← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ابن عباس بالخلافة، وقد تقدم أيضاً. وفيها كانت قتلة مروان الحمار، وقد تقدم ذكره أيضا، وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس آخر خلفاء بني أمية، وكنيته أبو عبد الملك، القائم بحق الله، وأمه أم ولد كردية، كان يعرف بالحمار وبالجعدي، وتسميته بالجعدي نسبة لمؤدبه جعد بن درهم، وبالحمار، يقال فلان أصبر من حمار في الحروب، ولهذا لقب بالحمار، فإنه كان لا يفتر عن محاربة الخوارج، وقيل: سمي بالحمار لأن العرب تسمّى كل مائة سنة حمارا، فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان هذا بالحمار، وأخذوا ذلك من قوله تعالى في موت حمار العزيز: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ ... الآية وكان مولد مروان الحمار سنة اثنتين وسبعين بالجزيرة وأبوه متول عليها من قبل ابن عمه الخليفة عبد الملك بن مروان، فنشأ مروان في دولة أقار به وولي الولايات الجليلة، وافتتح عدة فتوحات حتى وثب على الأمر بعد إبراهيم بن الوليد، وبويع بالخلافة سنة سبع وعشرين ومائة، فلم يتهن بالخلافة لكثرة الحروب، وظهرت دعوة بني العباس وكان من أمرها ما كان وانقرض بموته دولة بني أمية. وفيها توفي خلائق يطول الشرح في ذكرهم ممن قتل في الحروب وأيضاً من أعوان بني أمية وغيرهم. وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخو الخليفة السفاح لأبيه، وقد تقدم ذكر واقعته مع مروان الحمار في أمر الكتاب، وأمه أم ولد بربرية اسمها أسلم، وكان أبوه محمد أوصى إليه بالعهد فإنه كان بويع سراً فأدركته المنية، وكان شيعتهم يكاتبونه من خراسان حتى وقع له مع مروان ما حكيناه، وحبسه إلى أن مات في هذه السنة وقيل في الماضية، وبعد موته انضمت شيعته على عبد الله السفاح. وفيها قتل سعيد بن عبد الملك بن مروان أبو محمد، وكان يعرف بسعيد الخير، قتل بسيف عبد الله بن علي العباسي عم السفاح، وكان ديّنا خيّرا ولى لأقار به خلفاء بني أمية

стр. 352

أعمالاً جليلة. وفيها توفي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان كان شجاعاً ديناً كريماً، وكان ولي العراق وحفر بالبصرة نهراً يعرف بنهر ابن عمر. وفيها توفّى محمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أبو عبد الملك الأنصاري، ولي قضاء المدينة. وفيها توفي محمد بن عبد الملك أخو سعيد لأبويه، تقدمت ترجمته في ولايته على مصر سنة خمس ومائة. وفيها توفي يزيد بن عمر بن هبيرة بن معاوية الأمير أبو خالد، وقيل أبو عمرو الفزاري، ولي الأعمال الجليلة وغزا القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك وجمع له بين العراقين سنة ثلاث ومائة وكان خطيباً شاعراً شجاعاً، وكان السفاح أمنه فبعث إليه أبو مسلم الخراساني وحرضه على قتله فأمر بقتله فقتل هو وابنه داود وكاتبه عمر بن أيوب وعدة من مواليه. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وإصبع واحد. ذكر ولاية صالح بن علي العباسي الأولى على مصر هو صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي، أول من ولي مصر من قبل خلفاء بني العباس، مولده بالسواد وقيل بالشراة «١» من أرض البلقاء سنة ست وتسعين من الهجرة، ولى مصر من قبل ابن أخيه أمير المؤمنين عبد الله السفاح بعد قتل مروان الحمار في أول محرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة وقد تقدم ذكر قتاله مع مروان في ترجمة عبد الملك بن مروان بن موسى أمير مصر ولما ولي صالح مصر بعث ببيعة أهل مصر لأمير المؤمنين عبد الله السفاح، ثم أخذ صالح في إصلاح أمر مصر وقبض على جمع كثير من المصريين الأمويّين، منهم

стр. 353

عبد الملك بن مروان بن موسى أمير مصر وأخوه، وقتل كثيراً من شيعة بني أمية وحمل طائفة منهم إلى العراق وقتلوا بقلنسوة من أرض فلسطين، وأمر للناس بأعطياتهم للمقاتلة والعيال، وقسم الصدقات على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، وزاد في المسجد زيادة هائلة، وجعل على شرطته ابن هانئ» الكندي، ثم ورد عليه بعد مدة طويلة كتاب السفاح بإمارته على فلسطين والاستخلاف على مصر، فاستخلف على مصر أبا عون عبد الملك، وخرج منها في شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وسار معه عبد الملك بن مروان بن موسى، الذي كان أمير مصر، مكرماً وعدة من أهل مصر- تأتي بقية ترجمة صالح بن علي هذا في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى- فكانت ولاية صالح على مصر في هذه المرة سبعة أشهر وأياماً. *** السنة التي حكم فيها صالح على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائة- فيها استعمل الخليفة السفاح على البصرة عمه سليمان بن علي، واستعمل على مكة خاله زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن ابن خالة محمد بن زياد بن عبيد الله. وفيها وجه السفاح على إفريقية محمد بن الأشعث. وفيها خرج ببخارا شريك بن شيخ المهري «٢» ، وكان قد نقم على أبي مسلم الخراساني تجبره فجهز إليه أبو مسلم جيشاً فحاربوه وقتلوه. وفيها خرج طاغية الروم قسطنطين بجيوشه وأخذ ملطية وهدم السور والجامع. وفيها قتل عبد الله بن علي عم السفاح الخليفة خلقا كثيرا من قواد بني أمية. وفيها توفي داود بن علي بن عبد الله بن العباس عم [الخليفة «٣» ] السفاح، وكان ولي المدينة ومكة

стр. 354

وحج بالناس في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو أول أمير حج بالناس من بني العباس، وقتل داود هذا أيضاً في ولايته خلقاً من بني أمية وأعوانهم، ثم مات بعد أشهر، واستخلف حين احتضر على عمله ولده موسى، فاستعمل السفاح على مكة خاله زياداً المقدم ذكره، وموسى «١» بن داود على إمرة المدينة لا غير. وفيها قتل عبد الرحمن ابن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وفيها قتل عبد الله بن علي عم السفاح ثعلبة وعبد الجبار ابني أبي سلمة بن عبد الرحمن. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وتسعة أصابع. ذكر ولاية أبي عون الأولى على مصر هو أبو عون، واسمه عبد الله وقيل عبد الملك بن يزيد الأمير أبو عون، أصله من أهل جرجان ولي صلاة مصر وخراجها باستخلاف صالح بن علي بن عبد الله بن العباس له في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة، واستمر أبو عون بمصر إلى أن وقع الوباء بها فخرج منها، واستخلف على مصر صاحب شرطته عكرمة بن عبد الله ابن عمرو بن قحزم (وقحزم بفتح القاف وسكون الحاء المهملة وفتح الزاي وبعدها ميم) ثم عاد أبو عون إلى مصر بعد الوباء وأقام بها إلى أن خرج منها ثانياً إلى دمياط في سنة خمس وثلاثين ومائة، واستخلف على مصر عكرمة أيضاً وجعل على الخراج عطاء بن شرحبيل. وفي هذه السنة خرج القبط عليه بسمنود بالوجه البحري من

стр. 355

أعمال مصر فبعث إليهم أبو عون جيشاً فحاربوهم وقتلوهم، وفي أيام أبي عون هذا سكنت أمراء مصر العسكر «١» . وسببه أنه لما قدم صالح بن علي العباسي وأبو عون هذا بجموعهم إلى مصر في طلب مروان الحمار نزلت عساكرهما الصحراء جنب جبل يشكر الذي هو الآن جامع أحمد بن طولون وكان فضاءً، فلما رأى أبو عون ذلك أمر أصحابه بالبناء فيه فبنوا وبنى هو به أيضاً دار الإمارة ومسجد عوف بجامع «٢» العسكر، وعملت الشرطة «٣» أيضاً في العسكر وقيل لها الشرطة العليا، وإلى جانبها بنى الأمير أحمد بن طولون جامعه «٤» الموجود الآن، وسمي من يومئذ ذلك الفضاء

