← Акыда

Акыда · id 11991

جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف

عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الطويان

Полный текст (590 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإما دعوة إلى عبادته وحده لاشريك له، وخلع كلّ مايعبد من دونه: فهو التوحيد الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره: فهي حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن كرامته لأهل توحيده وطاعته، ومافعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة؛ فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في العقبى من العذاب: فهو خبر عمّن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه١. والإيمان بالله تعالى لايخرج عن ثلاثة أنواع: الأول: توحيد الربوبية: وهو الإقرار بأن الله هو الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور. الثاني: توحيد الألوهية: وهو الإقرار بأن الله هو الإله المستحق للعبادة وحده، وكلّ معبود سواه باطلٌ. الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ , ونفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تكييف. وقد قرر الشيخ الأمين ﵀ الذي أفرد هذا البحث لبيان جهوده في تقرير عقيدة السلف-هذا التقسيم؛ حيث قال:

стр. 72

"دل استقراء القرآن العظيم على أنّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته؛ وهذا النوع جبلت عليه فطر العقلاء. الثاني: توحيده جلّ وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو: تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، وهي متركبة من نفي وإثبات. الثالث: توحيده جلّ وعلا في أسمائه وصفاته١. وهذا التقسيم ليس بدعاً من الشيخ ﵀، بل له في ذلك سلف؛ فقد ذكره قبله بآماد طويلة أئمة أجلاء في كتبهم؛ من أمثال الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة٢ ﵀ في كتابه التوحيد؛ فقد ابتدأه ﵀ بوحدانية الله تعالى في ربوبيته مستدلاً بذلك على توحيده تعالى في العبادة، ثم ثنى بتوحيد الألوهية؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ثلّث بتوحيد أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا٣. وممّن أورد هذا التقسيم، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وابن

стр. 73

قيم الجوزية١، وابن أبي العزّ الحنفي٢، والمقريزي٣. فتقسيم الشيخ الأمين ﵀ مطابق لدلالة القرآن على التوحيد٤ كما فهمه السلف ﵏. وإن كان بعضهم قد جعله قسمين؛ فضم توحيد الربوبية والأسماء والصفات في قسم، وسماه التوحيد العلمي، وجعل توحيد الألوهية قسماً مستقلاً، وسماه التوحيد العملي٥.

стр. 74

وهذا التقسيم قد احتوى على المراد، ولايتعارض مع تقسيم من جعله ثلاثة أقسام، أو أربعة١: فهي بمعنى واحد، ولأن الكل قرروا أن توحيد الألوهية هو معنى "لا إله إلا الله"، وقالوا بأن تحقيقه يمنع من دخول النار. وبذلك نستنتج أنّ الشيخ ﵀ لم يرتض تقسيم المتكلمين٢: لأنهم يخالفون دلالة القرآن على التوحيد، وغاية مايصلون إليه: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية٣-﵀، وبين عدم جدوى هذا التقسيم الذي لايفرق بين مؤمن ومشرك. ومن المناسب هنا أن أذكر ماأخبرنيه الدكتور عبد الله بن الشيخ الأمين ﵀ أنّ والده كان يقول له: "ياولدي اعلم أن التوحيد ينقسم ثلاثة أقسام، وأن هذه القسمة استقرائية والاستقراء: هو تتبع النصوص؛ كما أن النحو علم بالاستقراء بتتبع لغة العرب؛ إما اسم أو فعل أو حرف، فكذلك علمنا أقسام التوحيد من تتبع القرآن؛ فالله تعالى قسم التوحيد ثلاثة أقسام في سورة الفاتحة؛ فقال "الحمدلله" والله هو المعبود بحق، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والرب هو الذي يربي الأشياء، وهذا توحيد الربوبية. ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وهذا توحيد الأسماء والصفات. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ دل على توحيد الألوهية. وتوحيد الألوهية أن تكون جميع أعمالك خالصة لله؛ من صلاة وصيام وزكاة ونذر وخوف ورجاء وغير ذلك مما لا يجوز صرفه إلا لله. وتوحيد الربوبية: مايكون في

стр. 75

الكون فهو صادر عن الله تعالى. وتوحيد الألوهية شكر على توحيد الربوبية؛ لأن الله ربك فتشكره بأن تكون أعمالك خالصة له ولاتشارك غيره بها. أما توحيد الأسماء والصفات فهو مبنيّ على ثلاثة أسس: الأول: تصديق الله فيما قال. والثاني: تنزيه الله عن مشابهة خلقه. الثالث: قطع الطمع عن إدراك الكيفية.

стр. 76

الفصل الأول: توحيد الربوبية تعريفه: هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه وخالقه، ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار١. ولم أجد للشيخ الأمين ﵀ تعريفاً لهذا النوع، وإنما مفاد كلامه أن الإقرار بتوحيد الربوبية أمر فطري؛ فطر الله عليه الخلق وتعرفه النفوس؛ حيث يقول ﵀: "هذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية٢، وقال: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣ ٤. فالشيخ ﵀ يؤكد أن القلوب مفطورة على هذا النوع من التوحيد، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَك﴾ ٥وقوله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه.." ٦.

