المطلب الثاني: البراهين الكونية
ومن براهين التوحيد: الآيات الكونية التي تسلك بالمخاطب سبيل الحس والمشاهدة، وتدل على عين المطلوب؛ فكل مخلوق يدلّ على وحدانية الخالق وأنه هو المعبود وحده.
يتحدث الشيخ ﵀ عن معنى الآية الكونية فيقول: "أما الآية الكونية القدرية فهي العلامة التي نصبها الله كوناً وقدراً ليبين بها لخلقه أنه الرب وحده، والمعبود وحده؛ كفلقه الحب من السنبل، والنوى عن النخل، وكإتيانه بالليل بدل النهار، والنهار بدل الليل، وتسخير الشمس والقمر، وخلقه النجوم ليهتدى بها. فهذه آيات كونية قدرية"١.
فالآيات الكونية من عجائب صنع الله، وهي تدل على وحدانيته، واستحقاقه العبادة وحده، وقد أمرنا الله أن نتفكر فيها وننظر إليها حتى نوحده في ألوهيته جل وعلا.
يقول الشيخ الأمين ﵀ في بيان هذا الجانب: "أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية٢ ووبخ في سورة الأعراف من لم يمتثل هذا الأمر، وهدده بأنه يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر في أمر الله
стр. 107
جل وعلا، أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله جل وعلا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ١ ٢.
ويوضح لنا ﵀ في مكان آخر الحكمة من النظر في هذه الآيات الكونية التي أمر الله بالنظر إليها، وأن مراد الله من النظر في تلك الآيات هو الاستدلال على أنه سبحانه المستحق للعبادة، وأن له الكبرياء والعظمة، وأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق:
يقول ﵀ مبيناً هذا الجانب عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ٣: "ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته؛ أي الكونية القدرية، ليجعلها علامات لهم على ربوبيته واستحقاقه العبادة وحده
فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ماجاء به محمد ﷺ حق؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ﴾ ٤.
والآفاق: جمع أفق؛ وهو الناحية. والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه، وعجائب مخلوقاته في نواحي سماواته وأرضه مايتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده" ٥.
وبذلك يبين الشيخ ﵀ أن النظر وسيلة إلى عبادة الله، وليس غاية يقف عنده المتأمل وقفة حيرة وغفلة، وإنما نظرة تفكر واتعاظ تأخذ بصاحبها
стр. 108
إلى الحق، وتخرجه من الظلمة إلى النور.
وقد أوضح ﵀ البراهين الكونية الدالة على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة –والتي تضمنها القرآن الكريم- بالإجمال في مواضع، وبالتفصيل في مواضع؛ فذكر ستة أنواع تضمنتها أول سورة الجاثية، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. فقال ﵀ مبيناً هذا الجانب: "ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى:
الأول منها: خلقه السموات والأرض.
الثاني: خلقه الناس.
الثالث: خلقه الدواب.
الرابع: اختلاف الليل والنهار.
الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.
السادس: تصريف الرياح.
وذكر أن هذه الآيات والبراهين إنما ينتفع بها المؤمنون الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم، ولذا قال: ﴿لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢ ٣.
ثم سرد ﵀ بعد ذلك الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على
стр. 109
كل نوع من الأنواع الستة السالفة، كما هي طريقته ﵀ في تفسير القرآن بالقرآن؛ فاستدل للنوع الأول بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١.
واستدل للنوع الثاني بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٢.
ومن الآيات التي استدل بها للنوع الثالث؛ خلق الدواب؛ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
واستدل لاختلاف الليل والنهار بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ ٤.
واستدل لإنزال الماء وإحياء الأرض به بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّا ًفَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٥.
واستدل لتصريف الرياح بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ ٦. إلى غير ذلك من الآيات٧.
стр. 110
وفيما يلي أورد تفصيلاً للبراهين السالفة التي مر ذكرها مجملة. وأورد معها براهين أخرى غيرها ذكرها الشيخ الأمين ﵀، ورتبها حسب أهميتها. فمنها:
أولاً: خلق السموات والأرض:
خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة القاطعة على أن الله هو المستحق أن يعبد وحده؛ فهي دليل حي مشاهد ناطق على وجود الخالق القادر المتفرد بالعبادة.
يوضح الشيخ ﵀ هذا البرهان فيقول: "وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً؛ بخلقه للسموات والأرض ومابينهما، في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية١.
وبذلك تعلم أنه ماخلق السموات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبسا بأعظم الحق؛ الذي هو إقامة البرهان القاطع المذكور على توحيده جل وعلا. عُلم من استقراء القرآن أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها هي كونه خالقاً لغيره، فمن كان خالقاً لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لايقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال" ٢.