стр. 356

العسكر وصار منزلاً لأمراء مصر من بعد أبي عون وصار العسكر مدينة ذات أسواق ودور عظيمة، وفيه أيضاً بنى الأمير أحمد بن طولون بيمارستانه «١» ، وكان البيمارستان المذكور بالقرب من بركة قارون «٢» التي صارت الآن كيماناً وبعضها بركة على يسار من مشى من حدرة ابن «٣» قميحة يريد قنطرة السد، وعلى هذه البركة بنى كافور الإخشيدي داراً «٤» صرف عليها مائة ألف دينار وسكنها، وزادت العمائر في العسكر إلى أن ولي أحمد بن طولون وقدم إلى مصر من العراق، فنزل على عادة الأمراء بدار الإمارة بالعسكر، فما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر والميدان «٥»

стр. 357

بالقطائع «١» وتحول إليها، ودام بها إلى أن مات وولي ابنه خمارويه بن أحمد بن طولون وجعل دار الإمارة بالعسكر ديوان الخراج، يأتي ذكر ذلك في ترجمتهما إن شاء الله تعالى. فلما زالت دولة بني طولون وولي محمد بن سليمان الكاتب الأتي ذكره سكن بدار في العسكر عند المصلى القديمة حيث الكوم المطل الآن على قبر القاضي بكار «٢» بن قتيبة، وما زالت الأمراء بعد ذلك تنزل بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر المعزي من المغرب إلى مصر وبنى القاهرة المعزّية فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. انتهى أمر العسكر وسبب بنيانه باختصار، وهذا التعريف بالعسكر مقدمة لما يأتي بعد ذلك من سكن أمراء مصر به. وأما أبو عون فإنه لما أرسل وحارب القبط وقتلهم بسمنود عاد إلى مصر، وبينما هو كذلك في أموره ورد عليه كتاب الخليفة أبي العباس عبد الله السفاح بعزله وولاية صالح بن علي العباسي ثانياً على مصر على الصلاة والخراج، ومع ذلك ولاية فلسطين أيضاً والغرب، ثم وردت الجيوش من قبل السفاح مع صالح بن علي لغزو المغرب، وكانت ولاية أبي عون على مصر في هذه المرة الأولى ثلاث سنين إلا

стр. 358

أربعة أشهر، ويأتي بقية ترجمة أبي عون هذا في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى. *** السنة الأولى من ولاية أبي عون على مصر وهي سنة أربع وثلاثين ومائة- على أنه حكم مصر أشهراً من سنة ثلاث وثلاثين ومائة التي ذكرناها فى حوادث صالح بن على. اهـ. فيها (أعني سنة أربع وثلاثين ومائة) تحول الخليفة السفاح من الحيرة ونزل الأنبار وسكنها. وحج بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى العباسي. وفيها كانت حروب كثيرة من جهة ملك الصين وغيره كما هي عوائد أوائل الدول، والسفاح مشغول في تمهيد الممالك في هذه السنة والخالية. وأما عمال السفاح في هذه السنة: على الشأم عبد الله بن علي عم السفاح، وعلى مصر أبو عون صاحب الترجمة، وعلى الجزيرة وأذربيجان أخو الخليفة السفاح، وعلى ديوان الأموال خالد بن برمك، وعلى خراسان أبو مسلم الخراساني، وعلى البصرة سليمان بن علي عم السفاح. وفيها توفي يزيد بن يزيد «١» بن جابر الأزدي، كان من الزهاد الخائفين البكائين، أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل ﵁. وفيها توفي يونس بن عبيد أبو عبد الله مولى عبد القيس من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، كان يحدث ثم يقول: أستغفر الله ثلاثاً. وفيها كان الطاعون بالري وأعمالها ومات فيه خلق كثير. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وستة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع.

стр. 359

*** السنة الثانية من ولاية أبي عون على مصر وهي سنة خمس وثلاثين ومائة- فيها خلع زياد طاعة الخليفة السفاح بما وراء النهر فتهيأ لحربه أبو مسلم الخراساني، وبعث نصر بن راشد إلى ترمذ «١» ليحصنها، فقاتلته طائفة من الخوارج، وسار أبو مسلم وحارب زياد بن صالح المذكور وقبض عليه. وذكر الذهبي هذه الواقعة في سنة خمس وثلاثين ومائة. وفيها أيضاً كانت حركة ملك الصين، وكان زياد بن صالح المذكور متولي سمرقند فتهيأ لقتاله وكتب إلى أبي مسلم الخراساني بذلك، ووقع لهم معه أمور وحروب إلى أن انهزم ملك الصين، كل ذلك قبل خروج زياد بن صالح عن الطاعة. وفيها توفيت رابعة «٢» العدوية البصرية الزاهدة العابدة، وكانت مولاة لآل عتيك، وكان سفيان الثوري وأقرانه يتأدبون معها، وكانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعةً خفيفة حتى يسفر الفجر ثم تثب إلى الصلاة وتقول: يا نفس كم تنامين، وإلى كم لا تقومين «٣» ؛ يوشك أن تنامين نومة لا تقومين منها إلا بصرخة «٤» . وفيها قتل سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، وكان سليمان مبايناً لمروان الحمار والتجأ لبنى العباس فأمنه السفاح وصار يجالسه، فأرسل إليه أبو مسلم الخراساني يقول: قد بقي من الشجرة الملعونة فرع، في كلام طويل، فلم يلتفت السفاح إلى كلامه فدس أبو مسلم إلى سديف الشاعر مالاً وقال له: قل في هذا المعنى شعراً، فأنشد سديف المذكور السفاح وأشار إلى سليمان:

стр. 360

لا يغرنك ما ترى من رجالٍ ... إن تحت الضلوع داءً دويا فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا فكان ذلك سبب قتله فضرب السفاح عنقه وعنق ولديه وصلبهم. وفيها توفي عطاء الخراساني البجلي أبو عثمان بن أبي مسلم ميسرة مولى المهلب بن أبي صفرة من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، كان عالماً زاهداً فقيه أهل خراسان. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ذكر ولاية صالح بن علي العباسي ثانياً على مصر وليها ثانياً من قبل السفاح فقدم مصر بجيوش كثيرة من فلسطين لغزو بلاد المغرب، وكان قدومه إلى مصر في يوم خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومائة، ولما دخل مصر أقر عكرمة على شرطته بالفسطاط وجعل على شرطته بالعسكر يزيد بن هانىء الكندي، وولى أبا عون المعزول عن إمرة مصر جيوش المغرب وقدمه صالح المذكور أمامه إلى نحو إفريقية، وكان خروج أبي عون بجيوشه إلى نحو المغرب في جمادى الآخرة من سنة ست وثلاثين وجهزت المراكب من إسكندرية إلى برقة، وبينما هم في ذلك قدم الخبر بموت أمير المؤمنين عبد الله السفاح في ذي الحجة واستخلاف أبي جعفر المنصور، فأقر أبو جعفر المنصور عمه صالح بن علي هذا على عمل مصر على عادته وكتب إلى أبي عون بالرجوع عن غزو إفريقية، فأرسل صالح إلى أبي عون بالخبر، فأقام أبو عون ببرقة أحد عشر شهراً ثم عاد إلى مصر بجيشه، فجهزه صالح هذا إلى فلسطين لحرب الخوارج بها، فسار أبو عون وحاربهم وهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمةً، وسير إلى مصر