стр. 77

فالنفوس البشرية فطرت على هذا النوع من التوحيد، لكن لما وردت عليها المؤثرات الخارجية من الشهوات والشبهات خالفت فطرتها السليمة التي جبلها الله عليها. وقد أوضح الشيخ ﵀ أنّ إنكار هذا النوع من التوحيد إنما هو عناد ومكابرة من عارف؛ فقال ﵀: "أما تجاهل فرعون –لعنه الله- لربوبيته جلّ وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١فإنه تجاهل عارف؛ لأنه عبدٌ مربوب؛ كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ٣ ٤. وأكد ﵀ أن الإتيان بهذا النوع من التوحيد لايفيد إلا إذا ضم إليه توحيد الألوهية؛ فكفار مكة لم ينفعهم الإقرار بالربوبية، حيث إنهم أشركوا في الألوهية: فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّت﴾ . .إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٥-: صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا هو ربهم الرازق المدبر للأمور، المتصرف في ملكه بما يشاء. وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ومع هذا أشركوا به جل وعلا، والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا –ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل

стр. 78

وعلا- كثيرة؛ كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣إلى غير ذلك من الآيات، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤. والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا، لايكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى "لا إله إلا الله" نفياً وإثباتاً٥. ثم يؤكد ﵀ أن الآيات الدالة على توحيد الربوبية إنما هي إلزام للمشركين أن يوحدوه في العبادة، وأن لايصرفوا شيئاً منها لغيره؛ حيث يقول ﵀: ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعتراف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده٦. ثم استدل ﵀ بآيات كثيرة على إقرار الكفار بربوبية الله ، وتوبيخ الله لهم بعد إقرارهم على شركهم في الألوهية؛ فقال ﵀: "ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ، فلما

стр. 79

أقروا بربوبيته وبّخهم منكراً عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َسَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . فلما اعترفوا وبّخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ . ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، فلما أقروا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ . فلما أقروا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ، فلما صحّ الاعتراف وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ ٣ ٤. إلى غير ذلك من الآيات التي استدل بها ﵀ على إقرار الكفار بتوحيد الربوبية، وإلزام الله لهم أن يوحدوه بالعبادة. ثمّ يؤكّد ﵀ أنّ الاستفهامات التي في آيات الربوبية استفهامات تقرير، وليست إنكار؛ فيقول ﵀: "إن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير يراد منها أنهم إذا أقروا ررتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة: نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٥،

стр. 80

وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ ١. وإن زعم بعض العلماء٢ أن هذا استفهام إنكار، لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لاينكرون الربوبية كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه" ٣. ولاشك أن القوم لم يعرف عنهم إنكارهم للربوبية، وإنما كان انحرافهم في جانب الألوهية؛ وهو الانحراف الذي بعثت الرسل جميعها لتقويمه. قال الإمام ابن القيم ﵀: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتجّ الله عليهم به؛ فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية"٤. وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀ عن توحيد الربوبية: "وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضة طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات؛ كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض﴾ ٥ ٦. فلذلك لم يطل الشيخ ﵀ الكلام على توحيد الربوبية بل نراه٧استدل بدلائل توحيد الربوبية؛ والتي هي الآيات الكونية على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة.

стр. 81

فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو الغاية من خلق العباد، وترتيب الثواب والعقاب. وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ إذ لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر إلا عند المكابرة، والجحود والإنكار.

стр. 82

الفصل الثاني: توحيد الألوهية المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية ... المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية هو أعظم أنواع التوحيد، وأشرفها. وهو متضمن لتوحيد الربوبية، فمن حقق توحيد الألوهية فقد أتى بالتوحيد الذي أراد الله من عباده، واستمسك بحبل الله المتين؛ لأنه المقصد الأعظم من بعثة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومحور دعوتهم جميعاً. وقد حرص الشيخ ﵀ على مسلك السلف في تعريف هذا النوع من أنواع التوحيد، وإبراز أهميته. ووضح أنه هو معنى "لا إله إلا الله"؛ تلك الكلمة الخالدة التي دعا إليها كلّ نبيّ أمته، وحذرهم من مخالفتها. وعرف الشيخ ﵀ توحيد الألوهية، وحدد ضابطه؛ عرفه بأنه: "توحيده جلّ وعلا في عبادته"، وحدد ضابطه بقوله "وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"؛ وهي مركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ماكانت في جميع أنواع العبادات بإخلاص على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام"١. وقد أورد ﵀ الأدلة من القرآن الكريم على تعريفه لهذا النوع من التوحيد؛ فقال: "وأكثر آيات القرآن الكريم من هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد: قوله

