المطلب الثالث: الولاء والبراء
الولاء والبراء نوعان من أنواع العبادة، وهما بمعنى الحب والبغض.
والولاء الذي هو الحب والنصر يكون لله ولرسوله ولدينه ولعباد الله الصالحين.
والبراء الذي هو البغض يكون لكل عدو لله ولرسوله ولعباد الله الصالحين.
ولا يتم إيمان العبد إلا بالولاء والبراء؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ١.
وقد بين الشيخ ﵀ هذا الموضوع أتم بيان، وأوضح أن من تولى الكفار وأحبهم فهو منهم، قد انسلخ من إيمانه، إلا أن يكون ذلك بسبب الخوف من سطوتهم وبطشهم، فله الرخصة في مداراتهم في الظاهر دون الباطن.
يقول ﵀ مبيناً هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢: "ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يمون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم، وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 142
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١، ونهى في موضع آخر عن توليهم مبيناً سبب التنفير منه، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ ٢. وبين في موضع آخر أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ٣: فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكلّ الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً، وإيضاح الكلام: لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يتقى بها شرهم. ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة:
ومن يأت الأمور على اضطرار
فليس كمثل آتيها اختياراً
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً رغبة فيهم أنه كافر مثلهم" ٤.
وهذا الذي ذكره الشيخ ﵀ أورد نحوه الإمام ابن جرير الطبري٥ -
стр. 143
رحمه الله- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾ ١، فقال: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء؛ يعني بذلك: فقد برىء من الله، وبرىء الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العدواة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" ٢.
والشيخ الأمين ﵀ حين وضح أنه لا موالاة مع الكفار إلا في الظاهر في حال الخوف والتقية أكد ﵀ على الموالاة بين المؤمنين بعضهم مع بعض، لوحدة رابطة "لا إله إلا الله" التي تجمعهم؛ يقول ﵀ موضحاً هذا المعنى: "إن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تدتعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فربطُ الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك" ٣.
وقال ﵀ أيضاً في موضع آخر: "واعلم أنه لا خلاف بين العلماء ... في منع النداء برابطة غير الإسلام؛ كالقوميات، والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة
стр. 144
الإسلام وإزالتها بالكلية، فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضاً باتاً، على أن يعتاض عن ذلك بروابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضاً مثلاً. فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفاً من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة" ١.
وقال ﵀ أيضاً: "وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة "لا إله إلا الله" فلا يجوز النداء البتة برابطة غيرها، ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ٣، والعلم عند الله تعالى" ٤.
وقال ﵀ مبيناً موقف المسلم من قريبه الكافر: " ... وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية، والأوامر العصبية التي لاتمت إلى الإسلام بصلة؛ كما وقع من أبي طالب للنبي ﷺ . وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ٥. ولكن تلك القرابات النسبية لايجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع؛ لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما
стр. 145
قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية١ ... " ٢.
فالشيخ الأمين ﵀ يؤكد بهذا أن الولاء والبراء قائم على بغض الكفر وأهله ومعاداتهم، وعدم موالاتهم حتى تبقى للمسلم شخصيته المتميزة بإيمانه بربه، واعتزازه بدينه.
كما يؤكد ﵀ أن لا رابطة تجمع الناس وتوحد بينهم إلا رابطة "لا إله إلا الله"؛ تلك الرابطة المتينة، والعروة الوثقى التي تؤلف بين الأمم والأفراد والشعوب والقبائل.
ويكشف ﵀ أباطيل دعاة القومية العربية؛ تلك الدعوة الجاهلية المجردة عن العقيدة، والتي تساوي بين الإسلام والكفر، وتلغي رابطة الدين، وتحل محلها رابطة الوطن والجنس.
فالقومية من الحركات الهدامة المعاصرة التي ابتلي بها المسلمون في هذا الزمن، وقد حذر منها العلماء والمصلحون، وبينوا أنها حركة هدم وتخريب، تحاول اجتثاث الإسلام من جذوره واستئصال شأفته.
ومن العلماء الذين كشفوا زيف هذه الدعوة المضللة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز٣ حفظه الله؛ حيث بين بطلان هذه الحركة وما انطوت عليه من خدع وتمويه، وتلبيس على السذج الذين يتبعون كل ناعق، فينبذون دينهم الذي ارتضاه الله لهم؛ ذلك الدين العالمي الخالد الذي يوحد بين
стр. 146
الشعوب والقبائل والأوطان برابطة "لا إله إلا الله". فالأخوة في الإسلام فوق أي اعتبار آخر؛ لأن لها ضابطاً وقيماً عظيمة، وغاية تصل إليها: فضابطها الكتاب والسنة؛ -إذ أن الحبّ لله، والبغض لله، كما هو موضح في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وقيمها مجموع الدين الإسلامي، وغاية هذه الرابطة هي الجنة دار الأبرار المتحابين في الله.