وقال ﵀ في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ
стр. 111
لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١: "ووجه توكيده تعالى قوله: ﴿إن إلهكم﴾ بهذه الأقسام، وبـ"إنّ" واللام: هو أنّ الكفار أنكروا كون الإله واحدا إنكاراً شديداً، وتعجبوا من ذلك تعجباً شديداً؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. ولما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ٣ أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ٤.
فكونه خالق السموات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب برهان قاطع على أنه المعبود وحده. وهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده أقامه على ذلك أيضاً في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٥، فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متصلاً به: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٦ ٧.
فأدلة القرآن الكريم على ذلك البرهان ساطعة، وقد رأينا كيف أورد الشيخ ﵀ هذا الدليل فأوضح أن خلق السموات والأرض دليل قاطع وبرهان ساطع على أن خالقها قدير عليم، وحكيم خبير، وأنه هو المستحق
стр. 112
لأن يعبد وحده.
وقد أوضح ابن القيم ﵀ هذا الدليل الكوني مستدلاً به على نواحي كثيرة من التوحيد، فقال: "إن الأرض والبحار والهواء، وكل ما تحت السموات، بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر. ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها؛ إما إخباراً عن عظمتها وسعتها، وإما إقساماً بها، وإما دعاء للنظر فيها، وإما إرشاداً للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته"١.
فالشيخ ﵀ يستدل بهذه المخلوقات العظيمة على طاعة الله وإفراده بالعبادة وحده، ويرد على الملاحدة المنكرين لوجود السموات بأنهم في غاية الجهالة:
يقول ﵀: "والذين ينكرون وجود السموات في غاية من الجهل والسفه، ولا شك أن هذا الرب العظيم الذي يخلق هذه المخلوقات العظيمة هو الجدير بالطاعة والعبادة وحده، كما أنه الخالق وحده" ٢.
فهو ﵀ يرد على من طغى في الجهالة والإلحاد، ويؤكد أن وجود السموات من أعظم الأدلة على ألوهية خالقها وموجدها من العدم، وممسكها بقدرته. كيف لا تكون موجودة وهذه الكواكب والنجوم زينة لها دالة على مبدعها، وخالقها، وأنه هو الربّ المعبود وحده .
стр. 113
ثانياً: خلق الإنسان:
إن من أقرب الأدلة على وحدانية الله وألوهيته: خلق الإنسان؛ فهو آية ناطقة على عجائب صنعه ودقة خلقه.
وقد دعا الله عباده إلى التفكر في أنفسهم حتى يتحقق عندهم الإيمان بأنه الرب الخالق والإله المعبود وحده؛ قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١.
وقد أشار الشيخ ﵀ إلى هذا الدليل العظيم الذي يراه كل إنسان في نفسه؛ إذ إن القادر على هذا الخلق والإيجاد هو المستحق أن يعبد وحده؛ يقول ﵀ عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ٢: "اعلم أولاً أن خلق الإنسان، وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة؛ كما أشار تعالى لذلك بقوله في أول النحل: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٣، وقوله في آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٤؛ فالإنسان بالأمس نطفة، واليوم هو في غاية البيان وشدة الخصام؛ يجادل في ربه، وينكر قدرته على البعث. فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين الإبانة في الخصام، مع أن الله خلقه من نطفة، وجعله خصيماً مبيناً، آية من آياته جل وعلا دالة على أنه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق" ٥.
ويقول ﵀ في موضع آخر عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ
стр. 114
مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ١: " ... ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ٢؛ أي لنظهر لكم بذلك عظمتنا زكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية واستحقاق العبادة. وقال في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٤. والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله: ﴿كَلآ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ ٥؛ وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا. فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه. وما أكمل قدرته، وماأظهر براهين توحيده" ٦.
وقال ﵀ في موضع آخر أيضاً عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ٧: "أي إن كنتم الآن ترون أنفسكم قد ركبتم من جسم بعظام ولحم ودم ومفاصل، فاعلموا أن أصلكم من هذا التراب، فالذي أوجدكم وأوصلكم إلى هذه الحال هو الذي لا يليق بكم أن تعبدوا غيره" ٨.
وقد أوضح هذا البرهان أيضاً الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر
стр. 115
بعض الآيات التي أسند الله فيها خلق الإنسان لنفسه المقدسة، وذكر فيها الأطوار التي يتدرج فيها الإنسان أثناء خلقه، فقال ﵀: "وهذا كثير في القرآن؛ يدعو العبد إلى النظر والتفكر في مبدأ خخلقه، ووسطه، وآخره؛ إذ نفسه وخلقه من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه، وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقف على بعضه، وهو غافل عنه معرض عن التفكير فيه. ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره؛ قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ١ ٢.
