان له حرص عظيم على جمع المال إلى الغاية، وكان له الأملاك الكثيرة فى كلّ مدينة، وكان له قدور يطبخ فيها الحمّص والفول وغير ذلك من الأوانى تكرى، وكان بخيلا جدّا. حكى لى الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس قال: كنت عنده يوما وبين يديه صغير من أولاده وهو يبكى ويتعلّق فى رقبته ويبوس صدره، فلمّا طال ذلك من الصغير قلت له: ياخوند، ماله؟ قال: شيطان يريد قصب مصّ. فقلت: يا خوند اقض شهوته. فقال: يا بخشى «٦»

стр. 3075

سيّر إلى السّوق أربع فلوس هات له عودّا. فلمّا حضر العود القصب وجدوا الصغير قد نام ممّا تعنّى وتعب فى طلب القصب. فقال الأمير بكتمر: هذا قد نام، ردّوا العود وهاتوا الفلوس!» . انتهى كلام الصّفدىّ. قلت: ولأجل هذا كانت له تلك الأملاك الكثيرة والأموال الجمّة. وإلّا من هو بكتمر بالنسبة إلى غيره من الأتابكيّة ونوّاب البلاد الشاميّة وغيرهم من عظماء الأمراء! ولكن هذا من ذاك. انتهى. وتوفّى الشيخ الإمام جلال الدين أبو بكر عبد الله بن يوسف بن إسحاق بن يوسف الأنصارىّ الدّلاصىّ «١» إمام الجامع الأزهر بالقاهرة عن بضع وثمانين سنة. وكان يعتقد فيه الخير، وله شهرة بالدّين والصلاح. وتوفّى قاضى قضاة دمشق علاء الدين أبو الحسن علىّ بن إسماعيل بن يوسف القونوىّ الشافعىّ فى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة. وكان عالما مصنّفا بارعا فى فنون من العلوم. وتوفّى الأمير عزّ الدين أيبك الخطيرىّ أمير آخور فى العشرين «٢» من ذى القعدة. وتوفّى الأمير سيف الدين ساطلمش بن عبد الله الفاخرىّ فى ثالث ذى الحجّة، وأنعم بإقطاعه على الأمير كوجبا الساقىّ. وكان قديم هجرة فى الأمراء، وله وجاهة عند السلطان وغيره. وتوفى الأمير ناصر الدين نصر الطّواشى شيخ الخدّام بالحرم النبوىّ، ومقدّم المماليك السلطانية معا فى يوم الخميس عاشر شهر رجب. واستقرّ عوضه فى مشيخة الخدّام وتقدمة المماليك السلطانية الطّواشىّ عنبر السّحرتى. [ومات عزّ الدين «٣» ] القيمرىّ.

стр. 3076

وتوفّى الأمير علاء الدين علىّ بن الكافرى والى قوص. كان ولى عدّة أعمال، وكان من الظّلمة. وتوفّى الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الأيدمرىّ فى شهر ربيع الأول. وتوفّى الشيخ عزّ الدين أبو يعلى حمزة ابن المؤيّد أبى المعالى [أسعد «١» ] بن المظفّر بن أسعد بن حمزة القلانسىّ الشافعىّ بدمشق. وتوفّى الشيخ الإمام نجم «٢» الدين أبو عبد الله محمد بن عقيل بن أبى الحسن بن عقيل البالسىّ الشافعىّ بمصر. كان إماما فقيها مدرّسا مصنّفا، شرح التنبيه فى الفقه. وتوفّى القاضى معين الدين هبة الله ابن علم الدين مسعود بن عبد الله «٣» بن حشيش، صاحب ديوان الجيش بمصر، ثم ناظر جيش دمشق فى جمادى الآخرة. كان إماما فاضلا أديبا نحويّا كاتبا، وله فضائل، وتنقّل فى عدّة خدم. وتوفّى الأمير حسام الدين لاچين بن عبد الله الصغير بقلعة البيرة «٤» . وتوفّى شرف الدين يعقوب بن عبد الكريم بن أبى المعالى الحلبىّ «٥» بحماة. كان فاضلا كاتبا تنقّل فى عدّة خدم بالبلاد الشاميّة وغيرها، وتولّى كتابة السّرّ بحلب غير مرّة، وكان فيه رياسة وحشمة. «٦» وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباته: قالت العليا لمن حاولها ... سبق الصاحب واحتلّ ذارها فدعوا كسب المعالى إنّها ... حاجة فى نفس يعقوب قضاها