стр. 361

منهم ثلاثة آلاف رأس، ثم خرج صالح بن علي بعد ذلك من مصر إلى فلسطين واستخلف ابنه الفضل على صلاة مصر، فسافر حتى بلغ بلبيس ثم رجع إلى مصر وأقام بها إلى أن خرج منها ثانياً لأربع خلون من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة فلقى أبا عون فأمره على صلاة مصر وخراجها معاً ومضى إلى فلسطين، ودخل أبو عون الفسطاط لأربع بقين من شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين ومائة وسكن العسكر ودام على إمرة مصر، واستمر صالح بن علي بفلسطين إلى أن أمره المنصور بالتوجه لغزو الروم في سنة ثمان وثلاثين ومائة فخرج صالح حتى نزل مرج دابق، وأقبلت جيوش الروم مع ملكهم قسطنطين في مائة ألف، فلقيه صالح هذا بالمسلمين ونصره الله تعالى على الروم فقتل منهم وسبى وغنم، ثم حج بالناس في سنة إحدى وأربعين ومائة ثم غزا الروم والصائفة غير مرة، وهو الذي بنى حصن دابق ومات وهو عامل حمص بقنسرين، وقيل مات بعين أباغ «١» ، وقد بلغ ثمانياً وخمسين سنة، واستخلف ابنه الفضل على حمص فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على ذلك، وكان صالح صالحاً فاضلاً، وله رواية أسند عن أبيه، وروى عنه ابناه إسماعيل وعبد الملك، وهو عم السفاح والمنصور. *** السنة الأولى من ولاية صالح بن علي العباسي الثانية على مصر وهي سنة ست وثلاثين ومائة- على أن أبا عون حكم منها أشهراً على مصر. فيها بايع أهل دمشق هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان لما بلغهم موت السفاح. وحكى الذهبي ذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة اهـ، فتوجّه صالح ابن علي من فلسطين بالجيوش إلى الشام، فلما أظلهم صالح بالجيوش وهربوا ملك

стр. 362

صالح الشام بعد أمور صدرت. وفيها دعا عبد الله بن علي العباسي عم السفاح لنفسه وقال: إن السفاح قال: من انتدب لمروان الحمار فهو ولي عهدي من بعدي، وعلى هذا خرجت، فلما بلغ الخليفة أبا جعفر المنصور ذلك قال لأبي مسلم الخراساني: فإنما هو أنا وأنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بن علي المذكور فوقع له معه وقعة هائلة كاد أن ينهزم فيها أبو مسلم، ثم كان النصر له وانهزم عبد الله ابن علي، فلما بلغ المنصور ذلك بعث لأبي مسلم الخراساني بولاية مصر والشأم معاً فأظهر أبو مسلم الغضب وقال: يوليني مصر والشام وأنا لي خراسان! وعزم على الشر، وقيل: بل شتم المنصور لما جاءه من عنده من يحصي الغنائم، وأجمع على الخلاف ثم طلب خراسان، وخرج المنصور إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم ليقدم عليه في طريقه، فرد عليه الجواب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان «١» أنه أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، فإن أرضاك ذلك فإنا أحسن عبيدك، وإن أبيت نقضت ما أبرمت من عهدك «٢» . فرد عليه المنصور الجواب يطمنه مع جرير بن يزيد البجلي، وكان واحد وقته فخدعه. وأما عبد الله بن علي وأخوه عبد الصمد، فقصد عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه المنصور، وتوجه عبد الله بن علي إلى أخيه سليمان بن علي متولي البصرة فاختفى عنده، والصحيح أن هذه الفتنة كان ابتداؤها في أواخر هذه السنة غير أن الوقعة والهرب كانا في سنة سبع وثلاثين ومائة. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي، أول خلفاء بني العباس، مات في ذي الحجة وله ثلاث وثلاثون

стр. 363

سنة، وكانت خلافته أربع «١» سنين، فإنه ولي في سنة اثنتين وثلاثين ومائة قبل قتل مروان الحمار، وبه كان انقراض دولة بني أمية، وكان أبوه محمد بن علي، بويع بالخلافة قبل موته بسنتين «٢» فلم يتم أمره، وعهد عند موته لابنه السفاح «٣» هذا قبل أبي جعفر المنصور، وكان أسن من السفاح ولما مات [السفاح «٤» ] هذا، ولي أخوه أبو جعفر المنصور الخلافة من بعده. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وثمانية أصابع. *** السنة الثانية من ولاية صالح بن علي العباسي على مصر وهي سنة سبع وثلاثين ومائة- فيها قدم الخليفة أبو جعفر المنصور الكوفة وتأخر بعده أبو مسلم الخراساني بأيام؛ وكانا تلك السنة معاً في الحج فأتاهما الخبر بموت السفاح وبخلافة المنصور. وقد ذكرنا خروج عبد الله بن علي العباسي على أبي جعفر المنصور في العام الماضى وهو وهم، وإن كان خروجه كان في آخر السنة الماضية فما واقعه أبو مسلم إلا في هذه السنة. اهـ. وفيها حج بالناس إسماعيل بن علي وهو أمير الموصل، وكان أمير المدينة في هذه السنة زياد بن علي، وأمير مكة العباس بن عبد الله، ومات في آخر السنة، فأضاف أبو جعفر المنصور مكة إلى زياد، وكان على

стр. 364

الكوفة عيسى بن موسى العباسي، وعلى البصرة سلمان بن علي عم المنصور، وعلى خراسان أبو داود، وعلى مصر صالح صاحب الترجمة، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة. وفيها قتل الخليفة أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني وولى أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان عوضه، واسم أبي مسلم عبد الرحمن وهو صاحب دعوة بني العباس وأحد من قام بأمرهم حتى تم له ذلك ووطأ لهم البلاد وقتل العباد وقصة قتلته تطول. وكان أبو مسلم شاباً جباراً مقداماً شجاعاً عارفاً صاحب رأي وتدبير ودهاء ومكر وعقل وحذق، قيل إنه كان يجامع في السنة مرة واحدة مع كثرة جواريه، فقيل له في ذلك، فقال: يكفي الشخص أن يتجنن في السنة مرة. ويحكى أن أبا جعفر المنصور لما قتله أدرجه في بساط وطلب جعفر بن حنظلة، فقال أبو جعفر المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله ها هو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قال: يا أمير المؤمنين، هذا أول «١» خلافتك، فأنشد المنصور: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر «٢» ثم أنشد المنصور ثانياً وبين يديه وجوه دولته وأعوان مملكته وأعيانها وأقاربه: زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم اشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم واختلف في اسم أبي مسلم واسم أبيه، فقيل: اسمه عبد الرحمن بن مسلم بن شقيرون بن إسفنديار، وقيل: عبد الرحمن بن عثمان بن يسار، وقيل: عبد الرحمن

стр. 365

ابن محمد، وسماه أبو بكر الخطيب إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سدوس بن جودر «١» من ولد يزدجرد «٢» ، وقيل: إنما سماه عبد الرحمن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي العباسي، وكناه: أبا مسلم، وكانت كنيته: أبا اسحاق، وكان مولده سنة مائة بأصبهان. اهـ. وفيها توفي صفوان بن صالح بن صفوان أبو عبد الملك الدمشقي الثقفى ولد سنة ست وسبعين، وكان فقيهاً زاهداً عابداً، وكان يؤذن بجامع دمشق. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعاً وستة أصابع. ذكر ولاية أبي عون الثانية على مصر كانت ولايته هذه الثانية على مصر من قبل صالح بن علي العباسي لما توجه إلى فلسطين كما تقدم ذكره، ثم أقره الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر على صد؟؟؟ ها وخراجها معاً، وكان يوم دخول أبي عون المذكور إلى مصر يوم سادس عشرين شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين ومائة، وجعل على شرطته عكرمة بن عبد الله وعلى الدواوين عطاء بن شرحبيل، ودام أبو عون على صلاة مصر وخراجها معاً إلى أن قدم الخليفة أبو جعفر المنصور إلى بيت المقدس، فكتب بطلب أبي عون المذكور إلى عنده ببيت المقدس وأمره بأن يستخلف على مصر، فاستخلف أبو عون المذكور عكرمة على الصلاة وعطاء بن شرحبيل على الخراج، وخرج من مصر في النصف من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة، فلما وصل أبو عون إلى المنصور ببيت المقدس عزله عن إمرة مصر وولى عليها موسى بن كعب، فكانت ولايته