فالشيخ الأمين ﵀ يوضح أن خلق الإنسان بهذه الصفة العجيبة دليل باهر على ربوبية الله وتفرده بالعبادة وحده؛ فالقادر على هذا الخلق العظيم جدير بأن تصرف إليه العبادة وحده جل وعلا.
ثالثاً: إنزال الماء:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٣. فالحياة قائمة على عنصرين: الماء والهواء.
وقد امتنّ الله على عباده بإنزال الماء إليهم بالقدر الذي فيه صلاحهم ونفعهم، لينتفعوا به. ويعرفوا خالقهم فيشكروه ويحمدوه على هذه النعمة العظيمة.
وقد أوضح الشيخ ﵀ هذا المعنى؛ فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ
стр. 116
نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ١: "تضمنت هذه الآية الكريمة امتناناً عظيماً على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضاً آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته، وشدة حاجة خلقه إليه. والمعنى: أفرأيتم الماء الذي تشربون، الذي لا غنى لكم عنه لحظة، ولو أعدمناه لهلكتم جميعاً في أقرب وقت: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٢، والجواب الذي لا جواب غيره هو: أنت ياربنا منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه فلم تكفرون به، وتشربون ماءه، وتأكلون رزقه، وتعبدون غيره، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء، وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكراً لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٣ جاء في آيات أخر من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً﴾ ٧، إلى غير ذلك من الآيات" ٨.
ويستمر الشيخ ﵀ في تفسير الآيات السابقة، وأكتفي منها بما
стр. 117
ذكرت؛ إذ أنه قد أبان فيه ﵀ هذا الدليل العظيم على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة.
ورغم هذا الامتنان من الله على خلقه، ولطفه بهم؛ حيث أنزل الماء بقدر، وأسكنه الأرض، وهو قادر سبحانه على الذهاب به، رغم هذا نجد من يكفر بتلك النعمة ويجحده، وينسب إنزال المطر لغير الله افتراء وبهتانً عليه.
يقول الشيخ ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلآ كُفُوراً﴾ ١ مبيناً حال تلك الفئة، وراداً عليها، ومفندا لأقوالها الردئية: "ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفوراً الذين يزعمون أن المطر لم ينزله منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته؛ فالمنزل له عندهم: هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء المتبخر: إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته، ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزال المطر، وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإيمان به، واستحقاقه وحد للعبادة، فمثل هؤلاء داخلون في قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلآ كُفُوراً﴾ ٢، بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ ٣ وقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أنه تعالى هو مصرف الماء ومنزله حيث شاء وكيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه
стр. 118
وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر: فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ١. هذا لفظ مسلم ﵀ في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا؛ مسنداً ذلك للطبيعة، أنه كافر بالله مؤمن بطبيعة البخار ... ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا هو منزل المطر على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً" ٢.
وهكذا يرد الشيخ ﵀ على هؤلاء الملاحدة الذين جحدوا وجود الرب ، وعطلوه عن ربوبيته وألوهيته، وهم يتقبلون في نعمته، ويأكلون ويشربون من فضله، ويرون هذا البرهان العظيم فلا يؤمنون.
ويؤكد ﵀ أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد، المنعم على الناس بفضله وقدرته، فالواجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا معه غيره، فسبحانه من إله عظيم امتنّ على عباده بجميع الخيرات.
وقد أشار الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ إلى هذا الدليل الذي ذكره الشيخ الأمين، وجعله دليلاً على إفراد الله بالعبادة؛ يقول السعدي ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ٣: "يذكر الله تعالى في هذه الآية نعمة من أعظم النعم، ليعقلوا عن الله مواعظه وتذكيره،
стр. 119
فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده"١.
وبهذا يتبين أن إنزال الله تعالى للمطر بكمية مقدرة، فيها مصلحة شاملة لكل ما هو حي دليل على ألوهيته وعظمته؛ فإن القدرة على إنزال الماء من أقوى الأدلة على أنه لا معبود سواه.
رابعاً: إحياء الأرض:
من البراهين الكونية الدالة على استحقاق الله للعبادة وحده: إحياء الأرض، وإنبات النبات الذي امتن الله به على عباده.
وقد أوضح الشيخ ﵀ هذا البرهان بأسلوب السؤال والجواب؛ حيث قال ﵀: "وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ ٢ أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه؛ كالخبز الذي يأكله، ويعيش به، من خلق الماء الذي كان سبباً لنباته: هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض على هذا الوجه الذي يحصل به النفع من غير ضرر، بإنزاله على الأرض رشا صغيراً حتى تروي به الأرض تدريجاً من غير أن يحصل به هدم ولا غرق؛ كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٣ الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق فعلاً، وأنزل في الأرض على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض ويخرج منها مسمار النبات٤ الجواب: لا. ثم لعله: هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه،
стр. 120
فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن السنبل خرج من النبات، فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحاً للغذاء والقوت؟ الجواب: لا" ١.