стр. 3077

وتوفّى الامير سيف الدين أغزلو «١» بن عبد الله الرّكنى منفيّا بقوص فى ربيع الآخر، وكان من أعيان الأمراء أصحاب بيبرس وسلّار. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وخمس أصابع. والله أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣٠] سنة إحدى وعشرين من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة ثلاثين وسبعمائة. فيها توفّى المسند المعمّر الرّحلة أحمد بن أبى طالب بن أبى النّعم بن نعمة بن الحسن بن علىّ المعروف بابن الشّحنة وبالحجّار الصالحىّ الدمشقىّ فى خامس عشرين صفر. ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ومات وهو مسند الدنيا وتفرّد بالرواية عن ابن الزّبيدىّ «٢» وابن اللّتّى «٣» مدّة سنين لا يشاركه فيها أحد، وسمع الناس عليه صحيح البخارىّ أكثر من سبعين مرّة لعلوّ سنده. وقدم القاهرة مرتين، وحدّث بها ورحل إليه من الأقطار. وتوفّى الأمير سيف الدين بهادر آص المنصورىّ أحد أمراء الألوف بدمشق فى تاسع عشر صفر الخير، وأنعم بإقطاعه على الأمير سنجر البشمقدار «٤» . وكان بهادر شجاعا مقداما فى الحرب، وتولّى نيابة صفد. وكان له أربعة أولاد منهم اثنان

стр. 3078

أمراء، فكان يضرب على بابه ثلاث طبلخانات. وقد تقدّم ذكره فى أواخر ترجمة «١» المظفّر بيبرس الجاشنكير لمّا قدم مملوك الملك الناصر على الأفرم نائب الشام ونحوه. وتوفّى الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله الدّوادارى المهمندار بدمشق فى نصف جمادى الأولى، وكان من جملة أكابر أمراء دمشق. وتوفّى الأمير سيف الدين قلبرس «٢» بن الأمير سيف الدين طيبرس الوزيرىّ بدمشق فى ليلة الجمعة ثامن ذى القعدة. وكان من جملة أمراء دمشق، وكان فيه مكارم وحشمة. وتوفّى الأمير عزّ الدين ألدمر «٣» بن عبد الله أمير جاندار مقتولا بمكّة المشرّفة فى يوم الجمعة رابع عشر ذى الحجة. وسبب قتله أنه توجّه إلى الحج فى هذه السنة، فقتله بعض عبيد أمير مكّة محمد «٤» بن عقبة بن إدريس بن قتادة الحسنىّ. وسببه أن بعض عبيد مكّة عبثوا على بعض حجّاج العراق وتخطّفوا أموالهم، فاستصرخ الناس به، وكان قد تأخّر عن الحاج مع أمير الركب لصلاة الجمعة بمكة، فنهض والخطيب على المنبر، فمنعهم من الفساد ومعه ولده، فتقدّم الولد فضرب بعض عبيد مكّة فضربه العبد بحربة فقتله. فلمّا رأى أبوه ذلك اشتدّ حنقه وحمل ليأخذ بثأر ابنه، فرمى الآخر بحربة فمات. وتفرّق الناس وركب بعضهم بعضا ونهبت الأسواق، وقتل خلق من الحجّاج وغيرهم. وصلّى بعض الناس والسيوف تعمل، وقتل مع ألدمر