стр. 366

هذه الثانية على مصر ثلاث سنين وستة أشهر، ودام أبو عون في صحبة الخليفة أبى جعفر المنصور، وحضر وقعة الراوندية مع المنصور، والراوندية: قوم من أهل خراسان على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة يأتي ذكرهم في الحوادث في سنة الواقعة مع المنصور. *** السنة الأولى من ولاية أبي عون الثانية على مصر وهي سنة ثمان وثلاثين ومائة- فيها بعث أبو جعفر المنصور لقتال ملبد الشيباني خازم بن خزيمة، فسار خازم في ثمانية آلاف فارس، وكان ملبد هذا قد خرج على المنصور من أول خلافته فالتقوا فقتل ملبد بعد حروب كثيرة. وفيها غزا صالح بن علي الروم على دابق «١» ، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته وأخذ ملطية، وكانت الروم أخذوها من مدة سنين. وفيها حج بالناس الفضل بن صالح بن علي العباسي من الشام من عند أبيه. وفيها توفّى زيد ابن واقد الدمشقي؛ وفيها ظهر عبد الله بن علي العباسي وبعث بالبيعة مع أخيه سليمان متولي البصرة إلى أبي جعفر المنصور فأمنه أبو جعفر المذكور وعفا عنه. وفيها دخل عبد الرحمن «٢» بن معاوية الأموي إلى الأندلس واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة، وكان هرب من بني العباس إلى المغرب ودخل الأندلس، فسمي بعبد الرحمن الداخل، يأتي ذكره وذكر أولاده من بعده في عدة أماكن من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وذكر الذهبي وفاة جماعة كثيرة في هذه السنة، قال: وتوفي زيد بن واقد القرشي بدمشق، وسهيل بن أبي صالح في قولٍ، وسليمان بن فيروز أبو إسحاق

стр. 367

الشيباني «١» في قول، والعلاء بن عبد الرحمن المدني، وعبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله المخزومي في قول، وعلقمة بن أبي علقمة في قول، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب في قول، وليث بن أبي سليم في قول «٢» ، والمسور بن رفاعة القرظي المدني. أمر النيل في هذه السنة الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وسبعة أصابع. *** السنة الثانية من ولاية أبي عون الثانية على مصر وهي سنة تسع وثلاثين ومائة- فيها حج جعفر بن حنظلة البهراني «٣» فأتى ملطية وهي خراب فعسكر بها، وأقبل الأمير عبد الواحد فنزل على ملطية فزرع أرضها وطبخ كلساً لبناء سورها، ثم خرج عنها لأمرٍ اقتضى ذلك، فأرسل طائفة الروم من أحرق الزرع. وفيها خرج الأمير صالح بن علي المقدم ذكره والعباس بن محمد فأوغلا في بلاد الروم، وغزتا معهما أم عيسى ولبابة أختا الأمير صالح بن علي المذكور وعمتا المنصور الخليفة، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل الله، وبعد هذا العام لم يكن غزو إلى سنة ست وأربعين ومائة لاشتغال الخليفة المنصور بخروج ابني عبد الله بن الحسن عليه. وفيها عزل المنصور عمه سليمان بن علي عن البصرة وولّى عليها سفيان ابن سعيد. وفيها اختفى عبد الله بن علي وابنه خوفاً على أنفسهما، وعبد الله هذا هو الذي كان خرج على المنصور وأختفي عند أخيه سليمان الذي عزل عن البصرة في هذا العام ثم ظفر به المنصور وسجنه. وفيها حج بالناس العباس ابن أخي المنصور.

стр. 368

وفيها في قول صاحب المرآة: وصل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان إلي جزيرة الأندلس وملكها، ويسمى عبد الرحمن الداخل، وكنيته أبو المطرف «١» ، وأمه أم ولدٍ وبويع بالأندلس في هذه السنة، وهو أول الخلفاء من بني أمية وأقام عليها ثلاثاً وثلاثين سنة، وقد تقدم ذكر عبد الرحمن هذا في الماضية في قول الذهبي. وفيها وسع الخليفة أبو جعفر المنصور المسجد الحرام مما يلي دار الندوة. وفيها توفي عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي قاضي دمشق في أيام الوليد بن يزيد. وفيها توفي عمرو بن مهاجر بن دينار أبو عبيد، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشام. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأحد عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً وعشرون إصبعاً. *** السنة الثالثة من ولاية أبي عون الثانية على مصر وهي سنة أربعين ومائة- فيها بنى المصيصة «٢» جبريل بن يحيى وسكنها الناس. وفيها ثار جمع من جند خراسان على أميرها أبي داود خالد بن إبراهيم ليلاً حتى وصلوا إلى داره فأشرف عليهم وجعل ينادي أصحابه فانكسرت به آجرة فوقع من أعلى داره فانكسر ظهره ومات من الغد، فبعث الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة خراسان عوضه عبد الجبار بن عبد الرحمن

стр. 369

الأزدي، فسار المذكور وقبض على جماعة من أهل خراسان وقتلهم. وفيها توجه الأمير عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد العباسي ابن أخي الخليفة أبي جعفر المنصور إلى ملطية فأقام بها سنة حتى بناها ورم شعثها وأسكنها الناس. وفيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور وعاد من الحج فزار بيت المقدس وسلك الشأم في طريقه ونزل الرقة فقتل بها منصور بن جعفر العامري ثم سار إلى الهاشمية وهي مدينة الكوفة وأمر بالشروع فى بناء مدينة بغداد واختطّها. وذكر الذهبي بناء بغداد في سنة خمس وأربعين ومائة قال: وفي هذه السنة أسست مدينة السلام بغداد وهي التي تدعى مدينة المنصور، سار المنصور يطلب موضعاً يتخذه بلداً فبات ليلةً موضع القصر، فطاب له المبيت ولم ير إلا ما يحب، فقال: ها هنا ابنوا فإنه طيب ويأتيه مادة الفرات ودجلة والأنهار، فخط بغداد ووضع أول لبنة بيده وقال: بسم الله وبالله والحمد لله ابنوا على بركة الله؛ وسأل راهباً هناك عن أمر الأرض وصحتها وقال: هل تجدون في كتابكم «١» أن تبنى ها هنا مدينة؟ قال: نعم؛ يبنيها مقلاص «٢» ، قال: فأنا «٣» كنت أدعى بذلك، وطلب المنصور الصناع والفعلة من البلاد وأحضر المهندسين والحكماء والعلماء، وكان فيمن أحضر حجاج بن أرطاة وأبو حنيفة، ورسمت له بالرماد سورها وأبوابها وأسواقها، ثم بنيت حتى كمل المهم منها في عام والباقي في أربع سنين، وكانت بقعة بغداد مزرعة تدعى المباركة لستين نفسا فعوّضهم المنصور عنها وأرضاهم، وقيل: إنه ليس في الدنيا مدينة مدورة سواها، وعمل في وسطها دار المملكة بحيث إنه إذا كان في قصره كان

стр. 370

جميع أطراف البلد إليه سواء، وسكنها المنصور ونقل إليها خزائنه، وقيل سعتها مائة وثلاثون جريباً، وأنفق عليها مائة «١» ألف ألف درهم. وقال بدر المعتضدي قال لنا أمير المؤمنين: انظروا كم سعة مدينة المنصور؟ فحسبنا فإذا هي ميلان مكسران في ميلين، وقيل: مسافة ما بين كل باب وباب ألف ومائتا ذراع، وكلها مبنية بالآجر واللبن، واللبنة ذراع في ذراع، وزنتها مائة رطل وسبعة عشر رطلاً. ولها أربعة أبواب بين الباب والباب ثمانية وعشرون برجاً وعليها سوران، ثم بنى الجامع والقصر، وفي صدر القصر القبة الخضراء، ارتفاعها ثمانون ذراعاً، ودامت حتى سقط رأسها في ليلة مطر ورعد في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة؛ وكان لا يدخل هذه المدينة أحد راكباً سوى المنصور وابنه محمد المهدي «٢» . وقال الصولي قال أحمد «٣» بن أبي طاهر: ذرع بغداد- يعني الجديدة- ذرع الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب، وفي نسخة أخرى غير رواية الصولي: أنها من الجانبين ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة، قال الصولي وذكر ابن أبي طاهر: أن عدد حماماتها كانت ذلك الوقت ستين ألفاً، وقال: أقل ما يدير «٤» كل حمام خمسة أنفس، وذكر أن بإزاء كل حمام خمسة مساجد. قال الذهبي: وكذا نقل الخطيب في تاريخه، وما أعتقد أنا هذا قط ولا عشر ذلك، ثم قال الخطيب: حدّثنى هلال بن الحسن «٥» قال: كنت بحضرة جدّى إبراهيم