وقد أوضح هذا البرهان الإمام ابن القيم ﵀، وبين تدرج هذا النبات في الإيجاد حتى يكون صالحاً مثمراً دالاً على خالقه وموجده من العدم؛ يقول ﵀: "إذا تأملت إخراج ذلك النور البهي من نفس ذلك الحطب، ثم النبات الأخضر، ثم إخراج تلك الثمار على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومقاديرها، وألوانها، وصورها، وروائحها، ومنافعها، وما يراد منها. ثم تأمل أين كانت مستودعة في تلك الخشبة وهاتيك العيدان، وجعلت الشجرة لها كالأمّ، فهل كان في قدرة الأب العاجز الضعيف إبراز هذا التصوير العجيب، وهذا التقدير الحكيم، وهذه الأصباغ الفائقة، وهذه الطعوم اللذيذة، والروائح الطيبة، وهذه المناظر العجيبة؟ فسل الجاحد من تولى تقدير ذلك وتصويره وإبرازه، وترتيبه شيئاً فشيئاً، وسوق الغذاء إليه في تلك العروق اللطاف التي يكاد البصر يعجز عن إدراكها، وتلك المجاري الدقاق؟ فمن تولى ذلك كله، ومن الذي أطلع لها الشمس، وسخر لها الرياح، وأنزل عليها المطر، ودفع عنها الآفات ... إلخ" ٢.
فإيضاح الشيخ الأمين ﵀ لهذا البرهان الدال على أن الخالق متصف بصفات الكمال، متفرد بالخلق والإيجاد والعبادة: يرشد كل ذي عقل ولب إلى صرف جميع أنواع العبادات لله وحده جل وعلا، ويبعده عن عبادة ما سواه بأي نوع من أنواع العبادة، فلا شك أن الخالق اللطيف
стр. 121
الخبير الموجد من العدم هو الإله المعبود بحق وحده جل وعلا.
وهذا الإيضاح من الشيخ ﵀ يدل على المكانة العظيمة لهذا الدليل الذي يلقم كل جاحد ومكابر ومشرك الحجة، ويجعل ألوهية الخالق ووحدانيته من الأمور البديهية التي لا يعرض عنها من رزقه الله عقلاً مستقيماً، وفطرة سليمة.
خامسا: اختلاف الليل والنهار:
الليل والنهار من الآيات العظيمة الدالة على عظمة الخالق وكمال قدرته، وأنه المنعم على عباده بهذه النعم الجزيلة التي توجب عليهم ان يقابلوها بالشكر والثناء والانقياد لهذا الإله العظيم.
يقول الشيخ ﵀ مبيناً هذا الجانب: " والآيات الدالة على إختلاف الليل والنهار- من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله واستحقاقه للعبادة وحده-كثيرة جداً, كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية ١، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ الآية ٣: وقوله تعالى: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾ ٥الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٦: والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٧: أي تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار
стр. 122
والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت، ويخالف بين الليل والنهار: أنه الإله الحق المعبود وحد جل وعلا، الذي لا يصح أن يسوى به غيره علواً كبيراً" ١.
واختلاف الليل والنهار من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده، فلو كان الليل سرمداً لتعطلت الحياة، وأصبح الإنسان في خمول وكسل. وكذلك النهار لو جعله الله مستمراً لكان الناس في تعب وإرهاق. لكنه العليم الخبير جعلهما يلفان الأرض، لا يتأخران عن وقتهما؛ فهما آيتان من آيات الله الباهرة التي يراها العباد في اليوم مرتين تنبئ عن وحدانية الخالق وعظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له.
سادساً: اختلاف ألوان المخلوقات:
إن ما نراه حولنا في هذا الكون من مخلوقات ذات ألوان مختلفة دليل على حكمة الخالق، وعظمته جل وعلا، وسعة علمه.
وتنوع ألوان هذه المخلوقات برهان قاطع، ودليل قوي على كمال الخالق، واستحقاقه للعبادة وحده، ودليل على سفه من ادعى أن هناك خالقاً غير الله يعبد من دون الله، أو مع الله تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ولا شك أن من صرف شيئاً من خصوصيات الله لغير الله فقد جاء بغاية الكفر والضلال.
يقول الشيخ الأمين ﵀ موضحاً هذا الجانب: "إن اختلاف ألوان الآدميين، واختلاف ألوان الجبال، والثمار والدواب، والأنعام؛ كل ذلك
стр. 123
من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ١. واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال، وقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإيضاح، بقوله في سورة الرعد: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢"٣.