стр. 3079

مملوكه وأمير عشرة يعرف بابن التّاجى «١» . وتراجع الأمراء المصريون إلى مكّة لطلب بعض الثأر فلم ينتج أمرهم وعادوا فارّين. ثم أمر أمير المصريين بالرحيل، وعادوا إلى القاهرة وأخبروا الملك الناصر محمد بن قلاوون، فجهّز إلى مكة عسكرا كثيفا وعليه عدّة من الأمراء، فتوجّهوا وأخذوا بثأر ألدمر وابنه، وقتلوا جماعة كثيرة من العبيد وغيرهم وأسرفوا فى ذلك وخرجوا عن الحدّ إلى الغاية، وتشتّت أشراف مكة والعبيد عن أوطانهم وأخذت أموالهم، وحكمت الترك مكّة من تلك السنة إلى يومنا هذا، وزال منها سطوة أشراف مكّة الرافضة والعبيد إلى يومنا هذا. وانقمع أهلها وارتدعوا، وكرههم الملك الناصر ومقتهم وأقصاهم «٢» ، حتى إنه لمّا حجّ بعد ذلك كان إذا أتاه صاحب مكّة لا يقوم له مع تواضع الملك الناصر للفقهاء والأشراف والصلحاء وغيرهم. وكان ألدمر المذكور معظّما عند الناصر وجيها فى دولته، وله الأملاك الكثيرة والأموال الجزيلة، وكان خيّرا ديّنا صالحا. وتوفّى القاضى الرئيس علاء الدين أبو الحسن علىّ ابن القاضى تاج الدين أحمد ابن سعيد بن محمد بن سعيد المعروف بابن الأثير كاتب سرّ مصر، فى يوم الأربعاء خامس عشر المحرم بعد ما تعطّل وأصابه مرض الفالج مدّة سنين. وكان ذا سعادات جليلة وحرمة وافرة وجاه عريض، يضرب به المثل فى الحشمة والرياسة. وتوفّى الأمير سيف الدين قدادار بن عبد الله والى القاهرة وصاحب القنطرة «٣» على خليج «٤» الناصرىّ خارج القاهرة فى سادس عشر صفر. وأنعم بإمرته على الأمير ما جار القبجاقىّ. وأصل قدادار هذا من مماليك الأمير برلغى «٥» الأشرفىّ المقدّم ذكره،

стр. 3080

وترقّى إلى أن ولى كشف الغربيّة وولاية البحيرة من أعمال الديار المصريّة، ثم ولاية القاهرة وتمكّن منها تمكّنا زائدا، وكان جريئا على الدنيا، ثم صرف عن ولاية القاهرة بناصر الدين محمد [بن «١» ] المحسنى، وأقام فى داره إلى أن خرج للحجّ ثم عاد وهو مريض، فلزم الفراش إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وتوفّى الشيخ شمس الدين محمد [بن محمد «٢» ] الرّومىّ شيخ خانقاه «٣» بكتمر الساقى فى يوم الأحد ثالث عشرين «٤» ذى الحجة، وولّى عوضه الشيخ زاده الدّوقاتى «٥» . ﵀. وتوفى الوزير شمس الدين أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل بن أحمد «٦» بن سهل [الأزدىّ «٧» ] الغرناطىّ الأندلسىّ بالقاهرة قافلا من الحجّ. وتوفّى الأمير سيف «٨» الدين كجكن بن عبد الله الساقى الناصرىّ فى سادس صفر. وكان من خواصّ الملك الناصر محمد وأكبر مماليكه. وتوفّى الشيخ الإمام الأديب ناصر الدين شافع «٩» بن علىّ بن عباس بن إسماعيل بن عساكر الكنانىّ «١٠» العسقلانىّ ثم المصرىّ سبط الشيخ محيى الدين بن عبد الظاهر.