وقد أوضح الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله -في معرض كشفه عن زيف دعوى القومية العربية- الأخطاء التي تمثلها الدعوة الفاسدة المفسدة، وهي:
أولاً: أن القومية تفرق بين المسلمين، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي، وتفرق بين العرب أنفسهم؛ فهي معول هدم غربي استعماري يراد به تفريقنا وإبعادنا عن ديننا الذي فيه مجدنا الأكبر، وشرفنا الأعظم، وهو مصدر عزتنا، وسيادتنا، وتقدمنا على الأمم.
ثانياً: إن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها، والدعوة إلى القومية من أمر الجاهلية؛ لأنها دعوة إلى غير الإسلام، ومناصرة لغير الحقّ. وكم جرّت الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة وقودها النفوس والأموال والأعراض، وعاقبتها تمزيق الشمل، وغرس العداوة والشحناء في القلوب، والتفريق بين القبائل والشعوب.
وأيضاً: إن الدعوة إلى القومية دعوة إلى البغي والفخر؛ لأن القومية ليست ديناً سماوياً يمنع أهله من البغي والفخر، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها، والتعصب لها، والتعدي على من تطاول عليها بشيء، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم.
ثالثاً: إنها سلم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين، واتخاذهم بطانة، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم.
стр. 147
ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي وإن تفرقت أديانهم، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله، ومخالفة لشرع الله، وتعدّ لحدود الله، وموالاة ومعاداة وحبّ وبغض على غير دين الله؟!. ما أعظم ذلك من باطل، وما أسوأه من منهج: القرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين أينما كانوا، وكيفما كانوا، وشرع القومية العربية يأبى ذلك ويخالفه.
رابعاً: إن الدعوة إلى القومية، والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمه –بلا ريب- إلى رفض حكم القرآن: لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك على زعماء القومية أن يتخذوا أحكاماً وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القوميين في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين، والردة السافرة١.
وهكذا نرى كلام الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله يهتك أستار هذه الدعوة، ويبين أهدافها وكيدها للإسلام وأهله، ويوضح بجلاء انعدام معتقد الولاء والبراء الشرعي عند معتنقيها.
وهذا الكلام يخرج وكلام الشيخ الأمين ﵀ من مشكاة واحدة؛ إذ أن الشيخ الأمين ﵀ وضح, وبيّن, وأبدأ, وأعاد، وأبان أن لا رابطة تجمع أهل الأرض، وتربطهم بأهل السماء إلا رابطة "لا إله إلا الله".
وكلا الشيخين؛ أعني الشيخ الأمين ﵀، والشيخ ابن باز حفظه الله أدركا خطر هذه الدعوة الضالة المضلة، وكشفا مخططاتها وأهدافها،
стр. 148
وبينّا أنها دعوة إلى الجاهلية التي أنقذنا الله منها. فحذر الشيخان الأمة منها، ومن شرورها، ومن مغبة السير في ركابها، فأديا بذلك واجب النصح للأمة، فجزاهما الله إرشادهما ونصحهما خير الجزاء.
стр. 149
المطلب الرابع: الخوف والرجاء
امتدح الله من عباده من يجمع في عبادته له سبحانه بين الخوف والرجاء، بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١.
وقد جمع الله بين هاتين العبادتين معلماً بذلك عباده، كي لا يكون المؤمن من القانطين فيما لو اكتفى بالخوف، وترك الرجاء، وكي لا يكون من الآمنيين من مكر الله فيما لو اكتفى بالرجاء وترك الخوف من الله.
وقد أوضح الشيخ الأمين ﵀ هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٢، فقال: "بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب، فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضرّ. فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، وقوله جل وعلا:
стр. 150
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ﴾ ١، وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات" ٣.
وقال ﵀ في موضع آخر: "فاعلم أنهما متلازمان؛ فمن كان يرجو ما عند الله من الخير، فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس"٤.
وفي الأشرطة أوضح ﵀ موقف الإنسان من الخوف والرجاء حال حياته وعند مماته، فسمعته ﵀ يقول: "وقد أمرنا الله أن نكون في دعائه خائفين من عذابه وعقابه ونكاله، وطامعين في فضله ورحمته ورأفته وجوده وما عنده من الخير؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين: جلب النفع، ودفع الضر. وإذا كان من يعبد الله، أو يدعو الله يستشعر الخوف من الله، والطمع في ثوابه وما عنده من الخير كان الخوف والطمع جناحين يطير بهما إلى الاستقامة ... وينبغي للمسلم إذا دعا الله أو عبد الله أن يكون جامعاً بين الخوف من الله، والطمع فيما عند الله جلّ وعلا، فلا يترك الرجاء لئلا يكون من القانطين ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥، ولا يترك الخوف فيأمن مكر الله؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فيكون خائفاً من الله، طامعا راجياً من فضل الله. والعلماء يقولون: ينبغي للإنسان وهو في أيام صحته أن يغلب الخوف دائماً على الرجاء، وأن يكون خوفه أغلب من رجائه، فإذا حضره الموت غلب الرجاء في ذلك ليطغى على الخوف فلا ينبغي للمؤمن أن يموت إلا وهو
стр. 151
يحسن الظن بالله جل وعلا؛ بأن ربه رؤوف رحيم، كما جاء بذلك الحديث١ عن النبي ﷺ "٢.