ويوضح ﵀ هذا الدليل في موضع آخر مؤكداً على أهميته ودلالته على وحدانية الخالق العظيم، وعلى تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له في عبادته، وأنه هو الخالق لكل شيء، ولا يقع شيء إلا بمشيئته وإرادته، فليس لشيء من مخلوقاته تأثير إلا بأمره وتدبيره؛ فيقول ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٤:
"وأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في الأرض من الناس والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، وأنه الرب وحده، المستحق أن يعبد وحده. وأوضح هذا في آيات أخر؛ كقوله في سورة فاطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَمِنْ
стр. 124
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ١. ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له، ولا نظير له، ولا شريك له، وأنه المعبود وحده. وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا. كما أوضح ذلك في قوله: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢؛ فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان، والأشكال، والطعوم، والمقادير، والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد. ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بشيئته جل وعلا: أن النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقي فيها الحطب، وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولا شك أن الحطب أصلب، وأقسى، وأقوى من جلد إبراهيم ولحمه؛ فأحرقت الحطب بحرها، وكانت على إبراهيم برداً وسلاماً لما قال لها خالقها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٣، فسبحان من لا يقع شيء كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا فعال لما يريد" ٤.
فالشيخ ﵀ استدل بهذه الألوان العجيبة والجميلة على حكمة الله وقدرته، وأنه الخالق المبدع؛ صور تلك الأشياء فأحسن خلقها وتصويرها،
стр. 125
فلا تتشابه المخلوقات بأشكالها ولا بألوانها، فلا رب سواه، ولا إله غيره، ولا شريك معه من خلقه.
ثم يستنتج ﵀ من هذا الدليل أيضاً أن لله المشيئة المطلقة؛ فما شاء كان، ومالم يشأ لم يكن. وأن من أسند شيئاً من أمور الخلق إلى غير الله فقد افترى على الله الكذب، وأتى بغاية الكفر والضلال؛ لأنه جل وعلا المتفرد بالخلق والأمر، والمستحق للعبادة وحده .
стр. 126
سابعاً: جريان السفن:
من آيات الله الباهرة الدالة على عظمته وقدرته وأنه المعبود وحده: جريان السفن على ظهر البحر، وتسخيرها للناس؛ فتعبر بهم المحيطات، وتنقل أثقالهم إلى بلاد بعيدة بيسر وسهولة وأمان، محفوظة –بحفظ الله سبحانه- من الأخطار.
وهذه الآية الكونية برهان عظيم على أن الخالق القادر هو الله ، وهو المستحق لأن يعبد وحده، ولا يشرك معه شيء من مخلوقاته.
وقد أوضح الشيخ الأمين ﵀ هذا البرهان عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ﴾ ١؛ فقال: "أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده: الجواري؛ وهي السفن، واحدتها جارية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ٢؛ يعني سفينة نوح، وسميت جارية: لأنها تجري في البحر ... وماتضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر من آياته تعالى الدالة على كمال قدرته، جاء موضحاً في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِوَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَإِلآ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
стр. 127
النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه﴾ الآية٢. وقوله في فاطر: ﴿َتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة٤.
فالشيخ الأمين ﵀ يستدل على استحقاق الله للعبادة بجريان السفن التي تحمل الأثقال –في خضم البحر المتلاطم الأمواج- بيسر وسهولة، مكلوءة بحفظ الله ، ولاريب أن هذه الآية الكونية من آثار رحمة الله، ودلائل قدرته ووحدانيته وألوهيته، وهي واضحة للعيان، ولكل طالب للحق.
стр. 128
المطلب الثالث: أدلة بطلان إلهية ما سوى الله
بعد أن ذكر الشيخ الأمين رحمه الله تعالى البراهين العظيمة الدالة على أن المعبود بحق هو الله المتصف بصفات الجلال والكمال أكد أن هناك براهين قطعية دلت على أن الآلهة المعبودة من دون الله باطلة، وعبادتها لا يرضى بها صاحب العقل السليم؛ إذ إنها متصفة بصفات النقص الدالة على العجز، والتي ينزه المعبود بحق عن الاتصاف بها.
يقول ﵀ عند تفسير قوله تعالى؛ ﴿َاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه متصفة بستة أشياء، وكل واحدة منها برهان قاطع أن عبادتها مع الله لاوجه له بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم، وهذا بعد أن أثنى الله على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها، التي هي براهين قاطعة على أن المتصف بها المعبود وحده.
والأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله:
الأول منها: أنها لا تخلق شيئاً؛ أي لا تقدر على خلق شيء.
والثاني: أنها مخلوقة كلها؛ أي خلقها خالق كل شيء.
стр. 129
والثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً.
والرابع والخامس والسادس: أنها لاتملك موتاً، ولاحياة، ولانشوراً؛ أي بعثا بعد الموت. وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى" ١.
ثم ذكر ﵀ الآيات الدالة على هذا المعنى.