стр. 3081

ومولده فى سنة تسع وأربعين وستمائة. وكان يباشر الإنشاء بمصر ودام على ذلك سنين إلى أن أصابه سهم فى نوبة «١» حمص الكبرى سنة ثمانين وستمائة فى صدغه فعمى منه، وبقى ملازم بيته إلى أن مات. وكان إماما أديبا فاضلا ناظما ناثرا جمّاعا للكتب، خلّف ثمانى عشرة «٢» خزانة كتب نفائس أدبيّة وغيرها. ومن شعره بعد عماه: أضحى وجودى برغمى فى الورى عدما ... وليس لى فيهم ورد ولا صدر عدمت عينى ومالى فيهم أثر ... فهل وجود ولا عين ولا أثر وله أيضا: قال لى من رأى صباح مشيبى ... عن شمالى ولمّتى ويمينى أىّ شىء هذا فقلت مجيبا ... ليل شكّ محاه صبح يقين وله فى شبّابة «٣» : سلبتنا شبّابة بهواها ... كلّ ما ينسب اللبيب إليه كيف لا والمحسّن القول فيها ... آخذ أمرها بكلتا يديه أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٧٣١] سنة اثنتين وعشرين من ولاية الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة على مصر، وهى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.

стр. 3082

فيها توفّى الأمير شهاب الدين صمغار «١» ابن الأمير شمس الدين «٢» سنقر الأشقر فى ثالث عشر «٣» المحرّم. وكان من جملة أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وأنعم الملك الناصر بإقطاعه على بهادر [بن أوليا «٤» ] بن قرمان. وكان صمغار المذكور بطلا شجاعا يخافه الملك الناصر، وفرح بموته. وتوفّى الأمير علاء الدين «٥» علىّ ابن الأمير قطلوبك الفخرىّ أحد أمراء العشرات فى سابع عشرين المحرّم، وأنعم بإقطاعه على الزّينى أمير حاجّ ابن الأمير طقزدمر الحموىّ. وتوفّى الأمير سيف الدين منكلى بغا السلاح دار فى يوم الأحد سادس «٦» صفر ودفن خارج باب النصر من القاهرة. وكان أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، وأنعم السلطان بإمرته على الأمير تمربغا السّعدىّ. وكان منكلى بغا المذكور كثير الأكل كثير النكاح، وله فيهما حكايات عجيبة مضحكة. وتوفّى قاضى القضاة بدمشق عزّ الدين أبو عبد الله محمد ابن تقىّ الدين سليمان ابن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة الحنبلىّ الدّمشقىّ بها فى يوم الأربعاء تاسع صفر. وكان ولى قضاء الحنابلة بدمشق بعد القاضى شرف الدين أبى محمد «٧» عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن عبد الغنىّ المقدسىّ إلى أن مات فى هذا التاريخ. وكان عالما فاضلا مشكور السّيرة.

стр. 3083

وتوفّى الأمير قجليس بن عبد الله أمير سلاح فى يوم الثلاثاء خامس عشر صفر، وأنعم السلطان بإقطاعه وهو إمرة مائة على الأمير ساطلمش الجلالى. وكان قجليس المذكور من أعيان أمراء الديار المصرية وأماثلهم. قلت: ولم يكن» أمير سلاح» تلك الأيام فى رتبة أيّامنا هذه. وإنّما كان أمره أنه يحمل سلاح السلطان ويناوله إيّاه فى يوم الحرب وفى عيد النّحر، وكان يجلس حيث كانت منزلته، واستمرّ ذلك إلى أوائل سلطنة الملك الظاهر برقوق حسب ما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى فى محلّه. وتوفّى الأمير سيف الدين طرجى «١» بن عبد الله الساقى أمير مجلس فى يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر. وكانت وظيفة أمير مجلس يوم ذاك أكبر من وظيفة أمير سلاح، وكان هو الذي يحكم على الجرايحية والحكماء وغيرهم. وتوفّى الشيخ المسند المعمّر بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن عمر بن حسّان «٢» ابن أبى بكر بن علىّ الحنفى فى يوم الثلاثاء خامس عشر صفر بالقاهرة، وهو آخر من حدّث عن سبط «٣» السّلفىّ، وكان صار رحلة الناس فى ذلك. وتوفّى الأمير سيف الدين بيغجار «٤» بن عبد الله الساقى أحد أمراء الطبلخاناه بديار مصر، وأنعم الملك الناصر بإقطاعه على الأمير عمر بن أرغون النائب. وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورىّ فى يوم الأربعاء ثامن شهر رجب، وهو أحد أمراء الألوف بالديار المصرية. وكان أميرا شجاعا كريما وجيها فى الدّول.