стр. 83

تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآية١، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: أن ما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة "لا إله إلا الله" لجميع ماجاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب. والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة"٦. وعرف الشيخ ﵀ توحيد الألوهية في موضع آخر بقوله: "إن توحيد الألوهية هو معنى كلمة "لا إله إلا الله"، وهي بلا شك متضمنة لجميع الشرائع، فيدخل في ذلك فعل كلّ واجب وغيره؛ كالمندوب، وترك كلّ محرم وغيره؛ كالمكروه" ٧. ويقول عن هذا التوحيد في موضع آخر زيادة في الإيضاح: "إن الركن الأكبر الذي هو توحيد الله بأنواعه، المستلزم إفراده بالعبادة وحده هو منتهى التحرر من الرق والعبودية للمخلوقين؛ ومن جملتهم النفس والهوى

стр. 84

والشيطان –كفانا الله وإخواننا المسلمين شر ذلك كله والهوى والشيطان-"١. فالشيخ ﵀ اعتنى بهذا التوحيد، شأنه شأن العلماء المحققين السائرين على منهج السلف الصالح الذين فهموا دعوة الرسل وحقيقة التوحيد، وأنها إفراد الله بكل أنواع العبادة، والكفر بكل ما يعبد من دون الله، والتمييز بين حقوق الله الخاصة به سبحانه، وبين حقوق خلقه. وللتدليل على أن الشيخ ﵀ لم يخرج عن منهاج السلف، بل اقتفى أثرهم في الاعتناء بهذا النوع من أنواع التوحيد أذكر تعريفاً واحداً من تعاريف السلف لهذا التوحيد؛ يقول الإمام ابن تيمية٢-﵀: "فإنّ حقيقة التوحيد: أن نعبد الله وحده، فلا يدعى إلا هو، ولا يُخشى إلا هو، ولا يُتقى إلا هو، ولايتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق، وأن لا نتخذ الملائكة والنبيين أرباباً، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم" ٣. ويلاحظ التوافق بين هذا التعريف، وتعريف الشيخ ﵀، بل السلف كلهم على هذا التعريف. ولم يقتصر اعتناء الشيخ ﵀ بهذا النوع من أنواع التوحيد على مجرد ذكره وتبيين أهميته في كتبه، بل نراه لا يدع مناسبة إلا ويحرص على التدليل على أهميته، وتبيين أنه أصل الدين وأساسه؛ يقول في محاضرة ألقاها في المسجد النبوي متحدثاً عن هذا النوع العظيم من أنواع التوحيد: "توحيده جلّ وعلا في عبادته هو الذي فيه جميع المعارك بين الرسل والأمم،

стр. 85

وهو الذي أرسلت لتحقيقه، وحاصله هو معنى "لا إله إلا الله"؛ فهو مبني على أصلين هما النفي والإثبات في "لا إله إلا الله". فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادة كائنة ماكانت. ومعنى الإثبات منها: هو إفراده جلّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادة على الوجه الذي شرع أن يعبد به. وجلّ القرآن في هذا النوع: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤، ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥. والآيات في هذا كثيرة جداً٦. ونراه ﵀ أثناء مروره بـ"أم درمان" متجهاً إلى الديار المقدسة يُسأل عن قصة الغرانيق٧، فيوضحها، ويتكلم عن إخلاص العبادة لله تعالى فيقول: "فإخلاص العبادة لله وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطاً خاتمهم ﷺ , ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطا في توحيد الله في عبادته جلّ وعلا، فالسجود

стр. 86

لمخلوق في شريعته السمحة كفر بالله تعالى، مع أنه كان جائزاً في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ ١، ولذلك أمر نبينا ﷺ أن يقول للناس أنه ما أوحي إليه إلا توحيد الله تعالى في عبادته في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أنّ لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه ﷺ في أصله الأعظم الذي هو "لا إله إلا الله"؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها التابعة لها. ولهذا صار مكذب رسول واحد مكذبا لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣؛ أي بتكذيبهم نوحاً. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٤؛ أي بتكذيبهم هودا.

стр. 87

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١؛ أي بتكذيبهم لوطاً. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢؛ أي بتكذيبهم شعيباً. فهذه الآيات تدل على أن مكذب رسول واحد مكذب لجميع الرسل؛ وذلك لاتحاد دعوتهم، وهي مضمون لا إله إلا الله" ٣. وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع. والمقصود أن الشيخ ﵀ لم يترك مناسبة تمرّ إلا وأفاض فيها في الكلام عن توحيد الألوهية، وأنه دعوة جميع الأنبياء ﵈، وأنّ الله ما خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب إلا ليعبد ولايشرك معه شيء. ونراه كذلك ﵀ يسترسل في ذكر الأدلة الصريحة من القرآن الكريم الدالة على شأن العبادة وعظمها؛ فيقول "والآيات الدالة على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جداً؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٦، وغير ذلك من الآيات" ٧. والشيخ ﵀ قد أوضح أن توحيد الألوهية هو معنى "لا إله إلا الله" التي من أجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب.