стр. 371

ابن هلال الصابي فقال تاجر: يذكر أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمام فقال جدي: سبحان الله! هذا سدس ما كنا عددناه وحصرناه زمن الوزير المهلبي، ثم كانت في دولة عضد الدولة بن بويه خمسة آلاف. ونقل ابن خلكان أن استكمال بغداد كان في سنة تسع وأربعين ومائة، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وبغداد اليوم هي الجديدة بالجانب الشرقي؛ وفيها دار الخلافة. انتهى كلام الذهبي وغيره باختصار. وقد خرجنا عن المقصود في هذا الكتاب لكثرة الفوائد. وفيها توفي منصور بن جعونة بن الحارث بن خالد العامري كان ممن خرج على بني العباس وامتنع عن بيعتهم. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة قال: وفيها توفي أيوب أبو العلاء القصاب، وداود «١» بن أبي هند في أولها، وأبو حازم سلمة «٢» بن دينار الأعرج، وسهيل ابن أبي صالح، وسعد بن إسحاق بن كعب، وصالح بن كيسان، وعروة بن رويم. وقيل: وفيها توفي عمارة بن غزية الأنصاري، وعمرو «٣» بن قيس السكوني الحمصي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعاً وعشرون إصبعا ونصف. ذكر ولاية موسى بن كعب على مصر هو موسى بن كعب الأمير أبو عيينة التميمي، أحد نقباء بني العباس، ولاه الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر بعد عزل أبي عون، فدخل مصر

стр. 372

لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائة وسماه صاحب «البغية» موسى بن كعب بن عيينة. اهـ. قلت: وولي على صلاة مصر وخراجها معاً، ونزل العسكر المقدم ذكره وسكنه، وجعل على شرطته عكرمة بن عبد الله وباشر أمر مصر «١» بحرمة وافرة، ونهى الجند «٢» أن «٣» يتوجهوا إليه أو يتكلموا معه إلا في أمر مهم ولا يفعلوا به كما كانوا يفعلون بالأمراء من قبله، فانتهوا عنه حتى إنه لم يمكن «٤» أحداً أن يجتاز ببابه إلا من له عنده حاجة أو أذن له في ذلك. وموسى هذا هو أول من بايع أبا العباس السفاح بالخلافة في مبدأ أمره وأخرجه إلى الناس، وكان هو القائم بأمر بني العباس مع أبي مسلم الخراساني، وكان موسى هذا يسافر إلى البلاد ويدعو الناس للقيام مع بني العباس حتى قبض «٥» عليه أسد بن عبد الله القسري عامل خراسان يوم ذاك لبني أمية، فأمر به أسد فألجم بلجام وكسرت أسنانه وعوقب ثم أطلق بعد شدائد، فلما صار الأمر إلى بني العباس أمالوا الدنيا عليه، وكان قاسى الأهوال بسبب دعوتهم وعذب وحبس كما سيأتي ذكره، وكان يقول لما ولي مصر: كانت لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلما جاء الخبز ذهبت الأسنان؛ وكان أبو جعفر المنصور يعظمه ويجل مقداره، وكان جعله على شرطته ثم ولاه مصر مكرهاً وأضاف له السند، فلم تطل مدته على إمرة مصر وعزله أبو جعفر المنصور في ذي القعدة كما سيأتي ذكره بمحمد بن الأشعث، وكتب إليه المنصور: إني عزلتك عن غير سخط، ولكن بلغني أن عاملاً «٦»

стр. 373

يقتل بمصر يقال له موسى، فكرهت أن تكونه؛ فأخذ موسى كلام المنصور لغرض من الأغراض، فقتل بعد ذلك بسنين موسى بن مصعب، في خلافة محمد المهدي كما سيأتي ذكره إن شاء الله، ولما صرف موسى بن كعب عن إمرة مصر استخلف على الجند خالد بن حبيب وعلى الخراج نوفل بن الفرات، وخرج موسى هذا من مصر لست بقين من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائة، وكانت ولايته على مصر سبعة أشهر وأياماً، ولما خرج من مصر سار حتى قدم على الخليفة أبي جعفر المنصور فأكرم الخليفة نزله وولاه على الشرطة ثانياً، ومات بعد مدة يسيرة، وقيل: إنه توجه مريضاً فمات في أثناء قدومه ولم يل الشرطة ولا غيرها، وعلى القولين فأنه مات في هذه السنة رحمه الله تعالى. وأما أمر موسى هذا مع أسد وكان ذلك في سنة سبع عشرة ومائة فإنه كان خرج هو وسليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهرّ بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة ابن زريق فدعوا الناس لبني العباس، فظهر أمرهم فقبض عليهم أسد بن عبد الله وقال لهم: يا فسقة، ألم يقل الله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فقال له سليمان بن كثير: نحن والله كما قال الشاعر: لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري «١» صيدت والله العقارب بيديك. إنا أناس من قومك وإن المضرية رفعوا إليك هذا لأننا كنا أشدّ الناس على قتيبة ابن مسلم فطلبوا بثأرهم، فحبسهم وأطلق من كان معهم من أهل اليمن لأنه كان

стр. 374

منهم، وأراد قتل من كان من مضر، فدعا موسى بن كعب هذا وألجمه بلجام حمار وجذب اللجام فتحطمت أسنانه ودق وجهه وأنفه، ثم دعا لاهز بن قريظ وضربه ثلثمائة سوط «١» . *** السنة التي حكم فيها موسى بن كعب على مصر وهي سنة إحدى وأربعين ومائة فيها كان عزله وولايته. وفيها كانت وقعة الراوندية ببغداد، وهم قوم من خراسان على رأي أبي مسلم الخراساني، يقولون بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم ﵇ حلّت فى عثمان بن نهيك، وأنّ المنصور هو ربهم، وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل، وأتوا قصر المنصور وجعلوا يطوفون به، فقبض المنصور على مائتين منهم وحبسهم فغضب الباقون، فعمدوا إلى نعش فارغ وحملوه يزعمون أنها جنازة ومروا بها على باب السجن، فشدوا على أهل السجن بالسلاح حتى فتحوا باب السجن، وأخرجوا أصحابهم وقصدوا المنصور، فخرج إليهم المنصور على غفلة فكانت بينهم وقعة كاد المنصور أن يقتل فيها، وقتل عثمان بن نهيك بسهم ثم وضع المنصور فيهم السيف. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر المنصور زياد بن عبيد الله «٢» الحارثي عن مكة والمدينة والطائف وولى محمد بن خالد بن عبد الله القسري المدينة، وولى الهيثم بن معاوية مكة والطائف. وفيها توفي موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني أبو محمد صاحب المغازي مولى أل الزبير بن العوام، ومغازيه في مجلد صغير، أدرك سهل بن سعد وحدث عن أم خالد بنت خالد وعن عروة وكريب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والأعرج وحمزة بن عبد الله بن عمرو الزهري وخلقٍ، وحدث عنه ابن جريج والأمام مالك وعبد الله بن المبارك وابن عيينة وغيرهم.