فاستدل للأمر الأول؛ وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئاً، بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية٢. وبقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ ٣.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق ومن لا يخلق، لأن من يخلق هو المعبود، ومن لايخلق لاتصح عبادته:
كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية٤: أي: وأما من لم يخلقكم فليس برب، ولا بمعبود لكم كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٦؛ أي ومن كان كذلك فهو المعبود وحده جل وعلا. وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٧.
стр. 130
واستدل للأمر الثاني؛ وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله مخلوقه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٢.
واستدل للأمر الثالث؛ وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً بقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٣ –ومن لا ينصر نفسه فهو لا يملك لها ضراً ولا نفعاً-، وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ٤.
واستدل للأمر الرابع والخامس والسادس؛ وهي كونهم لايملكون موتاً ولاحياة ولانشوراً بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٥؛ فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئاً من ذلك المذكور في الآية؛ ومنه الحياة المعبر عنها بـ"خلقكم"، والموت المعبر عنه بقوله: "ثم يميتكم"، والنشور المعبر عنها بقوله: "ثم يحييكم".
وبين أنهم لا يملكون حياة ولانشورا في قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه﴾ الآية٦.
стр. 131
وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلآ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية٢. إلى آخر ما أورده الشيخ ﵀ من أدلة في هذا الباب٣.
فالشيخ ﵀ يهتم بإبراز براهين التوحيد، ويعرضها بأسلوبه، وعلى طريقته في تفسير القرآن بالقرآن، مؤكداً دلالتها على أن الله تعالى هو المعبود بحق وحده لا شريك له، وأن عبادة من دونه من أظلم الظلم، ومن الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار –عياذا بالله تعالى-.
стр. 132
المبحث الثالث: أنواع العبادة
المطلب الأول: الدعاء
...
المبحث الثالث: أنواع العبادة
تمهيد:
العبادة منهج عملي شامل، وفق الأدلة الشرعية الثابتة.
عرفها الشيخ الأمين ﵀ بقوله: "العبادة لغة: الذل والخضوع؛ فكل مذلل: معبد. ومنه قيل للرقيق: عبد وقال الشاعر:
تباري عتاقاً جاريات وأتبعت
وظيفاً وظيفاً فوق مور معبد١
وفي الاصطلاح: التقرب إلى الله جل وعلا بامتثال ما شرع وأمر به، واجتناب ما نهى عنه، على وجه الخضوع والذل والمحبة" ٢.
أما عن كمال العبودية، فقد ذكر ﵀ لها شرطين، لا بد من اجتماعهما بها؛ وهما غاية الحب، وغاية الخضوع والذل، يقول ﵀ عند تفسير قوله حكاية عن هود: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ٣: "فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: "اعبدوا الله"؛ أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذلّ والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذلّ؛ لأنه قد يكون خاضعاً لمن يبغضه، تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله" ٤.
стр. 133
والعبادة تكون بالقلب واللسان والجوارح، وكلّ واحد من هذه الأقسام تندرج تحته أنواع كثيرة. فهي باب واسع دعا الله عباده إلى ولوجه، والسير فيه لنيل مرضاته؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١.
وفي هذا المبحث سأذكر بعض ما تطرق إليه الشيخ ﵀ من أنواع العبادة أثناء تفسيره لكتاب الله العزيز.
стр. 134
المطلب الأول: الدعاء
وهو افتقار، وتذلل، وطلب ممن يملك النفع والضر في جلب خير، أو دفع شرّ.
وهو من أعظم أنواع العبادة؛ قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ–إلى قوله- دَاخِرِين﴾ ١،٢.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: نوعا الدعاء:
الدعاء ينقسم إلى نوعين؛
_ دعاء مسألة؛ وهو سؤال بأسمائه الحسنى.
_ دعاء عبادة: وهو التعبد لله بمقتضى هذه الأسماء؛ والنوعان متلازمان٣.
وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى هذين النوعين، وبين أنه لا اختلاف بينهما: لأنّ من دعا الله فقد تحققت منه العبودية.
قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤: "قال
стр. 135
بعض العلماء: "ادعوني أستجب لكم" اعبدوني أثيبكم عن عبادتكم. ويدلّ لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . وقال بعض العلماء "أدعوني أستجب لكم": أي اسألوني أعطكم. ولا منافاة بين القولين؛ لأنّ دعاء الله من أنواع عبادته" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موضحاً هذا المعنى: "إن المعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة. ويدعى خوفاً ورجاء دعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٢ يتناول نوعي الدعاء، وبكلّ منها فسرت الآية؛ قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعاً" ٣.
وهذا ما بينه الشيخ الأمين ﵀ وأوضحه: أن من دعا الله دعاء المسألة فقد اعترف أنه المعبود النافع الضار وحده.