стр. 88

وببيان معنى هذه الكلمة العظيمة تكتمل الفائدة ببيان تعريف توحيد الألوهية. معنى "لا إله إلا الله" " لا إله إلا الله" كلمة التوحيد التي من حققها دخل الجنة، وكان من الآمنين يوم القيامة. وهي أصل الدين، ودعوة جميع الأنبياء والمرسلين؛ من لدن نوح ﵇، وحتى نبينا محمد ﷺ كلّ منهم يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. ولأهمية هذه الكلمة وعظمها قال عنها الإمام ابن القيم١ ﵀: "كلمة قامت بها الأرض والسموات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. ولأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار. وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار. فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد. وهي حق الله على جميع العباد؛ فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وعنها يسأل الأولون والآخرون. فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟، وماذا أجبتم المرسلين؟. فجواب الأولى بتحقيق "لا إله إلا الله" معرفة وإقراراً وعملاً. وجواب الثانية بتحقيق "أن محمداً رسول الله" معرفة وإقراراً وانقياداً وطاعة" ٢. وقد سلك الشيخ ﵀ مسلك السلف في تفسير معنى "لا إله إلا

стр. 89

الله" فقال: "إن معناها: لا معبود بحق إلا الله" ١. وهذا هو التفسير الصحيح الذي ارتضاه السلف الصالح ﵏؛ يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب٢رحمهم الله: "ومعنى لا إله إلا الله: أي لامعبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لاشريك له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلآ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، مع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤، فصح أن معنى الإله: هو المعبود. ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٥. وقال قوم هود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦، وهو إنما دعاهم إلى "لا إله إلا الله". فهذا هو معنى "لا إله إلا الله"، وهو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه؛ وهو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله" ٧. ولم يقتصر الشيخ الأمين ﵀ على التعريف السابق بل زاد معنى "لا إله إلا الله" توضيحاً بذكر ما اشتملت عليه من نفي وإثبات، وببيان أن الدين الإسلامي قائم على هذه الكلمة؛ فقال عند تفسيره لقوله

стр. 90

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١: "إن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى "لا إله إلا الله"؛ لأن معناها خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات؛ فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية" ٢. ويقول ﵀ في موضع آخر: "وقد حصر الله جل وعلا الوحي كله في هذه الكلمة؛ حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣؛ وذلك أنها تحتوي على مضمون كلّ الكتب السماوية والشرائع الإلهية، وتشملها؛ لأنها مركبة من نفي كل الآلهة –غير الله-، ونفي عبادتها، وإثبات كلّ العبادات لله وحده، ففيها يدخل كلّ تقرب إلى الله تعالى من عقائد وأعمال، ولهذا قال النبيّ ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٤. فكل التكليفات والحقوق مندرجة تحت هذه الكلمة، ولهذا قال نبي الله هود: "أعبدوا الله"؛ أي تقربوا إليه وحده بما أمركم بالتقرب به إليه من العبادات على وجه الخضوع والذلّ والمحبة، فلا تكفي المحبة دون الخضوع والذلّ، لأنها قد تكون طبيعية، ولا يكفي مجرد الخضوع والذلّ؛ لأنه قد يكون خاضعاً لمن يبغضه، تحت قهره وسلطانه، وباجتماع ذلك يحصل كمال العبودية لله" ٥.

стр. 91

وبهذا يتضح اهتمام الشيخ ﵀ بمعنى "لا إله إلا الله". واقتداؤه في تفسيرها بسلف هذه الأمة، وسلوكه مسلكهم من حيث إيضاح معناها غاية الإيضاح. وبيان أنها قاعدة الدين، ومنتهى غاية المؤمنين. وقد كرر ﵀ نحو هذا الكلام في عدة مواضع من كتابه أضواء البيان١. وفي غيره من كتبه٢. وأذكر هنا من أقوال السلف مايعضد فهم الشيخ ﵀ لمعنى "لا إله إلا الله" المشتملة على النفي والإثبات: فمن ذلك: قول شيخ الإسلام ابن تيمية٣-﵀ بعد كلامه على إخلاص العبادة لله: "وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ماسوى الحق، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافياً لألوهية كل شيء من المخلوقات، مثبتاً لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات. وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ماسواه؛ فيكون مفرقا –في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته- بين الخالق والمخلوق؛ بحيث يكون عالماً بالله تعالى، ذاكرا له، عارفاً به. وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وإنفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محباً لله، معظماً له، عابداً له، راجياً له، خائفاً منه، محباً فيه، موالياً فيه، معادياً فيه، مستعيناً به، متوكلاً عليه، ممتنعاً عن عبادة غيره، والتوكل عليه، والاستعانة به، والخوف منه، والرجاء له، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والطاعة لأمره، وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهيته

стр. 92

سبحانه وتعالى" ١. ومن أقوال العلماء الذين اشتهر عنهم تمسكهم بمنهج السلف في مسائل العقيدة، واهتمامهم بهذا النوع من التوحيد خاصة؛ أذكر قول الإمام محمد بن عبد الوهاب٢-﵀ في معنى "لا إله إلا الله" مؤيداً بذلك كلام الشيخ الأمين ﵀ في هذا المعنى يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فإن هذه الكلمة "لا إله إلا الله" نفي وإثبات؛ نفي الإلهية عما سوى الله من المخلوقات، حتى من المرسلين البشر وخاتمهم محمد ﷺ , وحتى من الملائكة وجبريل عليهم وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام، فضلاً عن غيرهم من الأنبياء والصالحين وسائر المخلوقات؛ وإثباتها بجميع أنواعها كلها لله وحده لا شريك له" ٣. والخلاصة: أنّ الشيخ الأمين ﵀ يرى أن معنى "لا إله إلا الله" لا يقتصر على النطق بها، بل يجب تحقيق لوازمها، مع ترك ما يناقضها؛ فالجهل بمعناها جهل بالدين لا ينجي من الخلود في النار، فإنّ "لا إله إلا الله" هي معنى توحيد الألوهية؛ الذي هو دعوة الرسل جميعاً.

стр. 93

المبحث الثاني: براهين التوحيد المطلب الأول: دلالة الصفات على توحيد الألوهية ... المبحث الثاني: براهين التوحيد توحيد الألوهية هو غاية دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والحكمة من خلق الخلق، ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب إفراد الله بالعبادة، وأنه وحده المستحق أن يعبد ويعظم. والأدلة على ألوهية الله واستحقاقه للهبادة هي أيضا دلائل على ربوبيته، وأسمائه وصفاته؛ لأن توحيد الألوهية –كما مرّ- متضمن لتوحيد الربوبية، فمن أتى به فقد جاء بالتوحيد المطلوب المنجي من دخول النار، المقتضي دخول الجنة. وقد اهتم الشيخ الأمين ﵀ بهذه البراهين، فأورد في تفسيره نصوصا كثيرة من القرآن الكريم، وذكر أنها تدل على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة دون سواه، وهذه النصوص منها ما هو في صفاته الدالة على ألوهيته وعظمته. ومنها ما هو في آياته المنزلة والمخلوقة. وقد ذكرها في مواضع بالإجمال، وفي أخرى بالتفصيل، وسوف أوردها مجملة، ثم أفصل كل دليل على حدة مسترشداً بكلام الشيخ ﵀ على فهم هذه البراهين.

стр. 94

المطلب الأول: دلالة الصفات على توحيد الألوهية ذكر الشيخ الأمين ﵀ بعض الصفات الدالة على ألوهية الله سبحانه، واستحقاقه للعبادة؛ فمنها: صفة الملك، وصفة الوحدانية، وصفة الألوهية، وصفة الخلق، وصفة القدرة. فعند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ١. قال ﵀: "وقد أثنى –جلا وعلا- على نفسه في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور، هي أدلة قاطعة على عظمته واستحقاقه وحده لإخلاص العبادة له: الأول منها: أنه هو الذي له ملك السموات والأرض. والثاني: أنه لم يتخذ ولدا عن ذلك هلواً كبيراً. والثالث: أنه لا شريك له في ملكه. والرابع: أنه هو خالق كلّ شيء. والخامس: أنه قدر كل شيء خلقه تقديراً. وهذه الأمور الخمسة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في آيات كثيرة". ثم سرد ﵀ آيات كثيرة تدل على كل نوع من هذه الأمور

стр. 95

الخمسة، على طريقته ﵀ في بيان القرآن بالقرآن. فقال: "أما الأول منا: وهو أنه له ملك السموات والأرض فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الآية١،وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ الآية٢. وجميع الآيات التي ذكر فيها جل وعلا أن له الملك، فالملك فيها شامل لملك السموات والأرض وما بينهما، وغير ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ٣ ... والآيات الدالة على أن له ملك كل شيء كثيرة جداً معلومة"٤. والأمر الثاني –وهو كونه لم يتخذ ولداً- استدل له بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . الأمر الثالث: استدل له بقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ٦؛ لأن قوله: ﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يدل على تفرده بالملك والقهر، واستحقاق إخلاص العبادة كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الآيات. واستدل للأمر الرابع –وهو كونه خالق كل شيء- بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ

стр. 96

اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات. واستدل للأمر الخامس –وهو كونه قدر كل شيء خلقه- بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢. وهذا الذي أوردته قليل من كثير مما أورده الشيخ ﵀ في كتاب التفسير من أدلة قرآنية على هذه الأنواع٣. فالشيخ الأمين ﵀ يتناول براهين التوحيد بالتوضيح في هذه السورة الكريمة وحدها مؤكدا أن من اتصف بهذه الصفات العظيمة فهو المستحق أن يعبد ولا يشرك معه أحد؛ فالله هو النافع الضار، المتفرد بكل كمال، الآمر الناهي. قدر جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلقه، ثم كتبه في اللوح المحفوظ٤، ثم خلقه وفق ما يريد، فسبحان المتصف بكل كمال وجلال، فهو الإله المعبود بحق وحده. وهذا ما أكده أيضاً الإمام ابن القيم٥-﵀ حيث يقول: "وإذا كان وحده هو ربنا وملكنا وإلهنا، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه. ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى، ولا يخاف، ولا يرجى، ولا يحب سواه. ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه وتخافه، وتدعوه، وتتوكل عليه إما أن يكون مربيك