стр. 3084

وتوفّى الأمير الكبير أرغون بن عبد الله الناصرىّ نائب السلطنة الشريفة ثم نائب حلب، وبها مات فى ليلة السبت ثامن عشر شهر ربيع الأوّل وقيل ربيع الآخر. وأصله من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة. اشتراه وربّاه وأدّبه وتبنّى به وأمره بملازمة الاشتغال، فاشتغل ودأب وبرع وكتب الخطّ المنسوب، وسمع صحيح البخارىّ بقراءة الشيخ أثير الدّين «١» أبى حيّان، وكتب بخطّه صحيح البخارىّ، وبرع فى الفقه وأصوله، وأذن له فى الإفتاء والتدريس. قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ قال لى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، كان أرغون يعرف مذهب أبى حنيفة ودقائقه ويقصر فهمه فى الحساب إلى الغاية. قلت: كان قصور فهمه فى الحساب إذ ليس هو بصدده، ولو صرف همّته إلى ذلك لفهمه وعلمه على أحسن وجه. انتهى. ورقّاه أستاذه الملك الناصر لمّا رأى فيه مخايل النّجابة، وجعله دوادارا بعد الأمير بيبرس الدّوادار، ثمّ ولّاه نيابة السلطنة بديار مصر وجعل أمورها كلّها إليه. فدام فى نيابة السلطنة نحو ست عشرة سنة، ثم أخرجه لنيابة حلب. وقد ذكرنا «٢» سبب إخراجه لحلب فى أصل هذه الترجمة. وتولى نيابة حلب بعد عزل الأمير ألطنبغا الصالحىّ، فباشر نيابتها نحو أربع سنين. وهو الذي أمر بحفر نهر الساجور، وأجراه إلى حلب فى سنة إحدى وثلاثين. وكان ليوم وصوله يوم مشهود. وفى هذا المعنى يقول الرئيس شرف الدين أبو عبد الله الحسين [بن سليمان «٣» ] بن ريّان «٤» ﵀:

стр. 3085

لمّا أتى نهر الساجور قلت له ... ماذا التأخّر من حين إلى حين فقال أخّرنى ربّى ليجعلنى ... من بعض معروف سيف الدّين أرغون وقال الشيخ بدر الدين الحسن [بن عمر بن «١» الحسن] بن حبيب فى المعنى أيضا: قد أصبحت الشّهباء تثنى على ... أرغون فى صبح وديجور من نهر الساجور أجرى بها ... للناس بحرا غير مسجور وقد استوعبنا أمر أرغون هذا فى المنهل الصانى أكثر من هذا، إذ هو محلّ الإطناب فى التراجم. وتوفّى تاج الدين إسحاق [بن عبد الكريم «٢» ] ، وكان أوّلا يدعى عبد الوهاب، ناظر الخاصّ الشريف فى يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة. وكان أصله من أقباط مصر يخدم فى الدواوين، ثم صار ناظر الدولة، ثم باشر نظر الخاصّ بعد كريم الدين الكبير، فباشر بسكون وحشمة وانجماع «٣» عن الناس مع حسن سياسة إلى أن مات. وتولّى الخاصّ بعده ابنه شمس الدين موسى الذي وقع له مع النّشو ما وقع من العقوبات والمصادرات، ومدّ الله فى عمره إلى أن رأى نكبة النّشو وقتله، على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى فى محله من هذا الكتاب على سبيل الاختصار. وقد استوعبنا أمر موسى المذكور فى المنهل الصافى بما فيه عجائب وغرائب، فلينظر هناك. وتوفّى التاجر تاج الدين أبو بكر بن معين الدين محمد بن الدّمامينىّ رئيس تجار الكارم «٤» فى ثالث عشرين جمادى الآخرة، وقد قارب ثمانين سنة، وترك مائة ألف دينار عينا.
следующие страницы →