المسألة الثانية: إخفاء الدعاء:
أوضح الشيخ ﵀ أن إخفاء الدعاء أعظم من الجهر به ورفع الصوت، فقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً
стр. 136
خَفِيّاً﴾ ١: "أي دعاه في سر وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه بكون دعائه خفياً يدلّ على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحاً به في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَة﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء" ٤.
وما ذهب إليه الشيخ الأمين ﵀ من أن إخفاء الدعاء أفضل من الجهر به قال جمع غفير من العلماء٥.
فالشيخ الأمين ﵀ إنما أراد بقوله: "إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره" أن يؤكد أن ذلك أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء. وإذا كان الدعاء كذلك فهو أحرى بالإجابة.
المسألة الثالثة: النهي عن التعدي في الدعاء:
يوضح الشيخ ﵀ أنه لا ينبغي أن يطلب من الله ما ليس فيه مصلحة للسائل خوفاً أن يكون مما لا يرضاه الله ولا يحبه، فيقع السائل في المحظور.
يقول ﵀ موضحاً هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا
стр. 137
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١: "أي لا تطلب مني الشيء الذي لا تعلم أن في طلبك إياه مصلحة؛ لأنك إذا سألت شيئاً لا ينبغي وقوعه فقد طلبت من الله أن يفعل ما لا ينبغي. فكأنك هنا قلت: اللهم أنج كافراً من الكفار. فإذا جهلت شيئاً فتوقف حتى تعلم أن المصلحة في طلبه. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن العبد إذا اشتبه عليه الأمر في شيء: هل في سؤاله ربه أن يقضيه مصلحة أو لا؟ فإنه لا يسأل الله ذلك خوفاً من أن يكون مما يسخط الله تعالى ... ويؤخذ من هذا أنه لو علمك إنسان دعاء أعجمياً لا تعرف معناه لا ينبغي أن تدعو به" ٢.
وما ذكره الشيخ ﵀ هنا من النهي عن التعدي في الدعاء وسؤال الله ما لا ينبغي سؤاله: ذكره غيره من العلماء، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله؛ مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازمه البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولداً من غير زوجة، ونحو ذلك من سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله" ٣.
стр. 138
المطلب الثاني: التوكل
هو الثقة بالله، والاعتماد عليه، والاستعانة به مع الأخذ بالأسباب.
وهو من أعظم أنواع العبادة، ولا يتم إيمان العبد إلا به؛ قال تعالى:
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
عرفه الشيخ ﵀ بقوله: "التوكل على الله: الثقة به، وإسناد الأمور وتفويضها إليه مع تعاطي الأسباب؛ لأن الله أمر بها. ولابد مع تعاطيها من الثقة بأنه لا يقع إلا ما أراد الله تعالى" ٣.
وهو ﵀ حين وضح أن التوكل اعتماد على الله، وثقة به مع تعاطي الأسباب أكد أن التوكل لا يكون إلا على من يستحق العبادة، وهو الله جل وعلا؛ يقول ﵀ عند تفسير سورة الفاتحة: "وإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبنياً واضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿ُفَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ٤ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ٥، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ
стр. 139
وَكِيلاً﴾ ١ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات٣.
ويذكر ﵀ الأدلة على أن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فيقول: "ومن الأدلة على ذلك: قول الله تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ ٤، مع أنه تعالى لو أراد لأسقطه لها بدون هز منها. ومن أوضح الأدلة على ذلك قول يعقوب –الذي وصفه الله بالعلم في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ٥: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ ٦ محافظة عليهم من العين، ثم قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٧، فقد أخذ بالأسباب والحيطة، وصرح بأن الآعتماد على الله تعالى وحده، فهو متوكل وآخذ بالأسباب. ومما يدل أن السبب لا ينفع إلا بإرادة الله ما قصه الله في سورة الأنبياء وغيرها عن إبراهيم ﵇؛ فالنار طبيعتها المستمرة: الإحراق، ولكن عندما لم يرد الله لها أن تؤثر في إبراهيم أحرقت الحطب، وكانت عليه برداً وسلاماً في آن واحد؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٨. فالمؤثر في الحقيقة هو رب العالمين، ولو شاء أن تتخلف مقتضيات الأسباب لتخلفت، كما أنه لو شاء أن يجعل ما لم تجر العادة بأن يكون من الأسباب سبباً لجعله كذلك"٩.
стр. 140
وهذا الذي بينه الشيخ ﵀ من أن التوكل لا يتم إلا بالأسباب مع الاعتقاد أن الأسباب لا تفيد إلا إذا أرادها الله أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسباباً: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع. فعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله. لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله؛ كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو ويحمل السلاح ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط مذموم" ١.