стр. 97

والقيم بأمورك ومتولي شأنك؛ وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق؛ فهو ملك الناس حقاً، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك، وهو الإله الحق؛ إله الناس الذي لا إله لهم سواه، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجؤا إلى غير حماه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم جميعاً بربوبيته وملكه وإلهيته لهم. فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه إلى ربه ومالكه وإلهه"١. وخلاصة القول: أن من كان متصفاً بتلك الصفات العظيمة جدير بأن يعبد وحده ولا يشرك معه أحد من خلقه؛ وهو ما يؤكده الشيخ الأمين ﵀، وما يحتويه كلامه السابق؛ فالموجودات كلها واقعة تحت أمر الله ونهيه وقهره. فسبحان من تفرد بالوحدانية والملك والألوهية. وهذه الصفات العظيمة الدالة على توحيد الألوهية: قد أجمل الشيخ ﵀ الكلام عنها في موضع واحد، ثم فصل الكلام عنها في مواضع متعددة من تفسيره. وقد أجملت الكلام عنها فيما سبق اقتداء بصنيع الشيخ ﵀، وها أنا أشرع ببيانها على وجه التفصيل اقتداء بصنيع الشيخ ﵀ أيضا. فمنها: أولا: قدرة الله على الخلق: الذي يقدر على خلق الخلق، وإبرازهم من العدم إلى الوجود هو الذي يستحق أن يعبد وحده؛ لأن من لا يقدر على ذلك عاجز، والعاجز لا

стр. 98

يصلح أن يكون إلهاً ومعبوداً. وقد فصل الشيخ ﵀ في هذه المسألة في عدة مواضع من تفسيره، أكتفي بذكر موضعين منها: فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١. قال: "أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ لأنه هو الخالق وحده، ولا يستحق من الخلق أن يعبدوا إلا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود، لأن المقصود من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ﴾ إنكار ذلك، وأنه هو الخالق وحده، بدليل قوله بعده: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي وخالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده. ويبين هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٥، إلى غير ذلك من الآيات لأن المخلوق محتاج إلى خالقه؛ فهو عبد مربوب مثلك يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده، كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له"٦.

стр. 99

وعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ قال ﵀: "قد ذكرنا قريباً أن قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلآ بِالْحَقِّ﴾ ٢ يتضمن البرهان القاطع على صحة معنى "لا إله إلا الله"، وأن العلامة الفارقة بين المعبود بحق وبين غيره هي كونه خالقاً. وأول سورة الأحقاف هذه يزيد ذلك إيضاحاً؛ لأنه ذكر من صفات المعبود بحق أنه خلق السموات والأرض وما بينهما بالحقّ وذكر من المعبودات الأخرى التي عبادتها كفر مخلد في النار أنها لاتخلق شيئاً" ٣. ولاشك أن هذا البرهان من أعظم البراهين الدالة على توحيد الألوهية؛ إذ كيف يستحق العبادة من يعجز عن الخلق، بل هو مخلوق مربوب مفتقر إلى ربه وخالقه. فمن يستحق العبادة خالق كل شيء وربه ومليكه، وهو الله رب العالمين، الإله المعبود وحده . ثانياً: النافع الضار النافع الضار من أسماء الله المزدوجة المتقابلة المقترنة التي لا يفرد أحدهما عن الآخر٤. وهي تدل على كمال الله ، وحكمته البالغة؛ حيث ينفع من أطاعه بفعل الخيرات في الدنيا والإعانة عليها، وتكون سبباً لدخول الجنة. والضارّ لمن عصاه وابتعد عن هداه ومآله إلى النار.

стр. 100

وقد أشار الشيخ ﵀ إلى أن النافع والضار هو الله وحده، فيجب أن يفرد بالعبادة وحده؛ إذ أن عبادة ما سواه باطلة؛ لأنه عاجز عن النفع والضر، والعاجز لايصلح أن يكون إلها. قال ﵀ موضحاً هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلآ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ ١: "بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لايقدر على ردّ الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعاً لمن عبده، ولاضراً لمن عصاه، وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزاً عن النفع والضر ورد الجواب. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله في الأعراف في القصة بعينها: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٢. ولاشك أن من اتخذ من لايكلمه ولايهديه سبيلاً إلها، فإنه من أظلم الظالمين، ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ٣ ٤. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ٥ قال ﵀: "ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن المعبودات من دونه لا تقدر أن تكشف ضراً أراد الله به أحداً، أو تمسك

стр. 101

رحمة أراد بها أحداً، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ١..٢. وبذلك يوضح الشيخ ﵀ أن القادر على النفع والضر هو المستحق للعبادة، ولايقدر على ذلك إلا الله ؛ فهو الإله المعبود وحده. وما ذكره الشيخ ﵀ لم ينفرد به، ولم يكن أول من قاله، بل هو معنى معروف قاله العلماء قبله، وهو عقيدة السلف الصالح المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . قال الحافظ ابن رجب٣ ﵀: "فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ماكتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده؛ فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولايغني عن عابده شيئاً. فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف، والرجاء، والمحبة، والسؤال، والتضرع، والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعاً، وأن يتقى سخطه. ولو كان فيه سخط الخلق جميعاً٤.