وما ذكره الشيخ الأمين ﵀ عن الخوف والرجاء، وحال العبد بينهما أوضحه شارح الطحاوية ﵀ بقوله: "فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان قنوطاً ويأساً. وكلّ واحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى، فإنك إذا خفته هربت إليه؛ فالخائف هارب من ربه إلى ربه" ٣.
ثم بين شارح الطحاوية أيضاً موقف العبد من الخوف والرجاء في حياته فقال: "قيل: إنّ العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، بخلاف زمن الصحة، فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه" ٤.
أنواع الخوف:
وفي الأشرطة يوضح الشيخ الأمين ﵀ الخوف المذموم، والفرق بينه وبين الخوف الطبيعي الذي جبل عليه الإنسان؛ فيقول ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ﴾ ٥: "في هذه الآية الكريمة، وأمثالها في القرآن الكريم سؤال معروف، وهو أن يقال: لا يوجد أحد إلا وهو يخشى من غير الله، ويخاف من غير الله؛ لأنّ كل المخاوف والمحاذير جُبلت طبائع البشر على الخوف والخشية منها، والذي لم يخف شيئاً من
стр. 152
المخاوف والمحاذير هذا أمر صعب. والعلماء يجيبون عن هذا جوابين: بعضهم يقول: الخشية التي هي شرك بالله والتي يحذر الله منها خشية الأصنام والخوف من المعبودات من دون الله. وهذا النوع دلت عليه آيات كثيرة؛ لأن عبدة الأصنام يخوّفون من يسبّ الأصنام بأنّ الأصنام ستفعل له وتفعل؛ كما قالوا لنبي الله هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من دونه مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية١. وكذلك لما خوفوا منها نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقالوا له: ستفعل بك أصنامنا وتفعل، قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. وخوف بها نبي الله صلوات الله وسلامه عليه؛ كما نص الله عليه في سورة الزمر في قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣، ثم ردّ عليهم، قال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٤، وفي قراءة أخرى: ﴿كافي عباده﴾ ، وهذا كثير في القرآن، وهذه الخشية التي خاف صاحبها من عاقبة الأصنام كفر بالله وشرك به. وقال بعض العلماء: هي الخشية الدنيوية من الناس إذا كانت تحمل الإنسان على أن يعصي الله؛ كالذي يخشى من الكفار، ويجبن عن الجهاد في سبيل الله، كما تقدم في قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. أما مايعرض للإنسان من الخوف من الأشياء والمحاذير بجبلته، فهذا أمر لا مخالفة فيه؛ لأنّ الله لا
стр. 153
يكلف نفساً إلا وسعها كما هو معلوم" ١.
وكلام الشيخ الأمين ﵀ عن الخوف وأقسامه يؤيده كلام الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢ ﵏ أجمعين حين قسم الخوف، فذكر أنّ القسم الأول: خوف السرّ؛ وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما شاء من مرض أو فقر أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشئيته، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم. الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ٣، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، وإنما يكون محموداً إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله. الرابع: وهو الخوف الطبيعي؛ كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، ونحو ذلك فهذا لايذم، وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ٤ ... إلخ٥.
وهكذا فالشيخ الأمين ﵀ يفرق بين الخوف المذموم المفضي إلى الشرك، والموقع في معصية الله، وبين الخوف الطبيعي الذي جُبل عليه الناس؛ فهذا لا مؤاخذة فيه لأنه خارج عن طاقة الإنسان وإرادته.
стр. 154
المطلب الخامس: الحكم بما أنزل الله
رسالة الإسلام عامة تشمل جميع شؤون الإنسان في هذه الدنيا. وهي تحقق له الخير العاجل والآجل، وتمنع من لحوق الضرر به فردا كان أو جماعة.
والحكم بما أنزل الله هو التطبيق لهذه الرسالة العالمية التي تربط المخلوق بالخالق، وتجعله خاضعاً منقاداً لأمر ربه ومالكه ومعبوده؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
فالحكم بما أنزل الله من الإيمان بالله، ومعنى ألوهية الله ووحدانيته: إفراده بالعبادة، والخضوع له في الحكم، وتنفيذ أوامره ظاهراً وباطناً؛ فلا يتم الإيمان إلا بتحكيم شرع الله؛ قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢.
يوضح الشيخ الأمين ﵀ هذا المعنى فيقول: "أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله ﷺ في جميع الأمور، ثمّ ينقاد لما حكم به ظاهراً وباطناً، ويسلم له تسليماً كلياً من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبيّن في آية أخرى أنّ قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام
стр. 155
ظاهراً وباطناً لما حكم به ﷺ , وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية١ ... ٢.
ويقول ﵀ في موضع آخر: "إن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ماشرعه الله. فكلّ تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لانزاع فيه" ٣.
ثم يسوق ﵀ الأدلة من القرآن الكريم الدالة على أنّ الحكم لله وحده، فيقول: "وقد دلّ القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأنّ اتباع تشريع غيره كفر به. ومن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت﴾ الآية٥، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ٦. وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ٨، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٩، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ
стр. 156
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١، والآيات بمثل ذلك كثيرة" ٢.