وأما عن ثمرات هذا التوكل، فيذكر الشيخ الأمين ﵀ أن التوكل الصحيح على الله سبب للوقاية من كل مكروه، والحفظ من كل شر؛ يقول ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ ٢: "دليل واضح على أن التوكل الصادق على الله، وتفويض الأمور إليه: سبب للحفظ والوقاية من كل سوء ... وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون التوكل على الله سبباً للحفظ والوقاية من السوء جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ٤"٥.
стр. 141
المطلب الثالث: الولاء والبراء
الولاء والبراء نوعان من أنواع العبادة، وهما بمعنى الحب والبغض.
والولاء الذي هو الحب والنصر يكون لله ولرسوله ولدينه ولعباد الله الصالحين.
والبراء الذي هو البغض يكون لكل عدو لله ولرسوله ولعباد الله الصالحين.
ولا يتم إيمان العبد إلا بالولاء والبراء؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١.
وقد بين الشيخ ﵀ هذا الموضوع أتم بيان، وأوضح أن من تولى الكفار وأحبهم فهو منهم، قد انسلخ من إيمانه، إلا أن يكون ذلك بسبب الخوف من سطوتهم وبطشهم، فله الرخصة في مداراتهم في الظاهر دون الباطن.
يقول ﵀ مبيناً هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢: "ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يمون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 142
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١، ونهى في موضع آخر عن توليهم مبيناً سبب التنفير منه، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ ٢. وبين في موضع آخر أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣: فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكلّ الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً، وإيضاح الكلام: لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يتقى بها شرهم. ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة:
ومن يأت الأمور على اضطرار
فليس كمثل آتيها اختياراً
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم" ٤.
وهذا الذي ذكره الشيخ ﵀ أورد نحوه الإمام ابن جرير الطبري٥ -
стр. 143
رحمه الله- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾ ١، فقال: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء؛ يعني بذلك: فقد برىء من الله، وبرىء الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العدواة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" ٢.
والشيخ الأمين ﵀ حين وضح أنه لا موالاة مع الكفار إلا في الظاهر في حال الخوف والتقية أكد ﵀ على الموالاة بين المؤمنين بعضهم مع بعض، لوحدة رابطة "لا إله إلا الله" التي تجمعهم؛ يقول ﵀ موضحاً هذا المعنى: "إن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تدتعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فربطُ الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك" ٣.
وقال ﵀ أيضاً في موضع آخر: "واعلم أنه لا خلاف بين العلماء ... في منع النداء برابطة غير الإسلام؛ كالقوميات، والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة
стр. 144
الإسلام وإزالتها بالكلية، فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضاً باتاً، على أن يعتاض عن ذلك بروابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضاً مثلاً. فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفاً من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة" ١.
وقال ﵀ أيضاً: "وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة "لا إله إلا الله" فلا يجوز النداء البتة برابطة غيرها، ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٣، والعلم عند الله تعالى" ٤.
وقال ﵀ مبيناً موقف المسلم من قريبه الكافر: " ... وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية، والأوامر العصبية التي لاتمت إلى الإسلام بصلة؛ كما وقع من أبي طالب للنبي ﷺ . وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ٥. ولكن تلك القرابات النسبية لايجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع؛ لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما
стр. 145
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية١ ... " ٢.
فالشيخ الأمين ﵀ يؤكد بهذا أن الولاء والبراء قائم على بغض الكفر وأهله ومعاداتهم، وعدم موالاتهم حتى تبقى للمسلم شخصيته المتميزة بإيمانه بربه، واعتزازه بدينه.
كما يؤكد ﵀ أن لا رابطة تجمع الناس وتوحد بينهم إلا رابطة "لا إله إلا الله"؛ تلك الرابطة المتينة، والعروة الوثقى التي تؤلف بين الأمم والأفراد والشعوب والقبائل.
ويكشف ﵀ أباطيل دعاة القومية العربية؛ تلك الدعوة الجاهلية المجردة عن العقيدة، والتي تساوي بين الإسلام والكفر، وتلغي رابطة الدين، وتحل محلها رابطة الوطن والجنس.
فالقومية من الحركات الهدامة المعاصرة التي ابتلي بها المسلمون في هذا الزمن، وقد حذر منها العلماء والمصلحون، وبينوا أنها حركة هدم وتخريب، تحاول اجتثاث الإسلام من جذوره واستئصال شأفته.
ومن العلماء الذين كشفوا زيف هذه الدعوة المضللة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز٣ حفظه الله؛ حيث بين بطلان هذه الحركة وما انطوت عليه من خدع وتمويه، وتلبيس على السذج الذين يتبعون كل ناعق، فينبذون دينهم الذي ارتضاه الله لهم؛ ذلك الدين العالمي الخالد الذي يوحد بين