стр. 102

وخلاصة القول: أن الشيخ ﵀ استشهد على ألوهية الله، واستحقاقه العبادة بكونه النافع والضار وحده كما صرحت بذلك الأدلة الصريحة الواضحة في كتاب الله تعالى. ثالثاً: الرزاق الرزاق من أسماء الله تعالى الدالة على عظم فضله وكرمه وسخائه؛ فهو الذي يرزق أهل السموات والأرض بأنواع الخيرات والنعم المتتالية. وكما أنه يرزق عباده الدنيا وملذاتها كذلك يرزق الإيمان الموصل إلى الجنة ونعيمها. ولايقدر على ذلك كله إلا الله وحده. فهو المستحق أن يعبد وحده لاشريك له. وقد أوضح الشيخ ﵀ هذا المعنى، وأشار إلى أنه لا يجوز أن تكون العبادة إلا لمن رزق الخلق وأنعم عليهم بالخيرات المتتالية، وهو الله . أما غيره فلا يستحق أن يعبد؛ لأنه عاجز عن رزق العباد، والعاجز لا يكون إلهاً؛ فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُون﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات؛ بإنزال المطر، ولا من الأرض؛ بإنبات النبات، وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون؛ أي لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلاً؛ لانهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء. ويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق؛ لأن أكلهم رزقه وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم بينه الله في مواضع أخر". ثم ذكر ﵀ بعض الآيات الدالة على هذا المعنى؛ منها قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلآ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا

стр. 103

أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١، وغيرها من الآيات٢. وهذا المفهوم الذي قصده الشيخ ﵀ بهذا القول، هو عين ما ارتضاه أئمة التفسير ممن عرفوا بسلامة الاعتقاد. ودقة إيضاح المعاني التي تتضمنها الآيات. أمثال الإمام ابن كثير٣ ﵀ الذي قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً﴾ ٤. يقول الله تعالى إخباراً عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً؛ أي لا يقدر على إنزال مطر، ولا إنبات زرع ولاشجر. ولا يملكون ذلك لأنفسهم؛ أي ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ ٥؛ أي لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً وأمثالاً، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦ أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره" ٧. وخلاصة القول: إن الشيخ الأمين ﵀ يستدل بهذه الصفة العظيمة، وثبوت تفرد الباري سبحانه بها على استحقاقه للألوهية وحده لا شريك له؛ إذ ليس من العقل في شيء أن يأكل الإنسان رزق ربه ويتقلب

стр. 104

في نعمه، ويعبد سواه. رابعاً: عالم الغيب من أسماء الله : العليم، الذي أحاط بكل شيء علماً؛ علم الأمور قبل خلق السموات والأرض، ثم كتبها وقدرها وشاءها، ثم خلقها. وهاهنا يوضح الشيخ ﵀ أنه لاينبغي أن يعبد إلا من اتصف بصفة العلم، وأما من لم يتصف بهذه الصفة العظيمة فهو عبد مقهور محتاج إلى الله تعالى الإله المستحق للعبادة وحده. يقول ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١: "ختم الله هذه السورة الكريمة بهذه الخاتمة العظيمة، فكأنه يقول: الذي يأمركم وينهاكم جدير بأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى؛ لأنه متصف بصفات عظيمة تستوجب أن يفرد بالطاعة، وأن لا يعصى له أمر، فإنه يعلم السر وأخفى"٢. ثم يقول ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿َإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ ٣: "أي كل الأمور راجعة إليه تعالى. ومن الأمور الراجعة إليه بنوآدم وأعمالهم؛ فيجازي كلا منهم بما يستحق من خير أو شر. وفائدة الترتيب بالفاء في قوله تعالى: ﴿فاعبده﴾ الإشارة إلى نكتة؛ وهو أنه لا ينبغي أن يعبد ويخضع ويذل إلا لمن اتصف بهذه الصفات العظيمة، ومثله

стр. 105

قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلآ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ١. ويفهم من مفهوم المخالفة أن الجاهل الذي لا يعلم الغيب لا ينبغي أن يخضع له؛ لأنه مربوب محتاج إلى الله تعالى" ٢. فالشيخ يؤكد أن المتصرف في هذا الكون هو الله وحده، ولا يعلم الغيب غيره، فهو المعبود بحق دون سواه، وأما غيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، فهم عاجزون عن نفع أنفسهم ومعرفة مستقبلهم فضلاً عن نفع غيرهم؛ قال الله تعالى مخبراً عن رسوله ﷺ : ﴿وَلا ضَرّاً إِلآ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لآسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ﴾ ٣.