ثم لما ساق ﵀ الأدلة على أن لا حكم إلا لله ، ذكر الأدلة على أنّ صرف هذا الحقّ الخالص لله لغيره كفر به جلّ وعلا، فقال: "وأما الآيات الدالة على أنّ اتباع تشريع غير الله المذكور كفر: فهي كثيرة جداً؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٥، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً٦.
وقد أطال ﵀ في تقرير هذا المعنى في مواضع كثيرة من تفسيره، وذلك لأهميته، وكثرة من خرج عن منهج الله فحكم بغير ما أنزل الله في هذا العصر.
وقد أكد ﵀ أنّ من حكم بغير ما أنزل الله فقد أشرك مع الله غيره، وخرج عن دائرة الإسلام؛ قال ﵀: "إنّ كل من اتبع تشريعاً غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح مخرج عن الملة الإسلامية....والعجب ممن يحكّم غير تشريع الله، ثم يدعي الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٧، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
стр. 157
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٢...."٣.
وقال ﵀ في موضع آخر: "إن من اتبع تشريع الشيطان مؤثراً له على ماجاءت به الرسل، فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان رباً، وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء، لأن الحقائق لاتتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم" ٤.
ويؤكد ﵀ أنّ من ترك حكم الله، واستعاض عنه بحكم القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، واتبعها فيما أحلت وحرمت، وجوّز التحاكم إليها رغم مخالفتها لحكم الله جل وعلا أنه كافر لا يشك في كفره، فيقول: "إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم" ٥.
وبهذا تتجلى وقفة الشيخ الحازمة في وجه من غيَّر حكم الله، وحكم بحكم الطواغيت، حيث إنه يقول بكفره، بل وبكفر كلّ من يشك في كفره.
وليس موقف الشيخ ﵀ هذا على إطلاقه، بل نراه يبيّن في موضع آخر متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً عن الملة، ومتى يكون
стр. 158
صاحبه مرتكباً ذنباً محرماً لا يخرجه من دائرة الإسلام، فيقول ﵀: "إنّ الكفر والظلم والفسق كلّ واحد منها ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى؛ ومن لم يحكم بما أنزل الله: معارضة للرسل، وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة. "ومن لم يحكم بما أنزل الله":معتقداً أنه مرتكب حراماً، فاعل قبيحاً، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة"١.
ورأي الشيخ ﵀ هذا هو رأي الأئمة الأعلام قبله، من أمثال الإمام ابن القيم ﵀ الذي قال: "إنّ الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين؛ الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحقّ للعقوبة، فهذا كفر أصغر.
وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطىء له حكم المخطئين" ٢.
وبهذا التفصيل الدقيق من ابن القيم ﵀ في هذه المسألة ندرك مدى توافق عقيدة الشيخ الأمين ﵀ مع عقيدة السلف قبله، وتتضح جهوده ﵀ في تقرير عقيدة السلف والسير على منهجهم واتباع طريقهم.
ولم يكتف الشيخ الأمين ﵀ ببيان أنّ الحكم بغير ما أنزل الله يتراوح بين أن يكون خروجاً عن ملة الإسلام، أو وقوعاً في كبيرة من كبائر
стр. 159
الذنوب، بل نراه يحذر المسلمين من الوعيد الذي توعد الله به من يتهاون في تنفيذ أوامره، أو يقصر في تحكيم شريعته بأنّ عاقبته وخيمة –عياذاً بالله تعالى-.
قال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ..﴾ الآية١: "اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات من سورة محمد، وتدبرها، والحذر التامّ مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأنّ كثيراً ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأنّ عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد ﷺ , وهو هذا القرآن، وما يبينه به النبي ﷺ من السنن، فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزّل الله: سنطيعكم في بعض الأمر؛ فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كل الأمر؛ كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإنّ هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم، فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر" ٢.
والشيخ الأمين ﵀ يفرق بين النظام الإداري الذي ينظم الأمور بدون مخالفة للشرع؛ فهذا لا يمنعه، أما النظام المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فالعمل به كفر بالله العظيم.
يقول ﵀: "اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري وشرعي" ٣.
стр. 160
ثم يبين ﵀ النظام الإداري وأدلته، فيقول: "أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع: فهذا لامانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم. وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ماكانت في زمن النبي ﷺ ؛ ككتابه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر.... فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لايخالف الشرع لابأس به؛ كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لابأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة" ١.
ثم يذكر ﵀ النظام الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، ويسوق أمثلة مما يحادد الله ورسوله بها من الأعمال التشريعية، فيقول ﵀: "وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛ كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك. فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق، وهو أعلم بمصالحها عن أن يكون معه مشرع آخر علوا كبيرا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ٣، ﴿وَلا
стр. 161
تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ١ ... "٢.