стр. 375

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ذكر ولاية محمد بن الأشعث على مصر هو محمد بن الأشعث بن عقبة بن أهبان الخزاعي أمير مصر، وليها من قبل المنصور بعد عزل موسى بن كعب التميمي، ولاه أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور على الصلاة والخراج معاً وقدم مصر في يوم الاثنين خامس ذى الحجة من سنة إحدى وأربعين ومائة، وولى على شرطته المهاجر بن عثمان الخزاعي ثم عزله وجعل عوضه محمد بن معاوية الكلاعي مكانه. ولما استقر محمد بن الأشعث هذا في إمرة مصر، أرسل الخليفة أبو جعفر المنصور إلى نوفل بن الفرات أن يعرض على محمد بن الأشعث ضمان خراج مصر، فإن ضمنه فأشهد عليه وأشخص إلي الشهادة، وإن أبى فكن أنت على الخراج عادتك، فعرض نوفل على ابن الأشعث هذا الكلام فأبى من الضمان، فانتقل نوفل إلى الدواوين ففقد محمد بن الأشعث من عنده فسأل عنهم، فقيل له: هم عند صاحب الدواوين، فندم ابن الأشعث على ما وقع منه من ترك الخراج، ثم جهز ابن الأشعث جيشاً بعث به إلى المغرب فانهزم الجيش، وخرج ابن الأشعث يوم الأضحى سنة اثنتين وأربعين ومائة وتوجه إلى الإسكندرية واستخلف محمد بن معاوية صاحب شرطته على الصلاة ولم يكن إلا القليل وورد عليه البريد بعزله عن إمرة مصر، وولي مصر عوضه حميد بن قحطبة وذلك في أوائل سنة ثلاث وأربعين ومائة، وخرج محمد بن الأشعث بعد عزله عن مصر وتوجه إلى الخليفة المنصور فأكرمه أبو جعفر المنصور وجعله من أكابر أمرائه، ودام عنده حتى وجهه المنصور مع ابنه محمد المهدي إلى غزو الروم فتوجه محمد بن

стр. 376

الأشعث مع المهدي هو والحسن بن قحطبة، فمرض ابن الأشعث في أثناء الطريق ومات، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وشهراً واحداً، وكان عنده نباهةُ وشجاعة ومعرفة، وهو أحد أكابر أمراء بني العباس، وقد تقدم ذكره في عدة وقائع، منها واقعة جهور «١» بن مرار «٢» العجلي، وأمره أنه خلع الخليفة المنصور بالري. وكان سبب ذلك أن جهوراً لما هزم سنباذ حوى ما كان في عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم الخراساني فلم يوجهها إلى المنصور، ثم خاف من المنصور فخلعه من الخلافة، فوجه إليه أبو جعفر المنصور محمد بن الأشعث هذا في جيش عظيم، فسار محمد هذا إلى نحو الري، ففارقها جهور وسار نحو أصبهان، ودخل محمد الري وملك جهور أصبهان، فأرسل إليه محمد عسكراً وبقي هو بالري، فأشار على جهور بعض أصحابه أن يسير في نخبة من عسكره إلى جهة محمد بن الأشعث فإنه في قلة، فإن ظفر به فلم يكن [لمن «٣» ] بعده بقية، فسار جهور إليه مجداً، وبلغ محمداً خبره فحذر واحتاط «٤» وأتاه عسكر من خراسان فقوي بهم فالتقوا بقصر الفيروزان «٥» بين الري وأصبهان فاقتتلوا قتالاً عظيماً، ومع جهور نخبة فرسان العجم، فهزم جهور وقتل من أصحابه خلق كثير، فهرب جهور ولحق بأذربيجان ثم قتل بعد ذلك بأسبار «٦» قتله أصحابه وحملوا رأسه إلى أبي جعفر المنصور؛ ولمحمد هذا عدة مواقف وأمور يطول شرحها.

стр. 377

*** السنة التي حكم فيها محمد بن الأشعث على مصر وهي سنة اثنتين وأربعين ومائة- فيها خرج عيينة بن موسى متولي السند عن الطاعة، فخرج الخليفة أبو جعفر المنصور إلى البصرة وجهز عمرو بن حفص العتكي على السند لمحاربة ابن موسى المذكور، فسار وغلب على الهند والسند. وفيها نقض إصبهبذ طبرستان وقتل من بها من المسلمين، فانتدب لحربه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم وأبو الخصيب مرزوق مولى المنصور، فحاصروه حتى ظفروا بالمدينة وقتلوا وسبوا «١» ، فلما رأى إصبهبذ ذلك مص سماً كان في خاتمه فهلك، وكان من جملة السبي شكلة أم إبراهيم ابن المهدى الآتى ذكرها وذكره فى الحوادث. وفيها ولى الخليفة أبو جعفر المنصور أخاه العباس بن محمد على الجزيرة. وفيها توفي حميد بن أبي حميد الطويل كان ثقة كثير الحديث، أسند عن أنس وغيره، وروى عنه الإمام مالك وغيره. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، قال: وفيها توفي أسلم المنقرىّ، وحبيب بن أبى عمرة القصاب، والحسن بن عبيد الله، والحسن بن عمرو الفقيمى، وأبو هانئ حميد بن هانئ الخولاني المصري، وحميد الطويل في قول، وخالد الحذاء، وسعد بن إسحاق بن كعب في قول، والأمير سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وعاصم بن سليمان الأحول، وعمرو بن عبيد المعتزلي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وإصبع واحد، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وثلاثة عشر إصبعا.

стр. 378

ذكر ولاية حميد بن قحطبة على مصر هو حميد بن قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان الطائي أمير مصر، وليها من قبل الخليفة أبي جعفر المنصور بعد عزل محمد بن الأشعث في أوائل سنة ثلاث وأربعين ومائة، جمع له أبو جعفر المنصور صلاة مصر وخراجها معاً، فدخل إلى مصر في عشرين ألفاً من الجند يوم الجمعة لخمسٍ خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين ومائة، فجعل على الشرطة محمد بن معاوية بن بحير، وقبل أن تطول مدته بمصر ورد عليه عسكر آخر من قبل الخليفة لغزو إفريقية، وكان قدوم العسكر المذكور إلى مصر في شوال من السنة، فجهز حميد العساكر وجعل عليهم أبا الأحوص العبدي، وكان العسكر ستة آلاف فارس، فتوجه أبو الأحوص بمن معه من العساكر حتى التقى مع أبي الخطاب الأنماطي ببرقة فتقاتلا، فانهزم أبو الأحوص بمن معه إلى جهة الديار المصرية، فخرج حميد بن قحطبة بنفسه حتى وصل إلى برقة والتقى مع أبي الخطاب المذكور، فقاتله حتى هزمه وقتل أبا الخطاب المذكور وجماعة من أصحابه، ثم عاد إلى مصر منصوراً، فأقام بها إلى أن قدم إلى مصر علي بن محمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن داعيةً لأبيه فدس «١» إليه حميد هذا فتغيب، فكتب ذلك لأبي جعفر المنصور فغضب وصرفه عن إمرة مصر في ذي القعدة بيزيد بن حاتم،

стр. 379

فخرج حميد بن قحطبة من مصر لثمان بقين من ذى القعدة سنة أربع وأربعين ومائة، وكانت ولايته على مصر سنة واحدة وشهرين إلا أياماً. ولما خرج حميد بن قحطبة المذكور من مصر توجه إلى الخليفة أبي جعفر المنصور فأكرمه الخليفة وجعله من جملة أمرائه، ووجهه بعد ذلك لغزو إرمينية في سنة ثمان وأربعين ومائة فسار ثم عاد ولم يلق حرباً، ثم أرسله الخليفة أبو جعفر المنصور أيضاً في سنة اثنتين وخمسين ومائة لغزو كابل، ثم ولاه بعد ذلك إقليم خراسان مدة، ثم نقله إلى عمل خراسان فأقام بها مدة طويلة إلى أن مات في خلافة المهدي سنة تسع وخمسين ومائة، وكان أميراً شجاعاً مقداماً عارفاً بأمور الحروب والوقائع، وتنقل في الأعمال الجليلة، معظماً عند بني العباس، وقد تقدم ذكر ما حضره حميد هذا مع أبيه قحطبة من الوقائع في ابتداء دعوة بني العباس، ثم قام هو وأخوه الحسن بن قحطبة في دعوتهم، وقاتلوا جيوش مروان بن محمد؟؟؟ لى أن هزموه وتم أمر بني العباس؛ فعرفوا لحميد ذلك، وولوه الأعمال الجليلة إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. *** السنة الأولى من ولاية حميد بن قحطبة على مصر وهي سنة ثلاث وأربعين ومائة- فيها بلغ المنصور أن الديلم قد أوقعوا بالمسلمين وقتلوا منهم خلائق، فندب أبو جعفر المنصور الناس للجهاد. وفيها عزل المنصور الهيثم عن إمرة مكة بالسري ابن عبد الله بن الحارث بن العباس العباسي. وفيها حج بالناس عيسى بن موسى ابن محمد بن علي الهاشمي العباسي أمير الكوفة.