стр. 106

المطلب الثاني: البراهين الكونية ومن براهين التوحيد: الآيات الكونية التي تسلك بالمخاطب سبيل الحس والمشاهدة، وتدل على عين المطلوب؛ فكل مخلوق يدلّ على وحدانية الخالق وأنه هو المعبود وحده. يتحدث الشيخ ﵀ عن معنى الآية الكونية فيقول: "أما الآية الكونية القدرية فهي العلامة التي نصبها الله كوناً وقدراً ليبين بها لخلقه أنه الرب وحده، والمعبود وحده؛ كفلقه الحب من السنبل، والنوى عن النخل، وكإتيانه بالليل بدل النهار، والنهار بدل الليل، وتسخير الشمس والقمر، وخلقه النجوم ليهتدى بها. فهذه آيات كونية قدرية"١. فالآيات الكونية من عجائب صنع الله، وهي تدل على وحدانيته، واستحقاقه العبادة وحده، وقد أمرنا الله أن نتفكر فيها وننظر إليها حتى نوحده في ألوهيته جل وعلا. يقول الشيخ الأمين ﵀ في بيان هذا الجانب: "أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية٢ ووبخ في سورة الأعراف من لم يمتثل هذا الأمر، وهدده بأنه يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر في أمر الله

стр. 107

جل وعلا، أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله جل وعلا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ١ ٢. ويوضح لنا ﵀ في مكان آخر الحكمة من النظر في هذه الآيات الكونية التي أمر الله بالنظر إليها، وأن مراد الله من النظر في تلك الآيات هو الاستدلال على أنه سبحانه المستحق للعبادة، وأن له الكبرياء والعظمة، وأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق: يقول ﵀ مبيناً هذا الجانب عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ٣: "ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته؛ أي الكونية القدرية، ليجعلها علامات لهم على ربوبيته واستحقاقه العبادة وحده فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ماجاء به محمد ﷺ حق؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ﴾ ٤. والآفاق: جمع أفق؛ وهو الناحية. والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه، وعجائب مخلوقاته في نواحي سماواته وأرضه مايتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده" ٥. وبذلك يبين الشيخ ﵀ أن النظر وسيلة إلى عبادة الله، وليس غاية يقف عنده المتأمل وقفة حيرة وغفلة، وإنما نظرة تفكر واتعاظ تأخذ بصاحبها

стр. 108

إلى الحق، وتخرجه من الظلمة إلى النور. وقد أوضح ﵀ البراهين الكونية الدالة على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة –والتي تضمنها القرآن الكريم- بالإجمال في مواضع، وبالتفصيل في مواضع؛ فذكر ستة أنواع تضمنتها أول سورة الجاثية، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. فقال ﵀ مبيناً هذا الجانب: "ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى: الأول منها: خلقه السموات والأرض. الثاني: خلقه الناس. الثالث: خلقه الدواب. الرابع: اختلاف الليل والنهار. الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به. السادس: تصريف الرياح. وذكر أن هذه الآيات والبراهين إنما ينتفع بها المؤمنون الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم، ولذا قال: ﴿لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢ ٣. ثم سرد ﵀ بعد ذلك الأدلة من القرآن الكريم، والتي تدل على

стр. 109

كل نوع من الأنواع الستة السالفة، كما هي طريقته ﵀ في تفسير القرآن بالقرآن؛ فاستدل للنوع الأول بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١. واستدل للنوع الثاني بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٢. ومن الآيات التي استدل بها للنوع الثالث؛ خلق الدواب؛ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣. واستدل لاختلاف الليل والنهار بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ ٤. واستدل لإنزال الماء وإحياء الأرض به بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّا ًفَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّا ًوَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٥. واستدل لتصريف الرياح بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ ٦. إلى غير ذلك من الآيات٧.

стр. 110

وفيما يلي أورد تفصيلاً للبراهين السالفة التي مر ذكرها مجملة. وأورد معها براهين أخرى غيرها ذكرها الشيخ الأمين ﵀، ورتبها حسب أهميتها. فمنها: أولاً: خلق السموات والأرض: خلق السموات والأرض من أعظم الأدلة القاطعة على أن الله هو المستحق أن يعبد وحده؛ فهي دليل حي مشاهد ناطق على وجود الخالق القادر المتفرد بالعبادة. يوضح الشيخ ﵀ هذا البرهان فيقول: "وقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً؛ بخلقه للسموات والأرض ومابينهما، في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية١. وبذلك تعلم أنه ماخلق السموات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبسا بأعظم الحق؛ الذي هو إقامة البرهان القاطع المذكور على توحيده جل وعلا. عُلم من استقراء القرآن أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها هي كونه خالقاً لغيره، فمن كان خالقاً لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لايقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال" ٢. وقال ﵀ في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ
следующие страницы →