وهكذا نرى الشيخ الأمين ﵀ مثالاً للمؤمن المجاهد المشفق على أمته، فيحذرها مغبة ما يحاك ضدها من دسائس لتكفر بخالقها فيحق عليها العذاب. ويبين لها أن من أطاع مشرعي القوانين التي تحاد شرع الله فقد استحق الوعيد الشديد من الجبار جل وعلا. وأن من اتبع شرع الله، وحكّم الله في كل أمر من أموره صغيراً كان أو كبيراً نال سعادة الدنيا والآخرة.
وكذلك تتضح لنا سعة أفق الشيخ ﵀، ودقة فهمه وكثرة فقهه، إذ يفرق بين النظام الذي هو محادة لله ورسوله فيحذر منه، وبين النظام الذي لا يخالف قواعد الشرع، وينظم مصالح العباد، فلا يمنع منه؛ إذ إنه من أمور الدنيا التي لا يخالف فعلها شرع الله ﵎.
стр. 162
المبحث الرابع: ما يضاد إخلاص العبادة
المطلب الأول: الشرك بالله تعالى
...
المبحث الرابع: ما يضادّ إخلاص العبادة
بعد أن ذكرت –فيما مرّ- أنواع العبادة كما وضحها الشيخ الأمين ﵀، وبيّنها في كتبه، أشرع ها هنا بذكر مايضادّ تلك ألأنواع، وينافي إخلاص العبادة؛ من الشرك الأكبر والأصغر وكبائر الذنوب، بحسب ما تطرق إليه الشيخ ﵀، ووفق منهجه ﵀.
قال تعالى ممتنّا على المؤمنين بأنه قد بغض إلى قلوبهم مايضادّ إخلاص العبادة؛ من كفر، أو فسوق، أو عصيان بفضله عليهم، ونعمته، ورأفته بهم جلّ وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ١.
ولبيان هذه الأنواع التي تضادّ إخلاص العبادة قسّمت هذا المبحث إلى مطالب:
стр. 163
المطلب الأول: الشرك بالله تعالى
كما أنّ أعظم طاعة وعبادة عُبد الله تعالى بها، وتُقرب بها إليه هي التوحيد، كذلك فإنّ أعظم ذنب عصي الله تعالى به على الإطلاق هو الشرك، لذلك فإنّ من مات عليه لايغفر له الله أبداً، ويدخله النار خالداً مخلداً فيها أبداً، ويحبط جميع عمله كبيره وصغيره؛ لأنه صرف أعظم حقّ من حقوق الله تعالى لغير الله تعالى فأحبط الله جميع عمله بسبب التفاته إلى غير خالقه جل وعلا.
وقد اهتمّ الشيخ الأمين ﵀ بهذا الجانب، وذكر أن كلّ مسلم يجب عليه أن يعرف ماهي العبادة، وما الذي يحبطها ويفسد العمل؛ فقال ﵀: "اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة؛ وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله، ولايصرف شيئاً منه لغير الله كائنا ماكان"١.
وقبول العبادة مبني على أمرين:
الأول: الإخلاص: وهو تجريد العبادة لله . وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
الثاني: العمل الصالح: وهو تجريد المتابعة لرسول الله ﷺ . وهو معنى شهادة أنّ محمداً رسول الله.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً
стр. 164
وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ١.
وهذا الموضوع؛ أعني الإشراك بالله تعالى –عياذا بالله من ذلك- من الموضوعات الخطيرة، لذلك اهتم الشيخ الأمين ﵀ ببيانه، وأطال النفس فيه جداً؛ فقد بين ﵀ أن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يرجى له خلاص؛ لأنه أتى بظلم عظيم، فمن مات وهو يشرك بالله شيئاً فهو في نار جهنم خالداً فيها؛ لأنه صرف العبادة إلى غير الخالق الرازق المعبود وحده فقال ﵀: "إن من أشرك بالله غيره.... ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك لا خلاص منه بوجه، ولانجاة معه بحال" ٢.
لذلك أهاب الشيخ ﵀ بكل مسلم أن يفرق بين حقوق الله الخاصة به سبحانه، وبين حقوق خلقه، وأن يعطي كل ذي حق حقه، حتى لايقع في هذا الأمر العظيم.
وأوضح ﵀ أن أعظم الحقوق الخاصة بالله تعالى: إخلاص العبادة له وحده جل وعلا، وأخلص مايكون وأصدقه حين تحيط الشدائد والكرب بالإنسان. فمن أخلص لله فقد عرف حقه، واقتدى بنبيه ﷺ .
يقول ﵀: "اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، والتي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه؛ كحق النبي ﷺ ليضع كل شيء في موضعه على ضوء ماجاء به النبي ﷺ في هذا القرآن العظيم، والسنة الصحيحة. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته: التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب ودهمته
стр. 165
الدواهي، لايجوز إلا لله وحده؛ لأنه من خصائص الربوبية، فصرف ذلك الحق لله، وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته، وطاعة رسوله ﷺ ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي ﷺ ؛ لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة لله وحده جل وعلا"١.
ثم بين ﵀ الأدلة من القرآن الكريم على أن الإخلاص حق لله؛ لأنه هو الخالق الرازق القادر على كشف الدواهي والشدائد وحده؛ فقال ﵀: "بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أنّ التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى. ومن أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل؛ أعني قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢...."٣.