стр. 380

قال الذهبي: وفي هذا العصر «١» شرع علماء الإسلام فى تدوين الحديث والفقه والتفسير، وصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي بالكوفة، وصنف الأوزاعي بالشأم، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير صنف هشام كتبه، وصنف الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، ثم ابن المبارك والقاضي أبو يوسف يعقوب وابن وهب، وكثر تبويب العلم وتدوينه، ورتبت ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان سائر العلماء يتكلمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف صحيحة غير مرتبة؛ فسهل ولله الحمد تناول العلم فأخذ الحفظ يتناقص، فلله الأمر كله انتهى كلام الذهبىّ. وفيها توفّى سليمان ابن طرخان أبو القاسم التيمي، من الطبقة الرابعة من تابعي [أهل «٢» ] البصرة، كان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الغداة بوضوء العشاء سنين عديدة. وفيها توفي يحيى ابن سعيد أبو سعيد الأنصاري القاضي الفقيه، من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، قدم على الخليفة أبي جعفر المنصور بالكوفة فاستقضاه على الهاشميّة.

стр. 381

أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرة أصابع سواء. *** السنة الثانية من ولاية حميد بن قحطبة على مصر وهي سنة أربع وأربعين ومائة- فيها غزا محمد بن أبى العباس السفاح الديلم بجيش الكوفة والبصرة وواسط والجزيرة. وفيها قدم محمد المهدي ابن الخليفة على أبيه أبي جعفر المنصور من خراسان وقد بنى بابنة عمه ريطة بنت السفاح. وفيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور، وخلف على العسكر خازم بن خزيمة، فاستعمل على المدينة رياح بن عثمان المزنىّ وعزل محمد القسري. وكان المنصور قد أهمه شأن محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، لتخلفهما عن الحضور إلى عنده مع الأشراف، وما كفاه ذلك حتى قيل له: إن محمد بن عبد الله المذكور ذكر أن المنصور لما حج قبل أن يلي الخلافة في حياة أخيه السفاح وكان ممن بايع له ليلة اشتور «١» بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين «٢» اضطرب ملك بني أمية. قلت: لعل ذلك كان قبل أن يلي السفّاح الخلافة وقبل قتل مروان الحمار. اهـ. وكان أبو جعفر المنصور سأل زياداً متولي المدينة عنهما قبل ذلك؛ فقال: ما يهمك [من أمرهما «٣» ] يا أمير المؤمنين، أنا آتيك بهما، فضمنه إياهما في سنة ست وثلاثين ومائة ولم يف زياد بالضمانة، وصار المنصور في أمر عظيم من جهة عبد الله وابنيه، وطال عليه الأمر، وعبد الله وولداه

стр. 382

في اختفائهم، حتى قبض المنصور على عبد الله المذكور وحبسه وحبس معه جماعةً كثيرة من بني حسن، وهم حسن وإبراهيم ابنا حسن بن الحسن، وحسن بن جعفر ابن حسن بن الحسن، وسليمان وعبد الله ابنا داود بن حسن بن الحسن، وسهيل وإسحاق ابنا إبراهيم المذكور، وعيسى بن حسن بن الحسن، وأخوه علي القائم «١» ؛ فقيد المنصور الجميع وحبسهم، [وجهر «٢» على المنبر بسب محمد بن عبد الله وأخيه فسبح الناس وعظموا ما قال، فقال رياح: ألصق الله بوجوهكم الهوان، لأكتبن إلى خليفتكم غشكم وقلة نصحكم، فقالوا: لا نسمع منك يا بن المحدودة «٣» ، وبادروه يرمونه بالحصى، فنزل واقتحم دار مروان وأغلق الباب، فخف بها الناس، فرموه وشتموه ثم إنهم كفوا، ثم إن آل حسن حملوا في أقيادهم إلى العراق] . وفيها توفي صالح بن كيسان أبو محمد، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة «٤» ، كان يؤدّب [ولد «٥» ] عمر بن عبد العزيز بن مروان وأولاد الوليد بن عبد الملك، ثم ضمه عمر بن عبد العزيز إلى نفسه، وكان قد جمع بين الفقه والحديث والدين والمروءة. وفيها توفي عبد الله بن

стр. 383

شبرمة الضبي أبو شبرمة، من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، كان فقيهاً ديناً حسن الخلق قليل الحديث. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وأحد عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً واثنا عشر إصبعا. انتهى الجزء الأوّل من النجوم الزاهرة ويليه الجزء الثانى وأوّله ذكر ولاية يزيد بن حاتم على مصر

стр. 384

[الجزء الثانى] [تتمة ما وقع من الحوادث سنة ١٤٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ذكر ولاية يزيد بن حاتم على مصر هو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي الطائي المهلبي أمير مصر، ولاه الخليفة أبو جعفر المنصور على الصلاة والخراج معا بعد عزل حميد ابن قحطبة عن إمرة مصر سنة أربع وأربعين ومائة، فقدم إلى مصر في يوم الاثنين النصف من ذي القعدة من السنة المذكورة، فأقر على شرطته عبد الله بن عبد الرحمن، وعلى الخراج معاوية بن مروان بن موسى بن نصير «١» . وكان يزيد جواداً ممدحاً شجاعاً. قال يزيد: كنت يوماً واقفاً بباب المنصور أنا ويزيد بن أسيد السلمي إذ فتح باب القصر وخرج خادم لأبي جعفر المنصور، فنظر إلينا ثم انصرف فدخل وأخرج رأسه من طاق وقال: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم فلا يحسب التمتام أنّى هجوته ... ولكنّنى فضّلت أهل المكارم فقال له يزيد بن حاتم: نعم نعم على رغم أنفك وأنف من بعثك؛ فخرج الخادم وأبلغها الخليفة أبا جعفر، فضحك حتى استلقى. وهذا الشعر لربيعة بن ثابت الرقي يمدح يزيد هذا. وفي أيام يزيد بن حاتم المذكور ظهرت بمصر دعوة بني الحسن بن علي ابن أبي طالب وتكلم بها الناس وبايع كثير منهم لبني الحسن في الباطن

стр. 385

وماجت الناس بمصر وكاد أمر بني الحسن أن؟؟؟، والبيعة كانت باسم على بن محمد ابن عبد الله، وبينما الناس في ذلك قدم البريد برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة فنصب في المسجد أياماً. وكان يزيد هذا قد منع أهل مصر من الحج بسبب خروج هؤلاء العلويين، فلما قتل إبراهيم أذن لهم: الحج؛ وكان يزيد مقصداً للناس محباً للشعر وأهله، مدحه عدة من الشعراء. قيل: إن ربيعة المقدم ذكره، صاحب البيتين المقدم ذكرهما، قصده فاشتغل عنه يزيد، فخرج وهو يقول: أراني ولا كفران لله راجعاً ... بخفي حنين من نوال ابن حاتم فبلغ يزيد فرده وملأ خفيه ذهباً، فقال فيه قصيدته المشهورة لما عزل عن إمرة مصر، التي أولها: بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا عنها الأغر (٣) ابن حاتم ثم ورد عليه كتاب الخليفة المنصور يأمره بالتحوّل من المعسكر الى الفسط كما كانت عادة أمراء مصر قبل بناء المعسكر، وأن يجعل الدواوين في كنائس القصر- يعني قصر الشمع «١» - وذلك في سنة ست وأربعين ومائة. وقصد يزيد ابن حاتم من الشعراء محمد بن عبد «٢» الله بن مسلم ومدحه بقصيدة طنّانة أوّلها: وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشترى

стр. 386

وكان يزيد منع الناس من الحج في سنة خمس وأربعين ومائة، كما تقدم ذكره، فلم يحجّ فى تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن، ثم حج يزيد هذا في سنة سبع وأربعين ومائة فاستخلف على مصر عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج صاحب شرطته، ولما عاد من الحج بعث جيشاً لغزو الحبشة من أجل خارجي ظهر هناك، فتوجه إليه الجيش وقاتلوه وظفروا به وقدم رأس الخارجي المذكور إلى مصر في عدّة رءوس، فنصبت الرءوس أياماً بمصر ثم حملوها إلى بغداد، فضم الخليفة أبو جعفر المنصور عند ذلك ليزيد هذا برقة زيادة على عمل مصر؛ وهو أول من ضم له برقة على مصر، وكان ذلك في سنة تسع وأربعين ومائة. ثم خرج في أيام يزيد القبط بسخا بالوجه البحري، فجهز إليهم يزيد جيشاً كثيفاً فقاتله القبط وكسروه فرد الجيش منهزماً، فصرفه أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته على مصر سبع سنين وأربعة أشهر. وتولى من بعده مصر عبد الله ابن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، ثم ولي يزيد بن حاتم هذا بعد ذلك إفريقية من بلاد المغرب، فتوجه إليها وغزا بها عدة غزوات، ولا زال بها حتى توفي سنة سبعين ومائة، واستخلف على إفريقية ابنه داود بن يزيد، فأقره الخليفة هارون الرشيد على ذلك، ودام إلى أن عزله في سنة اثنتين وسبعين ومائة بعمه روح بن حاتم. اهـ *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٥] السنة الأولى من ولاية يزيد بن حاتم المهلبي على مصر وهي سنة خمس وأربعين ومائة- فيها قتل الخليفة أبو جعفر المنصور محمداً وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب واحداً بعد واحد، فقتل محمد بالمدينة وبعده بمدة قتل إبراهيم؛ وكان إبراهيم خرج أيضاً بعد خروج أخيه محمد على المنصور بالبصرة، وانضم عليه

стр. 387

خلائق من العلماء والفقهاء وأعيان بني الحسن، فلما ورد عليه الخبر بقتل أخيه محمد عظم شأنه وكاد أمره أن يتم، ووقع بينه وبين جيش المنصور أمور ووقائع إلى أن قبض عليه وقتل. وفيها أيضاً مات والدهما عبد الله بن الحسن في حبس المنصور. قال الهيثم: حبسهم أبو جعفر المنصور في سرداب (يعني عبد الله المذكور وأقاربه من بني الحسن) - وقد قدمنا ذكر من حبس مع عبد الله من أقاربه بأسمائهم في سنة أربع وأربعين ومائة- قال: حبسهم في سرداب تحت الأرض لا يعرفون ليلاً ولا نهاراً- والسرداب عند قنطرة الكوفة وهو موضع يزار- ولم يكن عندهم بئر للماء ولا سقاية، فكانوا يبولون ويتغوطون في مواضعهم، وإذا مات منهم ميت لم يدفن بل يبلى وهم ينظرون إليه، فاشتد عليهم رائحة البول والغائط، فكان الورم يبدو في أقدامهم ثم يترقى إلى قلوبهم فيموتون. ويقال: إن أبا جعفر المنصور ردم عليهم السرداب فماتوا، وكان يسمع أنينهم أياماً. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، قال: وفيها توفي محمد بن عبد الله ابن حسن وأخوه إبراهيم قتلاً، والأجلح الكندي، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، وحبيب بن الشهيد، وحجاج بن أرطاة، والحسن بن ثوبان، والحسن بن الحسن بن الحسن في سجن المنصور، ورؤبة بن العجاج التميمي، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، وعبد الملك «١» بن أبي سليمان الكوفي، وعمر بن عبد الله مولى غفرة (بالمعجمة والفاء) وعمرو بن ميمون

стр. 388

ابن مهران «١» الجزري، ومحمد بن عبد الله الديباج «٢» ، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام ابن عروة فى قول، ونصر بن حاجب الخراساني، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعاً وأربعة عشر إصبعاً. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٦] السنة الثانية من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة ست وأربعين ومائة- فيها كان فراغ بناء بغداد وتحول إليها الخليفة أبو جعفر المنصور في صفر، وكان خالد بن برمك أشار على المنصور ببنائها، وقيل: إن حجاج بن أرطاة هو الذي اختط جامعها، وقبلتها منحرفة، ولما دخلها الخليفة أبو جعفر المنصور أمر أن يكتب إلى الآفاق أن يرد عليه الخطباء والعلماء والشعراء؛ وكان لا يدخل أحد المدينة راكباً، فشكا إلى المنصور عمه عيسى بن علي أن المشي يشق عليه، فلم يأذن له في الركوب؛ ثم بعد مدّة أمر المنصور بإحراج الأسواق من المدينة، خوفاً من مبيت صاحب خبر «٣» بها، فبنيت الكرخ «٤» وباب «٥» المحول وغير ذلك. وظهر شح المنصور في بناء بغداد، وبالغ في المحاسبة، حتى قال خالد بن الصلت، وكان على بناء ربع بغداد: رفعت إليه الحساب فبقيت علي خمسة عشر درهماً فحبسنى

стр. 389

حتى أدّيتها [وعند ما «١» دخل المنصور بغداد وقع بها الطاعون. وقد تقدم أن الطاعون غير الوباء، فالوباء هو الذي تتنوع فيه الأمراض، والطاعون هو الطعن الذي ذكر في الحديث «٢» ] . وفيها توفي ضيغم بن مالك العابد كان من الخائفين البكائين، وهو من الطبقة الخامسة من أهل البصرة؛ وكان ورده في كل يوم أربعمائة ركعة. وفيها توفي عمرو بن قيس الملائي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، كان من الأبدال، وكان يقول: حديث أرقق [به] قلبي وأبلغ به إلى ربي أحب إلي من خمسين قضية من قضايا شريح. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي أشعث بن عبد الملك الحمراني، والحارث [بن عبد «٣» الرحمن] بن عبد الله بن أبي ذباب المدني، وحبيب «٤» بن الشّهيد، وسنان [بن يزيد التميمي «٥» أبو حكيم] الرهاوي، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند المدنى، وعوف الأعرابي، ومحمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن أبى يحيى الأسلمىّ، وهشام ابن عروة على الصحيح، ويزيد بن أبي عبيد، ويحيى بن أبي أنيسة الجزري. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراع وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ١٤٧] السنة الثالثة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر وهي سنة سبع وأربعين ومائة- فيها حج الخليفة أبو جعفر المنصور وعزم على قبض جعفر بن محمد بن علي بن الحسين

стр. 390

ابن على بن أبى طالب- أعنى جعفر الصادق- فلم يتم له ذلك. وفيها آنتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح فخاف الناس عاقبة ذلك. وفيها خلع الخليفة أبو جعفر المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد وولاها لابنه محمد المهدي، وجعل عيسى المذكور بعد المهدي؛ وكان السفاح قد عهد إلى أبي جعفر المنصور بالخلافة ثم من بعده إلى عيسى بن موسى هذا. وفيها أغارت الترك مع استرخان الخوارزمي على مدينة تفليس، وكان بها حرب بن عبد الله الريوندي «١» الذي تنسب إليه الحربية «٢» ببغداد، فخرج إليهم حرب المذكور وقاتلهم فقتلوه وقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين وسبوا. وفيها توفي عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي عم الخليفة أبي جعفر المنصور، وأمه بربرية «٣» يقال لها هنادة، ولد سنة ثلاث ومائة وقيل: آثنتين ومائة في آخر ذي الحجة. وهو الذي هزم مروان الحمار بالزاب وتبعه إلى دمشق وفتحها وهدم سورها وجعل جامعها سبعين يوماً لدوابه وجماله، وقتل من أعيان بني أمية ثمانين رجلاً بنهر أبي فطرس من أرض الرملة، ثم ولي دمشق للسفاح، فلما ولي المنصور خرج عليه عبد الله ودعا لنفسه فهزمه أبو مسلم الخراساني فشفع له إخوته وأخذوا له أمانا من الخليفة أبي جعفر المنصور،
следующие страницы →