ثم بيّن ﵀ محل الشاهد في هذه الآيات أنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤ فقال ﵀: "فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعاه، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ . فتأمل قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾ ، مع قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء﴾ تعلم أنّ إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية
стр. 166
بينه وبين خلق السموات والأرض، وإنزال الماء، وإنبات النبات، ونصب الجبال، وإجراء الأنهار؛ لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، واتبع جميعه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ . فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ، فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية"١.
ويوضح الشيخ الأمين ﵀ في موضع آخر أن كل ما لايقدر عليه إلا الله فهو حق لله ، لا يطلب إلا منه، وإذا طلب من غيره كان صرفا لخصائص الله لغيره؛ لأن الله هو المعبود والمدعو في طلب كل خير، ودفع كل شر في الرخاء والشدة، فقال ﵀: "واعلم أيضاً رحمك الله أنه لافرق بين ماذكرنا من إجابة المضطر، وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله كالحصول على الأولاد والأموال، وسائر أنواع الخير، فإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضاً من خصائص ربوبيته جل وعلا؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَه﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ الآية٤، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: " إذا سألت فاسأل الله" ٧. وقد
стр. 167
أثنى الله جل وعلا على نبيه ﷺ وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية١. فنبينا ﷺ كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجأوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء، فعلينا أن نتبع ولانبتدع" ٢.
فالشيخ ﵀ بيّن أن الإخلاص لله لابد أن يكون في جميع أنواع العبادة، لا يشرك مع الله أحداً من خلقه، ولو كان ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً؛ لأنه حق الله الذي افترضه على عباده، والعلامة الفارقة بين الإيمان والكفر.
ولكن هذا الحق صرف عند بعض الناس –ممن يدّعون الإسلام وزين لهم الشيطان سوء عملهم- إلى غير الله، فالتجأوا إلى ذلك الغير بأنواع العبادات من رغبة ورهبة عند نزول الملمات والكروب فصارت حالهم أعظم من حال المشركين الأوائل الذين كانوا يخلصون في الشدائد، ويشركون في الرخاء.
وقد وضح الشيخ الأمين حال هؤلاء فقال: "إن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئاً من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة. ويعلم من ذلك أن بعض الجهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالاً من عبدة الأوثان؛ فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب التجأوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر وإنجاءه من الكروب من حقوقه التي لايشاركه فيها غيره" ٣.
стр. 168
فالشيخ الأمين ﵀ يميط اللثام عن هؤلاء الذين يفرطون في حقوق الله وخصائصه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ ففاقوا المشركين في شركهم؛ إذ دعوا أوثانهم وتوجهوا إليها في الشدة والرخاء، والسعة والضيق؛ فهم أشد شركا من الذين قاتلهم النبي ﷺ , وأسوأ حالاً منهم؛ لأن أولئك كانوا يعلمون أن من يجيب الدعاء هو الله، فكانوا يلجؤون إليه وقت الشدائد والكرب، ويتركون أوثانهم.
وقد أشار إلى مشركي زماننا، وشدة تألههم لأوثانهم في الرغبة والرهبة الشيخ سليمان بن عبد الله١ ﵀ فقال: "وأما عباد القبور اليوم فلا إله إلا الله كم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من التفاوت العظيم في الشرك؛ فإنهم إذا أصابتهم الشدائد براً وبحراً أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله، وأكثرهم قد اتخذ ذكر إلهه وشيخه ديدنه وهِجّيراه إن قام، وإن قعد، وإن عثر" ٢.
وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى نماذج من شرك هؤلاء الذين يدّعون أنهم من أتباع رسول الله ﷺ , فيغالون فيه، وفي بعض الصالحين زاعمين أنهم يحبونهم ويعظمونهم، وفعلهم في الحقيقة من الأمور التي توجب سخط الله وسخط رسوله ﷺ , فيقول ﵀: "إن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي ﷺ وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول ﷺ وتعظيمه ومحبة الصالحين. وكله
من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله؛ لأن صرف
стр. 169
الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي ﷺ أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله، وسخط النبي ﷺ وسخط كل متبع له بالحق" ١.
فالشيخ الأمين ﵀ يؤكد أن من توجه بشيء من حقوق الله إلى غيره فقد أغضب الله ورسوله ﷺ , وخالف طريقته، وترك الاقتداء به، فهو صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر أمته بأن يجعلوه لله ندا، بل كان يأمر بالإخلاص لله وإفراده بالعبادة وحده . وكذا الأنبياء قبله، وأصحابه رضوان الله عليهم.
يقول ﵀ مبيناً هذا المعنى: "ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء. والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢، بل الذي كان يأمر به ﷺ هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣..٤.
стр. 170
المطلب الثاني: الذبح لغير الله
الذبح عبادة يتقرب بها إلى الله جل وعلا، ولا يجوز أن يتقرب بها لغيره؛ قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١.
وقد بين الشيخ الأمين ﵀ أن من ذبح لغير الله كائنا من كان فإنه جعله معبوداً له من دون الله، فقال ﵀: " ... فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله فقد جعله شريكاً مع الله في هذه العبادة التي هي الذبح، سواء كان نبياً أو ملكاً، أو بناء أو شجراً أو حجراً، أو غير ذلك، لافرق في ذلك بين صالح وطالح، كما نصّ عليه تعالى بقوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ ٢، ثم بين أن فاعل ذلك كافر، بقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣ ... "٤.
وكذا نرى الشيخ الأمين ﵀ لايرتضي قول من فرق بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم، وبين ما ذبحوه لعيسى، أو واحد من الملائكة؛ حيث جعلوا الأول محرماً، والآخر مكروها، فيرد على هذا التفريق بأن الجميع مما ذبح لغير الله، فيقول ﵀: "إن هذا الفرق باطل بشهادة القرآن؛ لأن الذبح على وجه القربة عبادة بالإجماع، وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية٦ ... " ٧.
стр. 171
ويستشهد ﵀ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١، فيقول: "وقوله: "لغير الله" يدخل فيه الملك والنبي كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان، وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم الصنم، وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك، وبين الصنم والنصب، فلزمهم القول بالمنع. وأما استدلالهم بقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ٢: فلا دليل فيه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ليس بمخصص لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ؛ لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٣.
وما ذهب إليه الشيخ ﵀ من أنه لافرق في حكم الحرمة بين ما ذبح لعيسى أو للصنم؛ إذ إن كليهما مما قصد به غير الله ، هو ما وضحه الإمام النووي٤-﵀، وبين أن من ذبح للأنبياء، أو للأصنام فهو ممن ذبح لغير الله، فقال: "وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى؛ كمن ذبح للصنم، أو الصليب، أو لموسى، أو لعيسى صلى الله عليهما، أو للكعبة، ونحو ذلك. فكلّ هذا حرام، ولا تحلّ هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلماً، أو نصرانياً، أو يهودياً، نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا. فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفراً، فإن كان الذابح مسلماً قبل ذلك صار بالذبح مرتداً"٥.
стр. 172
فلا حجة لمن فرق بين ما ذبح للصنم، أو ذبح لعيسى ﵇ فالكل داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ١عندما ذكر ما حرمه علينا جلّ وعلا.
ومن المسائل التي وضحها الشيخ الأمين ﵀ في هذا الباب عدم جواز الذبح في مكان كان يعبد فيه غير الله، أو كان موضعاً لعيد من أعياد الجاهلية، وقد بين أثابه الله أن هذا الذبح معصية لله تعالى لا يتقرب به إلى الله، وقد استشهد بحديث ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلا ببوانه، فقال النبي ﷺ : " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد"؟ قالوا: لا. قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم"؟ قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢.
وقد عقب ﵀ على هذا الحديث بقوله: "وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله، وأنه لا يجوز بحال. والعلم عند الله تعالى"٣.
وقد سبقه إلى نحو هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ عقب على هذا الحديث بقوله: "وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم، ومحل أوثانهم معصية لله"٤. ثم بين كون ذلك معصية لله من وجوه عديدة، وقد أطال في الكلام على ذلك ﵀.
стр. 173
المطلب الثالث: ادعاء علم الغيب
علم الغيب من خصائص الله ، فلا يعلم الغيب إلا هو؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ ١وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ ٢.
والغيب كما ذكر الشيخ الأمين ﵀: "يطلق على كل ما غاب من المعلومات"٣.
وهو يؤكد ﵀ أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وقد يطلع من شاء من رسله على شيء من المغيبات. يقول ﵀: "أعلم المخلوقات وهم الرسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما يشاء؛ كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية٥ ... "٦.
لذلك فقد بين ﵀ أن جميع وسائل ادعاء الاطلاع على الغيب هي من الضلال الذي نهى الله عنه، وليس لنا إلا ما أطلع الله عليه رسوله،
стр. 174
وأخبرنا به ﷺ , فيقول ﵀ موضحاً هذا المعنى:
"لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لايعلمه إلا الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين. وبعض منها مايكون كفراً ولذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً" ١. ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة٢. والكهانة٣، والعرافة٤، والطرق٥، والزجر٦، والنجوم. وكل ذلك يدخل في الكهانة، لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب، وقد سئل ﷺ عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء" ٧" ٨.
ويؤكد الشيخ الأمين ﵀ أن ليس للعباد تسلط إلى معرفة الغيب، وأن جميع الطرق التي يدعي أصحابها أنها تنبىء عن الغائب كلها من البهتان. وهذا ما أوضحه الإمام القرطبي٩ ﵀ بقوله: "قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، واستأثر به دون
стр. 175
خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على مايشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه" ١.
إذاً: فادعاء معرفة الأمور الغائبة ليس بالأمر الهيّن، بل هو زعم بمشاركة الله تعالى الذي لايعلم الغيب أحد سواه في علمه، ولذلك يبين الشيخ الأمين ﵀ أن بعض أهل العلم قد كفر من يدعي معرفة الغيب، ويسوق الأدلة التي استدلوا بها فيقول: "ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الاطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما أستأثر الله تعالى به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك؛ كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ ٢. وقوله هنا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُو﴾ " ٣.
وماذكره الشيخ ﵀ من أن مدعي الغيب كافر هو القول الحق الذي تنصره الأدلة الصريحة الدالة على أن الغيب لله وحده، وأنه من خصائص ألوهيته وربوبيته جل وعلا. والمتطاول إلى معرفة الغيب هو في الحقيقة مدع لمشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به. ولا شك في كفر من ادعى هذه المنزلة.
стр. 176
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي١ ﵀ موضحاً هذا الأمر: "إن الله تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك؛ بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك فقد جعل لله شريكاً فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله" ٢.
وبذلك يتبين كفر من ادعى علم الغيب بأي طريقة من الطرق الشيطانية؛ إذ إنه زعم لنفسه ما اختص الله به دون خلقه، وكذب بالقرآن العظيم، وبآياته الكريمة التي ذكر الله جل وعلا فيها أنه لايعلم الغيب أحد سواه جل وعلا.
стр. 177
المطلب الرابع: الحلف بغير الله
حذر الرسول ﷺ من الحلف بغير الله، وذلك لسد الطرق الموصلة للشرك، وحماية لجناب التوحيد، وحتى يكون الدين كله لله.
قال ﵊: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "١.
وهذا الشرك الذي عناه الرسول ﷺ بقوله:"أشرك"هو الشرك الأصغر، الذي لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه على خطر عظيم إن لم يتب منه.
وقد أشار الشيخ الأمين ﵀ إلى أنه لا يجوز الحلف بغير الله، ومن حلف فإن يمينه باطلة، وإنما يكون الحلف صحيحاً إذا كان بالله، أو بأسمائه، أو صفاته.
قال ﵀: "اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق؛ لقوله ﷺ : "من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت" ٢"٣.
ثم يرد ﵀ على من جوز الحلف برسول الله ﷺ مبيناً أن ذلك مصادمة للأمر النبوي الكريم المانع من الحلف بغير الله، فيقول: "ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا ما كان، كما أنه لا تجوز بإجماع من
стр. 178
يعتدّ به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله. فقول بعض أهل العلم١ بانعقاد اليمين به ﷺ لتوقف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم" ٢.
وهذا الذي قرره الشيخ الأمين ﵀ هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين ذكر تنازع الناس في الحلف بالنبي ﷺ , ثم قال بعد ذلك: "إن الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أن لا يحلف بمخلوق؛ لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد" ٣.
وإذا كان الشيخ الأمين ﵀ يبيّن أن ليس للمخلوق أن يحلف بغير الله، فإنه يؤكد في موضع آخر أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه، فيقول ﵀: " والله جلّ وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا ﷺ . وفي ذلك من التشريف له ﷺ ما لا يخفى"٤
وما بينه الشيخ ﵀ من أن للخالق أن يقسم بما شاء من خلقه أشار إليه الشيخ سليمان بن عبد الله٥ ﵀ بقوله: "فإن قيل إن الله أقسم بالمخلوقات في القرآن. قيل: ذلك يختص بالله ﵎؛ فهو يقسم بما شاء من خلقه لما في ذلك من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته،
стр. 179
وإلهيته، وعلمه، وحكمته، وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى. فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقد نهانا عن الحلف بغيره، فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله" ١.
وهكذا نرى الشيخ الأمين ﵀ يؤكد أن للخالق جل وعلا أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يقسم بأحد سوى خالقه جل وعلا؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأن حلف المخلوق بغير خالقه قد يجره إلى أمر جد خطير، فقد يخرجه من الملة –عياذا بالله-؛ لأن الحلف بغير الله ذريعة من أقوى الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر؛ إذ إن الحالف قد يتدرج في تعظيم المحلوف به، حتى يصل به إلى درجة المساواة مع الخالق جل وعلا، ولا يختلف اثنان أنّ هذا شرك أكبر.
стр. 180
المطلب الخامس: السحر
السحر من الأعمال المحرمة التي تضادّ التوحيد، وهو محادة لله ورسوله.
أنواعه كثيرة، ومن أعظمها السحر الذي لا يتم إلا بالإشراك بالله والتقرب إلى الشياطين، حتى يحققوا للساحر مراده من حصول بعض التأثيرات القبيحة فيمن يريد أن يسحره.
ومنه ما تحصل بسببه بعض التأثيرات القبيحة: كالتلبيس على العقول، أو القتل، أو التفريق بين المتحابين، أو أعمال أخرى كثيرة ومؤذية.
والسحر لا يؤثر إلا بإذن الله وإرادته الكونية؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ "١.
لذلك حارب الإسلام السحر، وحرمه على المسلمين لما فيه من ادعاء الاطلاع على المجهول، وذلك مشاركة لله في علمه، وكذلك لما فيه من التوسل إلى الشياطين والتقرب إليهم ليساعدوه في تحقيق مأربه.
وقليل السحر وكثيره لا يتم إلا بالتعرض لغضب الله وسخطه، وهو من